Tafsir Makhi — الواقعة 56:56 – الواقعة 56:96
المحتويات
- الواقعة 56:56
- الواقعة 56:57
- الواقعة 56:58
- الواقعة 56:59
- الواقعة 56:60
- الواقعة 56:61
- الواقعة 56:62
- الواقعة 56:63
- الواقعة 56:64
- الواقعة 56:65
- الواقعة 56:66
- الواقعة 56:67
- الواقعة 56:68
- الواقعة 56:69
- الواقعة 56:70
- الواقعة 56:71
- الواقعة 56:72
- الواقعة 56:73
- الواقعة 56:74
- الواقعة 56:75
- الواقعة 56:76
- الواقعة 56:77
- الواقعة 56:78
- الواقعة 56:79
- الواقعة 56:80
- الواقعة 56:81
- الواقعة 56:82
- الواقعة 56:83
- الواقعة 56:84
- الواقعة 56:85
- الواقعة 56:86
- الواقعة 56:87
- الواقعة 56:88
- الواقعة 56:89
- الواقعة 56:90
- الواقعة 56:91
- الواقعة 56:92
- الواقعة 56:93
- الواقعة 56:94
- الواقعة 56:95
- الواقعة 56:96
الواقعة 56:56
قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ الآيات.
أي إن أصحاب الشمال كانوا (قبل ذلك) في الدنيا منعمين بالحرام.
* *
ثم قال: ﴿وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: يصرون على الشرك بالله، قال الضحاك وقتادة والفراء وغيرهم، أي: كانوا يتمادون عليه ولا يتوبون (سبحانه عما يصفون) منه، ولا يستغفرون من شركهم بالله عز وجل.
وقال مجاهد: ﴿عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ على الذنب العظيم، وقاله ابن زيد ثم فسره ابن زيد فقال هو الشرك.
وقيل هو قسمهم أن الله لا يبعث أحداً، ودل على ذلك قوله بعده ﴿وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾.
(أنكروا البعث) فقيل لهم: ﴿قُلْ إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ وَٱلآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾.
أي إنكم وأباؤكم ومن بعدكم، ومن قبل أبائكم لا بد من بعثكم يوم القيامة ومجازاتكم على أعمالكم.
* *
ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضِّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ * لأَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ﴾.
أي أنكم بعد البعث أيها الضالون عن الحق لأكلون من شجر جهنم، وهي الزقوم.
﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ﴾ أي: من الشجرة، أو من الشجر.
* *
ثم قال: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْحَمِيمِ﴾ أي: على الزقوم من الحميم، وهو الماء الذي قد بلغ في الحرارة.
﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ﴾ [الهيمُ جمع أهيم، وهي الإبل يصيبها داء فلا تروى من الماء، وقد قيل الهيم] جمع هائم وهائمة.
قال ابن عباس شرب الهيم: شرب الإبل العطاش.
وقال عكرمة هي الإبل المراض تمص الماء معا ولا تروى، وعنه أنها الإبل يأخذها العطش، فلا تزال تشرب حتى تهلك.
(وقال الضحاك) الهيم: الإبل العطاش تشرب فلا تروى يأخذها داء يقال له الهيام.
وقال ابن عباس الهيم: الهيام من الأرض يعني الرمل.
* *
ثم قال: ﴿هَـٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾ أي: هذا الذي وصف رزق هؤلاء يوم الجزاء.
* *
ثم قال: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ﴾ أي: نحن خلقناكم يا مكذبون بالبعث، ولم تكونوا شيئاً، فهل لا تصدقون من أنشأكم أولاً، أنه ينشئكم آخرا.
* *
ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ * ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ﴾ أي: أفرأيتم أيها المكذبون بالبعث، المنكرون قدرة الله عز وجل على إحيائكم بعد موتكم هذه النطفة التي تمنون في أرحام نسائكم، يقال (أمنى ومنى، وأمنى): أكثر.
[﴿ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ أي: تخلقون ذلك المني حتى يصير فيه الروح].
* *
﴿أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ﴾.
* *
ثم قال: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ أي: عجلناه على قوم وأخرناه عن قوم إلى وقت مسمى، أي: منكم قريب الأجل ومنكم بعيد الأجل.
﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي: في أجالكم لا يسبق متقدم فيتأخر، ولا متأخر فيتقدم، بل لا يتقدم أجل قبل وقته ولا يتأخر عن وقته.
* *
ثم قال: ﴿عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ﴾.
قال الطبري معناه: نحن قدرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم بعد موتكم فنحيي بأخرين من جنسكم.
وقيل التقدير: وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم، (أي إن أردنا) أن نبدل أمثالكم منكم لم يسبقنا إلى ذلك سابق.
* *
وقوله: ﴿وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ في أي: خلق شاء.
وقيل: قردة وخنازير.
وقيل يخلق لهم أبداناً للبقاء، لأن هذه للفناء خلقت.
وقيل معناه في عالم لا تعلمون، أو في مكان لا تعلمون.
وقيل المعنى: وننشئكم في غير هذه الصور، فننشئ المؤمنين يوم القيامة في أحسن الصور وإن كانوا في الدنيا قبحاً، وننشئ الكافرين في أقبح الصور وإن كان في الدنيا نبلاً.
* *
ثم قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: ولقد علمتم الأحداث الأول، فلقد أحدثناكم ولم تكونوا شيئاً، فهلا تذكرون فتعلمون أن من فعل ذلك قادر على إنشاء آخر متى شاء.
وقال قتادة: ولقد علمتم النشأة الأولى (بعد خلق) آدم عليه السلام فلست تسأل أحداً من الناس إلا نبأك أن الله جل ذكره خلق آدم من طين.
* *
ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ﴾.
أي أفرأيتم أيها الناس الحرث الذي تحرثونه أنتم تنبتونه وتصيرونه زرعاً أم نحن نجعله كذلك.
وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تقل زرعت لكن قل حرثت، ثم تلا أبو هريرة الآية.
* *
ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً﴾ أي: لجعلنا الزرع هشيماً لا ينتفع به في مطعم ولا ثمر.
* *
ثم قال: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ أي: فظلتم تتعجبون مما نزل بكم وبزرعكم من المصيبة، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة.
وقال عكرمة معناه فظلتم تلاومون بينكم في تفريطكم في طاعة ربكم بما نزل بكم.
وقال الحسن تفكهون: تندمون على ما سلف منكم من معصية الله جل وعز التي أوجبت عليكم العقوبة، وروي مثل ذلك أيضاً عن قتادة.
وقال ابن زيد تفكهون: تفجعون، ومعنى فظلتم: فأقمتم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أي: لمولع بنا، قاله عكرمة ومجاهد.
وعن مجاهد أيضاً لمغرمون: لملقون للشر.
وقيل معناه لمعذبون، والغرام عند العرب الهلاك والعذاب.
* *
ثم قال: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: [مجدون لا حظ لنا].
وقال قتادة: معناه: محارفون.
* *
ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ﴾ أي: أنتم أنزلتموه من السحاب إلى قرار الأرض، أم نحن المنزلون.
قال مجاهد: وقتادة وابن زيد المزن: السحاب.
وقال ابن عباس المزن: السماء والسحاب، وهو قول سفيان.
* *
ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً﴾ أي: جعلنا الماء مراً مالحاً فلا تشربون منه ولا تنتفعون به في زروعكم وكرومكم.
﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ أي: فهلا تشكرون الله على ما فعل بكم.
الواقعة 56:57
قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ الآيات.
أي إن أصحاب الشمال كانوا (قبل ذلك) في الدنيا منعمين بالحرام.
* *
ثم قال: ﴿وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: يصرون على الشرك بالله، قال الضحاك وقتادة والفراء وغيرهم، أي: كانوا يتمادون عليه ولا يتوبون (سبحانه عما يصفون) منه، ولا يستغفرون من شركهم بالله عز وجل.
وقال مجاهد: ﴿عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ على الذنب العظيم، وقاله ابن زيد ثم فسره ابن زيد فقال هو الشرك.
وقيل هو قسمهم أن الله لا يبعث أحداً، ودل على ذلك قوله بعده ﴿وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾.
(أنكروا البعث) فقيل لهم: ﴿قُلْ إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ وَٱلآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾.
أي إنكم وأباؤكم ومن بعدكم، ومن قبل أبائكم لا بد من بعثكم يوم القيامة ومجازاتكم على أعمالكم.
* *
ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضِّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ * لأَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ﴾.
أي أنكم بعد البعث أيها الضالون عن الحق لأكلون من شجر جهنم، وهي الزقوم.
﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ﴾ أي: من الشجرة، أو من الشجر.
* *
ثم قال: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْحَمِيمِ﴾ أي: على الزقوم من الحميم، وهو الماء الذي قد بلغ في الحرارة.
﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ﴾ [الهيمُ جمع أهيم، وهي الإبل يصيبها داء فلا تروى من الماء، وقد قيل الهيم] جمع هائم وهائمة.
قال ابن عباس شرب الهيم: شرب الإبل العطاش.
وقال عكرمة هي الإبل المراض تمص الماء معا ولا تروى، وعنه أنها الإبل يأخذها العطش، فلا تزال تشرب حتى تهلك.
(وقال الضحاك) الهيم: الإبل العطاش تشرب فلا تروى يأخذها داء يقال له الهيام.
وقال ابن عباس الهيم: الهيام من الأرض يعني الرمل.
* *
ثم قال: ﴿هَـٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾ أي: هذا الذي وصف رزق هؤلاء يوم الجزاء.
* *
ثم قال: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ﴾ أي: نحن خلقناكم يا مكذبون بالبعث، ولم تكونوا شيئاً، فهل لا تصدقون من أنشأكم أولاً، أنه ينشئكم آخرا.
* *
ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ * ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ﴾ أي: أفرأيتم أيها المكذبون بالبعث، المنكرون قدرة الله عز وجل على إحيائكم بعد موتكم هذه النطفة التي تمنون في أرحام نسائكم، يقال (أمنى ومنى، وأمنى): أكثر.
[﴿ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ أي: تخلقون ذلك المني حتى يصير فيه الروح].
* *
﴿أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ﴾.
* *
ثم قال: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ أي: عجلناه على قوم وأخرناه عن قوم إلى وقت مسمى، أي: منكم قريب الأجل ومنكم بعيد الأجل.
﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي: في أجالكم لا يسبق متقدم فيتأخر، ولا متأخر فيتقدم، بل لا يتقدم أجل قبل وقته ولا يتأخر عن وقته.
* *
ثم قال: ﴿عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ﴾.
قال الطبري معناه: نحن قدرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم بعد موتكم فنحيي بأخرين من جنسكم.
وقيل التقدير: وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم، (أي إن أردنا) أن نبدل أمثالكم منكم لم يسبقنا إلى ذلك سابق.
* *
وقوله: ﴿وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ في أي: خلق شاء.
وقيل: قردة وخنازير.
وقيل يخلق لهم أبداناً للبقاء، لأن هذه للفناء خلقت.
وقيل معناه في عالم لا تعلمون، أو في مكان لا تعلمون.
وقيل المعنى: وننشئكم في غير هذه الصور، فننشئ المؤمنين يوم القيامة في أحسن الصور وإن كانوا في الدنيا قبحاً، وننشئ الكافرين في أقبح الصور وإن كان في الدنيا نبلاً.
* *
ثم قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: ولقد علمتم الأحداث الأول، فلقد أحدثناكم ولم تكونوا شيئاً، فهلا تذكرون فتعلمون أن من فعل ذلك قادر على إنشاء آخر متى شاء.
وقال قتادة: ولقد علمتم النشأة الأولى (بعد خلق) آدم عليه السلام فلست تسأل أحداً من الناس إلا نبأك أن الله جل ذكره خلق آدم من طين.
* *
ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ﴾.
أي أفرأيتم أيها الناس الحرث الذي تحرثونه أنتم تنبتونه وتصيرونه زرعاً أم نحن نجعله كذلك.
وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تقل زرعت لكن قل حرثت، ثم تلا أبو هريرة الآية.
* *
ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً﴾ أي: لجعلنا الزرع هشيماً لا ينتفع به في مطعم ولا ثمر.
* *
ثم قال: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ أي: فظلتم تتعجبون مما نزل بكم وبزرعكم من المصيبة، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة.
وقال عكرمة معناه فظلتم تلاومون بينكم في تفريطكم في طاعة ربكم بما نزل بكم.
وقال الحسن تفكهون: تندمون على ما سلف منكم من معصية الله جل وعز التي أوجبت عليكم العقوبة، وروي مثل ذلك أيضاً عن قتادة.
وقال ابن زيد تفكهون: تفجعون، ومعنى فظلتم: فأقمتم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أي: لمولع بنا، قاله عكرمة ومجاهد.
وعن مجاهد أيضاً لمغرمون: لملقون للشر.
وقيل معناه لمعذبون، والغرام عند العرب الهلاك والعذاب.
* *
ثم قال: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: [مجدون لا حظ لنا].
وقال قتادة: معناه: محارفون.
* *
ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ﴾ أي: أنتم أنزلتموه من السحاب إلى قرار الأرض، أم نحن المنزلون.
قال مجاهد: وقتادة وابن زيد المزن: السحاب.
وقال ابن عباس المزن: السماء والسحاب، وهو قول سفيان.
* *
ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً﴾ أي: جعلنا الماء مراً مالحاً فلا تشربون منه ولا تنتفعون به في زروعكم وكرومكم.
﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ أي: فهلا تشكرون الله على ما فعل بكم.
الواقعة 56:58
قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ الآيات.
أي إن أصحاب الشمال كانوا (قبل ذلك) في الدنيا منعمين بالحرام.
* *
ثم قال: ﴿وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: يصرون على الشرك بالله، قال الضحاك وقتادة والفراء وغيرهم، أي: كانوا يتمادون عليه ولا يتوبون (سبحانه عما يصفون) منه، ولا يستغفرون من شركهم بالله عز وجل.
وقال مجاهد: ﴿عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ على الذنب العظيم، وقاله ابن زيد ثم فسره ابن زيد فقال هو الشرك.
وقيل هو قسمهم أن الله لا يبعث أحداً، ودل على ذلك قوله بعده ﴿وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾.
(أنكروا البعث) فقيل لهم: ﴿قُلْ إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ وَٱلآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾.
أي إنكم وأباؤكم ومن بعدكم، ومن قبل أبائكم لا بد من بعثكم يوم القيامة ومجازاتكم على أعمالكم.
* *
ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضِّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ * لأَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ﴾.
أي أنكم بعد البعث أيها الضالون عن الحق لأكلون من شجر جهنم، وهي الزقوم.
﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ﴾ أي: من الشجرة، أو من الشجر.
* *
ثم قال: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْحَمِيمِ﴾ أي: على الزقوم من الحميم، وهو الماء الذي قد بلغ في الحرارة.
﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ﴾ [الهيمُ جمع أهيم، وهي الإبل يصيبها داء فلا تروى من الماء، وقد قيل الهيم] جمع هائم وهائمة.
قال ابن عباس شرب الهيم: شرب الإبل العطاش.
وقال عكرمة هي الإبل المراض تمص الماء معا ولا تروى، وعنه أنها الإبل يأخذها العطش، فلا تزال تشرب حتى تهلك.
(وقال الضحاك) الهيم: الإبل العطاش تشرب فلا تروى يأخذها داء يقال له الهيام.
وقال ابن عباس الهيم: الهيام من الأرض يعني الرمل.
* *
ثم قال: ﴿هَـٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾ أي: هذا الذي وصف رزق هؤلاء يوم الجزاء.
* *
ثم قال: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ﴾ أي: نحن خلقناكم يا مكذبون بالبعث، ولم تكونوا شيئاً، فهل لا تصدقون من أنشأكم أولاً، أنه ينشئكم آخرا.
* *
ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ * ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ﴾ أي: أفرأيتم أيها المكذبون بالبعث، المنكرون قدرة الله عز وجل على إحيائكم بعد موتكم هذه النطفة التي تمنون في أرحام نسائكم، يقال (أمنى ومنى، وأمنى): أكثر.
[﴿ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ أي: تخلقون ذلك المني حتى يصير فيه الروح].
* *
﴿أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ﴾.
* *
ثم قال: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ أي: عجلناه على قوم وأخرناه عن قوم إلى وقت مسمى، أي: منكم قريب الأجل ومنكم بعيد الأجل.
﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي: في أجالكم لا يسبق متقدم فيتأخر، ولا متأخر فيتقدم، بل لا يتقدم أجل قبل وقته ولا يتأخر عن وقته.
* *
ثم قال: ﴿عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ﴾.
قال الطبري معناه: نحن قدرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم بعد موتكم فنحيي بأخرين من جنسكم.
وقيل التقدير: وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم، (أي إن أردنا) أن نبدل أمثالكم منكم لم يسبقنا إلى ذلك سابق.
* *
وقوله: ﴿وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ في أي: خلق شاء.
وقيل: قردة وخنازير.
وقيل يخلق لهم أبداناً للبقاء، لأن هذه للفناء خلقت.
وقيل معناه في عالم لا تعلمون، أو في مكان لا تعلمون.
وقيل المعنى: وننشئكم في غير هذه الصور، فننشئ المؤمنين يوم القيامة في أحسن الصور وإن كانوا في الدنيا قبحاً، وننشئ الكافرين في أقبح الصور وإن كان في الدنيا نبلاً.
* *
ثم قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: ولقد علمتم الأحداث الأول، فلقد أحدثناكم ولم تكونوا شيئاً، فهلا تذكرون فتعلمون أن من فعل ذلك قادر على إنشاء آخر متى شاء.
وقال قتادة: ولقد علمتم النشأة الأولى (بعد خلق) آدم عليه السلام فلست تسأل أحداً من الناس إلا نبأك أن الله جل ذكره خلق آدم من طين.
* *
ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ﴾.
أي أفرأيتم أيها الناس الحرث الذي تحرثونه أنتم تنبتونه وتصيرونه زرعاً أم نحن نجعله كذلك.
وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تقل زرعت لكن قل حرثت، ثم تلا أبو هريرة الآية.
* *
ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً﴾ أي: لجعلنا الزرع هشيماً لا ينتفع به في مطعم ولا ثمر.
* *
ثم قال: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ أي: فظلتم تتعجبون مما نزل بكم وبزرعكم من المصيبة، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة.
وقال عكرمة معناه فظلتم تلاومون بينكم في تفريطكم في طاعة ربكم بما نزل بكم.
وقال الحسن تفكهون: تندمون على ما سلف منكم من معصية الله جل وعز التي أوجبت عليكم العقوبة، وروي مثل ذلك أيضاً عن قتادة.
وقال ابن زيد تفكهون: تفجعون، ومعنى فظلتم: فأقمتم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أي: لمولع بنا، قاله عكرمة ومجاهد.
وعن مجاهد أيضاً لمغرمون: لملقون للشر.
وقيل معناه لمعذبون، والغرام عند العرب الهلاك والعذاب.
* *
ثم قال: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: [مجدون لا حظ لنا].
وقال قتادة: معناه: محارفون.
* *
ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ﴾ أي: أنتم أنزلتموه من السحاب إلى قرار الأرض، أم نحن المنزلون.
قال مجاهد: وقتادة وابن زيد المزن: السحاب.
وقال ابن عباس المزن: السماء والسحاب، وهو قول سفيان.
* *
ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً﴾ أي: جعلنا الماء مراً مالحاً فلا تشربون منه ولا تنتفعون به في زروعكم وكرومكم.
﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ أي: فهلا تشكرون الله على ما فعل بكم.
الواقعة 56:59
قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ الآيات.
أي إن أصحاب الشمال كانوا (قبل ذلك) في الدنيا منعمين بالحرام.
* *
ثم قال: ﴿وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: يصرون على الشرك بالله، قال الضحاك وقتادة والفراء وغيرهم، أي: كانوا يتمادون عليه ولا يتوبون (سبحانه عما يصفون) منه، ولا يستغفرون من شركهم بالله عز وجل.
وقال مجاهد: ﴿عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ على الذنب العظيم، وقاله ابن زيد ثم فسره ابن زيد فقال هو الشرك.
وقيل هو قسمهم أن الله لا يبعث أحداً، ودل على ذلك قوله بعده ﴿وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾.
(أنكروا البعث) فقيل لهم: ﴿قُلْ إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ وَٱلآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾.
أي إنكم وأباؤكم ومن بعدكم، ومن قبل أبائكم لا بد من بعثكم يوم القيامة ومجازاتكم على أعمالكم.
* *
ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضِّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ * لأَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ﴾.
أي أنكم بعد البعث أيها الضالون عن الحق لأكلون من شجر جهنم، وهي الزقوم.
﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ﴾ أي: من الشجرة، أو من الشجر.
* *
ثم قال: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْحَمِيمِ﴾ أي: على الزقوم من الحميم، وهو الماء الذي قد بلغ في الحرارة.
﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ﴾ [الهيمُ جمع أهيم، وهي الإبل يصيبها داء فلا تروى من الماء، وقد قيل الهيم] جمع هائم وهائمة.
قال ابن عباس شرب الهيم: شرب الإبل العطاش.
وقال عكرمة هي الإبل المراض تمص الماء معا ولا تروى، وعنه أنها الإبل يأخذها العطش، فلا تزال تشرب حتى تهلك.
(وقال الضحاك) الهيم: الإبل العطاش تشرب فلا تروى يأخذها داء يقال له الهيام.
وقال ابن عباس الهيم: الهيام من الأرض يعني الرمل.
* *
ثم قال: ﴿هَـٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾ أي: هذا الذي وصف رزق هؤلاء يوم الجزاء.
* *
ثم قال: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ﴾ أي: نحن خلقناكم يا مكذبون بالبعث، ولم تكونوا شيئاً، فهل لا تصدقون من أنشأكم أولاً، أنه ينشئكم آخرا.
* *
ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ * ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ﴾ أي: أفرأيتم أيها المكذبون بالبعث، المنكرون قدرة الله عز وجل على إحيائكم بعد موتكم هذه النطفة التي تمنون في أرحام نسائكم، يقال (أمنى ومنى، وأمنى): أكثر.
[﴿ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ أي: تخلقون ذلك المني حتى يصير فيه الروح].
* *
﴿أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ﴾.
* *
ثم قال: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ أي: عجلناه على قوم وأخرناه عن قوم إلى وقت مسمى، أي: منكم قريب الأجل ومنكم بعيد الأجل.
﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي: في أجالكم لا يسبق متقدم فيتأخر، ولا متأخر فيتقدم، بل لا يتقدم أجل قبل وقته ولا يتأخر عن وقته.
* *
ثم قال: ﴿عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ﴾.
قال الطبري معناه: نحن قدرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم بعد موتكم فنحيي بأخرين من جنسكم.
وقيل التقدير: وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم، (أي إن أردنا) أن نبدل أمثالكم منكم لم يسبقنا إلى ذلك سابق.
* *
وقوله: ﴿وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ في أي: خلق شاء.
وقيل: قردة وخنازير.
وقيل يخلق لهم أبداناً للبقاء، لأن هذه للفناء خلقت.
وقيل معناه في عالم لا تعلمون، أو في مكان لا تعلمون.
وقيل المعنى: وننشئكم في غير هذه الصور، فننشئ المؤمنين يوم القيامة في أحسن الصور وإن كانوا في الدنيا قبحاً، وننشئ الكافرين في أقبح الصور وإن كان في الدنيا نبلاً.
* *
ثم قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: ولقد علمتم الأحداث الأول، فلقد أحدثناكم ولم تكونوا شيئاً، فهلا تذكرون فتعلمون أن من فعل ذلك قادر على إنشاء آخر متى شاء.
وقال قتادة: ولقد علمتم النشأة الأولى (بعد خلق) آدم عليه السلام فلست تسأل أحداً من الناس إلا نبأك أن الله جل ذكره خلق آدم من طين.
* *
ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ﴾.
أي أفرأيتم أيها الناس الحرث الذي تحرثونه أنتم تنبتونه وتصيرونه زرعاً أم نحن نجعله كذلك.
وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تقل زرعت لكن قل حرثت، ثم تلا أبو هريرة الآية.
* *
ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً﴾ أي: لجعلنا الزرع هشيماً لا ينتفع به في مطعم ولا ثمر.
* *
ثم قال: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ أي: فظلتم تتعجبون مما نزل بكم وبزرعكم من المصيبة، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة.
وقال عكرمة معناه فظلتم تلاومون بينكم في تفريطكم في طاعة ربكم بما نزل بكم.
وقال الحسن تفكهون: تندمون على ما سلف منكم من معصية الله جل وعز التي أوجبت عليكم العقوبة، وروي مثل ذلك أيضاً عن قتادة.
وقال ابن زيد تفكهون: تفجعون، ومعنى فظلتم: فأقمتم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أي: لمولع بنا، قاله عكرمة ومجاهد.
وعن مجاهد أيضاً لمغرمون: لملقون للشر.
وقيل معناه لمعذبون، والغرام عند العرب الهلاك والعذاب.
* *
ثم قال: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: [مجدون لا حظ لنا].
وقال قتادة: معناه: محارفون.
* *
ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ﴾ أي: أنتم أنزلتموه من السحاب إلى قرار الأرض، أم نحن المنزلون.
قال مجاهد: وقتادة وابن زيد المزن: السحاب.
وقال ابن عباس المزن: السماء والسحاب، وهو قول سفيان.
* *
ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً﴾ أي: جعلنا الماء مراً مالحاً فلا تشربون منه ولا تنتفعون به في زروعكم وكرومكم.
﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ أي: فهلا تشكرون الله على ما فعل بكم.
الواقعة 56:60
قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ الآيات.
أي إن أصحاب الشمال كانوا (قبل ذلك) في الدنيا منعمين بالحرام.
* *
ثم قال: ﴿وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: يصرون على الشرك بالله، قال الضحاك وقتادة والفراء وغيرهم، أي: كانوا يتمادون عليه ولا يتوبون (سبحانه عما يصفون) منه، ولا يستغفرون من شركهم بالله عز وجل.
وقال مجاهد: ﴿عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ على الذنب العظيم، وقاله ابن زيد ثم فسره ابن زيد فقال هو الشرك.
وقيل هو قسمهم أن الله لا يبعث أحداً، ودل على ذلك قوله بعده ﴿وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾.
(أنكروا البعث) فقيل لهم: ﴿قُلْ إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ وَٱلآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾.
أي إنكم وأباؤكم ومن بعدكم، ومن قبل أبائكم لا بد من بعثكم يوم القيامة ومجازاتكم على أعمالكم.
* *
ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضِّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ * لأَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ﴾.
أي أنكم بعد البعث أيها الضالون عن الحق لأكلون من شجر جهنم، وهي الزقوم.
﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ﴾ أي: من الشجرة، أو من الشجر.
* *
ثم قال: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْحَمِيمِ﴾ أي: على الزقوم من الحميم، وهو الماء الذي قد بلغ في الحرارة.
﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ﴾ [الهيمُ جمع أهيم، وهي الإبل يصيبها داء فلا تروى من الماء، وقد قيل الهيم] جمع هائم وهائمة.
قال ابن عباس شرب الهيم: شرب الإبل العطاش.
وقال عكرمة هي الإبل المراض تمص الماء معا ولا تروى، وعنه أنها الإبل يأخذها العطش، فلا تزال تشرب حتى تهلك.
(وقال الضحاك) الهيم: الإبل العطاش تشرب فلا تروى يأخذها داء يقال له الهيام.
وقال ابن عباس الهيم: الهيام من الأرض يعني الرمل.
* *
ثم قال: ﴿هَـٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾ أي: هذا الذي وصف رزق هؤلاء يوم الجزاء.
* *
ثم قال: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ﴾ أي: نحن خلقناكم يا مكذبون بالبعث، ولم تكونوا شيئاً، فهل لا تصدقون من أنشأكم أولاً، أنه ينشئكم آخرا.
* *
ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ * ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ﴾ أي: أفرأيتم أيها المكذبون بالبعث، المنكرون قدرة الله عز وجل على إحيائكم بعد موتكم هذه النطفة التي تمنون في أرحام نسائكم، يقال (أمنى ومنى، وأمنى): أكثر.
[﴿ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ أي: تخلقون ذلك المني حتى يصير فيه الروح].
* *
﴿أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ﴾.
* *
ثم قال: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ أي: عجلناه على قوم وأخرناه عن قوم إلى وقت مسمى، أي: منكم قريب الأجل ومنكم بعيد الأجل.
﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي: في أجالكم لا يسبق متقدم فيتأخر، ولا متأخر فيتقدم، بل لا يتقدم أجل قبل وقته ولا يتأخر عن وقته.
* *
ثم قال: ﴿عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ﴾.
قال الطبري معناه: نحن قدرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم بعد موتكم فنحيي بأخرين من جنسكم.
وقيل التقدير: وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم، (أي إن أردنا) أن نبدل أمثالكم منكم لم يسبقنا إلى ذلك سابق.
* *
وقوله: ﴿وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ في أي: خلق شاء.
وقيل: قردة وخنازير.
وقيل يخلق لهم أبداناً للبقاء، لأن هذه للفناء خلقت.
وقيل معناه في عالم لا تعلمون، أو في مكان لا تعلمون.
وقيل المعنى: وننشئكم في غير هذه الصور، فننشئ المؤمنين يوم القيامة في أحسن الصور وإن كانوا في الدنيا قبحاً، وننشئ الكافرين في أقبح الصور وإن كان في الدنيا نبلاً.
* *
ثم قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: ولقد علمتم الأحداث الأول، فلقد أحدثناكم ولم تكونوا شيئاً، فهلا تذكرون فتعلمون أن من فعل ذلك قادر على إنشاء آخر متى شاء.
وقال قتادة: ولقد علمتم النشأة الأولى (بعد خلق) آدم عليه السلام فلست تسأل أحداً من الناس إلا نبأك أن الله جل ذكره خلق آدم من طين.
* *
ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ﴾.
أي أفرأيتم أيها الناس الحرث الذي تحرثونه أنتم تنبتونه وتصيرونه زرعاً أم نحن نجعله كذلك.
وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تقل زرعت لكن قل حرثت، ثم تلا أبو هريرة الآية.
* *
ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً﴾ أي: لجعلنا الزرع هشيماً لا ينتفع به في مطعم ولا ثمر.
* *
ثم قال: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ أي: فظلتم تتعجبون مما نزل بكم وبزرعكم من المصيبة، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة.
وقال عكرمة معناه فظلتم تلاومون بينكم في تفريطكم في طاعة ربكم بما نزل بكم.
وقال الحسن تفكهون: تندمون على ما سلف منكم من معصية الله جل وعز التي أوجبت عليكم العقوبة، وروي مثل ذلك أيضاً عن قتادة.
وقال ابن زيد تفكهون: تفجعون، ومعنى فظلتم: فأقمتم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أي: لمولع بنا، قاله عكرمة ومجاهد.
وعن مجاهد أيضاً لمغرمون: لملقون للشر.
وقيل معناه لمعذبون، والغرام عند العرب الهلاك والعذاب.
* *
ثم قال: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: [مجدون لا حظ لنا].
وقال قتادة: معناه: محارفون.
* *
ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ﴾ أي: أنتم أنزلتموه من السحاب إلى قرار الأرض، أم نحن المنزلون.
قال مجاهد: وقتادة وابن زيد المزن: السحاب.
وقال ابن عباس المزن: السماء والسحاب، وهو قول سفيان.
* *
ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً﴾ أي: جعلنا الماء مراً مالحاً فلا تشربون منه ولا تنتفعون به في زروعكم وكرومكم.
﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ أي: فهلا تشكرون الله على ما فعل بكم.
الواقعة 56:61
قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ الآيات.
أي إن أصحاب الشمال كانوا (قبل ذلك) في الدنيا منعمين بالحرام.
* *
ثم قال: ﴿وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: يصرون على الشرك بالله، قال الضحاك وقتادة والفراء وغيرهم، أي: كانوا يتمادون عليه ولا يتوبون (سبحانه عما يصفون) منه، ولا يستغفرون من شركهم بالله عز وجل.
وقال مجاهد: ﴿عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ على الذنب العظيم، وقاله ابن زيد ثم فسره ابن زيد فقال هو الشرك.
وقيل هو قسمهم أن الله لا يبعث أحداً، ودل على ذلك قوله بعده ﴿وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾.
(أنكروا البعث) فقيل لهم: ﴿قُلْ إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ وَٱلآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾.
أي إنكم وأباؤكم ومن بعدكم، ومن قبل أبائكم لا بد من بعثكم يوم القيامة ومجازاتكم على أعمالكم.
* *
ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضِّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ * لأَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ﴾.
أي أنكم بعد البعث أيها الضالون عن الحق لأكلون من شجر جهنم، وهي الزقوم.
﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ﴾ أي: من الشجرة، أو من الشجر.
* *
ثم قال: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْحَمِيمِ﴾ أي: على الزقوم من الحميم، وهو الماء الذي قد بلغ في الحرارة.
﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ﴾ [الهيمُ جمع أهيم، وهي الإبل يصيبها داء فلا تروى من الماء، وقد قيل الهيم] جمع هائم وهائمة.
قال ابن عباس شرب الهيم: شرب الإبل العطاش.
وقال عكرمة هي الإبل المراض تمص الماء معا ولا تروى، وعنه أنها الإبل يأخذها العطش، فلا تزال تشرب حتى تهلك.
(وقال الضحاك) الهيم: الإبل العطاش تشرب فلا تروى يأخذها داء يقال له الهيام.
وقال ابن عباس الهيم: الهيام من الأرض يعني الرمل.
* *
ثم قال: ﴿هَـٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾ أي: هذا الذي وصف رزق هؤلاء يوم الجزاء.
* *
ثم قال: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ﴾ أي: نحن خلقناكم يا مكذبون بالبعث، ولم تكونوا شيئاً، فهل لا تصدقون من أنشأكم أولاً، أنه ينشئكم آخرا.
* *
ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ * ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ﴾ أي: أفرأيتم أيها المكذبون بالبعث، المنكرون قدرة الله عز وجل على إحيائكم بعد موتكم هذه النطفة التي تمنون في أرحام نسائكم، يقال (أمنى ومنى، وأمنى): أكثر.
[﴿ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ أي: تخلقون ذلك المني حتى يصير فيه الروح].
* *
﴿أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ﴾.
* *
ثم قال: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ أي: عجلناه على قوم وأخرناه عن قوم إلى وقت مسمى، أي: منكم قريب الأجل ومنكم بعيد الأجل.
﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي: في أجالكم لا يسبق متقدم فيتأخر، ولا متأخر فيتقدم، بل لا يتقدم أجل قبل وقته ولا يتأخر عن وقته.
* *
ثم قال: ﴿عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ﴾.
قال الطبري معناه: نحن قدرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم بعد موتكم فنحيي بأخرين من جنسكم.
وقيل التقدير: وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم، (أي إن أردنا) أن نبدل أمثالكم منكم لم يسبقنا إلى ذلك سابق.
* *
وقوله: ﴿وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ في أي: خلق شاء.
وقيل: قردة وخنازير.
وقيل يخلق لهم أبداناً للبقاء، لأن هذه للفناء خلقت.
وقيل معناه في عالم لا تعلمون، أو في مكان لا تعلمون.
وقيل المعنى: وننشئكم في غير هذه الصور، فننشئ المؤمنين يوم القيامة في أحسن الصور وإن كانوا في الدنيا قبحاً، وننشئ الكافرين في أقبح الصور وإن كان في الدنيا نبلاً.
* *
ثم قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: ولقد علمتم الأحداث الأول، فلقد أحدثناكم ولم تكونوا شيئاً، فهلا تذكرون فتعلمون أن من فعل ذلك قادر على إنشاء آخر متى شاء.
وقال قتادة: ولقد علمتم النشأة الأولى (بعد خلق) آدم عليه السلام فلست تسأل أحداً من الناس إلا نبأك أن الله جل ذكره خلق آدم من طين.
* *
ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ﴾.
أي أفرأيتم أيها الناس الحرث الذي تحرثونه أنتم تنبتونه وتصيرونه زرعاً أم نحن نجعله كذلك.
وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تقل زرعت لكن قل حرثت، ثم تلا أبو هريرة الآية.
* *
ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً﴾ أي: لجعلنا الزرع هشيماً لا ينتفع به في مطعم ولا ثمر.
* *
ثم قال: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ أي: فظلتم تتعجبون مما نزل بكم وبزرعكم من المصيبة، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة.
وقال عكرمة معناه فظلتم تلاومون بينكم في تفريطكم في طاعة ربكم بما نزل بكم.
وقال الحسن تفكهون: تندمون على ما سلف منكم من معصية الله جل وعز التي أوجبت عليكم العقوبة، وروي مثل ذلك أيضاً عن قتادة.
وقال ابن زيد تفكهون: تفجعون، ومعنى فظلتم: فأقمتم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أي: لمولع بنا، قاله عكرمة ومجاهد.
وعن مجاهد أيضاً لمغرمون: لملقون للشر.
وقيل معناه لمعذبون، والغرام عند العرب الهلاك والعذاب.
* *
ثم قال: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: [مجدون لا حظ لنا].
وقال قتادة: معناه: محارفون.
* *
ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ﴾ أي: أنتم أنزلتموه من السحاب إلى قرار الأرض، أم نحن المنزلون.
قال مجاهد: وقتادة وابن زيد المزن: السحاب.
وقال ابن عباس المزن: السماء والسحاب، وهو قول سفيان.
* *
ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً﴾ أي: جعلنا الماء مراً مالحاً فلا تشربون منه ولا تنتفعون به في زروعكم وكرومكم.
﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ أي: فهلا تشكرون الله على ما فعل بكم.
الواقعة 56:62
قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ الآيات.
أي إن أصحاب الشمال كانوا (قبل ذلك) في الدنيا منعمين بالحرام.
* *
ثم قال: ﴿وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: يصرون على الشرك بالله، قال الضحاك وقتادة والفراء وغيرهم، أي: كانوا يتمادون عليه ولا يتوبون (سبحانه عما يصفون) منه، ولا يستغفرون من شركهم بالله عز وجل.
وقال مجاهد: ﴿عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ على الذنب العظيم، وقاله ابن زيد ثم فسره ابن زيد فقال هو الشرك.
وقيل هو قسمهم أن الله لا يبعث أحداً، ودل على ذلك قوله بعده ﴿وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾.
(أنكروا البعث) فقيل لهم: ﴿قُلْ إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ وَٱلآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾.
أي إنكم وأباؤكم ومن بعدكم، ومن قبل أبائكم لا بد من بعثكم يوم القيامة ومجازاتكم على أعمالكم.
* *
ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضِّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ * لأَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ﴾.
أي أنكم بعد البعث أيها الضالون عن الحق لأكلون من شجر جهنم، وهي الزقوم.
﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ﴾ أي: من الشجرة، أو من الشجر.
* *
ثم قال: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْحَمِيمِ﴾ أي: على الزقوم من الحميم، وهو الماء الذي قد بلغ في الحرارة.
﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ﴾ [الهيمُ جمع أهيم، وهي الإبل يصيبها داء فلا تروى من الماء، وقد قيل الهيم] جمع هائم وهائمة.
قال ابن عباس شرب الهيم: شرب الإبل العطاش.
وقال عكرمة هي الإبل المراض تمص الماء معا ولا تروى، وعنه أنها الإبل يأخذها العطش، فلا تزال تشرب حتى تهلك.
(وقال الضحاك) الهيم: الإبل العطاش تشرب فلا تروى يأخذها داء يقال له الهيام.
وقال ابن عباس الهيم: الهيام من الأرض يعني الرمل.
* *
ثم قال: ﴿هَـٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾ أي: هذا الذي وصف رزق هؤلاء يوم الجزاء.
* *
ثم قال: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ﴾ أي: نحن خلقناكم يا مكذبون بالبعث، ولم تكونوا شيئاً، فهل لا تصدقون من أنشأكم أولاً، أنه ينشئكم آخرا.
* *
ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ * ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ﴾ أي: أفرأيتم أيها المكذبون بالبعث، المنكرون قدرة الله عز وجل على إحيائكم بعد موتكم هذه النطفة التي تمنون في أرحام نسائكم، يقال (أمنى ومنى، وأمنى): أكثر.
[﴿ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ أي: تخلقون ذلك المني حتى يصير فيه الروح].
* *
﴿أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ﴾.
* *
ثم قال: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ أي: عجلناه على قوم وأخرناه عن قوم إلى وقت مسمى، أي: منكم قريب الأجل ومنكم بعيد الأجل.
﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي: في أجالكم لا يسبق متقدم فيتأخر، ولا متأخر فيتقدم، بل لا يتقدم أجل قبل وقته ولا يتأخر عن وقته.
* *
ثم قال: ﴿عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ﴾.
قال الطبري معناه: نحن قدرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم بعد موتكم فنحيي بأخرين من جنسكم.
وقيل التقدير: وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم، (أي إن أردنا) أن نبدل أمثالكم منكم لم يسبقنا إلى ذلك سابق.
* *
وقوله: ﴿وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ في أي: خلق شاء.
وقيل: قردة وخنازير.
وقيل يخلق لهم أبداناً للبقاء، لأن هذه للفناء خلقت.
وقيل معناه في عالم لا تعلمون، أو في مكان لا تعلمون.
وقيل المعنى: وننشئكم في غير هذه الصور، فننشئ المؤمنين يوم القيامة في أحسن الصور وإن كانوا في الدنيا قبحاً، وننشئ الكافرين في أقبح الصور وإن كان في الدنيا نبلاً.
* *
ثم قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: ولقد علمتم الأحداث الأول، فلقد أحدثناكم ولم تكونوا شيئاً، فهلا تذكرون فتعلمون أن من فعل ذلك قادر على إنشاء آخر متى شاء.
وقال قتادة: ولقد علمتم النشأة الأولى (بعد خلق) آدم عليه السلام فلست تسأل أحداً من الناس إلا نبأك أن الله جل ذكره خلق آدم من طين.
* *
ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ﴾.
أي أفرأيتم أيها الناس الحرث الذي تحرثونه أنتم تنبتونه وتصيرونه زرعاً أم نحن نجعله كذلك.
وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تقل زرعت لكن قل حرثت، ثم تلا أبو هريرة الآية.
* *
ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً﴾ أي: لجعلنا الزرع هشيماً لا ينتفع به في مطعم ولا ثمر.
* *
ثم قال: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ أي: فظلتم تتعجبون مما نزل بكم وبزرعكم من المصيبة، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة.
وقال عكرمة معناه فظلتم تلاومون بينكم في تفريطكم في طاعة ربكم بما نزل بكم.
وقال الحسن تفكهون: تندمون على ما سلف منكم من معصية الله جل وعز التي أوجبت عليكم العقوبة، وروي مثل ذلك أيضاً عن قتادة.
وقال ابن زيد تفكهون: تفجعون، ومعنى فظلتم: فأقمتم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أي: لمولع بنا، قاله عكرمة ومجاهد.
وعن مجاهد أيضاً لمغرمون: لملقون للشر.
وقيل معناه لمعذبون، والغرام عند العرب الهلاك والعذاب.
* *
ثم قال: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: [مجدون لا حظ لنا].
وقال قتادة: معناه: محارفون.
* *
ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ﴾ أي: أنتم أنزلتموه من السحاب إلى قرار الأرض، أم نحن المنزلون.
قال مجاهد: وقتادة وابن زيد المزن: السحاب.
وقال ابن عباس المزن: السماء والسحاب، وهو قول سفيان.
* *
ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً﴾ أي: جعلنا الماء مراً مالحاً فلا تشربون منه ولا تنتفعون به في زروعكم وكرومكم.
﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ أي: فهلا تشكرون الله على ما فعل بكم.
الواقعة 56:63
قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ الآيات.
أي إن أصحاب الشمال كانوا (قبل ذلك) في الدنيا منعمين بالحرام.
* *
ثم قال: ﴿وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: يصرون على الشرك بالله، قال الضحاك وقتادة والفراء وغيرهم، أي: كانوا يتمادون عليه ولا يتوبون (سبحانه عما يصفون) منه، ولا يستغفرون من شركهم بالله عز وجل.
وقال مجاهد: ﴿عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ على الذنب العظيم، وقاله ابن زيد ثم فسره ابن زيد فقال هو الشرك.
وقيل هو قسمهم أن الله لا يبعث أحداً، ودل على ذلك قوله بعده ﴿وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾.
(أنكروا البعث) فقيل لهم: ﴿قُلْ إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ وَٱلآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾.
أي إنكم وأباؤكم ومن بعدكم، ومن قبل أبائكم لا بد من بعثكم يوم القيامة ومجازاتكم على أعمالكم.
* *
ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضِّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ * لأَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ﴾.
أي أنكم بعد البعث أيها الضالون عن الحق لأكلون من شجر جهنم، وهي الزقوم.
﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ﴾ أي: من الشجرة، أو من الشجر.
* *
ثم قال: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْحَمِيمِ﴾ أي: على الزقوم من الحميم، وهو الماء الذي قد بلغ في الحرارة.
﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ﴾ [الهيمُ جمع أهيم، وهي الإبل يصيبها داء فلا تروى من الماء، وقد قيل الهيم] جمع هائم وهائمة.
قال ابن عباس شرب الهيم: شرب الإبل العطاش.
وقال عكرمة هي الإبل المراض تمص الماء معا ولا تروى، وعنه أنها الإبل يأخذها العطش، فلا تزال تشرب حتى تهلك.
(وقال الضحاك) الهيم: الإبل العطاش تشرب فلا تروى يأخذها داء يقال له الهيام.
وقال ابن عباس الهيم: الهيام من الأرض يعني الرمل.
* *
ثم قال: ﴿هَـٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾ أي: هذا الذي وصف رزق هؤلاء يوم الجزاء.
* *
ثم قال: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ﴾ أي: نحن خلقناكم يا مكذبون بالبعث، ولم تكونوا شيئاً، فهل لا تصدقون من أنشأكم أولاً، أنه ينشئكم آخرا.
* *
ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ * ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ﴾ أي: أفرأيتم أيها المكذبون بالبعث، المنكرون قدرة الله عز وجل على إحيائكم بعد موتكم هذه النطفة التي تمنون في أرحام نسائكم، يقال (أمنى ومنى، وأمنى): أكثر.
[﴿ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ أي: تخلقون ذلك المني حتى يصير فيه الروح].
* *
﴿أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ﴾.
* *
ثم قال: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ أي: عجلناه على قوم وأخرناه عن قوم إلى وقت مسمى، أي: منكم قريب الأجل ومنكم بعيد الأجل.
﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي: في أجالكم لا يسبق متقدم فيتأخر، ولا متأخر فيتقدم، بل لا يتقدم أجل قبل وقته ولا يتأخر عن وقته.
* *
ثم قال: ﴿عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ﴾.
قال الطبري معناه: نحن قدرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم بعد موتكم فنحيي بأخرين من جنسكم.
وقيل التقدير: وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم، (أي إن أردنا) أن نبدل أمثالكم منكم لم يسبقنا إلى ذلك سابق.
* *
وقوله: ﴿وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ في أي: خلق شاء.
وقيل: قردة وخنازير.
وقيل يخلق لهم أبداناً للبقاء، لأن هذه للفناء خلقت.
وقيل معناه في عالم لا تعلمون، أو في مكان لا تعلمون.
وقيل المعنى: وننشئكم في غير هذه الصور، فننشئ المؤمنين يوم القيامة في أحسن الصور وإن كانوا في الدنيا قبحاً، وننشئ الكافرين في أقبح الصور وإن كان في الدنيا نبلاً.
* *
ثم قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: ولقد علمتم الأحداث الأول، فلقد أحدثناكم ولم تكونوا شيئاً، فهلا تذكرون فتعلمون أن من فعل ذلك قادر على إنشاء آخر متى شاء.
وقال قتادة: ولقد علمتم النشأة الأولى (بعد خلق) آدم عليه السلام فلست تسأل أحداً من الناس إلا نبأك أن الله جل ذكره خلق آدم من طين.
* *
ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ﴾.
أي أفرأيتم أيها الناس الحرث الذي تحرثونه أنتم تنبتونه وتصيرونه زرعاً أم نحن نجعله كذلك.
وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تقل زرعت لكن قل حرثت، ثم تلا أبو هريرة الآية.
* *
ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً﴾ أي: لجعلنا الزرع هشيماً لا ينتفع به في مطعم ولا ثمر.
* *
ثم قال: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ أي: فظلتم تتعجبون مما نزل بكم وبزرعكم من المصيبة، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة.
وقال عكرمة معناه فظلتم تلاومون بينكم في تفريطكم في طاعة ربكم بما نزل بكم.
وقال الحسن تفكهون: تندمون على ما سلف منكم من معصية الله جل وعز التي أوجبت عليكم العقوبة، وروي مثل ذلك أيضاً عن قتادة.
وقال ابن زيد تفكهون: تفجعون، ومعنى فظلتم: فأقمتم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أي: لمولع بنا، قاله عكرمة ومجاهد.
وعن مجاهد أيضاً لمغرمون: لملقون للشر.
وقيل معناه لمعذبون، والغرام عند العرب الهلاك والعذاب.
* *
ثم قال: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: [مجدون لا حظ لنا].
وقال قتادة: معناه: محارفون.
* *
ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ﴾ أي: أنتم أنزلتموه من السحاب إلى قرار الأرض، أم نحن المنزلون.
قال مجاهد: وقتادة وابن زيد المزن: السحاب.
وقال ابن عباس المزن: السماء والسحاب، وهو قول سفيان.
* *
ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً﴾ أي: جعلنا الماء مراً مالحاً فلا تشربون منه ولا تنتفعون به في زروعكم وكرومكم.
﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ أي: فهلا تشكرون الله على ما فعل بكم.
الواقعة 56:64
قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ الآيات.
أي إن أصحاب الشمال كانوا (قبل ذلك) في الدنيا منعمين بالحرام.
* *
ثم قال: ﴿وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: يصرون على الشرك بالله، قال الضحاك وقتادة والفراء وغيرهم، أي: كانوا يتمادون عليه ولا يتوبون (سبحانه عما يصفون) منه، ولا يستغفرون من شركهم بالله عز وجل.
وقال مجاهد: ﴿عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ على الذنب العظيم، وقاله ابن زيد ثم فسره ابن زيد فقال هو الشرك.
وقيل هو قسمهم أن الله لا يبعث أحداً، ودل على ذلك قوله بعده ﴿وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾.
(أنكروا البعث) فقيل لهم: ﴿قُلْ إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ وَٱلآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾.
أي إنكم وأباؤكم ومن بعدكم، ومن قبل أبائكم لا بد من بعثكم يوم القيامة ومجازاتكم على أعمالكم.
* *
ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضِّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ * لأَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ﴾.
أي أنكم بعد البعث أيها الضالون عن الحق لأكلون من شجر جهنم، وهي الزقوم.
﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ﴾ أي: من الشجرة، أو من الشجر.
* *
ثم قال: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْحَمِيمِ﴾ أي: على الزقوم من الحميم، وهو الماء الذي قد بلغ في الحرارة.
﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ﴾ [الهيمُ جمع أهيم، وهي الإبل يصيبها داء فلا تروى من الماء، وقد قيل الهيم] جمع هائم وهائمة.
قال ابن عباس شرب الهيم: شرب الإبل العطاش.
وقال عكرمة هي الإبل المراض تمص الماء معا ولا تروى، وعنه أنها الإبل يأخذها العطش، فلا تزال تشرب حتى تهلك.
(وقال الضحاك) الهيم: الإبل العطاش تشرب فلا تروى يأخذها داء يقال له الهيام.
وقال ابن عباس الهيم: الهيام من الأرض يعني الرمل.
* *
ثم قال: ﴿هَـٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾ أي: هذا الذي وصف رزق هؤلاء يوم الجزاء.
* *
ثم قال: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ﴾ أي: نحن خلقناكم يا مكذبون بالبعث، ولم تكونوا شيئاً، فهل لا تصدقون من أنشأكم أولاً، أنه ينشئكم آخرا.
* *
ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ * ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ﴾ أي: أفرأيتم أيها المكذبون بالبعث، المنكرون قدرة الله عز وجل على إحيائكم بعد موتكم هذه النطفة التي تمنون في أرحام نسائكم، يقال (أمنى ومنى، وأمنى): أكثر.
