Tafsir Makhi — الحديد 57:1 – المجادلة 58:22
المحتويات
- الحديد 57:1
- الحديد 57:2
- الحديد 57:3
- الحديد 57:4
- الحديد 57:5
- الحديد 57:6
- الحديد 57:7
- الحديد 57:8
- الحديد 57:9
- الحديد 57:10
- الحديد 57:11
- الحديد 57:12
- الحديد 57:13
- الحديد 57:14
- الحديد 57:15
- الحديد 57:16
- الحديد 57:17
- الحديد 57:18
- الحديد 57:19
- الحديد 57:20
- الحديد 57:21
- الحديد 57:22
- الحديد 57:23
- الحديد 57:24
- الحديد 57:25
- الحديد 57:26
- الحديد 57:27
- الحديد 57:28
- الحديد 57:29
- المجادلة 58:1
- المجادلة 58:2
- المجادلة 58:3
- المجادلة 58:4
- المجادلة 58:5
- المجادلة 58:6
- المجادلة 58:7
- المجادلة 58:8
- المجادلة 58:9
- المجادلة 58:10
- المجادلة 58:11
- المجادلة 58:12
- المجادلة 58:13
- المجادلة 58:14
- المجادلة 58:15
- المجادلة 58:16
- المجادلة 58:17
- المجادلة 58:18
- المجادلة 58:19
- المجادلة 58:20
- المجادلة 58:21
- المجادلة 58:22
الحديد 57:1
قوله: ﴿سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ الآيات.
أي: كل ما دون الله من خلقه يسبح تعظيماً له وإقراراً بربوبيته وقيل التسبيح فيما لا ينطق هو ظهور أثر الصنعة فيه.
وقيل: بل كل ما لا ينطق والله أعلم بتسبيحه، ودل على ذلك قوله: ﴿وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] ولو كان تسبيح ما لا ينطق أثر الصنعة عليه لكان ذلك [شيئاً] يفقه (ويعلم ظاهرا عندنا).
وقيل: ﴿سَبَّحَ﴾ في هذا وما بعده من السور معناه "صلى".
* *
وقوله: ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ أي: العزيز في انتقامه ممن عصاه الحكيم في تدبيره خلقه، لا يدخل في تدبيره خلل.
* *
ثم قال: ﴿لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ يُحْيِـي وَيُمِيتُ﴾. الآية.
أي له سلطان ذلك كله، فلا شيء فيهن يقدر على الامتناع منه، يحيي ما يشاء من الخلق بأن يوجده كيف يشاء، ويميت من يشاء من الأحياء بعد الحياة عند بلوغ الأجل الذي قدره الله له قبل أن يخلقه.
﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: ذو قدرة لا يمتنع عليه ما يريده من إحياء ميت وموت حي.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ وَٱلظَّاهِرُ وَٱلْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾: أي: هو الأول قبل كل شيء بغير حد، والآخر بعد كل شيء بغير نهاية، وهو الظاهر على كل شيء، فكل شيء دونه، وهو العالي فوق كل شيء، فلا شيء أعلا منه، والباطن في جميع الأشياء، فلا شيء أقرب إلى شيء منه، كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] يعني القرب بعلمه وقدرته وهو فوق عرشه.
قال قتادة:ذكر لنا أن النبي ﷺ بينما هو جالس في أصحابه إذ ثار عليهم سحاب، فقال النبي ﷺ هل تدرون ما هذا، قالوا الله ورسوله أعلم، قال: هذا العنان، هذا راوي الأرض (يسوقه) الله إلى قوم لا يشكونه ولا يرجونه: ثم قال: هل تدرون ما التي فوقكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال: فإنها الرقيع موج مكفوف وسقف محفوظ، قال فهل تدرون كم بينكم وبينها؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال مسيرة خمس مائة عام قال هل تدرون ما فوق ذلك، (قالوا مثل ذلك) قال فوقها سماء أخرى (وبينها خمس مائة عام) ثم قال مثل ذلك حتى ذكر سبع سماوات، ثم قال هل تدرون ما فوق ذلك، قالوا مثل ذلك، قال فإن فوق ذلك العرش وبين السماء السابعة وبينه مثل ما بين السمائين، ثم قال هل تدرون ما التي تحتكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال فإنما الأرض ثم قال مثل ذلك إلى سبع أرضين، وذكر أن بين كل أرض وأرض مسيرة خمس مائة عام، ثم قال والذي نفسي بيده لو دلى أحدكم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله تعالى، ثم قرأ ﴿هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ﴾ الآية
وقال ابن عباس ظهر فوق الظاهرين بقهره المتكبرين.
وقيل معنى "الظاهر والباطن" : يعلم ما ظهر وما بطن، ومنه ظهر الإنسان وبطنه، لأن الظهر غير ساتر، والبطن ساتر، ومنه الظهير وهو العوين على الأشياء حق (يستعلي) عليها، ويعين "وظهير" أي: قوي.
ومنه صلاة الظهر لأنها أول ما ظهرت من الصلوات.
وقيل الظهر والظهيرة: شدة الحر، فسميت الصلاة بالظهر لأنها اسم الوقت الذي تكون فيه، ومنه: ظهرت على فلان: أي قهرته.
* *
وقوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: لا يخفى عليه شيء ظهر ولا بطن في السماء ولا في الأرض كبر أو صغر.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾.
أي: ابتدع ذلك وأنشأه في ستة أيام، مقدار كل يوم ألف عام.
﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ﴾ أي: ارتفع وعلا ارتفاع قدرة وتعظيم وجلالة، لا ارتفاع نقلة.
* *
ثم قال: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾: أي: ما يدخل فيها من الماء وغيره.
﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ أي: من النبات وغيره.
﴿وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ أي ينزل منها إلى الأرض من القطر وغير ذلك.
﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ أي: ما يصعد إليها من الأعمال والملائكة وغير ذلك، لا تخفى عليه خافية في السماوات ولا في الأرض.
﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: بصير بأعمالكم يحصيها عليكم حتى يجازيكم بها يوم القيامة.
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ قال سفيان الثوري: علمه.
* *
ثم قال: ﴿لَّهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: له سلطان ذلك وملكه.
﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: إليه ترد الأمور يوم القيامة فيقضي بين خلقه بحكمه وعدله.
* *
ثم قال: ﴿يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ﴾ أي: يدخل هذا في هذا وإذا في ذا أي ما نقص من هذا زاد في ذا.
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ أي: هو ذو علم بضمائر صدور عباده، وما عزمت عليه نفوسهم من خير وشر، وفي الحديث أن الدعاء يستجاب بعد هذه (الآيات البينات).
* *
ثم قال: ﴿آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾.
أي صدقوا بتوحيد الله وكتبه ورسله، وأنفقوا في سبيل الله مما خولكم وأورثكم عن من كان قبلكم، فجعلكم خلفاً فيه، (أي فالذين آمنوا). صدقوا وأنفقوا في سبيل الله لهم أجر كبير، أي: الجنة.
* *
ثم قال: ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ الآية.
أي وأي شيء لكم في ترك الإيمان بالله، والرسول يدعوكم بالحجج والبراهين لتؤمنوا بربكم، لتصدقوا محمداً ﷺ فيما جاءكم به.
* *
ثم قال: ﴿وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾.
أي أخذ الله عز وجل ميثاقكم في صلب آدم عليه السلام إذا قال لكم ألست بربكم، فقلتم بلى.
* *
وقوله: ﴿إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾.
أي إن كنتم تريدون أن تؤمنوا يوماً من الأيام بالله، فالآن أحرى الأوقات أن تؤمنوا به لتتابع الحجج عليكم.
وقيل معناه: إن كنتم عازمين على الإيمان فهذا أوانه لما خطر لكم من البراهين والدلائل.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾.
يعني القرآن.
* *
﴿لِّيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ﴾.
أي من الكفر إلى الإيمان.
وقيل معناه: من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ .
أي لذو رأفة ورحمة بكم، ومن رأفته ورحمته أنزل الله عليكم آيات بينات يخرجكم بها من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.
* *
ثم قال: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ الآية.
أي: أي عذر لكم في ترك الإنفاق في سبيل الله وأنتم خلف الموت فتخلفون ما تبخلون به ويورث بعدكم، ثم يخلفه من ورثه عنكم فيعود الميراث إلى الله عز وجل.
وحضهم على الإنفاق في سبيل الله ليكون ذلك ذخراً لهم عنده من قبل أن يموتوا فلا يقدرون، وتصير الأموال ميراثاً لمن له ميراث السماوات والأرض وهو الله جل ذكره.
* *
ثم قال: ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾.
أي من قبل فتح مكة، وهاجر وقاتل في سبيل الله عز وجل قاله مجاهد وقتادة، أي: لا يستوي في الأجر والفضل من هاجر قبل الفتح وأنفق وقاتل مع من هاجر من بعد ذلك وقاتل وأنفق.
قال قتادة: كان قتالان أحدهما أفضل من الآخر، وكانت نفقتان إحداهما أفضل من الأخرى، كانت النفقة والقتال من قبل فتح مكة أفضل منهما بعد الفتح، وكذلك قال زيد بن أسلم.
وقال الشعبي الفتح هنا فتح الحديبية، فالذين أنفقوا وقاتلوا قبل فتح الحديبية أعظم درجة من الذين أنفقوا وقاتلوا بعد ذلك.
وهذا القول اختاره بعض العلماء، لأن الخدري روى أن النبي ﷺ قال: يوم فتح الحديبية يأتي أقوام يحقرون أعمالكم مع أعمالهم قالوا يا رسول الله أمن قريش هم؟ قال لا، هم أهل اليمن أرق أفئدة وألين قلوباً، قلنا يا رسول الله أهم خير منا. قال لو أن لأحدهم جبل ذهباً ثم أنفقه ما بلغ (مد أحدكم ولا نصيفه) هذا فضل ما بيننا وبين الناس، لا يستوي منكم من أنفق قبل الفتح وقاتل إلى قوله ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
ثم قال: ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: والذين أنفقوا من قبل ومن بعد وقاتلوا كلهم وعدهم الله الجنة.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: بما تعملون من النفقة في سبيل الله وقتل أعدائه وغير ذلك من أعمالكم، ذو خبر وعلم، لا يخفى عليه شيء من ذلك.
الحديد 57:2
قوله: ﴿سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ الآيات.
أي: كل ما دون الله من خلقه يسبح تعظيماً له وإقراراً بربوبيته وقيل التسبيح فيما لا ينطق هو ظهور أثر الصنعة فيه.
وقيل: بل كل ما لا ينطق والله أعلم بتسبيحه، ودل على ذلك قوله: ﴿وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] ولو كان تسبيح ما لا ينطق أثر الصنعة عليه لكان ذلك [شيئاً] يفقه (ويعلم ظاهرا عندنا).
وقيل: ﴿سَبَّحَ﴾ في هذا وما بعده من السور معناه "صلى".
* *
وقوله: ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ أي: العزيز في انتقامه ممن عصاه الحكيم في تدبيره خلقه، لا يدخل في تدبيره خلل.
* *
ثم قال: ﴿لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ يُحْيِـي وَيُمِيتُ﴾. الآية.
أي له سلطان ذلك كله، فلا شيء فيهن يقدر على الامتناع منه، يحيي ما يشاء من الخلق بأن يوجده كيف يشاء، ويميت من يشاء من الأحياء بعد الحياة عند بلوغ الأجل الذي قدره الله له قبل أن يخلقه.
﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: ذو قدرة لا يمتنع عليه ما يريده من إحياء ميت وموت حي.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ وَٱلظَّاهِرُ وَٱلْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾: أي: هو الأول قبل كل شيء بغير حد، والآخر بعد كل شيء بغير نهاية، وهو الظاهر على كل شيء، فكل شيء دونه، وهو العالي فوق كل شيء، فلا شيء أعلا منه، والباطن في جميع الأشياء، فلا شيء أقرب إلى شيء منه، كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] يعني القرب بعلمه وقدرته وهو فوق عرشه.
قال قتادة:ذكر لنا أن النبي ﷺ بينما هو جالس في أصحابه إذ ثار عليهم سحاب، فقال النبي ﷺ هل تدرون ما هذا، قالوا الله ورسوله أعلم، قال: هذا العنان، هذا راوي الأرض (يسوقه) الله إلى قوم لا يشكونه ولا يرجونه: ثم قال: هل تدرون ما التي فوقكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال: فإنها الرقيع موج مكفوف وسقف محفوظ، قال فهل تدرون كم بينكم وبينها؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال مسيرة خمس مائة عام قال هل تدرون ما فوق ذلك، (قالوا مثل ذلك) قال فوقها سماء أخرى (وبينها خمس مائة عام) ثم قال مثل ذلك حتى ذكر سبع سماوات، ثم قال هل تدرون ما فوق ذلك، قالوا مثل ذلك، قال فإن فوق ذلك العرش وبين السماء السابعة وبينه مثل ما بين السمائين، ثم قال هل تدرون ما التي تحتكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال فإنما الأرض ثم قال مثل ذلك إلى سبع أرضين، وذكر أن بين كل أرض وأرض مسيرة خمس مائة عام، ثم قال والذي نفسي بيده لو دلى أحدكم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله تعالى، ثم قرأ ﴿هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ﴾ الآية
وقال ابن عباس ظهر فوق الظاهرين بقهره المتكبرين.
وقيل معنى "الظاهر والباطن" : يعلم ما ظهر وما بطن، ومنه ظهر الإنسان وبطنه، لأن الظهر غير ساتر، والبطن ساتر، ومنه الظهير وهو العوين على الأشياء حق (يستعلي) عليها، ويعين "وظهير" أي: قوي.
ومنه صلاة الظهر لأنها أول ما ظهرت من الصلوات.
وقيل الظهر والظهيرة: شدة الحر، فسميت الصلاة بالظهر لأنها اسم الوقت الذي تكون فيه، ومنه: ظهرت على فلان: أي قهرته.
* *
وقوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: لا يخفى عليه شيء ظهر ولا بطن في السماء ولا في الأرض كبر أو صغر.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾.
أي: ابتدع ذلك وأنشأه في ستة أيام، مقدار كل يوم ألف عام.
﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ﴾ أي: ارتفع وعلا ارتفاع قدرة وتعظيم وجلالة، لا ارتفاع نقلة.
* *
ثم قال: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾: أي: ما يدخل فيها من الماء وغيره.
﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ أي: من النبات وغيره.
﴿وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ أي ينزل منها إلى الأرض من القطر وغير ذلك.
﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ أي: ما يصعد إليها من الأعمال والملائكة وغير ذلك، لا تخفى عليه خافية في السماوات ولا في الأرض.
﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: بصير بأعمالكم يحصيها عليكم حتى يجازيكم بها يوم القيامة.
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ قال سفيان الثوري: علمه.
* *
ثم قال: ﴿لَّهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: له سلطان ذلك وملكه.
﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: إليه ترد الأمور يوم القيامة فيقضي بين خلقه بحكمه وعدله.
* *
ثم قال: ﴿يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ﴾ أي: يدخل هذا في هذا وإذا في ذا أي ما نقص من هذا زاد في ذا.
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ أي: هو ذو علم بضمائر صدور عباده، وما عزمت عليه نفوسهم من خير وشر، وفي الحديث أن الدعاء يستجاب بعد هذه (الآيات البينات).
* *
ثم قال: ﴿آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾.
أي صدقوا بتوحيد الله وكتبه ورسله، وأنفقوا في سبيل الله مما خولكم وأورثكم عن من كان قبلكم، فجعلكم خلفاً فيه، (أي فالذين آمنوا). صدقوا وأنفقوا في سبيل الله لهم أجر كبير، أي: الجنة.
* *
ثم قال: ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ الآية.
أي وأي شيء لكم في ترك الإيمان بالله، والرسول يدعوكم بالحجج والبراهين لتؤمنوا بربكم، لتصدقوا محمداً ﷺ فيما جاءكم به.
* *
ثم قال: ﴿وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾.
أي أخذ الله عز وجل ميثاقكم في صلب آدم عليه السلام إذا قال لكم ألست بربكم، فقلتم بلى.
* *
وقوله: ﴿إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾.
أي إن كنتم تريدون أن تؤمنوا يوماً من الأيام بالله، فالآن أحرى الأوقات أن تؤمنوا به لتتابع الحجج عليكم.
وقيل معناه: إن كنتم عازمين على الإيمان فهذا أوانه لما خطر لكم من البراهين والدلائل.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾.
يعني القرآن.
* *
﴿لِّيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ﴾.
أي من الكفر إلى الإيمان.
وقيل معناه: من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ .
أي لذو رأفة ورحمة بكم، ومن رأفته ورحمته أنزل الله عليكم آيات بينات يخرجكم بها من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.
* *
ثم قال: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ الآية.
أي: أي عذر لكم في ترك الإنفاق في سبيل الله وأنتم خلف الموت فتخلفون ما تبخلون به ويورث بعدكم، ثم يخلفه من ورثه عنكم فيعود الميراث إلى الله عز وجل.
وحضهم على الإنفاق في سبيل الله ليكون ذلك ذخراً لهم عنده من قبل أن يموتوا فلا يقدرون، وتصير الأموال ميراثاً لمن له ميراث السماوات والأرض وهو الله جل ذكره.
* *
ثم قال: ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾.
أي من قبل فتح مكة، وهاجر وقاتل في سبيل الله عز وجل قاله مجاهد وقتادة، أي: لا يستوي في الأجر والفضل من هاجر قبل الفتح وأنفق وقاتل مع من هاجر من بعد ذلك وقاتل وأنفق.
قال قتادة: كان قتالان أحدهما أفضل من الآخر، وكانت نفقتان إحداهما أفضل من الأخرى، كانت النفقة والقتال من قبل فتح مكة أفضل منهما بعد الفتح، وكذلك قال زيد بن أسلم.
وقال الشعبي الفتح هنا فتح الحديبية، فالذين أنفقوا وقاتلوا قبل فتح الحديبية أعظم درجة من الذين أنفقوا وقاتلوا بعد ذلك.
وهذا القول اختاره بعض العلماء، لأن الخدري روى أن النبي ﷺ قال: يوم فتح الحديبية يأتي أقوام يحقرون أعمالكم مع أعمالهم قالوا يا رسول الله أمن قريش هم؟ قال لا، هم أهل اليمن أرق أفئدة وألين قلوباً، قلنا يا رسول الله أهم خير منا. قال لو أن لأحدهم جبل ذهباً ثم أنفقه ما بلغ (مد أحدكم ولا نصيفه) هذا فضل ما بيننا وبين الناس، لا يستوي منكم من أنفق قبل الفتح وقاتل إلى قوله ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
ثم قال: ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: والذين أنفقوا من قبل ومن بعد وقاتلوا كلهم وعدهم الله الجنة.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: بما تعملون من النفقة في سبيل الله وقتل أعدائه وغير ذلك من أعمالكم، ذو خبر وعلم، لا يخفى عليه شيء من ذلك.
الحديد 57:3
قوله: ﴿سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ الآيات.
أي: كل ما دون الله من خلقه يسبح تعظيماً له وإقراراً بربوبيته وقيل التسبيح فيما لا ينطق هو ظهور أثر الصنعة فيه.
وقيل: بل كل ما لا ينطق والله أعلم بتسبيحه، ودل على ذلك قوله: ﴿وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] ولو كان تسبيح ما لا ينطق أثر الصنعة عليه لكان ذلك [شيئاً] يفقه (ويعلم ظاهرا عندنا).
وقيل: ﴿سَبَّحَ﴾ في هذا وما بعده من السور معناه "صلى".
* *
وقوله: ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ أي: العزيز في انتقامه ممن عصاه الحكيم في تدبيره خلقه، لا يدخل في تدبيره خلل.
* *
ثم قال: ﴿لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ يُحْيِـي وَيُمِيتُ﴾. الآية.
أي له سلطان ذلك كله، فلا شيء فيهن يقدر على الامتناع منه، يحيي ما يشاء من الخلق بأن يوجده كيف يشاء، ويميت من يشاء من الأحياء بعد الحياة عند بلوغ الأجل الذي قدره الله له قبل أن يخلقه.
﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: ذو قدرة لا يمتنع عليه ما يريده من إحياء ميت وموت حي.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ وَٱلظَّاهِرُ وَٱلْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾: أي: هو الأول قبل كل شيء بغير حد، والآخر بعد كل شيء بغير نهاية، وهو الظاهر على كل شيء، فكل شيء دونه، وهو العالي فوق كل شيء، فلا شيء أعلا منه، والباطن في جميع الأشياء، فلا شيء أقرب إلى شيء منه، كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] يعني القرب بعلمه وقدرته وهو فوق عرشه.
قال قتادة:ذكر لنا أن النبي ﷺ بينما هو جالس في أصحابه إذ ثار عليهم سحاب، فقال النبي ﷺ هل تدرون ما هذا، قالوا الله ورسوله أعلم، قال: هذا العنان، هذا راوي الأرض (يسوقه) الله إلى قوم لا يشكونه ولا يرجونه: ثم قال: هل تدرون ما التي فوقكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال: فإنها الرقيع موج مكفوف وسقف محفوظ، قال فهل تدرون كم بينكم وبينها؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال مسيرة خمس مائة عام قال هل تدرون ما فوق ذلك، (قالوا مثل ذلك) قال فوقها سماء أخرى (وبينها خمس مائة عام) ثم قال مثل ذلك حتى ذكر سبع سماوات، ثم قال هل تدرون ما فوق ذلك، قالوا مثل ذلك، قال فإن فوق ذلك العرش وبين السماء السابعة وبينه مثل ما بين السمائين، ثم قال هل تدرون ما التي تحتكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال فإنما الأرض ثم قال مثل ذلك إلى سبع أرضين، وذكر أن بين كل أرض وأرض مسيرة خمس مائة عام، ثم قال والذي نفسي بيده لو دلى أحدكم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله تعالى، ثم قرأ ﴿هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ﴾ الآية
وقال ابن عباس ظهر فوق الظاهرين بقهره المتكبرين.
وقيل معنى "الظاهر والباطن" : يعلم ما ظهر وما بطن، ومنه ظهر الإنسان وبطنه، لأن الظهر غير ساتر، والبطن ساتر، ومنه الظهير وهو العوين على الأشياء حق (يستعلي) عليها، ويعين "وظهير" أي: قوي.
ومنه صلاة الظهر لأنها أول ما ظهرت من الصلوات.
وقيل الظهر والظهيرة: شدة الحر، فسميت الصلاة بالظهر لأنها اسم الوقت الذي تكون فيه، ومنه: ظهرت على فلان: أي قهرته.
* *
وقوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: لا يخفى عليه شيء ظهر ولا بطن في السماء ولا في الأرض كبر أو صغر.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾.
أي: ابتدع ذلك وأنشأه في ستة أيام، مقدار كل يوم ألف عام.
﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ﴾ أي: ارتفع وعلا ارتفاع قدرة وتعظيم وجلالة، لا ارتفاع نقلة.
* *
ثم قال: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾: أي: ما يدخل فيها من الماء وغيره.
﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ أي: من النبات وغيره.
﴿وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ أي ينزل منها إلى الأرض من القطر وغير ذلك.
﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ أي: ما يصعد إليها من الأعمال والملائكة وغير ذلك، لا تخفى عليه خافية في السماوات ولا في الأرض.
﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: بصير بأعمالكم يحصيها عليكم حتى يجازيكم بها يوم القيامة.
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ قال سفيان الثوري: علمه.
* *
ثم قال: ﴿لَّهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: له سلطان ذلك وملكه.
﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: إليه ترد الأمور يوم القيامة فيقضي بين خلقه بحكمه وعدله.
* *
ثم قال: ﴿يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ﴾ أي: يدخل هذا في هذا وإذا في ذا أي ما نقص من هذا زاد في ذا.
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ أي: هو ذو علم بضمائر صدور عباده، وما عزمت عليه نفوسهم من خير وشر، وفي الحديث أن الدعاء يستجاب بعد هذه (الآيات البينات).
* *
ثم قال: ﴿آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾.
أي صدقوا بتوحيد الله وكتبه ورسله، وأنفقوا في سبيل الله مما خولكم وأورثكم عن من كان قبلكم، فجعلكم خلفاً فيه، (أي فالذين آمنوا). صدقوا وأنفقوا في سبيل الله لهم أجر كبير، أي: الجنة.
* *
ثم قال: ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ الآية.
أي وأي شيء لكم في ترك الإيمان بالله، والرسول يدعوكم بالحجج والبراهين لتؤمنوا بربكم، لتصدقوا محمداً ﷺ فيما جاءكم به.
* *
ثم قال: ﴿وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾.
أي أخذ الله عز وجل ميثاقكم في صلب آدم عليه السلام إذا قال لكم ألست بربكم، فقلتم بلى.
* *
وقوله: ﴿إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾.
أي إن كنتم تريدون أن تؤمنوا يوماً من الأيام بالله، فالآن أحرى الأوقات أن تؤمنوا به لتتابع الحجج عليكم.
وقيل معناه: إن كنتم عازمين على الإيمان فهذا أوانه لما خطر لكم من البراهين والدلائل.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾.
يعني القرآن.
* *
﴿لِّيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ﴾.
أي من الكفر إلى الإيمان.
وقيل معناه: من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ .
أي لذو رأفة ورحمة بكم، ومن رأفته ورحمته أنزل الله عليكم آيات بينات يخرجكم بها من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.
* *
ثم قال: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ الآية.
أي: أي عذر لكم في ترك الإنفاق في سبيل الله وأنتم خلف الموت فتخلفون ما تبخلون به ويورث بعدكم، ثم يخلفه من ورثه عنكم فيعود الميراث إلى الله عز وجل.
وحضهم على الإنفاق في سبيل الله ليكون ذلك ذخراً لهم عنده من قبل أن يموتوا فلا يقدرون، وتصير الأموال ميراثاً لمن له ميراث السماوات والأرض وهو الله جل ذكره.
* *
ثم قال: ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾.
أي من قبل فتح مكة، وهاجر وقاتل في سبيل الله عز وجل قاله مجاهد وقتادة، أي: لا يستوي في الأجر والفضل من هاجر قبل الفتح وأنفق وقاتل مع من هاجر من بعد ذلك وقاتل وأنفق.
قال قتادة: كان قتالان أحدهما أفضل من الآخر، وكانت نفقتان إحداهما أفضل من الأخرى، كانت النفقة والقتال من قبل فتح مكة أفضل منهما بعد الفتح، وكذلك قال زيد بن أسلم.
وقال الشعبي الفتح هنا فتح الحديبية، فالذين أنفقوا وقاتلوا قبل فتح الحديبية أعظم درجة من الذين أنفقوا وقاتلوا بعد ذلك.
وهذا القول اختاره بعض العلماء، لأن الخدري روى أن النبي ﷺ قال: يوم فتح الحديبية يأتي أقوام يحقرون أعمالكم مع أعمالهم قالوا يا رسول الله أمن قريش هم؟ قال لا، هم أهل اليمن أرق أفئدة وألين قلوباً، قلنا يا رسول الله أهم خير منا. قال لو أن لأحدهم جبل ذهباً ثم أنفقه ما بلغ (مد أحدكم ولا نصيفه) هذا فضل ما بيننا وبين الناس، لا يستوي منكم من أنفق قبل الفتح وقاتل إلى قوله ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
ثم قال: ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: والذين أنفقوا من قبل ومن بعد وقاتلوا كلهم وعدهم الله الجنة.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: بما تعملون من النفقة في سبيل الله وقتل أعدائه وغير ذلك من أعمالكم، ذو خبر وعلم، لا يخفى عليه شيء من ذلك.
الحديد 57:4
قوله: ﴿سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ الآيات.
أي: كل ما دون الله من خلقه يسبح تعظيماً له وإقراراً بربوبيته وقيل التسبيح فيما لا ينطق هو ظهور أثر الصنعة فيه.
وقيل: بل كل ما لا ينطق والله أعلم بتسبيحه، ودل على ذلك قوله: ﴿وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] ولو كان تسبيح ما لا ينطق أثر الصنعة عليه لكان ذلك [شيئاً] يفقه (ويعلم ظاهرا عندنا).
وقيل: ﴿سَبَّحَ﴾ في هذا وما بعده من السور معناه "صلى".
* *
وقوله: ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ أي: العزيز في انتقامه ممن عصاه الحكيم في تدبيره خلقه، لا يدخل في تدبيره خلل.
* *
ثم قال: ﴿لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ يُحْيِـي وَيُمِيتُ﴾. الآية.
أي له سلطان ذلك كله، فلا شيء فيهن يقدر على الامتناع منه، يحيي ما يشاء من الخلق بأن يوجده كيف يشاء، ويميت من يشاء من الأحياء بعد الحياة عند بلوغ الأجل الذي قدره الله له قبل أن يخلقه.
﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: ذو قدرة لا يمتنع عليه ما يريده من إحياء ميت وموت حي.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ وَٱلظَّاهِرُ وَٱلْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾: أي: هو الأول قبل كل شيء بغير حد، والآخر بعد كل شيء بغير نهاية، وهو الظاهر على كل شيء، فكل شيء دونه، وهو العالي فوق كل شيء، فلا شيء أعلا منه، والباطن في جميع الأشياء، فلا شيء أقرب إلى شيء منه، كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] يعني القرب بعلمه وقدرته وهو فوق عرشه.
قال قتادة:ذكر لنا أن النبي ﷺ بينما هو جالس في أصحابه إذ ثار عليهم سحاب، فقال النبي ﷺ هل تدرون ما هذا، قالوا الله ورسوله أعلم، قال: هذا العنان، هذا راوي الأرض (يسوقه) الله إلى قوم لا يشكونه ولا يرجونه: ثم قال: هل تدرون ما التي فوقكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال: فإنها الرقيع موج مكفوف وسقف محفوظ، قال فهل تدرون كم بينكم وبينها؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال مسيرة خمس مائة عام قال هل تدرون ما فوق ذلك، (قالوا مثل ذلك) قال فوقها سماء أخرى (وبينها خمس مائة عام) ثم قال مثل ذلك حتى ذكر سبع سماوات، ثم قال هل تدرون ما فوق ذلك، قالوا مثل ذلك، قال فإن فوق ذلك العرش وبين السماء السابعة وبينه مثل ما بين السمائين، ثم قال هل تدرون ما التي تحتكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال فإنما الأرض ثم قال مثل ذلك إلى سبع أرضين، وذكر أن بين كل أرض وأرض مسيرة خمس مائة عام، ثم قال والذي نفسي بيده لو دلى أحدكم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله تعالى، ثم قرأ ﴿هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ﴾ الآية
وقال ابن عباس ظهر فوق الظاهرين بقهره المتكبرين.
وقيل معنى "الظاهر والباطن" : يعلم ما ظهر وما بطن، ومنه ظهر الإنسان وبطنه، لأن الظهر غير ساتر، والبطن ساتر، ومنه الظهير وهو العوين على الأشياء حق (يستعلي) عليها، ويعين "وظهير" أي: قوي.
ومنه صلاة الظهر لأنها أول ما ظهرت من الصلوات.
وقيل الظهر والظهيرة: شدة الحر، فسميت الصلاة بالظهر لأنها اسم الوقت الذي تكون فيه، ومنه: ظهرت على فلان: أي قهرته.
* *
وقوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: لا يخفى عليه شيء ظهر ولا بطن في السماء ولا في الأرض كبر أو صغر.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾.
أي: ابتدع ذلك وأنشأه في ستة أيام، مقدار كل يوم ألف عام.
﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ﴾ أي: ارتفع وعلا ارتفاع قدرة وتعظيم وجلالة، لا ارتفاع نقلة.
* *
ثم قال: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾: أي: ما يدخل فيها من الماء وغيره.
﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ أي: من النبات وغيره.
﴿وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ أي ينزل منها إلى الأرض من القطر وغير ذلك.
﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ أي: ما يصعد إليها من الأعمال والملائكة وغير ذلك، لا تخفى عليه خافية في السماوات ولا في الأرض.
﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: بصير بأعمالكم يحصيها عليكم حتى يجازيكم بها يوم القيامة.
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ قال سفيان الثوري: علمه.
* *
ثم قال: ﴿لَّهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: له سلطان ذلك وملكه.
﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: إليه ترد الأمور يوم القيامة فيقضي بين خلقه بحكمه وعدله.
* *
ثم قال: ﴿يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ﴾ أي: يدخل هذا في هذا وإذا في ذا أي ما نقص من هذا زاد في ذا.
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ أي: هو ذو علم بضمائر صدور عباده، وما عزمت عليه نفوسهم من خير وشر، وفي الحديث أن الدعاء يستجاب بعد هذه (الآيات البينات).
* *
ثم قال: ﴿آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾.
أي صدقوا بتوحيد الله وكتبه ورسله، وأنفقوا في سبيل الله مما خولكم وأورثكم عن من كان قبلكم، فجعلكم خلفاً فيه، (أي فالذين آمنوا). صدقوا وأنفقوا في سبيل الله لهم أجر كبير، أي: الجنة.
* *
ثم قال: ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ الآية.
أي وأي شيء لكم في ترك الإيمان بالله، والرسول يدعوكم بالحجج والبراهين لتؤمنوا بربكم، لتصدقوا محمداً ﷺ فيما جاءكم به.
* *
ثم قال: ﴿وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾.
أي أخذ الله عز وجل ميثاقكم في صلب آدم عليه السلام إذا قال لكم ألست بربكم، فقلتم بلى.
* *
وقوله: ﴿إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾.
أي إن كنتم تريدون أن تؤمنوا يوماً من الأيام بالله، فالآن أحرى الأوقات أن تؤمنوا به لتتابع الحجج عليكم.
وقيل معناه: إن كنتم عازمين على الإيمان فهذا أوانه لما خطر لكم من البراهين والدلائل.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾.
يعني القرآن.
* *
﴿لِّيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ﴾.
أي من الكفر إلى الإيمان.
وقيل معناه: من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ .
أي لذو رأفة ورحمة بكم، ومن رأفته ورحمته أنزل الله عليكم آيات بينات يخرجكم بها من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.
* *
ثم قال: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ الآية.
أي: أي عذر لكم في ترك الإنفاق في سبيل الله وأنتم خلف الموت فتخلفون ما تبخلون به ويورث بعدكم، ثم يخلفه من ورثه عنكم فيعود الميراث إلى الله عز وجل.
وحضهم على الإنفاق في سبيل الله ليكون ذلك ذخراً لهم عنده من قبل أن يموتوا فلا يقدرون، وتصير الأموال ميراثاً لمن له ميراث السماوات والأرض وهو الله جل ذكره.
* *
ثم قال: ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾.
أي من قبل فتح مكة، وهاجر وقاتل في سبيل الله عز وجل قاله مجاهد وقتادة، أي: لا يستوي في الأجر والفضل من هاجر قبل الفتح وأنفق وقاتل مع من هاجر من بعد ذلك وقاتل وأنفق.
قال قتادة: كان قتالان أحدهما أفضل من الآخر، وكانت نفقتان إحداهما أفضل من الأخرى، كانت النفقة والقتال من قبل فتح مكة أفضل منهما بعد الفتح، وكذلك قال زيد بن أسلم.
وقال الشعبي الفتح هنا فتح الحديبية، فالذين أنفقوا وقاتلوا قبل فتح الحديبية أعظم درجة من الذين أنفقوا وقاتلوا بعد ذلك.
وهذا القول اختاره بعض العلماء، لأن الخدري روى أن النبي ﷺ قال: يوم فتح الحديبية يأتي أقوام يحقرون أعمالكم مع أعمالهم قالوا يا رسول الله أمن قريش هم؟ قال لا، هم أهل اليمن أرق أفئدة وألين قلوباً، قلنا يا رسول الله أهم خير منا. قال لو أن لأحدهم جبل ذهباً ثم أنفقه ما بلغ (مد أحدكم ولا نصيفه) هذا فضل ما بيننا وبين الناس، لا يستوي منكم من أنفق قبل الفتح وقاتل إلى قوله ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
ثم قال: ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: والذين أنفقوا من قبل ومن بعد وقاتلوا كلهم وعدهم الله الجنة.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: بما تعملون من النفقة في سبيل الله وقتل أعدائه وغير ذلك من أعمالكم، ذو خبر وعلم، لا يخفى عليه شيء من ذلك.
الحديد 57:5
قوله: ﴿سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ الآيات.
أي: كل ما دون الله من خلقه يسبح تعظيماً له وإقراراً بربوبيته وقيل التسبيح فيما لا ينطق هو ظهور أثر الصنعة فيه.
وقيل: بل كل ما لا ينطق والله أعلم بتسبيحه، ودل على ذلك قوله: ﴿وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] ولو كان تسبيح ما لا ينطق أثر الصنعة عليه لكان ذلك [شيئاً] يفقه (ويعلم ظاهرا عندنا).
وقيل: ﴿سَبَّحَ﴾ في هذا وما بعده من السور معناه "صلى".
* *
وقوله: ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ أي: العزيز في انتقامه ممن عصاه الحكيم في تدبيره خلقه، لا يدخل في تدبيره خلل.
* *
ثم قال: ﴿لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ يُحْيِـي وَيُمِيتُ﴾. الآية.
أي له سلطان ذلك كله، فلا شيء فيهن يقدر على الامتناع منه، يحيي ما يشاء من الخلق بأن يوجده كيف يشاء، ويميت من يشاء من الأحياء بعد الحياة عند بلوغ الأجل الذي قدره الله له قبل أن يخلقه.
﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: ذو قدرة لا يمتنع عليه ما يريده من إحياء ميت وموت حي.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ وَٱلظَّاهِرُ وَٱلْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾: أي: هو الأول قبل كل شيء بغير حد، والآخر بعد كل شيء بغير نهاية، وهو الظاهر على كل شيء، فكل شيء دونه، وهو العالي فوق كل شيء، فلا شيء أعلا منه، والباطن في جميع الأشياء، فلا شيء أقرب إلى شيء منه، كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] يعني القرب بعلمه وقدرته وهو فوق عرشه.
قال قتادة:ذكر لنا أن النبي ﷺ بينما هو جالس في أصحابه إذ ثار عليهم سحاب، فقال النبي ﷺ هل تدرون ما هذا، قالوا الله ورسوله أعلم، قال: هذا العنان، هذا راوي الأرض (يسوقه) الله إلى قوم لا يشكونه ولا يرجونه: ثم قال: هل تدرون ما التي فوقكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال: فإنها الرقيع موج مكفوف وسقف محفوظ، قال فهل تدرون كم بينكم وبينها؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال مسيرة خمس مائة عام قال هل تدرون ما فوق ذلك، (قالوا مثل ذلك) قال فوقها سماء أخرى (وبينها خمس مائة عام) ثم قال مثل ذلك حتى ذكر سبع سماوات، ثم قال هل تدرون ما فوق ذلك، قالوا مثل ذلك، قال فإن فوق ذلك العرش وبين السماء السابعة وبينه مثل ما بين السمائين، ثم قال هل تدرون ما التي تحتكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال فإنما الأرض ثم قال مثل ذلك إلى سبع أرضين، وذكر أن بين كل أرض وأرض مسيرة خمس مائة عام، ثم قال والذي نفسي بيده لو دلى أحدكم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله تعالى، ثم قرأ ﴿هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ﴾ الآية
وقال ابن عباس ظهر فوق الظاهرين بقهره المتكبرين.
وقيل معنى "الظاهر والباطن" : يعلم ما ظهر وما بطن، ومنه ظهر الإنسان وبطنه، لأن الظهر غير ساتر، والبطن ساتر، ومنه الظهير وهو العوين على الأشياء حق (يستعلي) عليها، ويعين "وظهير" أي: قوي.
ومنه صلاة الظهر لأنها أول ما ظهرت من الصلوات.
وقيل الظهر والظهيرة: شدة الحر، فسميت الصلاة بالظهر لأنها اسم الوقت الذي تكون فيه، ومنه: ظهرت على فلان: أي قهرته.
* *
وقوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: لا يخفى عليه شيء ظهر ولا بطن في السماء ولا في الأرض كبر أو صغر.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾.
أي: ابتدع ذلك وأنشأه في ستة أيام، مقدار كل يوم ألف عام.
﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ﴾ أي: ارتفع وعلا ارتفاع قدرة وتعظيم وجلالة، لا ارتفاع نقلة.
* *
ثم قال: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾: أي: ما يدخل فيها من الماء وغيره.
﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ أي: من النبات وغيره.
﴿وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ أي ينزل منها إلى الأرض من القطر وغير ذلك.
﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ أي: ما يصعد إليها من الأعمال والملائكة وغير ذلك، لا تخفى عليه خافية في السماوات ولا في الأرض.
﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: بصير بأعمالكم يحصيها عليكم حتى يجازيكم بها يوم القيامة.
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ قال سفيان الثوري: علمه.
* *
ثم قال: ﴿لَّهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: له سلطان ذلك وملكه.
﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: إليه ترد الأمور يوم القيامة فيقضي بين خلقه بحكمه وعدله.
* *
ثم قال: ﴿يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ﴾ أي: يدخل هذا في هذا وإذا في ذا أي ما نقص من هذا زاد في ذا.
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ أي: هو ذو علم بضمائر صدور عباده، وما عزمت عليه نفوسهم من خير وشر، وفي الحديث أن الدعاء يستجاب بعد هذه (الآيات البينات).
* *
ثم قال: ﴿آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾.
أي صدقوا بتوحيد الله وكتبه ورسله، وأنفقوا في سبيل الله مما خولكم وأورثكم عن من كان قبلكم، فجعلكم خلفاً فيه، (أي فالذين آمنوا). صدقوا وأنفقوا في سبيل الله لهم أجر كبير، أي: الجنة.
* *
ثم قال: ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ الآية.
أي وأي شيء لكم في ترك الإيمان بالله، والرسول يدعوكم بالحجج والبراهين لتؤمنوا بربكم، لتصدقوا محمداً ﷺ فيما جاءكم به.
* *
ثم قال: ﴿وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾.
أي أخذ الله عز وجل ميثاقكم في صلب آدم عليه السلام إذا قال لكم ألست بربكم، فقلتم بلى.
* *
وقوله: ﴿إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾.
أي إن كنتم تريدون أن تؤمنوا يوماً من الأيام بالله، فالآن أحرى الأوقات أن تؤمنوا به لتتابع الحجج عليكم.
وقيل معناه: إن كنتم عازمين على الإيمان فهذا أوانه لما خطر لكم من البراهين والدلائل.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾.
يعني القرآن.
* *
﴿لِّيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ﴾.
أي من الكفر إلى الإيمان.
وقيل معناه: من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ .
أي لذو رأفة ورحمة بكم، ومن رأفته ورحمته أنزل الله عليكم آيات بينات يخرجكم بها من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.
* *
ثم قال: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ الآية.
أي: أي عذر لكم في ترك الإنفاق في سبيل الله وأنتم خلف الموت فتخلفون ما تبخلون به ويورث بعدكم، ثم يخلفه من ورثه عنكم فيعود الميراث إلى الله عز وجل.
وحضهم على الإنفاق في سبيل الله ليكون ذلك ذخراً لهم عنده من قبل أن يموتوا فلا يقدرون، وتصير الأموال ميراثاً لمن له ميراث السماوات والأرض وهو الله جل ذكره.
* *
ثم قال: ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾.
أي من قبل فتح مكة، وهاجر وقاتل في سبيل الله عز وجل قاله مجاهد وقتادة، أي: لا يستوي في الأجر والفضل من هاجر قبل الفتح وأنفق وقاتل مع من هاجر من بعد ذلك وقاتل وأنفق.
قال قتادة: كان قتالان أحدهما أفضل من الآخر، وكانت نفقتان إحداهما أفضل من الأخرى، كانت النفقة والقتال من قبل فتح مكة أفضل منهما بعد الفتح، وكذلك قال زيد بن أسلم.
وقال الشعبي الفتح هنا فتح الحديبية، فالذين أنفقوا وقاتلوا قبل فتح الحديبية أعظم درجة من الذين أنفقوا وقاتلوا بعد ذلك.
وهذا القول اختاره بعض العلماء، لأن الخدري روى أن النبي ﷺ قال: يوم فتح الحديبية يأتي أقوام يحقرون أعمالكم مع أعمالهم قالوا يا رسول الله أمن قريش هم؟ قال لا، هم أهل اليمن أرق أفئدة وألين قلوباً، قلنا يا رسول الله أهم خير منا. قال لو أن لأحدهم جبل ذهباً ثم أنفقه ما بلغ (مد أحدكم ولا نصيفه) هذا فضل ما بيننا وبين الناس، لا يستوي منكم من أنفق قبل الفتح وقاتل إلى قوله ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
ثم قال: ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: والذين أنفقوا من قبل ومن بعد وقاتلوا كلهم وعدهم الله الجنة.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: بما تعملون من النفقة في سبيل الله وقتل أعدائه وغير ذلك من أعمالكم، ذو خبر وعلم، لا يخفى عليه شيء من ذلك.
الحديد 57:6
قوله: ﴿سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ الآيات.
أي: كل ما دون الله من خلقه يسبح تعظيماً له وإقراراً بربوبيته وقيل التسبيح فيما لا ينطق هو ظهور أثر الصنعة فيه.
وقيل: بل كل ما لا ينطق والله أعلم بتسبيحه، ودل على ذلك قوله: ﴿وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] ولو كان تسبيح ما لا ينطق أثر الصنعة عليه لكان ذلك [شيئاً] يفقه (ويعلم ظاهرا عندنا).
وقيل: ﴿سَبَّحَ﴾ في هذا وما بعده من السور معناه "صلى".
* *
وقوله: ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ أي: العزيز في انتقامه ممن عصاه الحكيم في تدبيره خلقه، لا يدخل في تدبيره خلل.
* *
ثم قال: ﴿لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ يُحْيِـي وَيُمِيتُ﴾. الآية.
أي له سلطان ذلك كله، فلا شيء فيهن يقدر على الامتناع منه، يحيي ما يشاء من الخلق بأن يوجده كيف يشاء، ويميت من يشاء من الأحياء بعد الحياة عند بلوغ الأجل الذي قدره الله له قبل أن يخلقه.
﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: ذو قدرة لا يمتنع عليه ما يريده من إحياء ميت وموت حي.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ وَٱلظَّاهِرُ وَٱلْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾: أي: هو الأول قبل كل شيء بغير حد، والآخر بعد كل شيء بغير نهاية، وهو الظاهر على كل شيء، فكل شيء دونه، وهو العالي فوق كل شيء، فلا شيء أعلا منه، والباطن في جميع الأشياء، فلا شيء أقرب إلى شيء منه، كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] يعني القرب بعلمه وقدرته وهو فوق عرشه.
قال قتادة:ذكر لنا أن النبي ﷺ بينما هو جالس في أصحابه إذ ثار عليهم سحاب، فقال النبي ﷺ هل تدرون ما هذا، قالوا الله ورسوله أعلم، قال: هذا العنان، هذا راوي الأرض (يسوقه) الله إلى قوم لا يشكونه ولا يرجونه: ثم قال: هل تدرون ما التي فوقكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال: فإنها الرقيع موج مكفوف وسقف محفوظ، قال فهل تدرون كم بينكم وبينها؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال مسيرة خمس مائة عام قال هل تدرون ما فوق ذلك، (قالوا مثل ذلك) قال فوقها سماء أخرى (وبينها خمس مائة عام) ثم قال مثل ذلك حتى ذكر سبع سماوات، ثم قال هل تدرون ما فوق ذلك، قالوا مثل ذلك، قال فإن فوق ذلك العرش وبين السماء السابعة وبينه مثل ما بين السمائين، ثم قال هل تدرون ما التي تحتكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال فإنما الأرض ثم قال مثل ذلك إلى سبع أرضين، وذكر أن بين كل أرض وأرض مسيرة خمس مائة عام، ثم قال والذي نفسي بيده لو دلى أحدكم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله تعالى، ثم قرأ ﴿هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ﴾ الآية
وقال ابن عباس ظهر فوق الظاهرين بقهره المتكبرين.
وقيل معنى "الظاهر والباطن" : يعلم ما ظهر وما بطن، ومنه ظهر الإنسان وبطنه، لأن الظهر غير ساتر، والبطن ساتر، ومنه الظهير وهو العوين على الأشياء حق (يستعلي) عليها، ويعين "وظهير" أي: قوي.
ومنه صلاة الظهر لأنها أول ما ظهرت من الصلوات.
وقيل الظهر والظهيرة: شدة الحر، فسميت الصلاة بالظهر لأنها اسم الوقت الذي تكون فيه، ومنه: ظهرت على فلان: أي قهرته.
* *
وقوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: لا يخفى عليه شيء ظهر ولا بطن في السماء ولا في الأرض كبر أو صغر.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾.
أي: ابتدع ذلك وأنشأه في ستة أيام، مقدار كل يوم ألف عام.
﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ﴾ أي: ارتفع وعلا ارتفاع قدرة وتعظيم وجلالة، لا ارتفاع نقلة.
* *
ثم قال: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾: أي: ما يدخل فيها من الماء وغيره.
﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ أي: من النبات وغيره.
﴿وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ أي ينزل منها إلى الأرض من القطر وغير ذلك.
﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ أي: ما يصعد إليها من الأعمال والملائكة وغير ذلك، لا تخفى عليه خافية في السماوات ولا في الأرض.
﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: بصير بأعمالكم يحصيها عليكم حتى يجازيكم بها يوم القيامة.
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ قال سفيان الثوري: علمه.
* *
ثم قال: ﴿لَّهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: له سلطان ذلك وملكه.
﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: إليه ترد الأمور يوم القيامة فيقضي بين خلقه بحكمه وعدله.
* *
ثم قال: ﴿يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ﴾ أي: يدخل هذا في هذا وإذا في ذا أي ما نقص من هذا زاد في ذا.
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ أي: هو ذو علم بضمائر صدور عباده، وما عزمت عليه نفوسهم من خير وشر، وفي الحديث أن الدعاء يستجاب بعد هذه (الآيات البينات).
* *
ثم قال: ﴿آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾.
أي صدقوا بتوحيد الله وكتبه ورسله، وأنفقوا في سبيل الله مما خولكم وأورثكم عن من كان قبلكم، فجعلكم خلفاً فيه، (أي فالذين آمنوا). صدقوا وأنفقوا في سبيل الله لهم أجر كبير، أي: الجنة.
* *
ثم قال: ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ الآية.
أي وأي شيء لكم في ترك الإيمان بالله، والرسول يدعوكم بالحجج والبراهين لتؤمنوا بربكم، لتصدقوا محمداً ﷺ فيما جاءكم به.
* *
ثم قال: ﴿وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾.
أي أخذ الله عز وجل ميثاقكم في صلب آدم عليه السلام إذا قال لكم ألست بربكم، فقلتم بلى.
* *
وقوله: ﴿إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾.
أي إن كنتم تريدون أن تؤمنوا يوماً من الأيام بالله، فالآن أحرى الأوقات أن تؤمنوا به لتتابع الحجج عليكم.
وقيل معناه: إن كنتم عازمين على الإيمان فهذا أوانه لما خطر لكم من البراهين والدلائل.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾.
يعني القرآن.
* *
﴿لِّيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ﴾.
أي من الكفر إلى الإيمان.
وقيل معناه: من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ .
أي لذو رأفة ورحمة بكم، ومن رأفته ورحمته أنزل الله عليكم آيات بينات يخرجكم بها من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.
* *
ثم قال: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ الآية.
أي: أي عذر لكم في ترك الإنفاق في سبيل الله وأنتم خلف الموت فتخلفون ما تبخلون به ويورث بعدكم، ثم يخلفه من ورثه عنكم فيعود الميراث إلى الله عز وجل.
وحضهم على الإنفاق في سبيل الله ليكون ذلك ذخراً لهم عنده من قبل أن يموتوا فلا يقدرون، وتصير الأموال ميراثاً لمن له ميراث السماوات والأرض وهو الله جل ذكره.
