Tafsir Makhi — الحشر 59:1 – الصف 61:14
المحتويات
- الحشر 59:1
- الحشر 59:2
- الحشر 59:3
- الحشر 59:4
- الحشر 59:5
- الحشر 59:6
- الحشر 59:7
- الحشر 59:8
- الحشر 59:9
- الحشر 59:10
- الحشر 59:11
- الحشر 59:12
- الحشر 59:13
- الحشر 59:14
- الحشر 59:15
- الحشر 59:16
- الحشر 59:17
- الحشر 59:18
- الحشر 59:19
- الحشر 59:20
- الحشر 59:21
- الحشر 59:22
- الحشر 59:23
- الحشر 59:24
- الممتحنة 60:1
- الممتحنة 60:2
- الممتحنة 60:3
- الممتحنة 60:4
- الممتحنة 60:5
- الممتحنة 60:6
- الممتحنة 60:7
- الممتحنة 60:8
- الممتحنة 60:9
- الممتحنة 60:10
- الممتحنة 60:11
- الممتحنة 60:12
- الممتحنة 60:13
- الصف 61:1
- الصف 61:2
- الصف 61:3
- الصف 61:4
- الصف 61:5
- الصف 61:6
- الصف 61:7
- الصف 61:8
- الصف 61:9
- الصف 61:10
- الصف 61:11
- الصف 61:12
- الصف 61:13
- الصف 61:14
الحشر 59:1
قوله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله ﴿شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ الآيات.
أي: صلى وسجد لله ما في السماوات وما في الأرض من خلقه، وهو العزيز في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبير خلقه.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ﴾ يعني: بني النضير حاصرهم النبي ﷺ في منصرفه من أحد، لأنهم أعانوا المشركين على المسلمين ونقضوا العهد، فلما ضيق عليهم صالحهم على أن لهم ما حملت الأبل من رحالتهم سوى الحلقة، والحلقة: السلاح، وأجلاهم إلى الشام، وذلك أول الحشر [حشر الناس إلى الشام في الدنيا ثم يحشرون إليها في الآخرة، فلذلك قال لأول الحشر]: أي: لأول الحشر في الدنيا إلى ارض الشام، ومنهم من جلي إلى خيبر، وبنو النضير حي من اليهود لم يجلوا قط، ولكن قضى الله عز وجل عليهم أنهم لا بد أن يجلوا من ديارهم. وهو قوله: ﴿وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا﴾ يعني: بالسيف والسبي. وروى الحسن أن النبي ﷺ لما أجلى بني النضير إلى الشام قال لهم امضوا هذا أول الحشر وأنا على الأثر.
قال عكرمة: إن شككتم أن الشام أرض المحشر فاقرأوا أول الحشر.
وقال ابن عباس: لأول الحشر، أنهم أول من حشر من أهل الكتاب وأخرج من ديارهم.
* *
ثم قال: ﴿مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ﴾ يقوله للمؤمنين، لم تظنوا أيها المؤمنون أنهم يخرجون من ديارهم لشدتهم واجتماع كلمتهم.
﴿وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ﴾ روي أن المنافقين بعثوا إليهم من المدينة لما حاصرهم النبي ﷺ يأمرونهم بالثبات في حصونهم ويعدونهم النصرة، وهو قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ﴾ [الحشر: ١١] الآية.
* *
وقوله: ﴿لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ﴾ هو إخراج النبي بني النضير من المدينة إلى خيبر، وآخر الحشر هو إخراجهم من خيبر إلى أريحا وأذرعات، وذلك على يد عمر رضي الله عنه. وقيل آخر حشرهم يوم القيامة.
* *
ثم قال: ﴿فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ﴾ أي: فجاءهم أمر الله، فقذف في قلوبهم الرعب عند نزول النبي ﷺ وأصحابه بهم، فذهب ما كانوا يظنون أن حصونهم مانعة لهم من النبي عليه السلام وأصحابه.
وقال أبو صالح: معنى: ﴿فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ﴾: هو قتل كعب ابن الأشرف.
وروى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "نصرت بالرعب على مسيرة شهر
ومعنى ﴿يَحْتَسِبُواْ﴾: يظنوا. وقيل: يعلموا، من قول الناس: حسبه الله: أي: العالم بخبره الله، وهو الذي يجازيه.
وقيل: معناه: كافي إياك الله. من قولهم: أحسب الشيء: إذا كفاه وقيل حسبك الله: معناه: محاسبك، كشريب بمعنى شارب. وقيل: حسبك الله معناه، المقتدر عليك الله، ومنه قوله: ﴿كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً﴾ [النساء: ٨٦] أي: مقتدرا.
* *
ثم قال: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ﴾. من خفف فمعناه: [يتركونها معطلة، والبيت المعطل خراب، وقيل معناه يهدمونها، ومن يشدَّد] فمعناه: يهدمونها أيضاً: كأذكرت الرجل وذكرته (وأبلغته)، ومعناه: أن المؤمنين كانوا يهدمون الحصون ليدخلوا عليهم البيوت واليهود [يهدمون بيوتهم ويبنون ما هدم المؤمنون من الحصن فهم والمؤمنون يهدمون] مساكنهم وبيوتهم قاله ابن عباس والضحاك.
وقيل: إنهم لما صولحوا على ما حملت إبلهم كان أحدهم ينظر إلى الخشبة في منزله فيستحسنها والعمود والباب. فينزع ذلك ويهدمه فيحمله معه، والمؤمنون يهدمون ما بقي.
قال قتادة: جعل المؤمنون يخربون من ظاهر وجعلوا هم يخربون من داخل. قال الزهري لما صالحوا كانوا لا تعجبهم خشبة إلا أخذوها، فكان ذلك خرابهم لبيوتهم، وهو معنى قول ابن زيد.
قال قتادة: كان المسلمون يخربون من خارج ليدخلوا على اليهود، واليهود يخربون من داخل.