[﴿ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ أي: تخلقون ذلك المني حتى يصير فيه الروح].
* *
﴿أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ﴾.
* *
ثم قال: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ أي: عجلناه على قوم وأخرناه عن قوم إلى وقت مسمى، أي: منكم قريب الأجل ومنكم بعيد الأجل.
﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي: في أجالكم لا يسبق متقدم فيتأخر، ولا متأخر فيتقدم، بل لا يتقدم أجل قبل وقته ولا يتأخر عن وقته.
* *
ثم قال: ﴿عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ﴾.
قال الطبري معناه: نحن قدرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم بعد موتكم فنحيي بأخرين من جنسكم.
وقيل التقدير: وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم، (أي إن أردنا) أن نبدل أمثالكم منكم لم يسبقنا إلى ذلك سابق.
* *
وقوله: ﴿وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ في أي: خلق شاء.
وقيل: قردة وخنازير.
وقيل يخلق لهم أبداناً للبقاء، لأن هذه للفناء خلقت.
وقيل معناه في عالم لا تعلمون، أو في مكان لا تعلمون.
وقيل المعنى: وننشئكم في غير هذه الصور، فننشئ المؤمنين يوم القيامة في أحسن الصور وإن كانوا في الدنيا قبحاً، وننشئ الكافرين في أقبح الصور وإن كان في الدنيا نبلاً.
* *
ثم قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: ولقد علمتم الأحداث الأول، فلقد أحدثناكم ولم تكونوا شيئاً، فهلا تذكرون فتعلمون أن من فعل ذلك قادر على إنشاء آخر متى شاء.
وقال قتادة: ولقد علمتم النشأة الأولى (بعد خلق) آدم عليه السلام فلست تسأل أحداً من الناس إلا نبأك أن الله جل ذكره خلق آدم من طين.
* *
ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ﴾.
أي أفرأيتم أيها الناس الحرث الذي تحرثونه أنتم تنبتونه وتصيرونه زرعاً أم نحن نجعله كذلك.
وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تقل زرعت لكن قل حرثت، ثم تلا أبو هريرة الآية.
* *
ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً﴾ أي: لجعلنا الزرع هشيماً لا ينتفع به في مطعم ولا ثمر.
* *
ثم قال: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ أي: فظلتم تتعجبون مما نزل بكم وبزرعكم من المصيبة، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة.
وقال عكرمة معناه فظلتم تلاومون بينكم في تفريطكم في طاعة ربكم بما نزل بكم.
وقال الحسن تفكهون: تندمون على ما سلف منكم من معصية الله جل وعز التي أوجبت عليكم العقوبة، وروي مثل ذلك أيضاً عن قتادة.
وقال ابن زيد تفكهون: تفجعون، ومعنى فظلتم: فأقمتم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أي: لمولع بنا، قاله عكرمة ومجاهد.
وعن مجاهد أيضاً لمغرمون: لملقون للشر.
وقيل معناه لمعذبون، والغرام عند العرب الهلاك والعذاب.
* *
ثم قال: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: [مجدون لا حظ لنا].
وقال قتادة: معناه: محارفون.
* *
ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ﴾ أي: أنتم أنزلتموه من السحاب إلى قرار الأرض، أم نحن المنزلون.
قال مجاهد: وقتادة وابن زيد المزن: السحاب.
وقال ابن عباس المزن: السماء والسحاب، وهو قول سفيان.
* *
ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً﴾ أي: جعلنا الماء مراً مالحاً فلا تشربون منه ولا تنتفعون به في زروعكم وكرومكم.
﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ أي: فهلا تشكرون الله على ما فعل بكم.
الواقعة 56:65
قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ الآيات.
أي إن أصحاب الشمال كانوا (قبل ذلك) في الدنيا منعمين بالحرام.
* *
ثم قال: ﴿وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: يصرون على الشرك بالله، قال الضحاك وقتادة والفراء وغيرهم، أي: كانوا يتمادون عليه ولا يتوبون (سبحانه عما يصفون) منه، ولا يستغفرون من شركهم بالله عز وجل.
وقال مجاهد: ﴿عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ على الذنب العظيم، وقاله ابن زيد ثم فسره ابن زيد فقال هو الشرك.
وقيل هو قسمهم أن الله لا يبعث أحداً، ودل على ذلك قوله بعده ﴿وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾.
(أنكروا البعث) فقيل لهم: ﴿قُلْ إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ وَٱلآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾.
أي إنكم وأباؤكم ومن بعدكم، ومن قبل أبائكم لا بد من بعثكم يوم القيامة ومجازاتكم على أعمالكم.
* *
ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضِّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ * لأَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ﴾.
أي أنكم بعد البعث أيها الضالون عن الحق لأكلون من شجر جهنم، وهي الزقوم.
﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ﴾ أي: من الشجرة، أو من الشجر.
* *
ثم قال: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْحَمِيمِ﴾ أي: على الزقوم من الحميم، وهو الماء الذي قد بلغ في الحرارة.
﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ﴾ [الهيمُ جمع أهيم، وهي الإبل يصيبها داء فلا تروى من الماء، وقد قيل الهيم] جمع هائم وهائمة.
قال ابن عباس شرب الهيم: شرب الإبل العطاش.
وقال عكرمة هي الإبل المراض تمص الماء معا ولا تروى، وعنه أنها الإبل يأخذها العطش، فلا تزال تشرب حتى تهلك.
(وقال الضحاك) الهيم: الإبل العطاش تشرب فلا تروى يأخذها داء يقال له الهيام.
وقال ابن عباس الهيم: الهيام من الأرض يعني الرمل.
* *
ثم قال: ﴿هَـٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾ أي: هذا الذي وصف رزق هؤلاء يوم الجزاء.
* *
ثم قال: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ﴾ أي: نحن خلقناكم يا مكذبون بالبعث، ولم تكونوا شيئاً، فهل لا تصدقون من أنشأكم أولاً، أنه ينشئكم آخرا.
* *
ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ * ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ﴾ أي: أفرأيتم أيها المكذبون بالبعث، المنكرون قدرة الله عز وجل على إحيائكم بعد موتكم هذه النطفة التي تمنون في أرحام نسائكم، يقال (أمنى ومنى، وأمنى): أكثر.
[﴿ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ أي: تخلقون ذلك المني حتى يصير فيه الروح].
* *
﴿أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ﴾.
* *
ثم قال: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ أي: عجلناه على قوم وأخرناه عن قوم إلى وقت مسمى، أي: منكم قريب الأجل ومنكم بعيد الأجل.
﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي: في أجالكم لا يسبق متقدم فيتأخر، ولا متأخر فيتقدم، بل لا يتقدم أجل قبل وقته ولا يتأخر عن وقته.
* *
ثم قال: ﴿عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ﴾.
قال الطبري معناه: نحن قدرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم بعد موتكم فنحيي بأخرين من جنسكم.
وقيل التقدير: وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم، (أي إن أردنا) أن نبدل أمثالكم منكم لم يسبقنا إلى ذلك سابق.
* *
وقوله: ﴿وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ في أي: خلق شاء.
وقيل: قردة وخنازير.
وقيل يخلق لهم أبداناً للبقاء، لأن هذه للفناء خلقت.
وقيل معناه في عالم لا تعلمون، أو في مكان لا تعلمون.
وقيل المعنى: وننشئكم في غير هذه الصور، فننشئ المؤمنين يوم القيامة في أحسن الصور وإن كانوا في الدنيا قبحاً، وننشئ الكافرين في أقبح الصور وإن كان في الدنيا نبلاً.
* *
ثم قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: ولقد علمتم الأحداث الأول، فلقد أحدثناكم ولم تكونوا شيئاً، فهلا تذكرون فتعلمون أن من فعل ذلك قادر على إنشاء آخر متى شاء.
وقال قتادة: ولقد علمتم النشأة الأولى (بعد خلق) آدم عليه السلام فلست تسأل أحداً من الناس إلا نبأك أن الله جل ذكره خلق آدم من طين.
* *
ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ﴾.
أي أفرأيتم أيها الناس الحرث الذي تحرثونه أنتم تنبتونه وتصيرونه زرعاً أم نحن نجعله كذلك.
وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تقل زرعت لكن قل حرثت، ثم تلا أبو هريرة الآية.
* *
ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً﴾ أي: لجعلنا الزرع هشيماً لا ينتفع به في مطعم ولا ثمر.
* *
ثم قال: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ أي: فظلتم تتعجبون مما نزل بكم وبزرعكم من المصيبة، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة.
وقال عكرمة معناه فظلتم تلاومون بينكم في تفريطكم في طاعة ربكم بما نزل بكم.
وقال الحسن تفكهون: تندمون على ما سلف منكم من معصية الله جل وعز التي أوجبت عليكم العقوبة، وروي مثل ذلك أيضاً عن قتادة.
وقال ابن زيد تفكهون: تفجعون، ومعنى فظلتم: فأقمتم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أي: لمولع بنا، قاله عكرمة ومجاهد.
وعن مجاهد أيضاً لمغرمون: لملقون للشر.
وقيل معناه لمعذبون، والغرام عند العرب الهلاك والعذاب.
* *
ثم قال: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: [مجدون لا حظ لنا].
وقال قتادة: معناه: محارفون.
* *
ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ﴾ أي: أنتم أنزلتموه من السحاب إلى قرار الأرض، أم نحن المنزلون.
قال مجاهد: وقتادة وابن زيد المزن: السحاب.
وقال ابن عباس المزن: السماء والسحاب، وهو قول سفيان.
* *
ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً﴾ أي: جعلنا الماء مراً مالحاً فلا تشربون منه ولا تنتفعون به في زروعكم وكرومكم.
﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ أي: فهلا تشكرون الله على ما فعل بكم.
الواقعة 56:66
قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ الآيات.
أي إن أصحاب الشمال كانوا (قبل ذلك) في الدنيا منعمين بالحرام.
* *
ثم قال: ﴿وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: يصرون على الشرك بالله، قال الضحاك وقتادة والفراء وغيرهم، أي: كانوا يتمادون عليه ولا يتوبون (سبحانه عما يصفون) منه، ولا يستغفرون من شركهم بالله عز وجل.
وقال مجاهد: ﴿عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ على الذنب العظيم، وقاله ابن زيد ثم فسره ابن زيد فقال هو الشرك.
وقيل هو قسمهم أن الله لا يبعث أحداً، ودل على ذلك قوله بعده ﴿وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾.
(أنكروا البعث) فقيل لهم: ﴿قُلْ إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ وَٱلآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾.
أي إنكم وأباؤكم ومن بعدكم، ومن قبل أبائكم لا بد من بعثكم يوم القيامة ومجازاتكم على أعمالكم.
* *
ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضِّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ * لأَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ﴾.
أي أنكم بعد البعث أيها الضالون عن الحق لأكلون من شجر جهنم، وهي الزقوم.
﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ﴾ أي: من الشجرة، أو من الشجر.
* *
ثم قال: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْحَمِيمِ﴾ أي: على الزقوم من الحميم، وهو الماء الذي قد بلغ في الحرارة.
﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ﴾ [الهيمُ جمع أهيم، وهي الإبل يصيبها داء فلا تروى من الماء، وقد قيل الهيم] جمع هائم وهائمة.
قال ابن عباس شرب الهيم: شرب الإبل العطاش.
وقال عكرمة هي الإبل المراض تمص الماء معا ولا تروى، وعنه أنها الإبل يأخذها العطش، فلا تزال تشرب حتى تهلك.
(وقال الضحاك) الهيم: الإبل العطاش تشرب فلا تروى يأخذها داء يقال له الهيام.
وقال ابن عباس الهيم: الهيام من الأرض يعني الرمل.
* *
ثم قال: ﴿هَـٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾ أي: هذا الذي وصف رزق هؤلاء يوم الجزاء.
* *
ثم قال: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ﴾ أي: نحن خلقناكم يا مكذبون بالبعث، ولم تكونوا شيئاً، فهل لا تصدقون من أنشأكم أولاً، أنه ينشئكم آخرا.
* *
ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ * ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ﴾ أي: أفرأيتم أيها المكذبون بالبعث، المنكرون قدرة الله عز وجل على إحيائكم بعد موتكم هذه النطفة التي تمنون في أرحام نسائكم، يقال (أمنى ومنى، وأمنى): أكثر.
[﴿ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ أي: تخلقون ذلك المني حتى يصير فيه الروح].
* *
﴿أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ﴾.
* *
ثم قال: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ أي: عجلناه على قوم وأخرناه عن قوم إلى وقت مسمى، أي: منكم قريب الأجل ومنكم بعيد الأجل.
﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي: في أجالكم لا يسبق متقدم فيتأخر، ولا متأخر فيتقدم، بل لا يتقدم أجل قبل وقته ولا يتأخر عن وقته.
* *
ثم قال: ﴿عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ﴾.
قال الطبري معناه: نحن قدرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم بعد موتكم فنحيي بأخرين من جنسكم.
وقيل التقدير: وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم، (أي إن أردنا) أن نبدل أمثالكم منكم لم يسبقنا إلى ذلك سابق.
* *
وقوله: ﴿وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ في أي: خلق شاء.
وقيل: قردة وخنازير.
وقيل يخلق لهم أبداناً للبقاء، لأن هذه للفناء خلقت.
وقيل معناه في عالم لا تعلمون، أو في مكان لا تعلمون.
وقيل المعنى: وننشئكم في غير هذه الصور، فننشئ المؤمنين يوم القيامة في أحسن الصور وإن كانوا في الدنيا قبحاً، وننشئ الكافرين في أقبح الصور وإن كان في الدنيا نبلاً.
* *
ثم قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: ولقد علمتم الأحداث الأول، فلقد أحدثناكم ولم تكونوا شيئاً، فهلا تذكرون فتعلمون أن من فعل ذلك قادر على إنشاء آخر متى شاء.
وقال قتادة: ولقد علمتم النشأة الأولى (بعد خلق) آدم عليه السلام فلست تسأل أحداً من الناس إلا نبأك أن الله جل ذكره خلق آدم من طين.
* *
ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ﴾.
أي أفرأيتم أيها الناس الحرث الذي تحرثونه أنتم تنبتونه وتصيرونه زرعاً أم نحن نجعله كذلك.
وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تقل زرعت لكن قل حرثت، ثم تلا أبو هريرة الآية.
* *
ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً﴾ أي: لجعلنا الزرع هشيماً لا ينتفع به في مطعم ولا ثمر.
* *
ثم قال: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ أي: فظلتم تتعجبون مما نزل بكم وبزرعكم من المصيبة، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة.
وقال عكرمة معناه فظلتم تلاومون بينكم في تفريطكم في طاعة ربكم بما نزل بكم.
وقال الحسن تفكهون: تندمون على ما سلف منكم من معصية الله جل وعز التي أوجبت عليكم العقوبة، وروي مثل ذلك أيضاً عن قتادة.
وقال ابن زيد تفكهون: تفجعون، ومعنى فظلتم: فأقمتم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أي: لمولع بنا، قاله عكرمة ومجاهد.
وعن مجاهد أيضاً لمغرمون: لملقون للشر.
وقيل معناه لمعذبون، والغرام عند العرب الهلاك والعذاب.
* *
ثم قال: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: [مجدون لا حظ لنا].
وقال قتادة: معناه: محارفون.
* *
ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ﴾ أي: أنتم أنزلتموه من السحاب إلى قرار الأرض، أم نحن المنزلون.
قال مجاهد: وقتادة وابن زيد المزن: السحاب.
وقال ابن عباس المزن: السماء والسحاب، وهو قول سفيان.
* *
ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً﴾ أي: جعلنا الماء مراً مالحاً فلا تشربون منه ولا تنتفعون به في زروعكم وكرومكم.
﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ أي: فهلا تشكرون الله على ما فعل بكم.
الواقعة 56:67
قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ الآيات.
أي إن أصحاب الشمال كانوا (قبل ذلك) في الدنيا منعمين بالحرام.
* *
ثم قال: ﴿وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: يصرون على الشرك بالله، قال الضحاك وقتادة والفراء وغيرهم، أي: كانوا يتمادون عليه ولا يتوبون (سبحانه عما يصفون) منه، ولا يستغفرون من شركهم بالله عز وجل.
وقال مجاهد: ﴿عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ على الذنب العظيم، وقاله ابن زيد ثم فسره ابن زيد فقال هو الشرك.
وقيل هو قسمهم أن الله لا يبعث أحداً، ودل على ذلك قوله بعده ﴿وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾.
(أنكروا البعث) فقيل لهم: ﴿قُلْ إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ وَٱلآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾.
أي إنكم وأباؤكم ومن بعدكم، ومن قبل أبائكم لا بد من بعثكم يوم القيامة ومجازاتكم على أعمالكم.
* *
ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضِّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ * لأَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ﴾.
أي أنكم بعد البعث أيها الضالون عن الحق لأكلون من شجر جهنم، وهي الزقوم.
﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ﴾ أي: من الشجرة، أو من الشجر.
* *
ثم قال: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْحَمِيمِ﴾ أي: على الزقوم من الحميم، وهو الماء الذي قد بلغ في الحرارة.
﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ﴾ [الهيمُ جمع أهيم، وهي الإبل يصيبها داء فلا تروى من الماء، وقد قيل الهيم] جمع هائم وهائمة.
قال ابن عباس شرب الهيم: شرب الإبل العطاش.
وقال عكرمة هي الإبل المراض تمص الماء معا ولا تروى، وعنه أنها الإبل يأخذها العطش، فلا تزال تشرب حتى تهلك.
(وقال الضحاك) الهيم: الإبل العطاش تشرب فلا تروى يأخذها داء يقال له الهيام.
وقال ابن عباس الهيم: الهيام من الأرض يعني الرمل.
* *
ثم قال: ﴿هَـٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾ أي: هذا الذي وصف رزق هؤلاء يوم الجزاء.
* *
ثم قال: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ﴾ أي: نحن خلقناكم يا مكذبون بالبعث، ولم تكونوا شيئاً، فهل لا تصدقون من أنشأكم أولاً، أنه ينشئكم آخرا.
* *
ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ * ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ﴾ أي: أفرأيتم أيها المكذبون بالبعث، المنكرون قدرة الله عز وجل على إحيائكم بعد موتكم هذه النطفة التي تمنون في أرحام نسائكم، يقال (أمنى ومنى، وأمنى): أكثر.
[﴿ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ أي: تخلقون ذلك المني حتى يصير فيه الروح].
* *
﴿أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ﴾.
* *
ثم قال: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ أي: عجلناه على قوم وأخرناه عن قوم إلى وقت مسمى، أي: منكم قريب الأجل ومنكم بعيد الأجل.
﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي: في أجالكم لا يسبق متقدم فيتأخر، ولا متأخر فيتقدم، بل لا يتقدم أجل قبل وقته ولا يتأخر عن وقته.
* *
ثم قال: ﴿عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ﴾.
قال الطبري معناه: نحن قدرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم بعد موتكم فنحيي بأخرين من جنسكم.
وقيل التقدير: وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم، (أي إن أردنا) أن نبدل أمثالكم منكم لم يسبقنا إلى ذلك سابق.
* *
وقوله: ﴿وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ في أي: خلق شاء.
وقيل: قردة وخنازير.
وقيل يخلق لهم أبداناً للبقاء، لأن هذه للفناء خلقت.
وقيل معناه في عالم لا تعلمون، أو في مكان لا تعلمون.
وقيل المعنى: وننشئكم في غير هذه الصور، فننشئ المؤمنين يوم القيامة في أحسن الصور وإن كانوا في الدنيا قبحاً، وننشئ الكافرين في أقبح الصور وإن كان في الدنيا نبلاً.
* *
ثم قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: ولقد علمتم الأحداث الأول، فلقد أحدثناكم ولم تكونوا شيئاً، فهلا تذكرون فتعلمون أن من فعل ذلك قادر على إنشاء آخر متى شاء.
وقال قتادة: ولقد علمتم النشأة الأولى (بعد خلق) آدم عليه السلام فلست تسأل أحداً من الناس إلا نبأك أن الله جل ذكره خلق آدم من طين.
* *
ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ﴾.
أي أفرأيتم أيها الناس الحرث الذي تحرثونه أنتم تنبتونه وتصيرونه زرعاً أم نحن نجعله كذلك.
وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تقل زرعت لكن قل حرثت، ثم تلا أبو هريرة الآية.
* *
ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً﴾ أي: لجعلنا الزرع هشيماً لا ينتفع به في مطعم ولا ثمر.
* *
ثم قال: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ أي: فظلتم تتعجبون مما نزل بكم وبزرعكم من المصيبة، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة.
وقال عكرمة معناه فظلتم تلاومون بينكم في تفريطكم في طاعة ربكم بما نزل بكم.
وقال الحسن تفكهون: تندمون على ما سلف منكم من معصية الله جل وعز التي أوجبت عليكم العقوبة، وروي مثل ذلك أيضاً عن قتادة.
وقال ابن زيد تفكهون: تفجعون، ومعنى فظلتم: فأقمتم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أي: لمولع بنا، قاله عكرمة ومجاهد.
وعن مجاهد أيضاً لمغرمون: لملقون للشر.
وقيل معناه لمعذبون، والغرام عند العرب الهلاك والعذاب.
* *
ثم قال: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: [مجدون لا حظ لنا].
وقال قتادة: معناه: محارفون.
* *
ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ﴾ أي: أنتم أنزلتموه من السحاب إلى قرار الأرض، أم نحن المنزلون.
قال مجاهد: وقتادة وابن زيد المزن: السحاب.
وقال ابن عباس المزن: السماء والسحاب، وهو قول سفيان.
* *
ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً﴾ أي: جعلنا الماء مراً مالحاً فلا تشربون منه ولا تنتفعون به في زروعكم وكرومكم.
﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ أي: فهلا تشكرون الله على ما فعل بكم.
الواقعة 56:68
قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ الآيات.
أي إن أصحاب الشمال كانوا (قبل ذلك) في الدنيا منعمين بالحرام.
* *
ثم قال: ﴿وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: يصرون على الشرك بالله، قال الضحاك وقتادة والفراء وغيرهم، أي: كانوا يتمادون عليه ولا يتوبون (سبحانه عما يصفون) منه، ولا يستغفرون من شركهم بالله عز وجل.
وقال مجاهد: ﴿عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ على الذنب العظيم، وقاله ابن زيد ثم فسره ابن زيد فقال هو الشرك.
وقيل هو قسمهم أن الله لا يبعث أحداً، ودل على ذلك قوله بعده ﴿وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾.
(أنكروا البعث) فقيل لهم: ﴿قُلْ إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ وَٱلآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾.
أي إنكم وأباؤكم ومن بعدكم، ومن قبل أبائكم لا بد من بعثكم يوم القيامة ومجازاتكم على أعمالكم.
* *
ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضِّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ * لأَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ﴾.
أي أنكم بعد البعث أيها الضالون عن الحق لأكلون من شجر جهنم، وهي الزقوم.
﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ﴾ أي: من الشجرة، أو من الشجر.
* *
ثم قال: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْحَمِيمِ﴾ أي: على الزقوم من الحميم، وهو الماء الذي قد بلغ في الحرارة.
﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ﴾ [الهيمُ جمع أهيم، وهي الإبل يصيبها داء فلا تروى من الماء، وقد قيل الهيم] جمع هائم وهائمة.
قال ابن عباس شرب الهيم: شرب الإبل العطاش.
وقال عكرمة هي الإبل المراض تمص الماء معا ولا تروى، وعنه أنها الإبل يأخذها العطش، فلا تزال تشرب حتى تهلك.
(وقال الضحاك) الهيم: الإبل العطاش تشرب فلا تروى يأخذها داء يقال له الهيام.
وقال ابن عباس الهيم: الهيام من الأرض يعني الرمل.
* *
ثم قال: ﴿هَـٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾ أي: هذا الذي وصف رزق هؤلاء يوم الجزاء.
* *
ثم قال: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ﴾ أي: نحن خلقناكم يا مكذبون بالبعث، ولم تكونوا شيئاً، فهل لا تصدقون من أنشأكم أولاً، أنه ينشئكم آخرا.
* *
ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ * ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ﴾ أي: أفرأيتم أيها المكذبون بالبعث، المنكرون قدرة الله عز وجل على إحيائكم بعد موتكم هذه النطفة التي تمنون في أرحام نسائكم، يقال (أمنى ومنى، وأمنى): أكثر.
[﴿ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ أي: تخلقون ذلك المني حتى يصير فيه الروح].
* *
﴿أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ﴾.
* *
ثم قال: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ أي: عجلناه على قوم وأخرناه عن قوم إلى وقت مسمى، أي: منكم قريب الأجل ومنكم بعيد الأجل.
﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي: في أجالكم لا يسبق متقدم فيتأخر، ولا متأخر فيتقدم، بل لا يتقدم أجل قبل وقته ولا يتأخر عن وقته.
* *
ثم قال: ﴿عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ﴾.
قال الطبري معناه: نحن قدرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم بعد موتكم فنحيي بأخرين من جنسكم.
وقيل التقدير: وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم، (أي إن أردنا) أن نبدل أمثالكم منكم لم يسبقنا إلى ذلك سابق.
* *
وقوله: ﴿وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ في أي: خلق شاء.
وقيل: قردة وخنازير.
وقيل يخلق لهم أبداناً للبقاء، لأن هذه للفناء خلقت.
وقيل معناه في عالم لا تعلمون، أو في مكان لا تعلمون.
وقيل المعنى: وننشئكم في غير هذه الصور، فننشئ المؤمنين يوم القيامة في أحسن الصور وإن كانوا في الدنيا قبحاً، وننشئ الكافرين في أقبح الصور وإن كان في الدنيا نبلاً.
* *
ثم قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: ولقد علمتم الأحداث الأول، فلقد أحدثناكم ولم تكونوا شيئاً، فهلا تذكرون فتعلمون أن من فعل ذلك قادر على إنشاء آخر متى شاء.
وقال قتادة: ولقد علمتم النشأة الأولى (بعد خلق) آدم عليه السلام فلست تسأل أحداً من الناس إلا نبأك أن الله جل ذكره خلق آدم من طين.
* *
ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ﴾.
أي أفرأيتم أيها الناس الحرث الذي تحرثونه أنتم تنبتونه وتصيرونه زرعاً أم نحن نجعله كذلك.
وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تقل زرعت لكن قل حرثت، ثم تلا أبو هريرة الآية.
* *
ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً﴾ أي: لجعلنا الزرع هشيماً لا ينتفع به في مطعم ولا ثمر.
* *
ثم قال: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ أي: فظلتم تتعجبون مما نزل بكم وبزرعكم من المصيبة، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة.
وقال عكرمة معناه فظلتم تلاومون بينكم في تفريطكم في طاعة ربكم بما نزل بكم.
وقال الحسن تفكهون: تندمون على ما سلف منكم من معصية الله جل وعز التي أوجبت عليكم العقوبة، وروي مثل ذلك أيضاً عن قتادة.
وقال ابن زيد تفكهون: تفجعون، ومعنى فظلتم: فأقمتم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أي: لمولع بنا، قاله عكرمة ومجاهد.
وعن مجاهد أيضاً لمغرمون: لملقون للشر.
وقيل معناه لمعذبون، والغرام عند العرب الهلاك والعذاب.
* *
ثم قال: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: [مجدون لا حظ لنا].
وقال قتادة: معناه: محارفون.
* *
ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ﴾ أي: أنتم أنزلتموه من السحاب إلى قرار الأرض، أم نحن المنزلون.
قال مجاهد: وقتادة وابن زيد المزن: السحاب.
وقال ابن عباس المزن: السماء والسحاب، وهو قول سفيان.
* *
ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً﴾ أي: جعلنا الماء مراً مالحاً فلا تشربون منه ولا تنتفعون به في زروعكم وكرومكم.
﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ أي: فهلا تشكرون الله على ما فعل بكم.
الواقعة 56:69
قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ الآيات.
أي إن أصحاب الشمال كانوا (قبل ذلك) في الدنيا منعمين بالحرام.
* *
ثم قال: ﴿وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: يصرون على الشرك بالله، قال الضحاك وقتادة والفراء وغيرهم، أي: كانوا يتمادون عليه ولا يتوبون (سبحانه عما يصفون) منه، ولا يستغفرون من شركهم بالله عز وجل.
وقال مجاهد: ﴿عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ على الذنب العظيم، وقاله ابن زيد ثم فسره ابن زيد فقال هو الشرك.
وقيل هو قسمهم أن الله لا يبعث أحداً، ودل على ذلك قوله بعده ﴿وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾.
(أنكروا البعث) فقيل لهم: ﴿قُلْ إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ وَٱلآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾.
أي إنكم وأباؤكم ومن بعدكم، ومن قبل أبائكم لا بد من بعثكم يوم القيامة ومجازاتكم على أعمالكم.
* *
ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضِّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ * لأَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ﴾.
أي أنكم بعد البعث أيها الضالون عن الحق لأكلون من شجر جهنم، وهي الزقوم.
﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ﴾ أي: من الشجرة، أو من الشجر.
* *
ثم قال: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْحَمِيمِ﴾ أي: على الزقوم من الحميم، وهو الماء الذي قد بلغ في الحرارة.
﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ﴾ [الهيمُ جمع أهيم، وهي الإبل يصيبها داء فلا تروى من الماء، وقد قيل الهيم] جمع هائم وهائمة.
قال ابن عباس شرب الهيم: شرب الإبل العطاش.
وقال عكرمة هي الإبل المراض تمص الماء معا ولا تروى، وعنه أنها الإبل يأخذها العطش، فلا تزال تشرب حتى تهلك.
(وقال الضحاك) الهيم: الإبل العطاش تشرب فلا تروى يأخذها داء يقال له الهيام.
وقال ابن عباس الهيم: الهيام من الأرض يعني الرمل.
* *
ثم قال: ﴿هَـٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾ أي: هذا الذي وصف رزق هؤلاء يوم الجزاء.
* *
ثم قال: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ﴾ أي: نحن خلقناكم يا مكذبون بالبعث، ولم تكونوا شيئاً، فهل لا تصدقون من أنشأكم أولاً، أنه ينشئكم آخرا.
* *
ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ * ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ﴾ أي: أفرأيتم أيها المكذبون بالبعث، المنكرون قدرة الله عز وجل على إحيائكم بعد موتكم هذه النطفة التي تمنون في أرحام نسائكم، يقال (أمنى ومنى، وأمنى): أكثر.
[﴿ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ أي: تخلقون ذلك المني حتى يصير فيه الروح].
* *
﴿أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ﴾.
* *
ثم قال: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ أي: عجلناه على قوم وأخرناه عن قوم إلى وقت مسمى، أي: منكم قريب الأجل ومنكم بعيد الأجل.
﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي: في أجالكم لا يسبق متقدم فيتأخر، ولا متأخر فيتقدم، بل لا يتقدم أجل قبل وقته ولا يتأخر عن وقته.
* *
ثم قال: ﴿عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ﴾.
قال الطبري معناه: نحن قدرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم بعد موتكم فنحيي بأخرين من جنسكم.
وقيل التقدير: وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم، (أي إن أردنا) أن نبدل أمثالكم منكم لم يسبقنا إلى ذلك سابق.
* *
وقوله: ﴿وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ في أي: خلق شاء.
وقيل: قردة وخنازير.
وقيل يخلق لهم أبداناً للبقاء، لأن هذه للفناء خلقت.
وقيل معناه في عالم لا تعلمون، أو في مكان لا تعلمون.
وقيل المعنى: وننشئكم في غير هذه الصور، فننشئ المؤمنين يوم القيامة في أحسن الصور وإن كانوا في الدنيا قبحاً، وننشئ الكافرين في أقبح الصور وإن كان في الدنيا نبلاً.
* *
ثم قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: ولقد علمتم الأحداث الأول، فلقد أحدثناكم ولم تكونوا شيئاً، فهلا تذكرون فتعلمون أن من فعل ذلك قادر على إنشاء آخر متى شاء.
وقال قتادة: ولقد علمتم النشأة الأولى (بعد خلق) آدم عليه السلام فلست تسأل أحداً من الناس إلا نبأك أن الله جل ذكره خلق آدم من طين.
* *
ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ﴾.
أي أفرأيتم أيها الناس الحرث الذي تحرثونه أنتم تنبتونه وتصيرونه زرعاً أم نحن نجعله كذلك.
وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تقل زرعت لكن قل حرثت، ثم تلا أبو هريرة الآية.
* *
ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً﴾ أي: لجعلنا الزرع هشيماً لا ينتفع به في مطعم ولا ثمر.
* *
ثم قال: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ أي: فظلتم تتعجبون مما نزل بكم وبزرعكم من المصيبة، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة.
وقال عكرمة معناه فظلتم تلاومون بينكم في تفريطكم في طاعة ربكم بما نزل بكم.
وقال الحسن تفكهون: تندمون على ما سلف منكم من معصية الله جل وعز التي أوجبت عليكم العقوبة، وروي مثل ذلك أيضاً عن قتادة.
وقال ابن زيد تفكهون: تفجعون، ومعنى فظلتم: فأقمتم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أي: لمولع بنا، قاله عكرمة ومجاهد.
وعن مجاهد أيضاً لمغرمون: لملقون للشر.
وقيل معناه لمعذبون، والغرام عند العرب الهلاك والعذاب.
* *
ثم قال: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: [مجدون لا حظ لنا].
وقال قتادة: معناه: محارفون.
* *
ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ﴾ أي: أنتم أنزلتموه من السحاب إلى قرار الأرض، أم نحن المنزلون.
قال مجاهد: وقتادة وابن زيد المزن: السحاب.
وقال ابن عباس المزن: السماء والسحاب، وهو قول سفيان.
* *
ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً﴾ أي: جعلنا الماء مراً مالحاً فلا تشربون منه ولا تنتفعون به في زروعكم وكرومكم.
﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ أي: فهلا تشكرون الله على ما فعل بكم.
الواقعة 56:70
قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ الآيات.
أي إن أصحاب الشمال كانوا (قبل ذلك) في الدنيا منعمين بالحرام.
* *
ثم قال: ﴿وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: يصرون على الشرك بالله، قال الضحاك وقتادة والفراء وغيرهم، أي: كانوا يتمادون عليه ولا يتوبون (سبحانه عما يصفون) منه، ولا يستغفرون من شركهم بالله عز وجل.
وقال مجاهد: ﴿عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ على الذنب العظيم، وقاله ابن زيد ثم فسره ابن زيد فقال هو الشرك.
وقيل هو قسمهم أن الله لا يبعث أحداً، ودل على ذلك قوله بعده ﴿وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾.
(أنكروا البعث) فقيل لهم: ﴿قُلْ إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ وَٱلآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾.
أي إنكم وأباؤكم ومن بعدكم، ومن قبل أبائكم لا بد من بعثكم يوم القيامة ومجازاتكم على أعمالكم.
* *
ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضِّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ * لأَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ﴾.
أي أنكم بعد البعث أيها الضالون عن الحق لأكلون من شجر جهنم، وهي الزقوم.
﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ﴾ أي: من الشجرة، أو من الشجر.
* *
ثم قال: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْحَمِيمِ﴾ أي: على الزقوم من الحميم، وهو الماء الذي قد بلغ في الحرارة.
﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ﴾ [الهيمُ جمع أهيم، وهي الإبل يصيبها داء فلا تروى من الماء، وقد قيل الهيم] جمع هائم وهائمة.
قال ابن عباس شرب الهيم: شرب الإبل العطاش.
وقال عكرمة هي الإبل المراض تمص الماء معا ولا تروى، وعنه أنها الإبل يأخذها العطش، فلا تزال تشرب حتى تهلك.
(وقال الضحاك) الهيم: الإبل العطاش تشرب فلا تروى يأخذها داء يقال له الهيام.
وقال ابن عباس الهيم: الهيام من الأرض يعني الرمل.
* *
ثم قال: ﴿هَـٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾ أي: هذا الذي وصف رزق هؤلاء يوم الجزاء.
* *
ثم قال: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ﴾ أي: نحن خلقناكم يا مكذبون بالبعث، ولم تكونوا شيئاً، فهل لا تصدقون من أنشأكم أولاً، أنه ينشئكم آخرا.
* *
ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ * ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ﴾ أي: أفرأيتم أيها المكذبون بالبعث، المنكرون قدرة الله عز وجل على إحيائكم بعد موتكم هذه النطفة التي تمنون في أرحام نسائكم، يقال (أمنى ومنى، وأمنى): أكثر.
[﴿ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ أي: تخلقون ذلك المني حتى يصير فيه الروح].
* *
﴿أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ﴾.
* *
ثم قال: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ أي: عجلناه على قوم وأخرناه عن قوم إلى وقت مسمى، أي: منكم قريب الأجل ومنكم بعيد الأجل.
﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي: في أجالكم لا يسبق متقدم فيتأخر، ولا متأخر فيتقدم، بل لا يتقدم أجل قبل وقته ولا يتأخر عن وقته.
* *
ثم قال: ﴿عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ﴾.
قال الطبري معناه: نحن قدرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم بعد موتكم فنحيي بأخرين من جنسكم.
وقيل التقدير: وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم، (أي إن أردنا) أن نبدل أمثالكم منكم لم يسبقنا إلى ذلك سابق.
* *
وقوله: ﴿وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ في أي: خلق شاء.
وقيل: قردة وخنازير.
وقيل يخلق لهم أبداناً للبقاء، لأن هذه للفناء خلقت.
وقيل معناه في عالم لا تعلمون، أو في مكان لا تعلمون.
وقيل المعنى: وننشئكم في غير هذه الصور، فننشئ المؤمنين يوم القيامة في أحسن الصور وإن كانوا في الدنيا قبحاً، وننشئ الكافرين في أقبح الصور وإن كان في الدنيا نبلاً.
* *
ثم قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: ولقد علمتم الأحداث الأول، فلقد أحدثناكم ولم تكونوا شيئاً، فهلا تذكرون فتعلمون أن من فعل ذلك قادر على إنشاء آخر متى شاء.
وقال قتادة: ولقد علمتم النشأة الأولى (بعد خلق) آدم عليه السلام فلست تسأل أحداً من الناس إلا نبأك أن الله جل ذكره خلق آدم من طين.
* *
ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ﴾.
أي أفرأيتم أيها الناس الحرث الذي تحرثونه أنتم تنبتونه وتصيرونه زرعاً أم نحن نجعله كذلك.
وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تقل زرعت لكن قل حرثت، ثم تلا أبو هريرة الآية.
* *
ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً﴾ أي: لجعلنا الزرع هشيماً لا ينتفع به في مطعم ولا ثمر.
* *
ثم قال: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ أي: فظلتم تتعجبون مما نزل بكم وبزرعكم من المصيبة، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة.
وقال عكرمة معناه فظلتم تلاومون بينكم في تفريطكم في طاعة ربكم بما نزل بكم.
وقال الحسن تفكهون: تندمون على ما سلف منكم من معصية الله جل وعز التي أوجبت عليكم العقوبة، وروي مثل ذلك أيضاً عن قتادة.
وقال ابن زيد تفكهون: تفجعون، ومعنى فظلتم: فأقمتم.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أي: لمولع بنا، قاله عكرمة ومجاهد.
وعن مجاهد أيضاً لمغرمون: لملقون للشر.
وقيل معناه لمعذبون، والغرام عند العرب الهلاك والعذاب.
* *
ثم قال: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: [مجدون لا حظ لنا].
وقال قتادة: معناه: محارفون.
* *
ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ﴾ أي: أنتم أنزلتموه من السحاب إلى قرار الأرض، أم نحن المنزلون.
قال مجاهد: وقتادة وابن زيد المزن: السحاب.
وقال ابن عباس المزن: السماء والسحاب، وهو قول سفيان.
* *
ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً﴾ أي: جعلنا الماء مراً مالحاً فلا تشربون منه ولا تنتفعون به في زروعكم وكرومكم.
﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ أي: فهلا تشكرون الله على ما فعل بكم.
الواقعة 56:71
قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ﴾ إلى آخر السورة الآيات.
أي أفرأيتم أيها الناس النار التي تستخرجون من زندكم وتقدحون.
﴿أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ﴾ أي: أنتم أخترعتم شجرتها أم نحن اخترعنا ذلك.
وتورون من أوريت زنادي وناري أوريتها: إذا أوقدتها.
وقال أبو عبيدة وأكثر ما يقولون وريت زنادي، وأهل نجد يقولون وريت زنادي.
(ثم قال) ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ يعني النار التي تذكرون بها نار جهنم فتتعظون وتخافون.
وقال مجاهد: تذكرة تذكر النار الكبرى، وكذا قال قتادة:
وروي عن النبي ﷺ أنه قال أن ناركم (جزء من سبعين جزاء) من نار جهنم قالوا يا نبي الله وإن كانت لكافية، قال قد ضربت بالماء ضربتين ليستمتع بها بنو أدم ويدنو منها
ثم قال: ﴿وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ﴾ قال ابن عباس للمقوين: للمسافرين وقال مجاهد: للمقوين: للمستمتعين بها من الحاضر والمسافر.
وقال ابن زيد للمقوين: للجائعين.
والعرب تقول أقويت منه كذا وكذا: (أكلت منه كذا وكذا)، وأصله من أقوت الدار إذا خلت من أهلها، (ويقال أقوى إذا نزل بالقواء في الأرض الخالية.
وقال ابن زيد المقوي: الذي لا زاد ولا مال معه.
وأقوى عند أهل اللغة على ثلاثة معانٍ، يقال أقوى إذا فني زاده، ومنه أقوت الدار إذا فني أهلها، ويقال أقوى إذا سافر أي: نزل القواء. والقين، ويقال أقوى إذا قوى وقوى أصحابه.
والمتاع: المنفعة.
* *
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: فنزه ربك يا محمد من السوء.
* *
ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ لا زائدة والتقدير أقسم.
وقيل لا رد الكلام، والتقدير ليس الأمر كما يقول الكافر.
ثم استأنف فقال: أقسم بمواقع النجوم، وقيل "لا بمعنى" إلا للتنبيه ومعنى مواقع النجوم، منازل القرآن، لأن القرآن نزل على النبي ﷺ نجوماً متفرقة.
قال ابن عباس نزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة ثم فرق في السنين بعد وتلا ابن عباس ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾، قال نزل متفرقاً.
وقال عكرمة فلا أقسم بمواقع النجوم، قال أنزل الله القرآن نجوماً ثلاث آيات وأربع آيات وخمس آيات، وقال أيضاً نزل جميعاً فوضع بمواقع النجوم، فجعل جبريل ﷺ يأتي بالسورة بعد السورة وإنما نزل جميعاً في ليلة القدر.
وقال مجاهد: بمواقع النجوم هو محكم القرآن.
وقال الحسن بمواقع النجوم بمغاربها، وقاله قتادة.
وعن الحسن أيضاً بمواقع النجوم هو أنكدارها وانتشارها يوم القيامة.
وعن مجاهد أيضاً بمواقع النجوم مطالعها ومساقطها.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ أي: وأن هذا القسم عظيم لو تعلمون ذلك.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ أي: أقسم بمواقع النجوم وهو القرآن أن هذا القرآن لقسم عظيم لو تعلمون ذلك أنه لقرآن كريم، والهاء "في" "إنه" من ذكر القرآن.
* *
ثم قال: ﴿فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾ أي: في كتاب مصون عند الله لا يمسه إلا المطهرون.
قال ابن عباس هو الكتاب الذي في السماء، قاله الضحاك.
قال ابن زيد زعموا أن الشياطين تنزلت به على محمد ﷺ.
فأخبرهم الله أنهم لا يستطيعون على ذلك.
قال ابن عباس: إذا أراد الله أن ينزل كتاباً نسخته السفرة فلا يمسه إلا المطهرون، يعني الملائكة، وهو قول ابن جبير ومجاهد وقتادة والضحاك، فهو خبر وليس بنهي، وقد يجوز أن يكون إخباراً على الإلزام فيكون فيه معنى النهي كما تقول (جعل كذا) وكقوله ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠].
قال المبرد معناه آمنوا بالله.
وقيل هم حملة التوراة والإنجيل، قاله عكرمة.
وقال أبو العالية المطهرون الذين طهروا من الذنوب كالملائكة والرسل قال ابن زيد المطهرون: الملائكة والأنبياء والرسل التي تتنزل به من عند الله المطهرة.
وقال قتادة: معناه لا يمسه عند الله إلا المطهرون، قال وأما عندكم فيمسه المشرك النجس والمنافق الرجس.
وفي حرف ابن مسعود ما يمسه.
وقال مالك بن أنس في قوله عز وجل ﴿لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ﴾ إنما هو بمنزلة قوله: ﴿فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٣-١٦] فهذا من قول مالك يدل على أنه نفي ليس بنهي يراد به الملائكة.
وقال مسلم: لا يمسه إلا طاهراً، وسئل عن آية فقال: سلوني فلست أمسه إنما أقرؤه، وكان قد أحدث ولم يتوضأ.
وفي كتاب عمرو بن حزم: لا يمس القرآن إلا طاهراً، وهو الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم.
وروى مالك أن مصعب بن سعد قال كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص فاحتككت، فقال لعلك مسست ذكرك، فقلت نعم، فقال فقم فتوضأ، فقمت فتوضأت ثم رجعت، وروي أنه قال له فقم فاغسل يديك.
وكان ابن عمر لا يمس المصحف إلا طاهراً.
وقال مالك لا يمس المصحف أحد بعلاقة أو على وسادة إلا وهو طاهر إكراماً للقرآن.
* *
وقوله: ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ أي: هو تنزيل من عند رب العالمين.
* *
ثم قال: ﴿أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ﴾ أي: أفبهذا القرآن الذي أنبأتكم خبره وأنتم تلينون القول للمكذبين به ممالاة منكم لهم على التكذيب والكفر.
قال مجاهد: أنتم مدهنون: أي: أنتم تريدون أن تمايلوهم [فيه] وتركنوا إليهم.
وقال ابن عباس أنتم مدهنون: مكذبون غير مصدقين.
وقال الضحاك يقال أدهن وداهن: إذا نافق.
* *
ثم قال: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: وتجعلون شكر الله على رزقه لكم التكذيب له، وهذا كقول القائل للآخر: جعلت إحساني إليك إساءة منك إلي، بمعنى جعلت شكر إحساني إليك إساءة منك، فالتقدير وتجعلون رزقي إياكم تكذيبكم لرسلي وكتبي.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون قال شكركم، يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا، وبنجم كذا وكذا، وقاله ابن عباس.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: إن الله ليصبح القوم بالنعمة أو يمسيهم بها فيصبح بها قوم كافرين يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا
قال الضحاك في الآية: جعل الله رزقكم في السماء وأنتم تجعلونه في الأنواء.
قال قطرب الرزق هنا: الشكر.
وقيل المعنى: وتجعلون شكر رزقكم ثم حذف مثل، ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
* *
ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ﴾ يعني النفس تبلغ الحلقوم عند خروجها.
﴿وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ أي: من حضره ينظر ولا يغني عنه شيئاً، فهذا خطاب عام والمراد به من حضر الميت.
* *
ثم قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ﴾ أي: ورسلنا أقرب إلى الميت منكم يقبضون روحه ولكن لا تبصرونهم، وهذا كله جواب لمن ادعى أنه يمتنع من الموت ويدفعه.
* *
ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ أي: فهلا أن كنتم غير مجزيين.
﴿تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (أي إن كنتم صادقين) في أنكم تمنعون من الموت، فارجعوا تلك النفس، وامنعوا من خروجها.
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن غير مدينين: غير محاسبين.
قال ابن زيد كانوا يجحدون أن يدانوا بعد الموت.
وقال الفراء: غير مدينين: غير مملوكين.
وقال الحسن غير مدينين: غير مبعوثين يوم القيامة.
وقيل معناه غير مجزيين بأعمالكم.
﴿تَرْجِعُونَهَآ﴾ أي: تردون تلك النفوس إلى الأجساد بعد إذ صارت في الحلاقيم.
﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنكم تمتنعون من الموت والحساب والمجازاة.
وقال الفراء إن كنتم صادقين: إن كنتم غير مملوكين، فالمعنى هل لا ترجعون نفس عزيزكم إن كنتم غير مملوكين ولا مقهورين.
وجواب فلولا في الموضعين جواب واحد على قول الفراء.
وقيل حذف جواب أحدهما لدلالة الآخر عليه.
* *
ثم قال: ﴿فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ﴾ أي: إن كان الميت من المقربين أي: من الذين قربهم الله من جواره ورحمته.
﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ (أي فله) روح وريحان.
والروح: الرحمة، والريحان: الرزق.
وقال مجاهد الروح: الفرح.
وقال الحسن الريحان: ريحانكم هذا.
وقال الربيع بن خيثم فروح وريحان هذا عند الموت، والجنة مخبوءة له إلى أن يبعث.
قال ابن عباس فروح وريحان: فراحة ومستريح من الدنيا.
وقال ابن جبير ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾: راحة ومستراح: وعنه يعني بالريحان المستريح من الدنيا.
وقال الضحاك الروح: المغفرة والرحمة. والريحان: الاستراحة.
وعنه: الروح والاستراحة.
وقال القتبي فروح: أي: في القبر له طيب نسيم.
ومن قرأ بضم الراء فمعناه: فحياة له وبقاء.
وقيل الريحان: الراحة.
قال أبو العالية لم يفارق أحد من المقربين وهم السابقون الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه ثم يقبض.
قال الحسن يقبض الملك نفس المؤمن في ريحانة.
والفاء في "فروح" "جواب" "إن"، وجواب "أما" هذا قول الأخفش والفراء.
وقال سيبويه لا جواب "لأن" هنا، لأن بعدها فعلاً ماضياً، كما تقول (أكرمك إن جئتني)، "والفاء" جواب "أما".
وقال المبرد جواب "إن" محذوف، لأن بعدها ما يدل عليه، والفاء جواب "أما" وأما معناها: الخروج من شيء إلى شيء، أي: دع ما كنا فيه وخذ بشيء أخر، ولا يلي فعل فعلا، فمعنى أما: مهما يكن (من شيء).
فوجب أن يليها الاسم، وتقديره أن يكون بعد جوابها، فإذا أردت أن تعرف إعراب الاسم الذي يليها فاجعل موضعها، "مهما" وقدر الاسم بعد الفاء.
تقول أما زيداً فضربت، والتقدير: مهما يكن من شيء فضربت زيداً.
* *
وقوله: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: من الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، وقيل من الذين يعطون كتبهم بأيمانهم.
﴿فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: فسلام من عند الله، أي: سلام من ذلك وقيل المعنى: يقال سلام لك إنك من أصحاب اليمين.
قال قتادة: معناه سلموا وسلمت عليهم الملائكة.
وقيل المعنى: لك يا محمد منهم سلام، أي: يسلمون عليك.
وقيل المعنى: فسلام لك أنك من أصحاب اليمين.
وقيل معناه فلست ترى فيهم يا محمد إلا ما تحب من السلامة.
* *
ثم قال: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾. [أي إن كان الميت ممن كذب بآيات الله وضل عن دين الله فنزل من حميم أي: فرزق من حميم].
أي له زرق من حميم قد غلي عليه حتى انتهى حره، فهو شرابه.
﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أي: وحريق النار يحرق بها.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ﴾ أي: أن هذا الذي أخبرتم به أيها الناس من الخير عن المقربين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال وما تصير أمورهم لهو حق اليقين، أي: لهو من الخبر الحق اليقين.
قال قتادة: إن الله جل ذكره ليس تاركاً أحداً من الناس [يوقفه] على اليقين من هذا القرآن، فأما المؤمن فأيقن في الدنيا فينفعه ذلك يوم القيامة وأما الكافر فأيقن في الآخرة حين لا ينفعه ذلك.
(وحق اليقين): محض اليقين، وقيل معناه حق الأمر اليقين، وحق الخبر اليقين مثل "دِينُ الْقَيِّمَةِ" أي: دين الملة القيمة.