* *
ثم قال: ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾.
أي من قبل فتح مكة، وهاجر وقاتل في سبيل الله عز وجل قاله مجاهد وقتادة، أي: لا يستوي في الأجر والفضل من هاجر قبل الفتح وأنفق وقاتل مع من هاجر من بعد ذلك وقاتل وأنفق.
قال قتادة: كان قتالان أحدهما أفضل من الآخر، وكانت نفقتان إحداهما أفضل من الأخرى، كانت النفقة والقتال من قبل فتح مكة أفضل منهما بعد الفتح، وكذلك قال زيد بن أسلم.
وقال الشعبي الفتح هنا فتح الحديبية، فالذين أنفقوا وقاتلوا قبل فتح الحديبية أعظم درجة من الذين أنفقوا وقاتلوا بعد ذلك.
وهذا القول اختاره بعض العلماء، لأن الخدري روى أن النبي ﷺ قال: يوم فتح الحديبية يأتي أقوام يحقرون أعمالكم مع أعمالهم قالوا يا رسول الله أمن قريش هم؟ قال لا، هم أهل اليمن أرق أفئدة وألين قلوباً، قلنا يا رسول الله أهم خير منا. قال لو أن لأحدهم جبل ذهباً ثم أنفقه ما بلغ (مد أحدكم ولا نصيفه) هذا فضل ما بيننا وبين الناس، لا يستوي منكم من أنفق قبل الفتح وقاتل إلى قوله ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
ثم قال: ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: والذين أنفقوا من قبل ومن بعد وقاتلوا كلهم وعدهم الله الجنة.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: بما تعملون من النفقة في سبيل الله وقتل أعدائه وغير ذلك من أعمالكم، ذو خبر وعلم، لا يخفى عليه شيء من ذلك.
الحديد 57:7
قوله: ﴿سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ الآيات.
أي: كل ما دون الله من خلقه يسبح تعظيماً له وإقراراً بربوبيته وقيل التسبيح فيما لا ينطق هو ظهور أثر الصنعة فيه.
وقيل: بل كل ما لا ينطق والله أعلم بتسبيحه، ودل على ذلك قوله: ﴿وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] ولو كان تسبيح ما لا ينطق أثر الصنعة عليه لكان ذلك [شيئاً] يفقه (ويعلم ظاهرا عندنا).
وقيل: ﴿سَبَّحَ﴾ في هذا وما بعده من السور معناه "صلى".
* *
وقوله: ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ أي: العزيز في انتقامه ممن عصاه الحكيم في تدبيره خلقه، لا يدخل في تدبيره خلل.
* *
ثم قال: ﴿لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ يُحْيِـي وَيُمِيتُ﴾. الآية.
أي له سلطان ذلك كله، فلا شيء فيهن يقدر على الامتناع منه، يحيي ما يشاء من الخلق بأن يوجده كيف يشاء، ويميت من يشاء من الأحياء بعد الحياة عند بلوغ الأجل الذي قدره الله له قبل أن يخلقه.
﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: ذو قدرة لا يمتنع عليه ما يريده من إحياء ميت وموت حي.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ وَٱلظَّاهِرُ وَٱلْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾: أي: هو الأول قبل كل شيء بغير حد، والآخر بعد كل شيء بغير نهاية، وهو الظاهر على كل شيء، فكل شيء دونه، وهو العالي فوق كل شيء، فلا شيء أعلا منه، والباطن في جميع الأشياء، فلا شيء أقرب إلى شيء منه، كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] يعني القرب بعلمه وقدرته وهو فوق عرشه.
قال قتادة:ذكر لنا أن النبي ﷺ بينما هو جالس في أصحابه إذ ثار عليهم سحاب، فقال النبي ﷺ هل تدرون ما هذا، قالوا الله ورسوله أعلم، قال: هذا العنان، هذا راوي الأرض (يسوقه) الله إلى قوم لا يشكونه ولا يرجونه: ثم قال: هل تدرون ما التي فوقكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال: فإنها الرقيع موج مكفوف وسقف محفوظ، قال فهل تدرون كم بينكم وبينها؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال مسيرة خمس مائة عام قال هل تدرون ما فوق ذلك، (قالوا مثل ذلك) قال فوقها سماء أخرى (وبينها خمس مائة عام) ثم قال مثل ذلك حتى ذكر سبع سماوات، ثم قال هل تدرون ما فوق ذلك، قالوا مثل ذلك، قال فإن فوق ذلك العرش وبين السماء السابعة وبينه مثل ما بين السمائين، ثم قال هل تدرون ما التي تحتكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال فإنما الأرض ثم قال مثل ذلك إلى سبع أرضين، وذكر أن بين كل أرض وأرض مسيرة خمس مائة عام، ثم قال والذي نفسي بيده لو دلى أحدكم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله تعالى، ثم قرأ ﴿هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ﴾ الآية
وقال ابن عباس ظهر فوق الظاهرين بقهره المتكبرين.
وقيل معنى "الظاهر والباطن" : يعلم ما ظهر وما بطن، ومنه ظهر الإنسان وبطنه، لأن الظهر غير ساتر، والبطن ساتر، ومنه الظهير وهو العوين على الأشياء حق (يستعلي) عليها، ويعين "وظهير" أي: قوي.
ومنه صلاة الظهر لأنها أول ما ظهرت من الصلوات.
وقيل الظهر والظهيرة: شدة الحر، فسميت الصلاة بالظهر لأنها اسم الوقت الذي تكون فيه، ومنه: ظهرت على فلان: أي قهرته.
* *
وقوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: لا يخفى عليه شيء ظهر ولا بطن في السماء ولا في الأرض كبر أو صغر.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾.
أي: ابتدع ذلك وأنشأه في ستة أيام، مقدار كل يوم ألف عام.
﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ﴾ أي: ارتفع وعلا ارتفاع قدرة وتعظيم وجلالة، لا ارتفاع نقلة.
* *
ثم قال: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾: أي: ما يدخل فيها من الماء وغيره.
﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ أي: من النبات وغيره.
﴿وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ أي ينزل منها إلى الأرض من القطر وغير ذلك.
﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ أي: ما يصعد إليها من الأعمال والملائكة وغير ذلك، لا تخفى عليه خافية في السماوات ولا في الأرض.
﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: بصير بأعمالكم يحصيها عليكم حتى يجازيكم بها يوم القيامة.
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ قال سفيان الثوري: علمه.
* *
ثم قال: ﴿لَّهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: له سلطان ذلك وملكه.
﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: إليه ترد الأمور يوم القيامة فيقضي بين خلقه بحكمه وعدله.
* *
ثم قال: ﴿يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ﴾ أي: يدخل هذا في هذا وإذا في ذا أي ما نقص من هذا زاد في ذا.
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ أي: هو ذو علم بضمائر صدور عباده، وما عزمت عليه نفوسهم من خير وشر، وفي الحديث أن الدعاء يستجاب بعد هذه (الآيات البينات).
* *
ثم قال: ﴿آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾.
أي صدقوا بتوحيد الله وكتبه ورسله، وأنفقوا في سبيل الله مما خولكم وأورثكم عن من كان قبلكم، فجعلكم خلفاً فيه، (أي فالذين آمنوا). صدقوا وأنفقوا في سبيل الله لهم أجر كبير، أي: الجنة.
* *
ثم قال: ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ الآية.
أي وأي شيء لكم في ترك الإيمان بالله، والرسول يدعوكم بالحجج والبراهين لتؤمنوا بربكم، لتصدقوا محمداً ﷺ فيما جاءكم به.
* *
ثم قال: ﴿وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾.
أي أخذ الله عز وجل ميثاقكم في صلب آدم عليه السلام إذا قال لكم ألست بربكم، فقلتم بلى.
* *
وقوله: ﴿إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾.
أي إن كنتم تريدون أن تؤمنوا يوماً من الأيام بالله، فالآن أحرى الأوقات أن تؤمنوا به لتتابع الحجج عليكم.
وقيل معناه: إن كنتم عازمين على الإيمان فهذا أوانه لما خطر لكم من البراهين والدلائل.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾.
يعني القرآن.
* *
﴿لِّيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ﴾.
أي من الكفر إلى الإيمان.
وقيل معناه: من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ .
أي لذو رأفة ورحمة بكم، ومن رأفته ورحمته أنزل الله عليكم آيات بينات يخرجكم بها من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.
* *
ثم قال: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ الآية.
أي: أي عذر لكم في ترك الإنفاق في سبيل الله وأنتم خلف الموت فتخلفون ما تبخلون به ويورث بعدكم، ثم يخلفه من ورثه عنكم فيعود الميراث إلى الله عز وجل.
وحضهم على الإنفاق في سبيل الله ليكون ذلك ذخراً لهم عنده من قبل أن يموتوا فلا يقدرون، وتصير الأموال ميراثاً لمن له ميراث السماوات والأرض وهو الله جل ذكره.
* *
ثم قال: ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾.
أي من قبل فتح مكة، وهاجر وقاتل في سبيل الله عز وجل قاله مجاهد وقتادة، أي: لا يستوي في الأجر والفضل من هاجر قبل الفتح وأنفق وقاتل مع من هاجر من بعد ذلك وقاتل وأنفق.
قال قتادة: كان قتالان أحدهما أفضل من الآخر، وكانت نفقتان إحداهما أفضل من الأخرى، كانت النفقة والقتال من قبل فتح مكة أفضل منهما بعد الفتح، وكذلك قال زيد بن أسلم.
وقال الشعبي الفتح هنا فتح الحديبية، فالذين أنفقوا وقاتلوا قبل فتح الحديبية أعظم درجة من الذين أنفقوا وقاتلوا بعد ذلك.
وهذا القول اختاره بعض العلماء، لأن الخدري روى أن النبي ﷺ قال: يوم فتح الحديبية يأتي أقوام يحقرون أعمالكم مع أعمالهم قالوا يا رسول الله أمن قريش هم؟ قال لا، هم أهل اليمن أرق أفئدة وألين قلوباً، قلنا يا رسول الله أهم خير منا. قال لو أن لأحدهم جبل ذهباً ثم أنفقه ما بلغ (مد أحدكم ولا نصيفه) هذا فضل ما بيننا وبين الناس، لا يستوي منكم من أنفق قبل الفتح وقاتل إلى قوله ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
ثم قال: ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: والذين أنفقوا من قبل ومن بعد وقاتلوا كلهم وعدهم الله الجنة.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: بما تعملون من النفقة في سبيل الله وقتل أعدائه وغير ذلك من أعمالكم، ذو خبر وعلم، لا يخفى عليه شيء من ذلك.
الحديد 57:8
قوله: ﴿سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ الآيات.
أي: كل ما دون الله من خلقه يسبح تعظيماً له وإقراراً بربوبيته وقيل التسبيح فيما لا ينطق هو ظهور أثر الصنعة فيه.
وقيل: بل كل ما لا ينطق والله أعلم بتسبيحه، ودل على ذلك قوله: ﴿وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] ولو كان تسبيح ما لا ينطق أثر الصنعة عليه لكان ذلك [شيئاً] يفقه (ويعلم ظاهرا عندنا).
وقيل: ﴿سَبَّحَ﴾ في هذا وما بعده من السور معناه "صلى".
* *
وقوله: ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ أي: العزيز في انتقامه ممن عصاه الحكيم في تدبيره خلقه، لا يدخل في تدبيره خلل.
* *
ثم قال: ﴿لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ يُحْيِـي وَيُمِيتُ﴾. الآية.
أي له سلطان ذلك كله، فلا شيء فيهن يقدر على الامتناع منه، يحيي ما يشاء من الخلق بأن يوجده كيف يشاء، ويميت من يشاء من الأحياء بعد الحياة عند بلوغ الأجل الذي قدره الله له قبل أن يخلقه.
﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: ذو قدرة لا يمتنع عليه ما يريده من إحياء ميت وموت حي.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ وَٱلظَّاهِرُ وَٱلْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾: أي: هو الأول قبل كل شيء بغير حد، والآخر بعد كل شيء بغير نهاية، وهو الظاهر على كل شيء، فكل شيء دونه، وهو العالي فوق كل شيء، فلا شيء أعلا منه، والباطن في جميع الأشياء، فلا شيء أقرب إلى شيء منه، كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] يعني القرب بعلمه وقدرته وهو فوق عرشه.
قال قتادة:ذكر لنا أن النبي ﷺ بينما هو جالس في أصحابه إذ ثار عليهم سحاب، فقال النبي ﷺ هل تدرون ما هذا، قالوا الله ورسوله أعلم، قال: هذا العنان، هذا راوي الأرض (يسوقه) الله إلى قوم لا يشكونه ولا يرجونه: ثم قال: هل تدرون ما التي فوقكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال: فإنها الرقيع موج مكفوف وسقف محفوظ، قال فهل تدرون كم بينكم وبينها؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال مسيرة خمس مائة عام قال هل تدرون ما فوق ذلك، (قالوا مثل ذلك) قال فوقها سماء أخرى (وبينها خمس مائة عام) ثم قال مثل ذلك حتى ذكر سبع سماوات، ثم قال هل تدرون ما فوق ذلك، قالوا مثل ذلك، قال فإن فوق ذلك العرش وبين السماء السابعة وبينه مثل ما بين السمائين، ثم قال هل تدرون ما التي تحتكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال فإنما الأرض ثم قال مثل ذلك إلى سبع أرضين، وذكر أن بين كل أرض وأرض مسيرة خمس مائة عام، ثم قال والذي نفسي بيده لو دلى أحدكم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله تعالى، ثم قرأ ﴿هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ﴾ الآية
وقال ابن عباس ظهر فوق الظاهرين بقهره المتكبرين.
وقيل معنى "الظاهر والباطن" : يعلم ما ظهر وما بطن، ومنه ظهر الإنسان وبطنه، لأن الظهر غير ساتر، والبطن ساتر، ومنه الظهير وهو العوين على الأشياء حق (يستعلي) عليها، ويعين "وظهير" أي: قوي.
ومنه صلاة الظهر لأنها أول ما ظهرت من الصلوات.
وقيل الظهر والظهيرة: شدة الحر، فسميت الصلاة بالظهر لأنها اسم الوقت الذي تكون فيه، ومنه: ظهرت على فلان: أي قهرته.
* *
وقوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: لا يخفى عليه شيء ظهر ولا بطن في السماء ولا في الأرض كبر أو صغر.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾.
أي: ابتدع ذلك وأنشأه في ستة أيام، مقدار كل يوم ألف عام.
﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ﴾ أي: ارتفع وعلا ارتفاع قدرة وتعظيم وجلالة، لا ارتفاع نقلة.
* *
ثم قال: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾: أي: ما يدخل فيها من الماء وغيره.
﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ أي: من النبات وغيره.
﴿وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ أي ينزل منها إلى الأرض من القطر وغير ذلك.
﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ أي: ما يصعد إليها من الأعمال والملائكة وغير ذلك، لا تخفى عليه خافية في السماوات ولا في الأرض.
﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: بصير بأعمالكم يحصيها عليكم حتى يجازيكم بها يوم القيامة.
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ قال سفيان الثوري: علمه.
* *
ثم قال: ﴿لَّهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: له سلطان ذلك وملكه.
﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: إليه ترد الأمور يوم القيامة فيقضي بين خلقه بحكمه وعدله.
* *
ثم قال: ﴿يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ﴾ أي: يدخل هذا في هذا وإذا في ذا أي ما نقص من هذا زاد في ذا.
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ أي: هو ذو علم بضمائر صدور عباده، وما عزمت عليه نفوسهم من خير وشر، وفي الحديث أن الدعاء يستجاب بعد هذه (الآيات البينات).
* *
ثم قال: ﴿آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾.
أي صدقوا بتوحيد الله وكتبه ورسله، وأنفقوا في سبيل الله مما خولكم وأورثكم عن من كان قبلكم، فجعلكم خلفاً فيه، (أي فالذين آمنوا). صدقوا وأنفقوا في سبيل الله لهم أجر كبير، أي: الجنة.
* *
ثم قال: ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ الآية.
أي وأي شيء لكم في ترك الإيمان بالله، والرسول يدعوكم بالحجج والبراهين لتؤمنوا بربكم، لتصدقوا محمداً ﷺ فيما جاءكم به.
* *
ثم قال: ﴿وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾.
أي أخذ الله عز وجل ميثاقكم في صلب آدم عليه السلام إذا قال لكم ألست بربكم، فقلتم بلى.
* *
وقوله: ﴿إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾.
أي إن كنتم تريدون أن تؤمنوا يوماً من الأيام بالله، فالآن أحرى الأوقات أن تؤمنوا به لتتابع الحجج عليكم.
وقيل معناه: إن كنتم عازمين على الإيمان فهذا أوانه لما خطر لكم من البراهين والدلائل.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾.
يعني القرآن.
* *
﴿لِّيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ﴾.
أي من الكفر إلى الإيمان.
وقيل معناه: من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ .
أي لذو رأفة ورحمة بكم، ومن رأفته ورحمته أنزل الله عليكم آيات بينات يخرجكم بها من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.
* *
ثم قال: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ الآية.
أي: أي عذر لكم في ترك الإنفاق في سبيل الله وأنتم خلف الموت فتخلفون ما تبخلون به ويورث بعدكم، ثم يخلفه من ورثه عنكم فيعود الميراث إلى الله عز وجل.
وحضهم على الإنفاق في سبيل الله ليكون ذلك ذخراً لهم عنده من قبل أن يموتوا فلا يقدرون، وتصير الأموال ميراثاً لمن له ميراث السماوات والأرض وهو الله جل ذكره.
* *
ثم قال: ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾.
أي من قبل فتح مكة، وهاجر وقاتل في سبيل الله عز وجل قاله مجاهد وقتادة، أي: لا يستوي في الأجر والفضل من هاجر قبل الفتح وأنفق وقاتل مع من هاجر من بعد ذلك وقاتل وأنفق.
قال قتادة: كان قتالان أحدهما أفضل من الآخر، وكانت نفقتان إحداهما أفضل من الأخرى، كانت النفقة والقتال من قبل فتح مكة أفضل منهما بعد الفتح، وكذلك قال زيد بن أسلم.
وقال الشعبي الفتح هنا فتح الحديبية، فالذين أنفقوا وقاتلوا قبل فتح الحديبية أعظم درجة من الذين أنفقوا وقاتلوا بعد ذلك.
وهذا القول اختاره بعض العلماء، لأن الخدري روى أن النبي ﷺ قال: يوم فتح الحديبية يأتي أقوام يحقرون أعمالكم مع أعمالهم قالوا يا رسول الله أمن قريش هم؟ قال لا، هم أهل اليمن أرق أفئدة وألين قلوباً، قلنا يا رسول الله أهم خير منا. قال لو أن لأحدهم جبل ذهباً ثم أنفقه ما بلغ (مد أحدكم ولا نصيفه) هذا فضل ما بيننا وبين الناس، لا يستوي منكم من أنفق قبل الفتح وقاتل إلى قوله ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
ثم قال: ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: والذين أنفقوا من قبل ومن بعد وقاتلوا كلهم وعدهم الله الجنة.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: بما تعملون من النفقة في سبيل الله وقتل أعدائه وغير ذلك من أعمالكم، ذو خبر وعلم، لا يخفى عليه شيء من ذلك.
الحديد 57:9
قوله: ﴿سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ الآيات.
أي: كل ما دون الله من خلقه يسبح تعظيماً له وإقراراً بربوبيته وقيل التسبيح فيما لا ينطق هو ظهور أثر الصنعة فيه.
وقيل: بل كل ما لا ينطق والله أعلم بتسبيحه، ودل على ذلك قوله: ﴿وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] ولو كان تسبيح ما لا ينطق أثر الصنعة عليه لكان ذلك [شيئاً] يفقه (ويعلم ظاهرا عندنا).
وقيل: ﴿سَبَّحَ﴾ في هذا وما بعده من السور معناه "صلى".
* *
وقوله: ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ أي: العزيز في انتقامه ممن عصاه الحكيم في تدبيره خلقه، لا يدخل في تدبيره خلل.
* *
ثم قال: ﴿لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ يُحْيِـي وَيُمِيتُ﴾. الآية.
أي له سلطان ذلك كله، فلا شيء فيهن يقدر على الامتناع منه، يحيي ما يشاء من الخلق بأن يوجده كيف يشاء، ويميت من يشاء من الأحياء بعد الحياة عند بلوغ الأجل الذي قدره الله له قبل أن يخلقه.
﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: ذو قدرة لا يمتنع عليه ما يريده من إحياء ميت وموت حي.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ وَٱلظَّاهِرُ وَٱلْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾: أي: هو الأول قبل كل شيء بغير حد، والآخر بعد كل شيء بغير نهاية، وهو الظاهر على كل شيء، فكل شيء دونه، وهو العالي فوق كل شيء، فلا شيء أعلا منه، والباطن في جميع الأشياء، فلا شيء أقرب إلى شيء منه، كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] يعني القرب بعلمه وقدرته وهو فوق عرشه.
قال قتادة:ذكر لنا أن النبي ﷺ بينما هو جالس في أصحابه إذ ثار عليهم سحاب، فقال النبي ﷺ هل تدرون ما هذا، قالوا الله ورسوله أعلم، قال: هذا العنان، هذا راوي الأرض (يسوقه) الله إلى قوم لا يشكونه ولا يرجونه: ثم قال: هل تدرون ما التي فوقكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال: فإنها الرقيع موج مكفوف وسقف محفوظ، قال فهل تدرون كم بينكم وبينها؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال مسيرة خمس مائة عام قال هل تدرون ما فوق ذلك، (قالوا مثل ذلك) قال فوقها سماء أخرى (وبينها خمس مائة عام) ثم قال مثل ذلك حتى ذكر سبع سماوات، ثم قال هل تدرون ما فوق ذلك، قالوا مثل ذلك، قال فإن فوق ذلك العرش وبين السماء السابعة وبينه مثل ما بين السمائين، ثم قال هل تدرون ما التي تحتكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال فإنما الأرض ثم قال مثل ذلك إلى سبع أرضين، وذكر أن بين كل أرض وأرض مسيرة خمس مائة عام، ثم قال والذي نفسي بيده لو دلى أحدكم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله تعالى، ثم قرأ ﴿هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ﴾ الآية
وقال ابن عباس ظهر فوق الظاهرين بقهره المتكبرين.
وقيل معنى "الظاهر والباطن" : يعلم ما ظهر وما بطن، ومنه ظهر الإنسان وبطنه، لأن الظهر غير ساتر، والبطن ساتر، ومنه الظهير وهو العوين على الأشياء حق (يستعلي) عليها، ويعين "وظهير" أي: قوي.
ومنه صلاة الظهر لأنها أول ما ظهرت من الصلوات.
وقيل الظهر والظهيرة: شدة الحر، فسميت الصلاة بالظهر لأنها اسم الوقت الذي تكون فيه، ومنه: ظهرت على فلان: أي قهرته.
* *
وقوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: لا يخفى عليه شيء ظهر ولا بطن في السماء ولا في الأرض كبر أو صغر.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾.
أي: ابتدع ذلك وأنشأه في ستة أيام، مقدار كل يوم ألف عام.
﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ﴾ أي: ارتفع وعلا ارتفاع قدرة وتعظيم وجلالة، لا ارتفاع نقلة.
* *
ثم قال: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾: أي: ما يدخل فيها من الماء وغيره.
﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ أي: من النبات وغيره.
﴿وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ أي ينزل منها إلى الأرض من القطر وغير ذلك.
﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ أي: ما يصعد إليها من الأعمال والملائكة وغير ذلك، لا تخفى عليه خافية في السماوات ولا في الأرض.
﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: بصير بأعمالكم يحصيها عليكم حتى يجازيكم بها يوم القيامة.
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ قال سفيان الثوري: علمه.
* *
ثم قال: ﴿لَّهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: له سلطان ذلك وملكه.
﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: إليه ترد الأمور يوم القيامة فيقضي بين خلقه بحكمه وعدله.
* *
ثم قال: ﴿يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ﴾ أي: يدخل هذا في هذا وإذا في ذا أي ما نقص من هذا زاد في ذا.
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ أي: هو ذو علم بضمائر صدور عباده، وما عزمت عليه نفوسهم من خير وشر، وفي الحديث أن الدعاء يستجاب بعد هذه (الآيات البينات).
* *
ثم قال: ﴿آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾.
أي صدقوا بتوحيد الله وكتبه ورسله، وأنفقوا في سبيل الله مما خولكم وأورثكم عن من كان قبلكم، فجعلكم خلفاً فيه، (أي فالذين آمنوا). صدقوا وأنفقوا في سبيل الله لهم أجر كبير، أي: الجنة.
* *
ثم قال: ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ الآية.
أي وأي شيء لكم في ترك الإيمان بالله، والرسول يدعوكم بالحجج والبراهين لتؤمنوا بربكم، لتصدقوا محمداً ﷺ فيما جاءكم به.
* *
ثم قال: ﴿وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾.
أي أخذ الله عز وجل ميثاقكم في صلب آدم عليه السلام إذا قال لكم ألست بربكم، فقلتم بلى.
* *
وقوله: ﴿إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾.
أي إن كنتم تريدون أن تؤمنوا يوماً من الأيام بالله، فالآن أحرى الأوقات أن تؤمنوا به لتتابع الحجج عليكم.
وقيل معناه: إن كنتم عازمين على الإيمان فهذا أوانه لما خطر لكم من البراهين والدلائل.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾.
يعني القرآن.
* *
﴿لِّيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ﴾.
أي من الكفر إلى الإيمان.
وقيل معناه: من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ .
أي لذو رأفة ورحمة بكم، ومن رأفته ورحمته أنزل الله عليكم آيات بينات يخرجكم بها من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.
* *
ثم قال: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ الآية.
أي: أي عذر لكم في ترك الإنفاق في سبيل الله وأنتم خلف الموت فتخلفون ما تبخلون به ويورث بعدكم، ثم يخلفه من ورثه عنكم فيعود الميراث إلى الله عز وجل.
وحضهم على الإنفاق في سبيل الله ليكون ذلك ذخراً لهم عنده من قبل أن يموتوا فلا يقدرون، وتصير الأموال ميراثاً لمن له ميراث السماوات والأرض وهو الله جل ذكره.
* *
ثم قال: ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾.
أي من قبل فتح مكة، وهاجر وقاتل في سبيل الله عز وجل قاله مجاهد وقتادة، أي: لا يستوي في الأجر والفضل من هاجر قبل الفتح وأنفق وقاتل مع من هاجر من بعد ذلك وقاتل وأنفق.
قال قتادة: كان قتالان أحدهما أفضل من الآخر، وكانت نفقتان إحداهما أفضل من الأخرى، كانت النفقة والقتال من قبل فتح مكة أفضل منهما بعد الفتح، وكذلك قال زيد بن أسلم.
وقال الشعبي الفتح هنا فتح الحديبية، فالذين أنفقوا وقاتلوا قبل فتح الحديبية أعظم درجة من الذين أنفقوا وقاتلوا بعد ذلك.
وهذا القول اختاره بعض العلماء، لأن الخدري روى أن النبي ﷺ قال: يوم فتح الحديبية يأتي أقوام يحقرون أعمالكم مع أعمالهم قالوا يا رسول الله أمن قريش هم؟ قال لا، هم أهل اليمن أرق أفئدة وألين قلوباً، قلنا يا رسول الله أهم خير منا. قال لو أن لأحدهم جبل ذهباً ثم أنفقه ما بلغ (مد أحدكم ولا نصيفه) هذا فضل ما بيننا وبين الناس، لا يستوي منكم من أنفق قبل الفتح وقاتل إلى قوله ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
ثم قال: ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: والذين أنفقوا من قبل ومن بعد وقاتلوا كلهم وعدهم الله الجنة.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: بما تعملون من النفقة في سبيل الله وقتل أعدائه وغير ذلك من أعمالكم، ذو خبر وعلم، لا يخفى عليه شيء من ذلك.
الحديد 57:10
قوله: ﴿سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ الآيات.
أي: كل ما دون الله من خلقه يسبح تعظيماً له وإقراراً بربوبيته وقيل التسبيح فيما لا ينطق هو ظهور أثر الصنعة فيه.
وقيل: بل كل ما لا ينطق والله أعلم بتسبيحه، ودل على ذلك قوله: ﴿وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] ولو كان تسبيح ما لا ينطق أثر الصنعة عليه لكان ذلك [شيئاً] يفقه (ويعلم ظاهرا عندنا).
وقيل: ﴿سَبَّحَ﴾ في هذا وما بعده من السور معناه "صلى".
* *
وقوله: ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ أي: العزيز في انتقامه ممن عصاه الحكيم في تدبيره خلقه، لا يدخل في تدبيره خلل.
* *
ثم قال: ﴿لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ يُحْيِـي وَيُمِيتُ﴾. الآية.
أي له سلطان ذلك كله، فلا شيء فيهن يقدر على الامتناع منه، يحيي ما يشاء من الخلق بأن يوجده كيف يشاء، ويميت من يشاء من الأحياء بعد الحياة عند بلوغ الأجل الذي قدره الله له قبل أن يخلقه.
﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: ذو قدرة لا يمتنع عليه ما يريده من إحياء ميت وموت حي.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ وَٱلظَّاهِرُ وَٱلْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾: أي: هو الأول قبل كل شيء بغير حد، والآخر بعد كل شيء بغير نهاية، وهو الظاهر على كل شيء، فكل شيء دونه، وهو العالي فوق كل شيء، فلا شيء أعلا منه، والباطن في جميع الأشياء، فلا شيء أقرب إلى شيء منه، كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] يعني القرب بعلمه وقدرته وهو فوق عرشه.
قال قتادة:ذكر لنا أن النبي ﷺ بينما هو جالس في أصحابه إذ ثار عليهم سحاب، فقال النبي ﷺ هل تدرون ما هذا، قالوا الله ورسوله أعلم، قال: هذا العنان، هذا راوي الأرض (يسوقه) الله إلى قوم لا يشكونه ولا يرجونه: ثم قال: هل تدرون ما التي فوقكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال: فإنها الرقيع موج مكفوف وسقف محفوظ، قال فهل تدرون كم بينكم وبينها؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال مسيرة خمس مائة عام قال هل تدرون ما فوق ذلك، (قالوا مثل ذلك) قال فوقها سماء أخرى (وبينها خمس مائة عام) ثم قال مثل ذلك حتى ذكر سبع سماوات، ثم قال هل تدرون ما فوق ذلك، قالوا مثل ذلك، قال فإن فوق ذلك العرش وبين السماء السابعة وبينه مثل ما بين السمائين، ثم قال هل تدرون ما التي تحتكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال فإنما الأرض ثم قال مثل ذلك إلى سبع أرضين، وذكر أن بين كل أرض وأرض مسيرة خمس مائة عام، ثم قال والذي نفسي بيده لو دلى أحدكم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله تعالى، ثم قرأ ﴿هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ﴾ الآية
وقال ابن عباس ظهر فوق الظاهرين بقهره المتكبرين.
وقيل معنى "الظاهر والباطن" : يعلم ما ظهر وما بطن، ومنه ظهر الإنسان وبطنه، لأن الظهر غير ساتر، والبطن ساتر، ومنه الظهير وهو العوين على الأشياء حق (يستعلي) عليها، ويعين "وظهير" أي: قوي.
ومنه صلاة الظهر لأنها أول ما ظهرت من الصلوات.
وقيل الظهر والظهيرة: شدة الحر، فسميت الصلاة بالظهر لأنها اسم الوقت الذي تكون فيه، ومنه: ظهرت على فلان: أي قهرته.
* *
وقوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: لا يخفى عليه شيء ظهر ولا بطن في السماء ولا في الأرض كبر أو صغر.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾.
أي: ابتدع ذلك وأنشأه في ستة أيام، مقدار كل يوم ألف عام.
﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ﴾ أي: ارتفع وعلا ارتفاع قدرة وتعظيم وجلالة، لا ارتفاع نقلة.
* *
ثم قال: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾: أي: ما يدخل فيها من الماء وغيره.
﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ أي: من النبات وغيره.
﴿وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ أي ينزل منها إلى الأرض من القطر وغير ذلك.
﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ أي: ما يصعد إليها من الأعمال والملائكة وغير ذلك، لا تخفى عليه خافية في السماوات ولا في الأرض.
﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: بصير بأعمالكم يحصيها عليكم حتى يجازيكم بها يوم القيامة.
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ قال سفيان الثوري: علمه.
* *
ثم قال: ﴿لَّهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: له سلطان ذلك وملكه.
﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: إليه ترد الأمور يوم القيامة فيقضي بين خلقه بحكمه وعدله.
* *
ثم قال: ﴿يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ﴾ أي: يدخل هذا في هذا وإذا في ذا أي ما نقص من هذا زاد في ذا.
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ أي: هو ذو علم بضمائر صدور عباده، وما عزمت عليه نفوسهم من خير وشر، وفي الحديث أن الدعاء يستجاب بعد هذه (الآيات البينات).
* *
ثم قال: ﴿آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾.
أي صدقوا بتوحيد الله وكتبه ورسله، وأنفقوا في سبيل الله مما خولكم وأورثكم عن من كان قبلكم، فجعلكم خلفاً فيه، (أي فالذين آمنوا). صدقوا وأنفقوا في سبيل الله لهم أجر كبير، أي: الجنة.
* *
ثم قال: ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ الآية.
أي وأي شيء لكم في ترك الإيمان بالله، والرسول يدعوكم بالحجج والبراهين لتؤمنوا بربكم، لتصدقوا محمداً ﷺ فيما جاءكم به.
* *
ثم قال: ﴿وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾.
أي أخذ الله عز وجل ميثاقكم في صلب آدم عليه السلام إذا قال لكم ألست بربكم، فقلتم بلى.
* *
وقوله: ﴿إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾.
أي إن كنتم تريدون أن تؤمنوا يوماً من الأيام بالله، فالآن أحرى الأوقات أن تؤمنوا به لتتابع الحجج عليكم.
وقيل معناه: إن كنتم عازمين على الإيمان فهذا أوانه لما خطر لكم من البراهين والدلائل.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾.
يعني القرآن.
* *
﴿لِّيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ﴾.
أي من الكفر إلى الإيمان.
وقيل معناه: من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ .
أي لذو رأفة ورحمة بكم، ومن رأفته ورحمته أنزل الله عليكم آيات بينات يخرجكم بها من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.
* *
ثم قال: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ الآية.
أي: أي عذر لكم في ترك الإنفاق في سبيل الله وأنتم خلف الموت فتخلفون ما تبخلون به ويورث بعدكم، ثم يخلفه من ورثه عنكم فيعود الميراث إلى الله عز وجل.
وحضهم على الإنفاق في سبيل الله ليكون ذلك ذخراً لهم عنده من قبل أن يموتوا فلا يقدرون، وتصير الأموال ميراثاً لمن له ميراث السماوات والأرض وهو الله جل ذكره.
* *
ثم قال: ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾.
أي من قبل فتح مكة، وهاجر وقاتل في سبيل الله عز وجل قاله مجاهد وقتادة، أي: لا يستوي في الأجر والفضل من هاجر قبل الفتح وأنفق وقاتل مع من هاجر من بعد ذلك وقاتل وأنفق.
قال قتادة: كان قتالان أحدهما أفضل من الآخر، وكانت نفقتان إحداهما أفضل من الأخرى، كانت النفقة والقتال من قبل فتح مكة أفضل منهما بعد الفتح، وكذلك قال زيد بن أسلم.
وقال الشعبي الفتح هنا فتح الحديبية، فالذين أنفقوا وقاتلوا قبل فتح الحديبية أعظم درجة من الذين أنفقوا وقاتلوا بعد ذلك.
وهذا القول اختاره بعض العلماء، لأن الخدري روى أن النبي ﷺ قال: يوم فتح الحديبية يأتي أقوام يحقرون أعمالكم مع أعمالهم قالوا يا رسول الله أمن قريش هم؟ قال لا، هم أهل اليمن أرق أفئدة وألين قلوباً، قلنا يا رسول الله أهم خير منا. قال لو أن لأحدهم جبل ذهباً ثم أنفقه ما بلغ (مد أحدكم ولا نصيفه) هذا فضل ما بيننا وبين الناس، لا يستوي منكم من أنفق قبل الفتح وقاتل إلى قوله ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
ثم قال: ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: والذين أنفقوا من قبل ومن بعد وقاتلوا كلهم وعدهم الله الجنة.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: بما تعملون من النفقة في سبيل الله وقتل أعدائه وغير ذلك من أعمالكم، ذو خبر وعلم، لا يخفى عليه شيء من ذلك.
الحديد 57:11
قال: ﴿مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ إلى قوله: ﴿هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ الآيات.
أي من ذا الذي ينفق في سبيل الله محتسباً في نفقته، فيضاعف له ربه (بالحسنة عشرة أمثالها) إلى سبع مائة ضعف.
﴿وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ (وهو الجنة).
"ومن" مبتدأ و "ذا" خبره، "والذي" نعت لـ "ذا".
وقيل "من" مبتدأ و "ذا" زائدة مع "الذي"، و "الذي" خبر الابتداء.
وأجاز الفراء أن تكون "ذا" زائدة مع "من" كما جاءت زائدة مع "ما"، ولا يجوز هذا عند البصريين لأن "ما" مبهمة، فجاز ذلك فيها، وليست من كذلك.
* *
ثم قال: ﴿يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ [وَٱلْمُؤْمِنَاتِ] يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم﴾.
أي لهم أجر كريم في يوم ترى المؤمنين، فالعامل في "يوم" معنى الملك في "لهم".
وقيل العامل فيه ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ ﴿يَوْمَ تَرَى﴾ فوعد هو العامل فيه.
ومعنى الآية: يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يضيء نورهم بين أيديهم وبأيمانهم. قال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان يقول: من المؤمنين ما يضيء نوره [من المدينة إلى عدن وصنعاء فدون ذلك حتى إن من المؤمنين من لا يضيء نوره] إلا من موضع قدميه
قال ابن مسعود يعطى المؤمنون نوراً على قدر أعمالهم، فمنهم من يعطى [نوراً كالنخلة السحوق ومنهم من يعطى نوراً كالرجل القائم وأدناهم من يعطى نوراً] على ابهامه يضيء مرة ويُطفى مرة.
وقال الضحاك معنى "وبإيمانهم" أي: وبأيمانهم كتبهم.
وقيل النور هنا: الكتاب لأنهم يعطون كتبهم من بين أيديهم بأيمانهم فلهذا وقع الخصوص.
وقيل المعنى يسعى ثواب إيمانهم وعملهم [الصالح] بين أيديهم وفي أيمانهم كتب أعمالهم نظائر، هذا اختيار الطبري، وهو قول الضحاك المتقدم.
والباء في "وبأيمانهم" بمعنى "في" على هذا التأويل، وعلى القول الأول بمعنى "عن".
* *
ثم قال: ﴿بُشْرَاكُمُ ٱلْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾.
أي يقال لهم بشراكم اليوم جنات، أي: الذي تبشرون به اليوم هو جنات، فأبشروا بها وأجاز الفراء "جنات" بالنصب على القطع، ويكون "اليوم" خبر الابتداء.
وأجاز رفع "اليوم" على أنه خبر "بشراكم" ، وأجاز أن يكون "بشراكم" في موضع نصب بمعنى يبشرهم ربهم بالبشرى، وأن ينصب جنات بالبشرى، وفي هذه التأويلات بعد وتعسف وغلط ظاهر.
* *
قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها لا يتحولون عنها.
﴿ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ أي: خلودهم في الجنة التي وصفت هو النجاح العظيم.
الحديد 57:12
قال: ﴿مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ إلى قوله: ﴿هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ الآيات.
أي من ذا الذي ينفق في سبيل الله محتسباً في نفقته، فيضاعف له ربه (بالحسنة عشرة أمثالها) إلى سبع مائة ضعف.
﴿وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ (وهو الجنة).
"ومن" مبتدأ و "ذا" خبره، "والذي" نعت لـ "ذا".
وقيل "من" مبتدأ و "ذا" زائدة مع "الذي"، و "الذي" خبر الابتداء.
وأجاز الفراء أن تكون "ذا" زائدة مع "من" كما جاءت زائدة مع "ما"، ولا يجوز هذا عند البصريين لأن "ما" مبهمة، فجاز ذلك فيها، وليست من كذلك.
* *
ثم قال: ﴿يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ [وَٱلْمُؤْمِنَاتِ] يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم﴾.
أي لهم أجر كريم في يوم ترى المؤمنين، فالعامل في "يوم" معنى الملك في "لهم".
وقيل العامل فيه ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ ﴿يَوْمَ تَرَى﴾ فوعد هو العامل فيه.
ومعنى الآية: يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يضيء نورهم بين أيديهم وبأيمانهم. قال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان يقول: من المؤمنين ما يضيء نوره [من المدينة إلى عدن وصنعاء فدون ذلك حتى إن من المؤمنين من لا يضيء نوره] إلا من موضع قدميه
قال ابن مسعود يعطى المؤمنون نوراً على قدر أعمالهم، فمنهم من يعطى [نوراً كالنخلة السحوق ومنهم من يعطى نوراً كالرجل القائم وأدناهم من يعطى نوراً] على ابهامه يضيء مرة ويُطفى مرة.
وقال الضحاك معنى "وبإيمانهم" أي: وبأيمانهم كتبهم.
وقيل النور هنا: الكتاب لأنهم يعطون كتبهم من بين أيديهم بأيمانهم فلهذا وقع الخصوص.
وقيل المعنى يسعى ثواب إيمانهم وعملهم [الصالح] بين أيديهم وفي أيمانهم كتب أعمالهم نظائر، هذا اختيار الطبري، وهو قول الضحاك المتقدم.
والباء في "وبأيمانهم" بمعنى "في" على هذا التأويل، وعلى القول الأول بمعنى "عن".
* *
ثم قال: ﴿بُشْرَاكُمُ ٱلْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾.
أي يقال لهم بشراكم اليوم جنات، أي: الذي تبشرون به اليوم هو جنات، فأبشروا بها وأجاز الفراء "جنات" بالنصب على القطع، ويكون "اليوم" خبر الابتداء.
وأجاز رفع "اليوم" على أنه خبر "بشراكم" ، وأجاز أن يكون "بشراكم" في موضع نصب بمعنى يبشرهم ربهم بالبشرى، وأن ينصب جنات بالبشرى، وفي هذه التأويلات بعد وتعسف وغلط ظاهر.
* *
قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها لا يتحولون عنها.
﴿ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ أي: خلودهم في الجنة التي وصفت هو النجاح العظيم.
الحديد 57:13
قوله: ﴿يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ الآيات.
أي ذلك هو الفوز العظيم في يوم يقول هؤلاء المنافقون.
﴿لِلَّذِينَ آمَنُواْ ٱنظُرُونَا﴾ أي: تمهلوا علينا.
﴿نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾ أي: نستصبح من نوركم.
و ﴿ٱنظُرُونَا﴾ في قراءة من وصل الألف من نظر ينظر: إذا انتظر.
وقرأ حمزة بقطع الألف، جعله من أنظره: إذا أخره، وهو بعيد في المعنى إذا حملته على التأخير، وإنما يجوز على معنى تمهلوا علينا.
يقال أنظرني: بمعنى تمهل عليّ وترفق، حكاه علي بن سليمان فعلى هذا تجوز قراءة حمزة.
وحكى غيره أنظرني: بمعنى اصبر علي، كما قال (عمرو بن كلثوم): (وانظرنا نخبرك اليقينا) [أي اصبر علينا]، فعلى هذا أيضاً تصح قراءة حمزة.
* *
ثم قال: ﴿قِيلَ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً﴾.
يقال لهم ارجعوا من حيث [جئتم] فاطلبوا لأنفسكم هنالك نوراً [فإنه] لا سبيل إلى الاقتباس من نورنا.
قال ابن عباس بينما الناس في ظلمة إذا بعث الله جل ثناؤه نوراً، فلما رأى المؤمنون النور توجهوا نحوه، وكان النور لهم دليلاً من الله جل وعز إلى الجنة، فلما رآى المنافقون المؤمنين قد انطلقوا اتبعوهم فأظلم الله على المنافقين، فقالوا حينئذ: انظرونا نقتبس من نوركم فإنا [كنا] معكم في الدنيا قال المؤمنون ارجعوا من حيث جئتم من الظلمة التمسوا هنالك النور.
* *
ثم قال: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ﴾ أي: فضرب الله بين المؤمنين والمنافقين بسور وهو حاجز بين أهل الجنة [وأهل] النار.
قال ابن زيد هذا السور هو الذي قال جل وعز ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾ [الأعراف: ٤٦].
ويقال أن ذلك السور ببيت المقدس عن موضع يعرف بوادي جهنم.
وروي ذلك عن عبد الله بن عمرو بن العاص وعن ابن عباس.
وكان كعب يقول في الباب الذي يسمى باب الرحمة: في بيت المقدس أنه الباب الذي قال الله عز وجل ﴿لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ﴾ والرحمة هنا الجنة، والعذاب: النار.
* *
ثم قال: ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ﴾.
أي ينادي المنافقون المؤمنين حين حجز بينهم بالسور فبقوا في الظلمة والعذاب، ألم نكن معكم في الدنيا نصلي ونصوم ونناكحكم ونوارثكم، قال لهم المؤمنون، بلى، ولكنكم فتنتم أنفسكم فنافقتم والفتنة هنا: النفاق، قاله مجاهد.
قال شريك بن عبد الله فتنتم أنفسكم بالشهوات واللذات وتربصتم قال بالتوبة.
﴿وَٱرْتَبْتُمْ﴾ أي: شككتم.
﴿حَتَّىٰ جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ﴾ يعني الموت.
﴿وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ أي الشيطان.
وقال غيره وتربصتم وتثبطتم بالإيمان، والإقرار بالله ورسوله قال قتادة: وتربصتم: أي: بالحق وأهله.
وقيل معناه: وتربصتم بالنبي ﷺ وبالمؤمنين الدوائر. وقيل تربصتم بالتوبة.
* *
وقوله: ﴿وَٱرْتَبْتُمْ﴾ أي: شككتم في توحيد الله سبحانه وفي نبوة محمد ﷺ.
قال قتادة: كانوا في شك من الله سبحانه وتعالى.
* *
ثم قال: ﴿وَغرَّتْكُمُ ٱلأَمَانِيُّ﴾.
أي وخدعتكم أماني أنفسكم فصدتكم عن سبيل الله. وأضلتكم.
وقيل معناه: تمنيتم أن تنزل بالنبي ﷺ الدوائر.
* *
﴿حَتَّىٰ جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ﴾.
﴿حَتَّىٰ جَآءَ﴾ نصر الله نبيه ودينه.
وقيل حتى جاء أمر الله يقبض أرواحكم عند تمام آجالكم.
قال قتادة وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله، قال: كانوا على خدعة من الشيطان، والله ما زالوا عليها حتى قذفهم الله في النار.
* *
وقوله: ﴿وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾.
أي وخدعكم بالله الشيطان فأطمعكم في النجاة من عقوبته والسلامة من عذابه.
* *
ثم قال: ﴿فَٱلْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ﴾.
(قال ابن سلام وذلك أنهم يعطون الإيمان يوم القيامة فلا يقبل منهم).
هذا قول المؤمنين لأهل النفاق، فاليوم لا يقبل منكم فداء ولا عوض بدلا من عقابكم وعذابكم، ولا يؤخذ من الذين كفروا.
* *
﴿مَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ﴾.
أي مثواكم ومسكنكم.
﴿هِيَ مَوْلاَكُمْ﴾ أي: النار أولى بكم.
﴿وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: المرجع، بئس المصير من صار إلى النار.
* *
قوله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ﴾.
أي ألم يحن للذين صدقوا الله ورسوله أن تلين قلوبهم لذكر الله (وتذل من خشية الله).
﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ﴾ وهو القرآن.
قال ابن عباس ﴿أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ﴾، قال: تطيع قلوبهم.
روي عن ابن مسعود أنه قال: عاتبنا الله بهذه الآية بعد إسلامنا بسبع سنين. وقال غيره بأربع سنين.
وقال قتادة: ذكر لنا أن شداد بن أوس كان يروي عن النبي ﷺ أنه قال: أول ما يرفع الله من الناس الخشوع
ثم قال: ﴿وَلاَ يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلُ﴾ يعني: بني إسرائيل، والكتاب: التوراة والإنجيل.
* *
﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾.
والأمد الدهر الذي بينهم وبين موسى عليه السلام.
* *
ثم قال: ﴿وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ أي: من أهل الكتاب.
* *
ثم قال: ﴿ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْيِـي ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.
أي بالمطر فتنبت بعد يبسها وموتها، فكما قدر على ذلك، فهو قادر على أن يحيي الموتى بعد إفنائهم.
وقال صالح المري يحيي الأرض بعد موتها: يلين بكم، القلوب بعد قسوتها.
* *
ثم قال: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلآيَاتِ﴾ (أي الحجج والأدلة).
* *
﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلْمُصَّدِّقِينَ وَٱلْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾.
أي انفقوا في سبيل الله وفيما ندبهم إليه.
﴿يُضَاعَفُ لَهُمْ﴾ (أي فيضاعف لهم) الثواب يوم القيامة.
* *
﴿وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾.
أي ثواب كريم وهو الجنة، ومن خفف "المصدقين" فمعناه إن الذين صدقوا محمداً ﷺ وآمنوا ثم تصدقوا من أموالهم وأنفقوا في طاعة الله عز وجل يضاعف لهم.
الحديد 57:14
قوله: ﴿يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ الآيات.
أي ذلك هو الفوز العظيم في يوم يقول هؤلاء المنافقون.
﴿لِلَّذِينَ آمَنُواْ ٱنظُرُونَا﴾ أي: تمهلوا علينا.
﴿نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾ أي: نستصبح من نوركم.
و ﴿ٱنظُرُونَا﴾ في قراءة من وصل الألف من نظر ينظر: إذا انتظر.
وقرأ حمزة بقطع الألف، جعله من أنظره: إذا أخره، وهو بعيد في المعنى إذا حملته على التأخير، وإنما يجوز على معنى تمهلوا علينا.
يقال أنظرني: بمعنى تمهل عليّ وترفق، حكاه علي بن سليمان فعلى هذا تجوز قراءة حمزة.
وحكى غيره أنظرني: بمعنى اصبر علي، كما قال (عمرو بن كلثوم): (وانظرنا نخبرك اليقينا) [أي اصبر علينا]، فعلى هذا أيضاً تصح قراءة حمزة.
* *
ثم قال: ﴿قِيلَ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً﴾.
يقال لهم ارجعوا من حيث [جئتم] فاطلبوا لأنفسكم هنالك نوراً [فإنه] لا سبيل إلى الاقتباس من نورنا.
قال ابن عباس بينما الناس في ظلمة إذا بعث الله جل ثناؤه نوراً، فلما رأى المؤمنون النور توجهوا نحوه، وكان النور لهم دليلاً من الله جل وعز إلى الجنة، فلما رآى المنافقون المؤمنين قد انطلقوا اتبعوهم فأظلم الله على المنافقين، فقالوا حينئذ: انظرونا نقتبس من نوركم فإنا [كنا] معكم في الدنيا قال المؤمنون ارجعوا من حيث جئتم من الظلمة التمسوا هنالك النور.
* *
ثم قال: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ﴾ أي: فضرب الله بين المؤمنين والمنافقين بسور وهو حاجز بين أهل الجنة [وأهل] النار.
قال ابن زيد هذا السور هو الذي قال جل وعز ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾ [الأعراف: ٤٦].
ويقال أن ذلك السور ببيت المقدس عن موضع يعرف بوادي جهنم.