* *
ثم قال ﴿فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ﴾ أي: فاتعظوا يا معشر ذوي الأفهام بما أحل الله بهؤلاء اليهود.
وقيل معناه: يا من أبصر بعينه، والأول أحسن.
والاعتبار اشتقاقه من عبر إلى كذا: إذا جاوز إليه، والعبرة منه لأنها متجاوزة من العين إلى الخد.
* *
ثم قال ﴿وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا﴾ أي: لولا أن الله عز وجل (قضى وحتم على هؤلاء اليهود الجلاء) لعذبهم في الدنيا بالسيف [والسبي]، ولهم مع ذلك في الآخرة عذاب النار.
قال الزهري: كان النضير من سبط لم يصبهم جلاء قط فيما مضى، وكان الله عز وجل قد كتب عليهم الجلاء، فأتم فيهم قضاءه، ولولا ذلك لعذبهم بالسيف والسبي في الدنيا.
والجلاء: الانتقال من مكان إلى مكان، يقال جلا القوم من منازلهم وأجليتهم. وحكى أحمد بن يحيى: أُجْلِي القوم من منازلهم. بمعنى: جُلُوا.
وحكى غيره: جلوا عن منازلهم يجلون، قال ابن عباس كان النبي عليه السلام قد حاصرهم حتى بلغ بهم كل مبلغ فأعطوا ما أراد منهم، فصالحهم على أن يحقن لهم دماءهم، وأن يخرجهم من أرضهم ويسيرهم إلى أذرعات الشام، وجعل لكل ثلاثة منهم بعيرا وسقاء.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: الأمر ذلك، لأنهم خالفوا أمر الله عز وجل، وأمر رسوله ﷺ، فصاروا في شق والمؤمنون في شق، ويجوز أن يكون التقدير: فعلنا بهم ذلك لأنهم شاقوا الله ورسوله، "فذلك" على القول [الأول] في موضع رفع خبر الابتداء المضمر، وعلى هذا القول في موضع نصب بالفعل المضمر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ أي: ومن يخالف الله في أمره فإن الله شديد العقاب له في الآخرة.
* *
ثم قال: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾.
أي: ما قطعتم من ألوان النخل أو تركتموها قائمة فلم تقطعوها. واللينة جمع ألوان النخل سوى العجوة، قال عكرمة، وقاله يزيد بن رومان وقتادة وهو قول ابن عباس وابن جبير والزهري.
وقال مجاهد: اللينة: النخل كله من العجوة وغيرها، وقال: نهى بعض المهاجرين بعضاً عن قطع النخل، وقال: إنما هي مغانم المسلمين، فنزل القرآن بتصديق من نهى عن قطعه وتحليل قطع من قطع، فاعلموا أن ما قطع منه وما ترك بإذن الله كان.
وقال ابن زيد اللينة: النخلة عجوة كانت أو غير عجوة.
وعن ابن عباس: اللينة: لون من النخيل.
وعن سفيان الثوري: اللينة: كرام النخل.
وقال أبو عبيدة: هي ألوان النخل ما لم تكن العَجْوَةُ واُلْبَرْنِي.
وروي: أن النبي ﷺ لما حاصرهم فتحصنوا [وأبوا أن يخرجوا، قطع نخلهم وأحرقها، فقالوا يا محمد أنت تنهى عن الفساد] فما معنى هذا؟ فوقع في قلوب المسلمين من ذلك شيء فأنزل الله عز وجل ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ﴾" الآية.
وروى: أن أبا بكر نهى المسلمين عن قطع النخل [حين] وجه بهم لفتح الشام، وإنما ذلك لأن النبي ﷺ [أعلمهم] أن الشام ستفتح عليهم، فلما تيقن بفتحها لم يحتج إلى إخراب ما ينتفع به المسلمون.
والياء في "لينة" منقلبة عن واو لأنها من اللون، وقيل هي مشتقة من لأن يلين، فتكون الياء أصلية غير منقلبة.
ومعنى: ﴿فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ أي: فبأمر الله قطعت نقمة من أعدائه وخزياً لهم وهو قوله: ﴿وَلِيُخْزِيَ ٱلْفَاسِقِينَ﴾ ليذلهم، وهم بنو النضير.
* *
ثم قال: ﴿وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ أي: الذي رد الله على رسوله ﷺ من أموال بني النضير فلم توجفوا على غنيمته وأخذه خيلاً ولا إبلاً، أي: لم تلقوا في ذلك حرباً ولا مئونة، لأنهم معكم في بلدكم. قال قتادة: ما قطعتم إليهم وادياً، ولا سرتم مسيراً، إنما كانت حوائط بين النضير طعمة لكم من عند الله. (وقد قيل إنما عني بذلك) أموال بني قريظة، إذ قتلهم النبي ﷺ، وسباهم لما استولى عليهم، قاله الضحاك. وأكثر المفسرين على أنهم بنو النضير، لأنهم صولحوا على الجلاء وتركوا أموالهم بغير إيجاف من خيل ولا ركاب. والإيجَاف: ضرب من السير سريع. يقال: وَجَفَ: إذا أسرع، وأَوجَفَه غيره.
قال مجاهد: في قوله ﴿فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ ذكرهم ربهم عز وجل أنه نصرهم وكفاهم.
قال ابن عباس:أمر الله عز وجل رسوله ﷺ بالمسير إلى قريظة والنضير، وليس للمسلمين يومئذ كبير خيل ولا ركاب يوجف عليها فملكوا من ذلك خيبر وفدك وقرى ثم أمر الله عز وجل رسوله ﷺ أن يعمد لينبع فأتاها فاحتواها كلها عدة (لنفقته ومصالح) المسلمين ولم يقسمها، فكان يفعل فيها ما يرى فيجعل الباقي بعد مصلحته في السلاح الذي يقاتل به العدو، وفي الكراع، فلما توفي النبي ﷺ طلبت فاطمة أبا بكر في إرثها من ذلك، فقال أبو بكر أنت أعز علي [غير] أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا نورث" ما تركنا صدقة
ولكني أقره على ما كان في (عهد رسول الله) ﷺ فقال ناس: هلا قسمها النبي ﷺ، فأنزل الله عز وجل ﴿مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ﴾.