وقيل أصل "اليقين" أن يكون نعتاً للحق، ولكن أضيف المنعوت إلى النعت على الاتساع كما قال "وَلَدارُ الآْخِرَةِ" و "وملاة الأولى" و "مسجد الجامع"، وهو عند أكثر الكوفيين من باب إضافة الشيء إلى نفسه.
* *
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ [أي] فنزه ربك العظيم.
وقيل معناه: فسبح بتسمية ربك العظيم.
الواقعة 56:72
قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ﴾ إلى آخر السورة الآيات.
أي أفرأيتم أيها الناس النار التي تستخرجون من زندكم وتقدحون.
﴿أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ﴾ أي: أنتم أخترعتم شجرتها أم نحن اخترعنا ذلك.
وتورون من أوريت زنادي وناري أوريتها: إذا أوقدتها.
وقال أبو عبيدة وأكثر ما يقولون وريت زنادي، وأهل نجد يقولون وريت زنادي.
(ثم قال) ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ يعني النار التي تذكرون بها نار جهنم فتتعظون وتخافون.
وقال مجاهد: تذكرة تذكر النار الكبرى، وكذا قال قتادة:
وروي عن النبي ﷺ أنه قال أن ناركم (جزء من سبعين جزاء) من نار جهنم قالوا يا نبي الله وإن كانت لكافية، قال قد ضربت بالماء ضربتين ليستمتع بها بنو أدم ويدنو منها
ثم قال: ﴿وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ﴾ قال ابن عباس للمقوين: للمسافرين وقال مجاهد: للمقوين: للمستمتعين بها من الحاضر والمسافر.
وقال ابن زيد للمقوين: للجائعين.
والعرب تقول أقويت منه كذا وكذا: (أكلت منه كذا وكذا)، وأصله من أقوت الدار إذا خلت من أهلها، (ويقال أقوى إذا نزل بالقواء في الأرض الخالية.
وقال ابن زيد المقوي: الذي لا زاد ولا مال معه.
وأقوى عند أهل اللغة على ثلاثة معانٍ، يقال أقوى إذا فني زاده، ومنه أقوت الدار إذا فني أهلها، ويقال أقوى إذا سافر أي: نزل القواء. والقين، ويقال أقوى إذا قوى وقوى أصحابه.
والمتاع: المنفعة.
* *
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: فنزه ربك يا محمد من السوء.
* *
ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ لا زائدة والتقدير أقسم.
وقيل لا رد الكلام، والتقدير ليس الأمر كما يقول الكافر.
ثم استأنف فقال: أقسم بمواقع النجوم، وقيل "لا بمعنى" إلا للتنبيه ومعنى مواقع النجوم، منازل القرآن، لأن القرآن نزل على النبي ﷺ نجوماً متفرقة.
قال ابن عباس نزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة ثم فرق في السنين بعد وتلا ابن عباس ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾، قال نزل متفرقاً.
وقال عكرمة فلا أقسم بمواقع النجوم، قال أنزل الله القرآن نجوماً ثلاث آيات وأربع آيات وخمس آيات، وقال أيضاً نزل جميعاً فوضع بمواقع النجوم، فجعل جبريل ﷺ يأتي بالسورة بعد السورة وإنما نزل جميعاً في ليلة القدر.
وقال مجاهد: بمواقع النجوم هو محكم القرآن.
وقال الحسن بمواقع النجوم بمغاربها، وقاله قتادة.
وعن الحسن أيضاً بمواقع النجوم هو أنكدارها وانتشارها يوم القيامة.
وعن مجاهد أيضاً بمواقع النجوم مطالعها ومساقطها.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ أي: وأن هذا القسم عظيم لو تعلمون ذلك.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ أي: أقسم بمواقع النجوم وهو القرآن أن هذا القرآن لقسم عظيم لو تعلمون ذلك أنه لقرآن كريم، والهاء "في" "إنه" من ذكر القرآن.
* *
ثم قال: ﴿فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾ أي: في كتاب مصون عند الله لا يمسه إلا المطهرون.
قال ابن عباس هو الكتاب الذي في السماء، قاله الضحاك.
قال ابن زيد زعموا أن الشياطين تنزلت به على محمد ﷺ.
فأخبرهم الله أنهم لا يستطيعون على ذلك.
قال ابن عباس: إذا أراد الله أن ينزل كتاباً نسخته السفرة فلا يمسه إلا المطهرون، يعني الملائكة، وهو قول ابن جبير ومجاهد وقتادة والضحاك، فهو خبر وليس بنهي، وقد يجوز أن يكون إخباراً على الإلزام فيكون فيه معنى النهي كما تقول (جعل كذا) وكقوله ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠].
قال المبرد معناه آمنوا بالله.
وقيل هم حملة التوراة والإنجيل، قاله عكرمة.
وقال أبو العالية المطهرون الذين طهروا من الذنوب كالملائكة والرسل قال ابن زيد المطهرون: الملائكة والأنبياء والرسل التي تتنزل به من عند الله المطهرة.
وقال قتادة: معناه لا يمسه عند الله إلا المطهرون، قال وأما عندكم فيمسه المشرك النجس والمنافق الرجس.
وفي حرف ابن مسعود ما يمسه.
وقال مالك بن أنس في قوله عز وجل ﴿لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ﴾ إنما هو بمنزلة قوله: ﴿فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٣-١٦] فهذا من قول مالك يدل على أنه نفي ليس بنهي يراد به الملائكة.
وقال مسلم: لا يمسه إلا طاهراً، وسئل عن آية فقال: سلوني فلست أمسه إنما أقرؤه، وكان قد أحدث ولم يتوضأ.
وفي كتاب عمرو بن حزم: لا يمس القرآن إلا طاهراً، وهو الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم.
وروى مالك أن مصعب بن سعد قال كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص فاحتككت، فقال لعلك مسست ذكرك، فقلت نعم، فقال فقم فتوضأ، فقمت فتوضأت ثم رجعت، وروي أنه قال له فقم فاغسل يديك.
وكان ابن عمر لا يمس المصحف إلا طاهراً.
وقال مالك لا يمس المصحف أحد بعلاقة أو على وسادة إلا وهو طاهر إكراماً للقرآن.
* *
وقوله: ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ أي: هو تنزيل من عند رب العالمين.
* *
ثم قال: ﴿أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ﴾ أي: أفبهذا القرآن الذي أنبأتكم خبره وأنتم تلينون القول للمكذبين به ممالاة منكم لهم على التكذيب والكفر.
قال مجاهد: أنتم مدهنون: أي: أنتم تريدون أن تمايلوهم [فيه] وتركنوا إليهم.
وقال ابن عباس أنتم مدهنون: مكذبون غير مصدقين.
وقال الضحاك يقال أدهن وداهن: إذا نافق.
* *
ثم قال: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: وتجعلون شكر الله على رزقه لكم التكذيب له، وهذا كقول القائل للآخر: جعلت إحساني إليك إساءة منك إلي، بمعنى جعلت شكر إحساني إليك إساءة منك، فالتقدير وتجعلون رزقي إياكم تكذيبكم لرسلي وكتبي.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون قال شكركم، يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا، وبنجم كذا وكذا، وقاله ابن عباس.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: إن الله ليصبح القوم بالنعمة أو يمسيهم بها فيصبح بها قوم كافرين يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا
قال الضحاك في الآية: جعل الله رزقكم في السماء وأنتم تجعلونه في الأنواء.
قال قطرب الرزق هنا: الشكر.
وقيل المعنى: وتجعلون شكر رزقكم ثم حذف مثل، ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
* *
ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ﴾ يعني النفس تبلغ الحلقوم عند خروجها.
﴿وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ أي: من حضره ينظر ولا يغني عنه شيئاً، فهذا خطاب عام والمراد به من حضر الميت.
* *
ثم قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ﴾ أي: ورسلنا أقرب إلى الميت منكم يقبضون روحه ولكن لا تبصرونهم، وهذا كله جواب لمن ادعى أنه يمتنع من الموت ويدفعه.
* *
ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ أي: فهلا أن كنتم غير مجزيين.
﴿تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (أي إن كنتم صادقين) في أنكم تمنعون من الموت، فارجعوا تلك النفس، وامنعوا من خروجها.
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن غير مدينين: غير محاسبين.
قال ابن زيد كانوا يجحدون أن يدانوا بعد الموت.
وقال الفراء: غير مدينين: غير مملوكين.
وقال الحسن غير مدينين: غير مبعوثين يوم القيامة.
وقيل معناه غير مجزيين بأعمالكم.
﴿تَرْجِعُونَهَآ﴾ أي: تردون تلك النفوس إلى الأجساد بعد إذ صارت في الحلاقيم.
﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنكم تمتنعون من الموت والحساب والمجازاة.
وقال الفراء إن كنتم صادقين: إن كنتم غير مملوكين، فالمعنى هل لا ترجعون نفس عزيزكم إن كنتم غير مملوكين ولا مقهورين.
وجواب فلولا في الموضعين جواب واحد على قول الفراء.
وقيل حذف جواب أحدهما لدلالة الآخر عليه.
* *
ثم قال: ﴿فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ﴾ أي: إن كان الميت من المقربين أي: من الذين قربهم الله من جواره ورحمته.
﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ (أي فله) روح وريحان.
والروح: الرحمة، والريحان: الرزق.
وقال مجاهد الروح: الفرح.
وقال الحسن الريحان: ريحانكم هذا.
وقال الربيع بن خيثم فروح وريحان هذا عند الموت، والجنة مخبوءة له إلى أن يبعث.
قال ابن عباس فروح وريحان: فراحة ومستريح من الدنيا.
وقال ابن جبير ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾: راحة ومستراح: وعنه يعني بالريحان المستريح من الدنيا.
وقال الضحاك الروح: المغفرة والرحمة. والريحان: الاستراحة.
وعنه: الروح والاستراحة.
وقال القتبي فروح: أي: في القبر له طيب نسيم.
ومن قرأ بضم الراء فمعناه: فحياة له وبقاء.
وقيل الريحان: الراحة.
قال أبو العالية لم يفارق أحد من المقربين وهم السابقون الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه ثم يقبض.
قال الحسن يقبض الملك نفس المؤمن في ريحانة.
والفاء في "فروح" "جواب" "إن"، وجواب "أما" هذا قول الأخفش والفراء.
وقال سيبويه لا جواب "لأن" هنا، لأن بعدها فعلاً ماضياً، كما تقول (أكرمك إن جئتني)، "والفاء" جواب "أما".
وقال المبرد جواب "إن" محذوف، لأن بعدها ما يدل عليه، والفاء جواب "أما" وأما معناها: الخروج من شيء إلى شيء، أي: دع ما كنا فيه وخذ بشيء أخر، ولا يلي فعل فعلا، فمعنى أما: مهما يكن (من شيء).
فوجب أن يليها الاسم، وتقديره أن يكون بعد جوابها، فإذا أردت أن تعرف إعراب الاسم الذي يليها فاجعل موضعها، "مهما" وقدر الاسم بعد الفاء.
تقول أما زيداً فضربت، والتقدير: مهما يكن من شيء فضربت زيداً.
* *
وقوله: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: من الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، وقيل من الذين يعطون كتبهم بأيمانهم.
﴿فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: فسلام من عند الله، أي: سلام من ذلك وقيل المعنى: يقال سلام لك إنك من أصحاب اليمين.
قال قتادة: معناه سلموا وسلمت عليهم الملائكة.
وقيل المعنى: لك يا محمد منهم سلام، أي: يسلمون عليك.
وقيل المعنى: فسلام لك أنك من أصحاب اليمين.
وقيل معناه فلست ترى فيهم يا محمد إلا ما تحب من السلامة.
* *
ثم قال: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾. [أي إن كان الميت ممن كذب بآيات الله وضل عن دين الله فنزل من حميم أي: فرزق من حميم].
أي له زرق من حميم قد غلي عليه حتى انتهى حره، فهو شرابه.
﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أي: وحريق النار يحرق بها.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ﴾ أي: أن هذا الذي أخبرتم به أيها الناس من الخير عن المقربين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال وما تصير أمورهم لهو حق اليقين، أي: لهو من الخبر الحق اليقين.
قال قتادة: إن الله جل ذكره ليس تاركاً أحداً من الناس [يوقفه] على اليقين من هذا القرآن، فأما المؤمن فأيقن في الدنيا فينفعه ذلك يوم القيامة وأما الكافر فأيقن في الآخرة حين لا ينفعه ذلك.
(وحق اليقين): محض اليقين، وقيل معناه حق الأمر اليقين، وحق الخبر اليقين مثل "دِينُ الْقَيِّمَةِ" أي: دين الملة القيمة.
وقيل أصل "اليقين" أن يكون نعتاً للحق، ولكن أضيف المنعوت إلى النعت على الاتساع كما قال "وَلَدارُ الآْخِرَةِ" و "وملاة الأولى" و "مسجد الجامع"، وهو عند أكثر الكوفيين من باب إضافة الشيء إلى نفسه.
* *
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ [أي] فنزه ربك العظيم.
وقيل معناه: فسبح بتسمية ربك العظيم.
الواقعة 56:73
قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ﴾ إلى آخر السورة الآيات.
أي أفرأيتم أيها الناس النار التي تستخرجون من زندكم وتقدحون.
﴿أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ﴾ أي: أنتم أخترعتم شجرتها أم نحن اخترعنا ذلك.
وتورون من أوريت زنادي وناري أوريتها: إذا أوقدتها.
وقال أبو عبيدة وأكثر ما يقولون وريت زنادي، وأهل نجد يقولون وريت زنادي.
(ثم قال) ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ يعني النار التي تذكرون بها نار جهنم فتتعظون وتخافون.
وقال مجاهد: تذكرة تذكر النار الكبرى، وكذا قال قتادة:
وروي عن النبي ﷺ أنه قال أن ناركم (جزء من سبعين جزاء) من نار جهنم قالوا يا نبي الله وإن كانت لكافية، قال قد ضربت بالماء ضربتين ليستمتع بها بنو أدم ويدنو منها
ثم قال: ﴿وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ﴾ قال ابن عباس للمقوين: للمسافرين وقال مجاهد: للمقوين: للمستمتعين بها من الحاضر والمسافر.
وقال ابن زيد للمقوين: للجائعين.
والعرب تقول أقويت منه كذا وكذا: (أكلت منه كذا وكذا)، وأصله من أقوت الدار إذا خلت من أهلها، (ويقال أقوى إذا نزل بالقواء في الأرض الخالية.
وقال ابن زيد المقوي: الذي لا زاد ولا مال معه.
وأقوى عند أهل اللغة على ثلاثة معانٍ، يقال أقوى إذا فني زاده، ومنه أقوت الدار إذا فني أهلها، ويقال أقوى إذا سافر أي: نزل القواء. والقين، ويقال أقوى إذا قوى وقوى أصحابه.
والمتاع: المنفعة.
* *
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: فنزه ربك يا محمد من السوء.
* *
ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ لا زائدة والتقدير أقسم.
وقيل لا رد الكلام، والتقدير ليس الأمر كما يقول الكافر.
ثم استأنف فقال: أقسم بمواقع النجوم، وقيل "لا بمعنى" إلا للتنبيه ومعنى مواقع النجوم، منازل القرآن، لأن القرآن نزل على النبي ﷺ نجوماً متفرقة.
قال ابن عباس نزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة ثم فرق في السنين بعد وتلا ابن عباس ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾، قال نزل متفرقاً.
وقال عكرمة فلا أقسم بمواقع النجوم، قال أنزل الله القرآن نجوماً ثلاث آيات وأربع آيات وخمس آيات، وقال أيضاً نزل جميعاً فوضع بمواقع النجوم، فجعل جبريل ﷺ يأتي بالسورة بعد السورة وإنما نزل جميعاً في ليلة القدر.
وقال مجاهد: بمواقع النجوم هو محكم القرآن.
وقال الحسن بمواقع النجوم بمغاربها، وقاله قتادة.
وعن الحسن أيضاً بمواقع النجوم هو أنكدارها وانتشارها يوم القيامة.
وعن مجاهد أيضاً بمواقع النجوم مطالعها ومساقطها.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ أي: وأن هذا القسم عظيم لو تعلمون ذلك.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ أي: أقسم بمواقع النجوم وهو القرآن أن هذا القرآن لقسم عظيم لو تعلمون ذلك أنه لقرآن كريم، والهاء "في" "إنه" من ذكر القرآن.
* *
ثم قال: ﴿فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾ أي: في كتاب مصون عند الله لا يمسه إلا المطهرون.
قال ابن عباس هو الكتاب الذي في السماء، قاله الضحاك.
قال ابن زيد زعموا أن الشياطين تنزلت به على محمد ﷺ.
فأخبرهم الله أنهم لا يستطيعون على ذلك.
قال ابن عباس: إذا أراد الله أن ينزل كتاباً نسخته السفرة فلا يمسه إلا المطهرون، يعني الملائكة، وهو قول ابن جبير ومجاهد وقتادة والضحاك، فهو خبر وليس بنهي، وقد يجوز أن يكون إخباراً على الإلزام فيكون فيه معنى النهي كما تقول (جعل كذا) وكقوله ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠].
قال المبرد معناه آمنوا بالله.
وقيل هم حملة التوراة والإنجيل، قاله عكرمة.
وقال أبو العالية المطهرون الذين طهروا من الذنوب كالملائكة والرسل قال ابن زيد المطهرون: الملائكة والأنبياء والرسل التي تتنزل به من عند الله المطهرة.
وقال قتادة: معناه لا يمسه عند الله إلا المطهرون، قال وأما عندكم فيمسه المشرك النجس والمنافق الرجس.
وفي حرف ابن مسعود ما يمسه.
وقال مالك بن أنس في قوله عز وجل ﴿لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ﴾ إنما هو بمنزلة قوله: ﴿فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٣-١٦] فهذا من قول مالك يدل على أنه نفي ليس بنهي يراد به الملائكة.
وقال مسلم: لا يمسه إلا طاهراً، وسئل عن آية فقال: سلوني فلست أمسه إنما أقرؤه، وكان قد أحدث ولم يتوضأ.
وفي كتاب عمرو بن حزم: لا يمس القرآن إلا طاهراً، وهو الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم.
وروى مالك أن مصعب بن سعد قال كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص فاحتككت، فقال لعلك مسست ذكرك، فقلت نعم، فقال فقم فتوضأ، فقمت فتوضأت ثم رجعت، وروي أنه قال له فقم فاغسل يديك.
وكان ابن عمر لا يمس المصحف إلا طاهراً.
وقال مالك لا يمس المصحف أحد بعلاقة أو على وسادة إلا وهو طاهر إكراماً للقرآن.
* *
وقوله: ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ أي: هو تنزيل من عند رب العالمين.
* *
ثم قال: ﴿أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ﴾ أي: أفبهذا القرآن الذي أنبأتكم خبره وأنتم تلينون القول للمكذبين به ممالاة منكم لهم على التكذيب والكفر.
قال مجاهد: أنتم مدهنون: أي: أنتم تريدون أن تمايلوهم [فيه] وتركنوا إليهم.
وقال ابن عباس أنتم مدهنون: مكذبون غير مصدقين.
وقال الضحاك يقال أدهن وداهن: إذا نافق.
* *
ثم قال: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: وتجعلون شكر الله على رزقه لكم التكذيب له، وهذا كقول القائل للآخر: جعلت إحساني إليك إساءة منك إلي، بمعنى جعلت شكر إحساني إليك إساءة منك، فالتقدير وتجعلون رزقي إياكم تكذيبكم لرسلي وكتبي.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون قال شكركم، يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا، وبنجم كذا وكذا، وقاله ابن عباس.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: إن الله ليصبح القوم بالنعمة أو يمسيهم بها فيصبح بها قوم كافرين يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا
قال الضحاك في الآية: جعل الله رزقكم في السماء وأنتم تجعلونه في الأنواء.
قال قطرب الرزق هنا: الشكر.
وقيل المعنى: وتجعلون شكر رزقكم ثم حذف مثل، ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
* *
ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ﴾ يعني النفس تبلغ الحلقوم عند خروجها.
﴿وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ أي: من حضره ينظر ولا يغني عنه شيئاً، فهذا خطاب عام والمراد به من حضر الميت.
* *
ثم قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ﴾ أي: ورسلنا أقرب إلى الميت منكم يقبضون روحه ولكن لا تبصرونهم، وهذا كله جواب لمن ادعى أنه يمتنع من الموت ويدفعه.
* *
ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ أي: فهلا أن كنتم غير مجزيين.
﴿تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (أي إن كنتم صادقين) في أنكم تمنعون من الموت، فارجعوا تلك النفس، وامنعوا من خروجها.
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن غير مدينين: غير محاسبين.
قال ابن زيد كانوا يجحدون أن يدانوا بعد الموت.
وقال الفراء: غير مدينين: غير مملوكين.
وقال الحسن غير مدينين: غير مبعوثين يوم القيامة.
وقيل معناه غير مجزيين بأعمالكم.
﴿تَرْجِعُونَهَآ﴾ أي: تردون تلك النفوس إلى الأجساد بعد إذ صارت في الحلاقيم.
﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنكم تمتنعون من الموت والحساب والمجازاة.
وقال الفراء إن كنتم صادقين: إن كنتم غير مملوكين، فالمعنى هل لا ترجعون نفس عزيزكم إن كنتم غير مملوكين ولا مقهورين.
وجواب فلولا في الموضعين جواب واحد على قول الفراء.
وقيل حذف جواب أحدهما لدلالة الآخر عليه.
* *
ثم قال: ﴿فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ﴾ أي: إن كان الميت من المقربين أي: من الذين قربهم الله من جواره ورحمته.
﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ (أي فله) روح وريحان.
والروح: الرحمة، والريحان: الرزق.
وقال مجاهد الروح: الفرح.
وقال الحسن الريحان: ريحانكم هذا.
وقال الربيع بن خيثم فروح وريحان هذا عند الموت، والجنة مخبوءة له إلى أن يبعث.
قال ابن عباس فروح وريحان: فراحة ومستريح من الدنيا.
وقال ابن جبير ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾: راحة ومستراح: وعنه يعني بالريحان المستريح من الدنيا.
وقال الضحاك الروح: المغفرة والرحمة. والريحان: الاستراحة.
وعنه: الروح والاستراحة.
وقال القتبي فروح: أي: في القبر له طيب نسيم.
ومن قرأ بضم الراء فمعناه: فحياة له وبقاء.
وقيل الريحان: الراحة.
قال أبو العالية لم يفارق أحد من المقربين وهم السابقون الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه ثم يقبض.
قال الحسن يقبض الملك نفس المؤمن في ريحانة.
والفاء في "فروح" "جواب" "إن"، وجواب "أما" هذا قول الأخفش والفراء.
وقال سيبويه لا جواب "لأن" هنا، لأن بعدها فعلاً ماضياً، كما تقول (أكرمك إن جئتني)، "والفاء" جواب "أما".
وقال المبرد جواب "إن" محذوف، لأن بعدها ما يدل عليه، والفاء جواب "أما" وأما معناها: الخروج من شيء إلى شيء، أي: دع ما كنا فيه وخذ بشيء أخر، ولا يلي فعل فعلا، فمعنى أما: مهما يكن (من شيء).
فوجب أن يليها الاسم، وتقديره أن يكون بعد جوابها، فإذا أردت أن تعرف إعراب الاسم الذي يليها فاجعل موضعها، "مهما" وقدر الاسم بعد الفاء.
تقول أما زيداً فضربت، والتقدير: مهما يكن من شيء فضربت زيداً.
* *
وقوله: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: من الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، وقيل من الذين يعطون كتبهم بأيمانهم.
﴿فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: فسلام من عند الله، أي: سلام من ذلك وقيل المعنى: يقال سلام لك إنك من أصحاب اليمين.
قال قتادة: معناه سلموا وسلمت عليهم الملائكة.
وقيل المعنى: لك يا محمد منهم سلام، أي: يسلمون عليك.
وقيل المعنى: فسلام لك أنك من أصحاب اليمين.
وقيل معناه فلست ترى فيهم يا محمد إلا ما تحب من السلامة.
* *
ثم قال: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾. [أي إن كان الميت ممن كذب بآيات الله وضل عن دين الله فنزل من حميم أي: فرزق من حميم].
أي له زرق من حميم قد غلي عليه حتى انتهى حره، فهو شرابه.
﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أي: وحريق النار يحرق بها.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ﴾ أي: أن هذا الذي أخبرتم به أيها الناس من الخير عن المقربين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال وما تصير أمورهم لهو حق اليقين، أي: لهو من الخبر الحق اليقين.
قال قتادة: إن الله جل ذكره ليس تاركاً أحداً من الناس [يوقفه] على اليقين من هذا القرآن، فأما المؤمن فأيقن في الدنيا فينفعه ذلك يوم القيامة وأما الكافر فأيقن في الآخرة حين لا ينفعه ذلك.
(وحق اليقين): محض اليقين، وقيل معناه حق الأمر اليقين، وحق الخبر اليقين مثل "دِينُ الْقَيِّمَةِ" أي: دين الملة القيمة.
وقيل أصل "اليقين" أن يكون نعتاً للحق، ولكن أضيف المنعوت إلى النعت على الاتساع كما قال "وَلَدارُ الآْخِرَةِ" و "وملاة الأولى" و "مسجد الجامع"، وهو عند أكثر الكوفيين من باب إضافة الشيء إلى نفسه.
* *
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ [أي] فنزه ربك العظيم.
وقيل معناه: فسبح بتسمية ربك العظيم.
الواقعة 56:74
قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ﴾ إلى آخر السورة الآيات.
أي أفرأيتم أيها الناس النار التي تستخرجون من زندكم وتقدحون.
﴿أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ﴾ أي: أنتم أخترعتم شجرتها أم نحن اخترعنا ذلك.
وتورون من أوريت زنادي وناري أوريتها: إذا أوقدتها.
وقال أبو عبيدة وأكثر ما يقولون وريت زنادي، وأهل نجد يقولون وريت زنادي.
(ثم قال) ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ يعني النار التي تذكرون بها نار جهنم فتتعظون وتخافون.
وقال مجاهد: تذكرة تذكر النار الكبرى، وكذا قال قتادة:
وروي عن النبي ﷺ أنه قال أن ناركم (جزء من سبعين جزاء) من نار جهنم قالوا يا نبي الله وإن كانت لكافية، قال قد ضربت بالماء ضربتين ليستمتع بها بنو أدم ويدنو منها
ثم قال: ﴿وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ﴾ قال ابن عباس للمقوين: للمسافرين وقال مجاهد: للمقوين: للمستمتعين بها من الحاضر والمسافر.
وقال ابن زيد للمقوين: للجائعين.
والعرب تقول أقويت منه كذا وكذا: (أكلت منه كذا وكذا)، وأصله من أقوت الدار إذا خلت من أهلها، (ويقال أقوى إذا نزل بالقواء في الأرض الخالية.
وقال ابن زيد المقوي: الذي لا زاد ولا مال معه.
وأقوى عند أهل اللغة على ثلاثة معانٍ، يقال أقوى إذا فني زاده، ومنه أقوت الدار إذا فني أهلها، ويقال أقوى إذا سافر أي: نزل القواء. والقين، ويقال أقوى إذا قوى وقوى أصحابه.
والمتاع: المنفعة.
* *
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: فنزه ربك يا محمد من السوء.
* *
ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ لا زائدة والتقدير أقسم.
وقيل لا رد الكلام، والتقدير ليس الأمر كما يقول الكافر.
ثم استأنف فقال: أقسم بمواقع النجوم، وقيل "لا بمعنى" إلا للتنبيه ومعنى مواقع النجوم، منازل القرآن، لأن القرآن نزل على النبي ﷺ نجوماً متفرقة.
قال ابن عباس نزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة ثم فرق في السنين بعد وتلا ابن عباس ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾، قال نزل متفرقاً.
وقال عكرمة فلا أقسم بمواقع النجوم، قال أنزل الله القرآن نجوماً ثلاث آيات وأربع آيات وخمس آيات، وقال أيضاً نزل جميعاً فوضع بمواقع النجوم، فجعل جبريل ﷺ يأتي بالسورة بعد السورة وإنما نزل جميعاً في ليلة القدر.
وقال مجاهد: بمواقع النجوم هو محكم القرآن.
وقال الحسن بمواقع النجوم بمغاربها، وقاله قتادة.
وعن الحسن أيضاً بمواقع النجوم هو أنكدارها وانتشارها يوم القيامة.
وعن مجاهد أيضاً بمواقع النجوم مطالعها ومساقطها.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ أي: وأن هذا القسم عظيم لو تعلمون ذلك.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ أي: أقسم بمواقع النجوم وهو القرآن أن هذا القرآن لقسم عظيم لو تعلمون ذلك أنه لقرآن كريم، والهاء "في" "إنه" من ذكر القرآن.
* *
ثم قال: ﴿فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾ أي: في كتاب مصون عند الله لا يمسه إلا المطهرون.
قال ابن عباس هو الكتاب الذي في السماء، قاله الضحاك.
قال ابن زيد زعموا أن الشياطين تنزلت به على محمد ﷺ.
فأخبرهم الله أنهم لا يستطيعون على ذلك.
قال ابن عباس: إذا أراد الله أن ينزل كتاباً نسخته السفرة فلا يمسه إلا المطهرون، يعني الملائكة، وهو قول ابن جبير ومجاهد وقتادة والضحاك، فهو خبر وليس بنهي، وقد يجوز أن يكون إخباراً على الإلزام فيكون فيه معنى النهي كما تقول (جعل كذا) وكقوله ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠].
قال المبرد معناه آمنوا بالله.
وقيل هم حملة التوراة والإنجيل، قاله عكرمة.
وقال أبو العالية المطهرون الذين طهروا من الذنوب كالملائكة والرسل قال ابن زيد المطهرون: الملائكة والأنبياء والرسل التي تتنزل به من عند الله المطهرة.
وقال قتادة: معناه لا يمسه عند الله إلا المطهرون، قال وأما عندكم فيمسه المشرك النجس والمنافق الرجس.
وفي حرف ابن مسعود ما يمسه.
وقال مالك بن أنس في قوله عز وجل ﴿لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ﴾ إنما هو بمنزلة قوله: ﴿فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٣-١٦] فهذا من قول مالك يدل على أنه نفي ليس بنهي يراد به الملائكة.
وقال مسلم: لا يمسه إلا طاهراً، وسئل عن آية فقال: سلوني فلست أمسه إنما أقرؤه، وكان قد أحدث ولم يتوضأ.
وفي كتاب عمرو بن حزم: لا يمس القرآن إلا طاهراً، وهو الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم.
وروى مالك أن مصعب بن سعد قال كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص فاحتككت، فقال لعلك مسست ذكرك، فقلت نعم، فقال فقم فتوضأ، فقمت فتوضأت ثم رجعت، وروي أنه قال له فقم فاغسل يديك.
وكان ابن عمر لا يمس المصحف إلا طاهراً.
وقال مالك لا يمس المصحف أحد بعلاقة أو على وسادة إلا وهو طاهر إكراماً للقرآن.
* *
وقوله: ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ أي: هو تنزيل من عند رب العالمين.
* *
ثم قال: ﴿أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ﴾ أي: أفبهذا القرآن الذي أنبأتكم خبره وأنتم تلينون القول للمكذبين به ممالاة منكم لهم على التكذيب والكفر.
قال مجاهد: أنتم مدهنون: أي: أنتم تريدون أن تمايلوهم [فيه] وتركنوا إليهم.
وقال ابن عباس أنتم مدهنون: مكذبون غير مصدقين.
وقال الضحاك يقال أدهن وداهن: إذا نافق.
* *
ثم قال: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: وتجعلون شكر الله على رزقه لكم التكذيب له، وهذا كقول القائل للآخر: جعلت إحساني إليك إساءة منك إلي، بمعنى جعلت شكر إحساني إليك إساءة منك، فالتقدير وتجعلون رزقي إياكم تكذيبكم لرسلي وكتبي.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون قال شكركم، يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا، وبنجم كذا وكذا، وقاله ابن عباس.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: إن الله ليصبح القوم بالنعمة أو يمسيهم بها فيصبح بها قوم كافرين يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا
قال الضحاك في الآية: جعل الله رزقكم في السماء وأنتم تجعلونه في الأنواء.
قال قطرب الرزق هنا: الشكر.
وقيل المعنى: وتجعلون شكر رزقكم ثم حذف مثل، ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
* *
ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ﴾ يعني النفس تبلغ الحلقوم عند خروجها.
﴿وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ أي: من حضره ينظر ولا يغني عنه شيئاً، فهذا خطاب عام والمراد به من حضر الميت.
* *
ثم قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ﴾ أي: ورسلنا أقرب إلى الميت منكم يقبضون روحه ولكن لا تبصرونهم، وهذا كله جواب لمن ادعى أنه يمتنع من الموت ويدفعه.
* *
ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ أي: فهلا أن كنتم غير مجزيين.
﴿تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (أي إن كنتم صادقين) في أنكم تمنعون من الموت، فارجعوا تلك النفس، وامنعوا من خروجها.
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن غير مدينين: غير محاسبين.
قال ابن زيد كانوا يجحدون أن يدانوا بعد الموت.
وقال الفراء: غير مدينين: غير مملوكين.
وقال الحسن غير مدينين: غير مبعوثين يوم القيامة.
وقيل معناه غير مجزيين بأعمالكم.
﴿تَرْجِعُونَهَآ﴾ أي: تردون تلك النفوس إلى الأجساد بعد إذ صارت في الحلاقيم.
﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنكم تمتنعون من الموت والحساب والمجازاة.
وقال الفراء إن كنتم صادقين: إن كنتم غير مملوكين، فالمعنى هل لا ترجعون نفس عزيزكم إن كنتم غير مملوكين ولا مقهورين.
وجواب فلولا في الموضعين جواب واحد على قول الفراء.
وقيل حذف جواب أحدهما لدلالة الآخر عليه.
* *
ثم قال: ﴿فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ﴾ أي: إن كان الميت من المقربين أي: من الذين قربهم الله من جواره ورحمته.
﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ (أي فله) روح وريحان.
والروح: الرحمة، والريحان: الرزق.
وقال مجاهد الروح: الفرح.
وقال الحسن الريحان: ريحانكم هذا.
وقال الربيع بن خيثم فروح وريحان هذا عند الموت، والجنة مخبوءة له إلى أن يبعث.
قال ابن عباس فروح وريحان: فراحة ومستريح من الدنيا.
وقال ابن جبير ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾: راحة ومستراح: وعنه يعني بالريحان المستريح من الدنيا.
وقال الضحاك الروح: المغفرة والرحمة. والريحان: الاستراحة.
وعنه: الروح والاستراحة.
وقال القتبي فروح: أي: في القبر له طيب نسيم.
ومن قرأ بضم الراء فمعناه: فحياة له وبقاء.
وقيل الريحان: الراحة.
قال أبو العالية لم يفارق أحد من المقربين وهم السابقون الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه ثم يقبض.
قال الحسن يقبض الملك نفس المؤمن في ريحانة.
والفاء في "فروح" "جواب" "إن"، وجواب "أما" هذا قول الأخفش والفراء.
وقال سيبويه لا جواب "لأن" هنا، لأن بعدها فعلاً ماضياً، كما تقول (أكرمك إن جئتني)، "والفاء" جواب "أما".
وقال المبرد جواب "إن" محذوف، لأن بعدها ما يدل عليه، والفاء جواب "أما" وأما معناها: الخروج من شيء إلى شيء، أي: دع ما كنا فيه وخذ بشيء أخر، ولا يلي فعل فعلا، فمعنى أما: مهما يكن (من شيء).
فوجب أن يليها الاسم، وتقديره أن يكون بعد جوابها، فإذا أردت أن تعرف إعراب الاسم الذي يليها فاجعل موضعها، "مهما" وقدر الاسم بعد الفاء.
تقول أما زيداً فضربت، والتقدير: مهما يكن من شيء فضربت زيداً.
* *
وقوله: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: من الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، وقيل من الذين يعطون كتبهم بأيمانهم.
﴿فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: فسلام من عند الله، أي: سلام من ذلك وقيل المعنى: يقال سلام لك إنك من أصحاب اليمين.
قال قتادة: معناه سلموا وسلمت عليهم الملائكة.
وقيل المعنى: لك يا محمد منهم سلام، أي: يسلمون عليك.
وقيل المعنى: فسلام لك أنك من أصحاب اليمين.
وقيل معناه فلست ترى فيهم يا محمد إلا ما تحب من السلامة.
* *
ثم قال: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾. [أي إن كان الميت ممن كذب بآيات الله وضل عن دين الله فنزل من حميم أي: فرزق من حميم].
أي له زرق من حميم قد غلي عليه حتى انتهى حره، فهو شرابه.
﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أي: وحريق النار يحرق بها.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ﴾ أي: أن هذا الذي أخبرتم به أيها الناس من الخير عن المقربين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال وما تصير أمورهم لهو حق اليقين، أي: لهو من الخبر الحق اليقين.
قال قتادة: إن الله جل ذكره ليس تاركاً أحداً من الناس [يوقفه] على اليقين من هذا القرآن، فأما المؤمن فأيقن في الدنيا فينفعه ذلك يوم القيامة وأما الكافر فأيقن في الآخرة حين لا ينفعه ذلك.
(وحق اليقين): محض اليقين، وقيل معناه حق الأمر اليقين، وحق الخبر اليقين مثل "دِينُ الْقَيِّمَةِ" أي: دين الملة القيمة.
وقيل أصل "اليقين" أن يكون نعتاً للحق، ولكن أضيف المنعوت إلى النعت على الاتساع كما قال "وَلَدارُ الآْخِرَةِ" و "وملاة الأولى" و "مسجد الجامع"، وهو عند أكثر الكوفيين من باب إضافة الشيء إلى نفسه.
* *
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ [أي] فنزه ربك العظيم.
وقيل معناه: فسبح بتسمية ربك العظيم.
الواقعة 56:75
قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ﴾ إلى آخر السورة الآيات.
أي أفرأيتم أيها الناس النار التي تستخرجون من زندكم وتقدحون.
﴿أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ﴾ أي: أنتم أخترعتم شجرتها أم نحن اخترعنا ذلك.
وتورون من أوريت زنادي وناري أوريتها: إذا أوقدتها.
وقال أبو عبيدة وأكثر ما يقولون وريت زنادي، وأهل نجد يقولون وريت زنادي.
(ثم قال) ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ يعني النار التي تذكرون بها نار جهنم فتتعظون وتخافون.
وقال مجاهد: تذكرة تذكر النار الكبرى، وكذا قال قتادة:
وروي عن النبي ﷺ أنه قال أن ناركم (جزء من سبعين جزاء) من نار جهنم قالوا يا نبي الله وإن كانت لكافية، قال قد ضربت بالماء ضربتين ليستمتع بها بنو أدم ويدنو منها
ثم قال: ﴿وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ﴾ قال ابن عباس للمقوين: للمسافرين وقال مجاهد: للمقوين: للمستمتعين بها من الحاضر والمسافر.
وقال ابن زيد للمقوين: للجائعين.
والعرب تقول أقويت منه كذا وكذا: (أكلت منه كذا وكذا)، وأصله من أقوت الدار إذا خلت من أهلها، (ويقال أقوى إذا نزل بالقواء في الأرض الخالية.
وقال ابن زيد المقوي: الذي لا زاد ولا مال معه.
وأقوى عند أهل اللغة على ثلاثة معانٍ، يقال أقوى إذا فني زاده، ومنه أقوت الدار إذا فني أهلها، ويقال أقوى إذا سافر أي: نزل القواء. والقين، ويقال أقوى إذا قوى وقوى أصحابه.
والمتاع: المنفعة.
* *
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: فنزه ربك يا محمد من السوء.
* *
ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ لا زائدة والتقدير أقسم.
وقيل لا رد الكلام، والتقدير ليس الأمر كما يقول الكافر.
ثم استأنف فقال: أقسم بمواقع النجوم، وقيل "لا بمعنى" إلا للتنبيه ومعنى مواقع النجوم، منازل القرآن، لأن القرآن نزل على النبي ﷺ نجوماً متفرقة.
قال ابن عباس نزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة ثم فرق في السنين بعد وتلا ابن عباس ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾، قال نزل متفرقاً.
وقال عكرمة فلا أقسم بمواقع النجوم، قال أنزل الله القرآن نجوماً ثلاث آيات وأربع آيات وخمس آيات، وقال أيضاً نزل جميعاً فوضع بمواقع النجوم، فجعل جبريل ﷺ يأتي بالسورة بعد السورة وإنما نزل جميعاً في ليلة القدر.
وقال مجاهد: بمواقع النجوم هو محكم القرآن.
وقال الحسن بمواقع النجوم بمغاربها، وقاله قتادة.
وعن الحسن أيضاً بمواقع النجوم هو أنكدارها وانتشارها يوم القيامة.
وعن مجاهد أيضاً بمواقع النجوم مطالعها ومساقطها.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ أي: وأن هذا القسم عظيم لو تعلمون ذلك.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ أي: أقسم بمواقع النجوم وهو القرآن أن هذا القرآن لقسم عظيم لو تعلمون ذلك أنه لقرآن كريم، والهاء "في" "إنه" من ذكر القرآن.
* *
ثم قال: ﴿فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾ أي: في كتاب مصون عند الله لا يمسه إلا المطهرون.
قال ابن عباس هو الكتاب الذي في السماء، قاله الضحاك.
قال ابن زيد زعموا أن الشياطين تنزلت به على محمد ﷺ.
فأخبرهم الله أنهم لا يستطيعون على ذلك.
قال ابن عباس: إذا أراد الله أن ينزل كتاباً نسخته السفرة فلا يمسه إلا المطهرون، يعني الملائكة، وهو قول ابن جبير ومجاهد وقتادة والضحاك، فهو خبر وليس بنهي، وقد يجوز أن يكون إخباراً على الإلزام فيكون فيه معنى النهي كما تقول (جعل كذا) وكقوله ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠].
قال المبرد معناه آمنوا بالله.
وقيل هم حملة التوراة والإنجيل، قاله عكرمة.
وقال أبو العالية المطهرون الذين طهروا من الذنوب كالملائكة والرسل قال ابن زيد المطهرون: الملائكة والأنبياء والرسل التي تتنزل به من عند الله المطهرة.
وقال قتادة: معناه لا يمسه عند الله إلا المطهرون، قال وأما عندكم فيمسه المشرك النجس والمنافق الرجس.
وفي حرف ابن مسعود ما يمسه.
وقال مالك بن أنس في قوله عز وجل ﴿لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ﴾ إنما هو بمنزلة قوله: ﴿فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٣-١٦] فهذا من قول مالك يدل على أنه نفي ليس بنهي يراد به الملائكة.
وقال مسلم: لا يمسه إلا طاهراً، وسئل عن آية فقال: سلوني فلست أمسه إنما أقرؤه، وكان قد أحدث ولم يتوضأ.
وفي كتاب عمرو بن حزم: لا يمس القرآن إلا طاهراً، وهو الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم.
وروى مالك أن مصعب بن سعد قال كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص فاحتككت، فقال لعلك مسست ذكرك، فقلت نعم، فقال فقم فتوضأ، فقمت فتوضأت ثم رجعت، وروي أنه قال له فقم فاغسل يديك.
وكان ابن عمر لا يمس المصحف إلا طاهراً.
وقال مالك لا يمس المصحف أحد بعلاقة أو على وسادة إلا وهو طاهر إكراماً للقرآن.
* *
وقوله: ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ أي: هو تنزيل من عند رب العالمين.
* *
ثم قال: ﴿أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ﴾ أي: أفبهذا القرآن الذي أنبأتكم خبره وأنتم تلينون القول للمكذبين به ممالاة منكم لهم على التكذيب والكفر.
قال مجاهد: أنتم مدهنون: أي: أنتم تريدون أن تمايلوهم [فيه] وتركنوا إليهم.
وقال ابن عباس أنتم مدهنون: مكذبون غير مصدقين.
وقال الضحاك يقال أدهن وداهن: إذا نافق.
* *
ثم قال: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: وتجعلون شكر الله على رزقه لكم التكذيب له، وهذا كقول القائل للآخر: جعلت إحساني إليك إساءة منك إلي، بمعنى جعلت شكر إحساني إليك إساءة منك، فالتقدير وتجعلون رزقي إياكم تكذيبكم لرسلي وكتبي.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون قال شكركم، يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا، وبنجم كذا وكذا، وقاله ابن عباس.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: إن الله ليصبح القوم بالنعمة أو يمسيهم بها فيصبح بها قوم كافرين يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا
قال الضحاك في الآية: جعل الله رزقكم في السماء وأنتم تجعلونه في الأنواء.
قال قطرب الرزق هنا: الشكر.
وقيل المعنى: وتجعلون شكر رزقكم ثم حذف مثل، ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
* *
ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ﴾ يعني النفس تبلغ الحلقوم عند خروجها.
﴿وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ أي: من حضره ينظر ولا يغني عنه شيئاً، فهذا خطاب عام والمراد به من حضر الميت.
* *
ثم قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ﴾ أي: ورسلنا أقرب إلى الميت منكم يقبضون روحه ولكن لا تبصرونهم، وهذا كله جواب لمن ادعى أنه يمتنع من الموت ويدفعه.
* *
ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ أي: فهلا أن كنتم غير مجزيين.
﴿تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (أي إن كنتم صادقين) في أنكم تمنعون من الموت، فارجعوا تلك النفس، وامنعوا من خروجها.
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن غير مدينين: غير محاسبين.
قال ابن زيد كانوا يجحدون أن يدانوا بعد الموت.
وقال الفراء: غير مدينين: غير مملوكين.
وقال الحسن غير مدينين: غير مبعوثين يوم القيامة.
وقيل معناه غير مجزيين بأعمالكم.
﴿تَرْجِعُونَهَآ﴾ أي: تردون تلك النفوس إلى الأجساد بعد إذ صارت في الحلاقيم.
﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنكم تمتنعون من الموت والحساب والمجازاة.
وقال الفراء إن كنتم صادقين: إن كنتم غير مملوكين، فالمعنى هل لا ترجعون نفس عزيزكم إن كنتم غير مملوكين ولا مقهورين.
وجواب فلولا في الموضعين جواب واحد على قول الفراء.
وقيل حذف جواب أحدهما لدلالة الآخر عليه.
* *
ثم قال: ﴿فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ﴾ أي: إن كان الميت من المقربين أي: من الذين قربهم الله من جواره ورحمته.
﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ (أي فله) روح وريحان.
والروح: الرحمة، والريحان: الرزق.
وقال مجاهد الروح: الفرح.
وقال الحسن الريحان: ريحانكم هذا.
وقال الربيع بن خيثم فروح وريحان هذا عند الموت، والجنة مخبوءة له إلى أن يبعث.
قال ابن عباس فروح وريحان: فراحة ومستريح من الدنيا.
وقال ابن جبير ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾: راحة ومستراح: وعنه يعني بالريحان المستريح من الدنيا.
وقال الضحاك الروح: المغفرة والرحمة. والريحان: الاستراحة.
وعنه: الروح والاستراحة.
وقال القتبي فروح: أي: في القبر له طيب نسيم.
ومن قرأ بضم الراء فمعناه: فحياة له وبقاء.
وقيل الريحان: الراحة.
قال أبو العالية لم يفارق أحد من المقربين وهم السابقون الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه ثم يقبض.
قال الحسن يقبض الملك نفس المؤمن في ريحانة.
والفاء في "فروح" "جواب" "إن"، وجواب "أما" هذا قول الأخفش والفراء.
وقال سيبويه لا جواب "لأن" هنا، لأن بعدها فعلاً ماضياً، كما تقول (أكرمك إن جئتني)، "والفاء" جواب "أما".
وقال المبرد جواب "إن" محذوف، لأن بعدها ما يدل عليه، والفاء جواب "أما" وأما معناها: الخروج من شيء إلى شيء، أي: دع ما كنا فيه وخذ بشيء أخر، ولا يلي فعل فعلا، فمعنى أما: مهما يكن (من شيء).
فوجب أن يليها الاسم، وتقديره أن يكون بعد جوابها، فإذا أردت أن تعرف إعراب الاسم الذي يليها فاجعل موضعها، "مهما" وقدر الاسم بعد الفاء.
تقول أما زيداً فضربت، والتقدير: مهما يكن من شيء فضربت زيداً.
* *
وقوله: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: من الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، وقيل من الذين يعطون كتبهم بأيمانهم.
﴿فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: فسلام من عند الله، أي: سلام من ذلك وقيل المعنى: يقال سلام لك إنك من أصحاب اليمين.
قال قتادة: معناه سلموا وسلمت عليهم الملائكة.
وقيل المعنى: لك يا محمد منهم سلام، أي: يسلمون عليك.
وقيل المعنى: فسلام لك أنك من أصحاب اليمين.
وقيل معناه فلست ترى فيهم يا محمد إلا ما تحب من السلامة.
* *
ثم قال: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾. [أي إن كان الميت ممن كذب بآيات الله وضل عن دين الله فنزل من حميم أي: فرزق من حميم].
أي له زرق من حميم قد غلي عليه حتى انتهى حره، فهو شرابه.
﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أي: وحريق النار يحرق بها.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ﴾ أي: أن هذا الذي أخبرتم به أيها الناس من الخير عن المقربين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال وما تصير أمورهم لهو حق اليقين، أي: لهو من الخبر الحق اليقين.
قال قتادة: إن الله جل ذكره ليس تاركاً أحداً من الناس [يوقفه] على اليقين من هذا القرآن، فأما المؤمن فأيقن في الدنيا فينفعه ذلك يوم القيامة وأما الكافر فأيقن في الآخرة حين لا ينفعه ذلك.
(وحق اليقين): محض اليقين، وقيل معناه حق الأمر اليقين، وحق الخبر اليقين مثل "دِينُ الْقَيِّمَةِ" أي: دين الملة القيمة.
وقيل أصل "اليقين" أن يكون نعتاً للحق، ولكن أضيف المنعوت إلى النعت على الاتساع كما قال "وَلَدارُ الآْخِرَةِ" و "وملاة الأولى" و "مسجد الجامع"، وهو عند أكثر الكوفيين من باب إضافة الشيء إلى نفسه.
* *
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ [أي] فنزه ربك العظيم.
وقيل معناه: فسبح بتسمية ربك العظيم.
الواقعة 56:76
قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ﴾ إلى آخر السورة الآيات.
أي أفرأيتم أيها الناس النار التي تستخرجون من زندكم وتقدحون.
﴿أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ﴾ أي: أنتم أخترعتم شجرتها أم نحن اخترعنا ذلك.
وتورون من أوريت زنادي وناري أوريتها: إذا أوقدتها.
وقال أبو عبيدة وأكثر ما يقولون وريت زنادي، وأهل نجد يقولون وريت زنادي.
(ثم قال) ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ يعني النار التي تذكرون بها نار جهنم فتتعظون وتخافون.
وقال مجاهد: تذكرة تذكر النار الكبرى، وكذا قال قتادة:
وروي عن النبي ﷺ أنه قال أن ناركم (جزء من سبعين جزاء) من نار جهنم قالوا يا نبي الله وإن كانت لكافية، قال قد ضربت بالماء ضربتين ليستمتع بها بنو أدم ويدنو منها
ثم قال: ﴿وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ﴾ قال ابن عباس للمقوين: للمسافرين وقال مجاهد: للمقوين: للمستمتعين بها من الحاضر والمسافر.
وقال ابن زيد للمقوين: للجائعين.
والعرب تقول أقويت منه كذا وكذا: (أكلت منه كذا وكذا)، وأصله من أقوت الدار إذا خلت من أهلها، (ويقال أقوى إذا نزل بالقواء في الأرض الخالية.
وقال ابن زيد المقوي: الذي لا زاد ولا مال معه.
وأقوى عند أهل اللغة على ثلاثة معانٍ، يقال أقوى إذا فني زاده، ومنه أقوت الدار إذا فني أهلها، ويقال أقوى إذا سافر أي: نزل القواء. والقين، ويقال أقوى إذا قوى وقوى أصحابه.
والمتاع: المنفعة.
* *
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: فنزه ربك يا محمد من السوء.