وروي ذلك عن عبد الله بن عمرو بن العاص وعن ابن عباس.
وكان كعب يقول في الباب الذي يسمى باب الرحمة: في بيت المقدس أنه الباب الذي قال الله عز وجل ﴿لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ﴾ والرحمة هنا الجنة، والعذاب: النار.
* *
ثم قال: ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ﴾.
أي ينادي المنافقون المؤمنين حين حجز بينهم بالسور فبقوا في الظلمة والعذاب، ألم نكن معكم في الدنيا نصلي ونصوم ونناكحكم ونوارثكم، قال لهم المؤمنون، بلى، ولكنكم فتنتم أنفسكم فنافقتم والفتنة هنا: النفاق، قاله مجاهد.
قال شريك بن عبد الله فتنتم أنفسكم بالشهوات واللذات وتربصتم قال بالتوبة.
﴿وَٱرْتَبْتُمْ﴾ أي: شككتم.
﴿حَتَّىٰ جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ﴾ يعني الموت.
﴿وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ أي الشيطان.
وقال غيره وتربصتم وتثبطتم بالإيمان، والإقرار بالله ورسوله قال قتادة: وتربصتم: أي: بالحق وأهله.
وقيل معناه: وتربصتم بالنبي ﷺ وبالمؤمنين الدوائر. وقيل تربصتم بالتوبة.
* *
وقوله: ﴿وَٱرْتَبْتُمْ﴾ أي: شككتم في توحيد الله سبحانه وفي نبوة محمد ﷺ.
قال قتادة: كانوا في شك من الله سبحانه وتعالى.
* *
ثم قال: ﴿وَغرَّتْكُمُ ٱلأَمَانِيُّ﴾.
أي وخدعتكم أماني أنفسكم فصدتكم عن سبيل الله. وأضلتكم.
وقيل معناه: تمنيتم أن تنزل بالنبي ﷺ الدوائر.
* *
﴿حَتَّىٰ جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ﴾.
﴿حَتَّىٰ جَآءَ﴾ نصر الله نبيه ودينه.
وقيل حتى جاء أمر الله يقبض أرواحكم عند تمام آجالكم.
قال قتادة وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله، قال: كانوا على خدعة من الشيطان، والله ما زالوا عليها حتى قذفهم الله في النار.
* *
وقوله: ﴿وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾.
أي وخدعكم بالله الشيطان فأطمعكم في النجاة من عقوبته والسلامة من عذابه.
* *
ثم قال: ﴿فَٱلْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ﴾.
(قال ابن سلام وذلك أنهم يعطون الإيمان يوم القيامة فلا يقبل منهم).
هذا قول المؤمنين لأهل النفاق، فاليوم لا يقبل منكم فداء ولا عوض بدلا من عقابكم وعذابكم، ولا يؤخذ من الذين كفروا.
* *
﴿مَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ﴾.
أي مثواكم ومسكنكم.
﴿هِيَ مَوْلاَكُمْ﴾ أي: النار أولى بكم.
﴿وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: المرجع، بئس المصير من صار إلى النار.
* *
قوله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ﴾.
أي ألم يحن للذين صدقوا الله ورسوله أن تلين قلوبهم لذكر الله (وتذل من خشية الله).
﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ﴾ وهو القرآن.
قال ابن عباس ﴿أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ﴾، قال: تطيع قلوبهم.
روي عن ابن مسعود أنه قال: عاتبنا الله بهذه الآية بعد إسلامنا بسبع سنين. وقال غيره بأربع سنين.
وقال قتادة: ذكر لنا أن شداد بن أوس كان يروي عن النبي ﷺ أنه قال: أول ما يرفع الله من الناس الخشوع
ثم قال: ﴿وَلاَ يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلُ﴾ يعني: بني إسرائيل، والكتاب: التوراة والإنجيل.
* *
﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾.
والأمد الدهر الذي بينهم وبين موسى عليه السلام.
* *
ثم قال: ﴿وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ أي: من أهل الكتاب.
* *
ثم قال: ﴿ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْيِـي ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.
أي بالمطر فتنبت بعد يبسها وموتها، فكما قدر على ذلك، فهو قادر على أن يحيي الموتى بعد إفنائهم.
وقال صالح المري يحيي الأرض بعد موتها: يلين بكم، القلوب بعد قسوتها.
* *
ثم قال: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلآيَاتِ﴾ (أي الحجج والأدلة).
* *
﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلْمُصَّدِّقِينَ وَٱلْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾.
أي انفقوا في سبيل الله وفيما ندبهم إليه.
﴿يُضَاعَفُ لَهُمْ﴾ (أي فيضاعف لهم) الثواب يوم القيامة.
* *
﴿وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾.
أي ثواب كريم وهو الجنة، ومن خفف "المصدقين" فمعناه إن الذين صدقوا محمداً ﷺ وآمنوا ثم تصدقوا من أموالهم وأنفقوا في طاعة الله عز وجل يضاعف لهم.
الحديد 57:15
قوله: ﴿يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ الآيات.
أي ذلك هو الفوز العظيم في يوم يقول هؤلاء المنافقون.
﴿لِلَّذِينَ آمَنُواْ ٱنظُرُونَا﴾ أي: تمهلوا علينا.
﴿نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾ أي: نستصبح من نوركم.
و ﴿ٱنظُرُونَا﴾ في قراءة من وصل الألف من نظر ينظر: إذا انتظر.
وقرأ حمزة بقطع الألف، جعله من أنظره: إذا أخره، وهو بعيد في المعنى إذا حملته على التأخير، وإنما يجوز على معنى تمهلوا علينا.
يقال أنظرني: بمعنى تمهل عليّ وترفق، حكاه علي بن سليمان فعلى هذا تجوز قراءة حمزة.
وحكى غيره أنظرني: بمعنى اصبر علي، كما قال (عمرو بن كلثوم): (وانظرنا نخبرك اليقينا) [أي اصبر علينا]، فعلى هذا أيضاً تصح قراءة حمزة.
* *
ثم قال: ﴿قِيلَ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً﴾.
يقال لهم ارجعوا من حيث [جئتم] فاطلبوا لأنفسكم هنالك نوراً [فإنه] لا سبيل إلى الاقتباس من نورنا.
قال ابن عباس بينما الناس في ظلمة إذا بعث الله جل ثناؤه نوراً، فلما رأى المؤمنون النور توجهوا نحوه، وكان النور لهم دليلاً من الله جل وعز إلى الجنة، فلما رآى المنافقون المؤمنين قد انطلقوا اتبعوهم فأظلم الله على المنافقين، فقالوا حينئذ: انظرونا نقتبس من نوركم فإنا [كنا] معكم في الدنيا قال المؤمنون ارجعوا من حيث جئتم من الظلمة التمسوا هنالك النور.
* *
ثم قال: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ﴾ أي: فضرب الله بين المؤمنين والمنافقين بسور وهو حاجز بين أهل الجنة [وأهل] النار.
قال ابن زيد هذا السور هو الذي قال جل وعز ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾ [الأعراف: ٤٦].
ويقال أن ذلك السور ببيت المقدس عن موضع يعرف بوادي جهنم.
وروي ذلك عن عبد الله بن عمرو بن العاص وعن ابن عباس.
وكان كعب يقول في الباب الذي يسمى باب الرحمة: في بيت المقدس أنه الباب الذي قال الله عز وجل ﴿لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ﴾ والرحمة هنا الجنة، والعذاب: النار.
* *
ثم قال: ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ﴾.
أي ينادي المنافقون المؤمنين حين حجز بينهم بالسور فبقوا في الظلمة والعذاب، ألم نكن معكم في الدنيا نصلي ونصوم ونناكحكم ونوارثكم، قال لهم المؤمنون، بلى، ولكنكم فتنتم أنفسكم فنافقتم والفتنة هنا: النفاق، قاله مجاهد.
قال شريك بن عبد الله فتنتم أنفسكم بالشهوات واللذات وتربصتم قال بالتوبة.
﴿وَٱرْتَبْتُمْ﴾ أي: شككتم.
﴿حَتَّىٰ جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ﴾ يعني الموت.
﴿وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ أي الشيطان.
وقال غيره وتربصتم وتثبطتم بالإيمان، والإقرار بالله ورسوله قال قتادة: وتربصتم: أي: بالحق وأهله.
وقيل معناه: وتربصتم بالنبي ﷺ وبالمؤمنين الدوائر. وقيل تربصتم بالتوبة.
* *
وقوله: ﴿وَٱرْتَبْتُمْ﴾ أي: شككتم في توحيد الله سبحانه وفي نبوة محمد ﷺ.
قال قتادة: كانوا في شك من الله سبحانه وتعالى.
* *
ثم قال: ﴿وَغرَّتْكُمُ ٱلأَمَانِيُّ﴾.
أي وخدعتكم أماني أنفسكم فصدتكم عن سبيل الله. وأضلتكم.
وقيل معناه: تمنيتم أن تنزل بالنبي ﷺ الدوائر.
* *
﴿حَتَّىٰ جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ﴾.
﴿حَتَّىٰ جَآءَ﴾ نصر الله نبيه ودينه.
وقيل حتى جاء أمر الله يقبض أرواحكم عند تمام آجالكم.
قال قتادة وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله، قال: كانوا على خدعة من الشيطان، والله ما زالوا عليها حتى قذفهم الله في النار.
* *
وقوله: ﴿وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾.
أي وخدعكم بالله الشيطان فأطمعكم في النجاة من عقوبته والسلامة من عذابه.
* *
ثم قال: ﴿فَٱلْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ﴾.
(قال ابن سلام وذلك أنهم يعطون الإيمان يوم القيامة فلا يقبل منهم).
هذا قول المؤمنين لأهل النفاق، فاليوم لا يقبل منكم فداء ولا عوض بدلا من عقابكم وعذابكم، ولا يؤخذ من الذين كفروا.
* *
﴿مَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ﴾.
أي مثواكم ومسكنكم.
﴿هِيَ مَوْلاَكُمْ﴾ أي: النار أولى بكم.
﴿وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: المرجع، بئس المصير من صار إلى النار.
* *
قوله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ﴾.
أي ألم يحن للذين صدقوا الله ورسوله أن تلين قلوبهم لذكر الله (وتذل من خشية الله).
﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ﴾ وهو القرآن.
قال ابن عباس ﴿أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ﴾، قال: تطيع قلوبهم.
روي عن ابن مسعود أنه قال: عاتبنا الله بهذه الآية بعد إسلامنا بسبع سنين. وقال غيره بأربع سنين.
وقال قتادة: ذكر لنا أن شداد بن أوس كان يروي عن النبي ﷺ أنه قال: أول ما يرفع الله من الناس الخشوع
ثم قال: ﴿وَلاَ يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلُ﴾ يعني: بني إسرائيل، والكتاب: التوراة والإنجيل.
* *
﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾.
والأمد الدهر الذي بينهم وبين موسى عليه السلام.
* *
ثم قال: ﴿وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ أي: من أهل الكتاب.
* *
ثم قال: ﴿ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْيِـي ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.
أي بالمطر فتنبت بعد يبسها وموتها، فكما قدر على ذلك، فهو قادر على أن يحيي الموتى بعد إفنائهم.
وقال صالح المري يحيي الأرض بعد موتها: يلين بكم، القلوب بعد قسوتها.
* *
ثم قال: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلآيَاتِ﴾ (أي الحجج والأدلة).
* *
﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلْمُصَّدِّقِينَ وَٱلْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾.
أي انفقوا في سبيل الله وفيما ندبهم إليه.
﴿يُضَاعَفُ لَهُمْ﴾ (أي فيضاعف لهم) الثواب يوم القيامة.
* *
﴿وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾.
أي ثواب كريم وهو الجنة، ومن خفف "المصدقين" فمعناه إن الذين صدقوا محمداً ﷺ وآمنوا ثم تصدقوا من أموالهم وأنفقوا في طاعة الله عز وجل يضاعف لهم.
الحديد 57:16
قوله: ﴿يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ الآيات.
أي ذلك هو الفوز العظيم في يوم يقول هؤلاء المنافقون.
﴿لِلَّذِينَ آمَنُواْ ٱنظُرُونَا﴾ أي: تمهلوا علينا.
﴿نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾ أي: نستصبح من نوركم.
و ﴿ٱنظُرُونَا﴾ في قراءة من وصل الألف من نظر ينظر: إذا انتظر.
وقرأ حمزة بقطع الألف، جعله من أنظره: إذا أخره، وهو بعيد في المعنى إذا حملته على التأخير، وإنما يجوز على معنى تمهلوا علينا.
يقال أنظرني: بمعنى تمهل عليّ وترفق، حكاه علي بن سليمان فعلى هذا تجوز قراءة حمزة.
وحكى غيره أنظرني: بمعنى اصبر علي، كما قال (عمرو بن كلثوم): (وانظرنا نخبرك اليقينا) [أي اصبر علينا]، فعلى هذا أيضاً تصح قراءة حمزة.
* *
ثم قال: ﴿قِيلَ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً﴾.
يقال لهم ارجعوا من حيث [جئتم] فاطلبوا لأنفسكم هنالك نوراً [فإنه] لا سبيل إلى الاقتباس من نورنا.
قال ابن عباس بينما الناس في ظلمة إذا بعث الله جل ثناؤه نوراً، فلما رأى المؤمنون النور توجهوا نحوه، وكان النور لهم دليلاً من الله جل وعز إلى الجنة، فلما رآى المنافقون المؤمنين قد انطلقوا اتبعوهم فأظلم الله على المنافقين، فقالوا حينئذ: انظرونا نقتبس من نوركم فإنا [كنا] معكم في الدنيا قال المؤمنون ارجعوا من حيث جئتم من الظلمة التمسوا هنالك النور.
* *
ثم قال: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ﴾ أي: فضرب الله بين المؤمنين والمنافقين بسور وهو حاجز بين أهل الجنة [وأهل] النار.
قال ابن زيد هذا السور هو الذي قال جل وعز ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾ [الأعراف: ٤٦].
ويقال أن ذلك السور ببيت المقدس عن موضع يعرف بوادي جهنم.
وروي ذلك عن عبد الله بن عمرو بن العاص وعن ابن عباس.
وكان كعب يقول في الباب الذي يسمى باب الرحمة: في بيت المقدس أنه الباب الذي قال الله عز وجل ﴿لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ﴾ والرحمة هنا الجنة، والعذاب: النار.
* *
ثم قال: ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ﴾.
أي ينادي المنافقون المؤمنين حين حجز بينهم بالسور فبقوا في الظلمة والعذاب، ألم نكن معكم في الدنيا نصلي ونصوم ونناكحكم ونوارثكم، قال لهم المؤمنون، بلى، ولكنكم فتنتم أنفسكم فنافقتم والفتنة هنا: النفاق، قاله مجاهد.
قال شريك بن عبد الله فتنتم أنفسكم بالشهوات واللذات وتربصتم قال بالتوبة.
﴿وَٱرْتَبْتُمْ﴾ أي: شككتم.
﴿حَتَّىٰ جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ﴾ يعني الموت.
﴿وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ أي الشيطان.
وقال غيره وتربصتم وتثبطتم بالإيمان، والإقرار بالله ورسوله قال قتادة: وتربصتم: أي: بالحق وأهله.
وقيل معناه: وتربصتم بالنبي ﷺ وبالمؤمنين الدوائر. وقيل تربصتم بالتوبة.
* *
وقوله: ﴿وَٱرْتَبْتُمْ﴾ أي: شككتم في توحيد الله سبحانه وفي نبوة محمد ﷺ.
قال قتادة: كانوا في شك من الله سبحانه وتعالى.
* *
ثم قال: ﴿وَغرَّتْكُمُ ٱلأَمَانِيُّ﴾.
أي وخدعتكم أماني أنفسكم فصدتكم عن سبيل الله. وأضلتكم.
وقيل معناه: تمنيتم أن تنزل بالنبي ﷺ الدوائر.
* *
﴿حَتَّىٰ جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ﴾.
﴿حَتَّىٰ جَآءَ﴾ نصر الله نبيه ودينه.
وقيل حتى جاء أمر الله يقبض أرواحكم عند تمام آجالكم.
قال قتادة وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله، قال: كانوا على خدعة من الشيطان، والله ما زالوا عليها حتى قذفهم الله في النار.
* *
وقوله: ﴿وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾.
أي وخدعكم بالله الشيطان فأطمعكم في النجاة من عقوبته والسلامة من عذابه.
* *
ثم قال: ﴿فَٱلْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ﴾.
(قال ابن سلام وذلك أنهم يعطون الإيمان يوم القيامة فلا يقبل منهم).
هذا قول المؤمنين لأهل النفاق، فاليوم لا يقبل منكم فداء ولا عوض بدلا من عقابكم وعذابكم، ولا يؤخذ من الذين كفروا.
* *
﴿مَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ﴾.
أي مثواكم ومسكنكم.
﴿هِيَ مَوْلاَكُمْ﴾ أي: النار أولى بكم.
﴿وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: المرجع، بئس المصير من صار إلى النار.
* *
قوله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ﴾.
أي ألم يحن للذين صدقوا الله ورسوله أن تلين قلوبهم لذكر الله (وتذل من خشية الله).
﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ﴾ وهو القرآن.
قال ابن عباس ﴿أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ﴾، قال: تطيع قلوبهم.
روي عن ابن مسعود أنه قال: عاتبنا الله بهذه الآية بعد إسلامنا بسبع سنين. وقال غيره بأربع سنين.
وقال قتادة: ذكر لنا أن شداد بن أوس كان يروي عن النبي ﷺ أنه قال: أول ما يرفع الله من الناس الخشوع
ثم قال: ﴿وَلاَ يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلُ﴾ يعني: بني إسرائيل، والكتاب: التوراة والإنجيل.
* *
﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾.
والأمد الدهر الذي بينهم وبين موسى عليه السلام.
* *
ثم قال: ﴿وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ أي: من أهل الكتاب.
* *
ثم قال: ﴿ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْيِـي ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.
أي بالمطر فتنبت بعد يبسها وموتها، فكما قدر على ذلك، فهو قادر على أن يحيي الموتى بعد إفنائهم.
وقال صالح المري يحيي الأرض بعد موتها: يلين بكم، القلوب بعد قسوتها.
* *
ثم قال: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلآيَاتِ﴾ (أي الحجج والأدلة).
* *
﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلْمُصَّدِّقِينَ وَٱلْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾.
أي انفقوا في سبيل الله وفيما ندبهم إليه.
﴿يُضَاعَفُ لَهُمْ﴾ (أي فيضاعف لهم) الثواب يوم القيامة.
* *
﴿وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾.
أي ثواب كريم وهو الجنة، ومن خفف "المصدقين" فمعناه إن الذين صدقوا محمداً ﷺ وآمنوا ثم تصدقوا من أموالهم وأنفقوا في طاعة الله عز وجل يضاعف لهم.
الحديد 57:17
قوله: ﴿يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ الآيات.
أي ذلك هو الفوز العظيم في يوم يقول هؤلاء المنافقون.
﴿لِلَّذِينَ آمَنُواْ ٱنظُرُونَا﴾ أي: تمهلوا علينا.
﴿نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾ أي: نستصبح من نوركم.
و ﴿ٱنظُرُونَا﴾ في قراءة من وصل الألف من نظر ينظر: إذا انتظر.
وقرأ حمزة بقطع الألف، جعله من أنظره: إذا أخره، وهو بعيد في المعنى إذا حملته على التأخير، وإنما يجوز على معنى تمهلوا علينا.
يقال أنظرني: بمعنى تمهل عليّ وترفق، حكاه علي بن سليمان فعلى هذا تجوز قراءة حمزة.
وحكى غيره أنظرني: بمعنى اصبر علي، كما قال (عمرو بن كلثوم): (وانظرنا نخبرك اليقينا) [أي اصبر علينا]، فعلى هذا أيضاً تصح قراءة حمزة.
* *
ثم قال: ﴿قِيلَ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً﴾.
يقال لهم ارجعوا من حيث [جئتم] فاطلبوا لأنفسكم هنالك نوراً [فإنه] لا سبيل إلى الاقتباس من نورنا.
قال ابن عباس بينما الناس في ظلمة إذا بعث الله جل ثناؤه نوراً، فلما رأى المؤمنون النور توجهوا نحوه، وكان النور لهم دليلاً من الله جل وعز إلى الجنة، فلما رآى المنافقون المؤمنين قد انطلقوا اتبعوهم فأظلم الله على المنافقين، فقالوا حينئذ: انظرونا نقتبس من نوركم فإنا [كنا] معكم في الدنيا قال المؤمنون ارجعوا من حيث جئتم من الظلمة التمسوا هنالك النور.
* *
ثم قال: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ﴾ أي: فضرب الله بين المؤمنين والمنافقين بسور وهو حاجز بين أهل الجنة [وأهل] النار.
قال ابن زيد هذا السور هو الذي قال جل وعز ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾ [الأعراف: ٤٦].
ويقال أن ذلك السور ببيت المقدس عن موضع يعرف بوادي جهنم.
وروي ذلك عن عبد الله بن عمرو بن العاص وعن ابن عباس.
وكان كعب يقول في الباب الذي يسمى باب الرحمة: في بيت المقدس أنه الباب الذي قال الله عز وجل ﴿لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ﴾ والرحمة هنا الجنة، والعذاب: النار.
* *
ثم قال: ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ﴾.
أي ينادي المنافقون المؤمنين حين حجز بينهم بالسور فبقوا في الظلمة والعذاب، ألم نكن معكم في الدنيا نصلي ونصوم ونناكحكم ونوارثكم، قال لهم المؤمنون، بلى، ولكنكم فتنتم أنفسكم فنافقتم والفتنة هنا: النفاق، قاله مجاهد.
قال شريك بن عبد الله فتنتم أنفسكم بالشهوات واللذات وتربصتم قال بالتوبة.
﴿وَٱرْتَبْتُمْ﴾ أي: شككتم.
﴿حَتَّىٰ جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ﴾ يعني الموت.
﴿وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ أي الشيطان.
وقال غيره وتربصتم وتثبطتم بالإيمان، والإقرار بالله ورسوله قال قتادة: وتربصتم: أي: بالحق وأهله.
وقيل معناه: وتربصتم بالنبي ﷺ وبالمؤمنين الدوائر. وقيل تربصتم بالتوبة.
* *
وقوله: ﴿وَٱرْتَبْتُمْ﴾ أي: شككتم في توحيد الله سبحانه وفي نبوة محمد ﷺ.
قال قتادة: كانوا في شك من الله سبحانه وتعالى.
* *
ثم قال: ﴿وَغرَّتْكُمُ ٱلأَمَانِيُّ﴾.
أي وخدعتكم أماني أنفسكم فصدتكم عن سبيل الله. وأضلتكم.
وقيل معناه: تمنيتم أن تنزل بالنبي ﷺ الدوائر.
* *
﴿حَتَّىٰ جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ﴾.
﴿حَتَّىٰ جَآءَ﴾ نصر الله نبيه ودينه.
وقيل حتى جاء أمر الله يقبض أرواحكم عند تمام آجالكم.
قال قتادة وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله، قال: كانوا على خدعة من الشيطان، والله ما زالوا عليها حتى قذفهم الله في النار.
* *
وقوله: ﴿وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾.
أي وخدعكم بالله الشيطان فأطمعكم في النجاة من عقوبته والسلامة من عذابه.
* *
ثم قال: ﴿فَٱلْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ﴾.
(قال ابن سلام وذلك أنهم يعطون الإيمان يوم القيامة فلا يقبل منهم).
هذا قول المؤمنين لأهل النفاق، فاليوم لا يقبل منكم فداء ولا عوض بدلا من عقابكم وعذابكم، ولا يؤخذ من الذين كفروا.
* *
﴿مَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ﴾.
أي مثواكم ومسكنكم.
﴿هِيَ مَوْلاَكُمْ﴾ أي: النار أولى بكم.
﴿وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: المرجع، بئس المصير من صار إلى النار.
* *
قوله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ﴾.
أي ألم يحن للذين صدقوا الله ورسوله أن تلين قلوبهم لذكر الله (وتذل من خشية الله).
﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ﴾ وهو القرآن.
قال ابن عباس ﴿أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ﴾، قال: تطيع قلوبهم.
روي عن ابن مسعود أنه قال: عاتبنا الله بهذه الآية بعد إسلامنا بسبع سنين. وقال غيره بأربع سنين.
وقال قتادة: ذكر لنا أن شداد بن أوس كان يروي عن النبي ﷺ أنه قال: أول ما يرفع الله من الناس الخشوع
ثم قال: ﴿وَلاَ يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلُ﴾ يعني: بني إسرائيل، والكتاب: التوراة والإنجيل.
* *
﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾.
والأمد الدهر الذي بينهم وبين موسى عليه السلام.
* *
ثم قال: ﴿وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ أي: من أهل الكتاب.
* *
ثم قال: ﴿ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْيِـي ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.
أي بالمطر فتنبت بعد يبسها وموتها، فكما قدر على ذلك، فهو قادر على أن يحيي الموتى بعد إفنائهم.
وقال صالح المري يحيي الأرض بعد موتها: يلين بكم، القلوب بعد قسوتها.
* *
ثم قال: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلآيَاتِ﴾ (أي الحجج والأدلة).
* *
﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلْمُصَّدِّقِينَ وَٱلْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾.
أي انفقوا في سبيل الله وفيما ندبهم إليه.
﴿يُضَاعَفُ لَهُمْ﴾ (أي فيضاعف لهم) الثواب يوم القيامة.
* *
﴿وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾.
أي ثواب كريم وهو الجنة، ومن خفف "المصدقين" فمعناه إن الذين صدقوا محمداً ﷺ وآمنوا ثم تصدقوا من أموالهم وأنفقوا في طاعة الله عز وجل يضاعف لهم.
الحديد 57:18
قوله: ﴿يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ الآيات.
أي ذلك هو الفوز العظيم في يوم يقول هؤلاء المنافقون.
﴿لِلَّذِينَ آمَنُواْ ٱنظُرُونَا﴾ أي: تمهلوا علينا.
﴿نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾ أي: نستصبح من نوركم.
و ﴿ٱنظُرُونَا﴾ في قراءة من وصل الألف من نظر ينظر: إذا انتظر.
وقرأ حمزة بقطع الألف، جعله من أنظره: إذا أخره، وهو بعيد في المعنى إذا حملته على التأخير، وإنما يجوز على معنى تمهلوا علينا.
يقال أنظرني: بمعنى تمهل عليّ وترفق، حكاه علي بن سليمان فعلى هذا تجوز قراءة حمزة.
وحكى غيره أنظرني: بمعنى اصبر علي، كما قال (عمرو بن كلثوم): (وانظرنا نخبرك اليقينا) [أي اصبر علينا]، فعلى هذا أيضاً تصح قراءة حمزة.
* *
ثم قال: ﴿قِيلَ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً﴾.
يقال لهم ارجعوا من حيث [جئتم] فاطلبوا لأنفسكم هنالك نوراً [فإنه] لا سبيل إلى الاقتباس من نورنا.
قال ابن عباس بينما الناس في ظلمة إذا بعث الله جل ثناؤه نوراً، فلما رأى المؤمنون النور توجهوا نحوه، وكان النور لهم دليلاً من الله جل وعز إلى الجنة، فلما رآى المنافقون المؤمنين قد انطلقوا اتبعوهم فأظلم الله على المنافقين، فقالوا حينئذ: انظرونا نقتبس من نوركم فإنا [كنا] معكم في الدنيا قال المؤمنون ارجعوا من حيث جئتم من الظلمة التمسوا هنالك النور.
* *
ثم قال: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ﴾ أي: فضرب الله بين المؤمنين والمنافقين بسور وهو حاجز بين أهل الجنة [وأهل] النار.
قال ابن زيد هذا السور هو الذي قال جل وعز ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾ [الأعراف: ٤٦].
ويقال أن ذلك السور ببيت المقدس عن موضع يعرف بوادي جهنم.
وروي ذلك عن عبد الله بن عمرو بن العاص وعن ابن عباس.
وكان كعب يقول في الباب الذي يسمى باب الرحمة: في بيت المقدس أنه الباب الذي قال الله عز وجل ﴿لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ﴾ والرحمة هنا الجنة، والعذاب: النار.
* *
ثم قال: ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ﴾.
أي ينادي المنافقون المؤمنين حين حجز بينهم بالسور فبقوا في الظلمة والعذاب، ألم نكن معكم في الدنيا نصلي ونصوم ونناكحكم ونوارثكم، قال لهم المؤمنون، بلى، ولكنكم فتنتم أنفسكم فنافقتم والفتنة هنا: النفاق، قاله مجاهد.
قال شريك بن عبد الله فتنتم أنفسكم بالشهوات واللذات وتربصتم قال بالتوبة.
﴿وَٱرْتَبْتُمْ﴾ أي: شككتم.
﴿حَتَّىٰ جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ﴾ يعني الموت.
﴿وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ أي الشيطان.
وقال غيره وتربصتم وتثبطتم بالإيمان، والإقرار بالله ورسوله قال قتادة: وتربصتم: أي: بالحق وأهله.
وقيل معناه: وتربصتم بالنبي ﷺ وبالمؤمنين الدوائر. وقيل تربصتم بالتوبة.
* *
وقوله: ﴿وَٱرْتَبْتُمْ﴾ أي: شككتم في توحيد الله سبحانه وفي نبوة محمد ﷺ.
قال قتادة: كانوا في شك من الله سبحانه وتعالى.
* *
ثم قال: ﴿وَغرَّتْكُمُ ٱلأَمَانِيُّ﴾.
أي وخدعتكم أماني أنفسكم فصدتكم عن سبيل الله. وأضلتكم.
وقيل معناه: تمنيتم أن تنزل بالنبي ﷺ الدوائر.
* *
﴿حَتَّىٰ جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ﴾.
﴿حَتَّىٰ جَآءَ﴾ نصر الله نبيه ودينه.
وقيل حتى جاء أمر الله يقبض أرواحكم عند تمام آجالكم.
قال قتادة وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله، قال: كانوا على خدعة من الشيطان، والله ما زالوا عليها حتى قذفهم الله في النار.
* *
وقوله: ﴿وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾.
أي وخدعكم بالله الشيطان فأطمعكم في النجاة من عقوبته والسلامة من عذابه.
* *
ثم قال: ﴿فَٱلْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ﴾.
(قال ابن سلام وذلك أنهم يعطون الإيمان يوم القيامة فلا يقبل منهم).
هذا قول المؤمنين لأهل النفاق، فاليوم لا يقبل منكم فداء ولا عوض بدلا من عقابكم وعذابكم، ولا يؤخذ من الذين كفروا.
* *
﴿مَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ﴾.
أي مثواكم ومسكنكم.
﴿هِيَ مَوْلاَكُمْ﴾ أي: النار أولى بكم.
﴿وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: المرجع، بئس المصير من صار إلى النار.
* *
قوله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ﴾.
أي ألم يحن للذين صدقوا الله ورسوله أن تلين قلوبهم لذكر الله (وتذل من خشية الله).
﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ﴾ وهو القرآن.
قال ابن عباس ﴿أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ﴾، قال: تطيع قلوبهم.
روي عن ابن مسعود أنه قال: عاتبنا الله بهذه الآية بعد إسلامنا بسبع سنين. وقال غيره بأربع سنين.
وقال قتادة: ذكر لنا أن شداد بن أوس كان يروي عن النبي ﷺ أنه قال: أول ما يرفع الله من الناس الخشوع
ثم قال: ﴿وَلاَ يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلُ﴾ يعني: بني إسرائيل، والكتاب: التوراة والإنجيل.
* *
﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾.
والأمد الدهر الذي بينهم وبين موسى عليه السلام.
* *
ثم قال: ﴿وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ أي: من أهل الكتاب.
* *
ثم قال: ﴿ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْيِـي ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.
أي بالمطر فتنبت بعد يبسها وموتها، فكما قدر على ذلك، فهو قادر على أن يحيي الموتى بعد إفنائهم.
وقال صالح المري يحيي الأرض بعد موتها: يلين بكم، القلوب بعد قسوتها.
* *
ثم قال: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلآيَاتِ﴾ (أي الحجج والأدلة).
* *
﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلْمُصَّدِّقِينَ وَٱلْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾.
أي انفقوا في سبيل الله وفيما ندبهم إليه.
﴿يُضَاعَفُ لَهُمْ﴾ (أي فيضاعف لهم) الثواب يوم القيامة.
* *
﴿وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾.
أي ثواب كريم وهو الجنة، ومن خفف "المصدقين" فمعناه إن الذين صدقوا محمداً ﷺ وآمنوا ثم تصدقوا من أموالهم وأنفقوا في طاعة الله عز وجل يضاعف لهم.
الحديد 57:19
قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ﴾ الآيات.
أي والذين أقروا بوحدانية الله وإرساله رسله، وصدقوا الرسل ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ﴾ أي: الذين كثر صدقهم وتصديقهم.
* *
ثم قال: ﴿وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ أي: لهم أجر أنفسهم ونور أنفسهم.
ومذهب ابن عباس ومسروق والضحاك أن "الشهداء" منفصل من "الصديقين" منقطع منه.
وروى البراء بن عازب قال سمعت النبي ﷺ يقول: مؤمنو أمتي شهداء، ثم تلا النبي ﷺ هذه الآية.
فهذا يدل على أنه متصل بالصديقين، أي: أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم، أي: لهم أجر الشهداء، ونورهم: أي: للمؤمنين أي: من أمة محمد ﷺ أجر الشهداء ونورهم.
وروى سعيد عن أبيه عن أبي هريرة أنه قال: كلكم صديق وشهيد فقيل له انظر ماذا تقول يا أبا هريرة، فقال اقرأوا هذه الآية فذكرها.
وروي أن رجلاً من قضاعة جاء رسول الله ﷺ فقال: إن شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس وصمت شهر رمضان، وآتيت الزكاة، فقال له النبي ﷺ من كان على هذا كان من الصديقين والشهداء
وعن ابن عباس أنه قال يرفعه إلى النبي ﷺ أنه قال كل مؤمن صديق، ويزكي الله بالقتل من يشاء ثم تلا هذه الآية
قال مجاهد: هو متصل، وكل مؤمن شهيد.
وروي ذلك عن ابن عمر، روي عنه أنه قال في حديث له. والرجل يموت على فراشه هو شهيد، وقرأ هذه الآية.
وقيل "الشهداء" في هذا الموضع: النبيون الذين يشهدون على أممهم وهو قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً﴾ [النساء: ٤١].
هذا قول الفراء، والقول الأول هو اختيار الطبري، ويكون تمام الكلام: "الصديقون".
ثم يبتدئ الإخبار عن الشهداء، وإنما سمي المقتول في سبيل الله عز وجل شهيداً، لأنه يشهد له بالجنة.
وقيل سمي شهيداً لأنه يشهد عند الله على الأمم. قال تعالى ﴿وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾ [الحج: ٧٨].
وقال مجاهد: سمي المؤمن شهيداً، لأنه يشهد عند الله على نفسه بالإيمان.
* *
ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ﴾.
أي جحدوا ما أنزل الله عز وجل وكذبوا بالقرآن هم أصحاب النار.
* *
ثم قال: ﴿ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ [وَلَهْوٌ]﴾ أي : اعلموا أيها الناس أن ما عجل لكم في الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة زائلة مضمحلة، فأنتم تفاخرون بها وتتكثرون بها فمثلكم كمثل مطر أعجب الكفار نباته، أي: أعجبه الزراع نباته فهو على نهاية الحسن.
وقيل الكفار هنا هم المكذبون، لأنهم بالدنيا أشد إعجاباً، أي لا يؤمنون بالبعث.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ أي: يبتدئ في الصفرة.
﴿فَتَرَٰهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰماً﴾ أي: متحطماً لا نفع فيه لأحد، فضرب الله عز وجل مثلا للدنيا وزينتها وزوالها بعد الإعجاب بها.
(ثم أخبر تعالى بما في الآخرة من العذاب لمن ركن إلى الدنيا واختارها على الآخرة بالبعث فقال:
﴿وَفِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنٌ﴾ لأهل الإيمان بالله ورسوله.
* *
ثم قال: ﴿سَابِقُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ﴾.
أي: سابقوا أيها الناس وسارعوا إلى الأعمال الصالحة التي توجب [لكم] دخول الجنة سعتها كسعة السماوات [والأرض خالدين فيها أعدت للذين آمنوا بالله ورسله.
وقيل عرضها الذي هو خلاف الطول مثل عرض السماوات] والأرضين إذا وصل كل سماء بسماء وكل أرض بأرض، فإن قيل فأين السماوات والأرضون إذاً، فالجواب أن الليل إذا أقبل ذهب النهار في علم الله، وإذا أقبل النهار ذهب الليل في علم الله.
قال مكحول في قوله: ﴿سَابِقُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ الآية، هو المسارعة إلى التكبيرة الأولى من الصلاة.
* *
ثم قال: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾.
أي: هذه الجنة التي تقدمت صفتها فضل من الله تفضل به على المؤمنين، والله يؤتي فضله من يشاء من خلقه، وهو ذو الفضل [العظيم] عليهم بما وفقهم له من الإيمان به والعمل الصالح وبسط لهم من الرزق، وعرفهم موضع الشكر.
* *
ثم قال: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ﴾.
أي: ما أصابكم أيها الناس من مصيبة في جدب الأرض وقحطها وفساد ثمارها ولا في أنفسكم بالأوصاب والأوجاع إلا هو في كتاب، يعني أم الكتاب.
"من قبل أن نبرأ الأنفس" أي: نخلقها.
قال ابن عباس هو شيء قد فرغ عنه من قبل أن تخلق الأنفس، قال: وبلغنا أنه ليس أحد يصيب خدش عود، ولا نكبة قدم، ولا خلجان عرق، إلا بذنب وما يعفو الله أكثر.
وقال الحسن في معنى الآية: كل مصيبة (من السماء) هي في كتاب الله جل ثناؤه من قبل أن نبرأ القسمة، وهو قول الضحاك وابن زيد.
وعن ابن عباس أيضاً هو ما أصاب من مصيبة في الدين والدنيا هي في كتاب عند الله من قبل أن تخلق الأنفس.
وقيل الضمير في "نبرأها" بالمصائب، وقيل للأرض. ورجوعها إلى الأنفس أولى لأنه أقرب إليها.
* *
وقوله: ﴿إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ﴾ معناه: إلا هي في كتاب، ثم حذف الضمير.
قال ابن عباس أمر الله عز وجل القلم فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أي: إن خلق الله عز وجل الأنفس وإحصاء ما هي ملاقيته من المصائب على الله سهل، لأنه إنما يقول لشيء كن فيكون.
* *
ثم قال: ﴿لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ﴾.
أي: أعلمكم الله عز وجل أن الأمور كلها قد فرغ منها، لكيلا تأسوا على ما فاتكم من أمر دنياكم، ولا تفرحوا بما جاءكم منها، وذلك الفرح الذي يؤدي إلى المعصية والحزن الذي يؤدي إلى المعصية.
قال عكرمة: هو الصبر عند المصيبة، والشكر عند النعمة، قال وليس (أحد إلا وهو) يحزن ويفرح، ولكن من أصابته مصيبة فجعل حزنه صبراً ومن أصابه خير فجعل فرحه شكراً، فهو ممدوح لا مذموم.
فالمعنى: أعلمكم بفراغه مما يكون وتقدم علمه به قبل خلقكم كيلا تحزنوا حزناً تتعدون فيه على ما [لا] ينبغي، ولا تفرحوا فرحاً تتجاوزون فيه ما (ينبغي).
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ أي: لا يحب كل متكبر بما أوتي من الدنيا، فخور به على الناس.
وقيل: معناه: لا يحب كل مختال في مشيته تكبراً وتعظماً فخور على الناس بماله ودنياه.
* *
ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ﴾.
أي: يبخلون أن يؤمنوا بمحمد ﷺ، ويأمرون الناس ألا يؤمنوا به.
وقيل معناه: يبخلون بإخراج حق الله عز وجل من أموالهم ويأمرون الناس بذلك، وهذه الآية نزلت في اليهود، عرفوا أن محمداً ﷺ حق وما جاء به حق، وكانوا قبل مبعث النبي ﷺ يحدثون الناس ويبشرونهم بقرب مبعثه، وينتصرون على أعدائهم به، ويقولون: اللهم بحق النبي المبعوث أنصرنا فينتصرون فلما بعث كتموا أمره وكفروا به وبخلوا أن يصدقوه، وأمروا الناس بتكذيبه.
* *
قوله: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ﴾ أي: يعرض عن قبول ما أمر الله عز وجل به من الإنفاق في سبيل الله، وإخراج الزكاة، والإيمان بالله وبرسوله.
﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ﴾ أي: الغني عن ماله ونفقته وغير ذلك، الحميد إلى خلقه بما أنعم عليهم من نعمة.
الحديد 57:20
قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ﴾ الآيات.
أي والذين أقروا بوحدانية الله وإرساله رسله، وصدقوا الرسل ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ﴾ أي: الذين كثر صدقهم وتصديقهم.
* *
ثم قال: ﴿وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ أي: لهم أجر أنفسهم ونور أنفسهم.
ومذهب ابن عباس ومسروق والضحاك أن "الشهداء" منفصل من "الصديقين" منقطع منه.
وروى البراء بن عازب قال سمعت النبي ﷺ يقول: مؤمنو أمتي شهداء، ثم تلا النبي ﷺ هذه الآية.
فهذا يدل على أنه متصل بالصديقين، أي: أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم، أي: لهم أجر الشهداء، ونورهم: أي: للمؤمنين أي: من أمة محمد ﷺ أجر الشهداء ونورهم.
وروى سعيد عن أبيه عن أبي هريرة أنه قال: كلكم صديق وشهيد فقيل له انظر ماذا تقول يا أبا هريرة، فقال اقرأوا هذه الآية فذكرها.
وروي أن رجلاً من قضاعة جاء رسول الله ﷺ فقال: إن شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس وصمت شهر رمضان، وآتيت الزكاة، فقال له النبي ﷺ من كان على هذا كان من الصديقين والشهداء
وعن ابن عباس أنه قال يرفعه إلى النبي ﷺ أنه قال كل مؤمن صديق، ويزكي الله بالقتل من يشاء ثم تلا هذه الآية
قال مجاهد: هو متصل، وكل مؤمن شهيد.
وروي ذلك عن ابن عمر، روي عنه أنه قال في حديث له. والرجل يموت على فراشه هو شهيد، وقرأ هذه الآية.
وقيل "الشهداء" في هذا الموضع: النبيون الذين يشهدون على أممهم وهو قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً﴾ [النساء: ٤١].
هذا قول الفراء، والقول الأول هو اختيار الطبري، ويكون تمام الكلام: "الصديقون".
ثم يبتدئ الإخبار عن الشهداء، وإنما سمي المقتول في سبيل الله عز وجل شهيداً، لأنه يشهد له بالجنة.
وقيل سمي شهيداً لأنه يشهد عند الله على الأمم. قال تعالى ﴿وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾ [الحج: ٧٨].
وقال مجاهد: سمي المؤمن شهيداً، لأنه يشهد عند الله على نفسه بالإيمان.
* *
ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ﴾.
أي جحدوا ما أنزل الله عز وجل وكذبوا بالقرآن هم أصحاب النار.
* *
ثم قال: ﴿ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ [وَلَهْوٌ]﴾ أي : اعلموا أيها الناس أن ما عجل لكم في الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة زائلة مضمحلة، فأنتم تفاخرون بها وتتكثرون بها فمثلكم كمثل مطر أعجب الكفار نباته، أي: أعجبه الزراع نباته فهو على نهاية الحسن.
وقيل الكفار هنا هم المكذبون، لأنهم بالدنيا أشد إعجاباً، أي لا يؤمنون بالبعث.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ أي: يبتدئ في الصفرة.
﴿فَتَرَٰهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰماً﴾ أي: متحطماً لا نفع فيه لأحد، فضرب الله عز وجل مثلا للدنيا وزينتها وزوالها بعد الإعجاب بها.
(ثم أخبر تعالى بما في الآخرة من العذاب لمن ركن إلى الدنيا واختارها على الآخرة بالبعث فقال:
﴿وَفِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنٌ﴾ لأهل الإيمان بالله ورسوله.
* *
ثم قال: ﴿سَابِقُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ﴾.
أي: سابقوا أيها الناس وسارعوا إلى الأعمال الصالحة التي توجب [لكم] دخول الجنة سعتها كسعة السماوات [والأرض خالدين فيها أعدت للذين آمنوا بالله ورسله.
وقيل عرضها الذي هو خلاف الطول مثل عرض السماوات] والأرضين إذا وصل كل سماء بسماء وكل أرض بأرض، فإن قيل فأين السماوات والأرضون إذاً، فالجواب أن الليل إذا أقبل ذهب النهار في علم الله، وإذا أقبل النهار ذهب الليل في علم الله.
قال مكحول في قوله: ﴿سَابِقُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ الآية، هو المسارعة إلى التكبيرة الأولى من الصلاة.
* *
ثم قال: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾.
أي: هذه الجنة التي تقدمت صفتها فضل من الله تفضل به على المؤمنين، والله يؤتي فضله من يشاء من خلقه، وهو ذو الفضل [العظيم] عليهم بما وفقهم له من الإيمان به والعمل الصالح وبسط لهم من الرزق، وعرفهم موضع الشكر.
* *
ثم قال: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ﴾.
أي: ما أصابكم أيها الناس من مصيبة في جدب الأرض وقحطها وفساد ثمارها ولا في أنفسكم بالأوصاب والأوجاع إلا هو في كتاب، يعني أم الكتاب.
"من قبل أن نبرأ الأنفس" أي: نخلقها.
قال ابن عباس هو شيء قد فرغ عنه من قبل أن تخلق الأنفس، قال: وبلغنا أنه ليس أحد يصيب خدش عود، ولا نكبة قدم، ولا خلجان عرق، إلا بذنب وما يعفو الله أكثر.
وقال الحسن في معنى الآية: كل مصيبة (من السماء) هي في كتاب الله جل ثناؤه من قبل أن نبرأ القسمة، وهو قول الضحاك وابن زيد.
وعن ابن عباس أيضاً هو ما أصاب من مصيبة في الدين والدنيا هي في كتاب عند الله من قبل أن تخلق الأنفس.
وقيل الضمير في "نبرأها" بالمصائب، وقيل للأرض. ورجوعها إلى الأنفس أولى لأنه أقرب إليها.
* *
وقوله: ﴿إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ﴾ معناه: إلا هي في كتاب، ثم حذف الضمير.
قال ابن عباس أمر الله عز وجل القلم فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أي: إن خلق الله عز وجل الأنفس وإحصاء ما هي ملاقيته من المصائب على الله سهل، لأنه إنما يقول لشيء كن فيكون.
* *
ثم قال: ﴿لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ﴾.
أي: أعلمكم الله عز وجل أن الأمور كلها قد فرغ منها، لكيلا تأسوا على ما فاتكم من أمر دنياكم، ولا تفرحوا بما جاءكم منها، وذلك الفرح الذي يؤدي إلى المعصية والحزن الذي يؤدي إلى المعصية.
قال عكرمة: هو الصبر عند المصيبة، والشكر عند النعمة، قال وليس (أحد إلا وهو) يحزن ويفرح، ولكن من أصابته مصيبة فجعل حزنه صبراً ومن أصابه خير فجعل فرحه شكراً، فهو ممدوح لا مذموم.
فالمعنى: أعلمكم بفراغه مما يكون وتقدم علمه به قبل خلقكم كيلا تحزنوا حزناً تتعدون فيه على ما [لا] ينبغي، ولا تفرحوا فرحاً تتجاوزون فيه ما (ينبغي).
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ أي: لا يحب كل متكبر بما أوتي من الدنيا، فخور به على الناس.
وقيل: معناه: لا يحب كل مختال في مشيته تكبراً وتعظماً فخور على الناس بماله ودنياه.
* *
ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ﴾.
أي: يبخلون أن يؤمنوا بمحمد ﷺ، ويأمرون الناس ألا يؤمنوا به.
وقيل معناه: يبخلون بإخراج حق الله عز وجل من أموالهم ويأمرون الناس بذلك، وهذه الآية نزلت في اليهود، عرفوا أن محمداً ﷺ حق وما جاء به حق، وكانوا قبل مبعث النبي ﷺ يحدثون الناس ويبشرونهم بقرب مبعثه، وينتصرون على أعدائهم به، ويقولون: اللهم بحق النبي المبعوث أنصرنا فينتصرون فلما بعث كتموا أمره وكفروا به وبخلوا أن يصدقوه، وأمروا الناس بتكذيبه.
* *
قوله: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ﴾ أي: يعرض عن قبول ما أمر الله عز وجل به من الإنفاق في سبيل الله، وإخراج الزكاة، والإيمان بالله وبرسوله.
﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ﴾ أي: الغني عن ماله ونفقته وغير ذلك، الحميد إلى خلقه بما أنعم عليهم من نعمة.
الحديد 57:21
قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ﴾ الآيات.
أي والذين أقروا بوحدانية الله وإرساله رسله، وصدقوا الرسل ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ﴾ أي: الذين كثر صدقهم وتصديقهم.
* *
ثم قال: ﴿وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ أي: لهم أجر أنفسهم ونور أنفسهم.
ومذهب ابن عباس ومسروق والضحاك أن "الشهداء" منفصل من "الصديقين" منقطع منه.
وروى البراء بن عازب قال سمعت النبي ﷺ يقول: مؤمنو أمتي شهداء، ثم تلا النبي ﷺ هذه الآية.
فهذا يدل على أنه متصل بالصديقين، أي: أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم، أي: لهم أجر الشهداء، ونورهم: أي: للمؤمنين أي: من أمة محمد ﷺ أجر الشهداء ونورهم.
وروى سعيد عن أبيه عن أبي هريرة أنه قال: كلكم صديق وشهيد فقيل له انظر ماذا تقول يا أبا هريرة، فقال اقرأوا هذه الآية فذكرها.
وروي أن رجلاً من قضاعة جاء رسول الله ﷺ فقال: إن شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس وصمت شهر رمضان، وآتيت الزكاة، فقال له النبي ﷺ من كان على هذا كان من الصديقين والشهداء
وعن ابن عباس أنه قال يرفعه إلى النبي ﷺ أنه قال كل مؤمن صديق، ويزكي الله بالقتل من يشاء ثم تلا هذه الآية
قال مجاهد: هو متصل، وكل مؤمن شهيد.
وروي ذلك عن ابن عمر، روي عنه أنه قال في حديث له. والرجل يموت على فراشه هو شهيد، وقرأ هذه الآية.
وقيل "الشهداء" في هذا الموضع: النبيون الذين يشهدون على أممهم وهو قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً﴾ [النساء: ٤١].
هذا قول الفراء، والقول الأول هو اختيار الطبري، ويكون تمام الكلام: "الصديقون".
ثم يبتدئ الإخبار عن الشهداء، وإنما سمي المقتول في سبيل الله عز وجل شهيداً، لأنه يشهد له بالجنة.
وقيل سمي شهيداً لأنه يشهد عند الله على الأمم. قال تعالى ﴿وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾ [الحج: ٧٨].
وقال مجاهد: سمي المؤمن شهيداً، لأنه يشهد عند الله على نفسه بالإيمان.
* *
ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ﴾.
أي جحدوا ما أنزل الله عز وجل وكذبوا بالقرآن هم أصحاب النار.
* *
ثم قال: ﴿ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ [وَلَهْوٌ]﴾ أي : اعلموا أيها الناس أن ما عجل لكم في الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة زائلة مضمحلة، فأنتم تفاخرون بها وتتكثرون بها فمثلكم كمثل مطر أعجب الكفار نباته، أي: أعجبه الزراع نباته فهو على نهاية الحسن.