* *
ثم قال: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ﴾ أي: يفعل ذلك كما سلط محمداً ﷺ على بني النضير، فكان له خاصة ما غنم منهم يعمل فيه ما يرى.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: ذو قدرة على كل شيء، لا يعجزه شيء، وبقدرته سلط محمدا ﷺ على بني النضير وغيرهم.
* *
ثم قال: ﴿مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾.
أي: الذي رد الله عز وجل على رسوله ﷺ من أموال مشركي القرى [فلله وللرسول يعني القرى] التي غنمت بقتال وإيجاف خيل وركاب، ثم نسخ ذلك في سورة الأنفال بقوله: ﴿وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ﴾ [الانفال: ٤١] الآية.
وقيل: أي: هذا فيما غنمتم بصلح من غير إيجاف خيل أو ركاب فيكون مثل الأول في المعنى، إلا أن الأول مخصوص في (بني النضير) خاصة يتفرد به النبي ﷺ يفعل فيه ما يرى، وكذلك فعل، وهذا الثاني يكون للأصناف التي ذكر الله عز وجل والذي في سورة الأنفال في ما غنم بخيل وركاب وقتال، فالثلاث الآيات محكمات على هذا القول.
وقيل: أن هذا غير الأول لأن هذا إنما هو في ما كان من الجزية. والخراج يكون لهؤلاء الأصناف المذكورين، والأول للنبي عليه السلام خاصة، وما في الأنفال هو ما غنم بإيجاف خيل وركاب وقتال يكون للأصناف المذكورين، وهذا القول قاله معمر.
* *
ثم قال: ﴿كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ ٱلأَغْنِيَآءِ مِنكُمْ﴾ أي: فعلنا ذلك في هذه الغنائم كي لا يقتسمه الأغنياء منكم ويتداولوه بينهم دون من ذكر الله عز وجل.
* *
ثم قال: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ أي: اتقوه أن تخالفوا رسوله.
الحشر 59:2
قوله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله ﴿شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ الآيات.
أي: صلى وسجد لله ما في السماوات وما في الأرض من خلقه، وهو العزيز في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبير خلقه.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ﴾ يعني: بني النضير حاصرهم النبي ﷺ في منصرفه من أحد، لأنهم أعانوا المشركين على المسلمين ونقضوا العهد، فلما ضيق عليهم صالحهم على أن لهم ما حملت الأبل من رحالتهم سوى الحلقة، والحلقة: السلاح، وأجلاهم إلى الشام، وذلك أول الحشر [حشر الناس إلى الشام في الدنيا ثم يحشرون إليها في الآخرة، فلذلك قال لأول الحشر]: أي: لأول الحشر في الدنيا إلى ارض الشام، ومنهم من جلي إلى خيبر، وبنو النضير حي من اليهود لم يجلوا قط، ولكن قضى الله عز وجل عليهم أنهم لا بد أن يجلوا من ديارهم. وهو قوله: ﴿وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا﴾ يعني: بالسيف والسبي. وروى الحسن أن النبي ﷺ لما أجلى بني النضير إلى الشام قال لهم امضوا هذا أول الحشر وأنا على الأثر.
قال عكرمة: إن شككتم أن الشام أرض المحشر فاقرأوا أول الحشر.
وقال ابن عباس: لأول الحشر، أنهم أول من حشر من أهل الكتاب وأخرج من ديارهم.
* *
ثم قال: ﴿مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ﴾ يقوله للمؤمنين، لم تظنوا أيها المؤمنون أنهم يخرجون من ديارهم لشدتهم واجتماع كلمتهم.
﴿وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ﴾ روي أن المنافقين بعثوا إليهم من المدينة لما حاصرهم النبي ﷺ يأمرونهم بالثبات في حصونهم ويعدونهم النصرة، وهو قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ﴾ [الحشر: ١١] الآية.
* *
وقوله: ﴿لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ﴾ هو إخراج النبي بني النضير من المدينة إلى خيبر، وآخر الحشر هو إخراجهم من خيبر إلى أريحا وأذرعات، وذلك على يد عمر رضي الله عنه. وقيل آخر حشرهم يوم القيامة.
* *
ثم قال: ﴿فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ﴾ أي: فجاءهم أمر الله، فقذف في قلوبهم الرعب عند نزول النبي ﷺ وأصحابه بهم، فذهب ما كانوا يظنون أن حصونهم مانعة لهم من النبي عليه السلام وأصحابه.
وقال أبو صالح: معنى: ﴿فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ﴾: هو قتل كعب ابن الأشرف.
وروى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "نصرت بالرعب على مسيرة شهر
ومعنى ﴿يَحْتَسِبُواْ﴾: يظنوا. وقيل: يعلموا، من قول الناس: حسبه الله: أي: العالم بخبره الله، وهو الذي يجازيه.
وقيل: معناه: كافي إياك الله. من قولهم: أحسب الشيء: إذا كفاه وقيل حسبك الله: معناه: محاسبك، كشريب بمعنى شارب. وقيل: حسبك الله معناه، المقتدر عليك الله، ومنه قوله: ﴿كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً﴾ [النساء: ٨٦] أي: مقتدرا.