* *
ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ لا زائدة والتقدير أقسم.
وقيل لا رد الكلام، والتقدير ليس الأمر كما يقول الكافر.
ثم استأنف فقال: أقسم بمواقع النجوم، وقيل "لا بمعنى" إلا للتنبيه ومعنى مواقع النجوم، منازل القرآن، لأن القرآن نزل على النبي ﷺ نجوماً متفرقة.
قال ابن عباس نزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة ثم فرق في السنين بعد وتلا ابن عباس ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾، قال نزل متفرقاً.
وقال عكرمة فلا أقسم بمواقع النجوم، قال أنزل الله القرآن نجوماً ثلاث آيات وأربع آيات وخمس آيات، وقال أيضاً نزل جميعاً فوضع بمواقع النجوم، فجعل جبريل ﷺ يأتي بالسورة بعد السورة وإنما نزل جميعاً في ليلة القدر.
وقال مجاهد: بمواقع النجوم هو محكم القرآن.
وقال الحسن بمواقع النجوم بمغاربها، وقاله قتادة.
وعن الحسن أيضاً بمواقع النجوم هو أنكدارها وانتشارها يوم القيامة.
وعن مجاهد أيضاً بمواقع النجوم مطالعها ومساقطها.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ أي: وأن هذا القسم عظيم لو تعلمون ذلك.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ أي: أقسم بمواقع النجوم وهو القرآن أن هذا القرآن لقسم عظيم لو تعلمون ذلك أنه لقرآن كريم، والهاء "في" "إنه" من ذكر القرآن.
* *
ثم قال: ﴿فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾ أي: في كتاب مصون عند الله لا يمسه إلا المطهرون.
قال ابن عباس هو الكتاب الذي في السماء، قاله الضحاك.
قال ابن زيد زعموا أن الشياطين تنزلت به على محمد ﷺ.
فأخبرهم الله أنهم لا يستطيعون على ذلك.
قال ابن عباس: إذا أراد الله أن ينزل كتاباً نسخته السفرة فلا يمسه إلا المطهرون، يعني الملائكة، وهو قول ابن جبير ومجاهد وقتادة والضحاك، فهو خبر وليس بنهي، وقد يجوز أن يكون إخباراً على الإلزام فيكون فيه معنى النهي كما تقول (جعل كذا) وكقوله ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠].
قال المبرد معناه آمنوا بالله.
وقيل هم حملة التوراة والإنجيل، قاله عكرمة.
وقال أبو العالية المطهرون الذين طهروا من الذنوب كالملائكة والرسل قال ابن زيد المطهرون: الملائكة والأنبياء والرسل التي تتنزل به من عند الله المطهرة.
وقال قتادة: معناه لا يمسه عند الله إلا المطهرون، قال وأما عندكم فيمسه المشرك النجس والمنافق الرجس.
وفي حرف ابن مسعود ما يمسه.
وقال مالك بن أنس في قوله عز وجل ﴿لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ﴾ إنما هو بمنزلة قوله: ﴿فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٣-١٦] فهذا من قول مالك يدل على أنه نفي ليس بنهي يراد به الملائكة.
وقال مسلم: لا يمسه إلا طاهراً، وسئل عن آية فقال: سلوني فلست أمسه إنما أقرؤه، وكان قد أحدث ولم يتوضأ.
وفي كتاب عمرو بن حزم: لا يمس القرآن إلا طاهراً، وهو الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم.
وروى مالك أن مصعب بن سعد قال كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص فاحتككت، فقال لعلك مسست ذكرك، فقلت نعم، فقال فقم فتوضأ، فقمت فتوضأت ثم رجعت، وروي أنه قال له فقم فاغسل يديك.
وكان ابن عمر لا يمس المصحف إلا طاهراً.
وقال مالك لا يمس المصحف أحد بعلاقة أو على وسادة إلا وهو طاهر إكراماً للقرآن.
* *
وقوله: ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ أي: هو تنزيل من عند رب العالمين.
* *
ثم قال: ﴿أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ﴾ أي: أفبهذا القرآن الذي أنبأتكم خبره وأنتم تلينون القول للمكذبين به ممالاة منكم لهم على التكذيب والكفر.
قال مجاهد: أنتم مدهنون: أي: أنتم تريدون أن تمايلوهم [فيه] وتركنوا إليهم.
وقال ابن عباس أنتم مدهنون: مكذبون غير مصدقين.
وقال الضحاك يقال أدهن وداهن: إذا نافق.
* *
ثم قال: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: وتجعلون شكر الله على رزقه لكم التكذيب له، وهذا كقول القائل للآخر: جعلت إحساني إليك إساءة منك إلي، بمعنى جعلت شكر إحساني إليك إساءة منك، فالتقدير وتجعلون رزقي إياكم تكذيبكم لرسلي وكتبي.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون قال شكركم، يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا، وبنجم كذا وكذا، وقاله ابن عباس.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: إن الله ليصبح القوم بالنعمة أو يمسيهم بها فيصبح بها قوم كافرين يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا
قال الضحاك في الآية: جعل الله رزقكم في السماء وأنتم تجعلونه في الأنواء.
قال قطرب الرزق هنا: الشكر.
وقيل المعنى: وتجعلون شكر رزقكم ثم حذف مثل، ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
* *
ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ﴾ يعني النفس تبلغ الحلقوم عند خروجها.
﴿وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ أي: من حضره ينظر ولا يغني عنه شيئاً، فهذا خطاب عام والمراد به من حضر الميت.
* *
ثم قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ﴾ أي: ورسلنا أقرب إلى الميت منكم يقبضون روحه ولكن لا تبصرونهم، وهذا كله جواب لمن ادعى أنه يمتنع من الموت ويدفعه.
* *
ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ أي: فهلا أن كنتم غير مجزيين.
﴿تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (أي إن كنتم صادقين) في أنكم تمنعون من الموت، فارجعوا تلك النفس، وامنعوا من خروجها.
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن غير مدينين: غير محاسبين.
قال ابن زيد كانوا يجحدون أن يدانوا بعد الموت.
وقال الفراء: غير مدينين: غير مملوكين.
وقال الحسن غير مدينين: غير مبعوثين يوم القيامة.
وقيل معناه غير مجزيين بأعمالكم.
﴿تَرْجِعُونَهَآ﴾ أي: تردون تلك النفوس إلى الأجساد بعد إذ صارت في الحلاقيم.
﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنكم تمتنعون من الموت والحساب والمجازاة.
وقال الفراء إن كنتم صادقين: إن كنتم غير مملوكين، فالمعنى هل لا ترجعون نفس عزيزكم إن كنتم غير مملوكين ولا مقهورين.
وجواب فلولا في الموضعين جواب واحد على قول الفراء.
وقيل حذف جواب أحدهما لدلالة الآخر عليه.
* *
ثم قال: ﴿فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ﴾ أي: إن كان الميت من المقربين أي: من الذين قربهم الله من جواره ورحمته.
﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ (أي فله) روح وريحان.
والروح: الرحمة، والريحان: الرزق.
وقال مجاهد الروح: الفرح.
وقال الحسن الريحان: ريحانكم هذا.
وقال الربيع بن خيثم فروح وريحان هذا عند الموت، والجنة مخبوءة له إلى أن يبعث.
قال ابن عباس فروح وريحان: فراحة ومستريح من الدنيا.
وقال ابن جبير ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾: راحة ومستراح: وعنه يعني بالريحان المستريح من الدنيا.
وقال الضحاك الروح: المغفرة والرحمة. والريحان: الاستراحة.
وعنه: الروح والاستراحة.
وقال القتبي فروح: أي: في القبر له طيب نسيم.
ومن قرأ بضم الراء فمعناه: فحياة له وبقاء.
وقيل الريحان: الراحة.
قال أبو العالية لم يفارق أحد من المقربين وهم السابقون الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه ثم يقبض.
قال الحسن يقبض الملك نفس المؤمن في ريحانة.
والفاء في "فروح" "جواب" "إن"، وجواب "أما" هذا قول الأخفش والفراء.
وقال سيبويه لا جواب "لأن" هنا، لأن بعدها فعلاً ماضياً، كما تقول (أكرمك إن جئتني)، "والفاء" جواب "أما".
وقال المبرد جواب "إن" محذوف، لأن بعدها ما يدل عليه، والفاء جواب "أما" وأما معناها: الخروج من شيء إلى شيء، أي: دع ما كنا فيه وخذ بشيء أخر، ولا يلي فعل فعلا، فمعنى أما: مهما يكن (من شيء).
فوجب أن يليها الاسم، وتقديره أن يكون بعد جوابها، فإذا أردت أن تعرف إعراب الاسم الذي يليها فاجعل موضعها، "مهما" وقدر الاسم بعد الفاء.
تقول أما زيداً فضربت، والتقدير: مهما يكن من شيء فضربت زيداً.
* *
وقوله: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: من الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، وقيل من الذين يعطون كتبهم بأيمانهم.
﴿فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: فسلام من عند الله، أي: سلام من ذلك وقيل المعنى: يقال سلام لك إنك من أصحاب اليمين.
قال قتادة: معناه سلموا وسلمت عليهم الملائكة.
وقيل المعنى: لك يا محمد منهم سلام، أي: يسلمون عليك.
وقيل المعنى: فسلام لك أنك من أصحاب اليمين.
وقيل معناه فلست ترى فيهم يا محمد إلا ما تحب من السلامة.
* *
ثم قال: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾. [أي إن كان الميت ممن كذب بآيات الله وضل عن دين الله فنزل من حميم أي: فرزق من حميم].
أي له زرق من حميم قد غلي عليه حتى انتهى حره، فهو شرابه.
﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أي: وحريق النار يحرق بها.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ﴾ أي: أن هذا الذي أخبرتم به أيها الناس من الخير عن المقربين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال وما تصير أمورهم لهو حق اليقين، أي: لهو من الخبر الحق اليقين.
قال قتادة: إن الله جل ذكره ليس تاركاً أحداً من الناس [يوقفه] على اليقين من هذا القرآن، فأما المؤمن فأيقن في الدنيا فينفعه ذلك يوم القيامة وأما الكافر فأيقن في الآخرة حين لا ينفعه ذلك.
(وحق اليقين): محض اليقين، وقيل معناه حق الأمر اليقين، وحق الخبر اليقين مثل "دِينُ الْقَيِّمَةِ" أي: دين الملة القيمة.
وقيل أصل "اليقين" أن يكون نعتاً للحق، ولكن أضيف المنعوت إلى النعت على الاتساع كما قال "وَلَدارُ الآْخِرَةِ" و "وملاة الأولى" و "مسجد الجامع"، وهو عند أكثر الكوفيين من باب إضافة الشيء إلى نفسه.
* *
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ [أي] فنزه ربك العظيم.
وقيل معناه: فسبح بتسمية ربك العظيم.
الواقعة 56:77
قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ﴾ إلى آخر السورة الآيات.
أي أفرأيتم أيها الناس النار التي تستخرجون من زندكم وتقدحون.
﴿أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ﴾ أي: أنتم أخترعتم شجرتها أم نحن اخترعنا ذلك.
وتورون من أوريت زنادي وناري أوريتها: إذا أوقدتها.
وقال أبو عبيدة وأكثر ما يقولون وريت زنادي، وأهل نجد يقولون وريت زنادي.
(ثم قال) ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ يعني النار التي تذكرون بها نار جهنم فتتعظون وتخافون.
وقال مجاهد: تذكرة تذكر النار الكبرى، وكذا قال قتادة:
وروي عن النبي ﷺ أنه قال أن ناركم (جزء من سبعين جزاء) من نار جهنم قالوا يا نبي الله وإن كانت لكافية، قال قد ضربت بالماء ضربتين ليستمتع بها بنو أدم ويدنو منها
ثم قال: ﴿وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ﴾ قال ابن عباس للمقوين: للمسافرين وقال مجاهد: للمقوين: للمستمتعين بها من الحاضر والمسافر.
وقال ابن زيد للمقوين: للجائعين.
والعرب تقول أقويت منه كذا وكذا: (أكلت منه كذا وكذا)، وأصله من أقوت الدار إذا خلت من أهلها، (ويقال أقوى إذا نزل بالقواء في الأرض الخالية.
وقال ابن زيد المقوي: الذي لا زاد ولا مال معه.
وأقوى عند أهل اللغة على ثلاثة معانٍ، يقال أقوى إذا فني زاده، ومنه أقوت الدار إذا فني أهلها، ويقال أقوى إذا سافر أي: نزل القواء. والقين، ويقال أقوى إذا قوى وقوى أصحابه.
والمتاع: المنفعة.
* *
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: فنزه ربك يا محمد من السوء.
* *
ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ لا زائدة والتقدير أقسم.
وقيل لا رد الكلام، والتقدير ليس الأمر كما يقول الكافر.
ثم استأنف فقال: أقسم بمواقع النجوم، وقيل "لا بمعنى" إلا للتنبيه ومعنى مواقع النجوم، منازل القرآن، لأن القرآن نزل على النبي ﷺ نجوماً متفرقة.
قال ابن عباس نزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة ثم فرق في السنين بعد وتلا ابن عباس ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾، قال نزل متفرقاً.
وقال عكرمة فلا أقسم بمواقع النجوم، قال أنزل الله القرآن نجوماً ثلاث آيات وأربع آيات وخمس آيات، وقال أيضاً نزل جميعاً فوضع بمواقع النجوم، فجعل جبريل ﷺ يأتي بالسورة بعد السورة وإنما نزل جميعاً في ليلة القدر.
وقال مجاهد: بمواقع النجوم هو محكم القرآن.
وقال الحسن بمواقع النجوم بمغاربها، وقاله قتادة.
وعن الحسن أيضاً بمواقع النجوم هو أنكدارها وانتشارها يوم القيامة.
وعن مجاهد أيضاً بمواقع النجوم مطالعها ومساقطها.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ أي: وأن هذا القسم عظيم لو تعلمون ذلك.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ أي: أقسم بمواقع النجوم وهو القرآن أن هذا القرآن لقسم عظيم لو تعلمون ذلك أنه لقرآن كريم، والهاء "في" "إنه" من ذكر القرآن.
* *
ثم قال: ﴿فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾ أي: في كتاب مصون عند الله لا يمسه إلا المطهرون.
قال ابن عباس هو الكتاب الذي في السماء، قاله الضحاك.
قال ابن زيد زعموا أن الشياطين تنزلت به على محمد ﷺ.
فأخبرهم الله أنهم لا يستطيعون على ذلك.
قال ابن عباس: إذا أراد الله أن ينزل كتاباً نسخته السفرة فلا يمسه إلا المطهرون، يعني الملائكة، وهو قول ابن جبير ومجاهد وقتادة والضحاك، فهو خبر وليس بنهي، وقد يجوز أن يكون إخباراً على الإلزام فيكون فيه معنى النهي كما تقول (جعل كذا) وكقوله ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠].
قال المبرد معناه آمنوا بالله.
وقيل هم حملة التوراة والإنجيل، قاله عكرمة.
وقال أبو العالية المطهرون الذين طهروا من الذنوب كالملائكة والرسل قال ابن زيد المطهرون: الملائكة والأنبياء والرسل التي تتنزل به من عند الله المطهرة.
وقال قتادة: معناه لا يمسه عند الله إلا المطهرون، قال وأما عندكم فيمسه المشرك النجس والمنافق الرجس.
وفي حرف ابن مسعود ما يمسه.
وقال مالك بن أنس في قوله عز وجل ﴿لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ﴾ إنما هو بمنزلة قوله: ﴿فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٣-١٦] فهذا من قول مالك يدل على أنه نفي ليس بنهي يراد به الملائكة.
وقال مسلم: لا يمسه إلا طاهراً، وسئل عن آية فقال: سلوني فلست أمسه إنما أقرؤه، وكان قد أحدث ولم يتوضأ.
وفي كتاب عمرو بن حزم: لا يمس القرآن إلا طاهراً، وهو الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم.
وروى مالك أن مصعب بن سعد قال كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص فاحتككت، فقال لعلك مسست ذكرك، فقلت نعم، فقال فقم فتوضأ، فقمت فتوضأت ثم رجعت، وروي أنه قال له فقم فاغسل يديك.
وكان ابن عمر لا يمس المصحف إلا طاهراً.
وقال مالك لا يمس المصحف أحد بعلاقة أو على وسادة إلا وهو طاهر إكراماً للقرآن.
* *
وقوله: ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ أي: هو تنزيل من عند رب العالمين.
* *
ثم قال: ﴿أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ﴾ أي: أفبهذا القرآن الذي أنبأتكم خبره وأنتم تلينون القول للمكذبين به ممالاة منكم لهم على التكذيب والكفر.
قال مجاهد: أنتم مدهنون: أي: أنتم تريدون أن تمايلوهم [فيه] وتركنوا إليهم.
وقال ابن عباس أنتم مدهنون: مكذبون غير مصدقين.
وقال الضحاك يقال أدهن وداهن: إذا نافق.
* *
ثم قال: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: وتجعلون شكر الله على رزقه لكم التكذيب له، وهذا كقول القائل للآخر: جعلت إحساني إليك إساءة منك إلي، بمعنى جعلت شكر إحساني إليك إساءة منك، فالتقدير وتجعلون رزقي إياكم تكذيبكم لرسلي وكتبي.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون قال شكركم، يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا، وبنجم كذا وكذا، وقاله ابن عباس.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: إن الله ليصبح القوم بالنعمة أو يمسيهم بها فيصبح بها قوم كافرين يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا
قال الضحاك في الآية: جعل الله رزقكم في السماء وأنتم تجعلونه في الأنواء.
قال قطرب الرزق هنا: الشكر.
وقيل المعنى: وتجعلون شكر رزقكم ثم حذف مثل، ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
* *
ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ﴾ يعني النفس تبلغ الحلقوم عند خروجها.
﴿وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ أي: من حضره ينظر ولا يغني عنه شيئاً، فهذا خطاب عام والمراد به من حضر الميت.
* *
ثم قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ﴾ أي: ورسلنا أقرب إلى الميت منكم يقبضون روحه ولكن لا تبصرونهم، وهذا كله جواب لمن ادعى أنه يمتنع من الموت ويدفعه.
* *
ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ أي: فهلا أن كنتم غير مجزيين.
﴿تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (أي إن كنتم صادقين) في أنكم تمنعون من الموت، فارجعوا تلك النفس، وامنعوا من خروجها.
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن غير مدينين: غير محاسبين.
قال ابن زيد كانوا يجحدون أن يدانوا بعد الموت.
وقال الفراء: غير مدينين: غير مملوكين.
وقال الحسن غير مدينين: غير مبعوثين يوم القيامة.
وقيل معناه غير مجزيين بأعمالكم.
﴿تَرْجِعُونَهَآ﴾ أي: تردون تلك النفوس إلى الأجساد بعد إذ صارت في الحلاقيم.
﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنكم تمتنعون من الموت والحساب والمجازاة.
وقال الفراء إن كنتم صادقين: إن كنتم غير مملوكين، فالمعنى هل لا ترجعون نفس عزيزكم إن كنتم غير مملوكين ولا مقهورين.
وجواب فلولا في الموضعين جواب واحد على قول الفراء.
وقيل حذف جواب أحدهما لدلالة الآخر عليه.
* *
ثم قال: ﴿فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ﴾ أي: إن كان الميت من المقربين أي: من الذين قربهم الله من جواره ورحمته.
﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ (أي فله) روح وريحان.
والروح: الرحمة، والريحان: الرزق.
وقال مجاهد الروح: الفرح.
وقال الحسن الريحان: ريحانكم هذا.
وقال الربيع بن خيثم فروح وريحان هذا عند الموت، والجنة مخبوءة له إلى أن يبعث.
قال ابن عباس فروح وريحان: فراحة ومستريح من الدنيا.
وقال ابن جبير ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾: راحة ومستراح: وعنه يعني بالريحان المستريح من الدنيا.
وقال الضحاك الروح: المغفرة والرحمة. والريحان: الاستراحة.
وعنه: الروح والاستراحة.
وقال القتبي فروح: أي: في القبر له طيب نسيم.
ومن قرأ بضم الراء فمعناه: فحياة له وبقاء.
وقيل الريحان: الراحة.
قال أبو العالية لم يفارق أحد من المقربين وهم السابقون الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه ثم يقبض.
قال الحسن يقبض الملك نفس المؤمن في ريحانة.
والفاء في "فروح" "جواب" "إن"، وجواب "أما" هذا قول الأخفش والفراء.
وقال سيبويه لا جواب "لأن" هنا، لأن بعدها فعلاً ماضياً، كما تقول (أكرمك إن جئتني)، "والفاء" جواب "أما".
وقال المبرد جواب "إن" محذوف، لأن بعدها ما يدل عليه، والفاء جواب "أما" وأما معناها: الخروج من شيء إلى شيء، أي: دع ما كنا فيه وخذ بشيء أخر، ولا يلي فعل فعلا، فمعنى أما: مهما يكن (من شيء).
فوجب أن يليها الاسم، وتقديره أن يكون بعد جوابها، فإذا أردت أن تعرف إعراب الاسم الذي يليها فاجعل موضعها، "مهما" وقدر الاسم بعد الفاء.
تقول أما زيداً فضربت، والتقدير: مهما يكن من شيء فضربت زيداً.
* *
وقوله: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: من الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، وقيل من الذين يعطون كتبهم بأيمانهم.
﴿فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: فسلام من عند الله، أي: سلام من ذلك وقيل المعنى: يقال سلام لك إنك من أصحاب اليمين.
قال قتادة: معناه سلموا وسلمت عليهم الملائكة.
وقيل المعنى: لك يا محمد منهم سلام، أي: يسلمون عليك.
وقيل المعنى: فسلام لك أنك من أصحاب اليمين.
وقيل معناه فلست ترى فيهم يا محمد إلا ما تحب من السلامة.
* *
ثم قال: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾. [أي إن كان الميت ممن كذب بآيات الله وضل عن دين الله فنزل من حميم أي: فرزق من حميم].
أي له زرق من حميم قد غلي عليه حتى انتهى حره، فهو شرابه.
﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أي: وحريق النار يحرق بها.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ﴾ أي: أن هذا الذي أخبرتم به أيها الناس من الخير عن المقربين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال وما تصير أمورهم لهو حق اليقين، أي: لهو من الخبر الحق اليقين.
قال قتادة: إن الله جل ذكره ليس تاركاً أحداً من الناس [يوقفه] على اليقين من هذا القرآن، فأما المؤمن فأيقن في الدنيا فينفعه ذلك يوم القيامة وأما الكافر فأيقن في الآخرة حين لا ينفعه ذلك.
(وحق اليقين): محض اليقين، وقيل معناه حق الأمر اليقين، وحق الخبر اليقين مثل "دِينُ الْقَيِّمَةِ" أي: دين الملة القيمة.
وقيل أصل "اليقين" أن يكون نعتاً للحق، ولكن أضيف المنعوت إلى النعت على الاتساع كما قال "وَلَدارُ الآْخِرَةِ" و "وملاة الأولى" و "مسجد الجامع"، وهو عند أكثر الكوفيين من باب إضافة الشيء إلى نفسه.
* *
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ [أي] فنزه ربك العظيم.
وقيل معناه: فسبح بتسمية ربك العظيم.
الواقعة 56:78
قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ﴾ إلى آخر السورة الآيات.
أي أفرأيتم أيها الناس النار التي تستخرجون من زندكم وتقدحون.
﴿أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ﴾ أي: أنتم أخترعتم شجرتها أم نحن اخترعنا ذلك.
وتورون من أوريت زنادي وناري أوريتها: إذا أوقدتها.
وقال أبو عبيدة وأكثر ما يقولون وريت زنادي، وأهل نجد يقولون وريت زنادي.
(ثم قال) ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ يعني النار التي تذكرون بها نار جهنم فتتعظون وتخافون.
وقال مجاهد: تذكرة تذكر النار الكبرى، وكذا قال قتادة:
وروي عن النبي ﷺ أنه قال أن ناركم (جزء من سبعين جزاء) من نار جهنم قالوا يا نبي الله وإن كانت لكافية، قال قد ضربت بالماء ضربتين ليستمتع بها بنو أدم ويدنو منها
ثم قال: ﴿وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ﴾ قال ابن عباس للمقوين: للمسافرين وقال مجاهد: للمقوين: للمستمتعين بها من الحاضر والمسافر.
وقال ابن زيد للمقوين: للجائعين.
والعرب تقول أقويت منه كذا وكذا: (أكلت منه كذا وكذا)، وأصله من أقوت الدار إذا خلت من أهلها، (ويقال أقوى إذا نزل بالقواء في الأرض الخالية.
وقال ابن زيد المقوي: الذي لا زاد ولا مال معه.
وأقوى عند أهل اللغة على ثلاثة معانٍ، يقال أقوى إذا فني زاده، ومنه أقوت الدار إذا فني أهلها، ويقال أقوى إذا سافر أي: نزل القواء. والقين، ويقال أقوى إذا قوى وقوى أصحابه.
والمتاع: المنفعة.
* *
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: فنزه ربك يا محمد من السوء.
* *
ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ لا زائدة والتقدير أقسم.
وقيل لا رد الكلام، والتقدير ليس الأمر كما يقول الكافر.
ثم استأنف فقال: أقسم بمواقع النجوم، وقيل "لا بمعنى" إلا للتنبيه ومعنى مواقع النجوم، منازل القرآن، لأن القرآن نزل على النبي ﷺ نجوماً متفرقة.
قال ابن عباس نزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة ثم فرق في السنين بعد وتلا ابن عباس ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾، قال نزل متفرقاً.
وقال عكرمة فلا أقسم بمواقع النجوم، قال أنزل الله القرآن نجوماً ثلاث آيات وأربع آيات وخمس آيات، وقال أيضاً نزل جميعاً فوضع بمواقع النجوم، فجعل جبريل ﷺ يأتي بالسورة بعد السورة وإنما نزل جميعاً في ليلة القدر.
وقال مجاهد: بمواقع النجوم هو محكم القرآن.
وقال الحسن بمواقع النجوم بمغاربها، وقاله قتادة.
وعن الحسن أيضاً بمواقع النجوم هو أنكدارها وانتشارها يوم القيامة.
وعن مجاهد أيضاً بمواقع النجوم مطالعها ومساقطها.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ أي: وأن هذا القسم عظيم لو تعلمون ذلك.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ أي: أقسم بمواقع النجوم وهو القرآن أن هذا القرآن لقسم عظيم لو تعلمون ذلك أنه لقرآن كريم، والهاء "في" "إنه" من ذكر القرآن.
* *
ثم قال: ﴿فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾ أي: في كتاب مصون عند الله لا يمسه إلا المطهرون.
قال ابن عباس هو الكتاب الذي في السماء، قاله الضحاك.
قال ابن زيد زعموا أن الشياطين تنزلت به على محمد ﷺ.
فأخبرهم الله أنهم لا يستطيعون على ذلك.
قال ابن عباس: إذا أراد الله أن ينزل كتاباً نسخته السفرة فلا يمسه إلا المطهرون، يعني الملائكة، وهو قول ابن جبير ومجاهد وقتادة والضحاك، فهو خبر وليس بنهي، وقد يجوز أن يكون إخباراً على الإلزام فيكون فيه معنى النهي كما تقول (جعل كذا) وكقوله ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠].
قال المبرد معناه آمنوا بالله.
وقيل هم حملة التوراة والإنجيل، قاله عكرمة.
وقال أبو العالية المطهرون الذين طهروا من الذنوب كالملائكة والرسل قال ابن زيد المطهرون: الملائكة والأنبياء والرسل التي تتنزل به من عند الله المطهرة.
وقال قتادة: معناه لا يمسه عند الله إلا المطهرون، قال وأما عندكم فيمسه المشرك النجس والمنافق الرجس.
وفي حرف ابن مسعود ما يمسه.
وقال مالك بن أنس في قوله عز وجل ﴿لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ﴾ إنما هو بمنزلة قوله: ﴿فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٣-١٦] فهذا من قول مالك يدل على أنه نفي ليس بنهي يراد به الملائكة.
وقال مسلم: لا يمسه إلا طاهراً، وسئل عن آية فقال: سلوني فلست أمسه إنما أقرؤه، وكان قد أحدث ولم يتوضأ.
وفي كتاب عمرو بن حزم: لا يمس القرآن إلا طاهراً، وهو الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم.
وروى مالك أن مصعب بن سعد قال كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص فاحتككت، فقال لعلك مسست ذكرك، فقلت نعم، فقال فقم فتوضأ، فقمت فتوضأت ثم رجعت، وروي أنه قال له فقم فاغسل يديك.
وكان ابن عمر لا يمس المصحف إلا طاهراً.
وقال مالك لا يمس المصحف أحد بعلاقة أو على وسادة إلا وهو طاهر إكراماً للقرآن.
* *
وقوله: ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ أي: هو تنزيل من عند رب العالمين.
* *
ثم قال: ﴿أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ﴾ أي: أفبهذا القرآن الذي أنبأتكم خبره وأنتم تلينون القول للمكذبين به ممالاة منكم لهم على التكذيب والكفر.
قال مجاهد: أنتم مدهنون: أي: أنتم تريدون أن تمايلوهم [فيه] وتركنوا إليهم.
وقال ابن عباس أنتم مدهنون: مكذبون غير مصدقين.
وقال الضحاك يقال أدهن وداهن: إذا نافق.
* *
ثم قال: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: وتجعلون شكر الله على رزقه لكم التكذيب له، وهذا كقول القائل للآخر: جعلت إحساني إليك إساءة منك إلي، بمعنى جعلت شكر إحساني إليك إساءة منك، فالتقدير وتجعلون رزقي إياكم تكذيبكم لرسلي وكتبي.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون قال شكركم، يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا، وبنجم كذا وكذا، وقاله ابن عباس.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: إن الله ليصبح القوم بالنعمة أو يمسيهم بها فيصبح بها قوم كافرين يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا
قال الضحاك في الآية: جعل الله رزقكم في السماء وأنتم تجعلونه في الأنواء.
قال قطرب الرزق هنا: الشكر.
وقيل المعنى: وتجعلون شكر رزقكم ثم حذف مثل، ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
* *
ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ﴾ يعني النفس تبلغ الحلقوم عند خروجها.
﴿وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ أي: من حضره ينظر ولا يغني عنه شيئاً، فهذا خطاب عام والمراد به من حضر الميت.
* *
ثم قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ﴾ أي: ورسلنا أقرب إلى الميت منكم يقبضون روحه ولكن لا تبصرونهم، وهذا كله جواب لمن ادعى أنه يمتنع من الموت ويدفعه.
* *
ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ أي: فهلا أن كنتم غير مجزيين.
﴿تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (أي إن كنتم صادقين) في أنكم تمنعون من الموت، فارجعوا تلك النفس، وامنعوا من خروجها.
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن غير مدينين: غير محاسبين.
قال ابن زيد كانوا يجحدون أن يدانوا بعد الموت.
وقال الفراء: غير مدينين: غير مملوكين.
وقال الحسن غير مدينين: غير مبعوثين يوم القيامة.
وقيل معناه غير مجزيين بأعمالكم.
﴿تَرْجِعُونَهَآ﴾ أي: تردون تلك النفوس إلى الأجساد بعد إذ صارت في الحلاقيم.
﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنكم تمتنعون من الموت والحساب والمجازاة.
وقال الفراء إن كنتم صادقين: إن كنتم غير مملوكين، فالمعنى هل لا ترجعون نفس عزيزكم إن كنتم غير مملوكين ولا مقهورين.
وجواب فلولا في الموضعين جواب واحد على قول الفراء.
وقيل حذف جواب أحدهما لدلالة الآخر عليه.
* *
ثم قال: ﴿فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ﴾ أي: إن كان الميت من المقربين أي: من الذين قربهم الله من جواره ورحمته.
﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ (أي فله) روح وريحان.
والروح: الرحمة، والريحان: الرزق.
وقال مجاهد الروح: الفرح.
وقال الحسن الريحان: ريحانكم هذا.
وقال الربيع بن خيثم فروح وريحان هذا عند الموت، والجنة مخبوءة له إلى أن يبعث.
قال ابن عباس فروح وريحان: فراحة ومستريح من الدنيا.
وقال ابن جبير ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾: راحة ومستراح: وعنه يعني بالريحان المستريح من الدنيا.
وقال الضحاك الروح: المغفرة والرحمة. والريحان: الاستراحة.
وعنه: الروح والاستراحة.
وقال القتبي فروح: أي: في القبر له طيب نسيم.
ومن قرأ بضم الراء فمعناه: فحياة له وبقاء.
وقيل الريحان: الراحة.
قال أبو العالية لم يفارق أحد من المقربين وهم السابقون الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه ثم يقبض.
قال الحسن يقبض الملك نفس المؤمن في ريحانة.
والفاء في "فروح" "جواب" "إن"، وجواب "أما" هذا قول الأخفش والفراء.
وقال سيبويه لا جواب "لأن" هنا، لأن بعدها فعلاً ماضياً، كما تقول (أكرمك إن جئتني)، "والفاء" جواب "أما".
وقال المبرد جواب "إن" محذوف، لأن بعدها ما يدل عليه، والفاء جواب "أما" وأما معناها: الخروج من شيء إلى شيء، أي: دع ما كنا فيه وخذ بشيء أخر، ولا يلي فعل فعلا، فمعنى أما: مهما يكن (من شيء).
فوجب أن يليها الاسم، وتقديره أن يكون بعد جوابها، فإذا أردت أن تعرف إعراب الاسم الذي يليها فاجعل موضعها، "مهما" وقدر الاسم بعد الفاء.
تقول أما زيداً فضربت، والتقدير: مهما يكن من شيء فضربت زيداً.
* *
وقوله: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: من الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، وقيل من الذين يعطون كتبهم بأيمانهم.
﴿فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: فسلام من عند الله، أي: سلام من ذلك وقيل المعنى: يقال سلام لك إنك من أصحاب اليمين.
قال قتادة: معناه سلموا وسلمت عليهم الملائكة.
وقيل المعنى: لك يا محمد منهم سلام، أي: يسلمون عليك.
وقيل المعنى: فسلام لك أنك من أصحاب اليمين.
وقيل معناه فلست ترى فيهم يا محمد إلا ما تحب من السلامة.
* *
ثم قال: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾. [أي إن كان الميت ممن كذب بآيات الله وضل عن دين الله فنزل من حميم أي: فرزق من حميم].
أي له زرق من حميم قد غلي عليه حتى انتهى حره، فهو شرابه.
﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أي: وحريق النار يحرق بها.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ﴾ أي: أن هذا الذي أخبرتم به أيها الناس من الخير عن المقربين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال وما تصير أمورهم لهو حق اليقين، أي: لهو من الخبر الحق اليقين.
قال قتادة: إن الله جل ذكره ليس تاركاً أحداً من الناس [يوقفه] على اليقين من هذا القرآن، فأما المؤمن فأيقن في الدنيا فينفعه ذلك يوم القيامة وأما الكافر فأيقن في الآخرة حين لا ينفعه ذلك.
(وحق اليقين): محض اليقين، وقيل معناه حق الأمر اليقين، وحق الخبر اليقين مثل "دِينُ الْقَيِّمَةِ" أي: دين الملة القيمة.
وقيل أصل "اليقين" أن يكون نعتاً للحق، ولكن أضيف المنعوت إلى النعت على الاتساع كما قال "وَلَدارُ الآْخِرَةِ" و "وملاة الأولى" و "مسجد الجامع"، وهو عند أكثر الكوفيين من باب إضافة الشيء إلى نفسه.
* *
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ [أي] فنزه ربك العظيم.
وقيل معناه: فسبح بتسمية ربك العظيم.
الواقعة 56:79
قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ﴾ إلى آخر السورة الآيات.
أي أفرأيتم أيها الناس النار التي تستخرجون من زندكم وتقدحون.
﴿أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ﴾ أي: أنتم أخترعتم شجرتها أم نحن اخترعنا ذلك.
وتورون من أوريت زنادي وناري أوريتها: إذا أوقدتها.
وقال أبو عبيدة وأكثر ما يقولون وريت زنادي، وأهل نجد يقولون وريت زنادي.
(ثم قال) ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ يعني النار التي تذكرون بها نار جهنم فتتعظون وتخافون.
وقال مجاهد: تذكرة تذكر النار الكبرى، وكذا قال قتادة:
وروي عن النبي ﷺ أنه قال أن ناركم (جزء من سبعين جزاء) من نار جهنم قالوا يا نبي الله وإن كانت لكافية، قال قد ضربت بالماء ضربتين ليستمتع بها بنو أدم ويدنو منها
ثم قال: ﴿وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ﴾ قال ابن عباس للمقوين: للمسافرين وقال مجاهد: للمقوين: للمستمتعين بها من الحاضر والمسافر.
وقال ابن زيد للمقوين: للجائعين.
والعرب تقول أقويت منه كذا وكذا: (أكلت منه كذا وكذا)، وأصله من أقوت الدار إذا خلت من أهلها، (ويقال أقوى إذا نزل بالقواء في الأرض الخالية.
وقال ابن زيد المقوي: الذي لا زاد ولا مال معه.
وأقوى عند أهل اللغة على ثلاثة معانٍ، يقال أقوى إذا فني زاده، ومنه أقوت الدار إذا فني أهلها، ويقال أقوى إذا سافر أي: نزل القواء. والقين، ويقال أقوى إذا قوى وقوى أصحابه.
والمتاع: المنفعة.
* *
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: فنزه ربك يا محمد من السوء.
* *
ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ لا زائدة والتقدير أقسم.
وقيل لا رد الكلام، والتقدير ليس الأمر كما يقول الكافر.
ثم استأنف فقال: أقسم بمواقع النجوم، وقيل "لا بمعنى" إلا للتنبيه ومعنى مواقع النجوم، منازل القرآن، لأن القرآن نزل على النبي ﷺ نجوماً متفرقة.
قال ابن عباس نزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة ثم فرق في السنين بعد وتلا ابن عباس ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾، قال نزل متفرقاً.
وقال عكرمة فلا أقسم بمواقع النجوم، قال أنزل الله القرآن نجوماً ثلاث آيات وأربع آيات وخمس آيات، وقال أيضاً نزل جميعاً فوضع بمواقع النجوم، فجعل جبريل ﷺ يأتي بالسورة بعد السورة وإنما نزل جميعاً في ليلة القدر.
وقال مجاهد: بمواقع النجوم هو محكم القرآن.
وقال الحسن بمواقع النجوم بمغاربها، وقاله قتادة.
وعن الحسن أيضاً بمواقع النجوم هو أنكدارها وانتشارها يوم القيامة.
وعن مجاهد أيضاً بمواقع النجوم مطالعها ومساقطها.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ أي: وأن هذا القسم عظيم لو تعلمون ذلك.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ أي: أقسم بمواقع النجوم وهو القرآن أن هذا القرآن لقسم عظيم لو تعلمون ذلك أنه لقرآن كريم، والهاء "في" "إنه" من ذكر القرآن.
* *
ثم قال: ﴿فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾ أي: في كتاب مصون عند الله لا يمسه إلا المطهرون.
قال ابن عباس هو الكتاب الذي في السماء، قاله الضحاك.
قال ابن زيد زعموا أن الشياطين تنزلت به على محمد ﷺ.
فأخبرهم الله أنهم لا يستطيعون على ذلك.
قال ابن عباس: إذا أراد الله أن ينزل كتاباً نسخته السفرة فلا يمسه إلا المطهرون، يعني الملائكة، وهو قول ابن جبير ومجاهد وقتادة والضحاك، فهو خبر وليس بنهي، وقد يجوز أن يكون إخباراً على الإلزام فيكون فيه معنى النهي كما تقول (جعل كذا) وكقوله ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠].
قال المبرد معناه آمنوا بالله.
وقيل هم حملة التوراة والإنجيل، قاله عكرمة.
وقال أبو العالية المطهرون الذين طهروا من الذنوب كالملائكة والرسل قال ابن زيد المطهرون: الملائكة والأنبياء والرسل التي تتنزل به من عند الله المطهرة.
وقال قتادة: معناه لا يمسه عند الله إلا المطهرون، قال وأما عندكم فيمسه المشرك النجس والمنافق الرجس.
وفي حرف ابن مسعود ما يمسه.
وقال مالك بن أنس في قوله عز وجل ﴿لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ﴾ إنما هو بمنزلة قوله: ﴿فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٣-١٦] فهذا من قول مالك يدل على أنه نفي ليس بنهي يراد به الملائكة.
وقال مسلم: لا يمسه إلا طاهراً، وسئل عن آية فقال: سلوني فلست أمسه إنما أقرؤه، وكان قد أحدث ولم يتوضأ.
وفي كتاب عمرو بن حزم: لا يمس القرآن إلا طاهراً، وهو الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم.
وروى مالك أن مصعب بن سعد قال كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص فاحتككت، فقال لعلك مسست ذكرك، فقلت نعم، فقال فقم فتوضأ، فقمت فتوضأت ثم رجعت، وروي أنه قال له فقم فاغسل يديك.
وكان ابن عمر لا يمس المصحف إلا طاهراً.
وقال مالك لا يمس المصحف أحد بعلاقة أو على وسادة إلا وهو طاهر إكراماً للقرآن.
* *
وقوله: ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ أي: هو تنزيل من عند رب العالمين.
* *
ثم قال: ﴿أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ﴾ أي: أفبهذا القرآن الذي أنبأتكم خبره وأنتم تلينون القول للمكذبين به ممالاة منكم لهم على التكذيب والكفر.
قال مجاهد: أنتم مدهنون: أي: أنتم تريدون أن تمايلوهم [فيه] وتركنوا إليهم.
وقال ابن عباس أنتم مدهنون: مكذبون غير مصدقين.
وقال الضحاك يقال أدهن وداهن: إذا نافق.
* *
ثم قال: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: وتجعلون شكر الله على رزقه لكم التكذيب له، وهذا كقول القائل للآخر: جعلت إحساني إليك إساءة منك إلي، بمعنى جعلت شكر إحساني إليك إساءة منك، فالتقدير وتجعلون رزقي إياكم تكذيبكم لرسلي وكتبي.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون قال شكركم، يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا، وبنجم كذا وكذا، وقاله ابن عباس.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: إن الله ليصبح القوم بالنعمة أو يمسيهم بها فيصبح بها قوم كافرين يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا
قال الضحاك في الآية: جعل الله رزقكم في السماء وأنتم تجعلونه في الأنواء.
قال قطرب الرزق هنا: الشكر.
وقيل المعنى: وتجعلون شكر رزقكم ثم حذف مثل، ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
* *
ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ﴾ يعني النفس تبلغ الحلقوم عند خروجها.
﴿وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ أي: من حضره ينظر ولا يغني عنه شيئاً، فهذا خطاب عام والمراد به من حضر الميت.
* *
ثم قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ﴾ أي: ورسلنا أقرب إلى الميت منكم يقبضون روحه ولكن لا تبصرونهم، وهذا كله جواب لمن ادعى أنه يمتنع من الموت ويدفعه.
* *
ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ أي: فهلا أن كنتم غير مجزيين.
﴿تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (أي إن كنتم صادقين) في أنكم تمنعون من الموت، فارجعوا تلك النفس، وامنعوا من خروجها.
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن غير مدينين: غير محاسبين.
قال ابن زيد كانوا يجحدون أن يدانوا بعد الموت.
وقال الفراء: غير مدينين: غير مملوكين.
وقال الحسن غير مدينين: غير مبعوثين يوم القيامة.
وقيل معناه غير مجزيين بأعمالكم.
﴿تَرْجِعُونَهَآ﴾ أي: تردون تلك النفوس إلى الأجساد بعد إذ صارت في الحلاقيم.
﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنكم تمتنعون من الموت والحساب والمجازاة.
وقال الفراء إن كنتم صادقين: إن كنتم غير مملوكين، فالمعنى هل لا ترجعون نفس عزيزكم إن كنتم غير مملوكين ولا مقهورين.
وجواب فلولا في الموضعين جواب واحد على قول الفراء.
وقيل حذف جواب أحدهما لدلالة الآخر عليه.
* *
ثم قال: ﴿فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ﴾ أي: إن كان الميت من المقربين أي: من الذين قربهم الله من جواره ورحمته.
﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ (أي فله) روح وريحان.
والروح: الرحمة، والريحان: الرزق.
وقال مجاهد الروح: الفرح.
وقال الحسن الريحان: ريحانكم هذا.
وقال الربيع بن خيثم فروح وريحان هذا عند الموت، والجنة مخبوءة له إلى أن يبعث.
قال ابن عباس فروح وريحان: فراحة ومستريح من الدنيا.
وقال ابن جبير ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾: راحة ومستراح: وعنه يعني بالريحان المستريح من الدنيا.
وقال الضحاك الروح: المغفرة والرحمة. والريحان: الاستراحة.
وعنه: الروح والاستراحة.
وقال القتبي فروح: أي: في القبر له طيب نسيم.
ومن قرأ بضم الراء فمعناه: فحياة له وبقاء.
وقيل الريحان: الراحة.
قال أبو العالية لم يفارق أحد من المقربين وهم السابقون الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه ثم يقبض.
قال الحسن يقبض الملك نفس المؤمن في ريحانة.
والفاء في "فروح" "جواب" "إن"، وجواب "أما" هذا قول الأخفش والفراء.
وقال سيبويه لا جواب "لأن" هنا، لأن بعدها فعلاً ماضياً، كما تقول (أكرمك إن جئتني)، "والفاء" جواب "أما".
وقال المبرد جواب "إن" محذوف، لأن بعدها ما يدل عليه، والفاء جواب "أما" وأما معناها: الخروج من شيء إلى شيء، أي: دع ما كنا فيه وخذ بشيء أخر، ولا يلي فعل فعلا، فمعنى أما: مهما يكن (من شيء).
فوجب أن يليها الاسم، وتقديره أن يكون بعد جوابها، فإذا أردت أن تعرف إعراب الاسم الذي يليها فاجعل موضعها، "مهما" وقدر الاسم بعد الفاء.
تقول أما زيداً فضربت، والتقدير: مهما يكن من شيء فضربت زيداً.
* *
وقوله: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: من الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، وقيل من الذين يعطون كتبهم بأيمانهم.
﴿فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: فسلام من عند الله، أي: سلام من ذلك وقيل المعنى: يقال سلام لك إنك من أصحاب اليمين.
قال قتادة: معناه سلموا وسلمت عليهم الملائكة.
وقيل المعنى: لك يا محمد منهم سلام، أي: يسلمون عليك.
وقيل المعنى: فسلام لك أنك من أصحاب اليمين.
وقيل معناه فلست ترى فيهم يا محمد إلا ما تحب من السلامة.
* *
ثم قال: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾. [أي إن كان الميت ممن كذب بآيات الله وضل عن دين الله فنزل من حميم أي: فرزق من حميم].
أي له زرق من حميم قد غلي عليه حتى انتهى حره، فهو شرابه.
﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أي: وحريق النار يحرق بها.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ﴾ أي: أن هذا الذي أخبرتم به أيها الناس من الخير عن المقربين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال وما تصير أمورهم لهو حق اليقين، أي: لهو من الخبر الحق اليقين.
قال قتادة: إن الله جل ذكره ليس تاركاً أحداً من الناس [يوقفه] على اليقين من هذا القرآن، فأما المؤمن فأيقن في الدنيا فينفعه ذلك يوم القيامة وأما الكافر فأيقن في الآخرة حين لا ينفعه ذلك.
(وحق اليقين): محض اليقين، وقيل معناه حق الأمر اليقين، وحق الخبر اليقين مثل "دِينُ الْقَيِّمَةِ" أي: دين الملة القيمة.
وقيل أصل "اليقين" أن يكون نعتاً للحق، ولكن أضيف المنعوت إلى النعت على الاتساع كما قال "وَلَدارُ الآْخِرَةِ" و "وملاة الأولى" و "مسجد الجامع"، وهو عند أكثر الكوفيين من باب إضافة الشيء إلى نفسه.
* *
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ [أي] فنزه ربك العظيم.
وقيل معناه: فسبح بتسمية ربك العظيم.
الواقعة 56:80
قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ﴾ إلى آخر السورة الآيات.
أي أفرأيتم أيها الناس النار التي تستخرجون من زندكم وتقدحون.
﴿أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ﴾ أي: أنتم أخترعتم شجرتها أم نحن اخترعنا ذلك.
وتورون من أوريت زنادي وناري أوريتها: إذا أوقدتها.
وقال أبو عبيدة وأكثر ما يقولون وريت زنادي، وأهل نجد يقولون وريت زنادي.
(ثم قال) ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ يعني النار التي تذكرون بها نار جهنم فتتعظون وتخافون.
وقال مجاهد: تذكرة تذكر النار الكبرى، وكذا قال قتادة:
وروي عن النبي ﷺ أنه قال أن ناركم (جزء من سبعين جزاء) من نار جهنم قالوا يا نبي الله وإن كانت لكافية، قال قد ضربت بالماء ضربتين ليستمتع بها بنو أدم ويدنو منها
ثم قال: ﴿وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ﴾ قال ابن عباس للمقوين: للمسافرين وقال مجاهد: للمقوين: للمستمتعين بها من الحاضر والمسافر.
وقال ابن زيد للمقوين: للجائعين.
والعرب تقول أقويت منه كذا وكذا: (أكلت منه كذا وكذا)، وأصله من أقوت الدار إذا خلت من أهلها، (ويقال أقوى إذا نزل بالقواء في الأرض الخالية.
وقال ابن زيد المقوي: الذي لا زاد ولا مال معه.
وأقوى عند أهل اللغة على ثلاثة معانٍ، يقال أقوى إذا فني زاده، ومنه أقوت الدار إذا فني أهلها، ويقال أقوى إذا سافر أي: نزل القواء. والقين، ويقال أقوى إذا قوى وقوى أصحابه.
والمتاع: المنفعة.
* *
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: فنزه ربك يا محمد من السوء.
* *
ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ لا زائدة والتقدير أقسم.
وقيل لا رد الكلام، والتقدير ليس الأمر كما يقول الكافر.
ثم استأنف فقال: أقسم بمواقع النجوم، وقيل "لا بمعنى" إلا للتنبيه ومعنى مواقع النجوم، منازل القرآن، لأن القرآن نزل على النبي ﷺ نجوماً متفرقة.
قال ابن عباس نزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة ثم فرق في السنين بعد وتلا ابن عباس ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾، قال نزل متفرقاً.
وقال عكرمة فلا أقسم بمواقع النجوم، قال أنزل الله القرآن نجوماً ثلاث آيات وأربع آيات وخمس آيات، وقال أيضاً نزل جميعاً فوضع بمواقع النجوم، فجعل جبريل ﷺ يأتي بالسورة بعد السورة وإنما نزل جميعاً في ليلة القدر.
وقال مجاهد: بمواقع النجوم هو محكم القرآن.
وقال الحسن بمواقع النجوم بمغاربها، وقاله قتادة.
وعن الحسن أيضاً بمواقع النجوم هو أنكدارها وانتشارها يوم القيامة.
وعن مجاهد أيضاً بمواقع النجوم مطالعها ومساقطها.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ أي: وأن هذا القسم عظيم لو تعلمون ذلك.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ أي: أقسم بمواقع النجوم وهو القرآن أن هذا القرآن لقسم عظيم لو تعلمون ذلك أنه لقرآن كريم، والهاء "في" "إنه" من ذكر القرآن.
* *
ثم قال: ﴿فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾ أي: في كتاب مصون عند الله لا يمسه إلا المطهرون.
قال ابن عباس هو الكتاب الذي في السماء، قاله الضحاك.
قال ابن زيد زعموا أن الشياطين تنزلت به على محمد ﷺ.
فأخبرهم الله أنهم لا يستطيعون على ذلك.
قال ابن عباس: إذا أراد الله أن ينزل كتاباً نسخته السفرة فلا يمسه إلا المطهرون، يعني الملائكة، وهو قول ابن جبير ومجاهد وقتادة والضحاك، فهو خبر وليس بنهي، وقد يجوز أن يكون إخباراً على الإلزام فيكون فيه معنى النهي كما تقول (جعل كذا) وكقوله ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠].