وقيل الكفار هنا هم المكذبون، لأنهم بالدنيا أشد إعجاباً، أي لا يؤمنون بالبعث.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ أي: يبتدئ في الصفرة.
﴿فَتَرَٰهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰماً﴾ أي: متحطماً لا نفع فيه لأحد، فضرب الله عز وجل مثلا للدنيا وزينتها وزوالها بعد الإعجاب بها.
(ثم أخبر تعالى بما في الآخرة من العذاب لمن ركن إلى الدنيا واختارها على الآخرة بالبعث فقال:
﴿وَفِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنٌ﴾ لأهل الإيمان بالله ورسوله.
* *
ثم قال: ﴿سَابِقُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ﴾.
أي: سابقوا أيها الناس وسارعوا إلى الأعمال الصالحة التي توجب [لكم] دخول الجنة سعتها كسعة السماوات [والأرض خالدين فيها أعدت للذين آمنوا بالله ورسله.
وقيل عرضها الذي هو خلاف الطول مثل عرض السماوات] والأرضين إذا وصل كل سماء بسماء وكل أرض بأرض، فإن قيل فأين السماوات والأرضون إذاً، فالجواب أن الليل إذا أقبل ذهب النهار في علم الله، وإذا أقبل النهار ذهب الليل في علم الله.
قال مكحول في قوله: ﴿سَابِقُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ الآية، هو المسارعة إلى التكبيرة الأولى من الصلاة.
* *
ثم قال: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾.
أي: هذه الجنة التي تقدمت صفتها فضل من الله تفضل به على المؤمنين، والله يؤتي فضله من يشاء من خلقه، وهو ذو الفضل [العظيم] عليهم بما وفقهم له من الإيمان به والعمل الصالح وبسط لهم من الرزق، وعرفهم موضع الشكر.
* *
ثم قال: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ﴾.
أي: ما أصابكم أيها الناس من مصيبة في جدب الأرض وقحطها وفساد ثمارها ولا في أنفسكم بالأوصاب والأوجاع إلا هو في كتاب، يعني أم الكتاب.
"من قبل أن نبرأ الأنفس" أي: نخلقها.
قال ابن عباس هو شيء قد فرغ عنه من قبل أن تخلق الأنفس، قال: وبلغنا أنه ليس أحد يصيب خدش عود، ولا نكبة قدم، ولا خلجان عرق، إلا بذنب وما يعفو الله أكثر.
وقال الحسن في معنى الآية: كل مصيبة (من السماء) هي في كتاب الله جل ثناؤه من قبل أن نبرأ القسمة، وهو قول الضحاك وابن زيد.
وعن ابن عباس أيضاً هو ما أصاب من مصيبة في الدين والدنيا هي في كتاب عند الله من قبل أن تخلق الأنفس.
وقيل الضمير في "نبرأها" بالمصائب، وقيل للأرض. ورجوعها إلى الأنفس أولى لأنه أقرب إليها.
* *
وقوله: ﴿إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ﴾ معناه: إلا هي في كتاب، ثم حذف الضمير.
قال ابن عباس أمر الله عز وجل القلم فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أي: إن خلق الله عز وجل الأنفس وإحصاء ما هي ملاقيته من المصائب على الله سهل، لأنه إنما يقول لشيء كن فيكون.
* *
ثم قال: ﴿لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ﴾.
أي: أعلمكم الله عز وجل أن الأمور كلها قد فرغ منها، لكيلا تأسوا على ما فاتكم من أمر دنياكم، ولا تفرحوا بما جاءكم منها، وذلك الفرح الذي يؤدي إلى المعصية والحزن الذي يؤدي إلى المعصية.
قال عكرمة: هو الصبر عند المصيبة، والشكر عند النعمة، قال وليس (أحد إلا وهو) يحزن ويفرح، ولكن من أصابته مصيبة فجعل حزنه صبراً ومن أصابه خير فجعل فرحه شكراً، فهو ممدوح لا مذموم.
فالمعنى: أعلمكم بفراغه مما يكون وتقدم علمه به قبل خلقكم كيلا تحزنوا حزناً تتعدون فيه على ما [لا] ينبغي، ولا تفرحوا فرحاً تتجاوزون فيه ما (ينبغي).
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ أي: لا يحب كل متكبر بما أوتي من الدنيا، فخور به على الناس.
وقيل: معناه: لا يحب كل مختال في مشيته تكبراً وتعظماً فخور على الناس بماله ودنياه.
* *
ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ﴾.
أي: يبخلون أن يؤمنوا بمحمد ﷺ، ويأمرون الناس ألا يؤمنوا به.
وقيل معناه: يبخلون بإخراج حق الله عز وجل من أموالهم ويأمرون الناس بذلك، وهذه الآية نزلت في اليهود، عرفوا أن محمداً ﷺ حق وما جاء به حق، وكانوا قبل مبعث النبي ﷺ يحدثون الناس ويبشرونهم بقرب مبعثه، وينتصرون على أعدائهم به، ويقولون: اللهم بحق النبي المبعوث أنصرنا فينتصرون فلما بعث كتموا أمره وكفروا به وبخلوا أن يصدقوه، وأمروا الناس بتكذيبه.
* *
قوله: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ﴾ أي: يعرض عن قبول ما أمر الله عز وجل به من الإنفاق في سبيل الله، وإخراج الزكاة، والإيمان بالله وبرسوله.
﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ﴾ أي: الغني عن ماله ونفقته وغير ذلك، الحميد إلى خلقه بما أنعم عليهم من نعمة.
الحديد 57:22
قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ﴾ الآيات.
أي والذين أقروا بوحدانية الله وإرساله رسله، وصدقوا الرسل ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ﴾ أي: الذين كثر صدقهم وتصديقهم.
* *
ثم قال: ﴿وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ أي: لهم أجر أنفسهم ونور أنفسهم.
ومذهب ابن عباس ومسروق والضحاك أن "الشهداء" منفصل من "الصديقين" منقطع منه.
وروى البراء بن عازب قال سمعت النبي ﷺ يقول: مؤمنو أمتي شهداء، ثم تلا النبي ﷺ هذه الآية.
فهذا يدل على أنه متصل بالصديقين، أي: أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم، أي: لهم أجر الشهداء، ونورهم: أي: للمؤمنين أي: من أمة محمد ﷺ أجر الشهداء ونورهم.
وروى سعيد عن أبيه عن أبي هريرة أنه قال: كلكم صديق وشهيد فقيل له انظر ماذا تقول يا أبا هريرة، فقال اقرأوا هذه الآية فذكرها.
وروي أن رجلاً من قضاعة جاء رسول الله ﷺ فقال: إن شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس وصمت شهر رمضان، وآتيت الزكاة، فقال له النبي ﷺ من كان على هذا كان من الصديقين والشهداء
وعن ابن عباس أنه قال يرفعه إلى النبي ﷺ أنه قال كل مؤمن صديق، ويزكي الله بالقتل من يشاء ثم تلا هذه الآية
قال مجاهد: هو متصل، وكل مؤمن شهيد.
وروي ذلك عن ابن عمر، روي عنه أنه قال في حديث له. والرجل يموت على فراشه هو شهيد، وقرأ هذه الآية.
وقيل "الشهداء" في هذا الموضع: النبيون الذين يشهدون على أممهم وهو قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً﴾ [النساء: ٤١].
هذا قول الفراء، والقول الأول هو اختيار الطبري، ويكون تمام الكلام: "الصديقون".
ثم يبتدئ الإخبار عن الشهداء، وإنما سمي المقتول في سبيل الله عز وجل شهيداً، لأنه يشهد له بالجنة.
وقيل سمي شهيداً لأنه يشهد عند الله على الأمم. قال تعالى ﴿وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾ [الحج: ٧٨].
وقال مجاهد: سمي المؤمن شهيداً، لأنه يشهد عند الله على نفسه بالإيمان.
* *
ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ﴾.
أي جحدوا ما أنزل الله عز وجل وكذبوا بالقرآن هم أصحاب النار.
* *
ثم قال: ﴿ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ [وَلَهْوٌ]﴾ أي : اعلموا أيها الناس أن ما عجل لكم في الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة زائلة مضمحلة، فأنتم تفاخرون بها وتتكثرون بها فمثلكم كمثل مطر أعجب الكفار نباته، أي: أعجبه الزراع نباته فهو على نهاية الحسن.
وقيل الكفار هنا هم المكذبون، لأنهم بالدنيا أشد إعجاباً، أي لا يؤمنون بالبعث.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ أي: يبتدئ في الصفرة.
﴿فَتَرَٰهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰماً﴾ أي: متحطماً لا نفع فيه لأحد، فضرب الله عز وجل مثلا للدنيا وزينتها وزوالها بعد الإعجاب بها.
(ثم أخبر تعالى بما في الآخرة من العذاب لمن ركن إلى الدنيا واختارها على الآخرة بالبعث فقال:
﴿وَفِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنٌ﴾ لأهل الإيمان بالله ورسوله.
* *
ثم قال: ﴿سَابِقُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ﴾.
أي: سابقوا أيها الناس وسارعوا إلى الأعمال الصالحة التي توجب [لكم] دخول الجنة سعتها كسعة السماوات [والأرض خالدين فيها أعدت للذين آمنوا بالله ورسله.
وقيل عرضها الذي هو خلاف الطول مثل عرض السماوات] والأرضين إذا وصل كل سماء بسماء وكل أرض بأرض، فإن قيل فأين السماوات والأرضون إذاً، فالجواب أن الليل إذا أقبل ذهب النهار في علم الله، وإذا أقبل النهار ذهب الليل في علم الله.
قال مكحول في قوله: ﴿سَابِقُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ الآية، هو المسارعة إلى التكبيرة الأولى من الصلاة.
* *
ثم قال: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾.
أي: هذه الجنة التي تقدمت صفتها فضل من الله تفضل به على المؤمنين، والله يؤتي فضله من يشاء من خلقه، وهو ذو الفضل [العظيم] عليهم بما وفقهم له من الإيمان به والعمل الصالح وبسط لهم من الرزق، وعرفهم موضع الشكر.
* *
ثم قال: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ﴾.
أي: ما أصابكم أيها الناس من مصيبة في جدب الأرض وقحطها وفساد ثمارها ولا في أنفسكم بالأوصاب والأوجاع إلا هو في كتاب، يعني أم الكتاب.
"من قبل أن نبرأ الأنفس" أي: نخلقها.
قال ابن عباس هو شيء قد فرغ عنه من قبل أن تخلق الأنفس، قال: وبلغنا أنه ليس أحد يصيب خدش عود، ولا نكبة قدم، ولا خلجان عرق، إلا بذنب وما يعفو الله أكثر.
وقال الحسن في معنى الآية: كل مصيبة (من السماء) هي في كتاب الله جل ثناؤه من قبل أن نبرأ القسمة، وهو قول الضحاك وابن زيد.
وعن ابن عباس أيضاً هو ما أصاب من مصيبة في الدين والدنيا هي في كتاب عند الله من قبل أن تخلق الأنفس.
وقيل الضمير في "نبرأها" بالمصائب، وقيل للأرض. ورجوعها إلى الأنفس أولى لأنه أقرب إليها.
* *
وقوله: ﴿إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ﴾ معناه: إلا هي في كتاب، ثم حذف الضمير.
قال ابن عباس أمر الله عز وجل القلم فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أي: إن خلق الله عز وجل الأنفس وإحصاء ما هي ملاقيته من المصائب على الله سهل، لأنه إنما يقول لشيء كن فيكون.
* *
ثم قال: ﴿لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ﴾.
أي: أعلمكم الله عز وجل أن الأمور كلها قد فرغ منها، لكيلا تأسوا على ما فاتكم من أمر دنياكم، ولا تفرحوا بما جاءكم منها، وذلك الفرح الذي يؤدي إلى المعصية والحزن الذي يؤدي إلى المعصية.
قال عكرمة: هو الصبر عند المصيبة، والشكر عند النعمة، قال وليس (أحد إلا وهو) يحزن ويفرح، ولكن من أصابته مصيبة فجعل حزنه صبراً ومن أصابه خير فجعل فرحه شكراً، فهو ممدوح لا مذموم.
فالمعنى: أعلمكم بفراغه مما يكون وتقدم علمه به قبل خلقكم كيلا تحزنوا حزناً تتعدون فيه على ما [لا] ينبغي، ولا تفرحوا فرحاً تتجاوزون فيه ما (ينبغي).
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ أي: لا يحب كل متكبر بما أوتي من الدنيا، فخور به على الناس.
وقيل: معناه: لا يحب كل مختال في مشيته تكبراً وتعظماً فخور على الناس بماله ودنياه.
* *
ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ﴾.
أي: يبخلون أن يؤمنوا بمحمد ﷺ، ويأمرون الناس ألا يؤمنوا به.
وقيل معناه: يبخلون بإخراج حق الله عز وجل من أموالهم ويأمرون الناس بذلك، وهذه الآية نزلت في اليهود، عرفوا أن محمداً ﷺ حق وما جاء به حق، وكانوا قبل مبعث النبي ﷺ يحدثون الناس ويبشرونهم بقرب مبعثه، وينتصرون على أعدائهم به، ويقولون: اللهم بحق النبي المبعوث أنصرنا فينتصرون فلما بعث كتموا أمره وكفروا به وبخلوا أن يصدقوه، وأمروا الناس بتكذيبه.
* *
قوله: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ﴾ أي: يعرض عن قبول ما أمر الله عز وجل به من الإنفاق في سبيل الله، وإخراج الزكاة، والإيمان بالله وبرسوله.
﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ﴾ أي: الغني عن ماله ونفقته وغير ذلك، الحميد إلى خلقه بما أنعم عليهم من نعمة.
الحديد 57:23
قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ﴾ الآيات.
أي والذين أقروا بوحدانية الله وإرساله رسله، وصدقوا الرسل ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ﴾ أي: الذين كثر صدقهم وتصديقهم.
* *
ثم قال: ﴿وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ أي: لهم أجر أنفسهم ونور أنفسهم.
ومذهب ابن عباس ومسروق والضحاك أن "الشهداء" منفصل من "الصديقين" منقطع منه.
وروى البراء بن عازب قال سمعت النبي ﷺ يقول: مؤمنو أمتي شهداء، ثم تلا النبي ﷺ هذه الآية.
فهذا يدل على أنه متصل بالصديقين، أي: أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم، أي: لهم أجر الشهداء، ونورهم: أي: للمؤمنين أي: من أمة محمد ﷺ أجر الشهداء ونورهم.
وروى سعيد عن أبيه عن أبي هريرة أنه قال: كلكم صديق وشهيد فقيل له انظر ماذا تقول يا أبا هريرة، فقال اقرأوا هذه الآية فذكرها.
وروي أن رجلاً من قضاعة جاء رسول الله ﷺ فقال: إن شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس وصمت شهر رمضان، وآتيت الزكاة، فقال له النبي ﷺ من كان على هذا كان من الصديقين والشهداء
وعن ابن عباس أنه قال يرفعه إلى النبي ﷺ أنه قال كل مؤمن صديق، ويزكي الله بالقتل من يشاء ثم تلا هذه الآية
قال مجاهد: هو متصل، وكل مؤمن شهيد.
وروي ذلك عن ابن عمر، روي عنه أنه قال في حديث له. والرجل يموت على فراشه هو شهيد، وقرأ هذه الآية.
وقيل "الشهداء" في هذا الموضع: النبيون الذين يشهدون على أممهم وهو قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً﴾ [النساء: ٤١].
هذا قول الفراء، والقول الأول هو اختيار الطبري، ويكون تمام الكلام: "الصديقون".
ثم يبتدئ الإخبار عن الشهداء، وإنما سمي المقتول في سبيل الله عز وجل شهيداً، لأنه يشهد له بالجنة.
وقيل سمي شهيداً لأنه يشهد عند الله على الأمم. قال تعالى ﴿وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾ [الحج: ٧٨].
وقال مجاهد: سمي المؤمن شهيداً، لأنه يشهد عند الله على نفسه بالإيمان.
* *
ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ﴾.
أي جحدوا ما أنزل الله عز وجل وكذبوا بالقرآن هم أصحاب النار.
* *
ثم قال: ﴿ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ [وَلَهْوٌ]﴾ أي : اعلموا أيها الناس أن ما عجل لكم في الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة زائلة مضمحلة، فأنتم تفاخرون بها وتتكثرون بها فمثلكم كمثل مطر أعجب الكفار نباته، أي: أعجبه الزراع نباته فهو على نهاية الحسن.
وقيل الكفار هنا هم المكذبون، لأنهم بالدنيا أشد إعجاباً، أي لا يؤمنون بالبعث.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ أي: يبتدئ في الصفرة.
﴿فَتَرَٰهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰماً﴾ أي: متحطماً لا نفع فيه لأحد، فضرب الله عز وجل مثلا للدنيا وزينتها وزوالها بعد الإعجاب بها.
(ثم أخبر تعالى بما في الآخرة من العذاب لمن ركن إلى الدنيا واختارها على الآخرة بالبعث فقال:
﴿وَفِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنٌ﴾ لأهل الإيمان بالله ورسوله.
* *
ثم قال: ﴿سَابِقُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ﴾.
أي: سابقوا أيها الناس وسارعوا إلى الأعمال الصالحة التي توجب [لكم] دخول الجنة سعتها كسعة السماوات [والأرض خالدين فيها أعدت للذين آمنوا بالله ورسله.
وقيل عرضها الذي هو خلاف الطول مثل عرض السماوات] والأرضين إذا وصل كل سماء بسماء وكل أرض بأرض، فإن قيل فأين السماوات والأرضون إذاً، فالجواب أن الليل إذا أقبل ذهب النهار في علم الله، وإذا أقبل النهار ذهب الليل في علم الله.
قال مكحول في قوله: ﴿سَابِقُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ الآية، هو المسارعة إلى التكبيرة الأولى من الصلاة.
* *
ثم قال: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾.
أي: هذه الجنة التي تقدمت صفتها فضل من الله تفضل به على المؤمنين، والله يؤتي فضله من يشاء من خلقه، وهو ذو الفضل [العظيم] عليهم بما وفقهم له من الإيمان به والعمل الصالح وبسط لهم من الرزق، وعرفهم موضع الشكر.
* *
ثم قال: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ﴾.
أي: ما أصابكم أيها الناس من مصيبة في جدب الأرض وقحطها وفساد ثمارها ولا في أنفسكم بالأوصاب والأوجاع إلا هو في كتاب، يعني أم الكتاب.
"من قبل أن نبرأ الأنفس" أي: نخلقها.
قال ابن عباس هو شيء قد فرغ عنه من قبل أن تخلق الأنفس، قال: وبلغنا أنه ليس أحد يصيب خدش عود، ولا نكبة قدم، ولا خلجان عرق، إلا بذنب وما يعفو الله أكثر.
وقال الحسن في معنى الآية: كل مصيبة (من السماء) هي في كتاب الله جل ثناؤه من قبل أن نبرأ القسمة، وهو قول الضحاك وابن زيد.
وعن ابن عباس أيضاً هو ما أصاب من مصيبة في الدين والدنيا هي في كتاب عند الله من قبل أن تخلق الأنفس.
وقيل الضمير في "نبرأها" بالمصائب، وقيل للأرض. ورجوعها إلى الأنفس أولى لأنه أقرب إليها.
* *
وقوله: ﴿إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ﴾ معناه: إلا هي في كتاب، ثم حذف الضمير.
قال ابن عباس أمر الله عز وجل القلم فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أي: إن خلق الله عز وجل الأنفس وإحصاء ما هي ملاقيته من المصائب على الله سهل، لأنه إنما يقول لشيء كن فيكون.
* *
ثم قال: ﴿لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ﴾.
أي: أعلمكم الله عز وجل أن الأمور كلها قد فرغ منها، لكيلا تأسوا على ما فاتكم من أمر دنياكم، ولا تفرحوا بما جاءكم منها، وذلك الفرح الذي يؤدي إلى المعصية والحزن الذي يؤدي إلى المعصية.
قال عكرمة: هو الصبر عند المصيبة، والشكر عند النعمة، قال وليس (أحد إلا وهو) يحزن ويفرح، ولكن من أصابته مصيبة فجعل حزنه صبراً ومن أصابه خير فجعل فرحه شكراً، فهو ممدوح لا مذموم.
فالمعنى: أعلمكم بفراغه مما يكون وتقدم علمه به قبل خلقكم كيلا تحزنوا حزناً تتعدون فيه على ما [لا] ينبغي، ولا تفرحوا فرحاً تتجاوزون فيه ما (ينبغي).
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ أي: لا يحب كل متكبر بما أوتي من الدنيا، فخور به على الناس.
وقيل: معناه: لا يحب كل مختال في مشيته تكبراً وتعظماً فخور على الناس بماله ودنياه.
* *
ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ﴾.
أي: يبخلون أن يؤمنوا بمحمد ﷺ، ويأمرون الناس ألا يؤمنوا به.
وقيل معناه: يبخلون بإخراج حق الله عز وجل من أموالهم ويأمرون الناس بذلك، وهذه الآية نزلت في اليهود، عرفوا أن محمداً ﷺ حق وما جاء به حق، وكانوا قبل مبعث النبي ﷺ يحدثون الناس ويبشرونهم بقرب مبعثه، وينتصرون على أعدائهم به، ويقولون: اللهم بحق النبي المبعوث أنصرنا فينتصرون فلما بعث كتموا أمره وكفروا به وبخلوا أن يصدقوه، وأمروا الناس بتكذيبه.
* *
قوله: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ﴾ أي: يعرض عن قبول ما أمر الله عز وجل به من الإنفاق في سبيل الله، وإخراج الزكاة، والإيمان بالله وبرسوله.
﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ﴾ أي: الغني عن ماله ونفقته وغير ذلك، الحميد إلى خلقه بما أنعم عليهم من نعمة.
الحديد 57:24
قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ﴾ الآيات.
أي والذين أقروا بوحدانية الله وإرساله رسله، وصدقوا الرسل ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ﴾ أي: الذين كثر صدقهم وتصديقهم.
* *
ثم قال: ﴿وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ أي: لهم أجر أنفسهم ونور أنفسهم.
ومذهب ابن عباس ومسروق والضحاك أن "الشهداء" منفصل من "الصديقين" منقطع منه.
وروى البراء بن عازب قال سمعت النبي ﷺ يقول: مؤمنو أمتي شهداء، ثم تلا النبي ﷺ هذه الآية.
فهذا يدل على أنه متصل بالصديقين، أي: أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم، أي: لهم أجر الشهداء، ونورهم: أي: للمؤمنين أي: من أمة محمد ﷺ أجر الشهداء ونورهم.
وروى سعيد عن أبيه عن أبي هريرة أنه قال: كلكم صديق وشهيد فقيل له انظر ماذا تقول يا أبا هريرة، فقال اقرأوا هذه الآية فذكرها.
وروي أن رجلاً من قضاعة جاء رسول الله ﷺ فقال: إن شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس وصمت شهر رمضان، وآتيت الزكاة، فقال له النبي ﷺ من كان على هذا كان من الصديقين والشهداء
وعن ابن عباس أنه قال يرفعه إلى النبي ﷺ أنه قال كل مؤمن صديق، ويزكي الله بالقتل من يشاء ثم تلا هذه الآية
قال مجاهد: هو متصل، وكل مؤمن شهيد.
وروي ذلك عن ابن عمر، روي عنه أنه قال في حديث له. والرجل يموت على فراشه هو شهيد، وقرأ هذه الآية.
وقيل "الشهداء" في هذا الموضع: النبيون الذين يشهدون على أممهم وهو قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً﴾ [النساء: ٤١].
هذا قول الفراء، والقول الأول هو اختيار الطبري، ويكون تمام الكلام: "الصديقون".
ثم يبتدئ الإخبار عن الشهداء، وإنما سمي المقتول في سبيل الله عز وجل شهيداً، لأنه يشهد له بالجنة.
وقيل سمي شهيداً لأنه يشهد عند الله على الأمم. قال تعالى ﴿وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾ [الحج: ٧٨].
وقال مجاهد: سمي المؤمن شهيداً، لأنه يشهد عند الله على نفسه بالإيمان.
* *
ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ﴾.
أي جحدوا ما أنزل الله عز وجل وكذبوا بالقرآن هم أصحاب النار.
* *
ثم قال: ﴿ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ [وَلَهْوٌ]﴾ أي : اعلموا أيها الناس أن ما عجل لكم في الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة زائلة مضمحلة، فأنتم تفاخرون بها وتتكثرون بها فمثلكم كمثل مطر أعجب الكفار نباته، أي: أعجبه الزراع نباته فهو على نهاية الحسن.
وقيل الكفار هنا هم المكذبون، لأنهم بالدنيا أشد إعجاباً، أي لا يؤمنون بالبعث.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ أي: يبتدئ في الصفرة.
﴿فَتَرَٰهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰماً﴾ أي: متحطماً لا نفع فيه لأحد، فضرب الله عز وجل مثلا للدنيا وزينتها وزوالها بعد الإعجاب بها.
(ثم أخبر تعالى بما في الآخرة من العذاب لمن ركن إلى الدنيا واختارها على الآخرة بالبعث فقال:
﴿وَفِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنٌ﴾ لأهل الإيمان بالله ورسوله.
* *
ثم قال: ﴿سَابِقُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ﴾.
أي: سابقوا أيها الناس وسارعوا إلى الأعمال الصالحة التي توجب [لكم] دخول الجنة سعتها كسعة السماوات [والأرض خالدين فيها أعدت للذين آمنوا بالله ورسله.
وقيل عرضها الذي هو خلاف الطول مثل عرض السماوات] والأرضين إذا وصل كل سماء بسماء وكل أرض بأرض، فإن قيل فأين السماوات والأرضون إذاً، فالجواب أن الليل إذا أقبل ذهب النهار في علم الله، وإذا أقبل النهار ذهب الليل في علم الله.
قال مكحول في قوله: ﴿سَابِقُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ الآية، هو المسارعة إلى التكبيرة الأولى من الصلاة.
* *
ثم قال: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾.
أي: هذه الجنة التي تقدمت صفتها فضل من الله تفضل به على المؤمنين، والله يؤتي فضله من يشاء من خلقه، وهو ذو الفضل [العظيم] عليهم بما وفقهم له من الإيمان به والعمل الصالح وبسط لهم من الرزق، وعرفهم موضع الشكر.
* *
ثم قال: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ﴾.
أي: ما أصابكم أيها الناس من مصيبة في جدب الأرض وقحطها وفساد ثمارها ولا في أنفسكم بالأوصاب والأوجاع إلا هو في كتاب، يعني أم الكتاب.
"من قبل أن نبرأ الأنفس" أي: نخلقها.
قال ابن عباس هو شيء قد فرغ عنه من قبل أن تخلق الأنفس، قال: وبلغنا أنه ليس أحد يصيب خدش عود، ولا نكبة قدم، ولا خلجان عرق، إلا بذنب وما يعفو الله أكثر.
وقال الحسن في معنى الآية: كل مصيبة (من السماء) هي في كتاب الله جل ثناؤه من قبل أن نبرأ القسمة، وهو قول الضحاك وابن زيد.
وعن ابن عباس أيضاً هو ما أصاب من مصيبة في الدين والدنيا هي في كتاب عند الله من قبل أن تخلق الأنفس.
وقيل الضمير في "نبرأها" بالمصائب، وقيل للأرض. ورجوعها إلى الأنفس أولى لأنه أقرب إليها.
* *
وقوله: ﴿إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ﴾ معناه: إلا هي في كتاب، ثم حذف الضمير.
قال ابن عباس أمر الله عز وجل القلم فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أي: إن خلق الله عز وجل الأنفس وإحصاء ما هي ملاقيته من المصائب على الله سهل، لأنه إنما يقول لشيء كن فيكون.
* *
ثم قال: ﴿لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ﴾.
أي: أعلمكم الله عز وجل أن الأمور كلها قد فرغ منها، لكيلا تأسوا على ما فاتكم من أمر دنياكم، ولا تفرحوا بما جاءكم منها، وذلك الفرح الذي يؤدي إلى المعصية والحزن الذي يؤدي إلى المعصية.
قال عكرمة: هو الصبر عند المصيبة، والشكر عند النعمة، قال وليس (أحد إلا وهو) يحزن ويفرح، ولكن من أصابته مصيبة فجعل حزنه صبراً ومن أصابه خير فجعل فرحه شكراً، فهو ممدوح لا مذموم.
فالمعنى: أعلمكم بفراغه مما يكون وتقدم علمه به قبل خلقكم كيلا تحزنوا حزناً تتعدون فيه على ما [لا] ينبغي، ولا تفرحوا فرحاً تتجاوزون فيه ما (ينبغي).
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ أي: لا يحب كل متكبر بما أوتي من الدنيا، فخور به على الناس.
وقيل: معناه: لا يحب كل مختال في مشيته تكبراً وتعظماً فخور على الناس بماله ودنياه.
* *
ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ﴾.
أي: يبخلون أن يؤمنوا بمحمد ﷺ، ويأمرون الناس ألا يؤمنوا به.
وقيل معناه: يبخلون بإخراج حق الله عز وجل من أموالهم ويأمرون الناس بذلك، وهذه الآية نزلت في اليهود، عرفوا أن محمداً ﷺ حق وما جاء به حق، وكانوا قبل مبعث النبي ﷺ يحدثون الناس ويبشرونهم بقرب مبعثه، وينتصرون على أعدائهم به، ويقولون: اللهم بحق النبي المبعوث أنصرنا فينتصرون فلما بعث كتموا أمره وكفروا به وبخلوا أن يصدقوه، وأمروا الناس بتكذيبه.
* *
قوله: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ﴾ أي: يعرض عن قبول ما أمر الله عز وجل به من الإنفاق في سبيل الله، وإخراج الزكاة، والإيمان بالله وبرسوله.
﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ﴾ أي: الغني عن ماله ونفقته وغير ذلك، الحميد إلى خلقه بما أنعم عليهم من نعمة.
الحديد 57:25
قوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ الآيات.
أي لقد أرسلنا إلى أمم بالآيات المفصلات وأنزلنا معهم الكتاب بالأحكام والشرائع، والميزان بالعدل.
قال ابن زيداً (الميزان) ما يعمل به، ويتعاطون عليه في الدنيا من معائشهم في أخذهم وإعطائهم، فالكتاب فيه شرائع دينهم وأمر أخراهم، والميزان فيه تناصفهم في دنياهم.
﴿لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ﴾ أي: ليعمل الناس بينهم بالعدل.
* *
ثم قال: ﴿وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ أي: قوة شديدة.
﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ أي: وفيه منافع للناس، وذلك ما ينتفعون به عند لقائهم العدو وغير ذلك من المنافع مثل السكين والقدوم.
قال ابن زيد البأس الشديد: السيوف والسلاح التي يقاتل بها الناس والمنافع هو حفرهم بها وحرثهم بها وغير ذلك.
قال مجاهد: أنزله ليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب، وأرسلنا الرسل وأنزلنا الكتاب والميزان ليعدلوا بينهم وليعلم حزب الله من ينصر دينه ورسله بالغيب منهم.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ﴾ أي: على الانتصار ممن بارزه بالمعاداة، وخالف أمره عزيز في انتقامه منهم.
قال مجاهد: أنزل الحديد ليعلم من ينصره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ﴾ الآية.
أي أرسلهما تعالى إلى قومهما، وجعل في ذريتهما النبوة والكتاب، ولذلك كانت النبوة في ذريتهما، وعليهم أنزل الله كتبه التوراة والزبور والإنجيل وأكثر الكتب.
* *
ثم قال: ﴿فَمِنْهُمْ مُّهْتَدٍ﴾ أي: فمن ذريتهما مهتد إلى الحق.
﴿وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ أي: ضلال عن الحق.
* *
ثم قال: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم﴾ (أي: اتبعنا آثارهم برسلنا) أي: آثار الذرية، وقيل الضمير يعود على نوح وإبراهيم وإن كانا اثنين لأن الاثنين جمع.
* *
ثم قال: ﴿وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ﴾ أي: واتبعنا الرسل بعيسى ابن مريم.
﴿وَآتَيْنَاهُ ٱلإِنجِيلَ﴾ روي أنه نزل جملة.
* *
ثم قال: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ أي اتبعوا عيسى رأفة وهي أشد الرأفة.
﴿وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا﴾ وأحدثوا رهبانية أحدثوها.
﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: ما افترضنا (عليهم الرهبانية).
﴿إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ رِضْوَانِ ٱللَّهِ﴾ أي: لم تكتب عليهم إلا أن يبتغوا رضوان الله "فابتغاء بدل من الضمير في "كتبناها".
وقيل هو منصوب على الاستثناء المنقطع.
وقال الحارث المحاسبي: لقد ذم الله قوماً من بني إسرائيل ابتدعوا رهبانية لم يؤمروا بها، ولم يرعوها حق رعايتها.
وحكى عن مجاهد أنه قال في الآية معناها كتبناها عليم ابتغاء رضوان الله.
(قال أبو أمامة الباهلي وغيره معنى الآية: لم نكتبها عليهم ولم يبتدعوها إلا ابتغاء رضوان الله، فعاتبهم الله بتركها.
قال الحارث: وهذا أولى التفسيرين بالحق، يريد قول أبي أمامة قال وعليه أكثر العلماء، وقال الحارث فذمهم الله عليه بترك رعاية ما ابتدعوا، فكيف بمن ضيع رعاية ما أوجب الله عليه).
* *
ثم قال: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ هذا عام يراد به الخصوص إذ ليس كلهم فرطوا في الرهبانية، وذلك أن (الله كتب) عليهم القتال قبل أن يبعث محمداً ﷺ فلما قل أهل الإيمان وكثر أهل الشرك وذهبت الرسل وقهروا اعتزلوا في الغيران، فلم يزل ذلك شأنهم حتى كفرت طائفة منهم، وتركوا أمر الله وأخذوا بالبدعة، هذا قول الضحاك.
وقيل الذين لم يرعوها هم قوم جاءوا بعد الأولين الذين ابتدعوا الرهبانية.
* *
ثم قال: ﴿فَآتَيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ أي: فأعطينا الذين آمنوا بالله ورسوله من هؤلاء الذين ابتدعوا الرهبانية ثوابهم على فعلهم.
﴿وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ أي: أهل معاص وخروج عن طاعة الله.
وقال ابن زيد هم الذين رعوا ذلك الحق.
قال قتادة: الرأفة والرحمة من الله وهم الذين ابتدعوا الرهبانية.
وقد قيل أن الرهبانية معطوفة على رأفة.، وأنها مما آتاهم الله فابتدعوا فيها وغيروها وبدلوها.
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: صدقوا بما جاءهم به محمد ﷺ من أهل الكتابين.
﴿ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ أي: خافوه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه.
﴿وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ﴾ يعني محمداً ﷺ.
﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ﴾ أي: يعطيكم ضعفين من الأجر بإيمانكم بعيسى ومحمد ﷺ، وأصل الكفل: الحظ.
قال ابن عباس كفلين: أجرين بإيمانكم بعيسى ومحمد عليه السلام وبالقرآن والإنجيل.
قال: "بن جبير بعث النبي ﷺ جعفراً في سبعين راكباً إلى النجاشي يدعوه، فقدم عليه فدعاه فاستجاب له وآمن به، فلما كان عند انصرافه قال ناس ممن آمن به من أهل مملكته وهم أربعون رجلاً إئذن لنا فنأتي هذا النبي فنلم به ونركب بهؤلاء في البحر، فأنا أعلم بالبحر منهم، فقدموا مع جعفر على النبي ﷺ وقد تهيأ النبي ﷺ لوقعة أحد، فلما رأوا ما بالمسلمين من الخصاصة (وشدة الحال استأذنوا النبي ﷺ فقالو يا رسول الله إن لنا أموالاً ونحن ما نرى ما بالمسلمين من خصاصة) فأن أنت أذنت لنا انصرفنا فجئنا بأموالنا فواسينا المسلمين بها، فأذن لهم فانصرفوا فأتوا بأموالهم فواسوا بها المسلمين، فأنزل الله عز وجل فيهم ﴿ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] إلى قوله ﴿يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدْرَؤُنَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [القصص: ٥٤]: أي: يريد النفقة التي واسوا بها المسلمين فلما سمع أهل الكتاب ممن لم يؤمن بالنبي عليه السلام، هذا فخروا على المسلمين فقالوا يا معشر المسلمين أما من آمن [منا] بكتابكم وكتابنا فله أجره مرتين ومن لم يؤمن بكتابكم فله أجره كأجوركم فما فضلكم علينا، فأنزل الله عز وجل: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ فجعل لهم أجرين، وزادهم النور والمغفرة.
قال الضحاك ﴿كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ﴾ أي: أجرين بإيمانكم بالكتابة الأول وبالكتاب الذي جاء به محمد ﷺ.
قال ابن زيد "كفلين من رحمته" أجر الدنيا وأجر الأخرة.
وقال ابن عمر "كفلين" ثلاث مائة جزء من الرحمة وستة وثلاثون جزءاً رواه عنه نعيم بن حماد.
وقال الشعبي الناس يوم القيامة على أربع منازل: رجل كان مؤمناً بعيسى فآمن بمحمد ﷺ فله أجران، ورجل كان كافراً بعيسى فآمن بمحمد ﷺ فله أجر، ورجل كفر بعيسى وبمحمد عليهما السلام فباء بغضب على غضب، ورجل كان كافراً بعيسى من مشركي العرب فمات بكفره قبل محمد ﷺ فباء بغضب واحد.
وسئل سعيد بن عبد العزيز عن الكفل فقال: "ثلاثمائة وخمسون حسنة وقال سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل حبراً من أحبار اليهود فقال له: كم أفضل ما ضعفت له الحسنة، فقال كفل ثلاث مائة وخمسون حسنة. قال: فحمد الله عمر على أنه تعالى أعطانا كفلين فضاعفه لنا الحسنة إلى سبع مائة ضعف.
وعن النبي ﷺ أنه قال: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل آمن بالكتاب الأول والكتاب الآخر، ورجل كانت له أمة، فأدبها، فأحسن تأديبها ثم أعقتها وتزوجها، وعبد مملوك أحسن عبادة ربه عز وجل ونصح لسيده
وقال عمر سمعت النبي ﷺ يقول: "وإنما آجالكم في آجال من خلا من الأمم كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس، وإنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل استأجر عمالاً فقال من يعمل [من] بكرة إلى نصف النهار على قيراط قيراط فعملت اليهود ثم قال: من يعمل من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط فعملت النصارى ثم قال من يعمل من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين ألا فعملتم
ثم قال: ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾.
قال ابن عباس النور: القرآن واتباعهم النبي عليه السلام، وقاله ابن جبير.
وقال مجاهد: ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً﴾ أي: هدى.
وقيل معناه: ويجعل لكم نوراً تمشون به يوم القيامة، وهو النور الذي يكون للمؤمنين يوم القيامة.
* *
وقوله: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ أي: يصفح عنكم ويستر ذنوبكم.
﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي: ذو مغفرة ورحمة.
الحديد 57:26
قوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ الآيات.
أي لقد أرسلنا إلى أمم بالآيات المفصلات وأنزلنا معهم الكتاب بالأحكام والشرائع، والميزان بالعدل.
قال ابن زيداً (الميزان) ما يعمل به، ويتعاطون عليه في الدنيا من معائشهم في أخذهم وإعطائهم، فالكتاب فيه شرائع دينهم وأمر أخراهم، والميزان فيه تناصفهم في دنياهم.
﴿لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ﴾ أي: ليعمل الناس بينهم بالعدل.
* *
ثم قال: ﴿وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ أي: قوة شديدة.
﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ أي: وفيه منافع للناس، وذلك ما ينتفعون به عند لقائهم العدو وغير ذلك من المنافع مثل السكين والقدوم.
قال ابن زيد البأس الشديد: السيوف والسلاح التي يقاتل بها الناس والمنافع هو حفرهم بها وحرثهم بها وغير ذلك.
قال مجاهد: أنزله ليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب، وأرسلنا الرسل وأنزلنا الكتاب والميزان ليعدلوا بينهم وليعلم حزب الله من ينصر دينه ورسله بالغيب منهم.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ﴾ أي: على الانتصار ممن بارزه بالمعاداة، وخالف أمره عزيز في انتقامه منهم.
قال مجاهد: أنزل الحديد ليعلم من ينصره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ﴾ الآية.
أي أرسلهما تعالى إلى قومهما، وجعل في ذريتهما النبوة والكتاب، ولذلك كانت النبوة في ذريتهما، وعليهم أنزل الله كتبه التوراة والزبور والإنجيل وأكثر الكتب.
* *
ثم قال: ﴿فَمِنْهُمْ مُّهْتَدٍ﴾ أي: فمن ذريتهما مهتد إلى الحق.
﴿وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ أي: ضلال عن الحق.
* *
ثم قال: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم﴾ (أي: اتبعنا آثارهم برسلنا) أي: آثار الذرية، وقيل الضمير يعود على نوح وإبراهيم وإن كانا اثنين لأن الاثنين جمع.
* *
ثم قال: ﴿وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ﴾ أي: واتبعنا الرسل بعيسى ابن مريم.
﴿وَآتَيْنَاهُ ٱلإِنجِيلَ﴾ روي أنه نزل جملة.
* *
ثم قال: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ أي اتبعوا عيسى رأفة وهي أشد الرأفة.
﴿وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا﴾ وأحدثوا رهبانية أحدثوها.
﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: ما افترضنا (عليهم الرهبانية).
﴿إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ رِضْوَانِ ٱللَّهِ﴾ أي: لم تكتب عليهم إلا أن يبتغوا رضوان الله "فابتغاء بدل من الضمير في "كتبناها".
وقيل هو منصوب على الاستثناء المنقطع.
وقال الحارث المحاسبي: لقد ذم الله قوماً من بني إسرائيل ابتدعوا رهبانية لم يؤمروا بها، ولم يرعوها حق رعايتها.
وحكى عن مجاهد أنه قال في الآية معناها كتبناها عليم ابتغاء رضوان الله.
(قال أبو أمامة الباهلي وغيره معنى الآية: لم نكتبها عليهم ولم يبتدعوها إلا ابتغاء رضوان الله، فعاتبهم الله بتركها.
قال الحارث: وهذا أولى التفسيرين بالحق، يريد قول أبي أمامة قال وعليه أكثر العلماء، وقال الحارث فذمهم الله عليه بترك رعاية ما ابتدعوا، فكيف بمن ضيع رعاية ما أوجب الله عليه).
* *
ثم قال: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ هذا عام يراد به الخصوص إذ ليس كلهم فرطوا في الرهبانية، وذلك أن (الله كتب) عليهم القتال قبل أن يبعث محمداً ﷺ فلما قل أهل الإيمان وكثر أهل الشرك وذهبت الرسل وقهروا اعتزلوا في الغيران، فلم يزل ذلك شأنهم حتى كفرت طائفة منهم، وتركوا أمر الله وأخذوا بالبدعة، هذا قول الضحاك.
وقيل الذين لم يرعوها هم قوم جاءوا بعد الأولين الذين ابتدعوا الرهبانية.
* *
ثم قال: ﴿فَآتَيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ أي: فأعطينا الذين آمنوا بالله ورسوله من هؤلاء الذين ابتدعوا الرهبانية ثوابهم على فعلهم.
﴿وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ أي: أهل معاص وخروج عن طاعة الله.
وقال ابن زيد هم الذين رعوا ذلك الحق.
قال قتادة: الرأفة والرحمة من الله وهم الذين ابتدعوا الرهبانية.
وقد قيل أن الرهبانية معطوفة على رأفة.، وأنها مما آتاهم الله فابتدعوا فيها وغيروها وبدلوها.
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: صدقوا بما جاءهم به محمد ﷺ من أهل الكتابين.
﴿ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ أي: خافوه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه.
﴿وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ﴾ يعني محمداً ﷺ.
﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ﴾ أي: يعطيكم ضعفين من الأجر بإيمانكم بعيسى ومحمد ﷺ، وأصل الكفل: الحظ.
قال ابن عباس كفلين: أجرين بإيمانكم بعيسى ومحمد عليه السلام وبالقرآن والإنجيل.
قال: "بن جبير بعث النبي ﷺ جعفراً في سبعين راكباً إلى النجاشي يدعوه، فقدم عليه فدعاه فاستجاب له وآمن به، فلما كان عند انصرافه قال ناس ممن آمن به من أهل مملكته وهم أربعون رجلاً إئذن لنا فنأتي هذا النبي فنلم به ونركب بهؤلاء في البحر، فأنا أعلم بالبحر منهم، فقدموا مع جعفر على النبي ﷺ وقد تهيأ النبي ﷺ لوقعة أحد، فلما رأوا ما بالمسلمين من الخصاصة (وشدة الحال استأذنوا النبي ﷺ فقالو يا رسول الله إن لنا أموالاً ونحن ما نرى ما بالمسلمين من خصاصة) فأن أنت أذنت لنا انصرفنا فجئنا بأموالنا فواسينا المسلمين بها، فأذن لهم فانصرفوا فأتوا بأموالهم فواسوا بها المسلمين، فأنزل الله عز وجل فيهم ﴿ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] إلى قوله ﴿يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدْرَؤُنَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [القصص: ٥٤]: أي: يريد النفقة التي واسوا بها المسلمين فلما سمع أهل الكتاب ممن لم يؤمن بالنبي عليه السلام، هذا فخروا على المسلمين فقالوا يا معشر المسلمين أما من آمن [منا] بكتابكم وكتابنا فله أجره مرتين ومن لم يؤمن بكتابكم فله أجره كأجوركم فما فضلكم علينا، فأنزل الله عز وجل: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ فجعل لهم أجرين، وزادهم النور والمغفرة.
قال الضحاك ﴿كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ﴾ أي: أجرين بإيمانكم بالكتابة الأول وبالكتاب الذي جاء به محمد ﷺ.
قال ابن زيد "كفلين من رحمته" أجر الدنيا وأجر الأخرة.
وقال ابن عمر "كفلين" ثلاث مائة جزء من الرحمة وستة وثلاثون جزءاً رواه عنه نعيم بن حماد.
وقال الشعبي الناس يوم القيامة على أربع منازل: رجل كان مؤمناً بعيسى فآمن بمحمد ﷺ فله أجران، ورجل كان كافراً بعيسى فآمن بمحمد ﷺ فله أجر، ورجل كفر بعيسى وبمحمد عليهما السلام فباء بغضب على غضب، ورجل كان كافراً بعيسى من مشركي العرب فمات بكفره قبل محمد ﷺ فباء بغضب واحد.
وسئل سعيد بن عبد العزيز عن الكفل فقال: "ثلاثمائة وخمسون حسنة وقال سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل حبراً من أحبار اليهود فقال له: كم أفضل ما ضعفت له الحسنة، فقال كفل ثلاث مائة وخمسون حسنة. قال: فحمد الله عمر على أنه تعالى أعطانا كفلين فضاعفه لنا الحسنة إلى سبع مائة ضعف.
وعن النبي ﷺ أنه قال: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل آمن بالكتاب الأول والكتاب الآخر، ورجل كانت له أمة، فأدبها، فأحسن تأديبها ثم أعقتها وتزوجها، وعبد مملوك أحسن عبادة ربه عز وجل ونصح لسيده
وقال عمر سمعت النبي ﷺ يقول: "وإنما آجالكم في آجال من خلا من الأمم كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس، وإنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل استأجر عمالاً فقال من يعمل [من] بكرة إلى نصف النهار على قيراط قيراط فعملت اليهود ثم قال: من يعمل من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط فعملت النصارى ثم قال من يعمل من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين ألا فعملتم
ثم قال: ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾.
قال ابن عباس النور: القرآن واتباعهم النبي عليه السلام، وقاله ابن جبير.
وقال مجاهد: ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً﴾ أي: هدى.
وقيل معناه: ويجعل لكم نوراً تمشون به يوم القيامة، وهو النور الذي يكون للمؤمنين يوم القيامة.
* *
وقوله: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ أي: يصفح عنكم ويستر ذنوبكم.
﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي: ذو مغفرة ورحمة.
الحديد 57:27
قوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ الآيات.
أي لقد أرسلنا إلى أمم بالآيات المفصلات وأنزلنا معهم الكتاب بالأحكام والشرائع، والميزان بالعدل.
قال ابن زيداً (الميزان) ما يعمل به، ويتعاطون عليه في الدنيا من معائشهم في أخذهم وإعطائهم، فالكتاب فيه شرائع دينهم وأمر أخراهم، والميزان فيه تناصفهم في دنياهم.
﴿لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ﴾ أي: ليعمل الناس بينهم بالعدل.
* *
ثم قال: ﴿وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ أي: قوة شديدة.
﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ أي: وفيه منافع للناس، وذلك ما ينتفعون به عند لقائهم العدو وغير ذلك من المنافع مثل السكين والقدوم.
قال ابن زيد البأس الشديد: السيوف والسلاح التي يقاتل بها الناس والمنافع هو حفرهم بها وحرثهم بها وغير ذلك.
قال مجاهد: أنزله ليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب، وأرسلنا الرسل وأنزلنا الكتاب والميزان ليعدلوا بينهم وليعلم حزب الله من ينصر دينه ورسله بالغيب منهم.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ﴾ أي: على الانتصار ممن بارزه بالمعاداة، وخالف أمره عزيز في انتقامه منهم.
قال مجاهد: أنزل الحديد ليعلم من ينصره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ﴾ الآية.
أي أرسلهما تعالى إلى قومهما، وجعل في ذريتهما النبوة والكتاب، ولذلك كانت النبوة في ذريتهما، وعليهم أنزل الله كتبه التوراة والزبور والإنجيل وأكثر الكتب.
* *
ثم قال: ﴿فَمِنْهُمْ مُّهْتَدٍ﴾ أي: فمن ذريتهما مهتد إلى الحق.
﴿وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ أي: ضلال عن الحق.
* *
ثم قال: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم﴾ (أي: اتبعنا آثارهم برسلنا) أي: آثار الذرية، وقيل الضمير يعود على نوح وإبراهيم وإن كانا اثنين لأن الاثنين جمع.
* *
ثم قال: ﴿وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ﴾ أي: واتبعنا الرسل بعيسى ابن مريم.
﴿وَآتَيْنَاهُ ٱلإِنجِيلَ﴾ روي أنه نزل جملة.
* *
ثم قال: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ أي اتبعوا عيسى رأفة وهي أشد الرأفة.
﴿وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا﴾ وأحدثوا رهبانية أحدثوها.
﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: ما افترضنا (عليهم الرهبانية).
﴿إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ رِضْوَانِ ٱللَّهِ﴾ أي: لم تكتب عليهم إلا أن يبتغوا رضوان الله "فابتغاء بدل من الضمير في "كتبناها".
وقيل هو منصوب على الاستثناء المنقطع.
وقال الحارث المحاسبي: لقد ذم الله قوماً من بني إسرائيل ابتدعوا رهبانية لم يؤمروا بها، ولم يرعوها حق رعايتها.
وحكى عن مجاهد أنه قال في الآية معناها كتبناها عليم ابتغاء رضوان الله.
(قال أبو أمامة الباهلي وغيره معنى الآية: لم نكتبها عليهم ولم يبتدعوها إلا ابتغاء رضوان الله، فعاتبهم الله بتركها.
قال الحارث: وهذا أولى التفسيرين بالحق، يريد قول أبي أمامة قال وعليه أكثر العلماء، وقال الحارث فذمهم الله عليه بترك رعاية ما ابتدعوا، فكيف بمن ضيع رعاية ما أوجب الله عليه).
* *
ثم قال: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ هذا عام يراد به الخصوص إذ ليس كلهم فرطوا في الرهبانية، وذلك أن (الله كتب) عليهم القتال قبل أن يبعث محمداً ﷺ فلما قل أهل الإيمان وكثر أهل الشرك وذهبت الرسل وقهروا اعتزلوا في الغيران، فلم يزل ذلك شأنهم حتى كفرت طائفة منهم، وتركوا أمر الله وأخذوا بالبدعة، هذا قول الضحاك.