* *
ثم قال: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ﴾. من خفف فمعناه: [يتركونها معطلة، والبيت المعطل خراب، وقيل معناه يهدمونها، ومن يشدَّد] فمعناه: يهدمونها أيضاً: كأذكرت الرجل وذكرته (وأبلغته)، ومعناه: أن المؤمنين كانوا يهدمون الحصون ليدخلوا عليهم البيوت واليهود [يهدمون بيوتهم ويبنون ما هدم المؤمنون من الحصن فهم والمؤمنون يهدمون] مساكنهم وبيوتهم قاله ابن عباس والضحاك.
وقيل: إنهم لما صولحوا على ما حملت إبلهم كان أحدهم ينظر إلى الخشبة في منزله فيستحسنها والعمود والباب. فينزع ذلك ويهدمه فيحمله معه، والمؤمنون يهدمون ما بقي.
قال قتادة: جعل المؤمنون يخربون من ظاهر وجعلوا هم يخربون من داخل. قال الزهري لما صالحوا كانوا لا تعجبهم خشبة إلا أخذوها، فكان ذلك خرابهم لبيوتهم، وهو معنى قول ابن زيد.
قال قتادة: كان المسلمون يخربون من خارج ليدخلوا على اليهود، واليهود يخربون من داخل.
* *
ثم قال ﴿فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ﴾ أي: فاتعظوا يا معشر ذوي الأفهام بما أحل الله بهؤلاء اليهود.
وقيل معناه: يا من أبصر بعينه، والأول أحسن.
والاعتبار اشتقاقه من عبر إلى كذا: إذا جاوز إليه، والعبرة منه لأنها متجاوزة من العين إلى الخد.
* *
ثم قال ﴿وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا﴾ أي: لولا أن الله عز وجل (قضى وحتم على هؤلاء اليهود الجلاء) لعذبهم في الدنيا بالسيف [والسبي]، ولهم مع ذلك في الآخرة عذاب النار.
قال الزهري: كان النضير من سبط لم يصبهم جلاء قط فيما مضى، وكان الله عز وجل قد كتب عليهم الجلاء، فأتم فيهم قضاءه، ولولا ذلك لعذبهم بالسيف والسبي في الدنيا.
والجلاء: الانتقال من مكان إلى مكان، يقال جلا القوم من منازلهم وأجليتهم. وحكى أحمد بن يحيى: أُجْلِي القوم من منازلهم. بمعنى: جُلُوا.
وحكى غيره: جلوا عن منازلهم يجلون، قال ابن عباس كان النبي عليه السلام قد حاصرهم حتى بلغ بهم كل مبلغ فأعطوا ما أراد منهم، فصالحهم على أن يحقن لهم دماءهم، وأن يخرجهم من أرضهم ويسيرهم إلى أذرعات الشام، وجعل لكل ثلاثة منهم بعيرا وسقاء.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: الأمر ذلك، لأنهم خالفوا أمر الله عز وجل، وأمر رسوله ﷺ، فصاروا في شق والمؤمنون في شق، ويجوز أن يكون التقدير: فعلنا بهم ذلك لأنهم شاقوا الله ورسوله، "فذلك" على القول [الأول] في موضع رفع خبر الابتداء المضمر، وعلى هذا القول في موضع نصب بالفعل المضمر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ أي: ومن يخالف الله في أمره فإن الله شديد العقاب له في الآخرة.
* *
ثم قال: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾.
أي: ما قطعتم من ألوان النخل أو تركتموها قائمة فلم تقطعوها. واللينة جمع ألوان النخل سوى العجوة، قال عكرمة، وقاله يزيد بن رومان وقتادة وهو قول ابن عباس وابن جبير والزهري.
وقال مجاهد: اللينة: النخل كله من العجوة وغيرها، وقال: نهى بعض المهاجرين بعضاً عن قطع النخل، وقال: إنما هي مغانم المسلمين، فنزل القرآن بتصديق من نهى عن قطعه وتحليل قطع من قطع، فاعلموا أن ما قطع منه وما ترك بإذن الله كان.
وقال ابن زيد اللينة: النخلة عجوة كانت أو غير عجوة.
وعن ابن عباس: اللينة: لون من النخيل.
وعن سفيان الثوري: اللينة: كرام النخل.
وقال أبو عبيدة: هي ألوان النخل ما لم تكن العَجْوَةُ واُلْبَرْنِي.
وروي: أن النبي ﷺ لما حاصرهم فتحصنوا [وأبوا أن يخرجوا، قطع نخلهم وأحرقها، فقالوا يا محمد أنت تنهى عن الفساد] فما معنى هذا؟ فوقع في قلوب المسلمين من ذلك شيء فأنزل الله عز وجل ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ﴾" الآية.
وروى: أن أبا بكر نهى المسلمين عن قطع النخل [حين] وجه بهم لفتح الشام، وإنما ذلك لأن النبي ﷺ [أعلمهم] أن الشام ستفتح عليهم، فلما تيقن بفتحها لم يحتج إلى إخراب ما ينتفع به المسلمون.
والياء في "لينة" منقلبة عن واو لأنها من اللون، وقيل هي مشتقة من لأن يلين، فتكون الياء أصلية غير منقلبة.
ومعنى: ﴿فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ أي: فبأمر الله قطعت نقمة من أعدائه وخزياً لهم وهو قوله: ﴿وَلِيُخْزِيَ ٱلْفَاسِقِينَ﴾ ليذلهم، وهم بنو النضير.
* *
ثم قال: ﴿وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ أي: الذي رد الله على رسوله ﷺ من أموال بني النضير فلم توجفوا على غنيمته وأخذه خيلاً ولا إبلاً، أي: لم تلقوا في ذلك حرباً ولا مئونة، لأنهم معكم في بلدكم. قال قتادة: ما قطعتم إليهم وادياً، ولا سرتم مسيراً، إنما كانت حوائط بين النضير طعمة لكم من عند الله. (وقد قيل إنما عني بذلك) أموال بني قريظة، إذ قتلهم النبي ﷺ، وسباهم لما استولى عليهم، قاله الضحاك. وأكثر المفسرين على أنهم بنو النضير، لأنهم صولحوا على الجلاء وتركوا أموالهم بغير إيجاف من خيل ولا ركاب. والإيجَاف: ضرب من السير سريع. يقال: وَجَفَ: إذا أسرع، وأَوجَفَه غيره.