قال المبرد معناه آمنوا بالله.
وقيل هم حملة التوراة والإنجيل، قاله عكرمة.
وقال أبو العالية المطهرون الذين طهروا من الذنوب كالملائكة والرسل قال ابن زيد المطهرون: الملائكة والأنبياء والرسل التي تتنزل به من عند الله المطهرة.
وقال قتادة: معناه لا يمسه عند الله إلا المطهرون، قال وأما عندكم فيمسه المشرك النجس والمنافق الرجس.
وفي حرف ابن مسعود ما يمسه.
وقال مالك بن أنس في قوله عز وجل ﴿لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ﴾ إنما هو بمنزلة قوله: ﴿فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٣-١٦] فهذا من قول مالك يدل على أنه نفي ليس بنهي يراد به الملائكة.
وقال مسلم: لا يمسه إلا طاهراً، وسئل عن آية فقال: سلوني فلست أمسه إنما أقرؤه، وكان قد أحدث ولم يتوضأ.
وفي كتاب عمرو بن حزم: لا يمس القرآن إلا طاهراً، وهو الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم.
وروى مالك أن مصعب بن سعد قال كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص فاحتككت، فقال لعلك مسست ذكرك، فقلت نعم، فقال فقم فتوضأ، فقمت فتوضأت ثم رجعت، وروي أنه قال له فقم فاغسل يديك.
وكان ابن عمر لا يمس المصحف إلا طاهراً.
وقال مالك لا يمس المصحف أحد بعلاقة أو على وسادة إلا وهو طاهر إكراماً للقرآن.
* *
وقوله: ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ أي: هو تنزيل من عند رب العالمين.
* *
ثم قال: ﴿أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ﴾ أي: أفبهذا القرآن الذي أنبأتكم خبره وأنتم تلينون القول للمكذبين به ممالاة منكم لهم على التكذيب والكفر.
قال مجاهد: أنتم مدهنون: أي: أنتم تريدون أن تمايلوهم [فيه] وتركنوا إليهم.
وقال ابن عباس أنتم مدهنون: مكذبون غير مصدقين.
وقال الضحاك يقال أدهن وداهن: إذا نافق.
* *
ثم قال: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: وتجعلون شكر الله على رزقه لكم التكذيب له، وهذا كقول القائل للآخر: جعلت إحساني إليك إساءة منك إلي، بمعنى جعلت شكر إحساني إليك إساءة منك، فالتقدير وتجعلون رزقي إياكم تكذيبكم لرسلي وكتبي.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون قال شكركم، يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا، وبنجم كذا وكذا، وقاله ابن عباس.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: إن الله ليصبح القوم بالنعمة أو يمسيهم بها فيصبح بها قوم كافرين يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا
قال الضحاك في الآية: جعل الله رزقكم في السماء وأنتم تجعلونه في الأنواء.
قال قطرب الرزق هنا: الشكر.
وقيل المعنى: وتجعلون شكر رزقكم ثم حذف مثل، ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
* *
ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ﴾ يعني النفس تبلغ الحلقوم عند خروجها.
﴿وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ أي: من حضره ينظر ولا يغني عنه شيئاً، فهذا خطاب عام والمراد به من حضر الميت.
* *
ثم قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ﴾ أي: ورسلنا أقرب إلى الميت منكم يقبضون روحه ولكن لا تبصرونهم، وهذا كله جواب لمن ادعى أنه يمتنع من الموت ويدفعه.
* *
ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ أي: فهلا أن كنتم غير مجزيين.
﴿تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (أي إن كنتم صادقين) في أنكم تمنعون من الموت، فارجعوا تلك النفس، وامنعوا من خروجها.
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن غير مدينين: غير محاسبين.
قال ابن زيد كانوا يجحدون أن يدانوا بعد الموت.
وقال الفراء: غير مدينين: غير مملوكين.
وقال الحسن غير مدينين: غير مبعوثين يوم القيامة.
وقيل معناه غير مجزيين بأعمالكم.
﴿تَرْجِعُونَهَآ﴾ أي: تردون تلك النفوس إلى الأجساد بعد إذ صارت في الحلاقيم.
﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنكم تمتنعون من الموت والحساب والمجازاة.
وقال الفراء إن كنتم صادقين: إن كنتم غير مملوكين، فالمعنى هل لا ترجعون نفس عزيزكم إن كنتم غير مملوكين ولا مقهورين.
وجواب فلولا في الموضعين جواب واحد على قول الفراء.
وقيل حذف جواب أحدهما لدلالة الآخر عليه.
* *
ثم قال: ﴿فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ﴾ أي: إن كان الميت من المقربين أي: من الذين قربهم الله من جواره ورحمته.
﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ (أي فله) روح وريحان.
والروح: الرحمة، والريحان: الرزق.
وقال مجاهد الروح: الفرح.
وقال الحسن الريحان: ريحانكم هذا.
وقال الربيع بن خيثم فروح وريحان هذا عند الموت، والجنة مخبوءة له إلى أن يبعث.
قال ابن عباس فروح وريحان: فراحة ومستريح من الدنيا.
وقال ابن جبير ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾: راحة ومستراح: وعنه يعني بالريحان المستريح من الدنيا.
وقال الضحاك الروح: المغفرة والرحمة. والريحان: الاستراحة.
وعنه: الروح والاستراحة.
وقال القتبي فروح: أي: في القبر له طيب نسيم.
ومن قرأ بضم الراء فمعناه: فحياة له وبقاء.
وقيل الريحان: الراحة.
قال أبو العالية لم يفارق أحد من المقربين وهم السابقون الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه ثم يقبض.
قال الحسن يقبض الملك نفس المؤمن في ريحانة.
والفاء في "فروح" "جواب" "إن"، وجواب "أما" هذا قول الأخفش والفراء.
وقال سيبويه لا جواب "لأن" هنا، لأن بعدها فعلاً ماضياً، كما تقول (أكرمك إن جئتني)، "والفاء" جواب "أما".
وقال المبرد جواب "إن" محذوف، لأن بعدها ما يدل عليه، والفاء جواب "أما" وأما معناها: الخروج من شيء إلى شيء، أي: دع ما كنا فيه وخذ بشيء أخر، ولا يلي فعل فعلا، فمعنى أما: مهما يكن (من شيء).
فوجب أن يليها الاسم، وتقديره أن يكون بعد جوابها، فإذا أردت أن تعرف إعراب الاسم الذي يليها فاجعل موضعها، "مهما" وقدر الاسم بعد الفاء.
تقول أما زيداً فضربت، والتقدير: مهما يكن من شيء فضربت زيداً.
* *
وقوله: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: من الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، وقيل من الذين يعطون كتبهم بأيمانهم.
﴿فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: فسلام من عند الله، أي: سلام من ذلك وقيل المعنى: يقال سلام لك إنك من أصحاب اليمين.
قال قتادة: معناه سلموا وسلمت عليهم الملائكة.
وقيل المعنى: لك يا محمد منهم سلام، أي: يسلمون عليك.
وقيل المعنى: فسلام لك أنك من أصحاب اليمين.
وقيل معناه فلست ترى فيهم يا محمد إلا ما تحب من السلامة.
* *
ثم قال: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾. [أي إن كان الميت ممن كذب بآيات الله وضل عن دين الله فنزل من حميم أي: فرزق من حميم].
أي له زرق من حميم قد غلي عليه حتى انتهى حره، فهو شرابه.
﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أي: وحريق النار يحرق بها.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ﴾ أي: أن هذا الذي أخبرتم به أيها الناس من الخير عن المقربين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال وما تصير أمورهم لهو حق اليقين، أي: لهو من الخبر الحق اليقين.
قال قتادة: إن الله جل ذكره ليس تاركاً أحداً من الناس [يوقفه] على اليقين من هذا القرآن، فأما المؤمن فأيقن في الدنيا فينفعه ذلك يوم القيامة وأما الكافر فأيقن في الآخرة حين لا ينفعه ذلك.
(وحق اليقين): محض اليقين، وقيل معناه حق الأمر اليقين، وحق الخبر اليقين مثل "دِينُ الْقَيِّمَةِ" أي: دين الملة القيمة.
وقيل أصل "اليقين" أن يكون نعتاً للحق، ولكن أضيف المنعوت إلى النعت على الاتساع كما قال "وَلَدارُ الآْخِرَةِ" و "وملاة الأولى" و "مسجد الجامع"، وهو عند أكثر الكوفيين من باب إضافة الشيء إلى نفسه.
* *
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ [أي] فنزه ربك العظيم.
وقيل معناه: فسبح بتسمية ربك العظيم.
الواقعة 56:81
قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ﴾ إلى آخر السورة الآيات.
أي أفرأيتم أيها الناس النار التي تستخرجون من زندكم وتقدحون.
﴿أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ﴾ أي: أنتم أخترعتم شجرتها أم نحن اخترعنا ذلك.
وتورون من أوريت زنادي وناري أوريتها: إذا أوقدتها.
وقال أبو عبيدة وأكثر ما يقولون وريت زنادي، وأهل نجد يقولون وريت زنادي.
(ثم قال) ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ يعني النار التي تذكرون بها نار جهنم فتتعظون وتخافون.
وقال مجاهد: تذكرة تذكر النار الكبرى، وكذا قال قتادة:
وروي عن النبي ﷺ أنه قال أن ناركم (جزء من سبعين جزاء) من نار جهنم قالوا يا نبي الله وإن كانت لكافية، قال قد ضربت بالماء ضربتين ليستمتع بها بنو أدم ويدنو منها
ثم قال: ﴿وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ﴾ قال ابن عباس للمقوين: للمسافرين وقال مجاهد: للمقوين: للمستمتعين بها من الحاضر والمسافر.
وقال ابن زيد للمقوين: للجائعين.
والعرب تقول أقويت منه كذا وكذا: (أكلت منه كذا وكذا)، وأصله من أقوت الدار إذا خلت من أهلها، (ويقال أقوى إذا نزل بالقواء في الأرض الخالية.
وقال ابن زيد المقوي: الذي لا زاد ولا مال معه.
وأقوى عند أهل اللغة على ثلاثة معانٍ، يقال أقوى إذا فني زاده، ومنه أقوت الدار إذا فني أهلها، ويقال أقوى إذا سافر أي: نزل القواء. والقين، ويقال أقوى إذا قوى وقوى أصحابه.
والمتاع: المنفعة.
* *
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: فنزه ربك يا محمد من السوء.
* *
ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ لا زائدة والتقدير أقسم.
وقيل لا رد الكلام، والتقدير ليس الأمر كما يقول الكافر.
ثم استأنف فقال: أقسم بمواقع النجوم، وقيل "لا بمعنى" إلا للتنبيه ومعنى مواقع النجوم، منازل القرآن، لأن القرآن نزل على النبي ﷺ نجوماً متفرقة.
قال ابن عباس نزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة ثم فرق في السنين بعد وتلا ابن عباس ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾، قال نزل متفرقاً.
وقال عكرمة فلا أقسم بمواقع النجوم، قال أنزل الله القرآن نجوماً ثلاث آيات وأربع آيات وخمس آيات، وقال أيضاً نزل جميعاً فوضع بمواقع النجوم، فجعل جبريل ﷺ يأتي بالسورة بعد السورة وإنما نزل جميعاً في ليلة القدر.
وقال مجاهد: بمواقع النجوم هو محكم القرآن.
وقال الحسن بمواقع النجوم بمغاربها، وقاله قتادة.
وعن الحسن أيضاً بمواقع النجوم هو أنكدارها وانتشارها يوم القيامة.
وعن مجاهد أيضاً بمواقع النجوم مطالعها ومساقطها.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ أي: وأن هذا القسم عظيم لو تعلمون ذلك.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ أي: أقسم بمواقع النجوم وهو القرآن أن هذا القرآن لقسم عظيم لو تعلمون ذلك أنه لقرآن كريم، والهاء "في" "إنه" من ذكر القرآن.
* *
ثم قال: ﴿فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾ أي: في كتاب مصون عند الله لا يمسه إلا المطهرون.
قال ابن عباس هو الكتاب الذي في السماء، قاله الضحاك.
قال ابن زيد زعموا أن الشياطين تنزلت به على محمد ﷺ.
فأخبرهم الله أنهم لا يستطيعون على ذلك.
قال ابن عباس: إذا أراد الله أن ينزل كتاباً نسخته السفرة فلا يمسه إلا المطهرون، يعني الملائكة، وهو قول ابن جبير ومجاهد وقتادة والضحاك، فهو خبر وليس بنهي، وقد يجوز أن يكون إخباراً على الإلزام فيكون فيه معنى النهي كما تقول (جعل كذا) وكقوله ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠].
قال المبرد معناه آمنوا بالله.
وقيل هم حملة التوراة والإنجيل، قاله عكرمة.
وقال أبو العالية المطهرون الذين طهروا من الذنوب كالملائكة والرسل قال ابن زيد المطهرون: الملائكة والأنبياء والرسل التي تتنزل به من عند الله المطهرة.
وقال قتادة: معناه لا يمسه عند الله إلا المطهرون، قال وأما عندكم فيمسه المشرك النجس والمنافق الرجس.
وفي حرف ابن مسعود ما يمسه.
وقال مالك بن أنس في قوله عز وجل ﴿لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ﴾ إنما هو بمنزلة قوله: ﴿فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٣-١٦] فهذا من قول مالك يدل على أنه نفي ليس بنهي يراد به الملائكة.
وقال مسلم: لا يمسه إلا طاهراً، وسئل عن آية فقال: سلوني فلست أمسه إنما أقرؤه، وكان قد أحدث ولم يتوضأ.
وفي كتاب عمرو بن حزم: لا يمس القرآن إلا طاهراً، وهو الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم.
وروى مالك أن مصعب بن سعد قال كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص فاحتككت، فقال لعلك مسست ذكرك، فقلت نعم، فقال فقم فتوضأ، فقمت فتوضأت ثم رجعت، وروي أنه قال له فقم فاغسل يديك.
وكان ابن عمر لا يمس المصحف إلا طاهراً.
وقال مالك لا يمس المصحف أحد بعلاقة أو على وسادة إلا وهو طاهر إكراماً للقرآن.
* *
وقوله: ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ أي: هو تنزيل من عند رب العالمين.
* *
ثم قال: ﴿أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ﴾ أي: أفبهذا القرآن الذي أنبأتكم خبره وأنتم تلينون القول للمكذبين به ممالاة منكم لهم على التكذيب والكفر.
قال مجاهد: أنتم مدهنون: أي: أنتم تريدون أن تمايلوهم [فيه] وتركنوا إليهم.
وقال ابن عباس أنتم مدهنون: مكذبون غير مصدقين.
وقال الضحاك يقال أدهن وداهن: إذا نافق.
* *
ثم قال: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: وتجعلون شكر الله على رزقه لكم التكذيب له، وهذا كقول القائل للآخر: جعلت إحساني إليك إساءة منك إلي، بمعنى جعلت شكر إحساني إليك إساءة منك، فالتقدير وتجعلون رزقي إياكم تكذيبكم لرسلي وكتبي.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون قال شكركم، يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا، وبنجم كذا وكذا، وقاله ابن عباس.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: إن الله ليصبح القوم بالنعمة أو يمسيهم بها فيصبح بها قوم كافرين يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا
قال الضحاك في الآية: جعل الله رزقكم في السماء وأنتم تجعلونه في الأنواء.
قال قطرب الرزق هنا: الشكر.
وقيل المعنى: وتجعلون شكر رزقكم ثم حذف مثل، ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
* *
ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ﴾ يعني النفس تبلغ الحلقوم عند خروجها.
﴿وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ أي: من حضره ينظر ولا يغني عنه شيئاً، فهذا خطاب عام والمراد به من حضر الميت.
* *
ثم قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ﴾ أي: ورسلنا أقرب إلى الميت منكم يقبضون روحه ولكن لا تبصرونهم، وهذا كله جواب لمن ادعى أنه يمتنع من الموت ويدفعه.
* *
ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ أي: فهلا أن كنتم غير مجزيين.
﴿تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (أي إن كنتم صادقين) في أنكم تمنعون من الموت، فارجعوا تلك النفس، وامنعوا من خروجها.
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن غير مدينين: غير محاسبين.
قال ابن زيد كانوا يجحدون أن يدانوا بعد الموت.
وقال الفراء: غير مدينين: غير مملوكين.
وقال الحسن غير مدينين: غير مبعوثين يوم القيامة.
وقيل معناه غير مجزيين بأعمالكم.
﴿تَرْجِعُونَهَآ﴾ أي: تردون تلك النفوس إلى الأجساد بعد إذ صارت في الحلاقيم.
﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنكم تمتنعون من الموت والحساب والمجازاة.
وقال الفراء إن كنتم صادقين: إن كنتم غير مملوكين، فالمعنى هل لا ترجعون نفس عزيزكم إن كنتم غير مملوكين ولا مقهورين.
وجواب فلولا في الموضعين جواب واحد على قول الفراء.
وقيل حذف جواب أحدهما لدلالة الآخر عليه.
* *
ثم قال: ﴿فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ﴾ أي: إن كان الميت من المقربين أي: من الذين قربهم الله من جواره ورحمته.
﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ (أي فله) روح وريحان.
والروح: الرحمة، والريحان: الرزق.
وقال مجاهد الروح: الفرح.
وقال الحسن الريحان: ريحانكم هذا.
وقال الربيع بن خيثم فروح وريحان هذا عند الموت، والجنة مخبوءة له إلى أن يبعث.
قال ابن عباس فروح وريحان: فراحة ومستريح من الدنيا.
وقال ابن جبير ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾: راحة ومستراح: وعنه يعني بالريحان المستريح من الدنيا.
وقال الضحاك الروح: المغفرة والرحمة. والريحان: الاستراحة.
وعنه: الروح والاستراحة.
وقال القتبي فروح: أي: في القبر له طيب نسيم.
ومن قرأ بضم الراء فمعناه: فحياة له وبقاء.
وقيل الريحان: الراحة.
قال أبو العالية لم يفارق أحد من المقربين وهم السابقون الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه ثم يقبض.
قال الحسن يقبض الملك نفس المؤمن في ريحانة.
والفاء في "فروح" "جواب" "إن"، وجواب "أما" هذا قول الأخفش والفراء.
وقال سيبويه لا جواب "لأن" هنا، لأن بعدها فعلاً ماضياً، كما تقول (أكرمك إن جئتني)، "والفاء" جواب "أما".
وقال المبرد جواب "إن" محذوف، لأن بعدها ما يدل عليه، والفاء جواب "أما" وأما معناها: الخروج من شيء إلى شيء، أي: دع ما كنا فيه وخذ بشيء أخر، ولا يلي فعل فعلا، فمعنى أما: مهما يكن (من شيء).
فوجب أن يليها الاسم، وتقديره أن يكون بعد جوابها، فإذا أردت أن تعرف إعراب الاسم الذي يليها فاجعل موضعها، "مهما" وقدر الاسم بعد الفاء.
تقول أما زيداً فضربت، والتقدير: مهما يكن من شيء فضربت زيداً.
* *
وقوله: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: من الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، وقيل من الذين يعطون كتبهم بأيمانهم.
﴿فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: فسلام من عند الله، أي: سلام من ذلك وقيل المعنى: يقال سلام لك إنك من أصحاب اليمين.
قال قتادة: معناه سلموا وسلمت عليهم الملائكة.
وقيل المعنى: لك يا محمد منهم سلام، أي: يسلمون عليك.
وقيل المعنى: فسلام لك أنك من أصحاب اليمين.
وقيل معناه فلست ترى فيهم يا محمد إلا ما تحب من السلامة.
* *
ثم قال: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾. [أي إن كان الميت ممن كذب بآيات الله وضل عن دين الله فنزل من حميم أي: فرزق من حميم].
أي له زرق من حميم قد غلي عليه حتى انتهى حره، فهو شرابه.
﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أي: وحريق النار يحرق بها.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ﴾ أي: أن هذا الذي أخبرتم به أيها الناس من الخير عن المقربين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال وما تصير أمورهم لهو حق اليقين، أي: لهو من الخبر الحق اليقين.
قال قتادة: إن الله جل ذكره ليس تاركاً أحداً من الناس [يوقفه] على اليقين من هذا القرآن، فأما المؤمن فأيقن في الدنيا فينفعه ذلك يوم القيامة وأما الكافر فأيقن في الآخرة حين لا ينفعه ذلك.
(وحق اليقين): محض اليقين، وقيل معناه حق الأمر اليقين، وحق الخبر اليقين مثل "دِينُ الْقَيِّمَةِ" أي: دين الملة القيمة.
وقيل أصل "اليقين" أن يكون نعتاً للحق، ولكن أضيف المنعوت إلى النعت على الاتساع كما قال "وَلَدارُ الآْخِرَةِ" و "وملاة الأولى" و "مسجد الجامع"، وهو عند أكثر الكوفيين من باب إضافة الشيء إلى نفسه.
* *
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ [أي] فنزه ربك العظيم.
وقيل معناه: فسبح بتسمية ربك العظيم.
الواقعة 56:82
قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ﴾ إلى آخر السورة الآيات.
أي أفرأيتم أيها الناس النار التي تستخرجون من زندكم وتقدحون.
﴿أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ﴾ أي: أنتم أخترعتم شجرتها أم نحن اخترعنا ذلك.
وتورون من أوريت زنادي وناري أوريتها: إذا أوقدتها.
وقال أبو عبيدة وأكثر ما يقولون وريت زنادي، وأهل نجد يقولون وريت زنادي.
(ثم قال) ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ يعني النار التي تذكرون بها نار جهنم فتتعظون وتخافون.
وقال مجاهد: تذكرة تذكر النار الكبرى، وكذا قال قتادة:
وروي عن النبي ﷺ أنه قال أن ناركم (جزء من سبعين جزاء) من نار جهنم قالوا يا نبي الله وإن كانت لكافية، قال قد ضربت بالماء ضربتين ليستمتع بها بنو أدم ويدنو منها
ثم قال: ﴿وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ﴾ قال ابن عباس للمقوين: للمسافرين وقال مجاهد: للمقوين: للمستمتعين بها من الحاضر والمسافر.
وقال ابن زيد للمقوين: للجائعين.
والعرب تقول أقويت منه كذا وكذا: (أكلت منه كذا وكذا)، وأصله من أقوت الدار إذا خلت من أهلها، (ويقال أقوى إذا نزل بالقواء في الأرض الخالية.
وقال ابن زيد المقوي: الذي لا زاد ولا مال معه.
وأقوى عند أهل اللغة على ثلاثة معانٍ، يقال أقوى إذا فني زاده، ومنه أقوت الدار إذا فني أهلها، ويقال أقوى إذا سافر أي: نزل القواء. والقين، ويقال أقوى إذا قوى وقوى أصحابه.
والمتاع: المنفعة.
* *
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: فنزه ربك يا محمد من السوء.
* *
ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ لا زائدة والتقدير أقسم.
وقيل لا رد الكلام، والتقدير ليس الأمر كما يقول الكافر.
ثم استأنف فقال: أقسم بمواقع النجوم، وقيل "لا بمعنى" إلا للتنبيه ومعنى مواقع النجوم، منازل القرآن، لأن القرآن نزل على النبي ﷺ نجوماً متفرقة.
قال ابن عباس نزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة ثم فرق في السنين بعد وتلا ابن عباس ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾، قال نزل متفرقاً.
وقال عكرمة فلا أقسم بمواقع النجوم، قال أنزل الله القرآن نجوماً ثلاث آيات وأربع آيات وخمس آيات، وقال أيضاً نزل جميعاً فوضع بمواقع النجوم، فجعل جبريل ﷺ يأتي بالسورة بعد السورة وإنما نزل جميعاً في ليلة القدر.
وقال مجاهد: بمواقع النجوم هو محكم القرآن.
وقال الحسن بمواقع النجوم بمغاربها، وقاله قتادة.
وعن الحسن أيضاً بمواقع النجوم هو أنكدارها وانتشارها يوم القيامة.
وعن مجاهد أيضاً بمواقع النجوم مطالعها ومساقطها.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ أي: وأن هذا القسم عظيم لو تعلمون ذلك.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ أي: أقسم بمواقع النجوم وهو القرآن أن هذا القرآن لقسم عظيم لو تعلمون ذلك أنه لقرآن كريم، والهاء "في" "إنه" من ذكر القرآن.
* *
ثم قال: ﴿فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾ أي: في كتاب مصون عند الله لا يمسه إلا المطهرون.
قال ابن عباس هو الكتاب الذي في السماء، قاله الضحاك.
قال ابن زيد زعموا أن الشياطين تنزلت به على محمد ﷺ.
فأخبرهم الله أنهم لا يستطيعون على ذلك.
قال ابن عباس: إذا أراد الله أن ينزل كتاباً نسخته السفرة فلا يمسه إلا المطهرون، يعني الملائكة، وهو قول ابن جبير ومجاهد وقتادة والضحاك، فهو خبر وليس بنهي، وقد يجوز أن يكون إخباراً على الإلزام فيكون فيه معنى النهي كما تقول (جعل كذا) وكقوله ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠].
قال المبرد معناه آمنوا بالله.
وقيل هم حملة التوراة والإنجيل، قاله عكرمة.
وقال أبو العالية المطهرون الذين طهروا من الذنوب كالملائكة والرسل قال ابن زيد المطهرون: الملائكة والأنبياء والرسل التي تتنزل به من عند الله المطهرة.
وقال قتادة: معناه لا يمسه عند الله إلا المطهرون، قال وأما عندكم فيمسه المشرك النجس والمنافق الرجس.
وفي حرف ابن مسعود ما يمسه.
وقال مالك بن أنس في قوله عز وجل ﴿لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ﴾ إنما هو بمنزلة قوله: ﴿فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٣-١٦] فهذا من قول مالك يدل على أنه نفي ليس بنهي يراد به الملائكة.
وقال مسلم: لا يمسه إلا طاهراً، وسئل عن آية فقال: سلوني فلست أمسه إنما أقرؤه، وكان قد أحدث ولم يتوضأ.
وفي كتاب عمرو بن حزم: لا يمس القرآن إلا طاهراً، وهو الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم.
وروى مالك أن مصعب بن سعد قال كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص فاحتككت، فقال لعلك مسست ذكرك، فقلت نعم، فقال فقم فتوضأ، فقمت فتوضأت ثم رجعت، وروي أنه قال له فقم فاغسل يديك.
وكان ابن عمر لا يمس المصحف إلا طاهراً.
وقال مالك لا يمس المصحف أحد بعلاقة أو على وسادة إلا وهو طاهر إكراماً للقرآن.
* *
وقوله: ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ أي: هو تنزيل من عند رب العالمين.
* *
ثم قال: ﴿أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ﴾ أي: أفبهذا القرآن الذي أنبأتكم خبره وأنتم تلينون القول للمكذبين به ممالاة منكم لهم على التكذيب والكفر.
قال مجاهد: أنتم مدهنون: أي: أنتم تريدون أن تمايلوهم [فيه] وتركنوا إليهم.
وقال ابن عباس أنتم مدهنون: مكذبون غير مصدقين.
وقال الضحاك يقال أدهن وداهن: إذا نافق.
* *
ثم قال: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: وتجعلون شكر الله على رزقه لكم التكذيب له، وهذا كقول القائل للآخر: جعلت إحساني إليك إساءة منك إلي، بمعنى جعلت شكر إحساني إليك إساءة منك، فالتقدير وتجعلون رزقي إياكم تكذيبكم لرسلي وكتبي.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون قال شكركم، يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا، وبنجم كذا وكذا، وقاله ابن عباس.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: إن الله ليصبح القوم بالنعمة أو يمسيهم بها فيصبح بها قوم كافرين يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا
قال الضحاك في الآية: جعل الله رزقكم في السماء وأنتم تجعلونه في الأنواء.
قال قطرب الرزق هنا: الشكر.
وقيل المعنى: وتجعلون شكر رزقكم ثم حذف مثل، ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
* *
ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ﴾ يعني النفس تبلغ الحلقوم عند خروجها.
﴿وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ أي: من حضره ينظر ولا يغني عنه شيئاً، فهذا خطاب عام والمراد به من حضر الميت.
* *
ثم قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ﴾ أي: ورسلنا أقرب إلى الميت منكم يقبضون روحه ولكن لا تبصرونهم، وهذا كله جواب لمن ادعى أنه يمتنع من الموت ويدفعه.
* *
ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ أي: فهلا أن كنتم غير مجزيين.
﴿تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (أي إن كنتم صادقين) في أنكم تمنعون من الموت، فارجعوا تلك النفس، وامنعوا من خروجها.
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن غير مدينين: غير محاسبين.
قال ابن زيد كانوا يجحدون أن يدانوا بعد الموت.
وقال الفراء: غير مدينين: غير مملوكين.
وقال الحسن غير مدينين: غير مبعوثين يوم القيامة.
وقيل معناه غير مجزيين بأعمالكم.
﴿تَرْجِعُونَهَآ﴾ أي: تردون تلك النفوس إلى الأجساد بعد إذ صارت في الحلاقيم.
﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنكم تمتنعون من الموت والحساب والمجازاة.
وقال الفراء إن كنتم صادقين: إن كنتم غير مملوكين، فالمعنى هل لا ترجعون نفس عزيزكم إن كنتم غير مملوكين ولا مقهورين.
وجواب فلولا في الموضعين جواب واحد على قول الفراء.
وقيل حذف جواب أحدهما لدلالة الآخر عليه.
* *
ثم قال: ﴿فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ﴾ أي: إن كان الميت من المقربين أي: من الذين قربهم الله من جواره ورحمته.
﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ (أي فله) روح وريحان.
والروح: الرحمة، والريحان: الرزق.
وقال مجاهد الروح: الفرح.
وقال الحسن الريحان: ريحانكم هذا.
وقال الربيع بن خيثم فروح وريحان هذا عند الموت، والجنة مخبوءة له إلى أن يبعث.
قال ابن عباس فروح وريحان: فراحة ومستريح من الدنيا.
وقال ابن جبير ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾: راحة ومستراح: وعنه يعني بالريحان المستريح من الدنيا.
وقال الضحاك الروح: المغفرة والرحمة. والريحان: الاستراحة.
وعنه: الروح والاستراحة.
وقال القتبي فروح: أي: في القبر له طيب نسيم.
ومن قرأ بضم الراء فمعناه: فحياة له وبقاء.
وقيل الريحان: الراحة.
قال أبو العالية لم يفارق أحد من المقربين وهم السابقون الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه ثم يقبض.
قال الحسن يقبض الملك نفس المؤمن في ريحانة.
والفاء في "فروح" "جواب" "إن"، وجواب "أما" هذا قول الأخفش والفراء.
وقال سيبويه لا جواب "لأن" هنا، لأن بعدها فعلاً ماضياً، كما تقول (أكرمك إن جئتني)، "والفاء" جواب "أما".
وقال المبرد جواب "إن" محذوف، لأن بعدها ما يدل عليه، والفاء جواب "أما" وأما معناها: الخروج من شيء إلى شيء، أي: دع ما كنا فيه وخذ بشيء أخر، ولا يلي فعل فعلا، فمعنى أما: مهما يكن (من شيء).
فوجب أن يليها الاسم، وتقديره أن يكون بعد جوابها، فإذا أردت أن تعرف إعراب الاسم الذي يليها فاجعل موضعها، "مهما" وقدر الاسم بعد الفاء.
تقول أما زيداً فضربت، والتقدير: مهما يكن من شيء فضربت زيداً.
* *
وقوله: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: من الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، وقيل من الذين يعطون كتبهم بأيمانهم.
﴿فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: فسلام من عند الله، أي: سلام من ذلك وقيل المعنى: يقال سلام لك إنك من أصحاب اليمين.
قال قتادة: معناه سلموا وسلمت عليهم الملائكة.
وقيل المعنى: لك يا محمد منهم سلام، أي: يسلمون عليك.
وقيل المعنى: فسلام لك أنك من أصحاب اليمين.
وقيل معناه فلست ترى فيهم يا محمد إلا ما تحب من السلامة.
* *
ثم قال: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾. [أي إن كان الميت ممن كذب بآيات الله وضل عن دين الله فنزل من حميم أي: فرزق من حميم].
أي له زرق من حميم قد غلي عليه حتى انتهى حره، فهو شرابه.
﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أي: وحريق النار يحرق بها.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ﴾ أي: أن هذا الذي أخبرتم به أيها الناس من الخير عن المقربين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال وما تصير أمورهم لهو حق اليقين، أي: لهو من الخبر الحق اليقين.
قال قتادة: إن الله جل ذكره ليس تاركاً أحداً من الناس [يوقفه] على اليقين من هذا القرآن، فأما المؤمن فأيقن في الدنيا فينفعه ذلك يوم القيامة وأما الكافر فأيقن في الآخرة حين لا ينفعه ذلك.
(وحق اليقين): محض اليقين، وقيل معناه حق الأمر اليقين، وحق الخبر اليقين مثل "دِينُ الْقَيِّمَةِ" أي: دين الملة القيمة.
وقيل أصل "اليقين" أن يكون نعتاً للحق، ولكن أضيف المنعوت إلى النعت على الاتساع كما قال "وَلَدارُ الآْخِرَةِ" و "وملاة الأولى" و "مسجد الجامع"، وهو عند أكثر الكوفيين من باب إضافة الشيء إلى نفسه.
* *
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ [أي] فنزه ربك العظيم.
وقيل معناه: فسبح بتسمية ربك العظيم.
الواقعة 56:83
قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ﴾ إلى آخر السورة الآيات.
أي أفرأيتم أيها الناس النار التي تستخرجون من زندكم وتقدحون.
﴿أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ﴾ أي: أنتم أخترعتم شجرتها أم نحن اخترعنا ذلك.
وتورون من أوريت زنادي وناري أوريتها: إذا أوقدتها.
وقال أبو عبيدة وأكثر ما يقولون وريت زنادي، وأهل نجد يقولون وريت زنادي.
(ثم قال) ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ يعني النار التي تذكرون بها نار جهنم فتتعظون وتخافون.
وقال مجاهد: تذكرة تذكر النار الكبرى، وكذا قال قتادة:
وروي عن النبي ﷺ أنه قال أن ناركم (جزء من سبعين جزاء) من نار جهنم قالوا يا نبي الله وإن كانت لكافية، قال قد ضربت بالماء ضربتين ليستمتع بها بنو أدم ويدنو منها
ثم قال: ﴿وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ﴾ قال ابن عباس للمقوين: للمسافرين وقال مجاهد: للمقوين: للمستمتعين بها من الحاضر والمسافر.
وقال ابن زيد للمقوين: للجائعين.
والعرب تقول أقويت منه كذا وكذا: (أكلت منه كذا وكذا)، وأصله من أقوت الدار إذا خلت من أهلها، (ويقال أقوى إذا نزل بالقواء في الأرض الخالية.
وقال ابن زيد المقوي: الذي لا زاد ولا مال معه.
وأقوى عند أهل اللغة على ثلاثة معانٍ، يقال أقوى إذا فني زاده، ومنه أقوت الدار إذا فني أهلها، ويقال أقوى إذا سافر أي: نزل القواء. والقين، ويقال أقوى إذا قوى وقوى أصحابه.
والمتاع: المنفعة.
* *
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: فنزه ربك يا محمد من السوء.
* *
ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ لا زائدة والتقدير أقسم.
وقيل لا رد الكلام، والتقدير ليس الأمر كما يقول الكافر.
ثم استأنف فقال: أقسم بمواقع النجوم، وقيل "لا بمعنى" إلا للتنبيه ومعنى مواقع النجوم، منازل القرآن، لأن القرآن نزل على النبي ﷺ نجوماً متفرقة.
قال ابن عباس نزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة ثم فرق في السنين بعد وتلا ابن عباس ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾، قال نزل متفرقاً.
وقال عكرمة فلا أقسم بمواقع النجوم، قال أنزل الله القرآن نجوماً ثلاث آيات وأربع آيات وخمس آيات، وقال أيضاً نزل جميعاً فوضع بمواقع النجوم، فجعل جبريل ﷺ يأتي بالسورة بعد السورة وإنما نزل جميعاً في ليلة القدر.
وقال مجاهد: بمواقع النجوم هو محكم القرآن.
وقال الحسن بمواقع النجوم بمغاربها، وقاله قتادة.
وعن الحسن أيضاً بمواقع النجوم هو أنكدارها وانتشارها يوم القيامة.
وعن مجاهد أيضاً بمواقع النجوم مطالعها ومساقطها.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ أي: وأن هذا القسم عظيم لو تعلمون ذلك.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ أي: أقسم بمواقع النجوم وهو القرآن أن هذا القرآن لقسم عظيم لو تعلمون ذلك أنه لقرآن كريم، والهاء "في" "إنه" من ذكر القرآن.
* *
ثم قال: ﴿فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾ أي: في كتاب مصون عند الله لا يمسه إلا المطهرون.
قال ابن عباس هو الكتاب الذي في السماء، قاله الضحاك.
قال ابن زيد زعموا أن الشياطين تنزلت به على محمد ﷺ.
فأخبرهم الله أنهم لا يستطيعون على ذلك.
قال ابن عباس: إذا أراد الله أن ينزل كتاباً نسخته السفرة فلا يمسه إلا المطهرون، يعني الملائكة، وهو قول ابن جبير ومجاهد وقتادة والضحاك، فهو خبر وليس بنهي، وقد يجوز أن يكون إخباراً على الإلزام فيكون فيه معنى النهي كما تقول (جعل كذا) وكقوله ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠].
قال المبرد معناه آمنوا بالله.
وقيل هم حملة التوراة والإنجيل، قاله عكرمة.
وقال أبو العالية المطهرون الذين طهروا من الذنوب كالملائكة والرسل قال ابن زيد المطهرون: الملائكة والأنبياء والرسل التي تتنزل به من عند الله المطهرة.
وقال قتادة: معناه لا يمسه عند الله إلا المطهرون، قال وأما عندكم فيمسه المشرك النجس والمنافق الرجس.
وفي حرف ابن مسعود ما يمسه.
وقال مالك بن أنس في قوله عز وجل ﴿لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ﴾ إنما هو بمنزلة قوله: ﴿فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٣-١٦] فهذا من قول مالك يدل على أنه نفي ليس بنهي يراد به الملائكة.
وقال مسلم: لا يمسه إلا طاهراً، وسئل عن آية فقال: سلوني فلست أمسه إنما أقرؤه، وكان قد أحدث ولم يتوضأ.
وفي كتاب عمرو بن حزم: لا يمس القرآن إلا طاهراً، وهو الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم.
وروى مالك أن مصعب بن سعد قال كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص فاحتككت، فقال لعلك مسست ذكرك، فقلت نعم، فقال فقم فتوضأ، فقمت فتوضأت ثم رجعت، وروي أنه قال له فقم فاغسل يديك.
وكان ابن عمر لا يمس المصحف إلا طاهراً.
وقال مالك لا يمس المصحف أحد بعلاقة أو على وسادة إلا وهو طاهر إكراماً للقرآن.
* *
وقوله: ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ أي: هو تنزيل من عند رب العالمين.
* *
ثم قال: ﴿أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ﴾ أي: أفبهذا القرآن الذي أنبأتكم خبره وأنتم تلينون القول للمكذبين به ممالاة منكم لهم على التكذيب والكفر.
قال مجاهد: أنتم مدهنون: أي: أنتم تريدون أن تمايلوهم [فيه] وتركنوا إليهم.
وقال ابن عباس أنتم مدهنون: مكذبون غير مصدقين.
وقال الضحاك يقال أدهن وداهن: إذا نافق.
* *
ثم قال: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: وتجعلون شكر الله على رزقه لكم التكذيب له، وهذا كقول القائل للآخر: جعلت إحساني إليك إساءة منك إلي، بمعنى جعلت شكر إحساني إليك إساءة منك، فالتقدير وتجعلون رزقي إياكم تكذيبكم لرسلي وكتبي.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون قال شكركم، يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا، وبنجم كذا وكذا، وقاله ابن عباس.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: إن الله ليصبح القوم بالنعمة أو يمسيهم بها فيصبح بها قوم كافرين يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا
قال الضحاك في الآية: جعل الله رزقكم في السماء وأنتم تجعلونه في الأنواء.
قال قطرب الرزق هنا: الشكر.
وقيل المعنى: وتجعلون شكر رزقكم ثم حذف مثل، ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
* *
ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ﴾ يعني النفس تبلغ الحلقوم عند خروجها.
﴿وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ أي: من حضره ينظر ولا يغني عنه شيئاً، فهذا خطاب عام والمراد به من حضر الميت.
* *
ثم قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ﴾ أي: ورسلنا أقرب إلى الميت منكم يقبضون روحه ولكن لا تبصرونهم، وهذا كله جواب لمن ادعى أنه يمتنع من الموت ويدفعه.
* *
ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ أي: فهلا أن كنتم غير مجزيين.
﴿تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (أي إن كنتم صادقين) في أنكم تمنعون من الموت، فارجعوا تلك النفس، وامنعوا من خروجها.
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن غير مدينين: غير محاسبين.
قال ابن زيد كانوا يجحدون أن يدانوا بعد الموت.
وقال الفراء: غير مدينين: غير مملوكين.
وقال الحسن غير مدينين: غير مبعوثين يوم القيامة.
وقيل معناه غير مجزيين بأعمالكم.
﴿تَرْجِعُونَهَآ﴾ أي: تردون تلك النفوس إلى الأجساد بعد إذ صارت في الحلاقيم.
﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنكم تمتنعون من الموت والحساب والمجازاة.
وقال الفراء إن كنتم صادقين: إن كنتم غير مملوكين، فالمعنى هل لا ترجعون نفس عزيزكم إن كنتم غير مملوكين ولا مقهورين.
وجواب فلولا في الموضعين جواب واحد على قول الفراء.
وقيل حذف جواب أحدهما لدلالة الآخر عليه.
* *
ثم قال: ﴿فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ﴾ أي: إن كان الميت من المقربين أي: من الذين قربهم الله من جواره ورحمته.
﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ (أي فله) روح وريحان.
والروح: الرحمة، والريحان: الرزق.
وقال مجاهد الروح: الفرح.
وقال الحسن الريحان: ريحانكم هذا.
وقال الربيع بن خيثم فروح وريحان هذا عند الموت، والجنة مخبوءة له إلى أن يبعث.
قال ابن عباس فروح وريحان: فراحة ومستريح من الدنيا.
وقال ابن جبير ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾: راحة ومستراح: وعنه يعني بالريحان المستريح من الدنيا.
وقال الضحاك الروح: المغفرة والرحمة. والريحان: الاستراحة.
وعنه: الروح والاستراحة.
وقال القتبي فروح: أي: في القبر له طيب نسيم.
ومن قرأ بضم الراء فمعناه: فحياة له وبقاء.
وقيل الريحان: الراحة.
قال أبو العالية لم يفارق أحد من المقربين وهم السابقون الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه ثم يقبض.
قال الحسن يقبض الملك نفس المؤمن في ريحانة.
والفاء في "فروح" "جواب" "إن"، وجواب "أما" هذا قول الأخفش والفراء.
وقال سيبويه لا جواب "لأن" هنا، لأن بعدها فعلاً ماضياً، كما تقول (أكرمك إن جئتني)، "والفاء" جواب "أما".
وقال المبرد جواب "إن" محذوف، لأن بعدها ما يدل عليه، والفاء جواب "أما" وأما معناها: الخروج من شيء إلى شيء، أي: دع ما كنا فيه وخذ بشيء أخر، ولا يلي فعل فعلا، فمعنى أما: مهما يكن (من شيء).
فوجب أن يليها الاسم، وتقديره أن يكون بعد جوابها، فإذا أردت أن تعرف إعراب الاسم الذي يليها فاجعل موضعها، "مهما" وقدر الاسم بعد الفاء.
تقول أما زيداً فضربت، والتقدير: مهما يكن من شيء فضربت زيداً.
* *
وقوله: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: من الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، وقيل من الذين يعطون كتبهم بأيمانهم.
﴿فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: فسلام من عند الله، أي: سلام من ذلك وقيل المعنى: يقال سلام لك إنك من أصحاب اليمين.
قال قتادة: معناه سلموا وسلمت عليهم الملائكة.
وقيل المعنى: لك يا محمد منهم سلام، أي: يسلمون عليك.
وقيل المعنى: فسلام لك أنك من أصحاب اليمين.
وقيل معناه فلست ترى فيهم يا محمد إلا ما تحب من السلامة.
* *
ثم قال: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾. [أي إن كان الميت ممن كذب بآيات الله وضل عن دين الله فنزل من حميم أي: فرزق من حميم].
أي له زرق من حميم قد غلي عليه حتى انتهى حره، فهو شرابه.
﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أي: وحريق النار يحرق بها.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ﴾ أي: أن هذا الذي أخبرتم به أيها الناس من الخير عن المقربين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال وما تصير أمورهم لهو حق اليقين، أي: لهو من الخبر الحق اليقين.
قال قتادة: إن الله جل ذكره ليس تاركاً أحداً من الناس [يوقفه] على اليقين من هذا القرآن، فأما المؤمن فأيقن في الدنيا فينفعه ذلك يوم القيامة وأما الكافر فأيقن في الآخرة حين لا ينفعه ذلك.
(وحق اليقين): محض اليقين، وقيل معناه حق الأمر اليقين، وحق الخبر اليقين مثل "دِينُ الْقَيِّمَةِ" أي: دين الملة القيمة.
وقيل أصل "اليقين" أن يكون نعتاً للحق، ولكن أضيف المنعوت إلى النعت على الاتساع كما قال "وَلَدارُ الآْخِرَةِ" و "وملاة الأولى" و "مسجد الجامع"، وهو عند أكثر الكوفيين من باب إضافة الشيء إلى نفسه.
* *
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ [أي] فنزه ربك العظيم.
وقيل معناه: فسبح بتسمية ربك العظيم.
الواقعة 56:84
قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ﴾ إلى آخر السورة الآيات.
أي أفرأيتم أيها الناس النار التي تستخرجون من زندكم وتقدحون.
﴿أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ﴾ أي: أنتم أخترعتم شجرتها أم نحن اخترعنا ذلك.
وتورون من أوريت زنادي وناري أوريتها: إذا أوقدتها.
وقال أبو عبيدة وأكثر ما يقولون وريت زنادي، وأهل نجد يقولون وريت زنادي.
(ثم قال) ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ يعني النار التي تذكرون بها نار جهنم فتتعظون وتخافون.
وقال مجاهد: تذكرة تذكر النار الكبرى، وكذا قال قتادة:
وروي عن النبي ﷺ أنه قال أن ناركم (جزء من سبعين جزاء) من نار جهنم قالوا يا نبي الله وإن كانت لكافية، قال قد ضربت بالماء ضربتين ليستمتع بها بنو أدم ويدنو منها
ثم قال: ﴿وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ﴾ قال ابن عباس للمقوين: للمسافرين وقال مجاهد: للمقوين: للمستمتعين بها من الحاضر والمسافر.
وقال ابن زيد للمقوين: للجائعين.
والعرب تقول أقويت منه كذا وكذا: (أكلت منه كذا وكذا)، وأصله من أقوت الدار إذا خلت من أهلها، (ويقال أقوى إذا نزل بالقواء في الأرض الخالية.
وقال ابن زيد المقوي: الذي لا زاد ولا مال معه.
وأقوى عند أهل اللغة على ثلاثة معانٍ، يقال أقوى إذا فني زاده، ومنه أقوت الدار إذا فني أهلها، ويقال أقوى إذا سافر أي: نزل القواء. والقين، ويقال أقوى إذا قوى وقوى أصحابه.
والمتاع: المنفعة.
* *
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: فنزه ربك يا محمد من السوء.
* *
ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ لا زائدة والتقدير أقسم.
وقيل لا رد الكلام، والتقدير ليس الأمر كما يقول الكافر.
ثم استأنف فقال: أقسم بمواقع النجوم، وقيل "لا بمعنى" إلا للتنبيه ومعنى مواقع النجوم، منازل القرآن، لأن القرآن نزل على النبي ﷺ نجوماً متفرقة.
قال ابن عباس نزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة ثم فرق في السنين بعد وتلا ابن عباس ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾، قال نزل متفرقاً.
وقال عكرمة فلا أقسم بمواقع النجوم، قال أنزل الله القرآن نجوماً ثلاث آيات وأربع آيات وخمس آيات، وقال أيضاً نزل جميعاً فوضع بمواقع النجوم، فجعل جبريل ﷺ يأتي بالسورة بعد السورة وإنما نزل جميعاً في ليلة القدر.
وقال مجاهد: بمواقع النجوم هو محكم القرآن.
وقال الحسن بمواقع النجوم بمغاربها، وقاله قتادة.
وعن الحسن أيضاً بمواقع النجوم هو أنكدارها وانتشارها يوم القيامة.
وعن مجاهد أيضاً بمواقع النجوم مطالعها ومساقطها.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ أي: وأن هذا القسم عظيم لو تعلمون ذلك.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ أي: أقسم بمواقع النجوم وهو القرآن أن هذا القرآن لقسم عظيم لو تعلمون ذلك أنه لقرآن كريم، والهاء "في" "إنه" من ذكر القرآن.
* *
ثم قال: ﴿فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾ أي: في كتاب مصون عند الله لا يمسه إلا المطهرون.
قال ابن عباس هو الكتاب الذي في السماء، قاله الضحاك.
قال ابن زيد زعموا أن الشياطين تنزلت به على محمد ﷺ.
فأخبرهم الله أنهم لا يستطيعون على ذلك.
قال ابن عباس: إذا أراد الله أن ينزل كتاباً نسخته السفرة فلا يمسه إلا المطهرون، يعني الملائكة، وهو قول ابن جبير ومجاهد وقتادة والضحاك، فهو خبر وليس بنهي، وقد يجوز أن يكون إخباراً على الإلزام فيكون فيه معنى النهي كما تقول (جعل كذا) وكقوله ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠].
قال المبرد معناه آمنوا بالله.
وقيل هم حملة التوراة والإنجيل، قاله عكرمة.
وقال أبو العالية المطهرون الذين طهروا من الذنوب كالملائكة والرسل قال ابن زيد المطهرون: الملائكة والأنبياء والرسل التي تتنزل به من عند الله المطهرة.
وقال قتادة: معناه لا يمسه عند الله إلا المطهرون، قال وأما عندكم فيمسه المشرك النجس والمنافق الرجس.
وفي حرف ابن مسعود ما يمسه.
وقال مالك بن أنس في قوله عز وجل ﴿لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ﴾ إنما هو بمنزلة قوله: ﴿فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٣-١٦] فهذا من قول مالك يدل على أنه نفي ليس بنهي يراد به الملائكة.
وقال مسلم: لا يمسه إلا طاهراً، وسئل عن آية فقال: سلوني فلست أمسه إنما أقرؤه، وكان قد أحدث ولم يتوضأ.
وفي كتاب عمرو بن حزم: لا يمس القرآن إلا طاهراً، وهو الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم.
وروى مالك أن مصعب بن سعد قال كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص فاحتككت، فقال لعلك مسست ذكرك، فقلت نعم، فقال فقم فتوضأ، فقمت فتوضأت ثم رجعت، وروي أنه قال له فقم فاغسل يديك.
وكان ابن عمر لا يمس المصحف إلا طاهراً.
وقال مالك لا يمس المصحف أحد بعلاقة أو على وسادة إلا وهو طاهر إكراماً للقرآن.
* *
وقوله: ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ أي: هو تنزيل من عند رب العالمين.
* *
ثم قال: ﴿أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ﴾ أي: أفبهذا القرآن الذي أنبأتكم خبره وأنتم تلينون القول للمكذبين به ممالاة منكم لهم على التكذيب والكفر.
قال مجاهد: أنتم مدهنون: أي: أنتم تريدون أن تمايلوهم [فيه] وتركنوا إليهم.
وقال ابن عباس أنتم مدهنون: مكذبون غير مصدقين.