وقيل الذين لم يرعوها هم قوم جاءوا بعد الأولين الذين ابتدعوا الرهبانية.
* *
ثم قال: ﴿فَآتَيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ أي: فأعطينا الذين آمنوا بالله ورسوله من هؤلاء الذين ابتدعوا الرهبانية ثوابهم على فعلهم.
﴿وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ أي: أهل معاص وخروج عن طاعة الله.
وقال ابن زيد هم الذين رعوا ذلك الحق.
قال قتادة: الرأفة والرحمة من الله وهم الذين ابتدعوا الرهبانية.
وقد قيل أن الرهبانية معطوفة على رأفة.، وأنها مما آتاهم الله فابتدعوا فيها وغيروها وبدلوها.
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: صدقوا بما جاءهم به محمد ﷺ من أهل الكتابين.
﴿ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ أي: خافوه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه.
﴿وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ﴾ يعني محمداً ﷺ.
﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ﴾ أي: يعطيكم ضعفين من الأجر بإيمانكم بعيسى ومحمد ﷺ، وأصل الكفل: الحظ.
قال ابن عباس كفلين: أجرين بإيمانكم بعيسى ومحمد عليه السلام وبالقرآن والإنجيل.
قال: "بن جبير بعث النبي ﷺ جعفراً في سبعين راكباً إلى النجاشي يدعوه، فقدم عليه فدعاه فاستجاب له وآمن به، فلما كان عند انصرافه قال ناس ممن آمن به من أهل مملكته وهم أربعون رجلاً إئذن لنا فنأتي هذا النبي فنلم به ونركب بهؤلاء في البحر، فأنا أعلم بالبحر منهم، فقدموا مع جعفر على النبي ﷺ وقد تهيأ النبي ﷺ لوقعة أحد، فلما رأوا ما بالمسلمين من الخصاصة (وشدة الحال استأذنوا النبي ﷺ فقالو يا رسول الله إن لنا أموالاً ونحن ما نرى ما بالمسلمين من خصاصة) فأن أنت أذنت لنا انصرفنا فجئنا بأموالنا فواسينا المسلمين بها، فأذن لهم فانصرفوا فأتوا بأموالهم فواسوا بها المسلمين، فأنزل الله عز وجل فيهم ﴿ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] إلى قوله ﴿يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدْرَؤُنَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [القصص: ٥٤]: أي: يريد النفقة التي واسوا بها المسلمين فلما سمع أهل الكتاب ممن لم يؤمن بالنبي عليه السلام، هذا فخروا على المسلمين فقالوا يا معشر المسلمين أما من آمن [منا] بكتابكم وكتابنا فله أجره مرتين ومن لم يؤمن بكتابكم فله أجره كأجوركم فما فضلكم علينا، فأنزل الله عز وجل: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ فجعل لهم أجرين، وزادهم النور والمغفرة.
قال الضحاك ﴿كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ﴾ أي: أجرين بإيمانكم بالكتابة الأول وبالكتاب الذي جاء به محمد ﷺ.
قال ابن زيد "كفلين من رحمته" أجر الدنيا وأجر الأخرة.
وقال ابن عمر "كفلين" ثلاث مائة جزء من الرحمة وستة وثلاثون جزءاً رواه عنه نعيم بن حماد.
وقال الشعبي الناس يوم القيامة على أربع منازل: رجل كان مؤمناً بعيسى فآمن بمحمد ﷺ فله أجران، ورجل كان كافراً بعيسى فآمن بمحمد ﷺ فله أجر، ورجل كفر بعيسى وبمحمد عليهما السلام فباء بغضب على غضب، ورجل كان كافراً بعيسى من مشركي العرب فمات بكفره قبل محمد ﷺ فباء بغضب واحد.
وسئل سعيد بن عبد العزيز عن الكفل فقال: "ثلاثمائة وخمسون حسنة وقال سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل حبراً من أحبار اليهود فقال له: كم أفضل ما ضعفت له الحسنة، فقال كفل ثلاث مائة وخمسون حسنة. قال: فحمد الله عمر على أنه تعالى أعطانا كفلين فضاعفه لنا الحسنة إلى سبع مائة ضعف.
وعن النبي ﷺ أنه قال: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل آمن بالكتاب الأول والكتاب الآخر، ورجل كانت له أمة، فأدبها، فأحسن تأديبها ثم أعقتها وتزوجها، وعبد مملوك أحسن عبادة ربه عز وجل ونصح لسيده
وقال عمر سمعت النبي ﷺ يقول: "وإنما آجالكم في آجال من خلا من الأمم كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس، وإنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل استأجر عمالاً فقال من يعمل [من] بكرة إلى نصف النهار على قيراط قيراط فعملت اليهود ثم قال: من يعمل من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط فعملت النصارى ثم قال من يعمل من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين ألا فعملتم
ثم قال: ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾.
قال ابن عباس النور: القرآن واتباعهم النبي عليه السلام، وقاله ابن جبير.
وقال مجاهد: ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً﴾ أي: هدى.
وقيل معناه: ويجعل لكم نوراً تمشون به يوم القيامة، وهو النور الذي يكون للمؤمنين يوم القيامة.
* *
وقوله: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ أي: يصفح عنكم ويستر ذنوبكم.
﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي: ذو مغفرة ورحمة.
الحديد 57:28
قوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ الآيات.
أي لقد أرسلنا إلى أمم بالآيات المفصلات وأنزلنا معهم الكتاب بالأحكام والشرائع، والميزان بالعدل.
قال ابن زيداً (الميزان) ما يعمل به، ويتعاطون عليه في الدنيا من معائشهم في أخذهم وإعطائهم، فالكتاب فيه شرائع دينهم وأمر أخراهم، والميزان فيه تناصفهم في دنياهم.
﴿لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ﴾ أي: ليعمل الناس بينهم بالعدل.
* *
ثم قال: ﴿وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ أي: قوة شديدة.
﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ أي: وفيه منافع للناس، وذلك ما ينتفعون به عند لقائهم العدو وغير ذلك من المنافع مثل السكين والقدوم.
قال ابن زيد البأس الشديد: السيوف والسلاح التي يقاتل بها الناس والمنافع هو حفرهم بها وحرثهم بها وغير ذلك.
قال مجاهد: أنزله ليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب، وأرسلنا الرسل وأنزلنا الكتاب والميزان ليعدلوا بينهم وليعلم حزب الله من ينصر دينه ورسله بالغيب منهم.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ﴾ أي: على الانتصار ممن بارزه بالمعاداة، وخالف أمره عزيز في انتقامه منهم.
قال مجاهد: أنزل الحديد ليعلم من ينصره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ﴾ الآية.
أي أرسلهما تعالى إلى قومهما، وجعل في ذريتهما النبوة والكتاب، ولذلك كانت النبوة في ذريتهما، وعليهم أنزل الله كتبه التوراة والزبور والإنجيل وأكثر الكتب.
* *
ثم قال: ﴿فَمِنْهُمْ مُّهْتَدٍ﴾ أي: فمن ذريتهما مهتد إلى الحق.
﴿وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ أي: ضلال عن الحق.
* *
ثم قال: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم﴾ (أي: اتبعنا آثارهم برسلنا) أي: آثار الذرية، وقيل الضمير يعود على نوح وإبراهيم وإن كانا اثنين لأن الاثنين جمع.
* *
ثم قال: ﴿وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ﴾ أي: واتبعنا الرسل بعيسى ابن مريم.
﴿وَآتَيْنَاهُ ٱلإِنجِيلَ﴾ روي أنه نزل جملة.
* *
ثم قال: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ أي اتبعوا عيسى رأفة وهي أشد الرأفة.
﴿وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا﴾ وأحدثوا رهبانية أحدثوها.
﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: ما افترضنا (عليهم الرهبانية).
﴿إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ رِضْوَانِ ٱللَّهِ﴾ أي: لم تكتب عليهم إلا أن يبتغوا رضوان الله "فابتغاء بدل من الضمير في "كتبناها".
وقيل هو منصوب على الاستثناء المنقطع.
وقال الحارث المحاسبي: لقد ذم الله قوماً من بني إسرائيل ابتدعوا رهبانية لم يؤمروا بها، ولم يرعوها حق رعايتها.
وحكى عن مجاهد أنه قال في الآية معناها كتبناها عليم ابتغاء رضوان الله.
(قال أبو أمامة الباهلي وغيره معنى الآية: لم نكتبها عليهم ولم يبتدعوها إلا ابتغاء رضوان الله، فعاتبهم الله بتركها.
قال الحارث: وهذا أولى التفسيرين بالحق، يريد قول أبي أمامة قال وعليه أكثر العلماء، وقال الحارث فذمهم الله عليه بترك رعاية ما ابتدعوا، فكيف بمن ضيع رعاية ما أوجب الله عليه).
* *
ثم قال: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ هذا عام يراد به الخصوص إذ ليس كلهم فرطوا في الرهبانية، وذلك أن (الله كتب) عليهم القتال قبل أن يبعث محمداً ﷺ فلما قل أهل الإيمان وكثر أهل الشرك وذهبت الرسل وقهروا اعتزلوا في الغيران، فلم يزل ذلك شأنهم حتى كفرت طائفة منهم، وتركوا أمر الله وأخذوا بالبدعة، هذا قول الضحاك.
وقيل الذين لم يرعوها هم قوم جاءوا بعد الأولين الذين ابتدعوا الرهبانية.
* *
ثم قال: ﴿فَآتَيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ أي: فأعطينا الذين آمنوا بالله ورسوله من هؤلاء الذين ابتدعوا الرهبانية ثوابهم على فعلهم.
﴿وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ أي: أهل معاص وخروج عن طاعة الله.
وقال ابن زيد هم الذين رعوا ذلك الحق.
قال قتادة: الرأفة والرحمة من الله وهم الذين ابتدعوا الرهبانية.
وقد قيل أن الرهبانية معطوفة على رأفة.، وأنها مما آتاهم الله فابتدعوا فيها وغيروها وبدلوها.
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: صدقوا بما جاءهم به محمد ﷺ من أهل الكتابين.
﴿ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ أي: خافوه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه.
﴿وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ﴾ يعني محمداً ﷺ.
﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ﴾ أي: يعطيكم ضعفين من الأجر بإيمانكم بعيسى ومحمد ﷺ، وأصل الكفل: الحظ.
قال ابن عباس كفلين: أجرين بإيمانكم بعيسى ومحمد عليه السلام وبالقرآن والإنجيل.
قال: "بن جبير بعث النبي ﷺ جعفراً في سبعين راكباً إلى النجاشي يدعوه، فقدم عليه فدعاه فاستجاب له وآمن به، فلما كان عند انصرافه قال ناس ممن آمن به من أهل مملكته وهم أربعون رجلاً إئذن لنا فنأتي هذا النبي فنلم به ونركب بهؤلاء في البحر، فأنا أعلم بالبحر منهم، فقدموا مع جعفر على النبي ﷺ وقد تهيأ النبي ﷺ لوقعة أحد، فلما رأوا ما بالمسلمين من الخصاصة (وشدة الحال استأذنوا النبي ﷺ فقالو يا رسول الله إن لنا أموالاً ونحن ما نرى ما بالمسلمين من خصاصة) فأن أنت أذنت لنا انصرفنا فجئنا بأموالنا فواسينا المسلمين بها، فأذن لهم فانصرفوا فأتوا بأموالهم فواسوا بها المسلمين، فأنزل الله عز وجل فيهم ﴿ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] إلى قوله ﴿يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدْرَؤُنَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [القصص: ٥٤]: أي: يريد النفقة التي واسوا بها المسلمين فلما سمع أهل الكتاب ممن لم يؤمن بالنبي عليه السلام، هذا فخروا على المسلمين فقالوا يا معشر المسلمين أما من آمن [منا] بكتابكم وكتابنا فله أجره مرتين ومن لم يؤمن بكتابكم فله أجره كأجوركم فما فضلكم علينا، فأنزل الله عز وجل: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ فجعل لهم أجرين، وزادهم النور والمغفرة.
قال الضحاك ﴿كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ﴾ أي: أجرين بإيمانكم بالكتابة الأول وبالكتاب الذي جاء به محمد ﷺ.
قال ابن زيد "كفلين من رحمته" أجر الدنيا وأجر الأخرة.
وقال ابن عمر "كفلين" ثلاث مائة جزء من الرحمة وستة وثلاثون جزءاً رواه عنه نعيم بن حماد.
وقال الشعبي الناس يوم القيامة على أربع منازل: رجل كان مؤمناً بعيسى فآمن بمحمد ﷺ فله أجران، ورجل كان كافراً بعيسى فآمن بمحمد ﷺ فله أجر، ورجل كفر بعيسى وبمحمد عليهما السلام فباء بغضب على غضب، ورجل كان كافراً بعيسى من مشركي العرب فمات بكفره قبل محمد ﷺ فباء بغضب واحد.
وسئل سعيد بن عبد العزيز عن الكفل فقال: "ثلاثمائة وخمسون حسنة وقال سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل حبراً من أحبار اليهود فقال له: كم أفضل ما ضعفت له الحسنة، فقال كفل ثلاث مائة وخمسون حسنة. قال: فحمد الله عمر على أنه تعالى أعطانا كفلين فضاعفه لنا الحسنة إلى سبع مائة ضعف.
وعن النبي ﷺ أنه قال: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل آمن بالكتاب الأول والكتاب الآخر، ورجل كانت له أمة، فأدبها، فأحسن تأديبها ثم أعقتها وتزوجها، وعبد مملوك أحسن عبادة ربه عز وجل ونصح لسيده
وقال عمر سمعت النبي ﷺ يقول: "وإنما آجالكم في آجال من خلا من الأمم كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس، وإنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل استأجر عمالاً فقال من يعمل [من] بكرة إلى نصف النهار على قيراط قيراط فعملت اليهود ثم قال: من يعمل من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط فعملت النصارى ثم قال من يعمل من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين ألا فعملتم
ثم قال: ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾.
قال ابن عباس النور: القرآن واتباعهم النبي عليه السلام، وقاله ابن جبير.
وقال مجاهد: ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً﴾ أي: هدى.
وقيل معناه: ويجعل لكم نوراً تمشون به يوم القيامة، وهو النور الذي يكون للمؤمنين يوم القيامة.
* *
وقوله: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ أي: يصفح عنكم ويستر ذنوبكم.
﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي: ذو مغفرة ورحمة.
الحديد 57:29
قوله: ﴿لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ﴾ إلى آخر السورة.
قيل معناه ليعلم أهل الكتب، و "لا" زائدة صلة، دل على ذلك أن بعده: ﴿وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ﴾.
وقد قرأ ابن عباس ليعلم. وهي قراءة الجحدري.
وقرأ ابن مسعود وابن جبير "لكي يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ"، وذلك على التفسير، والمعنى فعل ذلك، لكي يعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله الذي خصكم به لأنهم كانوا يرون أن الله فضلهم على جميع خلقه، فأعلمهم تعالى ذكره أنه قد أتى أمة محمد ﷺ من الفضل والكرامة ما لم يؤتهم من زيادة النور والمغفرة والأجر.
قال قتادة: لما نزلت [هذه الآية يعني: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ حسد أهل الكتاب المسلمين عليها] فأنزل الله "لئلا يعلم أهل الكتاب.. [إلى آخرها، أي: فعلت ذلك لكي يعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون] على شيء من فضل الله، يؤتي فضله من يشاء ويخص به من يشاء من خلقه.
قال قتادة: وذكر أن نبي الله ﷺ كان يقول: إنما مثلنا ومثل أهل الكتاب من قبلنا كمثل رجل استأجر أجراء يعملون إلى الليل على قيراط، فلما انتصف النهار سئموا عمله وملوا فحاسبهم وأعطاهم نصف قيراط، (ثم استأجر أجراء يعملون إلى الليل على قيراط فعملوا إلى العصر ثم سئموا وملوا عمله، فاعطاهم على قدر ذلك ثم استأجر أجراء إلى الليل على قيراطين يعملون بقية عمله فقيل له ما شأن هؤلاء أقل عملاً وأكثر أجراً؟ قال هو مالي أعطي من شئت
وقوله: ﴿وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ﴾ أي: بيده دونهم ودون غيرهم، يؤتيه من يشاء من خلقه، فلذلك أعطى أمة محمد ﷺ من الأجر على مدتهم القريبة ما لم يعط غيرهم.
* *
﴿وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ﴾.
أي ذو الفضل على خلقه، العظيم فضله.
وقيل أنهم قالوا: الأنبياء منا، كفروا بعيسى وبمحمد ﷺ فأعلم الله خلقه أن الفضل بيده يؤتيه من يشاء، وليس فضله بموقوف على بني إسرائيل دون غيرهم فلا يرسل رسولاً إلا منها يرسل الرسول ممن يشاء على من يشاء، وإلى من يشاء، يفعل ما يشاء ويتفضل على من يشاء لا إله إلا هو.
المجادلة 58:1
قوله: ﴿قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِيۤ إِلَى ٱللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.
هذه الآية نزلت في خولة بنت ثعلبة، وقيل اسمها خويلة.
وقيل اسم أبيها خويلد، وقيل الصامت.
وقيل الذبيح، وهي امرأة من الأنصار.
قال قتادة: كان زوجها أوس بن الصامت.
روي أنها أتت النبي ﷺ وعائشة رضي الله عنها تغسل شق رأسه ، فقالت يا رسول الله طالت صحبتي مع زوجي وظاهر مني، فقال رسول الله ﷺ: حرمت عليه. وكان الظهار في الجاهلية طلاقاً بائناً، وكان بينها وبين زوجها قرابة فقالت أشكو إلى الله فاقتي إليه، ثم جعلت تكرر عليه المسألة ويجاوبها بمثل ذلك، فتقول أشكو إلى الله فاقتي إليه، فنزل الوحي وقد قامت عائشة تغسل شق رأسه الآخر، فأومأت إليها [عائشة] أن اسكتي قالت وكان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه أخذه مثل السبات فلما قضى الوحي قال اذهبي فادعي زوجك، فدعته فتلاها رسول الله ﷺ إلى قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا﴾ ثم قال له: أتستطيع رقبة، قال لا، فتلا عليه ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا﴾، فقال يا رسول الله إني أذا لم أكل في اليوم ثلاث مرات خشيت أن يعشو بصري، فتلا عليه ﴿فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾، ثم قال له أتستطيع أن تطعم ستين مسكيناً، قال لا يا رسول الله إلا أن تعينني، فأعانه رسول الله ﷺ فأطعم
روى عروة بن الزبير قال، قالت عائشة رضي الله عنها، "الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، إن خولة تشتكي زوجها للنبي ﷺ فيخفى (علي أحياناً بعض ما تقول، فأنزل الله جل ذكره: ﴿قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِيۤ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ﴾ الآية.
وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: خولة في محاورتها لرسول الله ﷺ: اللهم إني أشكو إليك ذلك فهو قوله وتشتكي إلى الله. وروى أيضاً عن عروة عن عائشة أنها قالت: تبارك الذي وسع سمعه الأصوات كلها، إن المرأة لتناجي رسول الله ﷺ، اسمع بعض كلامها، ويخفى علي [بعضه]، إذا أنزل عز وجل ﴿قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ الآية.
قال قتادة: أتت خويلة بنت ثعلبة إلى النبي ﷺ تشتكي إليه زوجها أوس بن الصامت فقالت: يا رسول الله ظاهر مني حين كبرت سني ورق عظمي، فانزل الله عز وجل فيها ما تسمعون، ثم تلا ﴿قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ إلى قوله ﴿لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾ [المجادلة: ٣] أي: يريد المظاهر يغشى (امرأته بعدما ظاهر منها).
وروى أنه لما قال له النبي ﷺ أتستطيع أن تطعم ستين مسكينا قال لا يا رسول الله إلا أن تعينني منك بعون وصلاة يريد ودعاء فأعانه (رسول الله ﷺ بخمسة عشر صاعاً.
قال ابن عباس كان الرجل إذا قال لأمرأته في الجاهلية: أنت عليِّ كظهر أمي حرمت عليه، فمضى ذلك في الإسلام، وكان أول من ظاهر في الإسلام أوس وكانت تحته ابنة عم له يقال لها خولة بنت خويلد فظاهر منها، فأسقط في يده فقال ما أراك إلا قد حرمت علي، وقالت له مثل ذلك، قال فأتت النبي ﷺ فوجدت عنده ماشطة تمشط رأسه فأخبرته فقال يا خويلة ما أمرنا في أمرك بشيء فأنزل الله عز وجل على رسول الله ﷺ قد سمع الله ... الآيات، فقال يا خويلة أبشري، قالت خيراً، فقرأ عليها ﴿قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ﴾ إلى قوله ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا﴾، قالت وأي رقبة لنا، والله ما يجد رقبة غيري، فقرأ عليها: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا﴾ فقالت: والله لو لا أنه يشرب في اليوم ثلاث مرات لذهب بصره، فقرأ عليها ﴿فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾، فقالت من أين، ما هي إلا أكلة إلى مثلها قال فدعا رسول الله ﷺ بشطر وسق وست ثلاثين صاعاً، والوسق ستون صاعاً، فقال ليطعم ستين مسكيناً وليراجعك.
وقال محمد بن كعب القرطي هي خولة بنت ثعلبة امرأة أوس بن الصامت، وكان رجلاً به لهم فقال في بعض هجراته: أنت علي كظهر أمي، ثم ندم على ما قال فقال لها ما أظنك إلا قد حرمت علي، فقالت لا تقل ذلك، فوالله ما أحب طلاقا فقالت إئت رسول الله فسله، فقال: إني أجدني أستحيي منه أن أسأله عن هذا، قالت فدعني أنا أسأله ، فقال، فجاءت إلى رسول الله فقالت يا رسول الله إن أوس بن الصامت أبو ولدي وأحب الناس إلي قد قال كلمة، والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقاً، قال أنت علي كظهر أمي.
فقال لها النبي ﷺ ما أراك إلا قد حرمت عليه، فقالت لا تقل ذلك يا نبي الله، والله ما ذكر طلاقا، فرادت النبي مرارا، ثم قالت: اللهم إني أشكو [اليوم] إليك شدة حالتي ووجدي وما يشق علي من فراقه، اللهم فأنزل على لسان نبيك، فأنزل الله مكانها: قد سمع الله... الآيات.
* *
وقوله: ﴿وَتَشْتَكِيۤ إِلَى ٱللَّهِ﴾ هو ما شكت من تأسفها على فراق زوجها.
* *
وقوله: ﴿وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ﴾ أي: يسمع تحاور النبي وخولة.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ﴾ أي: يسمع ما يتحاور به كل اثنين فأكثر.
﴿بَصِيرٌ﴾ بما يعملون، فيجازيهم عليه يوم القيامة.
المجادلة 58:2
قوله: ﴿ٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ الآيات.
أي: الذين يحرمون نساءهم على أنفسهم بقولهم: انت علي كظهر أمي.
* *
﴿مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُوراً﴾.
أي: وإن الأزواج ليقولون إلى نسائهم (قولاً منكراً، وقولاً زوراً) أي: كذباً.
قال أبو قلابة وغيره: كان الظهار طلاق أهل الجاهلية طلاق بتات، لا يرجع إلى امرأته من قاله أبداً.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ أي: ذو عفو وصفح عن ذنوب عباده إذا تابوا منها، وذو ستر عليهم فلا يعاقبهم عليها بعد التوبة.
* *
ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾ أي: والكفارة على من قال لامرأته: أنت علي كظهر أمي ويريد الرجوع إلى الوطء تحرير رقبة من قبل أن يطأها، فإن لم يجد فعليه صيام شهرين متتابعين أي: متصلين من قبل أن يطأها، فإن لم يستطع فعليه إطعام ستين مسكيناً.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾ معناه: ثم يرجعون في تحريم ما حرموا على أنفسهم فيجعلونه حلالا وذلك الوطء.
قال قتادة: يريد أن يغشى بعد قوله.
وقال أهل الظاهر معناه: يعود للفظ مرة أخرى، فلا تلزمه الكفارة عندهم حتى يقول لها مرة أخرى أنت علي كظهر أمي. ولا يلزمه شيء من قوله ذلك لها مرة واحدة.
وقيل المعنى والذين كانوا يظاهرون من نسائهم في الجاهلية ثم يعودون في الإسلام إلى مثل ذلك القول، فعلى من فعل ذلك في الإسلام تحرير رقبة من قبل أن يتماسا.
وقيل معناه: ثم يصيرون لما كانوا يقولون في الجاهلية.
وقيل معناه: ثم يعزمون على إمساك النساء بعد المظاهرة.
وقيل معناه: أن يقيم مدة لا يطلق ثم يعود إلى فعل ما ترك فيخالفه.
وقال طاوس لما قالوا: للوطء.
وقال الأخفش سعيد: في الكلام تقديم وتأخير وتقديره: والذين يظهرون من نسائهم فتحرير رقبة لما قالوا من قبل أن يتماسا، والمعنى يصيرون إلى ما كانوا عليه من الجماع، فعليهم تحرير رقبة من أجل قولهم.
وقال الزجاج معناه ثم يعودون إلى إرادة الجماع من اجل ما قالوا.
وقال الفراء لما قالوا وإلى ما قالوا وفيما قالوا أي: يرجعون عن قولهم وتحريمهم نساءهم فيريدون الوطء.
وقال القتبي هو أن يعود لمثل ما كان يقال في الجاهلية (ولا تجزيه في الكفارة) عند مالك إلا رقبة مسلمة، ولا يجوز عنده عتق المدَبَّر والمكاتَب عن الظهار، ولا عتق أم الولد، فأما عتق الصبي فقد أجازه مالك عن الظهار إذا كان ذلك من قصر النفقة، وعتق من يصلي ويصوم أحب إليه، ولا يجزي عن الظهار عتق من يعتق على الإنسان إذا ملكه كالأب والابن والأم والجد والأخ، فإن أعتق عن ظهاره ما في بطن أمه فولدته حياً ثم مات لم يجزه عند مالك، ولا يجزي عند مالك عتق الأعمى ولا المقعد ولا المقطوع اليدين ولا أشلهما أو الرجلين، والمقطوع أحدهما، ولا الأعرج الشديد العرج، ولا الأخرس، ولا المجنون المطبق، ولا الذي يجن ويفيق، ولا عتق من أعتقه قبل ذلك إلى مدة، ولا عتق من اشتري بشرط أن يعتق على الرقاب الواجبة، ولا يجزي عتق الأصم ولا المقطوع الإبهام، ولا المقطوع الأذنين، ولا المفلوج الشق، ولا المقطوع الأصبع الواحدة فأكثر، ولا الأجذم، ولا الأبرص، ولا عتق كل من فيه عيب يضر به وينقص من ثمنه نقصاً فاحشاً، ويجزئ عتق الأعور.
وقوله ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا﴾ أي: فعليه الكفارة من قبل أن يطأها، ولا يحل له وطئها إذا ظاهر منها حتى يكفر عن ظهاره، وإذا علق ظهاره بشرط لم يلزمه الظهار إلا مع فعل ذلك الشرط، وذلك أن يقول لامرأته أنت علي كظهر أمي إن دخلت دار فلان، فهو مظاهر حتى تدخل تلك الدار، فإذا دخلت لزمه الظهار، ولا طلاق في الظهار، ولم ير الحسن بأساً أن يقبل ويغش فيما دون الفرج قبل الكفارة. وقاله الثوري، ومنع مالك من ذلك، ومنعه من النظر إلى شعرها قبل الكفارة.
وقوله ﴿ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ﴾ أي: أوجب عليكم، ربكم من الكفارة عِظَةً لكم، لتنتهوا عن الظهار وقول الزور. ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: ذو خبر بأعمالكم لا يخفى عليه منها شيء، فانتهوا عن قول الزور.
* *
وقوله: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ أي: فمن لم يجد ما يشتري به رقبة، فعليه صيام شهرين متتابعين لا يفصل بينهما ولا بين شيء من أيامهما بإفطار وهو متعمد، فإن أفطر لعذر بنى على ما صام ولا شيء عليه، فإن أفطر لغير عذر ابتدأ الصيام، فإن أفطر لسفر أحدثه ابتدأ الصوم، فإن ابتدأ الصوم فأيسر أتم صومه، ولا يرجع إلى العتق عند مالك، وإن ابتدأ الصيام أو ابتدأ الإطعام إن لم يقدر على الصيام ثم جامع قبل إكمال الصيام أو الإطعام، ابتدأ الصيام والإطعام، كأن جماعه ناسياً أو عامداً، ويجزيه الصيام بالأهلة وإن كان الشهران ثمانية وخمسين أو ستاً وخمسين يوماً، فإن ابتدأ الصوم في غير أول الشهر صام ثلاثين يوما، وشهرا على الهلال، وقيل يصوم ستين يوماً، وإذا ظاهر وله دار وخادم لزمه العتق عند مالك. وقوله: ﴿ فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾ أي: فمن لم يستطع الصوم فعليه أن يطعم ستين مسكيناً مداً من [حنطة] بمد هشام، هذا قول مالك وهو مد وثلثان بمد النبي ﷺ.
وروى ابن وهب عن مالك أنه يعطي لكل مسكين مدين بمد النبي ﷺ فإن أعطى مدا بمد هشام أجزأه إذا أعطاهم في جميع الكفارات مما هو أكثر عيش ذلك البلد أجزاه، ولا يجزى في ذلك عرض ولا دارهم ولا دقيق ولا سويق.
قال ابن القاسم فأن أطعم لكفارته ثلاثين مسكيناً من حنطة ثم طاق العسر حتى صار عيشهم الثمر أو الشعير، فلا بأس أن يعطي تمام الستين ثمراً أو شعيراً. وقد قال الأوزاعي إن أعطى في الكفارة ثمنها أجزأه، وكذلك قال أصحاب الرأي، ولا يجوز أن يعطي الثلاثين مثل ما يعطي لستين فيكون عليهم العطاء، ولا بد من العدد، وإذا ظاهر فمات أو ماتت ولم يكفر ورثها وورثته.
والظهار عند مالك على كل حر وعبد من المسلمين في كل زوجة حرة كانت أو أمة أو كتابية، إلا أنه إذا ظاهر من امرأته وهي أمة ثم اشتراها فالظهار لازم. ويلزم السكران ظهاره كما يلزمه الطلاق، ولا يلزم المكره الظهار. وفي الظهار من الأَمَة، الكفارة تامة عند مالك، ويلزم العبد في الظهار صيام شهرين كالحر ولا يعتق إلا بإذن مولاه. وإذا ظاهر الرجل من امرأته مراراً لم تلزمه إلا كفارة واحدة، (وأما المظاهر) من امرأتيه أو ثلاث أو أربع في ظهار واحد لم تلزمه إلا كفارة واحدة. وكل من ظاهر من امرأته بامرأة مسن ذوات المحارم من النسب أو الرضاع لزمه، كقوله: أنت عليِّ كظهر أختي (أو كظهر ابنة ابنتي) أو كظهر أختي من الرضاع، وكذلك عند مالك إذا قال لها أنت عليِّ كظهر أبي: يلزمه الظهار. وكذلك يلزسمه الظهار لو قال لامرأته: أنت علي (كظهر أخي وكقدم أخي) ونحوه من العورات، وإنما خص هذا اللفظ في اليمين بالظهر دون البطن، لأن الظهر موضع الركوب من البهائم، والمرأة مركوبة، إذا غشيت، فكأنه إذا قال أنت علي كظهر أمي، قال: ركوبك للنكاح حرام علي كركوب أبي للنكاح ، فأقام الظهر مقام الركوب، إذ الركوب من غير بني آدم إنما يركب على ظهر، فهو استعارة لطيفة. ثم قال ﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: ألزمت من ظاهر ذلك من الكفارات كي تقروا بتوحيد الله وبرسوله إذا عملتم بما أمرتم به. وقال الزجاج معناه: ذلك التغليظ عليكم لتؤمنوا بالله ورسوله. ثم قال ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ﴾ أي: فرائضه التي حدها لكم.
﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: ولمن كفر بحدود الله في الآخرة عذاب مؤلم؛ أي: موجع.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُواْ﴾ أي: إن الذين يخالفون الله في حدوده وفرائضه فيجعلون لأنفسهم حدوداً غير حدوده كبتوا، أي: غيظوا وأخزوا كما غيظ الذين من قبلهم مِن الأمم الذين حادوا الله ورسوله، قاله قتادة.
وقال ابو عبيدة كبتوا: أي أهلكوا، وأصله كبدوا (من قولهم): كبده الله: أي: أصاب الله كبده، ثم أبدلت التاء من الدال، ثم قيل ذلك لكل من أهلك وغيظ وأذل. وقيل معناه: غيظوا يوم الخندق كما غيظ الذين من قبلهم ممن قاتل الأنبياء. ومعنى يحادون: يصيرون في حد أعداء الله ومخالفي أمره.
* *
ثم قال ﴿وَقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ أي: دلالات ظاهرات محكمات.
وللكافرين بتلك الآيات عذاب مهين، أي: مذل يوم القيامة.
المجادلة 58:3
قوله: ﴿ٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ الآيات.
أي: الذين يحرمون نساءهم على أنفسهم بقولهم: انت علي كظهر أمي.
* *
﴿مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُوراً﴾.
أي: وإن الأزواج ليقولون إلى نسائهم (قولاً منكراً، وقولاً زوراً) أي: كذباً.
قال أبو قلابة وغيره: كان الظهار طلاق أهل الجاهلية طلاق بتات، لا يرجع إلى امرأته من قاله أبداً.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ أي: ذو عفو وصفح عن ذنوب عباده إذا تابوا منها، وذو ستر عليهم فلا يعاقبهم عليها بعد التوبة.
* *
ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾ أي: والكفارة على من قال لامرأته: أنت علي كظهر أمي ويريد الرجوع إلى الوطء تحرير رقبة من قبل أن يطأها، فإن لم يجد فعليه صيام شهرين متتابعين أي: متصلين من قبل أن يطأها، فإن لم يستطع فعليه إطعام ستين مسكيناً.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾ معناه: ثم يرجعون في تحريم ما حرموا على أنفسهم فيجعلونه حلالا وذلك الوطء.
قال قتادة: يريد أن يغشى بعد قوله.
وقال أهل الظاهر معناه: يعود للفظ مرة أخرى، فلا تلزمه الكفارة عندهم حتى يقول لها مرة أخرى أنت علي كظهر أمي. ولا يلزمه شيء من قوله ذلك لها مرة واحدة.
وقيل المعنى والذين كانوا يظاهرون من نسائهم في الجاهلية ثم يعودون في الإسلام إلى مثل ذلك القول، فعلى من فعل ذلك في الإسلام تحرير رقبة من قبل أن يتماسا.
وقيل معناه: ثم يصيرون لما كانوا يقولون في الجاهلية.
وقيل معناه: ثم يعزمون على إمساك النساء بعد المظاهرة.
وقيل معناه: أن يقيم مدة لا يطلق ثم يعود إلى فعل ما ترك فيخالفه.
وقال طاوس لما قالوا: للوطء.
وقال الأخفش سعيد: في الكلام تقديم وتأخير وتقديره: والذين يظهرون من نسائهم فتحرير رقبة لما قالوا من قبل أن يتماسا، والمعنى يصيرون إلى ما كانوا عليه من الجماع، فعليهم تحرير رقبة من أجل قولهم.
وقال الزجاج معناه ثم يعودون إلى إرادة الجماع من اجل ما قالوا.
وقال الفراء لما قالوا وإلى ما قالوا وفيما قالوا أي: يرجعون عن قولهم وتحريمهم نساءهم فيريدون الوطء.
وقال القتبي هو أن يعود لمثل ما كان يقال في الجاهلية (ولا تجزيه في الكفارة) عند مالك إلا رقبة مسلمة، ولا يجوز عنده عتق المدَبَّر والمكاتَب عن الظهار، ولا عتق أم الولد، فأما عتق الصبي فقد أجازه مالك عن الظهار إذا كان ذلك من قصر النفقة، وعتق من يصلي ويصوم أحب إليه، ولا يجزي عن الظهار عتق من يعتق على الإنسان إذا ملكه كالأب والابن والأم والجد والأخ، فإن أعتق عن ظهاره ما في بطن أمه فولدته حياً ثم مات لم يجزه عند مالك، ولا يجزي عند مالك عتق الأعمى ولا المقعد ولا المقطوع اليدين ولا أشلهما أو الرجلين، والمقطوع أحدهما، ولا الأعرج الشديد العرج، ولا الأخرس، ولا المجنون المطبق، ولا الذي يجن ويفيق، ولا عتق من أعتقه قبل ذلك إلى مدة، ولا عتق من اشتري بشرط أن يعتق على الرقاب الواجبة، ولا يجزي عتق الأصم ولا المقطوع الإبهام، ولا المقطوع الأذنين، ولا المفلوج الشق، ولا المقطوع الأصبع الواحدة فأكثر، ولا الأجذم، ولا الأبرص، ولا عتق كل من فيه عيب يضر به وينقص من ثمنه نقصاً فاحشاً، ويجزئ عتق الأعور.
وقوله ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا﴾ أي: فعليه الكفارة من قبل أن يطأها، ولا يحل له وطئها إذا ظاهر منها حتى يكفر عن ظهاره، وإذا علق ظهاره بشرط لم يلزمه الظهار إلا مع فعل ذلك الشرط، وذلك أن يقول لامرأته أنت علي كظهر أمي إن دخلت دار فلان، فهو مظاهر حتى تدخل تلك الدار، فإذا دخلت لزمه الظهار، ولا طلاق في الظهار، ولم ير الحسن بأساً أن يقبل ويغش فيما دون الفرج قبل الكفارة. وقاله الثوري، ومنع مالك من ذلك، ومنعه من النظر إلى شعرها قبل الكفارة.
وقوله ﴿ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ﴾ أي: أوجب عليكم، ربكم من الكفارة عِظَةً لكم، لتنتهوا عن الظهار وقول الزور. ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: ذو خبر بأعمالكم لا يخفى عليه منها شيء، فانتهوا عن قول الزور.
* *
وقوله: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ أي: فمن لم يجد ما يشتري به رقبة، فعليه صيام شهرين متتابعين لا يفصل بينهما ولا بين شيء من أيامهما بإفطار وهو متعمد، فإن أفطر لعذر بنى على ما صام ولا شيء عليه، فإن أفطر لغير عذر ابتدأ الصيام، فإن أفطر لسفر أحدثه ابتدأ الصوم، فإن ابتدأ الصوم فأيسر أتم صومه، ولا يرجع إلى العتق عند مالك، وإن ابتدأ الصيام أو ابتدأ الإطعام إن لم يقدر على الصيام ثم جامع قبل إكمال الصيام أو الإطعام، ابتدأ الصيام والإطعام، كأن جماعه ناسياً أو عامداً، ويجزيه الصيام بالأهلة وإن كان الشهران ثمانية وخمسين أو ستاً وخمسين يوماً، فإن ابتدأ الصوم في غير أول الشهر صام ثلاثين يوما، وشهرا على الهلال، وقيل يصوم ستين يوماً، وإذا ظاهر وله دار وخادم لزمه العتق عند مالك. وقوله: ﴿ فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾ أي: فمن لم يستطع الصوم فعليه أن يطعم ستين مسكيناً مداً من [حنطة] بمد هشام، هذا قول مالك وهو مد وثلثان بمد النبي ﷺ.
وروى ابن وهب عن مالك أنه يعطي لكل مسكين مدين بمد النبي ﷺ فإن أعطى مدا بمد هشام أجزأه إذا أعطاهم في جميع الكفارات مما هو أكثر عيش ذلك البلد أجزاه، ولا يجزى في ذلك عرض ولا دارهم ولا دقيق ولا سويق.
قال ابن القاسم فأن أطعم لكفارته ثلاثين مسكيناً من حنطة ثم طاق العسر حتى صار عيشهم الثمر أو الشعير، فلا بأس أن يعطي تمام الستين ثمراً أو شعيراً. وقد قال الأوزاعي إن أعطى في الكفارة ثمنها أجزأه، وكذلك قال أصحاب الرأي، ولا يجوز أن يعطي الثلاثين مثل ما يعطي لستين فيكون عليهم العطاء، ولا بد من العدد، وإذا ظاهر فمات أو ماتت ولم يكفر ورثها وورثته.
والظهار عند مالك على كل حر وعبد من المسلمين في كل زوجة حرة كانت أو أمة أو كتابية، إلا أنه إذا ظاهر من امرأته وهي أمة ثم اشتراها فالظهار لازم. ويلزم السكران ظهاره كما يلزمه الطلاق، ولا يلزم المكره الظهار. وفي الظهار من الأَمَة، الكفارة تامة عند مالك، ويلزم العبد في الظهار صيام شهرين كالحر ولا يعتق إلا بإذن مولاه. وإذا ظاهر الرجل من امرأته مراراً لم تلزمه إلا كفارة واحدة، (وأما المظاهر) من امرأتيه أو ثلاث أو أربع في ظهار واحد لم تلزمه إلا كفارة واحدة. وكل من ظاهر من امرأته بامرأة مسن ذوات المحارم من النسب أو الرضاع لزمه، كقوله: أنت عليِّ كظهر أختي (أو كظهر ابنة ابنتي) أو كظهر أختي من الرضاع، وكذلك عند مالك إذا قال لها أنت عليِّ كظهر أبي: يلزمه الظهار. وكذلك يلزسمه الظهار لو قال لامرأته: أنت علي (كظهر أخي وكقدم أخي) ونحوه من العورات، وإنما خص هذا اللفظ في اليمين بالظهر دون البطن، لأن الظهر موضع الركوب من البهائم، والمرأة مركوبة، إذا غشيت، فكأنه إذا قال أنت علي كظهر أمي، قال: ركوبك للنكاح حرام علي كركوب أبي للنكاح ، فأقام الظهر مقام الركوب، إذ الركوب من غير بني آدم إنما يركب على ظهر، فهو استعارة لطيفة. ثم قال ﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: ألزمت من ظاهر ذلك من الكفارات كي تقروا بتوحيد الله وبرسوله إذا عملتم بما أمرتم به. وقال الزجاج معناه: ذلك التغليظ عليكم لتؤمنوا بالله ورسوله. ثم قال ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ﴾ أي: فرائضه التي حدها لكم.
﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: ولمن كفر بحدود الله في الآخرة عذاب مؤلم؛ أي: موجع.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُواْ﴾ أي: إن الذين يخالفون الله في حدوده وفرائضه فيجعلون لأنفسهم حدوداً غير حدوده كبتوا، أي: غيظوا وأخزوا كما غيظ الذين من قبلهم مِن الأمم الذين حادوا الله ورسوله، قاله قتادة.
وقال ابو عبيدة كبتوا: أي أهلكوا، وأصله كبدوا (من قولهم): كبده الله: أي: أصاب الله كبده، ثم أبدلت التاء من الدال، ثم قيل ذلك لكل من أهلك وغيظ وأذل. وقيل معناه: غيظوا يوم الخندق كما غيظ الذين من قبلهم ممن قاتل الأنبياء. ومعنى يحادون: يصيرون في حد أعداء الله ومخالفي أمره.
* *
ثم قال ﴿وَقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ أي: دلالات ظاهرات محكمات.
وللكافرين بتلك الآيات عذاب مهين، أي: مذل يوم القيامة.
المجادلة 58:4
قوله: ﴿ٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ الآيات.
أي: الذين يحرمون نساءهم على أنفسهم بقولهم: انت علي كظهر أمي.
* *
﴿مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُوراً﴾.
أي: وإن الأزواج ليقولون إلى نسائهم (قولاً منكراً، وقولاً زوراً) أي: كذباً.
قال أبو قلابة وغيره: كان الظهار طلاق أهل الجاهلية طلاق بتات، لا يرجع إلى امرأته من قاله أبداً.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ أي: ذو عفو وصفح عن ذنوب عباده إذا تابوا منها، وذو ستر عليهم فلا يعاقبهم عليها بعد التوبة.
* *
ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾ أي: والكفارة على من قال لامرأته: أنت علي كظهر أمي ويريد الرجوع إلى الوطء تحرير رقبة من قبل أن يطأها، فإن لم يجد فعليه صيام شهرين متتابعين أي: متصلين من قبل أن يطأها، فإن لم يستطع فعليه إطعام ستين مسكيناً.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾ معناه: ثم يرجعون في تحريم ما حرموا على أنفسهم فيجعلونه حلالا وذلك الوطء.
قال قتادة: يريد أن يغشى بعد قوله.
وقال أهل الظاهر معناه: يعود للفظ مرة أخرى، فلا تلزمه الكفارة عندهم حتى يقول لها مرة أخرى أنت علي كظهر أمي. ولا يلزمه شيء من قوله ذلك لها مرة واحدة.
وقيل المعنى والذين كانوا يظاهرون من نسائهم في الجاهلية ثم يعودون في الإسلام إلى مثل ذلك القول، فعلى من فعل ذلك في الإسلام تحرير رقبة من قبل أن يتماسا.
وقيل معناه: ثم يصيرون لما كانوا يقولون في الجاهلية.
وقيل معناه: ثم يعزمون على إمساك النساء بعد المظاهرة.
وقيل معناه: أن يقيم مدة لا يطلق ثم يعود إلى فعل ما ترك فيخالفه.
وقال طاوس لما قالوا: للوطء.
وقال الأخفش سعيد: في الكلام تقديم وتأخير وتقديره: والذين يظهرون من نسائهم فتحرير رقبة لما قالوا من قبل أن يتماسا، والمعنى يصيرون إلى ما كانوا عليه من الجماع، فعليهم تحرير رقبة من أجل قولهم.
وقال الزجاج معناه ثم يعودون إلى إرادة الجماع من اجل ما قالوا.
وقال الفراء لما قالوا وإلى ما قالوا وفيما قالوا أي: يرجعون عن قولهم وتحريمهم نساءهم فيريدون الوطء.
وقال القتبي هو أن يعود لمثل ما كان يقال في الجاهلية (ولا تجزيه في الكفارة) عند مالك إلا رقبة مسلمة، ولا يجوز عنده عتق المدَبَّر والمكاتَب عن الظهار، ولا عتق أم الولد، فأما عتق الصبي فقد أجازه مالك عن الظهار إذا كان ذلك من قصر النفقة، وعتق من يصلي ويصوم أحب إليه، ولا يجزي عن الظهار عتق من يعتق على الإنسان إذا ملكه كالأب والابن والأم والجد والأخ، فإن أعتق عن ظهاره ما في بطن أمه فولدته حياً ثم مات لم يجزه عند مالك، ولا يجزي عند مالك عتق الأعمى ولا المقعد ولا المقطوع اليدين ولا أشلهما أو الرجلين، والمقطوع أحدهما، ولا الأعرج الشديد العرج، ولا الأخرس، ولا المجنون المطبق، ولا الذي يجن ويفيق، ولا عتق من أعتقه قبل ذلك إلى مدة، ولا عتق من اشتري بشرط أن يعتق على الرقاب الواجبة، ولا يجزي عتق الأصم ولا المقطوع الإبهام، ولا المقطوع الأذنين، ولا المفلوج الشق، ولا المقطوع الأصبع الواحدة فأكثر، ولا الأجذم، ولا الأبرص، ولا عتق كل من فيه عيب يضر به وينقص من ثمنه نقصاً فاحشاً، ويجزئ عتق الأعور.
وقوله ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا﴾ أي: فعليه الكفارة من قبل أن يطأها، ولا يحل له وطئها إذا ظاهر منها حتى يكفر عن ظهاره، وإذا علق ظهاره بشرط لم يلزمه الظهار إلا مع فعل ذلك الشرط، وذلك أن يقول لامرأته أنت علي كظهر أمي إن دخلت دار فلان، فهو مظاهر حتى تدخل تلك الدار، فإذا دخلت لزمه الظهار، ولا طلاق في الظهار، ولم ير الحسن بأساً أن يقبل ويغش فيما دون الفرج قبل الكفارة. وقاله الثوري، ومنع مالك من ذلك، ومنعه من النظر إلى شعرها قبل الكفارة.
وقوله ﴿ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ﴾ أي: أوجب عليكم، ربكم من الكفارة عِظَةً لكم، لتنتهوا عن الظهار وقول الزور. ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: ذو خبر بأعمالكم لا يخفى عليه منها شيء، فانتهوا عن قول الزور.
* *
وقوله: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ أي: فمن لم يجد ما يشتري به رقبة، فعليه صيام شهرين متتابعين لا يفصل بينهما ولا بين شيء من أيامهما بإفطار وهو متعمد، فإن أفطر لعذر بنى على ما صام ولا شيء عليه، فإن أفطر لغير عذر ابتدأ الصيام، فإن أفطر لسفر أحدثه ابتدأ الصوم، فإن ابتدأ الصوم فأيسر أتم صومه، ولا يرجع إلى العتق عند مالك، وإن ابتدأ الصيام أو ابتدأ الإطعام إن لم يقدر على الصيام ثم جامع قبل إكمال الصيام أو الإطعام، ابتدأ الصيام والإطعام، كأن جماعه ناسياً أو عامداً، ويجزيه الصيام بالأهلة وإن كان الشهران ثمانية وخمسين أو ستاً وخمسين يوماً، فإن ابتدأ الصوم في غير أول الشهر صام ثلاثين يوما، وشهرا على الهلال، وقيل يصوم ستين يوماً، وإذا ظاهر وله دار وخادم لزمه العتق عند مالك. وقوله: ﴿ فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾ أي: فمن لم يستطع الصوم فعليه أن يطعم ستين مسكيناً مداً من [حنطة] بمد هشام، هذا قول مالك وهو مد وثلثان بمد النبي ﷺ.
وروى ابن وهب عن مالك أنه يعطي لكل مسكين مدين بمد النبي ﷺ فإن أعطى مدا بمد هشام أجزأه إذا أعطاهم في جميع الكفارات مما هو أكثر عيش ذلك البلد أجزاه، ولا يجزى في ذلك عرض ولا دارهم ولا دقيق ولا سويق.
قال ابن القاسم فأن أطعم لكفارته ثلاثين مسكيناً من حنطة ثم طاق العسر حتى صار عيشهم الثمر أو الشعير، فلا بأس أن يعطي تمام الستين ثمراً أو شعيراً. وقد قال الأوزاعي إن أعطى في الكفارة ثمنها أجزأه، وكذلك قال أصحاب الرأي، ولا يجوز أن يعطي الثلاثين مثل ما يعطي لستين فيكون عليهم العطاء، ولا بد من العدد، وإذا ظاهر فمات أو ماتت ولم يكفر ورثها وورثته.
والظهار عند مالك على كل حر وعبد من المسلمين في كل زوجة حرة كانت أو أمة أو كتابية، إلا أنه إذا ظاهر من امرأته وهي أمة ثم اشتراها فالظهار لازم. ويلزم السكران ظهاره كما يلزمه الطلاق، ولا يلزم المكره الظهار. وفي الظهار من الأَمَة، الكفارة تامة عند مالك، ويلزم العبد في الظهار صيام شهرين كالحر ولا يعتق إلا بإذن مولاه. وإذا ظاهر الرجل من امرأته مراراً لم تلزمه إلا كفارة واحدة، (وأما المظاهر) من امرأتيه أو ثلاث أو أربع في ظهار واحد لم تلزمه إلا كفارة واحدة. وكل من ظاهر من امرأته بامرأة مسن ذوات المحارم من النسب أو الرضاع لزمه، كقوله: أنت عليِّ كظهر أختي (أو كظهر ابنة ابنتي) أو كظهر أختي من الرضاع، وكذلك عند مالك إذا قال لها أنت عليِّ كظهر أبي: يلزمه الظهار. وكذلك يلزسمه الظهار لو قال لامرأته: أنت علي (كظهر أخي وكقدم أخي) ونحوه من العورات، وإنما خص هذا اللفظ في اليمين بالظهر دون البطن، لأن الظهر موضع الركوب من البهائم، والمرأة مركوبة، إذا غشيت، فكأنه إذا قال أنت علي كظهر أمي، قال: ركوبك للنكاح حرام علي كركوب أبي للنكاح ، فأقام الظهر مقام الركوب، إذ الركوب من غير بني آدم إنما يركب على ظهر، فهو استعارة لطيفة. ثم قال ﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: ألزمت من ظاهر ذلك من الكفارات كي تقروا بتوحيد الله وبرسوله إذا عملتم بما أمرتم به. وقال الزجاج معناه: ذلك التغليظ عليكم لتؤمنوا بالله ورسوله. ثم قال ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ﴾ أي: فرائضه التي حدها لكم.
﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: ولمن كفر بحدود الله في الآخرة عذاب مؤلم؛ أي: موجع.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُواْ﴾ أي: إن الذين يخالفون الله في حدوده وفرائضه فيجعلون لأنفسهم حدوداً غير حدوده كبتوا، أي: غيظوا وأخزوا كما غيظ الذين من قبلهم مِن الأمم الذين حادوا الله ورسوله، قاله قتادة.
وقال ابو عبيدة كبتوا: أي أهلكوا، وأصله كبدوا (من قولهم): كبده الله: أي: أصاب الله كبده، ثم أبدلت التاء من الدال، ثم قيل ذلك لكل من أهلك وغيظ وأذل. وقيل معناه: غيظوا يوم الخندق كما غيظ الذين من قبلهم ممن قاتل الأنبياء. ومعنى يحادون: يصيرون في حد أعداء الله ومخالفي أمره.
* *
ثم قال ﴿وَقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ أي: دلالات ظاهرات محكمات.
وللكافرين بتلك الآيات عذاب مهين، أي: مذل يوم القيامة.
المجادلة 58:5
قوله: ﴿ٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ الآيات.
أي: الذين يحرمون نساءهم على أنفسهم بقولهم: انت علي كظهر أمي.
* *
﴿مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُوراً﴾.
أي: وإن الأزواج ليقولون إلى نسائهم (قولاً منكراً، وقولاً زوراً) أي: كذباً.
قال أبو قلابة وغيره: كان الظهار طلاق أهل الجاهلية طلاق بتات، لا يرجع إلى امرأته من قاله أبداً.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ أي: ذو عفو وصفح عن ذنوب عباده إذا تابوا منها، وذو ستر عليهم فلا يعاقبهم عليها بعد التوبة.
* *
ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾ أي: والكفارة على من قال لامرأته: أنت علي كظهر أمي ويريد الرجوع إلى الوطء تحرير رقبة من قبل أن يطأها، فإن لم يجد فعليه صيام شهرين متتابعين أي: متصلين من قبل أن يطأها، فإن لم يستطع فعليه إطعام ستين مسكيناً.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾ معناه: ثم يرجعون في تحريم ما حرموا على أنفسهم فيجعلونه حلالا وذلك الوطء.
قال قتادة: يريد أن يغشى بعد قوله.
وقال أهل الظاهر معناه: يعود للفظ مرة أخرى، فلا تلزمه الكفارة عندهم حتى يقول لها مرة أخرى أنت علي كظهر أمي. ولا يلزمه شيء من قوله ذلك لها مرة واحدة.
وقيل المعنى والذين كانوا يظاهرون من نسائهم في الجاهلية ثم يعودون في الإسلام إلى مثل ذلك القول، فعلى من فعل ذلك في الإسلام تحرير رقبة من قبل أن يتماسا.
وقيل معناه: ثم يصيرون لما كانوا يقولون في الجاهلية.
وقيل معناه: ثم يعزمون على إمساك النساء بعد المظاهرة.
وقيل معناه: أن يقيم مدة لا يطلق ثم يعود إلى فعل ما ترك فيخالفه.
وقال طاوس لما قالوا: للوطء.
وقال الأخفش سعيد: في الكلام تقديم وتأخير وتقديره: والذين يظهرون من نسائهم فتحرير رقبة لما قالوا من قبل أن يتماسا، والمعنى يصيرون إلى ما كانوا عليه من الجماع، فعليهم تحرير رقبة من أجل قولهم.
وقال الزجاج معناه ثم يعودون إلى إرادة الجماع من اجل ما قالوا.
وقال الفراء لما قالوا وإلى ما قالوا وفيما قالوا أي: يرجعون عن قولهم وتحريمهم نساءهم فيريدون الوطء.
وقال القتبي هو أن يعود لمثل ما كان يقال في الجاهلية (ولا تجزيه في الكفارة) عند مالك إلا رقبة مسلمة، ولا يجوز عنده عتق المدَبَّر والمكاتَب عن الظهار، ولا عتق أم الولد، فأما عتق الصبي فقد أجازه مالك عن الظهار إذا كان ذلك من قصر النفقة، وعتق من يصلي ويصوم أحب إليه، ولا يجزي عن الظهار عتق من يعتق على الإنسان إذا ملكه كالأب والابن والأم والجد والأخ، فإن أعتق عن ظهاره ما في بطن أمه فولدته حياً ثم مات لم يجزه عند مالك، ولا يجزي عند مالك عتق الأعمى ولا المقعد ولا المقطوع اليدين ولا أشلهما أو الرجلين، والمقطوع أحدهما، ولا الأعرج الشديد العرج، ولا الأخرس، ولا المجنون المطبق، ولا الذي يجن ويفيق، ولا عتق من أعتقه قبل ذلك إلى مدة، ولا عتق من اشتري بشرط أن يعتق على الرقاب الواجبة، ولا يجزي عتق الأصم ولا المقطوع الإبهام، ولا المقطوع الأذنين، ولا المفلوج الشق، ولا المقطوع الأصبع الواحدة فأكثر، ولا الأجذم، ولا الأبرص، ولا عتق كل من فيه عيب يضر به وينقص من ثمنه نقصاً فاحشاً، ويجزئ عتق الأعور.
وقوله ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا﴾ أي: فعليه الكفارة من قبل أن يطأها، ولا يحل له وطئها إذا ظاهر منها حتى يكفر عن ظهاره، وإذا علق ظهاره بشرط لم يلزمه الظهار إلا مع فعل ذلك الشرط، وذلك أن يقول لامرأته أنت علي كظهر أمي إن دخلت دار فلان، فهو مظاهر حتى تدخل تلك الدار، فإذا دخلت لزمه الظهار، ولا طلاق في الظهار، ولم ير الحسن بأساً أن يقبل ويغش فيما دون الفرج قبل الكفارة. وقاله الثوري، ومنع مالك من ذلك، ومنعه من النظر إلى شعرها قبل الكفارة.
وقوله ﴿ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ﴾ أي: أوجب عليكم، ربكم من الكفارة عِظَةً لكم، لتنتهوا عن الظهار وقول الزور. ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: ذو خبر بأعمالكم لا يخفى عليه منها شيء، فانتهوا عن قول الزور.
* *
وقوله: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ أي: فمن لم يجد ما يشتري به رقبة، فعليه صيام شهرين متتابعين لا يفصل بينهما ولا بين شيء من أيامهما بإفطار وهو متعمد، فإن أفطر لعذر بنى على ما صام ولا شيء عليه، فإن أفطر لغير عذر ابتدأ الصيام، فإن أفطر لسفر أحدثه ابتدأ الصوم، فإن ابتدأ الصوم فأيسر أتم صومه، ولا يرجع إلى العتق عند مالك، وإن ابتدأ الصيام أو ابتدأ الإطعام إن لم يقدر على الصيام ثم جامع قبل إكمال الصيام أو الإطعام، ابتدأ الصيام والإطعام، كأن جماعه ناسياً أو عامداً، ويجزيه الصيام بالأهلة وإن كان الشهران ثمانية وخمسين أو ستاً وخمسين يوماً، فإن ابتدأ الصوم في غير أول الشهر صام ثلاثين يوما، وشهرا على الهلال، وقيل يصوم ستين يوماً، وإذا ظاهر وله دار وخادم لزمه العتق عند مالك. وقوله: ﴿ فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾ أي: فمن لم يستطع الصوم فعليه أن يطعم ستين مسكيناً مداً من [حنطة] بمد هشام، هذا قول مالك وهو مد وثلثان بمد النبي ﷺ.
وروى ابن وهب عن مالك أنه يعطي لكل مسكين مدين بمد النبي ﷺ فإن أعطى مدا بمد هشام أجزأه إذا أعطاهم في جميع الكفارات مما هو أكثر عيش ذلك البلد أجزاه، ولا يجزى في ذلك عرض ولا دارهم ولا دقيق ولا سويق.
قال ابن القاسم فأن أطعم لكفارته ثلاثين مسكيناً من حنطة ثم طاق العسر حتى صار عيشهم الثمر أو الشعير، فلا بأس أن يعطي تمام الستين ثمراً أو شعيراً. وقد قال الأوزاعي إن أعطى في الكفارة ثمنها أجزأه، وكذلك قال أصحاب الرأي، ولا يجوز أن يعطي الثلاثين مثل ما يعطي لستين فيكون عليهم العطاء، ولا بد من العدد، وإذا ظاهر فمات أو ماتت ولم يكفر ورثها وورثته.
والظهار عند مالك على كل حر وعبد من المسلمين في كل زوجة حرة كانت أو أمة أو كتابية، إلا أنه إذا ظاهر من امرأته وهي أمة ثم اشتراها فالظهار لازم. ويلزم السكران ظهاره كما يلزمه الطلاق، ولا يلزم المكره الظهار. وفي الظهار من الأَمَة، الكفارة تامة عند مالك، ويلزم العبد في الظهار صيام شهرين كالحر ولا يعتق إلا بإذن مولاه. وإذا ظاهر الرجل من امرأته مراراً لم تلزمه إلا كفارة واحدة، (وأما المظاهر) من امرأتيه أو ثلاث أو أربع في ظهار واحد لم تلزمه إلا كفارة واحدة. وكل من ظاهر من امرأته بامرأة مسن ذوات المحارم من النسب أو الرضاع لزمه، كقوله: أنت عليِّ كظهر أختي (أو كظهر ابنة ابنتي) أو كظهر أختي من الرضاع، وكذلك عند مالك إذا قال لها أنت عليِّ كظهر أبي: يلزمه الظهار. وكذلك يلزسمه الظهار لو قال لامرأته: أنت علي (كظهر أخي وكقدم أخي) ونحوه من العورات، وإنما خص هذا اللفظ في اليمين بالظهر دون البطن، لأن الظهر موضع الركوب من البهائم، والمرأة مركوبة، إذا غشيت، فكأنه إذا قال أنت علي كظهر أمي، قال: ركوبك للنكاح حرام علي كركوب أبي للنكاح ، فأقام الظهر مقام الركوب، إذ الركوب من غير بني آدم إنما يركب على ظهر، فهو استعارة لطيفة. ثم قال ﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: ألزمت من ظاهر ذلك من الكفارات كي تقروا بتوحيد الله وبرسوله إذا عملتم بما أمرتم به. وقال الزجاج معناه: ذلك التغليظ عليكم لتؤمنوا بالله ورسوله. ثم قال ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ﴾ أي: فرائضه التي حدها لكم.
﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: ولمن كفر بحدود الله في الآخرة عذاب مؤلم؛ أي: موجع.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُواْ﴾ أي: إن الذين يخالفون الله في حدوده وفرائضه فيجعلون لأنفسهم حدوداً غير حدوده كبتوا، أي: غيظوا وأخزوا كما غيظ الذين من قبلهم مِن الأمم الذين حادوا الله ورسوله، قاله قتادة.
وقال ابو عبيدة كبتوا: أي أهلكوا، وأصله كبدوا (من قولهم): كبده الله: أي: أصاب الله كبده، ثم أبدلت التاء من الدال، ثم قيل ذلك لكل من أهلك وغيظ وأذل. وقيل معناه: غيظوا يوم الخندق كما غيظ الذين من قبلهم ممن قاتل الأنبياء. ومعنى يحادون: يصيرون في حد أعداء الله ومخالفي أمره.
* *
ثم قال ﴿وَقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ أي: دلالات ظاهرات محكمات.
وللكافرين بتلك الآيات عذاب مهين، أي: مذل يوم القيامة.
المجادلة 58:6
قوله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ﴾ إلى قوله ﴿وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ الآيات.
أي: اذكر يا محمد يوم يبعثهم الله جميعاً، ويجوز أن يكون العامل "مهيناً" فلا يوقف عليه أي: وللكفارين بحدود الله عذاب مهين في يوم يبعثهم الله جميعاً، وذلك يوم القيامة يبعثون من قبورهم ليخبرهم الله بما عملوا في الدنيا، أحصى الله أعمالهم فنسوها.
﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أي: هو شهيد على كل شيء عملوه، أي: شاهد على ذلك، محيط علمه بذلك.
* *
ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي: ألم تعلم يا محمد وتنظر بعين قلبك أن الله لا يخفى عليه شيء في السماوات والأرض، فكيف يخفى عليه أعمال هؤلاء الكفارة. وقوله ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ "ثلاثة" بدل من "نجوى" على اللفظ، "ونجوى" بمعنى متناجين، ويجوز أن يكون "نجوى" مضافة إلى ثلاثة ﴿إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾، ونجوى بمعنى: (سر، أي: من سر ثلاثة)، وقد يجوز رفع "ثلاثة" على البدل من موضع "نجوى"، ويجوز نصبه على الحال من المضمر في "نجوى".
وفي حرف عبد الله: ولا أربعة إلا هو خامسهم، وفيه أيضا إلا الله رابعهم. ﴿وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَىٰ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ﴾ إلا الله معهم إذا تناجوا. وهذه قراءة على التفسير لا يجوز أن يقرأ بها لمخالفتها للمصحف.
وقرأ أبو جعفر يزيد "ما تكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاَثَةٍ" بالتاء على تأنيث النجوى، كما تقول ما جاءتني من امرأة. وقرأ الحسن ولا أكثر بالرفع، عطف على الموضع. ومعنى هو رابعهم وهو سادسهم أي: هو شاهدهم بعلمه وهو على عرشه قاله الضحاك وغيره.
* *
ثم قال ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ أي: ألم تنظر (بعين قلبك يا محمد) إلى الذين نهوا عن النجوى من اليهود، ثم يعودون إلى النجوى بعد نهي (الله عز وجل لهم) عنها، ويتناجون بينهم بالإثم والعدوان ومعصية الرسول.
قال مجاهد: هم اليهود. وقيل هم المنافقون كان (النبي ﷺ يأمرهم بالأمر من أمر الله تعالى، فيقولون سمعا وطاعة، ثم يتحول بعضهم إلى بعض فيتناجون بخلاف ما أمرهم النبي ﷺ حتى أسرفوا، والله يمهلهم حتى قالوا لولا يعذبنا الله بما نقول، فكانوا يحيون النبي عليه السلام بغير تحية الإسلام، فأنزل الله عز وجل ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا﴾
ثم قال ﴿وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ﴾ [أي: وإذا جاءك هؤلاء الذين نهوا عن النجوى ولم يقبلوا النهي حيوك بما لم يحيك به الله]. يقولون: السلام عليكم. قالت عائشة رضي الله عنها: جاء ناس من اليهود إلى النبي ﷺ فقالوا: السلام عليك يا أبا القاسم فقلت: السلام عليكم فعل الله بكم وفعل، فقال النبي ﷺ إن الله لا يحب الفحشاء ولا التفحش، فقلت: يا رسول الله ألست ترى ما يقولون؟ فقال: ألست تراني أرد عليهم ما يقولون، أقول: وعليكم، فنزلت هذه الآية في ذلك
ثم قال: ﴿وَيَقُولُونَ فِيۤ أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ أي: يقول هؤلاء الذين يحيونك بما لم يحيك به الله هلا يعاقبنا الله بقولنا. وقال ابن زيد السام: الموت. قال قتادة: ومجاهد: هم اليهود. وعن ابن عباس أنهم المنافقون.
* *
ثم قال: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: كفاهم دخولهم جهنم يوم القيامة عقوبة لهم فبئس المنقلب والمرجع، فلا يستعجلوا العذاب والعقوبة بقولهم: "لولا يعذبنا الله بما نقول".
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ بِٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ﴾ أي: لا تفعلوا ذلك كما فعله المنافقون، ولكن تناجوا بالبر والتقوى، أي: بطاعة الله عز وجل، وما يقربكم إليه سبحانه وأداء ما كلفكم من فرائضه (جلت عظمته).
* *
﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: وخافوا الله الذي إليه مصيركم في معادكم أن تخالفوا طاعته ثم قال: ﴿إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾.
قال قتادة: كان المنافقون يتناجون بينهم فكان ذلك يغيظ المؤمنين وتكبر عليهم، فانزل الله عز وجل هذه الآية.
ثم أعلمهم أن ذلك لا يضرهم فقال: ﴿وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ شَيْئاً﴾ أي: ليس تناجي المنافقين فيما بينهم بضار للمؤمنين إلا بإذن الله.
﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ قال ابن زيد: كان الرجل يأتي رسول الله ﷺ فيسأله الحاجة ليرى الناس أنه قد ناجى النبي ﷺ، وكان النبي ﷺ لا يمنع من ذلك أحداً، قال: والأرض يومئذ حرب على أهل هذا البلد، وكان إبليس يأتي القوم فيقول لهم: إنما يتناجون في أمور قد حضرت وجموع قد جمعت لكم، فقال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ﴾ الآية. وقال عطية العوفي هي الأحلام التي يراها الإنسان في نومه فتحزنه.
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي ٱلْمَجَالِسِ فَٱفْسَحُواْ يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾ أي: إذا قيل لكم توسعوا في مجلس رسول الله ﷺ فتوسعوا يوسع الله عليكم في منازلكم في الجنة.
قال مالك: [نزلت] في مجلس رسول الله ﷺ كان كل رجل منهم يسر بقربه من رسول الله ﷺ في مجلسه فيمنعه ذلك من التفسح لأخيه. قال مالك وأرى مجالس العلم من ذلك وهي داخلة في الآية.
﴿وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَانشُزُواْ﴾ أي: ارتفعوا وانضموا، فانضموا يرفع الله الذين آمنوا منكم في درجات وقيل المعنى: وإذا قيل ارتفعوا إلى قتال عدوكم فقوموا إلى ذلك أو لصلاة أو لعمل خير فقوموا، قاله ابن عباس ومجاهد. وقال الحسن: هذا كله في الغزو. وقال قتادة: معناه: إذا دعيتم إلى خير فأجيبوا. وقال ابن زيد معناه: وإذا قيل [لكم] ارتفعوا عن رسول الله ﷺ فإن له حوائج فارتفعوا عنه.
يقال نشز: إذا تنحى عن موضع، وامرأة ناشزة [أو] متنحية عن زوجها، وأصله من النشز، والنشز هو ما ارتفع من الأرض.
قال قتادة: هو مجلس رسول الله ﷺ [كانوا إذا رأوا من جاءهم مقبلاً ضيقوا مجلسهم عن رسول الله ﷺ]، فأمرهم الله عز وجل أن يفسح بعضهم [لبعض].
وقال الضحاك: كان هذا للنبي ﷺ خاصة ومن حوله أمروا أن يتوسعوا حتى يصيب كل رجل منهم مجلساً من النبي ﷺ.
قال قتادة: كانوا يتنافسون في مجلس النبي ﷺ، فأمروا بالتفسح.
وقال ابن عباس: عني به مجالس القتال إذا اصطفوا للحرب، وقاله الحسن.
* *
ثم قال: ﴿يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [أي]: درجات في دينهم إذا فعلوا ما أمروا به. وقيل يرفعهم في الثواب والكرامة. وقيل يرفعهم على غيرهم ممن لا علم عنده في الفضل. وقيل الدرجات هنا للعلماء خاصة.
قال ابن مسعود: معناه: يرفع الله الذين آمنوا منكم، ويرفع الله الذين أوتوا العلم درجات على الذين آمنوا ولا علم عندهم.
قال مطرف: فضل العلم أحب إلي من فضل العبادة. وخير دينكم الورع.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: ذو خبر بأعمالكم كلها لا يخفى عليه المطيع ربه من العاصي له، فيجازي كلاً بما عمل.
* *
ثم قال ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ نهى أصحاب رسول الله ﷺ أن يناجوه حتى يتصدقوا، تعظيما له، فلم يناجه إلا علي بن أبي طالب بعد أن قدم صدقة دينار، ثم نسخ ذلك بما بعده، فرخص لهم أن يناجوه من غير تقديم صدقة.
قال علي: إن في كتاب الله لآية لم يعمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي، كان عندي دينار فصرفته بعشرة دراهم فكنت إذا ناجيت رسول الله تصدقت بدرهم فنسخت.
قال قتادة: سأل الناس رسول الله ﷺ حتى أحفوا في المسألة فقطعهم الله بهذه الآية، فكان الرجل تكون له الحاجة إلى النبي ﷺ، فلا يستطيع أن يقضيها حتى يقدم بين يديه صدقة، فاشتد ذلك [عليهم]؛ فأنزل الله عز وجل الرحمة في قوله ﴿ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ الآية.
وقال ابن عباس: كان المسلمون يقدمون بين يدي النجوى صدقة، فلما نزلت الزكاة نسخت هذا.
(وروي عن ابن عباس) أنه قال: كان المسلمون يكثرون المسائل على رسول الله ﷺ حتى شقوا عليه، فأراد الله عز وجل أن يخفف عن نبيه عليه السلام، فصبر كثير من الناس وكفوا عن المسألة، ثم وسع الله عليهم بالآية التي بعدها .
قال ابن زيد: ضيق الله عليهم في المناجات لئلا يناجي أهل الباطل رسول الله ﷺ، فشق ذلك على أهل الحق، فقالوا يا رسول الله لا نستطيع ذلك ولا نطيقه، فنزل التخفيف. قال قتادة: ما قامت إلا ساعة من نهار ثم نسخت. ومعنى أشفقتم: أشق ذلك عليكم، ولا يوصف الله عز وجل بالإشفاق، لا يقال يا شفيق. لأن أصله الحزن والخوف.
المجادلة 58:7
قوله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ﴾ إلى قوله ﴿وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ الآيات.
أي: اذكر يا محمد يوم يبعثهم الله جميعاً، ويجوز أن يكون العامل "مهيناً" فلا يوقف عليه أي: وللكفارين بحدود الله عذاب مهين في يوم يبعثهم الله جميعاً، وذلك يوم القيامة يبعثون من قبورهم ليخبرهم الله بما عملوا في الدنيا، أحصى الله أعمالهم فنسوها.
﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أي: هو شهيد على كل شيء عملوه، أي: شاهد على ذلك، محيط علمه بذلك.
* *
ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي: ألم تعلم يا محمد وتنظر بعين قلبك أن الله لا يخفى عليه شيء في السماوات والأرض، فكيف يخفى عليه أعمال هؤلاء الكفارة. وقوله ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ "ثلاثة" بدل من "نجوى" على اللفظ، "ونجوى" بمعنى متناجين، ويجوز أن يكون "نجوى" مضافة إلى ثلاثة ﴿إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾، ونجوى بمعنى: (سر، أي: من سر ثلاثة)، وقد يجوز رفع "ثلاثة" على البدل من موضع "نجوى"، ويجوز نصبه على الحال من المضمر في "نجوى".
وفي حرف عبد الله: ولا أربعة إلا هو خامسهم، وفيه أيضا إلا الله رابعهم. ﴿وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَىٰ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ﴾ إلا الله معهم إذا تناجوا. وهذه قراءة على التفسير لا يجوز أن يقرأ بها لمخالفتها للمصحف.
وقرأ أبو جعفر يزيد "ما تكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاَثَةٍ" بالتاء على تأنيث النجوى، كما تقول ما جاءتني من امرأة. وقرأ الحسن ولا أكثر بالرفع، عطف على الموضع. ومعنى هو رابعهم وهو سادسهم أي: هو شاهدهم بعلمه وهو على عرشه قاله الضحاك وغيره.
* *
ثم قال ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ أي: ألم تنظر (بعين قلبك يا محمد) إلى الذين نهوا عن النجوى من اليهود، ثم يعودون إلى النجوى بعد نهي (الله عز وجل لهم) عنها، ويتناجون بينهم بالإثم والعدوان ومعصية الرسول.
قال مجاهد: هم اليهود. وقيل هم المنافقون كان (النبي ﷺ يأمرهم بالأمر من أمر الله تعالى، فيقولون سمعا وطاعة، ثم يتحول بعضهم إلى بعض فيتناجون بخلاف ما أمرهم النبي ﷺ حتى أسرفوا، والله يمهلهم حتى قالوا لولا يعذبنا الله بما نقول، فكانوا يحيون النبي عليه السلام بغير تحية الإسلام، فأنزل الله عز وجل ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا﴾
ثم قال ﴿وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ﴾ [أي: وإذا جاءك هؤلاء الذين نهوا عن النجوى ولم يقبلوا النهي حيوك بما لم يحيك به الله]. يقولون: السلام عليكم. قالت عائشة رضي الله عنها: جاء ناس من اليهود إلى النبي ﷺ فقالوا: السلام عليك يا أبا القاسم فقلت: السلام عليكم فعل الله بكم وفعل، فقال النبي ﷺ إن الله لا يحب الفحشاء ولا التفحش، فقلت: يا رسول الله ألست ترى ما يقولون؟ فقال: ألست تراني أرد عليهم ما يقولون، أقول: وعليكم، فنزلت هذه الآية في ذلك
ثم قال: ﴿وَيَقُولُونَ فِيۤ أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ أي: يقول هؤلاء الذين يحيونك بما لم يحيك به الله هلا يعاقبنا الله بقولنا. وقال ابن زيد السام: الموت. قال قتادة: ومجاهد: هم اليهود. وعن ابن عباس أنهم المنافقون.
* *
ثم قال: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: كفاهم دخولهم جهنم يوم القيامة عقوبة لهم فبئس المنقلب والمرجع، فلا يستعجلوا العذاب والعقوبة بقولهم: "لولا يعذبنا الله بما نقول".
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ بِٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ﴾ أي: لا تفعلوا ذلك كما فعله المنافقون، ولكن تناجوا بالبر والتقوى، أي: بطاعة الله عز وجل، وما يقربكم إليه سبحانه وأداء ما كلفكم من فرائضه (جلت عظمته).
* *
﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: وخافوا الله الذي إليه مصيركم في معادكم أن تخالفوا طاعته ثم قال: ﴿إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾.
قال قتادة: كان المنافقون يتناجون بينهم فكان ذلك يغيظ المؤمنين وتكبر عليهم، فانزل الله عز وجل هذه الآية.
ثم أعلمهم أن ذلك لا يضرهم فقال: ﴿وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ شَيْئاً﴾ أي: ليس تناجي المنافقين فيما بينهم بضار للمؤمنين إلا بإذن الله.
﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ قال ابن زيد: كان الرجل يأتي رسول الله ﷺ فيسأله الحاجة ليرى الناس أنه قد ناجى النبي ﷺ، وكان النبي ﷺ لا يمنع من ذلك أحداً، قال: والأرض يومئذ حرب على أهل هذا البلد، وكان إبليس يأتي القوم فيقول لهم: إنما يتناجون في أمور قد حضرت وجموع قد جمعت لكم، فقال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ﴾ الآية. وقال عطية العوفي هي الأحلام التي يراها الإنسان في نومه فتحزنه.
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي ٱلْمَجَالِسِ فَٱفْسَحُواْ يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾ أي: إذا قيل لكم توسعوا في مجلس رسول الله ﷺ فتوسعوا يوسع الله عليكم في منازلكم في الجنة.
قال مالك: [نزلت] في مجلس رسول الله ﷺ كان كل رجل منهم يسر بقربه من رسول الله ﷺ في مجلسه فيمنعه ذلك من التفسح لأخيه. قال مالك وأرى مجالس العلم من ذلك وهي داخلة في الآية.
﴿وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَانشُزُواْ﴾ أي: ارتفعوا وانضموا، فانضموا يرفع الله الذين آمنوا منكم في درجات وقيل المعنى: وإذا قيل ارتفعوا إلى قتال عدوكم فقوموا إلى ذلك أو لصلاة أو لعمل خير فقوموا، قاله ابن عباس ومجاهد. وقال الحسن: هذا كله في الغزو. وقال قتادة: معناه: إذا دعيتم إلى خير فأجيبوا. وقال ابن زيد معناه: وإذا قيل [لكم] ارتفعوا عن رسول الله ﷺ فإن له حوائج فارتفعوا عنه.
يقال نشز: إذا تنحى عن موضع، وامرأة ناشزة [أو] متنحية عن زوجها، وأصله من النشز، والنشز هو ما ارتفع من الأرض.
قال قتادة: هو مجلس رسول الله ﷺ [كانوا إذا رأوا من جاءهم مقبلاً ضيقوا مجلسهم عن رسول الله ﷺ]، فأمرهم الله عز وجل أن يفسح بعضهم [لبعض].
وقال الضحاك: كان هذا للنبي ﷺ خاصة ومن حوله أمروا أن يتوسعوا حتى يصيب كل رجل منهم مجلساً من النبي ﷺ.
قال قتادة: كانوا يتنافسون في مجلس النبي ﷺ، فأمروا بالتفسح.
وقال ابن عباس: عني به مجالس القتال إذا اصطفوا للحرب، وقاله الحسن.
* *
ثم قال: ﴿يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [أي]: درجات في دينهم إذا فعلوا ما أمروا به. وقيل يرفعهم في الثواب والكرامة. وقيل يرفعهم على غيرهم ممن لا علم عنده في الفضل. وقيل الدرجات هنا للعلماء خاصة.
قال ابن مسعود: معناه: يرفع الله الذين آمنوا منكم، ويرفع الله الذين أوتوا العلم درجات على الذين آمنوا ولا علم عندهم.
قال مطرف: فضل العلم أحب إلي من فضل العبادة. وخير دينكم الورع.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: ذو خبر بأعمالكم كلها لا يخفى عليه المطيع ربه من العاصي له، فيجازي كلاً بما عمل.
* *
ثم قال ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ نهى أصحاب رسول الله ﷺ أن يناجوه حتى يتصدقوا، تعظيما له، فلم يناجه إلا علي بن أبي طالب بعد أن قدم صدقة دينار، ثم نسخ ذلك بما بعده، فرخص لهم أن يناجوه من غير تقديم صدقة.
قال علي: إن في كتاب الله لآية لم يعمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي، كان عندي دينار فصرفته بعشرة دراهم فكنت إذا ناجيت رسول الله تصدقت بدرهم فنسخت.
قال قتادة: سأل الناس رسول الله ﷺ حتى أحفوا في المسألة فقطعهم الله بهذه الآية، فكان الرجل تكون له الحاجة إلى النبي ﷺ، فلا يستطيع أن يقضيها حتى يقدم بين يديه صدقة، فاشتد ذلك [عليهم]؛ فأنزل الله عز وجل الرحمة في قوله ﴿ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ الآية.
وقال ابن عباس: كان المسلمون يقدمون بين يدي النجوى صدقة، فلما نزلت الزكاة نسخت هذا.
(وروي عن ابن عباس) أنه قال: كان المسلمون يكثرون المسائل على رسول الله ﷺ حتى شقوا عليه، فأراد الله عز وجل أن يخفف عن نبيه عليه السلام، فصبر كثير من الناس وكفوا عن المسألة، ثم وسع الله عليهم بالآية التي بعدها .
قال ابن زيد: ضيق الله عليهم في المناجات لئلا يناجي أهل الباطل رسول الله ﷺ، فشق ذلك على أهل الحق، فقالوا يا رسول الله لا نستطيع ذلك ولا نطيقه، فنزل التخفيف. قال قتادة: ما قامت إلا ساعة من نهار ثم نسخت. ومعنى أشفقتم: أشق ذلك عليكم، ولا يوصف الله عز وجل بالإشفاق، لا يقال يا شفيق. لأن أصله الحزن والخوف.
المجادلة 58:8
قوله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ﴾ إلى قوله ﴿وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ الآيات.
أي: اذكر يا محمد يوم يبعثهم الله جميعاً، ويجوز أن يكون العامل "مهيناً" فلا يوقف عليه أي: وللكفارين بحدود الله عذاب مهين في يوم يبعثهم الله جميعاً، وذلك يوم القيامة يبعثون من قبورهم ليخبرهم الله بما عملوا في الدنيا، أحصى الله أعمالهم فنسوها.
﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أي: هو شهيد على كل شيء عملوه، أي: شاهد على ذلك، محيط علمه بذلك.
* *
ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي: ألم تعلم يا محمد وتنظر بعين قلبك أن الله لا يخفى عليه شيء في السماوات والأرض، فكيف يخفى عليه أعمال هؤلاء الكفارة. وقوله ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ "ثلاثة" بدل من "نجوى" على اللفظ، "ونجوى" بمعنى متناجين، ويجوز أن يكون "نجوى" مضافة إلى ثلاثة ﴿إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾، ونجوى بمعنى: (سر، أي: من سر ثلاثة)، وقد يجوز رفع "ثلاثة" على البدل من موضع "نجوى"، ويجوز نصبه على الحال من المضمر في "نجوى".
وفي حرف عبد الله: ولا أربعة إلا هو خامسهم، وفيه أيضا إلا الله رابعهم. ﴿وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَىٰ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ﴾ إلا الله معهم إذا تناجوا. وهذه قراءة على التفسير لا يجوز أن يقرأ بها لمخالفتها للمصحف.
وقرأ أبو جعفر يزيد "ما تكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاَثَةٍ" بالتاء على تأنيث النجوى، كما تقول ما جاءتني من امرأة. وقرأ الحسن ولا أكثر بالرفع، عطف على الموضع. ومعنى هو رابعهم وهو سادسهم أي: هو شاهدهم بعلمه وهو على عرشه قاله الضحاك وغيره.
* *
ثم قال ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ أي: ألم تنظر (بعين قلبك يا محمد) إلى الذين نهوا عن النجوى من اليهود، ثم يعودون إلى النجوى بعد نهي (الله عز وجل لهم) عنها، ويتناجون بينهم بالإثم والعدوان ومعصية الرسول.
قال مجاهد: هم اليهود. وقيل هم المنافقون كان (النبي ﷺ يأمرهم بالأمر من أمر الله تعالى، فيقولون سمعا وطاعة، ثم يتحول بعضهم إلى بعض فيتناجون بخلاف ما أمرهم النبي ﷺ حتى أسرفوا، والله يمهلهم حتى قالوا لولا يعذبنا الله بما نقول، فكانوا يحيون النبي عليه السلام بغير تحية الإسلام، فأنزل الله عز وجل ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا﴾
ثم قال ﴿وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ﴾ [أي: وإذا جاءك هؤلاء الذين نهوا عن النجوى ولم يقبلوا النهي حيوك بما لم يحيك به الله]. يقولون: السلام عليكم. قالت عائشة رضي الله عنها: جاء ناس من اليهود إلى النبي ﷺ فقالوا: السلام عليك يا أبا القاسم فقلت: السلام عليكم فعل الله بكم وفعل، فقال النبي ﷺ إن الله لا يحب الفحشاء ولا التفحش، فقلت: يا رسول الله ألست ترى ما يقولون؟ فقال: ألست تراني أرد عليهم ما يقولون، أقول: وعليكم، فنزلت هذه الآية في ذلك
ثم قال: ﴿وَيَقُولُونَ فِيۤ أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ أي: يقول هؤلاء الذين يحيونك بما لم يحيك به الله هلا يعاقبنا الله بقولنا. وقال ابن زيد السام: الموت. قال قتادة: ومجاهد: هم اليهود. وعن ابن عباس أنهم المنافقون.
* *
ثم قال: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: كفاهم دخولهم جهنم يوم القيامة عقوبة لهم فبئس المنقلب والمرجع، فلا يستعجلوا العذاب والعقوبة بقولهم: "لولا يعذبنا الله بما نقول".
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ بِٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ﴾ أي: لا تفعلوا ذلك كما فعله المنافقون، ولكن تناجوا بالبر والتقوى، أي: بطاعة الله عز وجل، وما يقربكم إليه سبحانه وأداء ما كلفكم من فرائضه (جلت عظمته).
* *
﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: وخافوا الله الذي إليه مصيركم في معادكم أن تخالفوا طاعته ثم قال: ﴿إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾.
قال قتادة: كان المنافقون يتناجون بينهم فكان ذلك يغيظ المؤمنين وتكبر عليهم، فانزل الله عز وجل هذه الآية.
ثم أعلمهم أن ذلك لا يضرهم فقال: ﴿وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ شَيْئاً﴾ أي: ليس تناجي المنافقين فيما بينهم بضار للمؤمنين إلا بإذن الله.
﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ قال ابن زيد: كان الرجل يأتي رسول الله ﷺ فيسأله الحاجة ليرى الناس أنه قد ناجى النبي ﷺ، وكان النبي ﷺ لا يمنع من ذلك أحداً، قال: والأرض يومئذ حرب على أهل هذا البلد، وكان إبليس يأتي القوم فيقول لهم: إنما يتناجون في أمور قد حضرت وجموع قد جمعت لكم، فقال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ﴾ الآية. وقال عطية العوفي هي الأحلام التي يراها الإنسان في نومه فتحزنه.
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي ٱلْمَجَالِسِ فَٱفْسَحُواْ يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾ أي: إذا قيل لكم توسعوا في مجلس رسول الله ﷺ فتوسعوا يوسع الله عليكم في منازلكم في الجنة.
قال مالك: [نزلت] في مجلس رسول الله ﷺ كان كل رجل منهم يسر بقربه من رسول الله ﷺ في مجلسه فيمنعه ذلك من التفسح لأخيه. قال مالك وأرى مجالس العلم من ذلك وهي داخلة في الآية.
﴿وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَانشُزُواْ﴾ أي: ارتفعوا وانضموا، فانضموا يرفع الله الذين آمنوا منكم في درجات وقيل المعنى: وإذا قيل ارتفعوا إلى قتال عدوكم فقوموا إلى ذلك أو لصلاة أو لعمل خير فقوموا، قاله ابن عباس ومجاهد. وقال الحسن: هذا كله في الغزو. وقال قتادة: معناه: إذا دعيتم إلى خير فأجيبوا. وقال ابن زيد معناه: وإذا قيل [لكم] ارتفعوا عن رسول الله ﷺ فإن له حوائج فارتفعوا عنه.
يقال نشز: إذا تنحى عن موضع، وامرأة ناشزة [أو] متنحية عن زوجها، وأصله من النشز، والنشز هو ما ارتفع من الأرض.
قال قتادة: هو مجلس رسول الله ﷺ [كانوا إذا رأوا من جاءهم مقبلاً ضيقوا مجلسهم عن رسول الله ﷺ]، فأمرهم الله عز وجل أن يفسح بعضهم [لبعض].
وقال الضحاك: كان هذا للنبي ﷺ خاصة ومن حوله أمروا أن يتوسعوا حتى يصيب كل رجل منهم مجلساً من النبي ﷺ.
قال قتادة: كانوا يتنافسون في مجلس النبي ﷺ، فأمروا بالتفسح.
وقال ابن عباس: عني به مجالس القتال إذا اصطفوا للحرب، وقاله الحسن.
* *
ثم قال: ﴿يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [أي]: درجات في دينهم إذا فعلوا ما أمروا به. وقيل يرفعهم في الثواب والكرامة. وقيل يرفعهم على غيرهم ممن لا علم عنده في الفضل. وقيل الدرجات هنا للعلماء خاصة.
قال ابن مسعود: معناه: يرفع الله الذين آمنوا منكم، ويرفع الله الذين أوتوا العلم درجات على الذين آمنوا ولا علم عندهم.
قال مطرف: فضل العلم أحب إلي من فضل العبادة. وخير دينكم الورع.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: ذو خبر بأعمالكم كلها لا يخفى عليه المطيع ربه من العاصي له، فيجازي كلاً بما عمل.
* *
ثم قال ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ نهى أصحاب رسول الله ﷺ أن يناجوه حتى يتصدقوا، تعظيما له، فلم يناجه إلا علي بن أبي طالب بعد أن قدم صدقة دينار، ثم نسخ ذلك بما بعده، فرخص لهم أن يناجوه من غير تقديم صدقة.
قال علي: إن في كتاب الله لآية لم يعمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي، كان عندي دينار فصرفته بعشرة دراهم فكنت إذا ناجيت رسول الله تصدقت بدرهم فنسخت.
قال قتادة: سأل الناس رسول الله ﷺ حتى أحفوا في المسألة فقطعهم الله بهذه الآية، فكان الرجل تكون له الحاجة إلى النبي ﷺ، فلا يستطيع أن يقضيها حتى يقدم بين يديه صدقة، فاشتد ذلك [عليهم]؛ فأنزل الله عز وجل الرحمة في قوله ﴿ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ الآية.
وقال ابن عباس: كان المسلمون يقدمون بين يدي النجوى صدقة، فلما نزلت الزكاة نسخت هذا.
(وروي عن ابن عباس) أنه قال: كان المسلمون يكثرون المسائل على رسول الله ﷺ حتى شقوا عليه، فأراد الله عز وجل أن يخفف عن نبيه عليه السلام، فصبر كثير من الناس وكفوا عن المسألة، ثم وسع الله عليهم بالآية التي بعدها .
قال ابن زيد: ضيق الله عليهم في المناجات لئلا يناجي أهل الباطل رسول الله ﷺ، فشق ذلك على أهل الحق، فقالوا يا رسول الله لا نستطيع ذلك ولا نطيقه، فنزل التخفيف. قال قتادة: ما قامت إلا ساعة من نهار ثم نسخت. ومعنى أشفقتم: أشق ذلك عليكم، ولا يوصف الله عز وجل بالإشفاق، لا يقال يا شفيق. لأن أصله الحزن والخوف.
المجادلة 58:9
قوله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ﴾ إلى قوله ﴿وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ الآيات.
أي: اذكر يا محمد يوم يبعثهم الله جميعاً، ويجوز أن يكون العامل "مهيناً" فلا يوقف عليه أي: وللكفارين بحدود الله عذاب مهين في يوم يبعثهم الله جميعاً، وذلك يوم القيامة يبعثون من قبورهم ليخبرهم الله بما عملوا في الدنيا، أحصى الله أعمالهم فنسوها.
﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أي: هو شهيد على كل شيء عملوه، أي: شاهد على ذلك، محيط علمه بذلك.
* *
ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي: ألم تعلم يا محمد وتنظر بعين قلبك أن الله لا يخفى عليه شيء في السماوات والأرض، فكيف يخفى عليه أعمال هؤلاء الكفارة. وقوله ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ "ثلاثة" بدل من "نجوى" على اللفظ، "ونجوى" بمعنى متناجين، ويجوز أن يكون "نجوى" مضافة إلى ثلاثة ﴿إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾، ونجوى بمعنى: (سر، أي: من سر ثلاثة)، وقد يجوز رفع "ثلاثة" على البدل من موضع "نجوى"، ويجوز نصبه على الحال من المضمر في "نجوى".
وفي حرف عبد الله: ولا أربعة إلا هو خامسهم، وفيه أيضا إلا الله رابعهم. ﴿وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَىٰ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ﴾ إلا الله معهم إذا تناجوا. وهذه قراءة على التفسير لا يجوز أن يقرأ بها لمخالفتها للمصحف.
وقرأ أبو جعفر يزيد "ما تكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاَثَةٍ" بالتاء على تأنيث النجوى، كما تقول ما جاءتني من امرأة. وقرأ الحسن ولا أكثر بالرفع، عطف على الموضع. ومعنى هو رابعهم وهو سادسهم أي: هو شاهدهم بعلمه وهو على عرشه قاله الضحاك وغيره.
* *
ثم قال ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ أي: ألم تنظر (بعين قلبك يا محمد) إلى الذين نهوا عن النجوى من اليهود، ثم يعودون إلى النجوى بعد نهي (الله عز وجل لهم) عنها، ويتناجون بينهم بالإثم والعدوان ومعصية الرسول.
قال مجاهد: هم اليهود. وقيل هم المنافقون كان (النبي ﷺ يأمرهم بالأمر من أمر الله تعالى، فيقولون سمعا وطاعة، ثم يتحول بعضهم إلى بعض فيتناجون بخلاف ما أمرهم النبي ﷺ حتى أسرفوا، والله يمهلهم حتى قالوا لولا يعذبنا الله بما نقول، فكانوا يحيون النبي عليه السلام بغير تحية الإسلام، فأنزل الله عز وجل ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا﴾
ثم قال ﴿وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ﴾ [أي: وإذا جاءك هؤلاء الذين نهوا عن النجوى ولم يقبلوا النهي حيوك بما لم يحيك به الله]. يقولون: السلام عليكم. قالت عائشة رضي الله عنها: جاء ناس من اليهود إلى النبي ﷺ فقالوا: السلام عليك يا أبا القاسم فقلت: السلام عليكم فعل الله بكم وفعل، فقال النبي ﷺ إن الله لا يحب الفحشاء ولا التفحش، فقلت: يا رسول الله ألست ترى ما يقولون؟ فقال: ألست تراني أرد عليهم ما يقولون، أقول: وعليكم، فنزلت هذه الآية في ذلك
ثم قال: ﴿وَيَقُولُونَ فِيۤ أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ أي: يقول هؤلاء الذين يحيونك بما لم يحيك به الله هلا يعاقبنا الله بقولنا. وقال ابن زيد السام: الموت. قال قتادة: ومجاهد: هم اليهود. وعن ابن عباس أنهم المنافقون.
* *
ثم قال: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: كفاهم دخولهم جهنم يوم القيامة عقوبة لهم فبئس المنقلب والمرجع، فلا يستعجلوا العذاب والعقوبة بقولهم: "لولا يعذبنا الله بما نقول".
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ بِٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ﴾ أي: لا تفعلوا ذلك كما فعله المنافقون، ولكن تناجوا بالبر والتقوى، أي: بطاعة الله عز وجل، وما يقربكم إليه سبحانه وأداء ما كلفكم من فرائضه (جلت عظمته).
* *
﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: وخافوا الله الذي إليه مصيركم في معادكم أن تخالفوا طاعته ثم قال: ﴿إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾.
قال قتادة: كان المنافقون يتناجون بينهم فكان ذلك يغيظ المؤمنين وتكبر عليهم، فانزل الله عز وجل هذه الآية.
ثم أعلمهم أن ذلك لا يضرهم فقال: ﴿وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ شَيْئاً﴾ أي: ليس تناجي المنافقين فيما بينهم بضار للمؤمنين إلا بإذن الله.
﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ قال ابن زيد: كان الرجل يأتي رسول الله ﷺ فيسأله الحاجة ليرى الناس أنه قد ناجى النبي ﷺ، وكان النبي ﷺ لا يمنع من ذلك أحداً، قال: والأرض يومئذ حرب على أهل هذا البلد، وكان إبليس يأتي القوم فيقول لهم: إنما يتناجون في أمور قد حضرت وجموع قد جمعت لكم، فقال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ﴾ الآية. وقال عطية العوفي هي الأحلام التي يراها الإنسان في نومه فتحزنه.
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي ٱلْمَجَالِسِ فَٱفْسَحُواْ يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾ أي: إذا قيل لكم توسعوا في مجلس رسول الله ﷺ فتوسعوا يوسع الله عليكم في منازلكم في الجنة.
قال مالك: [نزلت] في مجلس رسول الله ﷺ كان كل رجل منهم يسر بقربه من رسول الله ﷺ في مجلسه فيمنعه ذلك من التفسح لأخيه. قال مالك وأرى مجالس العلم من ذلك وهي داخلة في الآية.
﴿وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَانشُزُواْ﴾ أي: ارتفعوا وانضموا، فانضموا يرفع الله الذين آمنوا منكم في درجات وقيل المعنى: وإذا قيل ارتفعوا إلى قتال عدوكم فقوموا إلى ذلك أو لصلاة أو لعمل خير فقوموا، قاله ابن عباس ومجاهد. وقال الحسن: هذا كله في الغزو. وقال قتادة: معناه: إذا دعيتم إلى خير فأجيبوا. وقال ابن زيد معناه: وإذا قيل [لكم] ارتفعوا عن رسول الله ﷺ فإن له حوائج فارتفعوا عنه.
يقال نشز: إذا تنحى عن موضع، وامرأة ناشزة [أو] متنحية عن زوجها، وأصله من النشز، والنشز هو ما ارتفع من الأرض.
قال قتادة: هو مجلس رسول الله ﷺ [كانوا إذا رأوا من جاءهم مقبلاً ضيقوا مجلسهم عن رسول الله ﷺ]، فأمرهم الله عز وجل أن يفسح بعضهم [لبعض].
وقال الضحاك: كان هذا للنبي ﷺ خاصة ومن حوله أمروا أن يتوسعوا حتى يصيب كل رجل منهم مجلساً من النبي ﷺ.
قال قتادة: كانوا يتنافسون في مجلس النبي ﷺ، فأمروا بالتفسح.
وقال ابن عباس: عني به مجالس القتال إذا اصطفوا للحرب، وقاله الحسن.
* *
ثم قال: ﴿يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [أي]: درجات في دينهم إذا فعلوا ما أمروا به. وقيل يرفعهم في الثواب والكرامة. وقيل يرفعهم على غيرهم ممن لا علم عنده في الفضل. وقيل الدرجات هنا للعلماء خاصة.
قال ابن مسعود: معناه: يرفع الله الذين آمنوا منكم، ويرفع الله الذين أوتوا العلم درجات على الذين آمنوا ولا علم عندهم.
قال مطرف: فضل العلم أحب إلي من فضل العبادة. وخير دينكم الورع.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: ذو خبر بأعمالكم كلها لا يخفى عليه المطيع ربه من العاصي له، فيجازي كلاً بما عمل.
* *
ثم قال ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ نهى أصحاب رسول الله ﷺ أن يناجوه حتى يتصدقوا، تعظيما له، فلم يناجه إلا علي بن أبي طالب بعد أن قدم صدقة دينار، ثم نسخ ذلك بما بعده، فرخص لهم أن يناجوه من غير تقديم صدقة.
قال علي: إن في كتاب الله لآية لم يعمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي، كان عندي دينار فصرفته بعشرة دراهم فكنت إذا ناجيت رسول الله تصدقت بدرهم فنسخت.
قال قتادة: سأل الناس رسول الله ﷺ حتى أحفوا في المسألة فقطعهم الله بهذه الآية، فكان الرجل تكون له الحاجة إلى النبي ﷺ، فلا يستطيع أن يقضيها حتى يقدم بين يديه صدقة، فاشتد ذلك [عليهم]؛ فأنزل الله عز وجل الرحمة في قوله ﴿ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ الآية.
وقال ابن عباس: كان المسلمون يقدمون بين يدي النجوى صدقة، فلما نزلت الزكاة نسخت هذا.
(وروي عن ابن عباس) أنه قال: كان المسلمون يكثرون المسائل على رسول الله ﷺ حتى شقوا عليه، فأراد الله عز وجل أن يخفف عن نبيه عليه السلام، فصبر كثير من الناس وكفوا عن المسألة، ثم وسع الله عليهم بالآية التي بعدها .
قال ابن زيد: ضيق الله عليهم في المناجات لئلا يناجي أهل الباطل رسول الله ﷺ، فشق ذلك على أهل الحق، فقالوا يا رسول الله لا نستطيع ذلك ولا نطيقه، فنزل التخفيف. قال قتادة: ما قامت إلا ساعة من نهار ثم نسخت. ومعنى أشفقتم: أشق ذلك عليكم، ولا يوصف الله عز وجل بالإشفاق، لا يقال يا شفيق. لأن أصله الحزن والخوف.