قال مجاهد: في قوله ﴿فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ ذكرهم ربهم عز وجل أنه نصرهم وكفاهم.
قال ابن عباس:أمر الله عز وجل رسوله ﷺ بالمسير إلى قريظة والنضير، وليس للمسلمين يومئذ كبير خيل ولا ركاب يوجف عليها فملكوا من ذلك خيبر وفدك وقرى ثم أمر الله عز وجل رسوله ﷺ أن يعمد لينبع فأتاها فاحتواها كلها عدة (لنفقته ومصالح) المسلمين ولم يقسمها، فكان يفعل فيها ما يرى فيجعل الباقي بعد مصلحته في السلاح الذي يقاتل به العدو، وفي الكراع، فلما توفي النبي ﷺ طلبت فاطمة أبا بكر في إرثها من ذلك، فقال أبو بكر أنت أعز علي [غير] أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا نورث" ما تركنا صدقة
ولكني أقره على ما كان في (عهد رسول الله) ﷺ فقال ناس: هلا قسمها النبي ﷺ، فأنزل الله عز وجل ﴿مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ﴾.
* *
ثم قال: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ﴾ أي: يفعل ذلك كما سلط محمداً ﷺ على بني النضير، فكان له خاصة ما غنم منهم يعمل فيه ما يرى.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: ذو قدرة على كل شيء، لا يعجزه شيء، وبقدرته سلط محمدا ﷺ على بني النضير وغيرهم.
* *
ثم قال: ﴿مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾.
أي: الذي رد الله عز وجل على رسوله ﷺ من أموال مشركي القرى [فلله وللرسول يعني القرى] التي غنمت بقتال وإيجاف خيل وركاب، ثم نسخ ذلك في سورة الأنفال بقوله: ﴿وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ﴾ [الانفال: ٤١] الآية.
وقيل: أي: هذا فيما غنمتم بصلح من غير إيجاف خيل أو ركاب فيكون مثل الأول في المعنى، إلا أن الأول مخصوص في (بني النضير) خاصة يتفرد به النبي ﷺ يفعل فيه ما يرى، وكذلك فعل، وهذا الثاني يكون للأصناف التي ذكر الله عز وجل والذي في سورة الأنفال في ما غنم بخيل وركاب وقتال، فالثلاث الآيات محكمات على هذا القول.
وقيل: أن هذا غير الأول لأن هذا إنما هو في ما كان من الجزية. والخراج يكون لهؤلاء الأصناف المذكورين، والأول للنبي عليه السلام خاصة، وما في الأنفال هو ما غنم بإيجاف خيل وركاب وقتال يكون للأصناف المذكورين، وهذا القول قاله معمر.
* *
ثم قال: ﴿كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ ٱلأَغْنِيَآءِ مِنكُمْ﴾ أي: فعلنا ذلك في هذه الغنائم كي لا يقتسمه الأغنياء منكم ويتداولوه بينهم دون من ذكر الله عز وجل.
* *
ثم قال: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ أي: اتقوه أن تخالفوا رسوله.
الحشر 59:3
قوله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله ﴿شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ الآيات.
أي: صلى وسجد لله ما في السماوات وما في الأرض من خلقه، وهو العزيز في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبير خلقه.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ﴾ يعني: بني النضير حاصرهم النبي ﷺ في منصرفه من أحد، لأنهم أعانوا المشركين على المسلمين ونقضوا العهد، فلما ضيق عليهم صالحهم على أن لهم ما حملت الأبل من رحالتهم سوى الحلقة، والحلقة: السلاح، وأجلاهم إلى الشام، وذلك أول الحشر [حشر الناس إلى الشام في الدنيا ثم يحشرون إليها في الآخرة، فلذلك قال لأول الحشر]: أي: لأول الحشر في الدنيا إلى ارض الشام، ومنهم من جلي إلى خيبر، وبنو النضير حي من اليهود لم يجلوا قط، ولكن قضى الله عز وجل عليهم أنهم لا بد أن يجلوا من ديارهم. وهو قوله: ﴿وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا﴾ يعني: بالسيف والسبي. وروى الحسن أن النبي ﷺ لما أجلى بني النضير إلى الشام قال لهم امضوا هذا أول الحشر وأنا على الأثر.
قال عكرمة: إن شككتم أن الشام أرض المحشر فاقرأوا أول الحشر.
وقال ابن عباس: لأول الحشر، أنهم أول من حشر من أهل الكتاب وأخرج من ديارهم.
* *
ثم قال: ﴿مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ﴾ يقوله للمؤمنين، لم تظنوا أيها المؤمنون أنهم يخرجون من ديارهم لشدتهم واجتماع كلمتهم.
﴿وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ﴾ روي أن المنافقين بعثوا إليهم من المدينة لما حاصرهم النبي ﷺ يأمرونهم بالثبات في حصونهم ويعدونهم النصرة، وهو قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ﴾ [الحشر: ١١] الآية.
* *
وقوله: ﴿لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ﴾ هو إخراج النبي بني النضير من المدينة إلى خيبر، وآخر الحشر هو إخراجهم من خيبر إلى أريحا وأذرعات، وذلك على يد عمر رضي الله عنه. وقيل آخر حشرهم يوم القيامة.
* *
ثم قال: ﴿فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ﴾ أي: فجاءهم أمر الله، فقذف في قلوبهم الرعب عند نزول النبي ﷺ وأصحابه بهم، فذهب ما كانوا يظنون أن حصونهم مانعة لهم من النبي عليه السلام وأصحابه.