وقال الضحاك يقال أدهن وداهن: إذا نافق.
* *
ثم قال: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: وتجعلون شكر الله على رزقه لكم التكذيب له، وهذا كقول القائل للآخر: جعلت إحساني إليك إساءة منك إلي، بمعنى جعلت شكر إحساني إليك إساءة منك، فالتقدير وتجعلون رزقي إياكم تكذيبكم لرسلي وكتبي.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون قال شكركم، يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا، وبنجم كذا وكذا، وقاله ابن عباس.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: إن الله ليصبح القوم بالنعمة أو يمسيهم بها فيصبح بها قوم كافرين يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا
قال الضحاك في الآية: جعل الله رزقكم في السماء وأنتم تجعلونه في الأنواء.
قال قطرب الرزق هنا: الشكر.
وقيل المعنى: وتجعلون شكر رزقكم ثم حذف مثل، ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
* *
ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ﴾ يعني النفس تبلغ الحلقوم عند خروجها.
﴿وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ أي: من حضره ينظر ولا يغني عنه شيئاً، فهذا خطاب عام والمراد به من حضر الميت.
* *
ثم قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ﴾ أي: ورسلنا أقرب إلى الميت منكم يقبضون روحه ولكن لا تبصرونهم، وهذا كله جواب لمن ادعى أنه يمتنع من الموت ويدفعه.
* *
ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ أي: فهلا أن كنتم غير مجزيين.
﴿تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (أي إن كنتم صادقين) في أنكم تمنعون من الموت، فارجعوا تلك النفس، وامنعوا من خروجها.
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن غير مدينين: غير محاسبين.
قال ابن زيد كانوا يجحدون أن يدانوا بعد الموت.
وقال الفراء: غير مدينين: غير مملوكين.
وقال الحسن غير مدينين: غير مبعوثين يوم القيامة.
وقيل معناه غير مجزيين بأعمالكم.
﴿تَرْجِعُونَهَآ﴾ أي: تردون تلك النفوس إلى الأجساد بعد إذ صارت في الحلاقيم.
﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنكم تمتنعون من الموت والحساب والمجازاة.
وقال الفراء إن كنتم صادقين: إن كنتم غير مملوكين، فالمعنى هل لا ترجعون نفس عزيزكم إن كنتم غير مملوكين ولا مقهورين.
وجواب فلولا في الموضعين جواب واحد على قول الفراء.
وقيل حذف جواب أحدهما لدلالة الآخر عليه.
* *
ثم قال: ﴿فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ﴾ أي: إن كان الميت من المقربين أي: من الذين قربهم الله من جواره ورحمته.
﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ (أي فله) روح وريحان.
والروح: الرحمة، والريحان: الرزق.
وقال مجاهد الروح: الفرح.
وقال الحسن الريحان: ريحانكم هذا.
وقال الربيع بن خيثم فروح وريحان هذا عند الموت، والجنة مخبوءة له إلى أن يبعث.
قال ابن عباس فروح وريحان: فراحة ومستريح من الدنيا.
وقال ابن جبير ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾: راحة ومستراح: وعنه يعني بالريحان المستريح من الدنيا.
وقال الضحاك الروح: المغفرة والرحمة. والريحان: الاستراحة.
وعنه: الروح والاستراحة.
وقال القتبي فروح: أي: في القبر له طيب نسيم.
ومن قرأ بضم الراء فمعناه: فحياة له وبقاء.
وقيل الريحان: الراحة.
قال أبو العالية لم يفارق أحد من المقربين وهم السابقون الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه ثم يقبض.
قال الحسن يقبض الملك نفس المؤمن في ريحانة.
والفاء في "فروح" "جواب" "إن"، وجواب "أما" هذا قول الأخفش والفراء.
وقال سيبويه لا جواب "لأن" هنا، لأن بعدها فعلاً ماضياً، كما تقول (أكرمك إن جئتني)، "والفاء" جواب "أما".
وقال المبرد جواب "إن" محذوف، لأن بعدها ما يدل عليه، والفاء جواب "أما" وأما معناها: الخروج من شيء إلى شيء، أي: دع ما كنا فيه وخذ بشيء أخر، ولا يلي فعل فعلا، فمعنى أما: مهما يكن (من شيء).
فوجب أن يليها الاسم، وتقديره أن يكون بعد جوابها، فإذا أردت أن تعرف إعراب الاسم الذي يليها فاجعل موضعها، "مهما" وقدر الاسم بعد الفاء.
تقول أما زيداً فضربت، والتقدير: مهما يكن من شيء فضربت زيداً.
* *
وقوله: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: من الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، وقيل من الذين يعطون كتبهم بأيمانهم.
﴿فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: فسلام من عند الله، أي: سلام من ذلك وقيل المعنى: يقال سلام لك إنك من أصحاب اليمين.
قال قتادة: معناه سلموا وسلمت عليهم الملائكة.
وقيل المعنى: لك يا محمد منهم سلام، أي: يسلمون عليك.
وقيل المعنى: فسلام لك أنك من أصحاب اليمين.
وقيل معناه فلست ترى فيهم يا محمد إلا ما تحب من السلامة.
* *
ثم قال: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾. [أي إن كان الميت ممن كذب بآيات الله وضل عن دين الله فنزل من حميم أي: فرزق من حميم].
أي له زرق من حميم قد غلي عليه حتى انتهى حره، فهو شرابه.
﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أي: وحريق النار يحرق بها.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ﴾ أي: أن هذا الذي أخبرتم به أيها الناس من الخير عن المقربين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال وما تصير أمورهم لهو حق اليقين، أي: لهو من الخبر الحق اليقين.
قال قتادة: إن الله جل ذكره ليس تاركاً أحداً من الناس [يوقفه] على اليقين من هذا القرآن، فأما المؤمن فأيقن في الدنيا فينفعه ذلك يوم القيامة وأما الكافر فأيقن في الآخرة حين لا ينفعه ذلك.
(وحق اليقين): محض اليقين، وقيل معناه حق الأمر اليقين، وحق الخبر اليقين مثل "دِينُ الْقَيِّمَةِ" أي: دين الملة القيمة.
وقيل أصل "اليقين" أن يكون نعتاً للحق، ولكن أضيف المنعوت إلى النعت على الاتساع كما قال "وَلَدارُ الآْخِرَةِ" و "وملاة الأولى" و "مسجد الجامع"، وهو عند أكثر الكوفيين من باب إضافة الشيء إلى نفسه.
* *
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ [أي] فنزه ربك العظيم.
وقيل معناه: فسبح بتسمية ربك العظيم.
الواقعة 56:85
قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ﴾ إلى آخر السورة الآيات.
أي أفرأيتم أيها الناس النار التي تستخرجون من زندكم وتقدحون.
﴿أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ﴾ أي: أنتم أخترعتم شجرتها أم نحن اخترعنا ذلك.
وتورون من أوريت زنادي وناري أوريتها: إذا أوقدتها.
وقال أبو عبيدة وأكثر ما يقولون وريت زنادي، وأهل نجد يقولون وريت زنادي.
(ثم قال) ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ يعني النار التي تذكرون بها نار جهنم فتتعظون وتخافون.
وقال مجاهد: تذكرة تذكر النار الكبرى، وكذا قال قتادة:
وروي عن النبي ﷺ أنه قال أن ناركم (جزء من سبعين جزاء) من نار جهنم قالوا يا نبي الله وإن كانت لكافية، قال قد ضربت بالماء ضربتين ليستمتع بها بنو أدم ويدنو منها
ثم قال: ﴿وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ﴾ قال ابن عباس للمقوين: للمسافرين وقال مجاهد: للمقوين: للمستمتعين بها من الحاضر والمسافر.
وقال ابن زيد للمقوين: للجائعين.
والعرب تقول أقويت منه كذا وكذا: (أكلت منه كذا وكذا)، وأصله من أقوت الدار إذا خلت من أهلها، (ويقال أقوى إذا نزل بالقواء في الأرض الخالية.
وقال ابن زيد المقوي: الذي لا زاد ولا مال معه.
وأقوى عند أهل اللغة على ثلاثة معانٍ، يقال أقوى إذا فني زاده، ومنه أقوت الدار إذا فني أهلها، ويقال أقوى إذا سافر أي: نزل القواء. والقين، ويقال أقوى إذا قوى وقوى أصحابه.
والمتاع: المنفعة.
* *
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: فنزه ربك يا محمد من السوء.
* *
ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ لا زائدة والتقدير أقسم.
وقيل لا رد الكلام، والتقدير ليس الأمر كما يقول الكافر.
ثم استأنف فقال: أقسم بمواقع النجوم، وقيل "لا بمعنى" إلا للتنبيه ومعنى مواقع النجوم، منازل القرآن، لأن القرآن نزل على النبي ﷺ نجوماً متفرقة.
قال ابن عباس نزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة ثم فرق في السنين بعد وتلا ابن عباس ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾، قال نزل متفرقاً.
وقال عكرمة فلا أقسم بمواقع النجوم، قال أنزل الله القرآن نجوماً ثلاث آيات وأربع آيات وخمس آيات، وقال أيضاً نزل جميعاً فوضع بمواقع النجوم، فجعل جبريل ﷺ يأتي بالسورة بعد السورة وإنما نزل جميعاً في ليلة القدر.
وقال مجاهد: بمواقع النجوم هو محكم القرآن.
وقال الحسن بمواقع النجوم بمغاربها، وقاله قتادة.
وعن الحسن أيضاً بمواقع النجوم هو أنكدارها وانتشارها يوم القيامة.
وعن مجاهد أيضاً بمواقع النجوم مطالعها ومساقطها.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ أي: وأن هذا القسم عظيم لو تعلمون ذلك.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ أي: أقسم بمواقع النجوم وهو القرآن أن هذا القرآن لقسم عظيم لو تعلمون ذلك أنه لقرآن كريم، والهاء "في" "إنه" من ذكر القرآن.
* *
ثم قال: ﴿فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾ أي: في كتاب مصون عند الله لا يمسه إلا المطهرون.
قال ابن عباس هو الكتاب الذي في السماء، قاله الضحاك.
قال ابن زيد زعموا أن الشياطين تنزلت به على محمد ﷺ.
فأخبرهم الله أنهم لا يستطيعون على ذلك.
قال ابن عباس: إذا أراد الله أن ينزل كتاباً نسخته السفرة فلا يمسه إلا المطهرون، يعني الملائكة، وهو قول ابن جبير ومجاهد وقتادة والضحاك، فهو خبر وليس بنهي، وقد يجوز أن يكون إخباراً على الإلزام فيكون فيه معنى النهي كما تقول (جعل كذا) وكقوله ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠].
قال المبرد معناه آمنوا بالله.
وقيل هم حملة التوراة والإنجيل، قاله عكرمة.
وقال أبو العالية المطهرون الذين طهروا من الذنوب كالملائكة والرسل قال ابن زيد المطهرون: الملائكة والأنبياء والرسل التي تتنزل به من عند الله المطهرة.
وقال قتادة: معناه لا يمسه عند الله إلا المطهرون، قال وأما عندكم فيمسه المشرك النجس والمنافق الرجس.
وفي حرف ابن مسعود ما يمسه.
وقال مالك بن أنس في قوله عز وجل ﴿لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ﴾ إنما هو بمنزلة قوله: ﴿فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٣-١٦] فهذا من قول مالك يدل على أنه نفي ليس بنهي يراد به الملائكة.
وقال مسلم: لا يمسه إلا طاهراً، وسئل عن آية فقال: سلوني فلست أمسه إنما أقرؤه، وكان قد أحدث ولم يتوضأ.
وفي كتاب عمرو بن حزم: لا يمس القرآن إلا طاهراً، وهو الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم.
وروى مالك أن مصعب بن سعد قال كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص فاحتككت، فقال لعلك مسست ذكرك، فقلت نعم، فقال فقم فتوضأ، فقمت فتوضأت ثم رجعت، وروي أنه قال له فقم فاغسل يديك.
وكان ابن عمر لا يمس المصحف إلا طاهراً.
وقال مالك لا يمس المصحف أحد بعلاقة أو على وسادة إلا وهو طاهر إكراماً للقرآن.
* *
وقوله: ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ أي: هو تنزيل من عند رب العالمين.
* *
ثم قال: ﴿أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ﴾ أي: أفبهذا القرآن الذي أنبأتكم خبره وأنتم تلينون القول للمكذبين به ممالاة منكم لهم على التكذيب والكفر.
قال مجاهد: أنتم مدهنون: أي: أنتم تريدون أن تمايلوهم [فيه] وتركنوا إليهم.
وقال ابن عباس أنتم مدهنون: مكذبون غير مصدقين.
وقال الضحاك يقال أدهن وداهن: إذا نافق.
* *
ثم قال: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: وتجعلون شكر الله على رزقه لكم التكذيب له، وهذا كقول القائل للآخر: جعلت إحساني إليك إساءة منك إلي، بمعنى جعلت شكر إحساني إليك إساءة منك، فالتقدير وتجعلون رزقي إياكم تكذيبكم لرسلي وكتبي.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون قال شكركم، يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا، وبنجم كذا وكذا، وقاله ابن عباس.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: إن الله ليصبح القوم بالنعمة أو يمسيهم بها فيصبح بها قوم كافرين يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا
قال الضحاك في الآية: جعل الله رزقكم في السماء وأنتم تجعلونه في الأنواء.
قال قطرب الرزق هنا: الشكر.
وقيل المعنى: وتجعلون شكر رزقكم ثم حذف مثل، ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
* *
ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ﴾ يعني النفس تبلغ الحلقوم عند خروجها.
﴿وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ أي: من حضره ينظر ولا يغني عنه شيئاً، فهذا خطاب عام والمراد به من حضر الميت.
* *
ثم قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ﴾ أي: ورسلنا أقرب إلى الميت منكم يقبضون روحه ولكن لا تبصرونهم، وهذا كله جواب لمن ادعى أنه يمتنع من الموت ويدفعه.
* *
ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ أي: فهلا أن كنتم غير مجزيين.
﴿تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (أي إن كنتم صادقين) في أنكم تمنعون من الموت، فارجعوا تلك النفس، وامنعوا من خروجها.
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن غير مدينين: غير محاسبين.
قال ابن زيد كانوا يجحدون أن يدانوا بعد الموت.
وقال الفراء: غير مدينين: غير مملوكين.
وقال الحسن غير مدينين: غير مبعوثين يوم القيامة.
وقيل معناه غير مجزيين بأعمالكم.
﴿تَرْجِعُونَهَآ﴾ أي: تردون تلك النفوس إلى الأجساد بعد إذ صارت في الحلاقيم.
﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنكم تمتنعون من الموت والحساب والمجازاة.
وقال الفراء إن كنتم صادقين: إن كنتم غير مملوكين، فالمعنى هل لا ترجعون نفس عزيزكم إن كنتم غير مملوكين ولا مقهورين.
وجواب فلولا في الموضعين جواب واحد على قول الفراء.
وقيل حذف جواب أحدهما لدلالة الآخر عليه.
* *
ثم قال: ﴿فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ﴾ أي: إن كان الميت من المقربين أي: من الذين قربهم الله من جواره ورحمته.
﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ (أي فله) روح وريحان.
والروح: الرحمة، والريحان: الرزق.
وقال مجاهد الروح: الفرح.
وقال الحسن الريحان: ريحانكم هذا.
وقال الربيع بن خيثم فروح وريحان هذا عند الموت، والجنة مخبوءة له إلى أن يبعث.
قال ابن عباس فروح وريحان: فراحة ومستريح من الدنيا.
وقال ابن جبير ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾: راحة ومستراح: وعنه يعني بالريحان المستريح من الدنيا.
وقال الضحاك الروح: المغفرة والرحمة. والريحان: الاستراحة.
وعنه: الروح والاستراحة.
وقال القتبي فروح: أي: في القبر له طيب نسيم.
ومن قرأ بضم الراء فمعناه: فحياة له وبقاء.
وقيل الريحان: الراحة.
قال أبو العالية لم يفارق أحد من المقربين وهم السابقون الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه ثم يقبض.
قال الحسن يقبض الملك نفس المؤمن في ريحانة.
والفاء في "فروح" "جواب" "إن"، وجواب "أما" هذا قول الأخفش والفراء.
وقال سيبويه لا جواب "لأن" هنا، لأن بعدها فعلاً ماضياً، كما تقول (أكرمك إن جئتني)، "والفاء" جواب "أما".
وقال المبرد جواب "إن" محذوف، لأن بعدها ما يدل عليه، والفاء جواب "أما" وأما معناها: الخروج من شيء إلى شيء، أي: دع ما كنا فيه وخذ بشيء أخر، ولا يلي فعل فعلا، فمعنى أما: مهما يكن (من شيء).
فوجب أن يليها الاسم، وتقديره أن يكون بعد جوابها، فإذا أردت أن تعرف إعراب الاسم الذي يليها فاجعل موضعها، "مهما" وقدر الاسم بعد الفاء.
تقول أما زيداً فضربت، والتقدير: مهما يكن من شيء فضربت زيداً.
* *
وقوله: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: من الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، وقيل من الذين يعطون كتبهم بأيمانهم.
﴿فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: فسلام من عند الله، أي: سلام من ذلك وقيل المعنى: يقال سلام لك إنك من أصحاب اليمين.
قال قتادة: معناه سلموا وسلمت عليهم الملائكة.
وقيل المعنى: لك يا محمد منهم سلام، أي: يسلمون عليك.
وقيل المعنى: فسلام لك أنك من أصحاب اليمين.
وقيل معناه فلست ترى فيهم يا محمد إلا ما تحب من السلامة.
* *
ثم قال: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾. [أي إن كان الميت ممن كذب بآيات الله وضل عن دين الله فنزل من حميم أي: فرزق من حميم].
أي له زرق من حميم قد غلي عليه حتى انتهى حره، فهو شرابه.
﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أي: وحريق النار يحرق بها.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ﴾ أي: أن هذا الذي أخبرتم به أيها الناس من الخير عن المقربين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال وما تصير أمورهم لهو حق اليقين، أي: لهو من الخبر الحق اليقين.
قال قتادة: إن الله جل ذكره ليس تاركاً أحداً من الناس [يوقفه] على اليقين من هذا القرآن، فأما المؤمن فأيقن في الدنيا فينفعه ذلك يوم القيامة وأما الكافر فأيقن في الآخرة حين لا ينفعه ذلك.
(وحق اليقين): محض اليقين، وقيل معناه حق الأمر اليقين، وحق الخبر اليقين مثل "دِينُ الْقَيِّمَةِ" أي: دين الملة القيمة.
وقيل أصل "اليقين" أن يكون نعتاً للحق، ولكن أضيف المنعوت إلى النعت على الاتساع كما قال "وَلَدارُ الآْخِرَةِ" و "وملاة الأولى" و "مسجد الجامع"، وهو عند أكثر الكوفيين من باب إضافة الشيء إلى نفسه.
* *
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ [أي] فنزه ربك العظيم.
وقيل معناه: فسبح بتسمية ربك العظيم.
الواقعة 56:86
قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ﴾ إلى آخر السورة الآيات.
أي أفرأيتم أيها الناس النار التي تستخرجون من زندكم وتقدحون.
﴿أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ﴾ أي: أنتم أخترعتم شجرتها أم نحن اخترعنا ذلك.
وتورون من أوريت زنادي وناري أوريتها: إذا أوقدتها.
وقال أبو عبيدة وأكثر ما يقولون وريت زنادي، وأهل نجد يقولون وريت زنادي.
(ثم قال) ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ يعني النار التي تذكرون بها نار جهنم فتتعظون وتخافون.
وقال مجاهد: تذكرة تذكر النار الكبرى، وكذا قال قتادة:
وروي عن النبي ﷺ أنه قال أن ناركم (جزء من سبعين جزاء) من نار جهنم قالوا يا نبي الله وإن كانت لكافية، قال قد ضربت بالماء ضربتين ليستمتع بها بنو أدم ويدنو منها
ثم قال: ﴿وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ﴾ قال ابن عباس للمقوين: للمسافرين وقال مجاهد: للمقوين: للمستمتعين بها من الحاضر والمسافر.
وقال ابن زيد للمقوين: للجائعين.
والعرب تقول أقويت منه كذا وكذا: (أكلت منه كذا وكذا)، وأصله من أقوت الدار إذا خلت من أهلها، (ويقال أقوى إذا نزل بالقواء في الأرض الخالية.
وقال ابن زيد المقوي: الذي لا زاد ولا مال معه.
وأقوى عند أهل اللغة على ثلاثة معانٍ، يقال أقوى إذا فني زاده، ومنه أقوت الدار إذا فني أهلها، ويقال أقوى إذا سافر أي: نزل القواء. والقين، ويقال أقوى إذا قوى وقوى أصحابه.
والمتاع: المنفعة.
* *
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: فنزه ربك يا محمد من السوء.
* *
ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ لا زائدة والتقدير أقسم.
وقيل لا رد الكلام، والتقدير ليس الأمر كما يقول الكافر.
ثم استأنف فقال: أقسم بمواقع النجوم، وقيل "لا بمعنى" إلا للتنبيه ومعنى مواقع النجوم، منازل القرآن، لأن القرآن نزل على النبي ﷺ نجوماً متفرقة.
قال ابن عباس نزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة ثم فرق في السنين بعد وتلا ابن عباس ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾، قال نزل متفرقاً.
وقال عكرمة فلا أقسم بمواقع النجوم، قال أنزل الله القرآن نجوماً ثلاث آيات وأربع آيات وخمس آيات، وقال أيضاً نزل جميعاً فوضع بمواقع النجوم، فجعل جبريل ﷺ يأتي بالسورة بعد السورة وإنما نزل جميعاً في ليلة القدر.
وقال مجاهد: بمواقع النجوم هو محكم القرآن.
وقال الحسن بمواقع النجوم بمغاربها، وقاله قتادة.
وعن الحسن أيضاً بمواقع النجوم هو أنكدارها وانتشارها يوم القيامة.
وعن مجاهد أيضاً بمواقع النجوم مطالعها ومساقطها.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ أي: وأن هذا القسم عظيم لو تعلمون ذلك.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ أي: أقسم بمواقع النجوم وهو القرآن أن هذا القرآن لقسم عظيم لو تعلمون ذلك أنه لقرآن كريم، والهاء "في" "إنه" من ذكر القرآن.
* *
ثم قال: ﴿فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾ أي: في كتاب مصون عند الله لا يمسه إلا المطهرون.
قال ابن عباس هو الكتاب الذي في السماء، قاله الضحاك.
قال ابن زيد زعموا أن الشياطين تنزلت به على محمد ﷺ.
فأخبرهم الله أنهم لا يستطيعون على ذلك.
قال ابن عباس: إذا أراد الله أن ينزل كتاباً نسخته السفرة فلا يمسه إلا المطهرون، يعني الملائكة، وهو قول ابن جبير ومجاهد وقتادة والضحاك، فهو خبر وليس بنهي، وقد يجوز أن يكون إخباراً على الإلزام فيكون فيه معنى النهي كما تقول (جعل كذا) وكقوله ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠].
قال المبرد معناه آمنوا بالله.
وقيل هم حملة التوراة والإنجيل، قاله عكرمة.
وقال أبو العالية المطهرون الذين طهروا من الذنوب كالملائكة والرسل قال ابن زيد المطهرون: الملائكة والأنبياء والرسل التي تتنزل به من عند الله المطهرة.
وقال قتادة: معناه لا يمسه عند الله إلا المطهرون، قال وأما عندكم فيمسه المشرك النجس والمنافق الرجس.
وفي حرف ابن مسعود ما يمسه.
وقال مالك بن أنس في قوله عز وجل ﴿لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ﴾ إنما هو بمنزلة قوله: ﴿فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٣-١٦] فهذا من قول مالك يدل على أنه نفي ليس بنهي يراد به الملائكة.
وقال مسلم: لا يمسه إلا طاهراً، وسئل عن آية فقال: سلوني فلست أمسه إنما أقرؤه، وكان قد أحدث ولم يتوضأ.
وفي كتاب عمرو بن حزم: لا يمس القرآن إلا طاهراً، وهو الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم.
وروى مالك أن مصعب بن سعد قال كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص فاحتككت، فقال لعلك مسست ذكرك، فقلت نعم، فقال فقم فتوضأ، فقمت فتوضأت ثم رجعت، وروي أنه قال له فقم فاغسل يديك.
وكان ابن عمر لا يمس المصحف إلا طاهراً.
وقال مالك لا يمس المصحف أحد بعلاقة أو على وسادة إلا وهو طاهر إكراماً للقرآن.
* *
وقوله: ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ أي: هو تنزيل من عند رب العالمين.
* *
ثم قال: ﴿أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ﴾ أي: أفبهذا القرآن الذي أنبأتكم خبره وأنتم تلينون القول للمكذبين به ممالاة منكم لهم على التكذيب والكفر.
قال مجاهد: أنتم مدهنون: أي: أنتم تريدون أن تمايلوهم [فيه] وتركنوا إليهم.
وقال ابن عباس أنتم مدهنون: مكذبون غير مصدقين.
وقال الضحاك يقال أدهن وداهن: إذا نافق.
* *
ثم قال: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: وتجعلون شكر الله على رزقه لكم التكذيب له، وهذا كقول القائل للآخر: جعلت إحساني إليك إساءة منك إلي، بمعنى جعلت شكر إحساني إليك إساءة منك، فالتقدير وتجعلون رزقي إياكم تكذيبكم لرسلي وكتبي.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون قال شكركم، يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا، وبنجم كذا وكذا، وقاله ابن عباس.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: إن الله ليصبح القوم بالنعمة أو يمسيهم بها فيصبح بها قوم كافرين يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا
قال الضحاك في الآية: جعل الله رزقكم في السماء وأنتم تجعلونه في الأنواء.
قال قطرب الرزق هنا: الشكر.
وقيل المعنى: وتجعلون شكر رزقكم ثم حذف مثل، ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
* *
ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ﴾ يعني النفس تبلغ الحلقوم عند خروجها.
﴿وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ أي: من حضره ينظر ولا يغني عنه شيئاً، فهذا خطاب عام والمراد به من حضر الميت.
* *
ثم قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ﴾ أي: ورسلنا أقرب إلى الميت منكم يقبضون روحه ولكن لا تبصرونهم، وهذا كله جواب لمن ادعى أنه يمتنع من الموت ويدفعه.
* *
ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ أي: فهلا أن كنتم غير مجزيين.
﴿تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (أي إن كنتم صادقين) في أنكم تمنعون من الموت، فارجعوا تلك النفس، وامنعوا من خروجها.
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن غير مدينين: غير محاسبين.
قال ابن زيد كانوا يجحدون أن يدانوا بعد الموت.
وقال الفراء: غير مدينين: غير مملوكين.
وقال الحسن غير مدينين: غير مبعوثين يوم القيامة.
وقيل معناه غير مجزيين بأعمالكم.
﴿تَرْجِعُونَهَآ﴾ أي: تردون تلك النفوس إلى الأجساد بعد إذ صارت في الحلاقيم.
﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنكم تمتنعون من الموت والحساب والمجازاة.
وقال الفراء إن كنتم صادقين: إن كنتم غير مملوكين، فالمعنى هل لا ترجعون نفس عزيزكم إن كنتم غير مملوكين ولا مقهورين.
وجواب فلولا في الموضعين جواب واحد على قول الفراء.
وقيل حذف جواب أحدهما لدلالة الآخر عليه.
* *
ثم قال: ﴿فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ﴾ أي: إن كان الميت من المقربين أي: من الذين قربهم الله من جواره ورحمته.
﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ (أي فله) روح وريحان.
والروح: الرحمة، والريحان: الرزق.
وقال مجاهد الروح: الفرح.
وقال الحسن الريحان: ريحانكم هذا.
وقال الربيع بن خيثم فروح وريحان هذا عند الموت، والجنة مخبوءة له إلى أن يبعث.
قال ابن عباس فروح وريحان: فراحة ومستريح من الدنيا.
وقال ابن جبير ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾: راحة ومستراح: وعنه يعني بالريحان المستريح من الدنيا.
وقال الضحاك الروح: المغفرة والرحمة. والريحان: الاستراحة.
وعنه: الروح والاستراحة.
وقال القتبي فروح: أي: في القبر له طيب نسيم.
ومن قرأ بضم الراء فمعناه: فحياة له وبقاء.
وقيل الريحان: الراحة.
قال أبو العالية لم يفارق أحد من المقربين وهم السابقون الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه ثم يقبض.
قال الحسن يقبض الملك نفس المؤمن في ريحانة.
والفاء في "فروح" "جواب" "إن"، وجواب "أما" هذا قول الأخفش والفراء.
وقال سيبويه لا جواب "لأن" هنا، لأن بعدها فعلاً ماضياً، كما تقول (أكرمك إن جئتني)، "والفاء" جواب "أما".
وقال المبرد جواب "إن" محذوف، لأن بعدها ما يدل عليه، والفاء جواب "أما" وأما معناها: الخروج من شيء إلى شيء، أي: دع ما كنا فيه وخذ بشيء أخر، ولا يلي فعل فعلا، فمعنى أما: مهما يكن (من شيء).
فوجب أن يليها الاسم، وتقديره أن يكون بعد جوابها، فإذا أردت أن تعرف إعراب الاسم الذي يليها فاجعل موضعها، "مهما" وقدر الاسم بعد الفاء.
تقول أما زيداً فضربت، والتقدير: مهما يكن من شيء فضربت زيداً.
* *
وقوله: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: من الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، وقيل من الذين يعطون كتبهم بأيمانهم.
﴿فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: فسلام من عند الله، أي: سلام من ذلك وقيل المعنى: يقال سلام لك إنك من أصحاب اليمين.
قال قتادة: معناه سلموا وسلمت عليهم الملائكة.
وقيل المعنى: لك يا محمد منهم سلام، أي: يسلمون عليك.
وقيل المعنى: فسلام لك أنك من أصحاب اليمين.
وقيل معناه فلست ترى فيهم يا محمد إلا ما تحب من السلامة.
* *
ثم قال: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾. [أي إن كان الميت ممن كذب بآيات الله وضل عن دين الله فنزل من حميم أي: فرزق من حميم].
أي له زرق من حميم قد غلي عليه حتى انتهى حره، فهو شرابه.
﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أي: وحريق النار يحرق بها.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ﴾ أي: أن هذا الذي أخبرتم به أيها الناس من الخير عن المقربين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال وما تصير أمورهم لهو حق اليقين، أي: لهو من الخبر الحق اليقين.
قال قتادة: إن الله جل ذكره ليس تاركاً أحداً من الناس [يوقفه] على اليقين من هذا القرآن، فأما المؤمن فأيقن في الدنيا فينفعه ذلك يوم القيامة وأما الكافر فأيقن في الآخرة حين لا ينفعه ذلك.
(وحق اليقين): محض اليقين، وقيل معناه حق الأمر اليقين، وحق الخبر اليقين مثل "دِينُ الْقَيِّمَةِ" أي: دين الملة القيمة.
وقيل أصل "اليقين" أن يكون نعتاً للحق، ولكن أضيف المنعوت إلى النعت على الاتساع كما قال "وَلَدارُ الآْخِرَةِ" و "وملاة الأولى" و "مسجد الجامع"، وهو عند أكثر الكوفيين من باب إضافة الشيء إلى نفسه.
* *
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ [أي] فنزه ربك العظيم.
وقيل معناه: فسبح بتسمية ربك العظيم.
الواقعة 56:87
قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ﴾ إلى آخر السورة الآيات.
أي أفرأيتم أيها الناس النار التي تستخرجون من زندكم وتقدحون.
﴿أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ﴾ أي: أنتم أخترعتم شجرتها أم نحن اخترعنا ذلك.
وتورون من أوريت زنادي وناري أوريتها: إذا أوقدتها.
وقال أبو عبيدة وأكثر ما يقولون وريت زنادي، وأهل نجد يقولون وريت زنادي.
(ثم قال) ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ يعني النار التي تذكرون بها نار جهنم فتتعظون وتخافون.
وقال مجاهد: تذكرة تذكر النار الكبرى، وكذا قال قتادة:
وروي عن النبي ﷺ أنه قال أن ناركم (جزء من سبعين جزاء) من نار جهنم قالوا يا نبي الله وإن كانت لكافية، قال قد ضربت بالماء ضربتين ليستمتع بها بنو أدم ويدنو منها
ثم قال: ﴿وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ﴾ قال ابن عباس للمقوين: للمسافرين وقال مجاهد: للمقوين: للمستمتعين بها من الحاضر والمسافر.
وقال ابن زيد للمقوين: للجائعين.
والعرب تقول أقويت منه كذا وكذا: (أكلت منه كذا وكذا)، وأصله من أقوت الدار إذا خلت من أهلها، (ويقال أقوى إذا نزل بالقواء في الأرض الخالية.
وقال ابن زيد المقوي: الذي لا زاد ولا مال معه.
وأقوى عند أهل اللغة على ثلاثة معانٍ، يقال أقوى إذا فني زاده، ومنه أقوت الدار إذا فني أهلها، ويقال أقوى إذا سافر أي: نزل القواء. والقين، ويقال أقوى إذا قوى وقوى أصحابه.
والمتاع: المنفعة.
* *
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: فنزه ربك يا محمد من السوء.
* *
ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ لا زائدة والتقدير أقسم.
وقيل لا رد الكلام، والتقدير ليس الأمر كما يقول الكافر.
ثم استأنف فقال: أقسم بمواقع النجوم، وقيل "لا بمعنى" إلا للتنبيه ومعنى مواقع النجوم، منازل القرآن، لأن القرآن نزل على النبي ﷺ نجوماً متفرقة.
قال ابن عباس نزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة ثم فرق في السنين بعد وتلا ابن عباس ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾، قال نزل متفرقاً.
وقال عكرمة فلا أقسم بمواقع النجوم، قال أنزل الله القرآن نجوماً ثلاث آيات وأربع آيات وخمس آيات، وقال أيضاً نزل جميعاً فوضع بمواقع النجوم، فجعل جبريل ﷺ يأتي بالسورة بعد السورة وإنما نزل جميعاً في ليلة القدر.
وقال مجاهد: بمواقع النجوم هو محكم القرآن.
وقال الحسن بمواقع النجوم بمغاربها، وقاله قتادة.
وعن الحسن أيضاً بمواقع النجوم هو أنكدارها وانتشارها يوم القيامة.
وعن مجاهد أيضاً بمواقع النجوم مطالعها ومساقطها.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ أي: وأن هذا القسم عظيم لو تعلمون ذلك.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ أي: أقسم بمواقع النجوم وهو القرآن أن هذا القرآن لقسم عظيم لو تعلمون ذلك أنه لقرآن كريم، والهاء "في" "إنه" من ذكر القرآن.
* *
ثم قال: ﴿فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾ أي: في كتاب مصون عند الله لا يمسه إلا المطهرون.
قال ابن عباس هو الكتاب الذي في السماء، قاله الضحاك.
قال ابن زيد زعموا أن الشياطين تنزلت به على محمد ﷺ.
فأخبرهم الله أنهم لا يستطيعون على ذلك.
قال ابن عباس: إذا أراد الله أن ينزل كتاباً نسخته السفرة فلا يمسه إلا المطهرون، يعني الملائكة، وهو قول ابن جبير ومجاهد وقتادة والضحاك، فهو خبر وليس بنهي، وقد يجوز أن يكون إخباراً على الإلزام فيكون فيه معنى النهي كما تقول (جعل كذا) وكقوله ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠].
قال المبرد معناه آمنوا بالله.
وقيل هم حملة التوراة والإنجيل، قاله عكرمة.
وقال أبو العالية المطهرون الذين طهروا من الذنوب كالملائكة والرسل قال ابن زيد المطهرون: الملائكة والأنبياء والرسل التي تتنزل به من عند الله المطهرة.
وقال قتادة: معناه لا يمسه عند الله إلا المطهرون، قال وأما عندكم فيمسه المشرك النجس والمنافق الرجس.
وفي حرف ابن مسعود ما يمسه.
وقال مالك بن أنس في قوله عز وجل ﴿لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ﴾ إنما هو بمنزلة قوله: ﴿فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٣-١٦] فهذا من قول مالك يدل على أنه نفي ليس بنهي يراد به الملائكة.
وقال مسلم: لا يمسه إلا طاهراً، وسئل عن آية فقال: سلوني فلست أمسه إنما أقرؤه، وكان قد أحدث ولم يتوضأ.
وفي كتاب عمرو بن حزم: لا يمس القرآن إلا طاهراً، وهو الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم.
وروى مالك أن مصعب بن سعد قال كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص فاحتككت، فقال لعلك مسست ذكرك، فقلت نعم، فقال فقم فتوضأ، فقمت فتوضأت ثم رجعت، وروي أنه قال له فقم فاغسل يديك.
وكان ابن عمر لا يمس المصحف إلا طاهراً.
وقال مالك لا يمس المصحف أحد بعلاقة أو على وسادة إلا وهو طاهر إكراماً للقرآن.
* *
وقوله: ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ أي: هو تنزيل من عند رب العالمين.
* *
ثم قال: ﴿أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ﴾ أي: أفبهذا القرآن الذي أنبأتكم خبره وأنتم تلينون القول للمكذبين به ممالاة منكم لهم على التكذيب والكفر.
قال مجاهد: أنتم مدهنون: أي: أنتم تريدون أن تمايلوهم [فيه] وتركنوا إليهم.
وقال ابن عباس أنتم مدهنون: مكذبون غير مصدقين.
وقال الضحاك يقال أدهن وداهن: إذا نافق.
* *
ثم قال: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: وتجعلون شكر الله على رزقه لكم التكذيب له، وهذا كقول القائل للآخر: جعلت إحساني إليك إساءة منك إلي، بمعنى جعلت شكر إحساني إليك إساءة منك، فالتقدير وتجعلون رزقي إياكم تكذيبكم لرسلي وكتبي.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون قال شكركم، يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا، وبنجم كذا وكذا، وقاله ابن عباس.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: إن الله ليصبح القوم بالنعمة أو يمسيهم بها فيصبح بها قوم كافرين يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا
قال الضحاك في الآية: جعل الله رزقكم في السماء وأنتم تجعلونه في الأنواء.
قال قطرب الرزق هنا: الشكر.
وقيل المعنى: وتجعلون شكر رزقكم ثم حذف مثل، ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
* *
ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ﴾ يعني النفس تبلغ الحلقوم عند خروجها.
﴿وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ أي: من حضره ينظر ولا يغني عنه شيئاً، فهذا خطاب عام والمراد به من حضر الميت.
* *
ثم قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ﴾ أي: ورسلنا أقرب إلى الميت منكم يقبضون روحه ولكن لا تبصرونهم، وهذا كله جواب لمن ادعى أنه يمتنع من الموت ويدفعه.
* *
ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ أي: فهلا أن كنتم غير مجزيين.
﴿تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (أي إن كنتم صادقين) في أنكم تمنعون من الموت، فارجعوا تلك النفس، وامنعوا من خروجها.
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن غير مدينين: غير محاسبين.
قال ابن زيد كانوا يجحدون أن يدانوا بعد الموت.
وقال الفراء: غير مدينين: غير مملوكين.
وقال الحسن غير مدينين: غير مبعوثين يوم القيامة.
وقيل معناه غير مجزيين بأعمالكم.
﴿تَرْجِعُونَهَآ﴾ أي: تردون تلك النفوس إلى الأجساد بعد إذ صارت في الحلاقيم.
﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنكم تمتنعون من الموت والحساب والمجازاة.
وقال الفراء إن كنتم صادقين: إن كنتم غير مملوكين، فالمعنى هل لا ترجعون نفس عزيزكم إن كنتم غير مملوكين ولا مقهورين.
وجواب فلولا في الموضعين جواب واحد على قول الفراء.
وقيل حذف جواب أحدهما لدلالة الآخر عليه.
* *
ثم قال: ﴿فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ﴾ أي: إن كان الميت من المقربين أي: من الذين قربهم الله من جواره ورحمته.
﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ (أي فله) روح وريحان.
والروح: الرحمة، والريحان: الرزق.
وقال مجاهد الروح: الفرح.
وقال الحسن الريحان: ريحانكم هذا.
وقال الربيع بن خيثم فروح وريحان هذا عند الموت، والجنة مخبوءة له إلى أن يبعث.
قال ابن عباس فروح وريحان: فراحة ومستريح من الدنيا.
وقال ابن جبير ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾: راحة ومستراح: وعنه يعني بالريحان المستريح من الدنيا.
وقال الضحاك الروح: المغفرة والرحمة. والريحان: الاستراحة.
وعنه: الروح والاستراحة.
وقال القتبي فروح: أي: في القبر له طيب نسيم.
ومن قرأ بضم الراء فمعناه: فحياة له وبقاء.
وقيل الريحان: الراحة.
قال أبو العالية لم يفارق أحد من المقربين وهم السابقون الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه ثم يقبض.
قال الحسن يقبض الملك نفس المؤمن في ريحانة.
والفاء في "فروح" "جواب" "إن"، وجواب "أما" هذا قول الأخفش والفراء.
وقال سيبويه لا جواب "لأن" هنا، لأن بعدها فعلاً ماضياً، كما تقول (أكرمك إن جئتني)، "والفاء" جواب "أما".
وقال المبرد جواب "إن" محذوف، لأن بعدها ما يدل عليه، والفاء جواب "أما" وأما معناها: الخروج من شيء إلى شيء، أي: دع ما كنا فيه وخذ بشيء أخر، ولا يلي فعل فعلا، فمعنى أما: مهما يكن (من شيء).
فوجب أن يليها الاسم، وتقديره أن يكون بعد جوابها، فإذا أردت أن تعرف إعراب الاسم الذي يليها فاجعل موضعها، "مهما" وقدر الاسم بعد الفاء.
تقول أما زيداً فضربت، والتقدير: مهما يكن من شيء فضربت زيداً.
* *
وقوله: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: من الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، وقيل من الذين يعطون كتبهم بأيمانهم.
﴿فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: فسلام من عند الله، أي: سلام من ذلك وقيل المعنى: يقال سلام لك إنك من أصحاب اليمين.
قال قتادة: معناه سلموا وسلمت عليهم الملائكة.
وقيل المعنى: لك يا محمد منهم سلام، أي: يسلمون عليك.
وقيل المعنى: فسلام لك أنك من أصحاب اليمين.
وقيل معناه فلست ترى فيهم يا محمد إلا ما تحب من السلامة.
* *
ثم قال: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾. [أي إن كان الميت ممن كذب بآيات الله وضل عن دين الله فنزل من حميم أي: فرزق من حميم].
أي له زرق من حميم قد غلي عليه حتى انتهى حره، فهو شرابه.
﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أي: وحريق النار يحرق بها.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ﴾ أي: أن هذا الذي أخبرتم به أيها الناس من الخير عن المقربين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال وما تصير أمورهم لهو حق اليقين، أي: لهو من الخبر الحق اليقين.
قال قتادة: إن الله جل ذكره ليس تاركاً أحداً من الناس [يوقفه] على اليقين من هذا القرآن، فأما المؤمن فأيقن في الدنيا فينفعه ذلك يوم القيامة وأما الكافر فأيقن في الآخرة حين لا ينفعه ذلك.
(وحق اليقين): محض اليقين، وقيل معناه حق الأمر اليقين، وحق الخبر اليقين مثل "دِينُ الْقَيِّمَةِ" أي: دين الملة القيمة.
وقيل أصل "اليقين" أن يكون نعتاً للحق، ولكن أضيف المنعوت إلى النعت على الاتساع كما قال "وَلَدارُ الآْخِرَةِ" و "وملاة الأولى" و "مسجد الجامع"، وهو عند أكثر الكوفيين من باب إضافة الشيء إلى نفسه.
* *
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ [أي] فنزه ربك العظيم.
وقيل معناه: فسبح بتسمية ربك العظيم.
الواقعة 56:88
قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ﴾ إلى آخر السورة الآيات.
أي أفرأيتم أيها الناس النار التي تستخرجون من زندكم وتقدحون.
﴿أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ﴾ أي: أنتم أخترعتم شجرتها أم نحن اخترعنا ذلك.
وتورون من أوريت زنادي وناري أوريتها: إذا أوقدتها.
وقال أبو عبيدة وأكثر ما يقولون وريت زنادي، وأهل نجد يقولون وريت زنادي.
(ثم قال) ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ يعني النار التي تذكرون بها نار جهنم فتتعظون وتخافون.
وقال مجاهد: تذكرة تذكر النار الكبرى، وكذا قال قتادة:
وروي عن النبي ﷺ أنه قال أن ناركم (جزء من سبعين جزاء) من نار جهنم قالوا يا نبي الله وإن كانت لكافية، قال قد ضربت بالماء ضربتين ليستمتع بها بنو أدم ويدنو منها
ثم قال: ﴿وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ﴾ قال ابن عباس للمقوين: للمسافرين وقال مجاهد: للمقوين: للمستمتعين بها من الحاضر والمسافر.
وقال ابن زيد للمقوين: للجائعين.
والعرب تقول أقويت منه كذا وكذا: (أكلت منه كذا وكذا)، وأصله من أقوت الدار إذا خلت من أهلها، (ويقال أقوى إذا نزل بالقواء في الأرض الخالية.
وقال ابن زيد المقوي: الذي لا زاد ولا مال معه.
وأقوى عند أهل اللغة على ثلاثة معانٍ، يقال أقوى إذا فني زاده، ومنه أقوت الدار إذا فني أهلها، ويقال أقوى إذا سافر أي: نزل القواء. والقين، ويقال أقوى إذا قوى وقوى أصحابه.
والمتاع: المنفعة.
* *
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: فنزه ربك يا محمد من السوء.
* *
ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ لا زائدة والتقدير أقسم.
وقيل لا رد الكلام، والتقدير ليس الأمر كما يقول الكافر.
ثم استأنف فقال: أقسم بمواقع النجوم، وقيل "لا بمعنى" إلا للتنبيه ومعنى مواقع النجوم، منازل القرآن، لأن القرآن نزل على النبي ﷺ نجوماً متفرقة.
قال ابن عباس نزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة ثم فرق في السنين بعد وتلا ابن عباس ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾، قال نزل متفرقاً.
وقال عكرمة فلا أقسم بمواقع النجوم، قال أنزل الله القرآن نجوماً ثلاث آيات وأربع آيات وخمس آيات، وقال أيضاً نزل جميعاً فوضع بمواقع النجوم، فجعل جبريل ﷺ يأتي بالسورة بعد السورة وإنما نزل جميعاً في ليلة القدر.
وقال مجاهد: بمواقع النجوم هو محكم القرآن.
وقال الحسن بمواقع النجوم بمغاربها، وقاله قتادة.
وعن الحسن أيضاً بمواقع النجوم هو أنكدارها وانتشارها يوم القيامة.
وعن مجاهد أيضاً بمواقع النجوم مطالعها ومساقطها.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ أي: وأن هذا القسم عظيم لو تعلمون ذلك.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ أي: أقسم بمواقع النجوم وهو القرآن أن هذا القرآن لقسم عظيم لو تعلمون ذلك أنه لقرآن كريم، والهاء "في" "إنه" من ذكر القرآن.
* *
ثم قال: ﴿فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾ أي: في كتاب مصون عند الله لا يمسه إلا المطهرون.
قال ابن عباس هو الكتاب الذي في السماء، قاله الضحاك.
قال ابن زيد زعموا أن الشياطين تنزلت به على محمد ﷺ.
فأخبرهم الله أنهم لا يستطيعون على ذلك.
قال ابن عباس: إذا أراد الله أن ينزل كتاباً نسخته السفرة فلا يمسه إلا المطهرون، يعني الملائكة، وهو قول ابن جبير ومجاهد وقتادة والضحاك، فهو خبر وليس بنهي، وقد يجوز أن يكون إخباراً على الإلزام فيكون فيه معنى النهي كما تقول (جعل كذا) وكقوله ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠].
قال المبرد معناه آمنوا بالله.
وقيل هم حملة التوراة والإنجيل، قاله عكرمة.
وقال أبو العالية المطهرون الذين طهروا من الذنوب كالملائكة والرسل قال ابن زيد المطهرون: الملائكة والأنبياء والرسل التي تتنزل به من عند الله المطهرة.
وقال قتادة: معناه لا يمسه عند الله إلا المطهرون، قال وأما عندكم فيمسه المشرك النجس والمنافق الرجس.
وفي حرف ابن مسعود ما يمسه.
وقال مالك بن أنس في قوله عز وجل ﴿لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ﴾ إنما هو بمنزلة قوله: ﴿فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٣-١٦] فهذا من قول مالك يدل على أنه نفي ليس بنهي يراد به الملائكة.
وقال مسلم: لا يمسه إلا طاهراً، وسئل عن آية فقال: سلوني فلست أمسه إنما أقرؤه، وكان قد أحدث ولم يتوضأ.
وفي كتاب عمرو بن حزم: لا يمس القرآن إلا طاهراً، وهو الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم.
وروى مالك أن مصعب بن سعد قال كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص فاحتككت، فقال لعلك مسست ذكرك، فقلت نعم، فقال فقم فتوضأ، فقمت فتوضأت ثم رجعت، وروي أنه قال له فقم فاغسل يديك.
وكان ابن عمر لا يمس المصحف إلا طاهراً.
وقال مالك لا يمس المصحف أحد بعلاقة أو على وسادة إلا وهو طاهر إكراماً للقرآن.
* *
وقوله: ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ أي: هو تنزيل من عند رب العالمين.
* *
ثم قال: ﴿أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ﴾ أي: أفبهذا القرآن الذي أنبأتكم خبره وأنتم تلينون القول للمكذبين به ممالاة منكم لهم على التكذيب والكفر.
قال مجاهد: أنتم مدهنون: أي: أنتم تريدون أن تمايلوهم [فيه] وتركنوا إليهم.
وقال ابن عباس أنتم مدهنون: مكذبون غير مصدقين.
وقال الضحاك يقال أدهن وداهن: إذا نافق.
* *
ثم قال: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: وتجعلون شكر الله على رزقه لكم التكذيب له، وهذا كقول القائل للآخر: جعلت إحساني إليك إساءة منك إلي، بمعنى جعلت شكر إحساني إليك إساءة منك، فالتقدير وتجعلون رزقي إياكم تكذيبكم لرسلي وكتبي.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون قال شكركم، يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا، وبنجم كذا وكذا، وقاله ابن عباس.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: إن الله ليصبح القوم بالنعمة أو يمسيهم بها فيصبح بها قوم كافرين يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا
قال الضحاك في الآية: جعل الله رزقكم في السماء وأنتم تجعلونه في الأنواء.
قال قطرب الرزق هنا: الشكر.
وقيل المعنى: وتجعلون شكر رزقكم ثم حذف مثل، ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
* *
ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ﴾ يعني النفس تبلغ الحلقوم عند خروجها.
﴿وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ أي: من حضره ينظر ولا يغني عنه شيئاً، فهذا خطاب عام والمراد به من حضر الميت.
* *
ثم قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ﴾ أي: ورسلنا أقرب إلى الميت منكم يقبضون روحه ولكن لا تبصرونهم، وهذا كله جواب لمن ادعى أنه يمتنع من الموت ويدفعه.
* *
ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ أي: فهلا أن كنتم غير مجزيين.
﴿تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (أي إن كنتم صادقين) في أنكم تمنعون من الموت، فارجعوا تلك النفس، وامنعوا من خروجها.
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن غير مدينين: غير محاسبين.
قال ابن زيد كانوا يجحدون أن يدانوا بعد الموت.
وقال الفراء: غير مدينين: غير مملوكين.
وقال الحسن غير مدينين: غير مبعوثين يوم القيامة.
وقيل معناه غير مجزيين بأعمالكم.
﴿تَرْجِعُونَهَآ﴾ أي: تردون تلك النفوس إلى الأجساد بعد إذ صارت في الحلاقيم.
﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنكم تمتنعون من الموت والحساب والمجازاة.
وقال الفراء إن كنتم صادقين: إن كنتم غير مملوكين، فالمعنى هل لا ترجعون نفس عزيزكم إن كنتم غير مملوكين ولا مقهورين.