المجادلة 58:10
قوله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ﴾ إلى قوله ﴿وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ الآيات.
أي: اذكر يا محمد يوم يبعثهم الله جميعاً، ويجوز أن يكون العامل "مهيناً" فلا يوقف عليه أي: وللكفارين بحدود الله عذاب مهين في يوم يبعثهم الله جميعاً، وذلك يوم القيامة يبعثون من قبورهم ليخبرهم الله بما عملوا في الدنيا، أحصى الله أعمالهم فنسوها.
﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أي: هو شهيد على كل شيء عملوه، أي: شاهد على ذلك، محيط علمه بذلك.
* *
ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي: ألم تعلم يا محمد وتنظر بعين قلبك أن الله لا يخفى عليه شيء في السماوات والأرض، فكيف يخفى عليه أعمال هؤلاء الكفارة. وقوله ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ "ثلاثة" بدل من "نجوى" على اللفظ، "ونجوى" بمعنى متناجين، ويجوز أن يكون "نجوى" مضافة إلى ثلاثة ﴿إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾، ونجوى بمعنى: (سر، أي: من سر ثلاثة)، وقد يجوز رفع "ثلاثة" على البدل من موضع "نجوى"، ويجوز نصبه على الحال من المضمر في "نجوى".
وفي حرف عبد الله: ولا أربعة إلا هو خامسهم، وفيه أيضا إلا الله رابعهم. ﴿وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَىٰ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ﴾ إلا الله معهم إذا تناجوا. وهذه قراءة على التفسير لا يجوز أن يقرأ بها لمخالفتها للمصحف.
وقرأ أبو جعفر يزيد "ما تكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاَثَةٍ" بالتاء على تأنيث النجوى، كما تقول ما جاءتني من امرأة. وقرأ الحسن ولا أكثر بالرفع، عطف على الموضع. ومعنى هو رابعهم وهو سادسهم أي: هو شاهدهم بعلمه وهو على عرشه قاله الضحاك وغيره.
* *
ثم قال ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ أي: ألم تنظر (بعين قلبك يا محمد) إلى الذين نهوا عن النجوى من اليهود، ثم يعودون إلى النجوى بعد نهي (الله عز وجل لهم) عنها، ويتناجون بينهم بالإثم والعدوان ومعصية الرسول.
قال مجاهد: هم اليهود. وقيل هم المنافقون كان (النبي ﷺ يأمرهم بالأمر من أمر الله تعالى، فيقولون سمعا وطاعة، ثم يتحول بعضهم إلى بعض فيتناجون بخلاف ما أمرهم النبي ﷺ حتى أسرفوا، والله يمهلهم حتى قالوا لولا يعذبنا الله بما نقول، فكانوا يحيون النبي عليه السلام بغير تحية الإسلام، فأنزل الله عز وجل ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا﴾
ثم قال ﴿وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ﴾ [أي: وإذا جاءك هؤلاء الذين نهوا عن النجوى ولم يقبلوا النهي حيوك بما لم يحيك به الله]. يقولون: السلام عليكم. قالت عائشة رضي الله عنها: جاء ناس من اليهود إلى النبي ﷺ فقالوا: السلام عليك يا أبا القاسم فقلت: السلام عليكم فعل الله بكم وفعل، فقال النبي ﷺ إن الله لا يحب الفحشاء ولا التفحش، فقلت: يا رسول الله ألست ترى ما يقولون؟ فقال: ألست تراني أرد عليهم ما يقولون، أقول: وعليكم، فنزلت هذه الآية في ذلك
ثم قال: ﴿وَيَقُولُونَ فِيۤ أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ أي: يقول هؤلاء الذين يحيونك بما لم يحيك به الله هلا يعاقبنا الله بقولنا. وقال ابن زيد السام: الموت. قال قتادة: ومجاهد: هم اليهود. وعن ابن عباس أنهم المنافقون.
* *
ثم قال: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: كفاهم دخولهم جهنم يوم القيامة عقوبة لهم فبئس المنقلب والمرجع، فلا يستعجلوا العذاب والعقوبة بقولهم: "لولا يعذبنا الله بما نقول".
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ بِٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ﴾ أي: لا تفعلوا ذلك كما فعله المنافقون، ولكن تناجوا بالبر والتقوى، أي: بطاعة الله عز وجل، وما يقربكم إليه سبحانه وأداء ما كلفكم من فرائضه (جلت عظمته).
* *
﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: وخافوا الله الذي إليه مصيركم في معادكم أن تخالفوا طاعته ثم قال: ﴿إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾.
قال قتادة: كان المنافقون يتناجون بينهم فكان ذلك يغيظ المؤمنين وتكبر عليهم، فانزل الله عز وجل هذه الآية.
ثم أعلمهم أن ذلك لا يضرهم فقال: ﴿وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ شَيْئاً﴾ أي: ليس تناجي المنافقين فيما بينهم بضار للمؤمنين إلا بإذن الله.
﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ قال ابن زيد: كان الرجل يأتي رسول الله ﷺ فيسأله الحاجة ليرى الناس أنه قد ناجى النبي ﷺ، وكان النبي ﷺ لا يمنع من ذلك أحداً، قال: والأرض يومئذ حرب على أهل هذا البلد، وكان إبليس يأتي القوم فيقول لهم: إنما يتناجون في أمور قد حضرت وجموع قد جمعت لكم، فقال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ﴾ الآية. وقال عطية العوفي هي الأحلام التي يراها الإنسان في نومه فتحزنه.
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي ٱلْمَجَالِسِ فَٱفْسَحُواْ يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾ أي: إذا قيل لكم توسعوا في مجلس رسول الله ﷺ فتوسعوا يوسع الله عليكم في منازلكم في الجنة.
قال مالك: [نزلت] في مجلس رسول الله ﷺ كان كل رجل منهم يسر بقربه من رسول الله ﷺ في مجلسه فيمنعه ذلك من التفسح لأخيه. قال مالك وأرى مجالس العلم من ذلك وهي داخلة في الآية.
﴿وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَانشُزُواْ﴾ أي: ارتفعوا وانضموا، فانضموا يرفع الله الذين آمنوا منكم في درجات وقيل المعنى: وإذا قيل ارتفعوا إلى قتال عدوكم فقوموا إلى ذلك أو لصلاة أو لعمل خير فقوموا، قاله ابن عباس ومجاهد. وقال الحسن: هذا كله في الغزو. وقال قتادة: معناه: إذا دعيتم إلى خير فأجيبوا. وقال ابن زيد معناه: وإذا قيل [لكم] ارتفعوا عن رسول الله ﷺ فإن له حوائج فارتفعوا عنه.
يقال نشز: إذا تنحى عن موضع، وامرأة ناشزة [أو] متنحية عن زوجها، وأصله من النشز، والنشز هو ما ارتفع من الأرض.
قال قتادة: هو مجلس رسول الله ﷺ [كانوا إذا رأوا من جاءهم مقبلاً ضيقوا مجلسهم عن رسول الله ﷺ]، فأمرهم الله عز وجل أن يفسح بعضهم [لبعض].
وقال الضحاك: كان هذا للنبي ﷺ خاصة ومن حوله أمروا أن يتوسعوا حتى يصيب كل رجل منهم مجلساً من النبي ﷺ.
قال قتادة: كانوا يتنافسون في مجلس النبي ﷺ، فأمروا بالتفسح.
وقال ابن عباس: عني به مجالس القتال إذا اصطفوا للحرب، وقاله الحسن.
* *
ثم قال: ﴿يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [أي]: درجات في دينهم إذا فعلوا ما أمروا به. وقيل يرفعهم في الثواب والكرامة. وقيل يرفعهم على غيرهم ممن لا علم عنده في الفضل. وقيل الدرجات هنا للعلماء خاصة.
قال ابن مسعود: معناه: يرفع الله الذين آمنوا منكم، ويرفع الله الذين أوتوا العلم درجات على الذين آمنوا ولا علم عندهم.
قال مطرف: فضل العلم أحب إلي من فضل العبادة. وخير دينكم الورع.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: ذو خبر بأعمالكم كلها لا يخفى عليه المطيع ربه من العاصي له، فيجازي كلاً بما عمل.
* *
ثم قال ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ نهى أصحاب رسول الله ﷺ أن يناجوه حتى يتصدقوا، تعظيما له، فلم يناجه إلا علي بن أبي طالب بعد أن قدم صدقة دينار، ثم نسخ ذلك بما بعده، فرخص لهم أن يناجوه من غير تقديم صدقة.
قال علي: إن في كتاب الله لآية لم يعمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي، كان عندي دينار فصرفته بعشرة دراهم فكنت إذا ناجيت رسول الله تصدقت بدرهم فنسخت.
قال قتادة: سأل الناس رسول الله ﷺ حتى أحفوا في المسألة فقطعهم الله بهذه الآية، فكان الرجل تكون له الحاجة إلى النبي ﷺ، فلا يستطيع أن يقضيها حتى يقدم بين يديه صدقة، فاشتد ذلك [عليهم]؛ فأنزل الله عز وجل الرحمة في قوله ﴿ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ الآية.
وقال ابن عباس: كان المسلمون يقدمون بين يدي النجوى صدقة، فلما نزلت الزكاة نسخت هذا.
(وروي عن ابن عباس) أنه قال: كان المسلمون يكثرون المسائل على رسول الله ﷺ حتى شقوا عليه، فأراد الله عز وجل أن يخفف عن نبيه عليه السلام، فصبر كثير من الناس وكفوا عن المسألة، ثم وسع الله عليهم بالآية التي بعدها .
قال ابن زيد: ضيق الله عليهم في المناجات لئلا يناجي أهل الباطل رسول الله ﷺ، فشق ذلك على أهل الحق، فقالوا يا رسول الله لا نستطيع ذلك ولا نطيقه، فنزل التخفيف. قال قتادة: ما قامت إلا ساعة من نهار ثم نسخت. ومعنى أشفقتم: أشق ذلك عليكم، ولا يوصف الله عز وجل بالإشفاق، لا يقال يا شفيق. لأن أصله الحزن والخوف.
المجادلة 58:11
قوله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ﴾ إلى قوله ﴿وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ الآيات.
أي: اذكر يا محمد يوم يبعثهم الله جميعاً، ويجوز أن يكون العامل "مهيناً" فلا يوقف عليه أي: وللكفارين بحدود الله عذاب مهين في يوم يبعثهم الله جميعاً، وذلك يوم القيامة يبعثون من قبورهم ليخبرهم الله بما عملوا في الدنيا، أحصى الله أعمالهم فنسوها.
﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أي: هو شهيد على كل شيء عملوه، أي: شاهد على ذلك، محيط علمه بذلك.
* *
ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي: ألم تعلم يا محمد وتنظر بعين قلبك أن الله لا يخفى عليه شيء في السماوات والأرض، فكيف يخفى عليه أعمال هؤلاء الكفارة. وقوله ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ "ثلاثة" بدل من "نجوى" على اللفظ، "ونجوى" بمعنى متناجين، ويجوز أن يكون "نجوى" مضافة إلى ثلاثة ﴿إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾، ونجوى بمعنى: (سر، أي: من سر ثلاثة)، وقد يجوز رفع "ثلاثة" على البدل من موضع "نجوى"، ويجوز نصبه على الحال من المضمر في "نجوى".
وفي حرف عبد الله: ولا أربعة إلا هو خامسهم، وفيه أيضا إلا الله رابعهم. ﴿وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَىٰ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ﴾ إلا الله معهم إذا تناجوا. وهذه قراءة على التفسير لا يجوز أن يقرأ بها لمخالفتها للمصحف.
وقرأ أبو جعفر يزيد "ما تكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاَثَةٍ" بالتاء على تأنيث النجوى، كما تقول ما جاءتني من امرأة. وقرأ الحسن ولا أكثر بالرفع، عطف على الموضع. ومعنى هو رابعهم وهو سادسهم أي: هو شاهدهم بعلمه وهو على عرشه قاله الضحاك وغيره.
* *
ثم قال ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ أي: ألم تنظر (بعين قلبك يا محمد) إلى الذين نهوا عن النجوى من اليهود، ثم يعودون إلى النجوى بعد نهي (الله عز وجل لهم) عنها، ويتناجون بينهم بالإثم والعدوان ومعصية الرسول.
قال مجاهد: هم اليهود. وقيل هم المنافقون كان (النبي ﷺ يأمرهم بالأمر من أمر الله تعالى، فيقولون سمعا وطاعة، ثم يتحول بعضهم إلى بعض فيتناجون بخلاف ما أمرهم النبي ﷺ حتى أسرفوا، والله يمهلهم حتى قالوا لولا يعذبنا الله بما نقول، فكانوا يحيون النبي عليه السلام بغير تحية الإسلام، فأنزل الله عز وجل ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا﴾
ثم قال ﴿وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ﴾ [أي: وإذا جاءك هؤلاء الذين نهوا عن النجوى ولم يقبلوا النهي حيوك بما لم يحيك به الله]. يقولون: السلام عليكم. قالت عائشة رضي الله عنها: جاء ناس من اليهود إلى النبي ﷺ فقالوا: السلام عليك يا أبا القاسم فقلت: السلام عليكم فعل الله بكم وفعل، فقال النبي ﷺ إن الله لا يحب الفحشاء ولا التفحش، فقلت: يا رسول الله ألست ترى ما يقولون؟ فقال: ألست تراني أرد عليهم ما يقولون، أقول: وعليكم، فنزلت هذه الآية في ذلك
ثم قال: ﴿وَيَقُولُونَ فِيۤ أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ أي: يقول هؤلاء الذين يحيونك بما لم يحيك به الله هلا يعاقبنا الله بقولنا. وقال ابن زيد السام: الموت. قال قتادة: ومجاهد: هم اليهود. وعن ابن عباس أنهم المنافقون.
* *
ثم قال: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: كفاهم دخولهم جهنم يوم القيامة عقوبة لهم فبئس المنقلب والمرجع، فلا يستعجلوا العذاب والعقوبة بقولهم: "لولا يعذبنا الله بما نقول".
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ بِٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ﴾ أي: لا تفعلوا ذلك كما فعله المنافقون، ولكن تناجوا بالبر والتقوى، أي: بطاعة الله عز وجل، وما يقربكم إليه سبحانه وأداء ما كلفكم من فرائضه (جلت عظمته).
* *
﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: وخافوا الله الذي إليه مصيركم في معادكم أن تخالفوا طاعته ثم قال: ﴿إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾.
قال قتادة: كان المنافقون يتناجون بينهم فكان ذلك يغيظ المؤمنين وتكبر عليهم، فانزل الله عز وجل هذه الآية.
ثم أعلمهم أن ذلك لا يضرهم فقال: ﴿وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ شَيْئاً﴾ أي: ليس تناجي المنافقين فيما بينهم بضار للمؤمنين إلا بإذن الله.
﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ قال ابن زيد: كان الرجل يأتي رسول الله ﷺ فيسأله الحاجة ليرى الناس أنه قد ناجى النبي ﷺ، وكان النبي ﷺ لا يمنع من ذلك أحداً، قال: والأرض يومئذ حرب على أهل هذا البلد، وكان إبليس يأتي القوم فيقول لهم: إنما يتناجون في أمور قد حضرت وجموع قد جمعت لكم، فقال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ﴾ الآية. وقال عطية العوفي هي الأحلام التي يراها الإنسان في نومه فتحزنه.
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي ٱلْمَجَالِسِ فَٱفْسَحُواْ يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾ أي: إذا قيل لكم توسعوا في مجلس رسول الله ﷺ فتوسعوا يوسع الله عليكم في منازلكم في الجنة.
قال مالك: [نزلت] في مجلس رسول الله ﷺ كان كل رجل منهم يسر بقربه من رسول الله ﷺ في مجلسه فيمنعه ذلك من التفسح لأخيه. قال مالك وأرى مجالس العلم من ذلك وهي داخلة في الآية.
﴿وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَانشُزُواْ﴾ أي: ارتفعوا وانضموا، فانضموا يرفع الله الذين آمنوا منكم في درجات وقيل المعنى: وإذا قيل ارتفعوا إلى قتال عدوكم فقوموا إلى ذلك أو لصلاة أو لعمل خير فقوموا، قاله ابن عباس ومجاهد. وقال الحسن: هذا كله في الغزو. وقال قتادة: معناه: إذا دعيتم إلى خير فأجيبوا. وقال ابن زيد معناه: وإذا قيل [لكم] ارتفعوا عن رسول الله ﷺ فإن له حوائج فارتفعوا عنه.
يقال نشز: إذا تنحى عن موضع، وامرأة ناشزة [أو] متنحية عن زوجها، وأصله من النشز، والنشز هو ما ارتفع من الأرض.
قال قتادة: هو مجلس رسول الله ﷺ [كانوا إذا رأوا من جاءهم مقبلاً ضيقوا مجلسهم عن رسول الله ﷺ]، فأمرهم الله عز وجل أن يفسح بعضهم [لبعض].
وقال الضحاك: كان هذا للنبي ﷺ خاصة ومن حوله أمروا أن يتوسعوا حتى يصيب كل رجل منهم مجلساً من النبي ﷺ.
قال قتادة: كانوا يتنافسون في مجلس النبي ﷺ، فأمروا بالتفسح.
وقال ابن عباس: عني به مجالس القتال إذا اصطفوا للحرب، وقاله الحسن.
* *
ثم قال: ﴿يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [أي]: درجات في دينهم إذا فعلوا ما أمروا به. وقيل يرفعهم في الثواب والكرامة. وقيل يرفعهم على غيرهم ممن لا علم عنده في الفضل. وقيل الدرجات هنا للعلماء خاصة.
قال ابن مسعود: معناه: يرفع الله الذين آمنوا منكم، ويرفع الله الذين أوتوا العلم درجات على الذين آمنوا ولا علم عندهم.
قال مطرف: فضل العلم أحب إلي من فضل العبادة. وخير دينكم الورع.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: ذو خبر بأعمالكم كلها لا يخفى عليه المطيع ربه من العاصي له، فيجازي كلاً بما عمل.
* *
ثم قال ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ نهى أصحاب رسول الله ﷺ أن يناجوه حتى يتصدقوا، تعظيما له، فلم يناجه إلا علي بن أبي طالب بعد أن قدم صدقة دينار، ثم نسخ ذلك بما بعده، فرخص لهم أن يناجوه من غير تقديم صدقة.
قال علي: إن في كتاب الله لآية لم يعمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي، كان عندي دينار فصرفته بعشرة دراهم فكنت إذا ناجيت رسول الله تصدقت بدرهم فنسخت.
قال قتادة: سأل الناس رسول الله ﷺ حتى أحفوا في المسألة فقطعهم الله بهذه الآية، فكان الرجل تكون له الحاجة إلى النبي ﷺ، فلا يستطيع أن يقضيها حتى يقدم بين يديه صدقة، فاشتد ذلك [عليهم]؛ فأنزل الله عز وجل الرحمة في قوله ﴿ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ الآية.
وقال ابن عباس: كان المسلمون يقدمون بين يدي النجوى صدقة، فلما نزلت الزكاة نسخت هذا.
(وروي عن ابن عباس) أنه قال: كان المسلمون يكثرون المسائل على رسول الله ﷺ حتى شقوا عليه، فأراد الله عز وجل أن يخفف عن نبيه عليه السلام، فصبر كثير من الناس وكفوا عن المسألة، ثم وسع الله عليهم بالآية التي بعدها .
قال ابن زيد: ضيق الله عليهم في المناجات لئلا يناجي أهل الباطل رسول الله ﷺ، فشق ذلك على أهل الحق، فقالوا يا رسول الله لا نستطيع ذلك ولا نطيقه، فنزل التخفيف. قال قتادة: ما قامت إلا ساعة من نهار ثم نسخت. ومعنى أشفقتم: أشق ذلك عليكم، ولا يوصف الله عز وجل بالإشفاق، لا يقال يا شفيق. لأن أصله الحزن والخوف.
المجادلة 58:12
قوله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ﴾ إلى قوله ﴿وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ الآيات.
أي: اذكر يا محمد يوم يبعثهم الله جميعاً، ويجوز أن يكون العامل "مهيناً" فلا يوقف عليه أي: وللكفارين بحدود الله عذاب مهين في يوم يبعثهم الله جميعاً، وذلك يوم القيامة يبعثون من قبورهم ليخبرهم الله بما عملوا في الدنيا، أحصى الله أعمالهم فنسوها.
﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أي: هو شهيد على كل شيء عملوه، أي: شاهد على ذلك، محيط علمه بذلك.
* *
ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي: ألم تعلم يا محمد وتنظر بعين قلبك أن الله لا يخفى عليه شيء في السماوات والأرض، فكيف يخفى عليه أعمال هؤلاء الكفارة. وقوله ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ "ثلاثة" بدل من "نجوى" على اللفظ، "ونجوى" بمعنى متناجين، ويجوز أن يكون "نجوى" مضافة إلى ثلاثة ﴿إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾، ونجوى بمعنى: (سر، أي: من سر ثلاثة)، وقد يجوز رفع "ثلاثة" على البدل من موضع "نجوى"، ويجوز نصبه على الحال من المضمر في "نجوى".
وفي حرف عبد الله: ولا أربعة إلا هو خامسهم، وفيه أيضا إلا الله رابعهم. ﴿وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَىٰ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ﴾ إلا الله معهم إذا تناجوا. وهذه قراءة على التفسير لا يجوز أن يقرأ بها لمخالفتها للمصحف.
وقرأ أبو جعفر يزيد "ما تكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاَثَةٍ" بالتاء على تأنيث النجوى، كما تقول ما جاءتني من امرأة. وقرأ الحسن ولا أكثر بالرفع، عطف على الموضع. ومعنى هو رابعهم وهو سادسهم أي: هو شاهدهم بعلمه وهو على عرشه قاله الضحاك وغيره.
* *
ثم قال ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ أي: ألم تنظر (بعين قلبك يا محمد) إلى الذين نهوا عن النجوى من اليهود، ثم يعودون إلى النجوى بعد نهي (الله عز وجل لهم) عنها، ويتناجون بينهم بالإثم والعدوان ومعصية الرسول.
قال مجاهد: هم اليهود. وقيل هم المنافقون كان (النبي ﷺ يأمرهم بالأمر من أمر الله تعالى، فيقولون سمعا وطاعة، ثم يتحول بعضهم إلى بعض فيتناجون بخلاف ما أمرهم النبي ﷺ حتى أسرفوا، والله يمهلهم حتى قالوا لولا يعذبنا الله بما نقول، فكانوا يحيون النبي عليه السلام بغير تحية الإسلام، فأنزل الله عز وجل ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا﴾
ثم قال ﴿وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ﴾ [أي: وإذا جاءك هؤلاء الذين نهوا عن النجوى ولم يقبلوا النهي حيوك بما لم يحيك به الله]. يقولون: السلام عليكم. قالت عائشة رضي الله عنها: جاء ناس من اليهود إلى النبي ﷺ فقالوا: السلام عليك يا أبا القاسم فقلت: السلام عليكم فعل الله بكم وفعل، فقال النبي ﷺ إن الله لا يحب الفحشاء ولا التفحش، فقلت: يا رسول الله ألست ترى ما يقولون؟ فقال: ألست تراني أرد عليهم ما يقولون، أقول: وعليكم، فنزلت هذه الآية في ذلك
ثم قال: ﴿وَيَقُولُونَ فِيۤ أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ أي: يقول هؤلاء الذين يحيونك بما لم يحيك به الله هلا يعاقبنا الله بقولنا. وقال ابن زيد السام: الموت. قال قتادة: ومجاهد: هم اليهود. وعن ابن عباس أنهم المنافقون.
* *
ثم قال: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: كفاهم دخولهم جهنم يوم القيامة عقوبة لهم فبئس المنقلب والمرجع، فلا يستعجلوا العذاب والعقوبة بقولهم: "لولا يعذبنا الله بما نقول".
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ بِٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ﴾ أي: لا تفعلوا ذلك كما فعله المنافقون، ولكن تناجوا بالبر والتقوى، أي: بطاعة الله عز وجل، وما يقربكم إليه سبحانه وأداء ما كلفكم من فرائضه (جلت عظمته).
* *
﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: وخافوا الله الذي إليه مصيركم في معادكم أن تخالفوا طاعته ثم قال: ﴿إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾.
قال قتادة: كان المنافقون يتناجون بينهم فكان ذلك يغيظ المؤمنين وتكبر عليهم، فانزل الله عز وجل هذه الآية.
ثم أعلمهم أن ذلك لا يضرهم فقال: ﴿وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ شَيْئاً﴾ أي: ليس تناجي المنافقين فيما بينهم بضار للمؤمنين إلا بإذن الله.
﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ قال ابن زيد: كان الرجل يأتي رسول الله ﷺ فيسأله الحاجة ليرى الناس أنه قد ناجى النبي ﷺ، وكان النبي ﷺ لا يمنع من ذلك أحداً، قال: والأرض يومئذ حرب على أهل هذا البلد، وكان إبليس يأتي القوم فيقول لهم: إنما يتناجون في أمور قد حضرت وجموع قد جمعت لكم، فقال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ﴾ الآية. وقال عطية العوفي هي الأحلام التي يراها الإنسان في نومه فتحزنه.
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي ٱلْمَجَالِسِ فَٱفْسَحُواْ يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾ أي: إذا قيل لكم توسعوا في مجلس رسول الله ﷺ فتوسعوا يوسع الله عليكم في منازلكم في الجنة.
قال مالك: [نزلت] في مجلس رسول الله ﷺ كان كل رجل منهم يسر بقربه من رسول الله ﷺ في مجلسه فيمنعه ذلك من التفسح لأخيه. قال مالك وأرى مجالس العلم من ذلك وهي داخلة في الآية.
﴿وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَانشُزُواْ﴾ أي: ارتفعوا وانضموا، فانضموا يرفع الله الذين آمنوا منكم في درجات وقيل المعنى: وإذا قيل ارتفعوا إلى قتال عدوكم فقوموا إلى ذلك أو لصلاة أو لعمل خير فقوموا، قاله ابن عباس ومجاهد. وقال الحسن: هذا كله في الغزو. وقال قتادة: معناه: إذا دعيتم إلى خير فأجيبوا. وقال ابن زيد معناه: وإذا قيل [لكم] ارتفعوا عن رسول الله ﷺ فإن له حوائج فارتفعوا عنه.
يقال نشز: إذا تنحى عن موضع، وامرأة ناشزة [أو] متنحية عن زوجها، وأصله من النشز، والنشز هو ما ارتفع من الأرض.
قال قتادة: هو مجلس رسول الله ﷺ [كانوا إذا رأوا من جاءهم مقبلاً ضيقوا مجلسهم عن رسول الله ﷺ]، فأمرهم الله عز وجل أن يفسح بعضهم [لبعض].
وقال الضحاك: كان هذا للنبي ﷺ خاصة ومن حوله أمروا أن يتوسعوا حتى يصيب كل رجل منهم مجلساً من النبي ﷺ.
قال قتادة: كانوا يتنافسون في مجلس النبي ﷺ، فأمروا بالتفسح.
وقال ابن عباس: عني به مجالس القتال إذا اصطفوا للحرب، وقاله الحسن.
* *
ثم قال: ﴿يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [أي]: درجات في دينهم إذا فعلوا ما أمروا به. وقيل يرفعهم في الثواب والكرامة. وقيل يرفعهم على غيرهم ممن لا علم عنده في الفضل. وقيل الدرجات هنا للعلماء خاصة.
قال ابن مسعود: معناه: يرفع الله الذين آمنوا منكم، ويرفع الله الذين أوتوا العلم درجات على الذين آمنوا ولا علم عندهم.
قال مطرف: فضل العلم أحب إلي من فضل العبادة. وخير دينكم الورع.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: ذو خبر بأعمالكم كلها لا يخفى عليه المطيع ربه من العاصي له، فيجازي كلاً بما عمل.
* *
ثم قال ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ نهى أصحاب رسول الله ﷺ أن يناجوه حتى يتصدقوا، تعظيما له، فلم يناجه إلا علي بن أبي طالب بعد أن قدم صدقة دينار، ثم نسخ ذلك بما بعده، فرخص لهم أن يناجوه من غير تقديم صدقة.
قال علي: إن في كتاب الله لآية لم يعمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي، كان عندي دينار فصرفته بعشرة دراهم فكنت إذا ناجيت رسول الله تصدقت بدرهم فنسخت.
قال قتادة: سأل الناس رسول الله ﷺ حتى أحفوا في المسألة فقطعهم الله بهذه الآية، فكان الرجل تكون له الحاجة إلى النبي ﷺ، فلا يستطيع أن يقضيها حتى يقدم بين يديه صدقة، فاشتد ذلك [عليهم]؛ فأنزل الله عز وجل الرحمة في قوله ﴿ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ الآية.
وقال ابن عباس: كان المسلمون يقدمون بين يدي النجوى صدقة، فلما نزلت الزكاة نسخت هذا.
(وروي عن ابن عباس) أنه قال: كان المسلمون يكثرون المسائل على رسول الله ﷺ حتى شقوا عليه، فأراد الله عز وجل أن يخفف عن نبيه عليه السلام، فصبر كثير من الناس وكفوا عن المسألة، ثم وسع الله عليهم بالآية التي بعدها .
قال ابن زيد: ضيق الله عليهم في المناجات لئلا يناجي أهل الباطل رسول الله ﷺ، فشق ذلك على أهل الحق، فقالوا يا رسول الله لا نستطيع ذلك ولا نطيقه، فنزل التخفيف. قال قتادة: ما قامت إلا ساعة من نهار ثم نسخت. ومعنى أشفقتم: أشق ذلك عليكم، ولا يوصف الله عز وجل بالإشفاق، لا يقال يا شفيق. لأن أصله الحزن والخوف.
المجادلة 58:13
قوله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ﴾ إلى قوله ﴿وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ الآيات.
أي: اذكر يا محمد يوم يبعثهم الله جميعاً، ويجوز أن يكون العامل "مهيناً" فلا يوقف عليه أي: وللكفارين بحدود الله عذاب مهين في يوم يبعثهم الله جميعاً، وذلك يوم القيامة يبعثون من قبورهم ليخبرهم الله بما عملوا في الدنيا، أحصى الله أعمالهم فنسوها.
﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أي: هو شهيد على كل شيء عملوه، أي: شاهد على ذلك، محيط علمه بذلك.
* *
ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي: ألم تعلم يا محمد وتنظر بعين قلبك أن الله لا يخفى عليه شيء في السماوات والأرض، فكيف يخفى عليه أعمال هؤلاء الكفارة. وقوله ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ "ثلاثة" بدل من "نجوى" على اللفظ، "ونجوى" بمعنى متناجين، ويجوز أن يكون "نجوى" مضافة إلى ثلاثة ﴿إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾، ونجوى بمعنى: (سر، أي: من سر ثلاثة)، وقد يجوز رفع "ثلاثة" على البدل من موضع "نجوى"، ويجوز نصبه على الحال من المضمر في "نجوى".
وفي حرف عبد الله: ولا أربعة إلا هو خامسهم، وفيه أيضا إلا الله رابعهم. ﴿وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَىٰ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ﴾ إلا الله معهم إذا تناجوا. وهذه قراءة على التفسير لا يجوز أن يقرأ بها لمخالفتها للمصحف.
وقرأ أبو جعفر يزيد "ما تكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاَثَةٍ" بالتاء على تأنيث النجوى، كما تقول ما جاءتني من امرأة. وقرأ الحسن ولا أكثر بالرفع، عطف على الموضع. ومعنى هو رابعهم وهو سادسهم أي: هو شاهدهم بعلمه وهو على عرشه قاله الضحاك وغيره.
* *
ثم قال ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ أي: ألم تنظر (بعين قلبك يا محمد) إلى الذين نهوا عن النجوى من اليهود، ثم يعودون إلى النجوى بعد نهي (الله عز وجل لهم) عنها، ويتناجون بينهم بالإثم والعدوان ومعصية الرسول.
قال مجاهد: هم اليهود. وقيل هم المنافقون كان (النبي ﷺ يأمرهم بالأمر من أمر الله تعالى، فيقولون سمعا وطاعة، ثم يتحول بعضهم إلى بعض فيتناجون بخلاف ما أمرهم النبي ﷺ حتى أسرفوا، والله يمهلهم حتى قالوا لولا يعذبنا الله بما نقول، فكانوا يحيون النبي عليه السلام بغير تحية الإسلام، فأنزل الله عز وجل ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا﴾
ثم قال ﴿وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ﴾ [أي: وإذا جاءك هؤلاء الذين نهوا عن النجوى ولم يقبلوا النهي حيوك بما لم يحيك به الله]. يقولون: السلام عليكم. قالت عائشة رضي الله عنها: جاء ناس من اليهود إلى النبي ﷺ فقالوا: السلام عليك يا أبا القاسم فقلت: السلام عليكم فعل الله بكم وفعل، فقال النبي ﷺ إن الله لا يحب الفحشاء ولا التفحش، فقلت: يا رسول الله ألست ترى ما يقولون؟ فقال: ألست تراني أرد عليهم ما يقولون، أقول: وعليكم، فنزلت هذه الآية في ذلك
ثم قال: ﴿وَيَقُولُونَ فِيۤ أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ أي: يقول هؤلاء الذين يحيونك بما لم يحيك به الله هلا يعاقبنا الله بقولنا. وقال ابن زيد السام: الموت. قال قتادة: ومجاهد: هم اليهود. وعن ابن عباس أنهم المنافقون.
* *
ثم قال: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: كفاهم دخولهم جهنم يوم القيامة عقوبة لهم فبئس المنقلب والمرجع، فلا يستعجلوا العذاب والعقوبة بقولهم: "لولا يعذبنا الله بما نقول".
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ بِٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ﴾ أي: لا تفعلوا ذلك كما فعله المنافقون، ولكن تناجوا بالبر والتقوى، أي: بطاعة الله عز وجل، وما يقربكم إليه سبحانه وأداء ما كلفكم من فرائضه (جلت عظمته).
* *
﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: وخافوا الله الذي إليه مصيركم في معادكم أن تخالفوا طاعته ثم قال: ﴿إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾.
قال قتادة: كان المنافقون يتناجون بينهم فكان ذلك يغيظ المؤمنين وتكبر عليهم، فانزل الله عز وجل هذه الآية.
ثم أعلمهم أن ذلك لا يضرهم فقال: ﴿وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ شَيْئاً﴾ أي: ليس تناجي المنافقين فيما بينهم بضار للمؤمنين إلا بإذن الله.
﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ قال ابن زيد: كان الرجل يأتي رسول الله ﷺ فيسأله الحاجة ليرى الناس أنه قد ناجى النبي ﷺ، وكان النبي ﷺ لا يمنع من ذلك أحداً، قال: والأرض يومئذ حرب على أهل هذا البلد، وكان إبليس يأتي القوم فيقول لهم: إنما يتناجون في أمور قد حضرت وجموع قد جمعت لكم، فقال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ﴾ الآية. وقال عطية العوفي هي الأحلام التي يراها الإنسان في نومه فتحزنه.
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي ٱلْمَجَالِسِ فَٱفْسَحُواْ يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾ أي: إذا قيل لكم توسعوا في مجلس رسول الله ﷺ فتوسعوا يوسع الله عليكم في منازلكم في الجنة.
قال مالك: [نزلت] في مجلس رسول الله ﷺ كان كل رجل منهم يسر بقربه من رسول الله ﷺ في مجلسه فيمنعه ذلك من التفسح لأخيه. قال مالك وأرى مجالس العلم من ذلك وهي داخلة في الآية.
﴿وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَانشُزُواْ﴾ أي: ارتفعوا وانضموا، فانضموا يرفع الله الذين آمنوا منكم في درجات وقيل المعنى: وإذا قيل ارتفعوا إلى قتال عدوكم فقوموا إلى ذلك أو لصلاة أو لعمل خير فقوموا، قاله ابن عباس ومجاهد. وقال الحسن: هذا كله في الغزو. وقال قتادة: معناه: إذا دعيتم إلى خير فأجيبوا. وقال ابن زيد معناه: وإذا قيل [لكم] ارتفعوا عن رسول الله ﷺ فإن له حوائج فارتفعوا عنه.
يقال نشز: إذا تنحى عن موضع، وامرأة ناشزة [أو] متنحية عن زوجها، وأصله من النشز، والنشز هو ما ارتفع من الأرض.
قال قتادة: هو مجلس رسول الله ﷺ [كانوا إذا رأوا من جاءهم مقبلاً ضيقوا مجلسهم عن رسول الله ﷺ]، فأمرهم الله عز وجل أن يفسح بعضهم [لبعض].
وقال الضحاك: كان هذا للنبي ﷺ خاصة ومن حوله أمروا أن يتوسعوا حتى يصيب كل رجل منهم مجلساً من النبي ﷺ.
قال قتادة: كانوا يتنافسون في مجلس النبي ﷺ، فأمروا بالتفسح.
وقال ابن عباس: عني به مجالس القتال إذا اصطفوا للحرب، وقاله الحسن.
* *
ثم قال: ﴿يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [أي]: درجات في دينهم إذا فعلوا ما أمروا به. وقيل يرفعهم في الثواب والكرامة. وقيل يرفعهم على غيرهم ممن لا علم عنده في الفضل. وقيل الدرجات هنا للعلماء خاصة.
قال ابن مسعود: معناه: يرفع الله الذين آمنوا منكم، ويرفع الله الذين أوتوا العلم درجات على الذين آمنوا ولا علم عندهم.
قال مطرف: فضل العلم أحب إلي من فضل العبادة. وخير دينكم الورع.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: ذو خبر بأعمالكم كلها لا يخفى عليه المطيع ربه من العاصي له، فيجازي كلاً بما عمل.
* *
ثم قال ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ نهى أصحاب رسول الله ﷺ أن يناجوه حتى يتصدقوا، تعظيما له، فلم يناجه إلا علي بن أبي طالب بعد أن قدم صدقة دينار، ثم نسخ ذلك بما بعده، فرخص لهم أن يناجوه من غير تقديم صدقة.
قال علي: إن في كتاب الله لآية لم يعمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي، كان عندي دينار فصرفته بعشرة دراهم فكنت إذا ناجيت رسول الله تصدقت بدرهم فنسخت.
قال قتادة: سأل الناس رسول الله ﷺ حتى أحفوا في المسألة فقطعهم الله بهذه الآية، فكان الرجل تكون له الحاجة إلى النبي ﷺ، فلا يستطيع أن يقضيها حتى يقدم بين يديه صدقة، فاشتد ذلك [عليهم]؛ فأنزل الله عز وجل الرحمة في قوله ﴿ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ الآية.
وقال ابن عباس: كان المسلمون يقدمون بين يدي النجوى صدقة، فلما نزلت الزكاة نسخت هذا.
(وروي عن ابن عباس) أنه قال: كان المسلمون يكثرون المسائل على رسول الله ﷺ حتى شقوا عليه، فأراد الله عز وجل أن يخفف عن نبيه عليه السلام، فصبر كثير من الناس وكفوا عن المسألة، ثم وسع الله عليهم بالآية التي بعدها .
قال ابن زيد: ضيق الله عليهم في المناجات لئلا يناجي أهل الباطل رسول الله ﷺ، فشق ذلك على أهل الحق، فقالوا يا رسول الله لا نستطيع ذلك ولا نطيقه، فنزل التخفيف. قال قتادة: ما قامت إلا ساعة من نهار ثم نسخت. ومعنى أشفقتم: أشق ذلك عليكم، ولا يوصف الله عز وجل بالإشفاق، لا يقال يا شفيق. لأن أصله الحزن والخوف.
المجادلة 58:14
قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ قَوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم﴾ الآيات.
أي: ألم تنظر بعين قلبك يا محمد فترى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم. يعني: المنافقين والوا اليهود، ما هم منكم [ولا منهم]، أي: ما المنافقون من أهل دينكم ولا من أهل دينهم، وهذا مثل قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ﴾ [الحشر: ١١] الآية.
وهو مثل قوله أيضا: ﴿فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ [المائدة: ٥٢] أي: نفاق ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ٥٢] أي: في موالات اليهود ﴿يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ﴾ [المائدة: ٥٢] يعني المنافقين يقولون ذلك.
قال ابن زيد هؤلاء المنافقون قالوا لا ندع حلفاءنا وموالينا فيكونون معنا لنصرتنا وعزنا، نخشى أن تصيبنا دائرة، فقال الله جل ذكره: ﴿فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ﴾ [المائدة: ٥٢] الآيات.
وقوله ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: يحلفون للنبي ﷺ أنهم يشهدون أنه رسول الله ﷺ. وهو قوله: ﴿إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] أي: لكاذبون في ادعائهم أن ذلك إيمان من قلوبهم وإقرار صحيح، إنما ذلك قول بألسنتهم واعتقادهم خلاف ذلك، وهذا مثل قوله: ﴿وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] وذكر هذه الآية نزلت في رجل من المنافقين عاتبه النبي ﷺ في أمر بلغه عنه، فحلف كاذباً.
وقال ابن عباس: كان النبي ﷺ في ظل شجرة قد كاد الظل يتقلص عنه، إذ قال يجيئكم الساعة رجل ينظر إليكم نظر شيطان، فنحن على ذلك إذ أقبل رجل أزرق، فدعاه رسول الله ﷺ. فقال علام تسبني أنت وأصحابك؟ فقال دعي أجيئك بهم فمر فجاء بهم فحلفوا جميعا أنه ما كان من ذلك شيء، فأنزل الله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ الآية
ثم قال: ﴿أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾ أي: لهؤلاء المنافقين الذين تولوا اليهود. ﴿إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي: بئس عملهم في الدنيا لغشهم للمسلمين ونصحهم اليهود.
* *
ثم قال: ﴿ٱتَّخَذْوۤاْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ أي: جعلوا حلفهم جنة يمتنعون بها من القتل، ويدفعون بها عن أنفسهم وأموالهم وذراريهم العقوبة، وذلك أنه إذا اطلع على شيء من نفاقهم حلفوا للمؤمنين انهم منهم، فيتركون.
* *
ثم قال: ﴿فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ أي: فصدوا المؤمنين بإيمانهم عن أن يقتلوهم، وقتلهم هو سبيل الله فيهم، لأنهم كفار لا يؤدون الجزية.
* *
ثم قال: ﴿فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ أي: فلهؤلاء المنافقين في الآخرة عذاب مذل، وهو عذاب النار.
* *
ثم قال: ﴿لَّن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً﴾ أي: لن ينتفعوا بها في الآخرة من عقوبة الله لهم ولن ينقذوا بها من عذاب الهم.
﴿أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ يعني: المنافقين إنهم ماكثون أبداً في نار جهنم.
* *
ثم قال: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ [لَكُمْ]﴾ أي: هم ماكثون في النار يوم يبعثهم الله جميعاً، وذلك يوم القيامة. ويجوز أن يكون تقدير العامل: اذكر يوم يبعثهم الله من قبورهم فيحلفون لله وهم كاذبون كما يحلفون للمؤمنين وهم كاذبون.
قال قتادة: إن المنافق حلف يوم القيامة كما حلف في الدنيا. ثم قال ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ﴾ أي: ويظنون أنهم في أيمانهم وحلفهم لله كاذبين على شيء من الحق.
﴿أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ﴾ أي: في حلفهم.
وأجاز علي بن سليمان "ألا أنَهم" بالفتح، فجعل "ألا" بمعنى "حقا".
* *
ثم قال: ﴿ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ﴾ أي: غلب عليهم واستولى على قلوبهم فنسوا ذكر الله.
﴿أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾ أي: جنده وأتباعه.
﴿أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ﴾ [أي: جنده وأتباعه هم] الهالكون المغبونون في الآخرة.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: يخالفونه في حدوده، فيصيرون في حد آخر غير الذي حد لهم. وقال المفسرون يحادون: يعادون. وقيل يشاقون، والمعنى واحد.
* *
ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلأَذَلِّينَ﴾ أي: في أهل الذلة، لأن الغلبة لله ورسوله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ﴾ أي: قضى ذلك في أم الكتاب.
قال قتادة: كتب كتاباً فأمضاه. وقال غيره: كتبه في اللوح المحفوظ.
وقال الفراء "كتب" هنا بمعنى: "قال".
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أي: ذو قوة على كل من حاده ورسوله أن يهلكه، عزيز في انتقامه من أعدائه.
* *
ثم قال: ﴿لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: ليس من والى من عادى الله ورسوله مؤمنين بالله واليوم الآخر.
ولو (كان الذي) عادى الله ورسوله أباً له أو ابناً له أو أخاً له أو زوجاً أو عشيرة له، لا عذر في موالاته بهذه القرابة إذا كان ممن عادى الله ورسوله.
وروي أن هذه الآية نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة يخبرهم بخروج النبي ﷺ ويأمرهم بالتحرز ثم أعتذر لما اطلع عليه بأهله بمكة، وأنه أحب أن يقدم عندهم يداً يحفظون أهله من أجلها. وفي دعاء النبي ﷺ "اللهم لا تجعل لأحد أشرك بك في عنقي منة فيكون ذلك سببا للمودة لأنك لا تجد قوما يؤمنون بالله [واليوم] إلى أو عشيرتهم
ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ﴾ أي: أولئك الذين لا يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا ذوي قربى منهم ونسب، كتب الله عز وجل في قلوبهم الإيمان، (أي: غطى قلوبهم بالإيمان).
و "في" بمعنى "اللام" والإخبار عن القلب كالأخبار عن صاحبه.. وقيل معناه: كتب في قلوبهم سمة الإيمان ليعلم أنهم مؤمنون. وقد روي أن أبا عبيدة بن الجراح قتل أباه يوم أحد. وأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قتل خاله العاصي بن هشام يوم بدر، ودعا أبو بكر ابنه للبراز يوم بدر فأمره النبي ﷺ أن يقعد، وأن مصعب بن عمير قتل أخاه يوم أحد. وكان علي وعمه حمزة وعبيدة بن الحارث قتلوا يوم بدر عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وهم أقرباؤهم، (فلم يتوقف) أحد عن قتل أهله وقرابته، فمدحهم الله عز وجل في هذه الآية.
* *
ثم قال ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ أي: وقواهم ببرهان منه. وذلك النور والهدى الذين يجعلها الله عز وجل في قلب من يشاء. وقيل بروح منه: بجبريل ينصرهم ويؤيدهم ويوقفهم. ثم وعدهم بالجنة.
فقال: ﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها رضي الله عنهم بطاعتهم إياه ورضوا عنه بوفائه إياهم ما وعدهم من الجنة.
* *
ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ﴾ أي: جنده وأولياؤه.
﴿أَلاَ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ أي: الباقون في النعيم المقيم والفلاح والبقاء.
المجادلة 58:15
قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ قَوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم﴾ الآيات.
أي: ألم تنظر بعين قلبك يا محمد فترى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم. يعني: المنافقين والوا اليهود، ما هم منكم [ولا منهم]، أي: ما المنافقون من أهل دينكم ولا من أهل دينهم، وهذا مثل قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ﴾ [الحشر: ١١] الآية.
وهو مثل قوله أيضا: ﴿فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ [المائدة: ٥٢] أي: نفاق ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ٥٢] أي: في موالات اليهود ﴿يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ﴾ [المائدة: ٥٢] يعني المنافقين يقولون ذلك.
قال ابن زيد هؤلاء المنافقون قالوا لا ندع حلفاءنا وموالينا فيكونون معنا لنصرتنا وعزنا، نخشى أن تصيبنا دائرة، فقال الله جل ذكره: ﴿فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ﴾ [المائدة: ٥٢] الآيات.
وقوله ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: يحلفون للنبي ﷺ أنهم يشهدون أنه رسول الله ﷺ. وهو قوله: ﴿إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] أي: لكاذبون في ادعائهم أن ذلك إيمان من قلوبهم وإقرار صحيح، إنما ذلك قول بألسنتهم واعتقادهم خلاف ذلك، وهذا مثل قوله: ﴿وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] وذكر هذه الآية نزلت في رجل من المنافقين عاتبه النبي ﷺ في أمر بلغه عنه، فحلف كاذباً.
وقال ابن عباس: كان النبي ﷺ في ظل شجرة قد كاد الظل يتقلص عنه، إذ قال يجيئكم الساعة رجل ينظر إليكم نظر شيطان، فنحن على ذلك إذ أقبل رجل أزرق، فدعاه رسول الله ﷺ. فقال علام تسبني أنت وأصحابك؟ فقال دعي أجيئك بهم فمر فجاء بهم فحلفوا جميعا أنه ما كان من ذلك شيء، فأنزل الله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ الآية
ثم قال: ﴿أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾ أي: لهؤلاء المنافقين الذين تولوا اليهود. ﴿إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي: بئس عملهم في الدنيا لغشهم للمسلمين ونصحهم اليهود.
* *
ثم قال: ﴿ٱتَّخَذْوۤاْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ أي: جعلوا حلفهم جنة يمتنعون بها من القتل، ويدفعون بها عن أنفسهم وأموالهم وذراريهم العقوبة، وذلك أنه إذا اطلع على شيء من نفاقهم حلفوا للمؤمنين انهم منهم، فيتركون.
* *
ثم قال: ﴿فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ أي: فصدوا المؤمنين بإيمانهم عن أن يقتلوهم، وقتلهم هو سبيل الله فيهم، لأنهم كفار لا يؤدون الجزية.
* *
ثم قال: ﴿فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ أي: فلهؤلاء المنافقين في الآخرة عذاب مذل، وهو عذاب النار.
* *
ثم قال: ﴿لَّن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً﴾ أي: لن ينتفعوا بها في الآخرة من عقوبة الله لهم ولن ينقذوا بها من عذاب الهم.
﴿أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ يعني: المنافقين إنهم ماكثون أبداً في نار جهنم.
* *
ثم قال: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ [لَكُمْ]﴾ أي: هم ماكثون في النار يوم يبعثهم الله جميعاً، وذلك يوم القيامة. ويجوز أن يكون تقدير العامل: اذكر يوم يبعثهم الله من قبورهم فيحلفون لله وهم كاذبون كما يحلفون للمؤمنين وهم كاذبون.
قال قتادة: إن المنافق حلف يوم القيامة كما حلف في الدنيا. ثم قال ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ﴾ أي: ويظنون أنهم في أيمانهم وحلفهم لله كاذبين على شيء من الحق.
﴿أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ﴾ أي: في حلفهم.
وأجاز علي بن سليمان "ألا أنَهم" بالفتح، فجعل "ألا" بمعنى "حقا".
* *
ثم قال: ﴿ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ﴾ أي: غلب عليهم واستولى على قلوبهم فنسوا ذكر الله.
﴿أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾ أي: جنده وأتباعه.
﴿أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ﴾ [أي: جنده وأتباعه هم] الهالكون المغبونون في الآخرة.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: يخالفونه في حدوده، فيصيرون في حد آخر غير الذي حد لهم. وقال المفسرون يحادون: يعادون. وقيل يشاقون، والمعنى واحد.
* *
ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلأَذَلِّينَ﴾ أي: في أهل الذلة، لأن الغلبة لله ورسوله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ﴾ أي: قضى ذلك في أم الكتاب.
قال قتادة: كتب كتاباً فأمضاه. وقال غيره: كتبه في اللوح المحفوظ.
وقال الفراء "كتب" هنا بمعنى: "قال".
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أي: ذو قوة على كل من حاده ورسوله أن يهلكه، عزيز في انتقامه من أعدائه.
* *
ثم قال: ﴿لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: ليس من والى من عادى الله ورسوله مؤمنين بالله واليوم الآخر.
ولو (كان الذي) عادى الله ورسوله أباً له أو ابناً له أو أخاً له أو زوجاً أو عشيرة له، لا عذر في موالاته بهذه القرابة إذا كان ممن عادى الله ورسوله.