وقال أبو صالح: معنى: ﴿فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ﴾: هو قتل كعب ابن الأشرف.
وروى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "نصرت بالرعب على مسيرة شهر
ومعنى ﴿يَحْتَسِبُواْ﴾: يظنوا. وقيل: يعلموا، من قول الناس: حسبه الله: أي: العالم بخبره الله، وهو الذي يجازيه.
وقيل: معناه: كافي إياك الله. من قولهم: أحسب الشيء: إذا كفاه وقيل حسبك الله: معناه: محاسبك، كشريب بمعنى شارب. وقيل: حسبك الله معناه، المقتدر عليك الله، ومنه قوله: ﴿كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً﴾ [النساء: ٨٦] أي: مقتدرا.
* *
ثم قال: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ﴾. من خفف فمعناه: [يتركونها معطلة، والبيت المعطل خراب، وقيل معناه يهدمونها، ومن يشدَّد] فمعناه: يهدمونها أيضاً: كأذكرت الرجل وذكرته (وأبلغته)، ومعناه: أن المؤمنين كانوا يهدمون الحصون ليدخلوا عليهم البيوت واليهود [يهدمون بيوتهم ويبنون ما هدم المؤمنون من الحصن فهم والمؤمنون يهدمون] مساكنهم وبيوتهم قاله ابن عباس والضحاك.
وقيل: إنهم لما صولحوا على ما حملت إبلهم كان أحدهم ينظر إلى الخشبة في منزله فيستحسنها والعمود والباب. فينزع ذلك ويهدمه فيحمله معه، والمؤمنون يهدمون ما بقي.
قال قتادة: جعل المؤمنون يخربون من ظاهر وجعلوا هم يخربون من داخل. قال الزهري لما صالحوا كانوا لا تعجبهم خشبة إلا أخذوها، فكان ذلك خرابهم لبيوتهم، وهو معنى قول ابن زيد.
قال قتادة: كان المسلمون يخربون من خارج ليدخلوا على اليهود، واليهود يخربون من داخل.
* *
ثم قال ﴿فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ﴾ أي: فاتعظوا يا معشر ذوي الأفهام بما أحل الله بهؤلاء اليهود.
وقيل معناه: يا من أبصر بعينه، والأول أحسن.
والاعتبار اشتقاقه من عبر إلى كذا: إذا جاوز إليه، والعبرة منه لأنها متجاوزة من العين إلى الخد.
* *
ثم قال ﴿وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا﴾ أي: لولا أن الله عز وجل (قضى وحتم على هؤلاء اليهود الجلاء) لعذبهم في الدنيا بالسيف [والسبي]، ولهم مع ذلك في الآخرة عذاب النار.
قال الزهري: كان النضير من سبط لم يصبهم جلاء قط فيما مضى، وكان الله عز وجل قد كتب عليهم الجلاء، فأتم فيهم قضاءه، ولولا ذلك لعذبهم بالسيف والسبي في الدنيا.
والجلاء: الانتقال من مكان إلى مكان، يقال جلا القوم من منازلهم وأجليتهم. وحكى أحمد بن يحيى: أُجْلِي القوم من منازلهم. بمعنى: جُلُوا.
وحكى غيره: جلوا عن منازلهم يجلون، قال ابن عباس كان النبي عليه السلام قد حاصرهم حتى بلغ بهم كل مبلغ فأعطوا ما أراد منهم، فصالحهم على أن يحقن لهم دماءهم، وأن يخرجهم من أرضهم ويسيرهم إلى أذرعات الشام، وجعل لكل ثلاثة منهم بعيرا وسقاء.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: الأمر ذلك، لأنهم خالفوا أمر الله عز وجل، وأمر رسوله ﷺ، فصاروا في شق والمؤمنون في شق، ويجوز أن يكون التقدير: فعلنا بهم ذلك لأنهم شاقوا الله ورسوله، "فذلك" على القول [الأول] في موضع رفع خبر الابتداء المضمر، وعلى هذا القول في موضع نصب بالفعل المضمر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ أي: ومن يخالف الله في أمره فإن الله شديد العقاب له في الآخرة.
* *
ثم قال: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾.
أي: ما قطعتم من ألوان النخل أو تركتموها قائمة فلم تقطعوها. واللينة جمع ألوان النخل سوى العجوة، قال عكرمة، وقاله يزيد بن رومان وقتادة وهو قول ابن عباس وابن جبير والزهري.
وقال مجاهد: اللينة: النخل كله من العجوة وغيرها، وقال: نهى بعض المهاجرين بعضاً عن قطع النخل، وقال: إنما هي مغانم المسلمين، فنزل القرآن بتصديق من نهى عن قطعه وتحليل قطع من قطع، فاعلموا أن ما قطع منه وما ترك بإذن الله كان.
وقال ابن زيد اللينة: النخلة عجوة كانت أو غير عجوة.
وعن ابن عباس: اللينة: لون من النخيل.
وعن سفيان الثوري: اللينة: كرام النخل.
وقال أبو عبيدة: هي ألوان النخل ما لم تكن العَجْوَةُ واُلْبَرْنِي.
وروي: أن النبي ﷺ لما حاصرهم فتحصنوا [وأبوا أن يخرجوا، قطع نخلهم وأحرقها، فقالوا يا محمد أنت تنهى عن الفساد] فما معنى هذا؟ فوقع في قلوب المسلمين من ذلك شيء فأنزل الله عز وجل ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ﴾" الآية.
وروى: أن أبا بكر نهى المسلمين عن قطع النخل [حين] وجه بهم لفتح الشام، وإنما ذلك لأن النبي ﷺ [أعلمهم] أن الشام ستفتح عليهم، فلما تيقن بفتحها لم يحتج إلى إخراب ما ينتفع به المسلمون.