وجواب فلولا في الموضعين جواب واحد على قول الفراء.
وقيل حذف جواب أحدهما لدلالة الآخر عليه.
* *
ثم قال: ﴿فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ﴾ أي: إن كان الميت من المقربين أي: من الذين قربهم الله من جواره ورحمته.
﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ (أي فله) روح وريحان.
والروح: الرحمة، والريحان: الرزق.
وقال مجاهد الروح: الفرح.
وقال الحسن الريحان: ريحانكم هذا.
وقال الربيع بن خيثم فروح وريحان هذا عند الموت، والجنة مخبوءة له إلى أن يبعث.
قال ابن عباس فروح وريحان: فراحة ومستريح من الدنيا.
وقال ابن جبير ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾: راحة ومستراح: وعنه يعني بالريحان المستريح من الدنيا.
وقال الضحاك الروح: المغفرة والرحمة. والريحان: الاستراحة.
وعنه: الروح والاستراحة.
وقال القتبي فروح: أي: في القبر له طيب نسيم.
ومن قرأ بضم الراء فمعناه: فحياة له وبقاء.
وقيل الريحان: الراحة.
قال أبو العالية لم يفارق أحد من المقربين وهم السابقون الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه ثم يقبض.
قال الحسن يقبض الملك نفس المؤمن في ريحانة.
والفاء في "فروح" "جواب" "إن"، وجواب "أما" هذا قول الأخفش والفراء.
وقال سيبويه لا جواب "لأن" هنا، لأن بعدها فعلاً ماضياً، كما تقول (أكرمك إن جئتني)، "والفاء" جواب "أما".
وقال المبرد جواب "إن" محذوف، لأن بعدها ما يدل عليه، والفاء جواب "أما" وأما معناها: الخروج من شيء إلى شيء، أي: دع ما كنا فيه وخذ بشيء أخر، ولا يلي فعل فعلا، فمعنى أما: مهما يكن (من شيء).
فوجب أن يليها الاسم، وتقديره أن يكون بعد جوابها، فإذا أردت أن تعرف إعراب الاسم الذي يليها فاجعل موضعها، "مهما" وقدر الاسم بعد الفاء.
تقول أما زيداً فضربت، والتقدير: مهما يكن من شيء فضربت زيداً.
* *
وقوله: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: من الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، وقيل من الذين يعطون كتبهم بأيمانهم.
﴿فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: فسلام من عند الله، أي: سلام من ذلك وقيل المعنى: يقال سلام لك إنك من أصحاب اليمين.
قال قتادة: معناه سلموا وسلمت عليهم الملائكة.
وقيل المعنى: لك يا محمد منهم سلام، أي: يسلمون عليك.
وقيل المعنى: فسلام لك أنك من أصحاب اليمين.
وقيل معناه فلست ترى فيهم يا محمد إلا ما تحب من السلامة.
* *
ثم قال: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾. [أي إن كان الميت ممن كذب بآيات الله وضل عن دين الله فنزل من حميم أي: فرزق من حميم].
أي له زرق من حميم قد غلي عليه حتى انتهى حره، فهو شرابه.
﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أي: وحريق النار يحرق بها.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ﴾ أي: أن هذا الذي أخبرتم به أيها الناس من الخير عن المقربين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال وما تصير أمورهم لهو حق اليقين، أي: لهو من الخبر الحق اليقين.
قال قتادة: إن الله جل ذكره ليس تاركاً أحداً من الناس [يوقفه] على اليقين من هذا القرآن، فأما المؤمن فأيقن في الدنيا فينفعه ذلك يوم القيامة وأما الكافر فأيقن في الآخرة حين لا ينفعه ذلك.
(وحق اليقين): محض اليقين، وقيل معناه حق الأمر اليقين، وحق الخبر اليقين مثل "دِينُ الْقَيِّمَةِ" أي: دين الملة القيمة.
وقيل أصل "اليقين" أن يكون نعتاً للحق، ولكن أضيف المنعوت إلى النعت على الاتساع كما قال "وَلَدارُ الآْخِرَةِ" و "وملاة الأولى" و "مسجد الجامع"، وهو عند أكثر الكوفيين من باب إضافة الشيء إلى نفسه.
* *
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ [أي] فنزه ربك العظيم.
وقيل معناه: فسبح بتسمية ربك العظيم.
الواقعة 56:89
قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ﴾ إلى آخر السورة الآيات.
أي أفرأيتم أيها الناس النار التي تستخرجون من زندكم وتقدحون.
﴿أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ﴾ أي: أنتم أخترعتم شجرتها أم نحن اخترعنا ذلك.
وتورون من أوريت زنادي وناري أوريتها: إذا أوقدتها.
وقال أبو عبيدة وأكثر ما يقولون وريت زنادي، وأهل نجد يقولون وريت زنادي.
(ثم قال) ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ يعني النار التي تذكرون بها نار جهنم فتتعظون وتخافون.
وقال مجاهد: تذكرة تذكر النار الكبرى، وكذا قال قتادة:
وروي عن النبي ﷺ أنه قال أن ناركم (جزء من سبعين جزاء) من نار جهنم قالوا يا نبي الله وإن كانت لكافية، قال قد ضربت بالماء ضربتين ليستمتع بها بنو أدم ويدنو منها
ثم قال: ﴿وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ﴾ قال ابن عباس للمقوين: للمسافرين وقال مجاهد: للمقوين: للمستمتعين بها من الحاضر والمسافر.
وقال ابن زيد للمقوين: للجائعين.
والعرب تقول أقويت منه كذا وكذا: (أكلت منه كذا وكذا)، وأصله من أقوت الدار إذا خلت من أهلها، (ويقال أقوى إذا نزل بالقواء في الأرض الخالية.
وقال ابن زيد المقوي: الذي لا زاد ولا مال معه.
وأقوى عند أهل اللغة على ثلاثة معانٍ، يقال أقوى إذا فني زاده، ومنه أقوت الدار إذا فني أهلها، ويقال أقوى إذا سافر أي: نزل القواء. والقين، ويقال أقوى إذا قوى وقوى أصحابه.
والمتاع: المنفعة.
* *
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: فنزه ربك يا محمد من السوء.
* *
ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ لا زائدة والتقدير أقسم.
وقيل لا رد الكلام، والتقدير ليس الأمر كما يقول الكافر.
ثم استأنف فقال: أقسم بمواقع النجوم، وقيل "لا بمعنى" إلا للتنبيه ومعنى مواقع النجوم، منازل القرآن، لأن القرآن نزل على النبي ﷺ نجوماً متفرقة.
قال ابن عباس نزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة ثم فرق في السنين بعد وتلا ابن عباس ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾، قال نزل متفرقاً.
وقال عكرمة فلا أقسم بمواقع النجوم، قال أنزل الله القرآن نجوماً ثلاث آيات وأربع آيات وخمس آيات، وقال أيضاً نزل جميعاً فوضع بمواقع النجوم، فجعل جبريل ﷺ يأتي بالسورة بعد السورة وإنما نزل جميعاً في ليلة القدر.
وقال مجاهد: بمواقع النجوم هو محكم القرآن.
وقال الحسن بمواقع النجوم بمغاربها، وقاله قتادة.
وعن الحسن أيضاً بمواقع النجوم هو أنكدارها وانتشارها يوم القيامة.
وعن مجاهد أيضاً بمواقع النجوم مطالعها ومساقطها.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ أي: وأن هذا القسم عظيم لو تعلمون ذلك.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ أي: أقسم بمواقع النجوم وهو القرآن أن هذا القرآن لقسم عظيم لو تعلمون ذلك أنه لقرآن كريم، والهاء "في" "إنه" من ذكر القرآن.
* *
ثم قال: ﴿فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾ أي: في كتاب مصون عند الله لا يمسه إلا المطهرون.
قال ابن عباس هو الكتاب الذي في السماء، قاله الضحاك.
قال ابن زيد زعموا أن الشياطين تنزلت به على محمد ﷺ.
فأخبرهم الله أنهم لا يستطيعون على ذلك.
قال ابن عباس: إذا أراد الله أن ينزل كتاباً نسخته السفرة فلا يمسه إلا المطهرون، يعني الملائكة، وهو قول ابن جبير ومجاهد وقتادة والضحاك، فهو خبر وليس بنهي، وقد يجوز أن يكون إخباراً على الإلزام فيكون فيه معنى النهي كما تقول (جعل كذا) وكقوله ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠].
قال المبرد معناه آمنوا بالله.
وقيل هم حملة التوراة والإنجيل، قاله عكرمة.
وقال أبو العالية المطهرون الذين طهروا من الذنوب كالملائكة والرسل قال ابن زيد المطهرون: الملائكة والأنبياء والرسل التي تتنزل به من عند الله المطهرة.
وقال قتادة: معناه لا يمسه عند الله إلا المطهرون، قال وأما عندكم فيمسه المشرك النجس والمنافق الرجس.
وفي حرف ابن مسعود ما يمسه.
وقال مالك بن أنس في قوله عز وجل ﴿لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ﴾ إنما هو بمنزلة قوله: ﴿فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٣-١٦] فهذا من قول مالك يدل على أنه نفي ليس بنهي يراد به الملائكة.
وقال مسلم: لا يمسه إلا طاهراً، وسئل عن آية فقال: سلوني فلست أمسه إنما أقرؤه، وكان قد أحدث ولم يتوضأ.
وفي كتاب عمرو بن حزم: لا يمس القرآن إلا طاهراً، وهو الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم.
وروى مالك أن مصعب بن سعد قال كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص فاحتككت، فقال لعلك مسست ذكرك، فقلت نعم، فقال فقم فتوضأ، فقمت فتوضأت ثم رجعت، وروي أنه قال له فقم فاغسل يديك.
وكان ابن عمر لا يمس المصحف إلا طاهراً.
وقال مالك لا يمس المصحف أحد بعلاقة أو على وسادة إلا وهو طاهر إكراماً للقرآن.
* *
وقوله: ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ أي: هو تنزيل من عند رب العالمين.
* *
ثم قال: ﴿أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ﴾ أي: أفبهذا القرآن الذي أنبأتكم خبره وأنتم تلينون القول للمكذبين به ممالاة منكم لهم على التكذيب والكفر.
قال مجاهد: أنتم مدهنون: أي: أنتم تريدون أن تمايلوهم [فيه] وتركنوا إليهم.
وقال ابن عباس أنتم مدهنون: مكذبون غير مصدقين.
وقال الضحاك يقال أدهن وداهن: إذا نافق.
* *
ثم قال: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: وتجعلون شكر الله على رزقه لكم التكذيب له، وهذا كقول القائل للآخر: جعلت إحساني إليك إساءة منك إلي، بمعنى جعلت شكر إحساني إليك إساءة منك، فالتقدير وتجعلون رزقي إياكم تكذيبكم لرسلي وكتبي.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون قال شكركم، يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا، وبنجم كذا وكذا، وقاله ابن عباس.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: إن الله ليصبح القوم بالنعمة أو يمسيهم بها فيصبح بها قوم كافرين يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا
قال الضحاك في الآية: جعل الله رزقكم في السماء وأنتم تجعلونه في الأنواء.
قال قطرب الرزق هنا: الشكر.
وقيل المعنى: وتجعلون شكر رزقكم ثم حذف مثل، ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
* *
ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ﴾ يعني النفس تبلغ الحلقوم عند خروجها.
﴿وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ أي: من حضره ينظر ولا يغني عنه شيئاً، فهذا خطاب عام والمراد به من حضر الميت.
* *
ثم قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ﴾ أي: ورسلنا أقرب إلى الميت منكم يقبضون روحه ولكن لا تبصرونهم، وهذا كله جواب لمن ادعى أنه يمتنع من الموت ويدفعه.
* *
ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ أي: فهلا أن كنتم غير مجزيين.
﴿تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (أي إن كنتم صادقين) في أنكم تمنعون من الموت، فارجعوا تلك النفس، وامنعوا من خروجها.
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن غير مدينين: غير محاسبين.
قال ابن زيد كانوا يجحدون أن يدانوا بعد الموت.
وقال الفراء: غير مدينين: غير مملوكين.
وقال الحسن غير مدينين: غير مبعوثين يوم القيامة.
وقيل معناه غير مجزيين بأعمالكم.
﴿تَرْجِعُونَهَآ﴾ أي: تردون تلك النفوس إلى الأجساد بعد إذ صارت في الحلاقيم.
﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنكم تمتنعون من الموت والحساب والمجازاة.
وقال الفراء إن كنتم صادقين: إن كنتم غير مملوكين، فالمعنى هل لا ترجعون نفس عزيزكم إن كنتم غير مملوكين ولا مقهورين.
وجواب فلولا في الموضعين جواب واحد على قول الفراء.
وقيل حذف جواب أحدهما لدلالة الآخر عليه.
* *
ثم قال: ﴿فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ﴾ أي: إن كان الميت من المقربين أي: من الذين قربهم الله من جواره ورحمته.
﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ (أي فله) روح وريحان.
والروح: الرحمة، والريحان: الرزق.
وقال مجاهد الروح: الفرح.
وقال الحسن الريحان: ريحانكم هذا.
وقال الربيع بن خيثم فروح وريحان هذا عند الموت، والجنة مخبوءة له إلى أن يبعث.
قال ابن عباس فروح وريحان: فراحة ومستريح من الدنيا.
وقال ابن جبير ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾: راحة ومستراح: وعنه يعني بالريحان المستريح من الدنيا.
وقال الضحاك الروح: المغفرة والرحمة. والريحان: الاستراحة.
وعنه: الروح والاستراحة.
وقال القتبي فروح: أي: في القبر له طيب نسيم.
ومن قرأ بضم الراء فمعناه: فحياة له وبقاء.
وقيل الريحان: الراحة.
قال أبو العالية لم يفارق أحد من المقربين وهم السابقون الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه ثم يقبض.
قال الحسن يقبض الملك نفس المؤمن في ريحانة.
والفاء في "فروح" "جواب" "إن"، وجواب "أما" هذا قول الأخفش والفراء.
وقال سيبويه لا جواب "لأن" هنا، لأن بعدها فعلاً ماضياً، كما تقول (أكرمك إن جئتني)، "والفاء" جواب "أما".
وقال المبرد جواب "إن" محذوف، لأن بعدها ما يدل عليه، والفاء جواب "أما" وأما معناها: الخروج من شيء إلى شيء، أي: دع ما كنا فيه وخذ بشيء أخر، ولا يلي فعل فعلا، فمعنى أما: مهما يكن (من شيء).
فوجب أن يليها الاسم، وتقديره أن يكون بعد جوابها، فإذا أردت أن تعرف إعراب الاسم الذي يليها فاجعل موضعها، "مهما" وقدر الاسم بعد الفاء.
تقول أما زيداً فضربت، والتقدير: مهما يكن من شيء فضربت زيداً.
* *
وقوله: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: من الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، وقيل من الذين يعطون كتبهم بأيمانهم.
﴿فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: فسلام من عند الله، أي: سلام من ذلك وقيل المعنى: يقال سلام لك إنك من أصحاب اليمين.
قال قتادة: معناه سلموا وسلمت عليهم الملائكة.
وقيل المعنى: لك يا محمد منهم سلام، أي: يسلمون عليك.
وقيل المعنى: فسلام لك أنك من أصحاب اليمين.
وقيل معناه فلست ترى فيهم يا محمد إلا ما تحب من السلامة.
* *
ثم قال: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾. [أي إن كان الميت ممن كذب بآيات الله وضل عن دين الله فنزل من حميم أي: فرزق من حميم].
أي له زرق من حميم قد غلي عليه حتى انتهى حره، فهو شرابه.
﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أي: وحريق النار يحرق بها.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ﴾ أي: أن هذا الذي أخبرتم به أيها الناس من الخير عن المقربين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال وما تصير أمورهم لهو حق اليقين، أي: لهو من الخبر الحق اليقين.
قال قتادة: إن الله جل ذكره ليس تاركاً أحداً من الناس [يوقفه] على اليقين من هذا القرآن، فأما المؤمن فأيقن في الدنيا فينفعه ذلك يوم القيامة وأما الكافر فأيقن في الآخرة حين لا ينفعه ذلك.
(وحق اليقين): محض اليقين، وقيل معناه حق الأمر اليقين، وحق الخبر اليقين مثل "دِينُ الْقَيِّمَةِ" أي: دين الملة القيمة.
وقيل أصل "اليقين" أن يكون نعتاً للحق، ولكن أضيف المنعوت إلى النعت على الاتساع كما قال "وَلَدارُ الآْخِرَةِ" و "وملاة الأولى" و "مسجد الجامع"، وهو عند أكثر الكوفيين من باب إضافة الشيء إلى نفسه.
* *
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ [أي] فنزه ربك العظيم.
وقيل معناه: فسبح بتسمية ربك العظيم.
الواقعة 56:90
قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ﴾ إلى آخر السورة الآيات.
أي أفرأيتم أيها الناس النار التي تستخرجون من زندكم وتقدحون.
﴿أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ﴾ أي: أنتم أخترعتم شجرتها أم نحن اخترعنا ذلك.
وتورون من أوريت زنادي وناري أوريتها: إذا أوقدتها.
وقال أبو عبيدة وأكثر ما يقولون وريت زنادي، وأهل نجد يقولون وريت زنادي.
(ثم قال) ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ يعني النار التي تذكرون بها نار جهنم فتتعظون وتخافون.
وقال مجاهد: تذكرة تذكر النار الكبرى، وكذا قال قتادة:
وروي عن النبي ﷺ أنه قال أن ناركم (جزء من سبعين جزاء) من نار جهنم قالوا يا نبي الله وإن كانت لكافية، قال قد ضربت بالماء ضربتين ليستمتع بها بنو أدم ويدنو منها
ثم قال: ﴿وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ﴾ قال ابن عباس للمقوين: للمسافرين وقال مجاهد: للمقوين: للمستمتعين بها من الحاضر والمسافر.
وقال ابن زيد للمقوين: للجائعين.
والعرب تقول أقويت منه كذا وكذا: (أكلت منه كذا وكذا)، وأصله من أقوت الدار إذا خلت من أهلها، (ويقال أقوى إذا نزل بالقواء في الأرض الخالية.
وقال ابن زيد المقوي: الذي لا زاد ولا مال معه.
وأقوى عند أهل اللغة على ثلاثة معانٍ، يقال أقوى إذا فني زاده، ومنه أقوت الدار إذا فني أهلها، ويقال أقوى إذا سافر أي: نزل القواء. والقين، ويقال أقوى إذا قوى وقوى أصحابه.
والمتاع: المنفعة.
* *
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: فنزه ربك يا محمد من السوء.
* *
ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ لا زائدة والتقدير أقسم.
وقيل لا رد الكلام، والتقدير ليس الأمر كما يقول الكافر.
ثم استأنف فقال: أقسم بمواقع النجوم، وقيل "لا بمعنى" إلا للتنبيه ومعنى مواقع النجوم، منازل القرآن، لأن القرآن نزل على النبي ﷺ نجوماً متفرقة.
قال ابن عباس نزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة ثم فرق في السنين بعد وتلا ابن عباس ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾، قال نزل متفرقاً.
وقال عكرمة فلا أقسم بمواقع النجوم، قال أنزل الله القرآن نجوماً ثلاث آيات وأربع آيات وخمس آيات، وقال أيضاً نزل جميعاً فوضع بمواقع النجوم، فجعل جبريل ﷺ يأتي بالسورة بعد السورة وإنما نزل جميعاً في ليلة القدر.
وقال مجاهد: بمواقع النجوم هو محكم القرآن.
وقال الحسن بمواقع النجوم بمغاربها، وقاله قتادة.
وعن الحسن أيضاً بمواقع النجوم هو أنكدارها وانتشارها يوم القيامة.
وعن مجاهد أيضاً بمواقع النجوم مطالعها ومساقطها.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ أي: وأن هذا القسم عظيم لو تعلمون ذلك.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ أي: أقسم بمواقع النجوم وهو القرآن أن هذا القرآن لقسم عظيم لو تعلمون ذلك أنه لقرآن كريم، والهاء "في" "إنه" من ذكر القرآن.
* *
ثم قال: ﴿فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾ أي: في كتاب مصون عند الله لا يمسه إلا المطهرون.
قال ابن عباس هو الكتاب الذي في السماء، قاله الضحاك.
قال ابن زيد زعموا أن الشياطين تنزلت به على محمد ﷺ.
فأخبرهم الله أنهم لا يستطيعون على ذلك.
قال ابن عباس: إذا أراد الله أن ينزل كتاباً نسخته السفرة فلا يمسه إلا المطهرون، يعني الملائكة، وهو قول ابن جبير ومجاهد وقتادة والضحاك، فهو خبر وليس بنهي، وقد يجوز أن يكون إخباراً على الإلزام فيكون فيه معنى النهي كما تقول (جعل كذا) وكقوله ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠].
قال المبرد معناه آمنوا بالله.
وقيل هم حملة التوراة والإنجيل، قاله عكرمة.
وقال أبو العالية المطهرون الذين طهروا من الذنوب كالملائكة والرسل قال ابن زيد المطهرون: الملائكة والأنبياء والرسل التي تتنزل به من عند الله المطهرة.
وقال قتادة: معناه لا يمسه عند الله إلا المطهرون، قال وأما عندكم فيمسه المشرك النجس والمنافق الرجس.
وفي حرف ابن مسعود ما يمسه.
وقال مالك بن أنس في قوله عز وجل ﴿لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ﴾ إنما هو بمنزلة قوله: ﴿فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٣-١٦] فهذا من قول مالك يدل على أنه نفي ليس بنهي يراد به الملائكة.
وقال مسلم: لا يمسه إلا طاهراً، وسئل عن آية فقال: سلوني فلست أمسه إنما أقرؤه، وكان قد أحدث ولم يتوضأ.
وفي كتاب عمرو بن حزم: لا يمس القرآن إلا طاهراً، وهو الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم.
وروى مالك أن مصعب بن سعد قال كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص فاحتككت، فقال لعلك مسست ذكرك، فقلت نعم، فقال فقم فتوضأ، فقمت فتوضأت ثم رجعت، وروي أنه قال له فقم فاغسل يديك.
وكان ابن عمر لا يمس المصحف إلا طاهراً.
وقال مالك لا يمس المصحف أحد بعلاقة أو على وسادة إلا وهو طاهر إكراماً للقرآن.
* *
وقوله: ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ أي: هو تنزيل من عند رب العالمين.
* *
ثم قال: ﴿أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ﴾ أي: أفبهذا القرآن الذي أنبأتكم خبره وأنتم تلينون القول للمكذبين به ممالاة منكم لهم على التكذيب والكفر.
قال مجاهد: أنتم مدهنون: أي: أنتم تريدون أن تمايلوهم [فيه] وتركنوا إليهم.
وقال ابن عباس أنتم مدهنون: مكذبون غير مصدقين.
وقال الضحاك يقال أدهن وداهن: إذا نافق.
* *
ثم قال: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: وتجعلون شكر الله على رزقه لكم التكذيب له، وهذا كقول القائل للآخر: جعلت إحساني إليك إساءة منك إلي، بمعنى جعلت شكر إحساني إليك إساءة منك، فالتقدير وتجعلون رزقي إياكم تكذيبكم لرسلي وكتبي.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون قال شكركم، يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا، وبنجم كذا وكذا، وقاله ابن عباس.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: إن الله ليصبح القوم بالنعمة أو يمسيهم بها فيصبح بها قوم كافرين يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا
قال الضحاك في الآية: جعل الله رزقكم في السماء وأنتم تجعلونه في الأنواء.
قال قطرب الرزق هنا: الشكر.
وقيل المعنى: وتجعلون شكر رزقكم ثم حذف مثل، ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
* *
ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ﴾ يعني النفس تبلغ الحلقوم عند خروجها.
﴿وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ أي: من حضره ينظر ولا يغني عنه شيئاً، فهذا خطاب عام والمراد به من حضر الميت.
* *
ثم قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ﴾ أي: ورسلنا أقرب إلى الميت منكم يقبضون روحه ولكن لا تبصرونهم، وهذا كله جواب لمن ادعى أنه يمتنع من الموت ويدفعه.
* *
ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ أي: فهلا أن كنتم غير مجزيين.
﴿تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (أي إن كنتم صادقين) في أنكم تمنعون من الموت، فارجعوا تلك النفس، وامنعوا من خروجها.
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن غير مدينين: غير محاسبين.
قال ابن زيد كانوا يجحدون أن يدانوا بعد الموت.
وقال الفراء: غير مدينين: غير مملوكين.
وقال الحسن غير مدينين: غير مبعوثين يوم القيامة.
وقيل معناه غير مجزيين بأعمالكم.
﴿تَرْجِعُونَهَآ﴾ أي: تردون تلك النفوس إلى الأجساد بعد إذ صارت في الحلاقيم.
﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنكم تمتنعون من الموت والحساب والمجازاة.
وقال الفراء إن كنتم صادقين: إن كنتم غير مملوكين، فالمعنى هل لا ترجعون نفس عزيزكم إن كنتم غير مملوكين ولا مقهورين.
وجواب فلولا في الموضعين جواب واحد على قول الفراء.
وقيل حذف جواب أحدهما لدلالة الآخر عليه.
* *
ثم قال: ﴿فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ﴾ أي: إن كان الميت من المقربين أي: من الذين قربهم الله من جواره ورحمته.
﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ (أي فله) روح وريحان.
والروح: الرحمة، والريحان: الرزق.
وقال مجاهد الروح: الفرح.
وقال الحسن الريحان: ريحانكم هذا.
وقال الربيع بن خيثم فروح وريحان هذا عند الموت، والجنة مخبوءة له إلى أن يبعث.
قال ابن عباس فروح وريحان: فراحة ومستريح من الدنيا.
وقال ابن جبير ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾: راحة ومستراح: وعنه يعني بالريحان المستريح من الدنيا.
وقال الضحاك الروح: المغفرة والرحمة. والريحان: الاستراحة.
وعنه: الروح والاستراحة.
وقال القتبي فروح: أي: في القبر له طيب نسيم.
ومن قرأ بضم الراء فمعناه: فحياة له وبقاء.
وقيل الريحان: الراحة.
قال أبو العالية لم يفارق أحد من المقربين وهم السابقون الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه ثم يقبض.
قال الحسن يقبض الملك نفس المؤمن في ريحانة.
والفاء في "فروح" "جواب" "إن"، وجواب "أما" هذا قول الأخفش والفراء.
وقال سيبويه لا جواب "لأن" هنا، لأن بعدها فعلاً ماضياً، كما تقول (أكرمك إن جئتني)، "والفاء" جواب "أما".
وقال المبرد جواب "إن" محذوف، لأن بعدها ما يدل عليه، والفاء جواب "أما" وأما معناها: الخروج من شيء إلى شيء، أي: دع ما كنا فيه وخذ بشيء أخر، ولا يلي فعل فعلا، فمعنى أما: مهما يكن (من شيء).
فوجب أن يليها الاسم، وتقديره أن يكون بعد جوابها، فإذا أردت أن تعرف إعراب الاسم الذي يليها فاجعل موضعها، "مهما" وقدر الاسم بعد الفاء.
تقول أما زيداً فضربت، والتقدير: مهما يكن من شيء فضربت زيداً.
* *
وقوله: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: من الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، وقيل من الذين يعطون كتبهم بأيمانهم.
﴿فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: فسلام من عند الله، أي: سلام من ذلك وقيل المعنى: يقال سلام لك إنك من أصحاب اليمين.
قال قتادة: معناه سلموا وسلمت عليهم الملائكة.
وقيل المعنى: لك يا محمد منهم سلام، أي: يسلمون عليك.
وقيل المعنى: فسلام لك أنك من أصحاب اليمين.
وقيل معناه فلست ترى فيهم يا محمد إلا ما تحب من السلامة.
* *
ثم قال: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾. [أي إن كان الميت ممن كذب بآيات الله وضل عن دين الله فنزل من حميم أي: فرزق من حميم].
أي له زرق من حميم قد غلي عليه حتى انتهى حره، فهو شرابه.
﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أي: وحريق النار يحرق بها.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ﴾ أي: أن هذا الذي أخبرتم به أيها الناس من الخير عن المقربين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال وما تصير أمورهم لهو حق اليقين، أي: لهو من الخبر الحق اليقين.
قال قتادة: إن الله جل ذكره ليس تاركاً أحداً من الناس [يوقفه] على اليقين من هذا القرآن، فأما المؤمن فأيقن في الدنيا فينفعه ذلك يوم القيامة وأما الكافر فأيقن في الآخرة حين لا ينفعه ذلك.
(وحق اليقين): محض اليقين، وقيل معناه حق الأمر اليقين، وحق الخبر اليقين مثل "دِينُ الْقَيِّمَةِ" أي: دين الملة القيمة.
وقيل أصل "اليقين" أن يكون نعتاً للحق، ولكن أضيف المنعوت إلى النعت على الاتساع كما قال "وَلَدارُ الآْخِرَةِ" و "وملاة الأولى" و "مسجد الجامع"، وهو عند أكثر الكوفيين من باب إضافة الشيء إلى نفسه.
* *
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ [أي] فنزه ربك العظيم.
وقيل معناه: فسبح بتسمية ربك العظيم.
الواقعة 56:91
قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ﴾ إلى آخر السورة الآيات.
أي أفرأيتم أيها الناس النار التي تستخرجون من زندكم وتقدحون.
﴿أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ﴾ أي: أنتم أخترعتم شجرتها أم نحن اخترعنا ذلك.
وتورون من أوريت زنادي وناري أوريتها: إذا أوقدتها.
وقال أبو عبيدة وأكثر ما يقولون وريت زنادي، وأهل نجد يقولون وريت زنادي.
(ثم قال) ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ يعني النار التي تذكرون بها نار جهنم فتتعظون وتخافون.
وقال مجاهد: تذكرة تذكر النار الكبرى، وكذا قال قتادة:
وروي عن النبي ﷺ أنه قال أن ناركم (جزء من سبعين جزاء) من نار جهنم قالوا يا نبي الله وإن كانت لكافية، قال قد ضربت بالماء ضربتين ليستمتع بها بنو أدم ويدنو منها
ثم قال: ﴿وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ﴾ قال ابن عباس للمقوين: للمسافرين وقال مجاهد: للمقوين: للمستمتعين بها من الحاضر والمسافر.
وقال ابن زيد للمقوين: للجائعين.
والعرب تقول أقويت منه كذا وكذا: (أكلت منه كذا وكذا)، وأصله من أقوت الدار إذا خلت من أهلها، (ويقال أقوى إذا نزل بالقواء في الأرض الخالية.
وقال ابن زيد المقوي: الذي لا زاد ولا مال معه.
وأقوى عند أهل اللغة على ثلاثة معانٍ، يقال أقوى إذا فني زاده، ومنه أقوت الدار إذا فني أهلها، ويقال أقوى إذا سافر أي: نزل القواء. والقين، ويقال أقوى إذا قوى وقوى أصحابه.
والمتاع: المنفعة.
* *
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: فنزه ربك يا محمد من السوء.
* *
ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ لا زائدة والتقدير أقسم.
وقيل لا رد الكلام، والتقدير ليس الأمر كما يقول الكافر.
ثم استأنف فقال: أقسم بمواقع النجوم، وقيل "لا بمعنى" إلا للتنبيه ومعنى مواقع النجوم، منازل القرآن، لأن القرآن نزل على النبي ﷺ نجوماً متفرقة.
قال ابن عباس نزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة ثم فرق في السنين بعد وتلا ابن عباس ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾، قال نزل متفرقاً.
وقال عكرمة فلا أقسم بمواقع النجوم، قال أنزل الله القرآن نجوماً ثلاث آيات وأربع آيات وخمس آيات، وقال أيضاً نزل جميعاً فوضع بمواقع النجوم، فجعل جبريل ﷺ يأتي بالسورة بعد السورة وإنما نزل جميعاً في ليلة القدر.
وقال مجاهد: بمواقع النجوم هو محكم القرآن.
وقال الحسن بمواقع النجوم بمغاربها، وقاله قتادة.
وعن الحسن أيضاً بمواقع النجوم هو أنكدارها وانتشارها يوم القيامة.
وعن مجاهد أيضاً بمواقع النجوم مطالعها ومساقطها.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ أي: وأن هذا القسم عظيم لو تعلمون ذلك.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ أي: أقسم بمواقع النجوم وهو القرآن أن هذا القرآن لقسم عظيم لو تعلمون ذلك أنه لقرآن كريم، والهاء "في" "إنه" من ذكر القرآن.
* *
ثم قال: ﴿فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾ أي: في كتاب مصون عند الله لا يمسه إلا المطهرون.
قال ابن عباس هو الكتاب الذي في السماء، قاله الضحاك.
قال ابن زيد زعموا أن الشياطين تنزلت به على محمد ﷺ.
فأخبرهم الله أنهم لا يستطيعون على ذلك.
قال ابن عباس: إذا أراد الله أن ينزل كتاباً نسخته السفرة فلا يمسه إلا المطهرون، يعني الملائكة، وهو قول ابن جبير ومجاهد وقتادة والضحاك، فهو خبر وليس بنهي، وقد يجوز أن يكون إخباراً على الإلزام فيكون فيه معنى النهي كما تقول (جعل كذا) وكقوله ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠].
قال المبرد معناه آمنوا بالله.
وقيل هم حملة التوراة والإنجيل، قاله عكرمة.
وقال أبو العالية المطهرون الذين طهروا من الذنوب كالملائكة والرسل قال ابن زيد المطهرون: الملائكة والأنبياء والرسل التي تتنزل به من عند الله المطهرة.
وقال قتادة: معناه لا يمسه عند الله إلا المطهرون، قال وأما عندكم فيمسه المشرك النجس والمنافق الرجس.
وفي حرف ابن مسعود ما يمسه.
وقال مالك بن أنس في قوله عز وجل ﴿لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ﴾ إنما هو بمنزلة قوله: ﴿فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٣-١٦] فهذا من قول مالك يدل على أنه نفي ليس بنهي يراد به الملائكة.
وقال مسلم: لا يمسه إلا طاهراً، وسئل عن آية فقال: سلوني فلست أمسه إنما أقرؤه، وكان قد أحدث ولم يتوضأ.
وفي كتاب عمرو بن حزم: لا يمس القرآن إلا طاهراً، وهو الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم.
وروى مالك أن مصعب بن سعد قال كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص فاحتككت، فقال لعلك مسست ذكرك، فقلت نعم، فقال فقم فتوضأ، فقمت فتوضأت ثم رجعت، وروي أنه قال له فقم فاغسل يديك.
وكان ابن عمر لا يمس المصحف إلا طاهراً.
وقال مالك لا يمس المصحف أحد بعلاقة أو على وسادة إلا وهو طاهر إكراماً للقرآن.
* *
وقوله: ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ أي: هو تنزيل من عند رب العالمين.
* *
ثم قال: ﴿أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ﴾ أي: أفبهذا القرآن الذي أنبأتكم خبره وأنتم تلينون القول للمكذبين به ممالاة منكم لهم على التكذيب والكفر.
قال مجاهد: أنتم مدهنون: أي: أنتم تريدون أن تمايلوهم [فيه] وتركنوا إليهم.
وقال ابن عباس أنتم مدهنون: مكذبون غير مصدقين.
وقال الضحاك يقال أدهن وداهن: إذا نافق.
* *
ثم قال: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: وتجعلون شكر الله على رزقه لكم التكذيب له، وهذا كقول القائل للآخر: جعلت إحساني إليك إساءة منك إلي، بمعنى جعلت شكر إحساني إليك إساءة منك، فالتقدير وتجعلون رزقي إياكم تكذيبكم لرسلي وكتبي.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون قال شكركم، يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا، وبنجم كذا وكذا، وقاله ابن عباس.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: إن الله ليصبح القوم بالنعمة أو يمسيهم بها فيصبح بها قوم كافرين يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا
قال الضحاك في الآية: جعل الله رزقكم في السماء وأنتم تجعلونه في الأنواء.
قال قطرب الرزق هنا: الشكر.
وقيل المعنى: وتجعلون شكر رزقكم ثم حذف مثل، ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
* *
ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ﴾ يعني النفس تبلغ الحلقوم عند خروجها.
﴿وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ أي: من حضره ينظر ولا يغني عنه شيئاً، فهذا خطاب عام والمراد به من حضر الميت.
* *
ثم قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ﴾ أي: ورسلنا أقرب إلى الميت منكم يقبضون روحه ولكن لا تبصرونهم، وهذا كله جواب لمن ادعى أنه يمتنع من الموت ويدفعه.
* *
ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ أي: فهلا أن كنتم غير مجزيين.
﴿تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (أي إن كنتم صادقين) في أنكم تمنعون من الموت، فارجعوا تلك النفس، وامنعوا من خروجها.
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن غير مدينين: غير محاسبين.
قال ابن زيد كانوا يجحدون أن يدانوا بعد الموت.
وقال الفراء: غير مدينين: غير مملوكين.
وقال الحسن غير مدينين: غير مبعوثين يوم القيامة.
وقيل معناه غير مجزيين بأعمالكم.
﴿تَرْجِعُونَهَآ﴾ أي: تردون تلك النفوس إلى الأجساد بعد إذ صارت في الحلاقيم.
﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنكم تمتنعون من الموت والحساب والمجازاة.
وقال الفراء إن كنتم صادقين: إن كنتم غير مملوكين، فالمعنى هل لا ترجعون نفس عزيزكم إن كنتم غير مملوكين ولا مقهورين.
وجواب فلولا في الموضعين جواب واحد على قول الفراء.
وقيل حذف جواب أحدهما لدلالة الآخر عليه.
* *
ثم قال: ﴿فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ﴾ أي: إن كان الميت من المقربين أي: من الذين قربهم الله من جواره ورحمته.
﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ (أي فله) روح وريحان.
والروح: الرحمة، والريحان: الرزق.
وقال مجاهد الروح: الفرح.
وقال الحسن الريحان: ريحانكم هذا.
وقال الربيع بن خيثم فروح وريحان هذا عند الموت، والجنة مخبوءة له إلى أن يبعث.
قال ابن عباس فروح وريحان: فراحة ومستريح من الدنيا.
وقال ابن جبير ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾: راحة ومستراح: وعنه يعني بالريحان المستريح من الدنيا.
وقال الضحاك الروح: المغفرة والرحمة. والريحان: الاستراحة.
وعنه: الروح والاستراحة.
وقال القتبي فروح: أي: في القبر له طيب نسيم.
ومن قرأ بضم الراء فمعناه: فحياة له وبقاء.
وقيل الريحان: الراحة.
قال أبو العالية لم يفارق أحد من المقربين وهم السابقون الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه ثم يقبض.
قال الحسن يقبض الملك نفس المؤمن في ريحانة.
والفاء في "فروح" "جواب" "إن"، وجواب "أما" هذا قول الأخفش والفراء.
وقال سيبويه لا جواب "لأن" هنا، لأن بعدها فعلاً ماضياً، كما تقول (أكرمك إن جئتني)، "والفاء" جواب "أما".
وقال المبرد جواب "إن" محذوف، لأن بعدها ما يدل عليه، والفاء جواب "أما" وأما معناها: الخروج من شيء إلى شيء، أي: دع ما كنا فيه وخذ بشيء أخر، ولا يلي فعل فعلا، فمعنى أما: مهما يكن (من شيء).
فوجب أن يليها الاسم، وتقديره أن يكون بعد جوابها، فإذا أردت أن تعرف إعراب الاسم الذي يليها فاجعل موضعها، "مهما" وقدر الاسم بعد الفاء.
تقول أما زيداً فضربت، والتقدير: مهما يكن من شيء فضربت زيداً.
* *
وقوله: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: من الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، وقيل من الذين يعطون كتبهم بأيمانهم.
﴿فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: فسلام من عند الله، أي: سلام من ذلك وقيل المعنى: يقال سلام لك إنك من أصحاب اليمين.
قال قتادة: معناه سلموا وسلمت عليهم الملائكة.
وقيل المعنى: لك يا محمد منهم سلام، أي: يسلمون عليك.
وقيل المعنى: فسلام لك أنك من أصحاب اليمين.
وقيل معناه فلست ترى فيهم يا محمد إلا ما تحب من السلامة.
* *
ثم قال: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾. [أي إن كان الميت ممن كذب بآيات الله وضل عن دين الله فنزل من حميم أي: فرزق من حميم].
أي له زرق من حميم قد غلي عليه حتى انتهى حره، فهو شرابه.
﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أي: وحريق النار يحرق بها.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ﴾ أي: أن هذا الذي أخبرتم به أيها الناس من الخير عن المقربين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال وما تصير أمورهم لهو حق اليقين، أي: لهو من الخبر الحق اليقين.
قال قتادة: إن الله جل ذكره ليس تاركاً أحداً من الناس [يوقفه] على اليقين من هذا القرآن، فأما المؤمن فأيقن في الدنيا فينفعه ذلك يوم القيامة وأما الكافر فأيقن في الآخرة حين لا ينفعه ذلك.
(وحق اليقين): محض اليقين، وقيل معناه حق الأمر اليقين، وحق الخبر اليقين مثل "دِينُ الْقَيِّمَةِ" أي: دين الملة القيمة.
وقيل أصل "اليقين" أن يكون نعتاً للحق، ولكن أضيف المنعوت إلى النعت على الاتساع كما قال "وَلَدارُ الآْخِرَةِ" و "وملاة الأولى" و "مسجد الجامع"، وهو عند أكثر الكوفيين من باب إضافة الشيء إلى نفسه.
* *
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ [أي] فنزه ربك العظيم.
وقيل معناه: فسبح بتسمية ربك العظيم.
الواقعة 56:92
قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ﴾ إلى آخر السورة الآيات.
أي أفرأيتم أيها الناس النار التي تستخرجون من زندكم وتقدحون.
﴿أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ﴾ أي: أنتم أخترعتم شجرتها أم نحن اخترعنا ذلك.
وتورون من أوريت زنادي وناري أوريتها: إذا أوقدتها.
وقال أبو عبيدة وأكثر ما يقولون وريت زنادي، وأهل نجد يقولون وريت زنادي.
(ثم قال) ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ يعني النار التي تذكرون بها نار جهنم فتتعظون وتخافون.
وقال مجاهد: تذكرة تذكر النار الكبرى، وكذا قال قتادة:
وروي عن النبي ﷺ أنه قال أن ناركم (جزء من سبعين جزاء) من نار جهنم قالوا يا نبي الله وإن كانت لكافية، قال قد ضربت بالماء ضربتين ليستمتع بها بنو أدم ويدنو منها
ثم قال: ﴿وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ﴾ قال ابن عباس للمقوين: للمسافرين وقال مجاهد: للمقوين: للمستمتعين بها من الحاضر والمسافر.
وقال ابن زيد للمقوين: للجائعين.
والعرب تقول أقويت منه كذا وكذا: (أكلت منه كذا وكذا)، وأصله من أقوت الدار إذا خلت من أهلها، (ويقال أقوى إذا نزل بالقواء في الأرض الخالية.
وقال ابن زيد المقوي: الذي لا زاد ولا مال معه.
وأقوى عند أهل اللغة على ثلاثة معانٍ، يقال أقوى إذا فني زاده، ومنه أقوت الدار إذا فني أهلها، ويقال أقوى إذا سافر أي: نزل القواء. والقين، ويقال أقوى إذا قوى وقوى أصحابه.
والمتاع: المنفعة.
* *
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: فنزه ربك يا محمد من السوء.
* *
ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ لا زائدة والتقدير أقسم.
وقيل لا رد الكلام، والتقدير ليس الأمر كما يقول الكافر.
ثم استأنف فقال: أقسم بمواقع النجوم، وقيل "لا بمعنى" إلا للتنبيه ومعنى مواقع النجوم، منازل القرآن، لأن القرآن نزل على النبي ﷺ نجوماً متفرقة.
قال ابن عباس نزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة ثم فرق في السنين بعد وتلا ابن عباس ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾، قال نزل متفرقاً.
وقال عكرمة فلا أقسم بمواقع النجوم، قال أنزل الله القرآن نجوماً ثلاث آيات وأربع آيات وخمس آيات، وقال أيضاً نزل جميعاً فوضع بمواقع النجوم، فجعل جبريل ﷺ يأتي بالسورة بعد السورة وإنما نزل جميعاً في ليلة القدر.
وقال مجاهد: بمواقع النجوم هو محكم القرآن.
وقال الحسن بمواقع النجوم بمغاربها، وقاله قتادة.
وعن الحسن أيضاً بمواقع النجوم هو أنكدارها وانتشارها يوم القيامة.
وعن مجاهد أيضاً بمواقع النجوم مطالعها ومساقطها.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ أي: وأن هذا القسم عظيم لو تعلمون ذلك.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ أي: أقسم بمواقع النجوم وهو القرآن أن هذا القرآن لقسم عظيم لو تعلمون ذلك أنه لقرآن كريم، والهاء "في" "إنه" من ذكر القرآن.
* *
ثم قال: ﴿فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾ أي: في كتاب مصون عند الله لا يمسه إلا المطهرون.
قال ابن عباس هو الكتاب الذي في السماء، قاله الضحاك.
قال ابن زيد زعموا أن الشياطين تنزلت به على محمد ﷺ.
فأخبرهم الله أنهم لا يستطيعون على ذلك.
قال ابن عباس: إذا أراد الله أن ينزل كتاباً نسخته السفرة فلا يمسه إلا المطهرون، يعني الملائكة، وهو قول ابن جبير ومجاهد وقتادة والضحاك، فهو خبر وليس بنهي، وقد يجوز أن يكون إخباراً على الإلزام فيكون فيه معنى النهي كما تقول (جعل كذا) وكقوله ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠].
قال المبرد معناه آمنوا بالله.
وقيل هم حملة التوراة والإنجيل، قاله عكرمة.
وقال أبو العالية المطهرون الذين طهروا من الذنوب كالملائكة والرسل قال ابن زيد المطهرون: الملائكة والأنبياء والرسل التي تتنزل به من عند الله المطهرة.
وقال قتادة: معناه لا يمسه عند الله إلا المطهرون، قال وأما عندكم فيمسه المشرك النجس والمنافق الرجس.
وفي حرف ابن مسعود ما يمسه.
وقال مالك بن أنس في قوله عز وجل ﴿لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ﴾ إنما هو بمنزلة قوله: ﴿فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٣-١٦] فهذا من قول مالك يدل على أنه نفي ليس بنهي يراد به الملائكة.
وقال مسلم: لا يمسه إلا طاهراً، وسئل عن آية فقال: سلوني فلست أمسه إنما أقرؤه، وكان قد أحدث ولم يتوضأ.
وفي كتاب عمرو بن حزم: لا يمس القرآن إلا طاهراً، وهو الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم.
وروى مالك أن مصعب بن سعد قال كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص فاحتككت، فقال لعلك مسست ذكرك، فقلت نعم، فقال فقم فتوضأ، فقمت فتوضأت ثم رجعت، وروي أنه قال له فقم فاغسل يديك.
وكان ابن عمر لا يمس المصحف إلا طاهراً.
وقال مالك لا يمس المصحف أحد بعلاقة أو على وسادة إلا وهو طاهر إكراماً للقرآن.
* *
وقوله: ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ أي: هو تنزيل من عند رب العالمين.
* *
ثم قال: ﴿أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ﴾ أي: أفبهذا القرآن الذي أنبأتكم خبره وأنتم تلينون القول للمكذبين به ممالاة منكم لهم على التكذيب والكفر.
قال مجاهد: أنتم مدهنون: أي: أنتم تريدون أن تمايلوهم [فيه] وتركنوا إليهم.
وقال ابن عباس أنتم مدهنون: مكذبون غير مصدقين.
وقال الضحاك يقال أدهن وداهن: إذا نافق.
* *
ثم قال: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: وتجعلون شكر الله على رزقه لكم التكذيب له، وهذا كقول القائل للآخر: جعلت إحساني إليك إساءة منك إلي، بمعنى جعلت شكر إحساني إليك إساءة منك، فالتقدير وتجعلون رزقي إياكم تكذيبكم لرسلي وكتبي.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون قال شكركم، يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا، وبنجم كذا وكذا، وقاله ابن عباس.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: إن الله ليصبح القوم بالنعمة أو يمسيهم بها فيصبح بها قوم كافرين يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا
قال الضحاك في الآية: جعل الله رزقكم في السماء وأنتم تجعلونه في الأنواء.
قال قطرب الرزق هنا: الشكر.
وقيل المعنى: وتجعلون شكر رزقكم ثم حذف مثل، ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
* *
ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ﴾ يعني النفس تبلغ الحلقوم عند خروجها.
﴿وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ أي: من حضره ينظر ولا يغني عنه شيئاً، فهذا خطاب عام والمراد به من حضر الميت.
* *
ثم قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ﴾ أي: ورسلنا أقرب إلى الميت منكم يقبضون روحه ولكن لا تبصرونهم، وهذا كله جواب لمن ادعى أنه يمتنع من الموت ويدفعه.
* *
ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ أي: فهلا أن كنتم غير مجزيين.
﴿تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (أي إن كنتم صادقين) في أنكم تمنعون من الموت، فارجعوا تلك النفس، وامنعوا من خروجها.
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن غير مدينين: غير محاسبين.
قال ابن زيد كانوا يجحدون أن يدانوا بعد الموت.
وقال الفراء: غير مدينين: غير مملوكين.
وقال الحسن غير مدينين: غير مبعوثين يوم القيامة.
وقيل معناه غير مجزيين بأعمالكم.
﴿تَرْجِعُونَهَآ﴾ أي: تردون تلك النفوس إلى الأجساد بعد إذ صارت في الحلاقيم.
﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنكم تمتنعون من الموت والحساب والمجازاة.
وقال الفراء إن كنتم صادقين: إن كنتم غير مملوكين، فالمعنى هل لا ترجعون نفس عزيزكم إن كنتم غير مملوكين ولا مقهورين.
وجواب فلولا في الموضعين جواب واحد على قول الفراء.
وقيل حذف جواب أحدهما لدلالة الآخر عليه.
* *
ثم قال: ﴿فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ﴾ أي: إن كان الميت من المقربين أي: من الذين قربهم الله من جواره ورحمته.
﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ (أي فله) روح وريحان.
والروح: الرحمة، والريحان: الرزق.
وقال مجاهد الروح: الفرح.
وقال الحسن الريحان: ريحانكم هذا.
وقال الربيع بن خيثم فروح وريحان هذا عند الموت، والجنة مخبوءة له إلى أن يبعث.
قال ابن عباس فروح وريحان: فراحة ومستريح من الدنيا.
وقال ابن جبير ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾: راحة ومستراح: وعنه يعني بالريحان المستريح من الدنيا.
وقال الضحاك الروح: المغفرة والرحمة. والريحان: الاستراحة.
وعنه: الروح والاستراحة.
وقال القتبي فروح: أي: في القبر له طيب نسيم.
ومن قرأ بضم الراء فمعناه: فحياة له وبقاء.
وقيل الريحان: الراحة.
قال أبو العالية لم يفارق أحد من المقربين وهم السابقون الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه ثم يقبض.
قال الحسن يقبض الملك نفس المؤمن في ريحانة.
والفاء في "فروح" "جواب" "إن"، وجواب "أما" هذا قول الأخفش والفراء.
وقال سيبويه لا جواب "لأن" هنا، لأن بعدها فعلاً ماضياً، كما تقول (أكرمك إن جئتني)، "والفاء" جواب "أما".
وقال المبرد جواب "إن" محذوف، لأن بعدها ما يدل عليه، والفاء جواب "أما" وأما معناها: الخروج من شيء إلى شيء، أي: دع ما كنا فيه وخذ بشيء أخر، ولا يلي فعل فعلا، فمعنى أما: مهما يكن (من شيء).
فوجب أن يليها الاسم، وتقديره أن يكون بعد جوابها، فإذا أردت أن تعرف إعراب الاسم الذي يليها فاجعل موضعها، "مهما" وقدر الاسم بعد الفاء.