وروي أن هذه الآية نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة يخبرهم بخروج النبي ﷺ ويأمرهم بالتحرز ثم أعتذر لما اطلع عليه بأهله بمكة، وأنه أحب أن يقدم عندهم يداً يحفظون أهله من أجلها. وفي دعاء النبي ﷺ "اللهم لا تجعل لأحد أشرك بك في عنقي منة فيكون ذلك سببا للمودة لأنك لا تجد قوما يؤمنون بالله [واليوم] إلى أو عشيرتهم
ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ﴾ أي: أولئك الذين لا يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا ذوي قربى منهم ونسب، كتب الله عز وجل في قلوبهم الإيمان، (أي: غطى قلوبهم بالإيمان).
و "في" بمعنى "اللام" والإخبار عن القلب كالأخبار عن صاحبه.. وقيل معناه: كتب في قلوبهم سمة الإيمان ليعلم أنهم مؤمنون. وقد روي أن أبا عبيدة بن الجراح قتل أباه يوم أحد. وأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قتل خاله العاصي بن هشام يوم بدر، ودعا أبو بكر ابنه للبراز يوم بدر فأمره النبي ﷺ أن يقعد، وأن مصعب بن عمير قتل أخاه يوم أحد. وكان علي وعمه حمزة وعبيدة بن الحارث قتلوا يوم بدر عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وهم أقرباؤهم، (فلم يتوقف) أحد عن قتل أهله وقرابته، فمدحهم الله عز وجل في هذه الآية.
* *
ثم قال ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ أي: وقواهم ببرهان منه. وذلك النور والهدى الذين يجعلها الله عز وجل في قلب من يشاء. وقيل بروح منه: بجبريل ينصرهم ويؤيدهم ويوقفهم. ثم وعدهم بالجنة.
فقال: ﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها رضي الله عنهم بطاعتهم إياه ورضوا عنه بوفائه إياهم ما وعدهم من الجنة.
* *
ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ﴾ أي: جنده وأولياؤه.
﴿أَلاَ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ أي: الباقون في النعيم المقيم والفلاح والبقاء.
المجادلة 58:16
قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ قَوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم﴾ الآيات.
أي: ألم تنظر بعين قلبك يا محمد فترى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم. يعني: المنافقين والوا اليهود، ما هم منكم [ولا منهم]، أي: ما المنافقون من أهل دينكم ولا من أهل دينهم، وهذا مثل قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ﴾ [الحشر: ١١] الآية.
وهو مثل قوله أيضا: ﴿فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ [المائدة: ٥٢] أي: نفاق ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ٥٢] أي: في موالات اليهود ﴿يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ﴾ [المائدة: ٥٢] يعني المنافقين يقولون ذلك.
قال ابن زيد هؤلاء المنافقون قالوا لا ندع حلفاءنا وموالينا فيكونون معنا لنصرتنا وعزنا، نخشى أن تصيبنا دائرة، فقال الله جل ذكره: ﴿فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ﴾ [المائدة: ٥٢] الآيات.
وقوله ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: يحلفون للنبي ﷺ أنهم يشهدون أنه رسول الله ﷺ. وهو قوله: ﴿إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] أي: لكاذبون في ادعائهم أن ذلك إيمان من قلوبهم وإقرار صحيح، إنما ذلك قول بألسنتهم واعتقادهم خلاف ذلك، وهذا مثل قوله: ﴿وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] وذكر هذه الآية نزلت في رجل من المنافقين عاتبه النبي ﷺ في أمر بلغه عنه، فحلف كاذباً.
وقال ابن عباس: كان النبي ﷺ في ظل شجرة قد كاد الظل يتقلص عنه، إذ قال يجيئكم الساعة رجل ينظر إليكم نظر شيطان، فنحن على ذلك إذ أقبل رجل أزرق، فدعاه رسول الله ﷺ. فقال علام تسبني أنت وأصحابك؟ فقال دعي أجيئك بهم فمر فجاء بهم فحلفوا جميعا أنه ما كان من ذلك شيء، فأنزل الله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ الآية
ثم قال: ﴿أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾ أي: لهؤلاء المنافقين الذين تولوا اليهود. ﴿إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي: بئس عملهم في الدنيا لغشهم للمسلمين ونصحهم اليهود.
* *
ثم قال: ﴿ٱتَّخَذْوۤاْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ أي: جعلوا حلفهم جنة يمتنعون بها من القتل، ويدفعون بها عن أنفسهم وأموالهم وذراريهم العقوبة، وذلك أنه إذا اطلع على شيء من نفاقهم حلفوا للمؤمنين انهم منهم، فيتركون.
* *
ثم قال: ﴿فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ أي: فصدوا المؤمنين بإيمانهم عن أن يقتلوهم، وقتلهم هو سبيل الله فيهم، لأنهم كفار لا يؤدون الجزية.
* *
ثم قال: ﴿فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ أي: فلهؤلاء المنافقين في الآخرة عذاب مذل، وهو عذاب النار.
* *
ثم قال: ﴿لَّن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً﴾ أي: لن ينتفعوا بها في الآخرة من عقوبة الله لهم ولن ينقذوا بها من عذاب الهم.
﴿أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ يعني: المنافقين إنهم ماكثون أبداً في نار جهنم.
* *
ثم قال: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ [لَكُمْ]﴾ أي: هم ماكثون في النار يوم يبعثهم الله جميعاً، وذلك يوم القيامة. ويجوز أن يكون تقدير العامل: اذكر يوم يبعثهم الله من قبورهم فيحلفون لله وهم كاذبون كما يحلفون للمؤمنين وهم كاذبون.
قال قتادة: إن المنافق حلف يوم القيامة كما حلف في الدنيا. ثم قال ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ﴾ أي: ويظنون أنهم في أيمانهم وحلفهم لله كاذبين على شيء من الحق.
﴿أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ﴾ أي: في حلفهم.
وأجاز علي بن سليمان "ألا أنَهم" بالفتح، فجعل "ألا" بمعنى "حقا".
* *
ثم قال: ﴿ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ﴾ أي: غلب عليهم واستولى على قلوبهم فنسوا ذكر الله.
﴿أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾ أي: جنده وأتباعه.
﴿أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ﴾ [أي: جنده وأتباعه هم] الهالكون المغبونون في الآخرة.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: يخالفونه في حدوده، فيصيرون في حد آخر غير الذي حد لهم. وقال المفسرون يحادون: يعادون. وقيل يشاقون، والمعنى واحد.
* *
ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلأَذَلِّينَ﴾ أي: في أهل الذلة، لأن الغلبة لله ورسوله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ﴾ أي: قضى ذلك في أم الكتاب.
قال قتادة: كتب كتاباً فأمضاه. وقال غيره: كتبه في اللوح المحفوظ.
وقال الفراء "كتب" هنا بمعنى: "قال".
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أي: ذو قوة على كل من حاده ورسوله أن يهلكه، عزيز في انتقامه من أعدائه.
* *
ثم قال: ﴿لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: ليس من والى من عادى الله ورسوله مؤمنين بالله واليوم الآخر.
ولو (كان الذي) عادى الله ورسوله أباً له أو ابناً له أو أخاً له أو زوجاً أو عشيرة له، لا عذر في موالاته بهذه القرابة إذا كان ممن عادى الله ورسوله.
وروي أن هذه الآية نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة يخبرهم بخروج النبي ﷺ ويأمرهم بالتحرز ثم أعتذر لما اطلع عليه بأهله بمكة، وأنه أحب أن يقدم عندهم يداً يحفظون أهله من أجلها. وفي دعاء النبي ﷺ "اللهم لا تجعل لأحد أشرك بك في عنقي منة فيكون ذلك سببا للمودة لأنك لا تجد قوما يؤمنون بالله [واليوم] إلى أو عشيرتهم
ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ﴾ أي: أولئك الذين لا يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا ذوي قربى منهم ونسب، كتب الله عز وجل في قلوبهم الإيمان، (أي: غطى قلوبهم بالإيمان).
و "في" بمعنى "اللام" والإخبار عن القلب كالأخبار عن صاحبه.. وقيل معناه: كتب في قلوبهم سمة الإيمان ليعلم أنهم مؤمنون. وقد روي أن أبا عبيدة بن الجراح قتل أباه يوم أحد. وأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قتل خاله العاصي بن هشام يوم بدر، ودعا أبو بكر ابنه للبراز يوم بدر فأمره النبي ﷺ أن يقعد، وأن مصعب بن عمير قتل أخاه يوم أحد. وكان علي وعمه حمزة وعبيدة بن الحارث قتلوا يوم بدر عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وهم أقرباؤهم، (فلم يتوقف) أحد عن قتل أهله وقرابته، فمدحهم الله عز وجل في هذه الآية.
* *
ثم قال ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ أي: وقواهم ببرهان منه. وذلك النور والهدى الذين يجعلها الله عز وجل في قلب من يشاء. وقيل بروح منه: بجبريل ينصرهم ويؤيدهم ويوقفهم. ثم وعدهم بالجنة.
فقال: ﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها رضي الله عنهم بطاعتهم إياه ورضوا عنه بوفائه إياهم ما وعدهم من الجنة.
* *
ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ﴾ أي: جنده وأولياؤه.
﴿أَلاَ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ أي: الباقون في النعيم المقيم والفلاح والبقاء.
المجادلة 58:17
قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ قَوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم﴾ الآيات.
أي: ألم تنظر بعين قلبك يا محمد فترى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم. يعني: المنافقين والوا اليهود، ما هم منكم [ولا منهم]، أي: ما المنافقون من أهل دينكم ولا من أهل دينهم، وهذا مثل قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ﴾ [الحشر: ١١] الآية.
وهو مثل قوله أيضا: ﴿فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ [المائدة: ٥٢] أي: نفاق ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ٥٢] أي: في موالات اليهود ﴿يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ﴾ [المائدة: ٥٢] يعني المنافقين يقولون ذلك.
قال ابن زيد هؤلاء المنافقون قالوا لا ندع حلفاءنا وموالينا فيكونون معنا لنصرتنا وعزنا، نخشى أن تصيبنا دائرة، فقال الله جل ذكره: ﴿فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ﴾ [المائدة: ٥٢] الآيات.
وقوله ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: يحلفون للنبي ﷺ أنهم يشهدون أنه رسول الله ﷺ. وهو قوله: ﴿إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] أي: لكاذبون في ادعائهم أن ذلك إيمان من قلوبهم وإقرار صحيح، إنما ذلك قول بألسنتهم واعتقادهم خلاف ذلك، وهذا مثل قوله: ﴿وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] وذكر هذه الآية نزلت في رجل من المنافقين عاتبه النبي ﷺ في أمر بلغه عنه، فحلف كاذباً.
وقال ابن عباس: كان النبي ﷺ في ظل شجرة قد كاد الظل يتقلص عنه، إذ قال يجيئكم الساعة رجل ينظر إليكم نظر شيطان، فنحن على ذلك إذ أقبل رجل أزرق، فدعاه رسول الله ﷺ. فقال علام تسبني أنت وأصحابك؟ فقال دعي أجيئك بهم فمر فجاء بهم فحلفوا جميعا أنه ما كان من ذلك شيء، فأنزل الله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ الآية
ثم قال: ﴿أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾ أي: لهؤلاء المنافقين الذين تولوا اليهود. ﴿إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي: بئس عملهم في الدنيا لغشهم للمسلمين ونصحهم اليهود.
* *
ثم قال: ﴿ٱتَّخَذْوۤاْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ أي: جعلوا حلفهم جنة يمتنعون بها من القتل، ويدفعون بها عن أنفسهم وأموالهم وذراريهم العقوبة، وذلك أنه إذا اطلع على شيء من نفاقهم حلفوا للمؤمنين انهم منهم، فيتركون.
* *
ثم قال: ﴿فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ أي: فصدوا المؤمنين بإيمانهم عن أن يقتلوهم، وقتلهم هو سبيل الله فيهم، لأنهم كفار لا يؤدون الجزية.
* *
ثم قال: ﴿فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ أي: فلهؤلاء المنافقين في الآخرة عذاب مذل، وهو عذاب النار.
* *
ثم قال: ﴿لَّن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً﴾ أي: لن ينتفعوا بها في الآخرة من عقوبة الله لهم ولن ينقذوا بها من عذاب الهم.
﴿أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ يعني: المنافقين إنهم ماكثون أبداً في نار جهنم.
* *
ثم قال: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ [لَكُمْ]﴾ أي: هم ماكثون في النار يوم يبعثهم الله جميعاً، وذلك يوم القيامة. ويجوز أن يكون تقدير العامل: اذكر يوم يبعثهم الله من قبورهم فيحلفون لله وهم كاذبون كما يحلفون للمؤمنين وهم كاذبون.
قال قتادة: إن المنافق حلف يوم القيامة كما حلف في الدنيا. ثم قال ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ﴾ أي: ويظنون أنهم في أيمانهم وحلفهم لله كاذبين على شيء من الحق.
﴿أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ﴾ أي: في حلفهم.
وأجاز علي بن سليمان "ألا أنَهم" بالفتح، فجعل "ألا" بمعنى "حقا".
* *
ثم قال: ﴿ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ﴾ أي: غلب عليهم واستولى على قلوبهم فنسوا ذكر الله.
﴿أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾ أي: جنده وأتباعه.
﴿أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ﴾ [أي: جنده وأتباعه هم] الهالكون المغبونون في الآخرة.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: يخالفونه في حدوده، فيصيرون في حد آخر غير الذي حد لهم. وقال المفسرون يحادون: يعادون. وقيل يشاقون، والمعنى واحد.
* *
ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلأَذَلِّينَ﴾ أي: في أهل الذلة، لأن الغلبة لله ورسوله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ﴾ أي: قضى ذلك في أم الكتاب.
قال قتادة: كتب كتاباً فأمضاه. وقال غيره: كتبه في اللوح المحفوظ.
وقال الفراء "كتب" هنا بمعنى: "قال".
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أي: ذو قوة على كل من حاده ورسوله أن يهلكه، عزيز في انتقامه من أعدائه.
* *
ثم قال: ﴿لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: ليس من والى من عادى الله ورسوله مؤمنين بالله واليوم الآخر.
ولو (كان الذي) عادى الله ورسوله أباً له أو ابناً له أو أخاً له أو زوجاً أو عشيرة له، لا عذر في موالاته بهذه القرابة إذا كان ممن عادى الله ورسوله.
وروي أن هذه الآية نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة يخبرهم بخروج النبي ﷺ ويأمرهم بالتحرز ثم أعتذر لما اطلع عليه بأهله بمكة، وأنه أحب أن يقدم عندهم يداً يحفظون أهله من أجلها. وفي دعاء النبي ﷺ "اللهم لا تجعل لأحد أشرك بك في عنقي منة فيكون ذلك سببا للمودة لأنك لا تجد قوما يؤمنون بالله [واليوم] إلى أو عشيرتهم
ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ﴾ أي: أولئك الذين لا يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا ذوي قربى منهم ونسب، كتب الله عز وجل في قلوبهم الإيمان، (أي: غطى قلوبهم بالإيمان).
و "في" بمعنى "اللام" والإخبار عن القلب كالأخبار عن صاحبه.. وقيل معناه: كتب في قلوبهم سمة الإيمان ليعلم أنهم مؤمنون. وقد روي أن أبا عبيدة بن الجراح قتل أباه يوم أحد. وأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قتل خاله العاصي بن هشام يوم بدر، ودعا أبو بكر ابنه للبراز يوم بدر فأمره النبي ﷺ أن يقعد، وأن مصعب بن عمير قتل أخاه يوم أحد. وكان علي وعمه حمزة وعبيدة بن الحارث قتلوا يوم بدر عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وهم أقرباؤهم، (فلم يتوقف) أحد عن قتل أهله وقرابته، فمدحهم الله عز وجل في هذه الآية.
* *
ثم قال ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ أي: وقواهم ببرهان منه. وذلك النور والهدى الذين يجعلها الله عز وجل في قلب من يشاء. وقيل بروح منه: بجبريل ينصرهم ويؤيدهم ويوقفهم. ثم وعدهم بالجنة.
فقال: ﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها رضي الله عنهم بطاعتهم إياه ورضوا عنه بوفائه إياهم ما وعدهم من الجنة.
* *
ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ﴾ أي: جنده وأولياؤه.
﴿أَلاَ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ أي: الباقون في النعيم المقيم والفلاح والبقاء.
المجادلة 58:18
قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ قَوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم﴾ الآيات.
أي: ألم تنظر بعين قلبك يا محمد فترى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم. يعني: المنافقين والوا اليهود، ما هم منكم [ولا منهم]، أي: ما المنافقون من أهل دينكم ولا من أهل دينهم، وهذا مثل قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ﴾ [الحشر: ١١] الآية.
وهو مثل قوله أيضا: ﴿فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ [المائدة: ٥٢] أي: نفاق ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ٥٢] أي: في موالات اليهود ﴿يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ﴾ [المائدة: ٥٢] يعني المنافقين يقولون ذلك.
قال ابن زيد هؤلاء المنافقون قالوا لا ندع حلفاءنا وموالينا فيكونون معنا لنصرتنا وعزنا، نخشى أن تصيبنا دائرة، فقال الله جل ذكره: ﴿فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ﴾ [المائدة: ٥٢] الآيات.
وقوله ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: يحلفون للنبي ﷺ أنهم يشهدون أنه رسول الله ﷺ. وهو قوله: ﴿إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] أي: لكاذبون في ادعائهم أن ذلك إيمان من قلوبهم وإقرار صحيح، إنما ذلك قول بألسنتهم واعتقادهم خلاف ذلك، وهذا مثل قوله: ﴿وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] وذكر هذه الآية نزلت في رجل من المنافقين عاتبه النبي ﷺ في أمر بلغه عنه، فحلف كاذباً.
وقال ابن عباس: كان النبي ﷺ في ظل شجرة قد كاد الظل يتقلص عنه، إذ قال يجيئكم الساعة رجل ينظر إليكم نظر شيطان، فنحن على ذلك إذ أقبل رجل أزرق، فدعاه رسول الله ﷺ. فقال علام تسبني أنت وأصحابك؟ فقال دعي أجيئك بهم فمر فجاء بهم فحلفوا جميعا أنه ما كان من ذلك شيء، فأنزل الله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ الآية
ثم قال: ﴿أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾ أي: لهؤلاء المنافقين الذين تولوا اليهود. ﴿إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي: بئس عملهم في الدنيا لغشهم للمسلمين ونصحهم اليهود.
* *
ثم قال: ﴿ٱتَّخَذْوۤاْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ أي: جعلوا حلفهم جنة يمتنعون بها من القتل، ويدفعون بها عن أنفسهم وأموالهم وذراريهم العقوبة، وذلك أنه إذا اطلع على شيء من نفاقهم حلفوا للمؤمنين انهم منهم، فيتركون.
* *
ثم قال: ﴿فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ أي: فصدوا المؤمنين بإيمانهم عن أن يقتلوهم، وقتلهم هو سبيل الله فيهم، لأنهم كفار لا يؤدون الجزية.
* *
ثم قال: ﴿فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ أي: فلهؤلاء المنافقين في الآخرة عذاب مذل، وهو عذاب النار.
* *
ثم قال: ﴿لَّن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً﴾ أي: لن ينتفعوا بها في الآخرة من عقوبة الله لهم ولن ينقذوا بها من عذاب الهم.
﴿أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ يعني: المنافقين إنهم ماكثون أبداً في نار جهنم.
* *
ثم قال: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ [لَكُمْ]﴾ أي: هم ماكثون في النار يوم يبعثهم الله جميعاً، وذلك يوم القيامة. ويجوز أن يكون تقدير العامل: اذكر يوم يبعثهم الله من قبورهم فيحلفون لله وهم كاذبون كما يحلفون للمؤمنين وهم كاذبون.
قال قتادة: إن المنافق حلف يوم القيامة كما حلف في الدنيا. ثم قال ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ﴾ أي: ويظنون أنهم في أيمانهم وحلفهم لله كاذبين على شيء من الحق.
﴿أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ﴾ أي: في حلفهم.
وأجاز علي بن سليمان "ألا أنَهم" بالفتح، فجعل "ألا" بمعنى "حقا".
* *
ثم قال: ﴿ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ﴾ أي: غلب عليهم واستولى على قلوبهم فنسوا ذكر الله.
﴿أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾ أي: جنده وأتباعه.
﴿أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ﴾ [أي: جنده وأتباعه هم] الهالكون المغبونون في الآخرة.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: يخالفونه في حدوده، فيصيرون في حد آخر غير الذي حد لهم. وقال المفسرون يحادون: يعادون. وقيل يشاقون، والمعنى واحد.
* *
ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلأَذَلِّينَ﴾ أي: في أهل الذلة، لأن الغلبة لله ورسوله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ﴾ أي: قضى ذلك في أم الكتاب.
قال قتادة: كتب كتاباً فأمضاه. وقال غيره: كتبه في اللوح المحفوظ.
وقال الفراء "كتب" هنا بمعنى: "قال".
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أي: ذو قوة على كل من حاده ورسوله أن يهلكه، عزيز في انتقامه من أعدائه.
* *
ثم قال: ﴿لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: ليس من والى من عادى الله ورسوله مؤمنين بالله واليوم الآخر.
ولو (كان الذي) عادى الله ورسوله أباً له أو ابناً له أو أخاً له أو زوجاً أو عشيرة له، لا عذر في موالاته بهذه القرابة إذا كان ممن عادى الله ورسوله.
وروي أن هذه الآية نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة يخبرهم بخروج النبي ﷺ ويأمرهم بالتحرز ثم أعتذر لما اطلع عليه بأهله بمكة، وأنه أحب أن يقدم عندهم يداً يحفظون أهله من أجلها. وفي دعاء النبي ﷺ "اللهم لا تجعل لأحد أشرك بك في عنقي منة فيكون ذلك سببا للمودة لأنك لا تجد قوما يؤمنون بالله [واليوم] إلى أو عشيرتهم
ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ﴾ أي: أولئك الذين لا يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا ذوي قربى منهم ونسب، كتب الله عز وجل في قلوبهم الإيمان، (أي: غطى قلوبهم بالإيمان).
و "في" بمعنى "اللام" والإخبار عن القلب كالأخبار عن صاحبه.. وقيل معناه: كتب في قلوبهم سمة الإيمان ليعلم أنهم مؤمنون. وقد روي أن أبا عبيدة بن الجراح قتل أباه يوم أحد. وأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قتل خاله العاصي بن هشام يوم بدر، ودعا أبو بكر ابنه للبراز يوم بدر فأمره النبي ﷺ أن يقعد، وأن مصعب بن عمير قتل أخاه يوم أحد. وكان علي وعمه حمزة وعبيدة بن الحارث قتلوا يوم بدر عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وهم أقرباؤهم، (فلم يتوقف) أحد عن قتل أهله وقرابته، فمدحهم الله عز وجل في هذه الآية.
* *
ثم قال ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ أي: وقواهم ببرهان منه. وذلك النور والهدى الذين يجعلها الله عز وجل في قلب من يشاء. وقيل بروح منه: بجبريل ينصرهم ويؤيدهم ويوقفهم. ثم وعدهم بالجنة.
فقال: ﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها رضي الله عنهم بطاعتهم إياه ورضوا عنه بوفائه إياهم ما وعدهم من الجنة.
* *
ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ﴾ أي: جنده وأولياؤه.
﴿أَلاَ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ أي: الباقون في النعيم المقيم والفلاح والبقاء.
المجادلة 58:19
قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ قَوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم﴾ الآيات.
أي: ألم تنظر بعين قلبك يا محمد فترى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم. يعني: المنافقين والوا اليهود، ما هم منكم [ولا منهم]، أي: ما المنافقون من أهل دينكم ولا من أهل دينهم، وهذا مثل قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ﴾ [الحشر: ١١] الآية.
وهو مثل قوله أيضا: ﴿فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ [المائدة: ٥٢] أي: نفاق ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ٥٢] أي: في موالات اليهود ﴿يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ﴾ [المائدة: ٥٢] يعني المنافقين يقولون ذلك.
قال ابن زيد هؤلاء المنافقون قالوا لا ندع حلفاءنا وموالينا فيكونون معنا لنصرتنا وعزنا، نخشى أن تصيبنا دائرة، فقال الله جل ذكره: ﴿فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ﴾ [المائدة: ٥٢] الآيات.
وقوله ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: يحلفون للنبي ﷺ أنهم يشهدون أنه رسول الله ﷺ. وهو قوله: ﴿إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] أي: لكاذبون في ادعائهم أن ذلك إيمان من قلوبهم وإقرار صحيح، إنما ذلك قول بألسنتهم واعتقادهم خلاف ذلك، وهذا مثل قوله: ﴿وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] وذكر هذه الآية نزلت في رجل من المنافقين عاتبه النبي ﷺ في أمر بلغه عنه، فحلف كاذباً.
وقال ابن عباس: كان النبي ﷺ في ظل شجرة قد كاد الظل يتقلص عنه، إذ قال يجيئكم الساعة رجل ينظر إليكم نظر شيطان، فنحن على ذلك إذ أقبل رجل أزرق، فدعاه رسول الله ﷺ. فقال علام تسبني أنت وأصحابك؟ فقال دعي أجيئك بهم فمر فجاء بهم فحلفوا جميعا أنه ما كان من ذلك شيء، فأنزل الله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ الآية
ثم قال: ﴿أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾ أي: لهؤلاء المنافقين الذين تولوا اليهود. ﴿إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي: بئس عملهم في الدنيا لغشهم للمسلمين ونصحهم اليهود.
* *
ثم قال: ﴿ٱتَّخَذْوۤاْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ أي: جعلوا حلفهم جنة يمتنعون بها من القتل، ويدفعون بها عن أنفسهم وأموالهم وذراريهم العقوبة، وذلك أنه إذا اطلع على شيء من نفاقهم حلفوا للمؤمنين انهم منهم، فيتركون.
* *
ثم قال: ﴿فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ أي: فصدوا المؤمنين بإيمانهم عن أن يقتلوهم، وقتلهم هو سبيل الله فيهم، لأنهم كفار لا يؤدون الجزية.
* *
ثم قال: ﴿فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ أي: فلهؤلاء المنافقين في الآخرة عذاب مذل، وهو عذاب النار.
* *
ثم قال: ﴿لَّن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً﴾ أي: لن ينتفعوا بها في الآخرة من عقوبة الله لهم ولن ينقذوا بها من عذاب الهم.
﴿أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ يعني: المنافقين إنهم ماكثون أبداً في نار جهنم.
* *
ثم قال: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ [لَكُمْ]﴾ أي: هم ماكثون في النار يوم يبعثهم الله جميعاً، وذلك يوم القيامة. ويجوز أن يكون تقدير العامل: اذكر يوم يبعثهم الله من قبورهم فيحلفون لله وهم كاذبون كما يحلفون للمؤمنين وهم كاذبون.
قال قتادة: إن المنافق حلف يوم القيامة كما حلف في الدنيا. ثم قال ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ﴾ أي: ويظنون أنهم في أيمانهم وحلفهم لله كاذبين على شيء من الحق.
﴿أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ﴾ أي: في حلفهم.
وأجاز علي بن سليمان "ألا أنَهم" بالفتح، فجعل "ألا" بمعنى "حقا".
* *
ثم قال: ﴿ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ﴾ أي: غلب عليهم واستولى على قلوبهم فنسوا ذكر الله.
﴿أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾ أي: جنده وأتباعه.
﴿أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ﴾ [أي: جنده وأتباعه هم] الهالكون المغبونون في الآخرة.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: يخالفونه في حدوده، فيصيرون في حد آخر غير الذي حد لهم. وقال المفسرون يحادون: يعادون. وقيل يشاقون، والمعنى واحد.
* *
ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلأَذَلِّينَ﴾ أي: في أهل الذلة، لأن الغلبة لله ورسوله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ﴾ أي: قضى ذلك في أم الكتاب.
قال قتادة: كتب كتاباً فأمضاه. وقال غيره: كتبه في اللوح المحفوظ.
وقال الفراء "كتب" هنا بمعنى: "قال".
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أي: ذو قوة على كل من حاده ورسوله أن يهلكه، عزيز في انتقامه من أعدائه.
* *
ثم قال: ﴿لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: ليس من والى من عادى الله ورسوله مؤمنين بالله واليوم الآخر.
ولو (كان الذي) عادى الله ورسوله أباً له أو ابناً له أو أخاً له أو زوجاً أو عشيرة له، لا عذر في موالاته بهذه القرابة إذا كان ممن عادى الله ورسوله.
وروي أن هذه الآية نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة يخبرهم بخروج النبي ﷺ ويأمرهم بالتحرز ثم أعتذر لما اطلع عليه بأهله بمكة، وأنه أحب أن يقدم عندهم يداً يحفظون أهله من أجلها. وفي دعاء النبي ﷺ "اللهم لا تجعل لأحد أشرك بك في عنقي منة فيكون ذلك سببا للمودة لأنك لا تجد قوما يؤمنون بالله [واليوم] إلى أو عشيرتهم
ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ﴾ أي: أولئك الذين لا يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا ذوي قربى منهم ونسب، كتب الله عز وجل في قلوبهم الإيمان، (أي: غطى قلوبهم بالإيمان).
و "في" بمعنى "اللام" والإخبار عن القلب كالأخبار عن صاحبه.. وقيل معناه: كتب في قلوبهم سمة الإيمان ليعلم أنهم مؤمنون. وقد روي أن أبا عبيدة بن الجراح قتل أباه يوم أحد. وأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قتل خاله العاصي بن هشام يوم بدر، ودعا أبو بكر ابنه للبراز يوم بدر فأمره النبي ﷺ أن يقعد، وأن مصعب بن عمير قتل أخاه يوم أحد. وكان علي وعمه حمزة وعبيدة بن الحارث قتلوا يوم بدر عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وهم أقرباؤهم، (فلم يتوقف) أحد عن قتل أهله وقرابته، فمدحهم الله عز وجل في هذه الآية.
* *
ثم قال ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ أي: وقواهم ببرهان منه. وذلك النور والهدى الذين يجعلها الله عز وجل في قلب من يشاء. وقيل بروح منه: بجبريل ينصرهم ويؤيدهم ويوقفهم. ثم وعدهم بالجنة.
فقال: ﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها رضي الله عنهم بطاعتهم إياه ورضوا عنه بوفائه إياهم ما وعدهم من الجنة.
* *
ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ﴾ أي: جنده وأولياؤه.
﴿أَلاَ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ أي: الباقون في النعيم المقيم والفلاح والبقاء.
المجادلة 58:20
قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ قَوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم﴾ الآيات.
أي: ألم تنظر بعين قلبك يا محمد فترى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم. يعني: المنافقين والوا اليهود، ما هم منكم [ولا منهم]، أي: ما المنافقون من أهل دينكم ولا من أهل دينهم، وهذا مثل قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ﴾ [الحشر: ١١] الآية.
وهو مثل قوله أيضا: ﴿فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ [المائدة: ٥٢] أي: نفاق ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ٥٢] أي: في موالات اليهود ﴿يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ﴾ [المائدة: ٥٢] يعني المنافقين يقولون ذلك.
قال ابن زيد هؤلاء المنافقون قالوا لا ندع حلفاءنا وموالينا فيكونون معنا لنصرتنا وعزنا، نخشى أن تصيبنا دائرة، فقال الله جل ذكره: ﴿فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ﴾ [المائدة: ٥٢] الآيات.
وقوله ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: يحلفون للنبي ﷺ أنهم يشهدون أنه رسول الله ﷺ. وهو قوله: ﴿إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] أي: لكاذبون في ادعائهم أن ذلك إيمان من قلوبهم وإقرار صحيح، إنما ذلك قول بألسنتهم واعتقادهم خلاف ذلك، وهذا مثل قوله: ﴿وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] وذكر هذه الآية نزلت في رجل من المنافقين عاتبه النبي ﷺ في أمر بلغه عنه، فحلف كاذباً.
وقال ابن عباس: كان النبي ﷺ في ظل شجرة قد كاد الظل يتقلص عنه، إذ قال يجيئكم الساعة رجل ينظر إليكم نظر شيطان، فنحن على ذلك إذ أقبل رجل أزرق، فدعاه رسول الله ﷺ. فقال علام تسبني أنت وأصحابك؟ فقال دعي أجيئك بهم فمر فجاء بهم فحلفوا جميعا أنه ما كان من ذلك شيء، فأنزل الله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ الآية
ثم قال: ﴿أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾ أي: لهؤلاء المنافقين الذين تولوا اليهود. ﴿إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي: بئس عملهم في الدنيا لغشهم للمسلمين ونصحهم اليهود.
* *
ثم قال: ﴿ٱتَّخَذْوۤاْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ أي: جعلوا حلفهم جنة يمتنعون بها من القتل، ويدفعون بها عن أنفسهم وأموالهم وذراريهم العقوبة، وذلك أنه إذا اطلع على شيء من نفاقهم حلفوا للمؤمنين انهم منهم، فيتركون.
* *
ثم قال: ﴿فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ أي: فصدوا المؤمنين بإيمانهم عن أن يقتلوهم، وقتلهم هو سبيل الله فيهم، لأنهم كفار لا يؤدون الجزية.
* *
ثم قال: ﴿فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ أي: فلهؤلاء المنافقين في الآخرة عذاب مذل، وهو عذاب النار.
* *
ثم قال: ﴿لَّن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً﴾ أي: لن ينتفعوا بها في الآخرة من عقوبة الله لهم ولن ينقذوا بها من عذاب الهم.
﴿أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ يعني: المنافقين إنهم ماكثون أبداً في نار جهنم.
* *
ثم قال: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ [لَكُمْ]﴾ أي: هم ماكثون في النار يوم يبعثهم الله جميعاً، وذلك يوم القيامة. ويجوز أن يكون تقدير العامل: اذكر يوم يبعثهم الله من قبورهم فيحلفون لله وهم كاذبون كما يحلفون للمؤمنين وهم كاذبون.
قال قتادة: إن المنافق حلف يوم القيامة كما حلف في الدنيا. ثم قال ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ﴾ أي: ويظنون أنهم في أيمانهم وحلفهم لله كاذبين على شيء من الحق.
﴿أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ﴾ أي: في حلفهم.
وأجاز علي بن سليمان "ألا أنَهم" بالفتح، فجعل "ألا" بمعنى "حقا".
* *
ثم قال: ﴿ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ﴾ أي: غلب عليهم واستولى على قلوبهم فنسوا ذكر الله.
﴿أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾ أي: جنده وأتباعه.
﴿أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ﴾ [أي: جنده وأتباعه هم] الهالكون المغبونون في الآخرة.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: يخالفونه في حدوده، فيصيرون في حد آخر غير الذي حد لهم. وقال المفسرون يحادون: يعادون. وقيل يشاقون، والمعنى واحد.
* *
ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلأَذَلِّينَ﴾ أي: في أهل الذلة، لأن الغلبة لله ورسوله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ﴾ أي: قضى ذلك في أم الكتاب.
قال قتادة: كتب كتاباً فأمضاه. وقال غيره: كتبه في اللوح المحفوظ.
وقال الفراء "كتب" هنا بمعنى: "قال".
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أي: ذو قوة على كل من حاده ورسوله أن يهلكه، عزيز في انتقامه من أعدائه.
* *
ثم قال: ﴿لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: ليس من والى من عادى الله ورسوله مؤمنين بالله واليوم الآخر.
ولو (كان الذي) عادى الله ورسوله أباً له أو ابناً له أو أخاً له أو زوجاً أو عشيرة له، لا عذر في موالاته بهذه القرابة إذا كان ممن عادى الله ورسوله.
وروي أن هذه الآية نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة يخبرهم بخروج النبي ﷺ ويأمرهم بالتحرز ثم أعتذر لما اطلع عليه بأهله بمكة، وأنه أحب أن يقدم عندهم يداً يحفظون أهله من أجلها. وفي دعاء النبي ﷺ "اللهم لا تجعل لأحد أشرك بك في عنقي منة فيكون ذلك سببا للمودة لأنك لا تجد قوما يؤمنون بالله [واليوم] إلى أو عشيرتهم
ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ﴾ أي: أولئك الذين لا يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا ذوي قربى منهم ونسب، كتب الله عز وجل في قلوبهم الإيمان، (أي: غطى قلوبهم بالإيمان).
و "في" بمعنى "اللام" والإخبار عن القلب كالأخبار عن صاحبه.. وقيل معناه: كتب في قلوبهم سمة الإيمان ليعلم أنهم مؤمنون. وقد روي أن أبا عبيدة بن الجراح قتل أباه يوم أحد. وأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قتل خاله العاصي بن هشام يوم بدر، ودعا أبو بكر ابنه للبراز يوم بدر فأمره النبي ﷺ أن يقعد، وأن مصعب بن عمير قتل أخاه يوم أحد. وكان علي وعمه حمزة وعبيدة بن الحارث قتلوا يوم بدر عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وهم أقرباؤهم، (فلم يتوقف) أحد عن قتل أهله وقرابته، فمدحهم الله عز وجل في هذه الآية.
* *
ثم قال ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ أي: وقواهم ببرهان منه. وذلك النور والهدى الذين يجعلها الله عز وجل في قلب من يشاء. وقيل بروح منه: بجبريل ينصرهم ويؤيدهم ويوقفهم. ثم وعدهم بالجنة.
فقال: ﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها رضي الله عنهم بطاعتهم إياه ورضوا عنه بوفائه إياهم ما وعدهم من الجنة.
* *
ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ﴾ أي: جنده وأولياؤه.
﴿أَلاَ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ أي: الباقون في النعيم المقيم والفلاح والبقاء.
المجادلة 58:21
قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ قَوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم﴾ الآيات.
أي: ألم تنظر بعين قلبك يا محمد فترى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم. يعني: المنافقين والوا اليهود، ما هم منكم [ولا منهم]، أي: ما المنافقون من أهل دينكم ولا من أهل دينهم، وهذا مثل قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ﴾ [الحشر: ١١] الآية.
وهو مثل قوله أيضا: ﴿فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ [المائدة: ٥٢] أي: نفاق ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ٥٢] أي: في موالات اليهود ﴿يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ﴾ [المائدة: ٥٢] يعني المنافقين يقولون ذلك.
قال ابن زيد هؤلاء المنافقون قالوا لا ندع حلفاءنا وموالينا فيكونون معنا لنصرتنا وعزنا، نخشى أن تصيبنا دائرة، فقال الله جل ذكره: ﴿فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ﴾ [المائدة: ٥٢] الآيات.
وقوله ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: يحلفون للنبي ﷺ أنهم يشهدون أنه رسول الله ﷺ. وهو قوله: ﴿إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] أي: لكاذبون في ادعائهم أن ذلك إيمان من قلوبهم وإقرار صحيح، إنما ذلك قول بألسنتهم واعتقادهم خلاف ذلك، وهذا مثل قوله: ﴿وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] وذكر هذه الآية نزلت في رجل من المنافقين عاتبه النبي ﷺ في أمر بلغه عنه، فحلف كاذباً.
وقال ابن عباس: كان النبي ﷺ في ظل شجرة قد كاد الظل يتقلص عنه، إذ قال يجيئكم الساعة رجل ينظر إليكم نظر شيطان، فنحن على ذلك إذ أقبل رجل أزرق، فدعاه رسول الله ﷺ. فقال علام تسبني أنت وأصحابك؟ فقال دعي أجيئك بهم فمر فجاء بهم فحلفوا جميعا أنه ما كان من ذلك شيء، فأنزل الله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ الآية
ثم قال: ﴿أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾ أي: لهؤلاء المنافقين الذين تولوا اليهود. ﴿إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي: بئس عملهم في الدنيا لغشهم للمسلمين ونصحهم اليهود.
* *
ثم قال: ﴿ٱتَّخَذْوۤاْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ أي: جعلوا حلفهم جنة يمتنعون بها من القتل، ويدفعون بها عن أنفسهم وأموالهم وذراريهم العقوبة، وذلك أنه إذا اطلع على شيء من نفاقهم حلفوا للمؤمنين انهم منهم، فيتركون.
* *
ثم قال: ﴿فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ أي: فصدوا المؤمنين بإيمانهم عن أن يقتلوهم، وقتلهم هو سبيل الله فيهم، لأنهم كفار لا يؤدون الجزية.
* *
ثم قال: ﴿فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ أي: فلهؤلاء المنافقين في الآخرة عذاب مذل، وهو عذاب النار.
* *
ثم قال: ﴿لَّن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً﴾ أي: لن ينتفعوا بها في الآخرة من عقوبة الله لهم ولن ينقذوا بها من عذاب الهم.
﴿أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ يعني: المنافقين إنهم ماكثون أبداً في نار جهنم.
* *
ثم قال: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ [لَكُمْ]﴾ أي: هم ماكثون في النار يوم يبعثهم الله جميعاً، وذلك يوم القيامة. ويجوز أن يكون تقدير العامل: اذكر يوم يبعثهم الله من قبورهم فيحلفون لله وهم كاذبون كما يحلفون للمؤمنين وهم كاذبون.
قال قتادة: إن المنافق حلف يوم القيامة كما حلف في الدنيا. ثم قال ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ﴾ أي: ويظنون أنهم في أيمانهم وحلفهم لله كاذبين على شيء من الحق.
﴿أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ﴾ أي: في حلفهم.
وأجاز علي بن سليمان "ألا أنَهم" بالفتح، فجعل "ألا" بمعنى "حقا".
* *
ثم قال: ﴿ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ﴾ أي: غلب عليهم واستولى على قلوبهم فنسوا ذكر الله.
﴿أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾ أي: جنده وأتباعه.
﴿أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ﴾ [أي: جنده وأتباعه هم] الهالكون المغبونون في الآخرة.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: يخالفونه في حدوده، فيصيرون في حد آخر غير الذي حد لهم. وقال المفسرون يحادون: يعادون. وقيل يشاقون، والمعنى واحد.
* *
ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلأَذَلِّينَ﴾ أي: في أهل الذلة، لأن الغلبة لله ورسوله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ﴾ أي: قضى ذلك في أم الكتاب.
قال قتادة: كتب كتاباً فأمضاه. وقال غيره: كتبه في اللوح المحفوظ.
وقال الفراء "كتب" هنا بمعنى: "قال".
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أي: ذو قوة على كل من حاده ورسوله أن يهلكه، عزيز في انتقامه من أعدائه.
* *
ثم قال: ﴿لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: ليس من والى من عادى الله ورسوله مؤمنين بالله واليوم الآخر.
ولو (كان الذي) عادى الله ورسوله أباً له أو ابناً له أو أخاً له أو زوجاً أو عشيرة له، لا عذر في موالاته بهذه القرابة إذا كان ممن عادى الله ورسوله.
وروي أن هذه الآية نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة يخبرهم بخروج النبي ﷺ ويأمرهم بالتحرز ثم أعتذر لما اطلع عليه بأهله بمكة، وأنه أحب أن يقدم عندهم يداً يحفظون أهله من أجلها. وفي دعاء النبي ﷺ "اللهم لا تجعل لأحد أشرك بك في عنقي منة فيكون ذلك سببا للمودة لأنك لا تجد قوما يؤمنون بالله [واليوم] إلى أو عشيرتهم
ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ﴾ أي: أولئك الذين لا يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا ذوي قربى منهم ونسب، كتب الله عز وجل في قلوبهم الإيمان، (أي: غطى قلوبهم بالإيمان).
و "في" بمعنى "اللام" والإخبار عن القلب كالأخبار عن صاحبه.. وقيل معناه: كتب في قلوبهم سمة الإيمان ليعلم أنهم مؤمنون. وقد روي أن أبا عبيدة بن الجراح قتل أباه يوم أحد. وأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قتل خاله العاصي بن هشام يوم بدر، ودعا أبو بكر ابنه للبراز يوم بدر فأمره النبي ﷺ أن يقعد، وأن مصعب بن عمير قتل أخاه يوم أحد. وكان علي وعمه حمزة وعبيدة بن الحارث قتلوا يوم بدر عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وهم أقرباؤهم، (فلم يتوقف) أحد عن قتل أهله وقرابته، فمدحهم الله عز وجل في هذه الآية.
* *
ثم قال ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ أي: وقواهم ببرهان منه. وذلك النور والهدى الذين يجعلها الله عز وجل في قلب من يشاء. وقيل بروح منه: بجبريل ينصرهم ويؤيدهم ويوقفهم. ثم وعدهم بالجنة.
فقال: ﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها رضي الله عنهم بطاعتهم إياه ورضوا عنه بوفائه إياهم ما وعدهم من الجنة.
* *
ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ﴾ أي: جنده وأولياؤه.
﴿أَلاَ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ أي: الباقون في النعيم المقيم والفلاح والبقاء.
المجادلة 58:22
قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ قَوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم﴾ الآيات.
أي: ألم تنظر بعين قلبك يا محمد فترى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم. يعني: المنافقين والوا اليهود، ما هم منكم [ولا منهم]، أي: ما المنافقون من أهل دينكم ولا من أهل دينهم، وهذا مثل قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ﴾ [الحشر: ١١] الآية.
وهو مثل قوله أيضا: ﴿فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ [المائدة: ٥٢] أي: نفاق ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ٥٢] أي: في موالات اليهود ﴿يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ﴾ [المائدة: ٥٢] يعني المنافقين يقولون ذلك.
قال ابن زيد هؤلاء المنافقون قالوا لا ندع حلفاءنا وموالينا فيكونون معنا لنصرتنا وعزنا، نخشى أن تصيبنا دائرة، فقال الله جل ذكره: ﴿فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ﴾ [المائدة: ٥٢] الآيات.
وقوله ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: يحلفون للنبي ﷺ أنهم يشهدون أنه رسول الله ﷺ. وهو قوله: ﴿إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] أي: لكاذبون في ادعائهم أن ذلك إيمان من قلوبهم وإقرار صحيح، إنما ذلك قول بألسنتهم واعتقادهم خلاف ذلك، وهذا مثل قوله: ﴿وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] وذكر هذه الآية نزلت في رجل من المنافقين عاتبه النبي ﷺ في أمر بلغه عنه، فحلف كاذباً.
وقال ابن عباس: كان النبي ﷺ في ظل شجرة قد كاد الظل يتقلص عنه، إذ قال يجيئكم الساعة رجل ينظر إليكم نظر شيطان، فنحن على ذلك إذ أقبل رجل أزرق، فدعاه رسول الله ﷺ. فقال علام تسبني أنت وأصحابك؟ فقال دعي أجيئك بهم فمر فجاء بهم فحلفوا جميعا أنه ما كان من ذلك شيء، فأنزل الله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ الآية
ثم قال: ﴿أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾ أي: لهؤلاء المنافقين الذين تولوا اليهود. ﴿إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي: بئس عملهم في الدنيا لغشهم للمسلمين ونصحهم اليهود.
* *
ثم قال: ﴿ٱتَّخَذْوۤاْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ أي: جعلوا حلفهم جنة يمتنعون بها من القتل، ويدفعون بها عن أنفسهم وأموالهم وذراريهم العقوبة، وذلك أنه إذا اطلع على شيء من نفاقهم حلفوا للمؤمنين انهم منهم، فيتركون.
* *
ثم قال: ﴿فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ أي: فصدوا المؤمنين بإيمانهم عن أن يقتلوهم، وقتلهم هو سبيل الله فيهم، لأنهم كفار لا يؤدون الجزية.
* *
ثم قال: ﴿فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ أي: فلهؤلاء المنافقين في الآخرة عذاب مذل، وهو عذاب النار.
* *
ثم قال: ﴿لَّن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً﴾ أي: لن ينتفعوا بها في الآخرة من عقوبة الله لهم ولن ينقذوا بها من عذاب الهم.
﴿أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ يعني: المنافقين إنهم ماكثون أبداً في نار جهنم.
* *
ثم قال: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ [لَكُمْ]﴾ أي: هم ماكثون في النار يوم يبعثهم الله جميعاً، وذلك يوم القيامة. ويجوز أن يكون تقدير العامل: اذكر يوم يبعثهم الله من قبورهم فيحلفون لله وهم كاذبون كما يحلفون للمؤمنين وهم كاذبون.
قال قتادة: إن المنافق حلف يوم القيامة كما حلف في الدنيا. ثم قال ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ﴾ أي: ويظنون أنهم في أيمانهم وحلفهم لله كاذبين على شيء من الحق.
﴿أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ﴾ أي: في حلفهم.
وأجاز علي بن سليمان "ألا أنَهم" بالفتح، فجعل "ألا" بمعنى "حقا".
* *
ثم قال: ﴿ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ﴾ أي: غلب عليهم واستولى على قلوبهم فنسوا ذكر الله.
﴿أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾ أي: جنده وأتباعه.
﴿أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ﴾ [أي: جنده وأتباعه هم] الهالكون المغبونون في الآخرة.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: يخالفونه في حدوده، فيصيرون في حد آخر غير الذي حد لهم. وقال المفسرون يحادون: يعادون. وقيل يشاقون، والمعنى واحد.
* *
ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلأَذَلِّينَ﴾ أي: في أهل الذلة، لأن الغلبة لله ورسوله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ﴾ أي: قضى ذلك في أم الكتاب.
قال قتادة: كتب كتاباً فأمضاه. وقال غيره: كتبه في اللوح المحفوظ.
وقال الفراء "كتب" هنا بمعنى: "قال".
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أي: ذو قوة على كل من حاده ورسوله أن يهلكه، عزيز في انتقامه من أعدائه.
* *
ثم قال: ﴿لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: ليس من والى من عادى الله ورسوله مؤمنين بالله واليوم الآخر.
ولو (كان الذي) عادى الله ورسوله أباً له أو ابناً له أو أخاً له أو زوجاً أو عشيرة له، لا عذر في موالاته بهذه القرابة إذا كان ممن عادى الله ورسوله.
وروي أن هذه الآية نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة يخبرهم بخروج النبي ﷺ ويأمرهم بالتحرز ثم أعتذر لما اطلع عليه بأهله بمكة، وأنه أحب أن يقدم عندهم يداً يحفظون أهله من أجلها. وفي دعاء النبي ﷺ "اللهم لا تجعل لأحد أشرك بك في عنقي منة فيكون ذلك سببا للمودة لأنك لا تجد قوما يؤمنون بالله [واليوم] إلى أو عشيرتهم
ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ﴾ أي: أولئك الذين لا يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا ذوي قربى منهم ونسب، كتب الله عز وجل في قلوبهم الإيمان، (أي: غطى قلوبهم بالإيمان).
و "في" بمعنى "اللام" والإخبار عن القلب كالأخبار عن صاحبه.. وقيل معناه: كتب في قلوبهم سمة الإيمان ليعلم أنهم مؤمنون. وقد روي أن أبا عبيدة بن الجراح قتل أباه يوم أحد. وأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قتل خاله العاصي بن هشام يوم بدر، ودعا أبو بكر ابنه للبراز يوم بدر فأمره النبي ﷺ أن يقعد، وأن مصعب بن عمير قتل أخاه يوم أحد. وكان علي وعمه حمزة وعبيدة بن الحارث قتلوا يوم بدر عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وهم أقرباؤهم، (فلم يتوقف) أحد عن قتل أهله وقرابته، فمدحهم الله عز وجل في هذه الآية.
* *
ثم قال ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ أي: وقواهم ببرهان منه. وذلك النور والهدى الذين يجعلها الله عز وجل في قلب من يشاء. وقيل بروح منه: بجبريل ينصرهم ويؤيدهم ويوقفهم. ثم وعدهم بالجنة.
فقال: ﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها رضي الله عنهم بطاعتهم إياه ورضوا عنه بوفائه إياهم ما وعدهم من الجنة.
* *
ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ﴾ أي: جنده وأولياؤه.
﴿أَلاَ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ أي: الباقون في النعيم المقيم والفلاح والبقاء.