والياء في "لينة" منقلبة عن واو لأنها من اللون، وقيل هي مشتقة من لأن يلين، فتكون الياء أصلية غير منقلبة.
ومعنى: ﴿فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ أي: فبأمر الله قطعت نقمة من أعدائه وخزياً لهم وهو قوله: ﴿وَلِيُخْزِيَ ٱلْفَاسِقِينَ﴾ ليذلهم، وهم بنو النضير.
* *
ثم قال: ﴿وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ أي: الذي رد الله على رسوله ﷺ من أموال بني النضير فلم توجفوا على غنيمته وأخذه خيلاً ولا إبلاً، أي: لم تلقوا في ذلك حرباً ولا مئونة، لأنهم معكم في بلدكم. قال قتادة: ما قطعتم إليهم وادياً، ولا سرتم مسيراً، إنما كانت حوائط بين النضير طعمة لكم من عند الله. (وقد قيل إنما عني بذلك) أموال بني قريظة، إذ قتلهم النبي ﷺ، وسباهم لما استولى عليهم، قاله الضحاك. وأكثر المفسرين على أنهم بنو النضير، لأنهم صولحوا على الجلاء وتركوا أموالهم بغير إيجاف من خيل ولا ركاب. والإيجَاف: ضرب من السير سريع. يقال: وَجَفَ: إذا أسرع، وأَوجَفَه غيره.
قال مجاهد: في قوله ﴿فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ ذكرهم ربهم عز وجل أنه نصرهم وكفاهم.
قال ابن عباس:أمر الله عز وجل رسوله ﷺ بالمسير إلى قريظة والنضير، وليس للمسلمين يومئذ كبير خيل ولا ركاب يوجف عليها فملكوا من ذلك خيبر وفدك وقرى ثم أمر الله عز وجل رسوله ﷺ أن يعمد لينبع فأتاها فاحتواها كلها عدة (لنفقته ومصالح) المسلمين ولم يقسمها، فكان يفعل فيها ما يرى فيجعل الباقي بعد مصلحته في السلاح الذي يقاتل به العدو، وفي الكراع، فلما توفي النبي ﷺ طلبت فاطمة أبا بكر في إرثها من ذلك، فقال أبو بكر أنت أعز علي [غير] أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا نورث" ما تركنا صدقة
ولكني أقره على ما كان في (عهد رسول الله) ﷺ فقال ناس: هلا قسمها النبي ﷺ، فأنزل الله عز وجل ﴿مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ﴾.
* *
ثم قال: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ﴾ أي: يفعل ذلك كما سلط محمداً ﷺ على بني النضير، فكان له خاصة ما غنم منهم يعمل فيه ما يرى.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: ذو قدرة على كل شيء، لا يعجزه شيء، وبقدرته سلط محمدا ﷺ على بني النضير وغيرهم.
* *
ثم قال: ﴿مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾.
أي: الذي رد الله عز وجل على رسوله ﷺ من أموال مشركي القرى [فلله وللرسول يعني القرى] التي غنمت بقتال وإيجاف خيل وركاب، ثم نسخ ذلك في سورة الأنفال بقوله: ﴿وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ﴾ [الانفال: ٤١] الآية.
وقيل: أي: هذا فيما غنمتم بصلح من غير إيجاف خيل أو ركاب فيكون مثل الأول في المعنى، إلا أن الأول مخصوص في (بني النضير) خاصة يتفرد به النبي ﷺ يفعل فيه ما يرى، وكذلك فعل، وهذا الثاني يكون للأصناف التي ذكر الله عز وجل والذي في سورة الأنفال في ما غنم بخيل وركاب وقتال، فالثلاث الآيات محكمات على هذا القول.
وقيل: أن هذا غير الأول لأن هذا إنما هو في ما كان من الجزية. والخراج يكون لهؤلاء الأصناف المذكورين، والأول للنبي عليه السلام خاصة، وما في الأنفال هو ما غنم بإيجاف خيل وركاب وقتال يكون للأصناف المذكورين، وهذا القول قاله معمر.
* *
ثم قال: ﴿كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ ٱلأَغْنِيَآءِ مِنكُمْ﴾ أي: فعلنا ذلك في هذه الغنائم كي لا يقتسمه الأغنياء منكم ويتداولوه بينهم دون من ذكر الله عز وجل.
* *
ثم قال: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ أي: اتقوه أن تخالفوا رسوله.
الحشر 59:4
قوله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله ﴿شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ الآيات.
أي: صلى وسجد لله ما في السماوات وما في الأرض من خلقه، وهو العزيز في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبير خلقه.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ﴾ يعني: بني النضير حاصرهم النبي ﷺ في منصرفه من أحد، لأنهم أعانوا المشركين على المسلمين ونقضوا العهد، فلما ضيق عليهم صالحهم على أن لهم ما حملت الأبل من رحالتهم سوى الحلقة، والحلقة: السلاح، وأجلاهم إلى الشام، وذلك أول الحشر [حشر الناس إلى الشام في الدنيا ثم يحشرون إليها في الآخرة، فلذلك قال لأول الحشر]: أي: لأول الحشر في الدنيا إلى ارض الشام، ومنهم من جلي إلى خيبر، وبنو النضير حي من اليهود لم يجلوا قط، ولكن قضى الله عز وجل عليهم أنهم لا بد أن يجلوا من ديارهم. وهو قوله: ﴿وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا﴾ يعني: بالسيف والسبي. وروى الحسن أن النبي ﷺ لما أجلى بني النضير إلى الشام قال لهم امضوا هذا أول الحشر وأنا على الأثر.
قال عكرمة: إن شككتم أن الشام أرض المحشر فاقرأوا أول الحشر.
وقال ابن عباس: لأول الحشر، أنهم أول من حشر من أهل الكتاب وأخرج من ديارهم.