تقول أما زيداً فضربت، والتقدير: مهما يكن من شيء فضربت زيداً.
* *
وقوله: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: من الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، وقيل من الذين يعطون كتبهم بأيمانهم.
﴿فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: فسلام من عند الله، أي: سلام من ذلك وقيل المعنى: يقال سلام لك إنك من أصحاب اليمين.
قال قتادة: معناه سلموا وسلمت عليهم الملائكة.
وقيل المعنى: لك يا محمد منهم سلام، أي: يسلمون عليك.
وقيل المعنى: فسلام لك أنك من أصحاب اليمين.
وقيل معناه فلست ترى فيهم يا محمد إلا ما تحب من السلامة.
* *
ثم قال: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾. [أي إن كان الميت ممن كذب بآيات الله وضل عن دين الله فنزل من حميم أي: فرزق من حميم].
أي له زرق من حميم قد غلي عليه حتى انتهى حره، فهو شرابه.
﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أي: وحريق النار يحرق بها.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ﴾ أي: أن هذا الذي أخبرتم به أيها الناس من الخير عن المقربين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال وما تصير أمورهم لهو حق اليقين، أي: لهو من الخبر الحق اليقين.
قال قتادة: إن الله جل ذكره ليس تاركاً أحداً من الناس [يوقفه] على اليقين من هذا القرآن، فأما المؤمن فأيقن في الدنيا فينفعه ذلك يوم القيامة وأما الكافر فأيقن في الآخرة حين لا ينفعه ذلك.
(وحق اليقين): محض اليقين، وقيل معناه حق الأمر اليقين، وحق الخبر اليقين مثل "دِينُ الْقَيِّمَةِ" أي: دين الملة القيمة.
وقيل أصل "اليقين" أن يكون نعتاً للحق، ولكن أضيف المنعوت إلى النعت على الاتساع كما قال "وَلَدارُ الآْخِرَةِ" و "وملاة الأولى" و "مسجد الجامع"، وهو عند أكثر الكوفيين من باب إضافة الشيء إلى نفسه.
* *
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ [أي] فنزه ربك العظيم.
وقيل معناه: فسبح بتسمية ربك العظيم.
الواقعة 56:93
قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ﴾ إلى آخر السورة الآيات.
أي أفرأيتم أيها الناس النار التي تستخرجون من زندكم وتقدحون.
﴿أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ﴾ أي: أنتم أخترعتم شجرتها أم نحن اخترعنا ذلك.
وتورون من أوريت زنادي وناري أوريتها: إذا أوقدتها.
وقال أبو عبيدة وأكثر ما يقولون وريت زنادي، وأهل نجد يقولون وريت زنادي.
(ثم قال) ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ يعني النار التي تذكرون بها نار جهنم فتتعظون وتخافون.
وقال مجاهد: تذكرة تذكر النار الكبرى، وكذا قال قتادة:
وروي عن النبي ﷺ أنه قال أن ناركم (جزء من سبعين جزاء) من نار جهنم قالوا يا نبي الله وإن كانت لكافية، قال قد ضربت بالماء ضربتين ليستمتع بها بنو أدم ويدنو منها
ثم قال: ﴿وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ﴾ قال ابن عباس للمقوين: للمسافرين وقال مجاهد: للمقوين: للمستمتعين بها من الحاضر والمسافر.
وقال ابن زيد للمقوين: للجائعين.
والعرب تقول أقويت منه كذا وكذا: (أكلت منه كذا وكذا)، وأصله من أقوت الدار إذا خلت من أهلها، (ويقال أقوى إذا نزل بالقواء في الأرض الخالية.
وقال ابن زيد المقوي: الذي لا زاد ولا مال معه.
وأقوى عند أهل اللغة على ثلاثة معانٍ، يقال أقوى إذا فني زاده، ومنه أقوت الدار إذا فني أهلها، ويقال أقوى إذا سافر أي: نزل القواء. والقين، ويقال أقوى إذا قوى وقوى أصحابه.
والمتاع: المنفعة.
* *
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: فنزه ربك يا محمد من السوء.
* *
ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ لا زائدة والتقدير أقسم.
وقيل لا رد الكلام، والتقدير ليس الأمر كما يقول الكافر.
ثم استأنف فقال: أقسم بمواقع النجوم، وقيل "لا بمعنى" إلا للتنبيه ومعنى مواقع النجوم، منازل القرآن، لأن القرآن نزل على النبي ﷺ نجوماً متفرقة.
قال ابن عباس نزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة ثم فرق في السنين بعد وتلا ابن عباس ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾، قال نزل متفرقاً.
وقال عكرمة فلا أقسم بمواقع النجوم، قال أنزل الله القرآن نجوماً ثلاث آيات وأربع آيات وخمس آيات، وقال أيضاً نزل جميعاً فوضع بمواقع النجوم، فجعل جبريل ﷺ يأتي بالسورة بعد السورة وإنما نزل جميعاً في ليلة القدر.
وقال مجاهد: بمواقع النجوم هو محكم القرآن.
وقال الحسن بمواقع النجوم بمغاربها، وقاله قتادة.
وعن الحسن أيضاً بمواقع النجوم هو أنكدارها وانتشارها يوم القيامة.
وعن مجاهد أيضاً بمواقع النجوم مطالعها ومساقطها.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ أي: وأن هذا القسم عظيم لو تعلمون ذلك.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ أي: أقسم بمواقع النجوم وهو القرآن أن هذا القرآن لقسم عظيم لو تعلمون ذلك أنه لقرآن كريم، والهاء "في" "إنه" من ذكر القرآن.
* *
ثم قال: ﴿فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾ أي: في كتاب مصون عند الله لا يمسه إلا المطهرون.
قال ابن عباس هو الكتاب الذي في السماء، قاله الضحاك.
قال ابن زيد زعموا أن الشياطين تنزلت به على محمد ﷺ.
فأخبرهم الله أنهم لا يستطيعون على ذلك.
قال ابن عباس: إذا أراد الله أن ينزل كتاباً نسخته السفرة فلا يمسه إلا المطهرون، يعني الملائكة، وهو قول ابن جبير ومجاهد وقتادة والضحاك، فهو خبر وليس بنهي، وقد يجوز أن يكون إخباراً على الإلزام فيكون فيه معنى النهي كما تقول (جعل كذا) وكقوله ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠].
قال المبرد معناه آمنوا بالله.
وقيل هم حملة التوراة والإنجيل، قاله عكرمة.
وقال أبو العالية المطهرون الذين طهروا من الذنوب كالملائكة والرسل قال ابن زيد المطهرون: الملائكة والأنبياء والرسل التي تتنزل به من عند الله المطهرة.
وقال قتادة: معناه لا يمسه عند الله إلا المطهرون، قال وأما عندكم فيمسه المشرك النجس والمنافق الرجس.
وفي حرف ابن مسعود ما يمسه.
وقال مالك بن أنس في قوله عز وجل ﴿لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ﴾ إنما هو بمنزلة قوله: ﴿فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٣-١٦] فهذا من قول مالك يدل على أنه نفي ليس بنهي يراد به الملائكة.
وقال مسلم: لا يمسه إلا طاهراً، وسئل عن آية فقال: سلوني فلست أمسه إنما أقرؤه، وكان قد أحدث ولم يتوضأ.
وفي كتاب عمرو بن حزم: لا يمس القرآن إلا طاهراً، وهو الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم.
وروى مالك أن مصعب بن سعد قال كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص فاحتككت، فقال لعلك مسست ذكرك، فقلت نعم، فقال فقم فتوضأ، فقمت فتوضأت ثم رجعت، وروي أنه قال له فقم فاغسل يديك.
وكان ابن عمر لا يمس المصحف إلا طاهراً.
وقال مالك لا يمس المصحف أحد بعلاقة أو على وسادة إلا وهو طاهر إكراماً للقرآن.
* *
وقوله: ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ أي: هو تنزيل من عند رب العالمين.
* *
ثم قال: ﴿أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ﴾ أي: أفبهذا القرآن الذي أنبأتكم خبره وأنتم تلينون القول للمكذبين به ممالاة منكم لهم على التكذيب والكفر.
قال مجاهد: أنتم مدهنون: أي: أنتم تريدون أن تمايلوهم [فيه] وتركنوا إليهم.
وقال ابن عباس أنتم مدهنون: مكذبون غير مصدقين.
وقال الضحاك يقال أدهن وداهن: إذا نافق.
* *
ثم قال: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: وتجعلون شكر الله على رزقه لكم التكذيب له، وهذا كقول القائل للآخر: جعلت إحساني إليك إساءة منك إلي، بمعنى جعلت شكر إحساني إليك إساءة منك، فالتقدير وتجعلون رزقي إياكم تكذيبكم لرسلي وكتبي.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون قال شكركم، يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا، وبنجم كذا وكذا، وقاله ابن عباس.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: إن الله ليصبح القوم بالنعمة أو يمسيهم بها فيصبح بها قوم كافرين يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا
قال الضحاك في الآية: جعل الله رزقكم في السماء وأنتم تجعلونه في الأنواء.
قال قطرب الرزق هنا: الشكر.
وقيل المعنى: وتجعلون شكر رزقكم ثم حذف مثل، ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
* *
ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ﴾ يعني النفس تبلغ الحلقوم عند خروجها.
﴿وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ أي: من حضره ينظر ولا يغني عنه شيئاً، فهذا خطاب عام والمراد به من حضر الميت.
* *
ثم قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ﴾ أي: ورسلنا أقرب إلى الميت منكم يقبضون روحه ولكن لا تبصرونهم، وهذا كله جواب لمن ادعى أنه يمتنع من الموت ويدفعه.
* *
ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ أي: فهلا أن كنتم غير مجزيين.
﴿تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (أي إن كنتم صادقين) في أنكم تمنعون من الموت، فارجعوا تلك النفس، وامنعوا من خروجها.
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن غير مدينين: غير محاسبين.
قال ابن زيد كانوا يجحدون أن يدانوا بعد الموت.
وقال الفراء: غير مدينين: غير مملوكين.
وقال الحسن غير مدينين: غير مبعوثين يوم القيامة.
وقيل معناه غير مجزيين بأعمالكم.
﴿تَرْجِعُونَهَآ﴾ أي: تردون تلك النفوس إلى الأجساد بعد إذ صارت في الحلاقيم.
﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنكم تمتنعون من الموت والحساب والمجازاة.
وقال الفراء إن كنتم صادقين: إن كنتم غير مملوكين، فالمعنى هل لا ترجعون نفس عزيزكم إن كنتم غير مملوكين ولا مقهورين.
وجواب فلولا في الموضعين جواب واحد على قول الفراء.
وقيل حذف جواب أحدهما لدلالة الآخر عليه.
* *
ثم قال: ﴿فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ﴾ أي: إن كان الميت من المقربين أي: من الذين قربهم الله من جواره ورحمته.
﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ (أي فله) روح وريحان.
والروح: الرحمة، والريحان: الرزق.
وقال مجاهد الروح: الفرح.
وقال الحسن الريحان: ريحانكم هذا.
وقال الربيع بن خيثم فروح وريحان هذا عند الموت، والجنة مخبوءة له إلى أن يبعث.
قال ابن عباس فروح وريحان: فراحة ومستريح من الدنيا.
وقال ابن جبير ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾: راحة ومستراح: وعنه يعني بالريحان المستريح من الدنيا.
وقال الضحاك الروح: المغفرة والرحمة. والريحان: الاستراحة.
وعنه: الروح والاستراحة.
وقال القتبي فروح: أي: في القبر له طيب نسيم.
ومن قرأ بضم الراء فمعناه: فحياة له وبقاء.
وقيل الريحان: الراحة.
قال أبو العالية لم يفارق أحد من المقربين وهم السابقون الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه ثم يقبض.
قال الحسن يقبض الملك نفس المؤمن في ريحانة.
والفاء في "فروح" "جواب" "إن"، وجواب "أما" هذا قول الأخفش والفراء.
وقال سيبويه لا جواب "لأن" هنا، لأن بعدها فعلاً ماضياً، كما تقول (أكرمك إن جئتني)، "والفاء" جواب "أما".
وقال المبرد جواب "إن" محذوف، لأن بعدها ما يدل عليه، والفاء جواب "أما" وأما معناها: الخروج من شيء إلى شيء، أي: دع ما كنا فيه وخذ بشيء أخر، ولا يلي فعل فعلا، فمعنى أما: مهما يكن (من شيء).
فوجب أن يليها الاسم، وتقديره أن يكون بعد جوابها، فإذا أردت أن تعرف إعراب الاسم الذي يليها فاجعل موضعها، "مهما" وقدر الاسم بعد الفاء.
تقول أما زيداً فضربت، والتقدير: مهما يكن من شيء فضربت زيداً.
* *
وقوله: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: من الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، وقيل من الذين يعطون كتبهم بأيمانهم.
﴿فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: فسلام من عند الله، أي: سلام من ذلك وقيل المعنى: يقال سلام لك إنك من أصحاب اليمين.
قال قتادة: معناه سلموا وسلمت عليهم الملائكة.
وقيل المعنى: لك يا محمد منهم سلام، أي: يسلمون عليك.
وقيل المعنى: فسلام لك أنك من أصحاب اليمين.
وقيل معناه فلست ترى فيهم يا محمد إلا ما تحب من السلامة.
* *
ثم قال: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾. [أي إن كان الميت ممن كذب بآيات الله وضل عن دين الله فنزل من حميم أي: فرزق من حميم].
أي له زرق من حميم قد غلي عليه حتى انتهى حره، فهو شرابه.
﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أي: وحريق النار يحرق بها.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ﴾ أي: أن هذا الذي أخبرتم به أيها الناس من الخير عن المقربين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال وما تصير أمورهم لهو حق اليقين، أي: لهو من الخبر الحق اليقين.
قال قتادة: إن الله جل ذكره ليس تاركاً أحداً من الناس [يوقفه] على اليقين من هذا القرآن، فأما المؤمن فأيقن في الدنيا فينفعه ذلك يوم القيامة وأما الكافر فأيقن في الآخرة حين لا ينفعه ذلك.
(وحق اليقين): محض اليقين، وقيل معناه حق الأمر اليقين، وحق الخبر اليقين مثل "دِينُ الْقَيِّمَةِ" أي: دين الملة القيمة.
وقيل أصل "اليقين" أن يكون نعتاً للحق، ولكن أضيف المنعوت إلى النعت على الاتساع كما قال "وَلَدارُ الآْخِرَةِ" و "وملاة الأولى" و "مسجد الجامع"، وهو عند أكثر الكوفيين من باب إضافة الشيء إلى نفسه.
* *
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ [أي] فنزه ربك العظيم.
وقيل معناه: فسبح بتسمية ربك العظيم.
الواقعة 56:94
قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ﴾ إلى آخر السورة الآيات.
أي أفرأيتم أيها الناس النار التي تستخرجون من زندكم وتقدحون.
﴿أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ﴾ أي: أنتم أخترعتم شجرتها أم نحن اخترعنا ذلك.
وتورون من أوريت زنادي وناري أوريتها: إذا أوقدتها.
وقال أبو عبيدة وأكثر ما يقولون وريت زنادي، وأهل نجد يقولون وريت زنادي.
(ثم قال) ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ يعني النار التي تذكرون بها نار جهنم فتتعظون وتخافون.
وقال مجاهد: تذكرة تذكر النار الكبرى، وكذا قال قتادة:
وروي عن النبي ﷺ أنه قال أن ناركم (جزء من سبعين جزاء) من نار جهنم قالوا يا نبي الله وإن كانت لكافية، قال قد ضربت بالماء ضربتين ليستمتع بها بنو أدم ويدنو منها
ثم قال: ﴿وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ﴾ قال ابن عباس للمقوين: للمسافرين وقال مجاهد: للمقوين: للمستمتعين بها من الحاضر والمسافر.
وقال ابن زيد للمقوين: للجائعين.
والعرب تقول أقويت منه كذا وكذا: (أكلت منه كذا وكذا)، وأصله من أقوت الدار إذا خلت من أهلها، (ويقال أقوى إذا نزل بالقواء في الأرض الخالية.
وقال ابن زيد المقوي: الذي لا زاد ولا مال معه.
وأقوى عند أهل اللغة على ثلاثة معانٍ، يقال أقوى إذا فني زاده، ومنه أقوت الدار إذا فني أهلها، ويقال أقوى إذا سافر أي: نزل القواء. والقين، ويقال أقوى إذا قوى وقوى أصحابه.
والمتاع: المنفعة.
* *
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: فنزه ربك يا محمد من السوء.
* *
ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ لا زائدة والتقدير أقسم.
وقيل لا رد الكلام، والتقدير ليس الأمر كما يقول الكافر.
ثم استأنف فقال: أقسم بمواقع النجوم، وقيل "لا بمعنى" إلا للتنبيه ومعنى مواقع النجوم، منازل القرآن، لأن القرآن نزل على النبي ﷺ نجوماً متفرقة.
قال ابن عباس نزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة ثم فرق في السنين بعد وتلا ابن عباس ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾، قال نزل متفرقاً.
وقال عكرمة فلا أقسم بمواقع النجوم، قال أنزل الله القرآن نجوماً ثلاث آيات وأربع آيات وخمس آيات، وقال أيضاً نزل جميعاً فوضع بمواقع النجوم، فجعل جبريل ﷺ يأتي بالسورة بعد السورة وإنما نزل جميعاً في ليلة القدر.
وقال مجاهد: بمواقع النجوم هو محكم القرآن.
وقال الحسن بمواقع النجوم بمغاربها، وقاله قتادة.
وعن الحسن أيضاً بمواقع النجوم هو أنكدارها وانتشارها يوم القيامة.
وعن مجاهد أيضاً بمواقع النجوم مطالعها ومساقطها.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ أي: وأن هذا القسم عظيم لو تعلمون ذلك.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ أي: أقسم بمواقع النجوم وهو القرآن أن هذا القرآن لقسم عظيم لو تعلمون ذلك أنه لقرآن كريم، والهاء "في" "إنه" من ذكر القرآن.
* *
ثم قال: ﴿فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾ أي: في كتاب مصون عند الله لا يمسه إلا المطهرون.
قال ابن عباس هو الكتاب الذي في السماء، قاله الضحاك.
قال ابن زيد زعموا أن الشياطين تنزلت به على محمد ﷺ.
فأخبرهم الله أنهم لا يستطيعون على ذلك.
قال ابن عباس: إذا أراد الله أن ينزل كتاباً نسخته السفرة فلا يمسه إلا المطهرون، يعني الملائكة، وهو قول ابن جبير ومجاهد وقتادة والضحاك، فهو خبر وليس بنهي، وقد يجوز أن يكون إخباراً على الإلزام فيكون فيه معنى النهي كما تقول (جعل كذا) وكقوله ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠].
قال المبرد معناه آمنوا بالله.
وقيل هم حملة التوراة والإنجيل، قاله عكرمة.
وقال أبو العالية المطهرون الذين طهروا من الذنوب كالملائكة والرسل قال ابن زيد المطهرون: الملائكة والأنبياء والرسل التي تتنزل به من عند الله المطهرة.
وقال قتادة: معناه لا يمسه عند الله إلا المطهرون، قال وأما عندكم فيمسه المشرك النجس والمنافق الرجس.
وفي حرف ابن مسعود ما يمسه.
وقال مالك بن أنس في قوله عز وجل ﴿لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ﴾ إنما هو بمنزلة قوله: ﴿فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٣-١٦] فهذا من قول مالك يدل على أنه نفي ليس بنهي يراد به الملائكة.
وقال مسلم: لا يمسه إلا طاهراً، وسئل عن آية فقال: سلوني فلست أمسه إنما أقرؤه، وكان قد أحدث ولم يتوضأ.
وفي كتاب عمرو بن حزم: لا يمس القرآن إلا طاهراً، وهو الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم.
وروى مالك أن مصعب بن سعد قال كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص فاحتككت، فقال لعلك مسست ذكرك، فقلت نعم، فقال فقم فتوضأ، فقمت فتوضأت ثم رجعت، وروي أنه قال له فقم فاغسل يديك.
وكان ابن عمر لا يمس المصحف إلا طاهراً.
وقال مالك لا يمس المصحف أحد بعلاقة أو على وسادة إلا وهو طاهر إكراماً للقرآن.
* *
وقوله: ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ أي: هو تنزيل من عند رب العالمين.
* *
ثم قال: ﴿أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ﴾ أي: أفبهذا القرآن الذي أنبأتكم خبره وأنتم تلينون القول للمكذبين به ممالاة منكم لهم على التكذيب والكفر.
قال مجاهد: أنتم مدهنون: أي: أنتم تريدون أن تمايلوهم [فيه] وتركنوا إليهم.
وقال ابن عباس أنتم مدهنون: مكذبون غير مصدقين.
وقال الضحاك يقال أدهن وداهن: إذا نافق.
* *
ثم قال: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: وتجعلون شكر الله على رزقه لكم التكذيب له، وهذا كقول القائل للآخر: جعلت إحساني إليك إساءة منك إلي، بمعنى جعلت شكر إحساني إليك إساءة منك، فالتقدير وتجعلون رزقي إياكم تكذيبكم لرسلي وكتبي.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون قال شكركم، يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا، وبنجم كذا وكذا، وقاله ابن عباس.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: إن الله ليصبح القوم بالنعمة أو يمسيهم بها فيصبح بها قوم كافرين يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا
قال الضحاك في الآية: جعل الله رزقكم في السماء وأنتم تجعلونه في الأنواء.
قال قطرب الرزق هنا: الشكر.
وقيل المعنى: وتجعلون شكر رزقكم ثم حذف مثل، ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
* *
ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ﴾ يعني النفس تبلغ الحلقوم عند خروجها.
﴿وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ أي: من حضره ينظر ولا يغني عنه شيئاً، فهذا خطاب عام والمراد به من حضر الميت.
* *
ثم قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ﴾ أي: ورسلنا أقرب إلى الميت منكم يقبضون روحه ولكن لا تبصرونهم، وهذا كله جواب لمن ادعى أنه يمتنع من الموت ويدفعه.
* *
ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ أي: فهلا أن كنتم غير مجزيين.
﴿تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (أي إن كنتم صادقين) في أنكم تمنعون من الموت، فارجعوا تلك النفس، وامنعوا من خروجها.
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن غير مدينين: غير محاسبين.
قال ابن زيد كانوا يجحدون أن يدانوا بعد الموت.
وقال الفراء: غير مدينين: غير مملوكين.
وقال الحسن غير مدينين: غير مبعوثين يوم القيامة.
وقيل معناه غير مجزيين بأعمالكم.
﴿تَرْجِعُونَهَآ﴾ أي: تردون تلك النفوس إلى الأجساد بعد إذ صارت في الحلاقيم.
﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنكم تمتنعون من الموت والحساب والمجازاة.
وقال الفراء إن كنتم صادقين: إن كنتم غير مملوكين، فالمعنى هل لا ترجعون نفس عزيزكم إن كنتم غير مملوكين ولا مقهورين.
وجواب فلولا في الموضعين جواب واحد على قول الفراء.
وقيل حذف جواب أحدهما لدلالة الآخر عليه.
* *
ثم قال: ﴿فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ﴾ أي: إن كان الميت من المقربين أي: من الذين قربهم الله من جواره ورحمته.
﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ (أي فله) روح وريحان.
والروح: الرحمة، والريحان: الرزق.
وقال مجاهد الروح: الفرح.
وقال الحسن الريحان: ريحانكم هذا.
وقال الربيع بن خيثم فروح وريحان هذا عند الموت، والجنة مخبوءة له إلى أن يبعث.
قال ابن عباس فروح وريحان: فراحة ومستريح من الدنيا.
وقال ابن جبير ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾: راحة ومستراح: وعنه يعني بالريحان المستريح من الدنيا.
وقال الضحاك الروح: المغفرة والرحمة. والريحان: الاستراحة.
وعنه: الروح والاستراحة.
وقال القتبي فروح: أي: في القبر له طيب نسيم.
ومن قرأ بضم الراء فمعناه: فحياة له وبقاء.
وقيل الريحان: الراحة.
قال أبو العالية لم يفارق أحد من المقربين وهم السابقون الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه ثم يقبض.
قال الحسن يقبض الملك نفس المؤمن في ريحانة.
والفاء في "فروح" "جواب" "إن"، وجواب "أما" هذا قول الأخفش والفراء.
وقال سيبويه لا جواب "لأن" هنا، لأن بعدها فعلاً ماضياً، كما تقول (أكرمك إن جئتني)، "والفاء" جواب "أما".
وقال المبرد جواب "إن" محذوف، لأن بعدها ما يدل عليه، والفاء جواب "أما" وأما معناها: الخروج من شيء إلى شيء، أي: دع ما كنا فيه وخذ بشيء أخر، ولا يلي فعل فعلا، فمعنى أما: مهما يكن (من شيء).
فوجب أن يليها الاسم، وتقديره أن يكون بعد جوابها، فإذا أردت أن تعرف إعراب الاسم الذي يليها فاجعل موضعها، "مهما" وقدر الاسم بعد الفاء.
تقول أما زيداً فضربت، والتقدير: مهما يكن من شيء فضربت زيداً.
* *
وقوله: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: من الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، وقيل من الذين يعطون كتبهم بأيمانهم.
﴿فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: فسلام من عند الله، أي: سلام من ذلك وقيل المعنى: يقال سلام لك إنك من أصحاب اليمين.
قال قتادة: معناه سلموا وسلمت عليهم الملائكة.
وقيل المعنى: لك يا محمد منهم سلام، أي: يسلمون عليك.
وقيل المعنى: فسلام لك أنك من أصحاب اليمين.
وقيل معناه فلست ترى فيهم يا محمد إلا ما تحب من السلامة.
* *
ثم قال: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾. [أي إن كان الميت ممن كذب بآيات الله وضل عن دين الله فنزل من حميم أي: فرزق من حميم].
أي له زرق من حميم قد غلي عليه حتى انتهى حره، فهو شرابه.
﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أي: وحريق النار يحرق بها.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ﴾ أي: أن هذا الذي أخبرتم به أيها الناس من الخير عن المقربين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال وما تصير أمورهم لهو حق اليقين، أي: لهو من الخبر الحق اليقين.
قال قتادة: إن الله جل ذكره ليس تاركاً أحداً من الناس [يوقفه] على اليقين من هذا القرآن، فأما المؤمن فأيقن في الدنيا فينفعه ذلك يوم القيامة وأما الكافر فأيقن في الآخرة حين لا ينفعه ذلك.
(وحق اليقين): محض اليقين، وقيل معناه حق الأمر اليقين، وحق الخبر اليقين مثل "دِينُ الْقَيِّمَةِ" أي: دين الملة القيمة.
وقيل أصل "اليقين" أن يكون نعتاً للحق، ولكن أضيف المنعوت إلى النعت على الاتساع كما قال "وَلَدارُ الآْخِرَةِ" و "وملاة الأولى" و "مسجد الجامع"، وهو عند أكثر الكوفيين من باب إضافة الشيء إلى نفسه.
* *
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ [أي] فنزه ربك العظيم.
وقيل معناه: فسبح بتسمية ربك العظيم.
الواقعة 56:95
قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ﴾ إلى آخر السورة الآيات.
أي أفرأيتم أيها الناس النار التي تستخرجون من زندكم وتقدحون.
﴿أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ﴾ أي: أنتم أخترعتم شجرتها أم نحن اخترعنا ذلك.
وتورون من أوريت زنادي وناري أوريتها: إذا أوقدتها.
وقال أبو عبيدة وأكثر ما يقولون وريت زنادي، وأهل نجد يقولون وريت زنادي.
(ثم قال) ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ يعني النار التي تذكرون بها نار جهنم فتتعظون وتخافون.
وقال مجاهد: تذكرة تذكر النار الكبرى، وكذا قال قتادة:
وروي عن النبي ﷺ أنه قال أن ناركم (جزء من سبعين جزاء) من نار جهنم قالوا يا نبي الله وإن كانت لكافية، قال قد ضربت بالماء ضربتين ليستمتع بها بنو أدم ويدنو منها
ثم قال: ﴿وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ﴾ قال ابن عباس للمقوين: للمسافرين وقال مجاهد: للمقوين: للمستمتعين بها من الحاضر والمسافر.
وقال ابن زيد للمقوين: للجائعين.
والعرب تقول أقويت منه كذا وكذا: (أكلت منه كذا وكذا)، وأصله من أقوت الدار إذا خلت من أهلها، (ويقال أقوى إذا نزل بالقواء في الأرض الخالية.
وقال ابن زيد المقوي: الذي لا زاد ولا مال معه.
وأقوى عند أهل اللغة على ثلاثة معانٍ، يقال أقوى إذا فني زاده، ومنه أقوت الدار إذا فني أهلها، ويقال أقوى إذا سافر أي: نزل القواء. والقين، ويقال أقوى إذا قوى وقوى أصحابه.
والمتاع: المنفعة.
* *
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: فنزه ربك يا محمد من السوء.
* *
ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ لا زائدة والتقدير أقسم.
وقيل لا رد الكلام، والتقدير ليس الأمر كما يقول الكافر.
ثم استأنف فقال: أقسم بمواقع النجوم، وقيل "لا بمعنى" إلا للتنبيه ومعنى مواقع النجوم، منازل القرآن، لأن القرآن نزل على النبي ﷺ نجوماً متفرقة.
قال ابن عباس نزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة ثم فرق في السنين بعد وتلا ابن عباس ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾، قال نزل متفرقاً.
وقال عكرمة فلا أقسم بمواقع النجوم، قال أنزل الله القرآن نجوماً ثلاث آيات وأربع آيات وخمس آيات، وقال أيضاً نزل جميعاً فوضع بمواقع النجوم، فجعل جبريل ﷺ يأتي بالسورة بعد السورة وإنما نزل جميعاً في ليلة القدر.
وقال مجاهد: بمواقع النجوم هو محكم القرآن.
وقال الحسن بمواقع النجوم بمغاربها، وقاله قتادة.
وعن الحسن أيضاً بمواقع النجوم هو أنكدارها وانتشارها يوم القيامة.
وعن مجاهد أيضاً بمواقع النجوم مطالعها ومساقطها.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ أي: وأن هذا القسم عظيم لو تعلمون ذلك.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ أي: أقسم بمواقع النجوم وهو القرآن أن هذا القرآن لقسم عظيم لو تعلمون ذلك أنه لقرآن كريم، والهاء "في" "إنه" من ذكر القرآن.
* *
ثم قال: ﴿فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾ أي: في كتاب مصون عند الله لا يمسه إلا المطهرون.
قال ابن عباس هو الكتاب الذي في السماء، قاله الضحاك.
قال ابن زيد زعموا أن الشياطين تنزلت به على محمد ﷺ.
فأخبرهم الله أنهم لا يستطيعون على ذلك.
قال ابن عباس: إذا أراد الله أن ينزل كتاباً نسخته السفرة فلا يمسه إلا المطهرون، يعني الملائكة، وهو قول ابن جبير ومجاهد وقتادة والضحاك، فهو خبر وليس بنهي، وقد يجوز أن يكون إخباراً على الإلزام فيكون فيه معنى النهي كما تقول (جعل كذا) وكقوله ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠].
قال المبرد معناه آمنوا بالله.
وقيل هم حملة التوراة والإنجيل، قاله عكرمة.
وقال أبو العالية المطهرون الذين طهروا من الذنوب كالملائكة والرسل قال ابن زيد المطهرون: الملائكة والأنبياء والرسل التي تتنزل به من عند الله المطهرة.
وقال قتادة: معناه لا يمسه عند الله إلا المطهرون، قال وأما عندكم فيمسه المشرك النجس والمنافق الرجس.
وفي حرف ابن مسعود ما يمسه.
وقال مالك بن أنس في قوله عز وجل ﴿لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ﴾ إنما هو بمنزلة قوله: ﴿فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٣-١٦] فهذا من قول مالك يدل على أنه نفي ليس بنهي يراد به الملائكة.
وقال مسلم: لا يمسه إلا طاهراً، وسئل عن آية فقال: سلوني فلست أمسه إنما أقرؤه، وكان قد أحدث ولم يتوضأ.
وفي كتاب عمرو بن حزم: لا يمس القرآن إلا طاهراً، وهو الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم.
وروى مالك أن مصعب بن سعد قال كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص فاحتككت، فقال لعلك مسست ذكرك، فقلت نعم، فقال فقم فتوضأ، فقمت فتوضأت ثم رجعت، وروي أنه قال له فقم فاغسل يديك.
وكان ابن عمر لا يمس المصحف إلا طاهراً.
وقال مالك لا يمس المصحف أحد بعلاقة أو على وسادة إلا وهو طاهر إكراماً للقرآن.
* *
وقوله: ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ أي: هو تنزيل من عند رب العالمين.
* *
ثم قال: ﴿أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ﴾ أي: أفبهذا القرآن الذي أنبأتكم خبره وأنتم تلينون القول للمكذبين به ممالاة منكم لهم على التكذيب والكفر.
قال مجاهد: أنتم مدهنون: أي: أنتم تريدون أن تمايلوهم [فيه] وتركنوا إليهم.
وقال ابن عباس أنتم مدهنون: مكذبون غير مصدقين.
وقال الضحاك يقال أدهن وداهن: إذا نافق.
* *
ثم قال: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: وتجعلون شكر الله على رزقه لكم التكذيب له، وهذا كقول القائل للآخر: جعلت إحساني إليك إساءة منك إلي، بمعنى جعلت شكر إحساني إليك إساءة منك، فالتقدير وتجعلون رزقي إياكم تكذيبكم لرسلي وكتبي.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون قال شكركم، يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا، وبنجم كذا وكذا، وقاله ابن عباس.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: إن الله ليصبح القوم بالنعمة أو يمسيهم بها فيصبح بها قوم كافرين يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا
قال الضحاك في الآية: جعل الله رزقكم في السماء وأنتم تجعلونه في الأنواء.
قال قطرب الرزق هنا: الشكر.
وقيل المعنى: وتجعلون شكر رزقكم ثم حذف مثل، ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
* *
ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ﴾ يعني النفس تبلغ الحلقوم عند خروجها.
﴿وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ أي: من حضره ينظر ولا يغني عنه شيئاً، فهذا خطاب عام والمراد به من حضر الميت.
* *
ثم قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ﴾ أي: ورسلنا أقرب إلى الميت منكم يقبضون روحه ولكن لا تبصرونهم، وهذا كله جواب لمن ادعى أنه يمتنع من الموت ويدفعه.
* *
ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ أي: فهلا أن كنتم غير مجزيين.
﴿تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (أي إن كنتم صادقين) في أنكم تمنعون من الموت، فارجعوا تلك النفس، وامنعوا من خروجها.
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن غير مدينين: غير محاسبين.
قال ابن زيد كانوا يجحدون أن يدانوا بعد الموت.
وقال الفراء: غير مدينين: غير مملوكين.
وقال الحسن غير مدينين: غير مبعوثين يوم القيامة.
وقيل معناه غير مجزيين بأعمالكم.
﴿تَرْجِعُونَهَآ﴾ أي: تردون تلك النفوس إلى الأجساد بعد إذ صارت في الحلاقيم.
﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنكم تمتنعون من الموت والحساب والمجازاة.
وقال الفراء إن كنتم صادقين: إن كنتم غير مملوكين، فالمعنى هل لا ترجعون نفس عزيزكم إن كنتم غير مملوكين ولا مقهورين.
وجواب فلولا في الموضعين جواب واحد على قول الفراء.
وقيل حذف جواب أحدهما لدلالة الآخر عليه.
* *
ثم قال: ﴿فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ﴾ أي: إن كان الميت من المقربين أي: من الذين قربهم الله من جواره ورحمته.
﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ (أي فله) روح وريحان.
والروح: الرحمة، والريحان: الرزق.
وقال مجاهد الروح: الفرح.
وقال الحسن الريحان: ريحانكم هذا.
وقال الربيع بن خيثم فروح وريحان هذا عند الموت، والجنة مخبوءة له إلى أن يبعث.
قال ابن عباس فروح وريحان: فراحة ومستريح من الدنيا.
وقال ابن جبير ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾: راحة ومستراح: وعنه يعني بالريحان المستريح من الدنيا.
وقال الضحاك الروح: المغفرة والرحمة. والريحان: الاستراحة.
وعنه: الروح والاستراحة.
وقال القتبي فروح: أي: في القبر له طيب نسيم.
ومن قرأ بضم الراء فمعناه: فحياة له وبقاء.
وقيل الريحان: الراحة.
قال أبو العالية لم يفارق أحد من المقربين وهم السابقون الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه ثم يقبض.
قال الحسن يقبض الملك نفس المؤمن في ريحانة.
والفاء في "فروح" "جواب" "إن"، وجواب "أما" هذا قول الأخفش والفراء.
وقال سيبويه لا جواب "لأن" هنا، لأن بعدها فعلاً ماضياً، كما تقول (أكرمك إن جئتني)، "والفاء" جواب "أما".
وقال المبرد جواب "إن" محذوف، لأن بعدها ما يدل عليه، والفاء جواب "أما" وأما معناها: الخروج من شيء إلى شيء، أي: دع ما كنا فيه وخذ بشيء أخر، ولا يلي فعل فعلا، فمعنى أما: مهما يكن (من شيء).
فوجب أن يليها الاسم، وتقديره أن يكون بعد جوابها، فإذا أردت أن تعرف إعراب الاسم الذي يليها فاجعل موضعها، "مهما" وقدر الاسم بعد الفاء.
تقول أما زيداً فضربت، والتقدير: مهما يكن من شيء فضربت زيداً.
* *
وقوله: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: من الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، وقيل من الذين يعطون كتبهم بأيمانهم.
﴿فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: فسلام من عند الله، أي: سلام من ذلك وقيل المعنى: يقال سلام لك إنك من أصحاب اليمين.
قال قتادة: معناه سلموا وسلمت عليهم الملائكة.
وقيل المعنى: لك يا محمد منهم سلام، أي: يسلمون عليك.
وقيل المعنى: فسلام لك أنك من أصحاب اليمين.
وقيل معناه فلست ترى فيهم يا محمد إلا ما تحب من السلامة.
* *
ثم قال: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾. [أي إن كان الميت ممن كذب بآيات الله وضل عن دين الله فنزل من حميم أي: فرزق من حميم].
أي له زرق من حميم قد غلي عليه حتى انتهى حره، فهو شرابه.
﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أي: وحريق النار يحرق بها.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ﴾ أي: أن هذا الذي أخبرتم به أيها الناس من الخير عن المقربين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال وما تصير أمورهم لهو حق اليقين، أي: لهو من الخبر الحق اليقين.
قال قتادة: إن الله جل ذكره ليس تاركاً أحداً من الناس [يوقفه] على اليقين من هذا القرآن، فأما المؤمن فأيقن في الدنيا فينفعه ذلك يوم القيامة وأما الكافر فأيقن في الآخرة حين لا ينفعه ذلك.
(وحق اليقين): محض اليقين، وقيل معناه حق الأمر اليقين، وحق الخبر اليقين مثل "دِينُ الْقَيِّمَةِ" أي: دين الملة القيمة.
وقيل أصل "اليقين" أن يكون نعتاً للحق، ولكن أضيف المنعوت إلى النعت على الاتساع كما قال "وَلَدارُ الآْخِرَةِ" و "وملاة الأولى" و "مسجد الجامع"، وهو عند أكثر الكوفيين من باب إضافة الشيء إلى نفسه.
* *
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ [أي] فنزه ربك العظيم.
وقيل معناه: فسبح بتسمية ربك العظيم.
الواقعة 56:96
قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ﴾ إلى آخر السورة الآيات.
أي أفرأيتم أيها الناس النار التي تستخرجون من زندكم وتقدحون.
﴿أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ﴾ أي: أنتم أخترعتم شجرتها أم نحن اخترعنا ذلك.
وتورون من أوريت زنادي وناري أوريتها: إذا أوقدتها.
وقال أبو عبيدة وأكثر ما يقولون وريت زنادي، وأهل نجد يقولون وريت زنادي.
(ثم قال) ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ يعني النار التي تذكرون بها نار جهنم فتتعظون وتخافون.
وقال مجاهد: تذكرة تذكر النار الكبرى، وكذا قال قتادة:
وروي عن النبي ﷺ أنه قال أن ناركم (جزء من سبعين جزاء) من نار جهنم قالوا يا نبي الله وإن كانت لكافية، قال قد ضربت بالماء ضربتين ليستمتع بها بنو أدم ويدنو منها
ثم قال: ﴿وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ﴾ قال ابن عباس للمقوين: للمسافرين وقال مجاهد: للمقوين: للمستمتعين بها من الحاضر والمسافر.
وقال ابن زيد للمقوين: للجائعين.
والعرب تقول أقويت منه كذا وكذا: (أكلت منه كذا وكذا)، وأصله من أقوت الدار إذا خلت من أهلها، (ويقال أقوى إذا نزل بالقواء في الأرض الخالية.
وقال ابن زيد المقوي: الذي لا زاد ولا مال معه.
وأقوى عند أهل اللغة على ثلاثة معانٍ، يقال أقوى إذا فني زاده، ومنه أقوت الدار إذا فني أهلها، ويقال أقوى إذا سافر أي: نزل القواء. والقين، ويقال أقوى إذا قوى وقوى أصحابه.
والمتاع: المنفعة.
* *
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: فنزه ربك يا محمد من السوء.
* *
ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ لا زائدة والتقدير أقسم.
وقيل لا رد الكلام، والتقدير ليس الأمر كما يقول الكافر.
ثم استأنف فقال: أقسم بمواقع النجوم، وقيل "لا بمعنى" إلا للتنبيه ومعنى مواقع النجوم، منازل القرآن، لأن القرآن نزل على النبي ﷺ نجوماً متفرقة.
قال ابن عباس نزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة ثم فرق في السنين بعد وتلا ابن عباس ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾، قال نزل متفرقاً.
وقال عكرمة فلا أقسم بمواقع النجوم، قال أنزل الله القرآن نجوماً ثلاث آيات وأربع آيات وخمس آيات، وقال أيضاً نزل جميعاً فوضع بمواقع النجوم، فجعل جبريل ﷺ يأتي بالسورة بعد السورة وإنما نزل جميعاً في ليلة القدر.
وقال مجاهد: بمواقع النجوم هو محكم القرآن.
وقال الحسن بمواقع النجوم بمغاربها، وقاله قتادة.
وعن الحسن أيضاً بمواقع النجوم هو أنكدارها وانتشارها يوم القيامة.
وعن مجاهد أيضاً بمواقع النجوم مطالعها ومساقطها.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ أي: وأن هذا القسم عظيم لو تعلمون ذلك.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ أي: أقسم بمواقع النجوم وهو القرآن أن هذا القرآن لقسم عظيم لو تعلمون ذلك أنه لقرآن كريم، والهاء "في" "إنه" من ذكر القرآن.
* *
ثم قال: ﴿فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾ أي: في كتاب مصون عند الله لا يمسه إلا المطهرون.
قال ابن عباس هو الكتاب الذي في السماء، قاله الضحاك.
قال ابن زيد زعموا أن الشياطين تنزلت به على محمد ﷺ.
فأخبرهم الله أنهم لا يستطيعون على ذلك.
قال ابن عباس: إذا أراد الله أن ينزل كتاباً نسخته السفرة فلا يمسه إلا المطهرون، يعني الملائكة، وهو قول ابن جبير ومجاهد وقتادة والضحاك، فهو خبر وليس بنهي، وقد يجوز أن يكون إخباراً على الإلزام فيكون فيه معنى النهي كما تقول (جعل كذا) وكقوله ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠].
قال المبرد معناه آمنوا بالله.
وقيل هم حملة التوراة والإنجيل، قاله عكرمة.
وقال أبو العالية المطهرون الذين طهروا من الذنوب كالملائكة والرسل قال ابن زيد المطهرون: الملائكة والأنبياء والرسل التي تتنزل به من عند الله المطهرة.
وقال قتادة: معناه لا يمسه عند الله إلا المطهرون، قال وأما عندكم فيمسه المشرك النجس والمنافق الرجس.
وفي حرف ابن مسعود ما يمسه.
وقال مالك بن أنس في قوله عز وجل ﴿لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ﴾ إنما هو بمنزلة قوله: ﴿فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٣-١٦] فهذا من قول مالك يدل على أنه نفي ليس بنهي يراد به الملائكة.
وقال مسلم: لا يمسه إلا طاهراً، وسئل عن آية فقال: سلوني فلست أمسه إنما أقرؤه، وكان قد أحدث ولم يتوضأ.
وفي كتاب عمرو بن حزم: لا يمس القرآن إلا طاهراً، وهو الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم.
وروى مالك أن مصعب بن سعد قال كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص فاحتككت، فقال لعلك مسست ذكرك، فقلت نعم، فقال فقم فتوضأ، فقمت فتوضأت ثم رجعت، وروي أنه قال له فقم فاغسل يديك.
وكان ابن عمر لا يمس المصحف إلا طاهراً.
وقال مالك لا يمس المصحف أحد بعلاقة أو على وسادة إلا وهو طاهر إكراماً للقرآن.
* *
وقوله: ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ أي: هو تنزيل من عند رب العالمين.
* *
ثم قال: ﴿أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ﴾ أي: أفبهذا القرآن الذي أنبأتكم خبره وأنتم تلينون القول للمكذبين به ممالاة منكم لهم على التكذيب والكفر.
قال مجاهد: أنتم مدهنون: أي: أنتم تريدون أن تمايلوهم [فيه] وتركنوا إليهم.
وقال ابن عباس أنتم مدهنون: مكذبون غير مصدقين.
وقال الضحاك يقال أدهن وداهن: إذا نافق.
* *
ثم قال: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: وتجعلون شكر الله على رزقه لكم التكذيب له، وهذا كقول القائل للآخر: جعلت إحساني إليك إساءة منك إلي، بمعنى جعلت شكر إحساني إليك إساءة منك، فالتقدير وتجعلون رزقي إياكم تكذيبكم لرسلي وكتبي.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون قال شكركم، يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا، وبنجم كذا وكذا، وقاله ابن عباس.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: إن الله ليصبح القوم بالنعمة أو يمسيهم بها فيصبح بها قوم كافرين يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا
قال الضحاك في الآية: جعل الله رزقكم في السماء وأنتم تجعلونه في الأنواء.
قال قطرب الرزق هنا: الشكر.
وقيل المعنى: وتجعلون شكر رزقكم ثم حذف مثل، ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
* *
ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ﴾ يعني النفس تبلغ الحلقوم عند خروجها.
﴿وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ أي: من حضره ينظر ولا يغني عنه شيئاً، فهذا خطاب عام والمراد به من حضر الميت.
* *
ثم قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ﴾ أي: ورسلنا أقرب إلى الميت منكم يقبضون روحه ولكن لا تبصرونهم، وهذا كله جواب لمن ادعى أنه يمتنع من الموت ويدفعه.
* *
ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ أي: فهلا أن كنتم غير مجزيين.
﴿تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (أي إن كنتم صادقين) في أنكم تمنعون من الموت، فارجعوا تلك النفس، وامنعوا من خروجها.
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن غير مدينين: غير محاسبين.
قال ابن زيد كانوا يجحدون أن يدانوا بعد الموت.
وقال الفراء: غير مدينين: غير مملوكين.
وقال الحسن غير مدينين: غير مبعوثين يوم القيامة.
وقيل معناه غير مجزيين بأعمالكم.
﴿تَرْجِعُونَهَآ﴾ أي: تردون تلك النفوس إلى الأجساد بعد إذ صارت في الحلاقيم.
﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنكم تمتنعون من الموت والحساب والمجازاة.
وقال الفراء إن كنتم صادقين: إن كنتم غير مملوكين، فالمعنى هل لا ترجعون نفس عزيزكم إن كنتم غير مملوكين ولا مقهورين.
وجواب فلولا في الموضعين جواب واحد على قول الفراء.
وقيل حذف جواب أحدهما لدلالة الآخر عليه.
* *
ثم قال: ﴿فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ﴾ أي: إن كان الميت من المقربين أي: من الذين قربهم الله من جواره ورحمته.
﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ (أي فله) روح وريحان.
والروح: الرحمة، والريحان: الرزق.
وقال مجاهد الروح: الفرح.
وقال الحسن الريحان: ريحانكم هذا.
وقال الربيع بن خيثم فروح وريحان هذا عند الموت، والجنة مخبوءة له إلى أن يبعث.
قال ابن عباس فروح وريحان: فراحة ومستريح من الدنيا.
وقال ابن جبير ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾: راحة ومستراح: وعنه يعني بالريحان المستريح من الدنيا.
وقال الضحاك الروح: المغفرة والرحمة. والريحان: الاستراحة.
وعنه: الروح والاستراحة.
وقال القتبي فروح: أي: في القبر له طيب نسيم.
ومن قرأ بضم الراء فمعناه: فحياة له وبقاء.
وقيل الريحان: الراحة.
قال أبو العالية لم يفارق أحد من المقربين وهم السابقون الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه ثم يقبض.
قال الحسن يقبض الملك نفس المؤمن في ريحانة.
والفاء في "فروح" "جواب" "إن"، وجواب "أما" هذا قول الأخفش والفراء.
وقال سيبويه لا جواب "لأن" هنا، لأن بعدها فعلاً ماضياً، كما تقول (أكرمك إن جئتني)، "والفاء" جواب "أما".
وقال المبرد جواب "إن" محذوف، لأن بعدها ما يدل عليه، والفاء جواب "أما" وأما معناها: الخروج من شيء إلى شيء، أي: دع ما كنا فيه وخذ بشيء أخر، ولا يلي فعل فعلا، فمعنى أما: مهما يكن (من شيء).
فوجب أن يليها الاسم، وتقديره أن يكون بعد جوابها، فإذا أردت أن تعرف إعراب الاسم الذي يليها فاجعل موضعها، "مهما" وقدر الاسم بعد الفاء.
تقول أما زيداً فضربت، والتقدير: مهما يكن من شيء فضربت زيداً.
* *
وقوله: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: من الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، وقيل من الذين يعطون كتبهم بأيمانهم.
﴿فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: فسلام من عند الله، أي: سلام من ذلك وقيل المعنى: يقال سلام لك إنك من أصحاب اليمين.
قال قتادة: معناه سلموا وسلمت عليهم الملائكة.
وقيل المعنى: لك يا محمد منهم سلام، أي: يسلمون عليك.
وقيل المعنى: فسلام لك أنك من أصحاب اليمين.
وقيل معناه فلست ترى فيهم يا محمد إلا ما تحب من السلامة.
* *
ثم قال: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾. [أي إن كان الميت ممن كذب بآيات الله وضل عن دين الله فنزل من حميم أي: فرزق من حميم].
أي له زرق من حميم قد غلي عليه حتى انتهى حره، فهو شرابه.
﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أي: وحريق النار يحرق بها.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ﴾ أي: أن هذا الذي أخبرتم به أيها الناس من الخير عن المقربين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال وما تصير أمورهم لهو حق اليقين، أي: لهو من الخبر الحق اليقين.
قال قتادة: إن الله جل ذكره ليس تاركاً أحداً من الناس [يوقفه] على اليقين من هذا القرآن، فأما المؤمن فأيقن في الدنيا فينفعه ذلك يوم القيامة وأما الكافر فأيقن في الآخرة حين لا ينفعه ذلك.
(وحق اليقين): محض اليقين، وقيل معناه حق الأمر اليقين، وحق الخبر اليقين مثل "دِينُ الْقَيِّمَةِ" أي: دين الملة القيمة.
وقيل أصل "اليقين" أن يكون نعتاً للحق، ولكن أضيف المنعوت إلى النعت على الاتساع كما قال "وَلَدارُ الآْخِرَةِ" و "وملاة الأولى" و "مسجد الجامع"، وهو عند أكثر الكوفيين من باب إضافة الشيء إلى نفسه.
* *
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ [أي] فنزه ربك العظيم.
وقيل معناه: فسبح بتسمية ربك العظيم.