* *
ثم قال: ﴿مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ﴾ يقوله للمؤمنين، لم تظنوا أيها المؤمنون أنهم يخرجون من ديارهم لشدتهم واجتماع كلمتهم.
﴿وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ﴾ روي أن المنافقين بعثوا إليهم من المدينة لما حاصرهم النبي ﷺ يأمرونهم بالثبات في حصونهم ويعدونهم النصرة، وهو قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ﴾ [الحشر: ١١] الآية.
* *
وقوله: ﴿لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ﴾ هو إخراج النبي بني النضير من المدينة إلى خيبر، وآخر الحشر هو إخراجهم من خيبر إلى أريحا وأذرعات، وذلك على يد عمر رضي الله عنه. وقيل آخر حشرهم يوم القيامة.
* *
ثم قال: ﴿فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ﴾ أي: فجاءهم أمر الله، فقذف في قلوبهم الرعب عند نزول النبي ﷺ وأصحابه بهم، فذهب ما كانوا يظنون أن حصونهم مانعة لهم من النبي عليه السلام وأصحابه.
وقال أبو صالح: معنى: ﴿فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ﴾: هو قتل كعب ابن الأشرف.
وروى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "نصرت بالرعب على مسيرة شهر
ومعنى ﴿يَحْتَسِبُواْ﴾: يظنوا. وقيل: يعلموا، من قول الناس: حسبه الله: أي: العالم بخبره الله، وهو الذي يجازيه.
وقيل: معناه: كافي إياك الله. من قولهم: أحسب الشيء: إذا كفاه وقيل حسبك الله: معناه: محاسبك، كشريب بمعنى شارب. وقيل: حسبك الله معناه، المقتدر عليك الله، ومنه قوله: ﴿كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً﴾ [النساء: ٨٦] أي: مقتدرا.
* *
ثم قال: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ﴾. من خفف فمعناه: [يتركونها معطلة، والبيت المعطل خراب، وقيل معناه يهدمونها، ومن يشدَّد] فمعناه: يهدمونها أيضاً: كأذكرت الرجل وذكرته (وأبلغته)، ومعناه: أن المؤمنين كانوا يهدمون الحصون ليدخلوا عليهم البيوت واليهود [يهدمون بيوتهم ويبنون ما هدم المؤمنون من الحصن فهم والمؤمنون يهدمون] مساكنهم وبيوتهم قاله ابن عباس والضحاك.
وقيل: إنهم لما صولحوا على ما حملت إبلهم كان أحدهم ينظر إلى الخشبة في منزله فيستحسنها والعمود والباب. فينزع ذلك ويهدمه فيحمله معه، والمؤمنون يهدمون ما بقي.
قال قتادة: جعل المؤمنون يخربون من ظاهر وجعلوا هم يخربون من داخل. قال الزهري لما صالحوا كانوا لا تعجبهم خشبة إلا أخذوها، فكان ذلك خرابهم لبيوتهم، وهو معنى قول ابن زيد.
قال قتادة: كان المسلمون يخربون من خارج ليدخلوا على اليهود، واليهود يخربون من داخل.
* *
ثم قال ﴿فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ﴾ أي: فاتعظوا يا معشر ذوي الأفهام بما أحل الله بهؤلاء اليهود.
وقيل معناه: يا من أبصر بعينه، والأول أحسن.
والاعتبار اشتقاقه من عبر إلى كذا: إذا جاوز إليه، والعبرة منه لأنها متجاوزة من العين إلى الخد.
* *
ثم قال ﴿وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا﴾ أي: لولا أن الله عز وجل (قضى وحتم على هؤلاء اليهود الجلاء) لعذبهم في الدنيا بالسيف [والسبي]، ولهم مع ذلك في الآخرة عذاب النار.
قال الزهري: كان النضير من سبط لم يصبهم جلاء قط فيما مضى، وكان الله عز وجل قد كتب عليهم الجلاء، فأتم فيهم قضاءه، ولولا ذلك لعذبهم بالسيف والسبي في الدنيا.
والجلاء: الانتقال من مكان إلى مكان، يقال جلا القوم من منازلهم وأجليتهم. وحكى أحمد بن يحيى: أُجْلِي القوم من منازلهم. بمعنى: جُلُوا.
وحكى غيره: جلوا عن منازلهم يجلون، قال ابن عباس كان النبي عليه السلام قد حاصرهم حتى بلغ بهم كل مبلغ فأعطوا ما أراد منهم، فصالحهم على أن يحقن لهم دماءهم، وأن يخرجهم من أرضهم ويسيرهم إلى أذرعات الشام، وجعل لكل ثلاثة منهم بعيرا وسقاء.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: الأمر ذلك، لأنهم خالفوا أمر الله عز وجل، وأمر رسوله ﷺ، فصاروا في شق والمؤمنون في شق، ويجوز أن يكون التقدير: فعلنا بهم ذلك لأنهم شاقوا الله ورسوله، "فذلك" على القول [الأول] في موضع رفع خبر الابتداء المضمر، وعلى هذا القول في موضع نصب بالفعل المضمر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ أي: ومن يخالف الله في أمره فإن الله شديد العقاب له في الآخرة.
* *
ثم قال: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾.
أي: ما قطعتم من ألوان النخل أو تركتموها قائمة فلم تقطعوها. واللينة جمع ألوان النخل سوى العجوة، قال عكرمة، وقاله يزيد بن رومان وقتادة وهو قول ابن عباس وابن جبير والزهري.
وقال مجاهد: اللينة: النخل كله من العجوة وغيرها، وقال: نهى بعض المهاجرين بعضاً عن قطع النخل، وقال: إنما هي مغانم المسلمين، فنزل القرآن بتصديق من نهى عن قطعه وتحليل قطع من قطع، فاعلموا أن ما قطع منه وما ترك بإذن الله كان.
وقال ابن زيد اللينة: النخلة عجوة كانت أو غير عجوة.
وعن ابن عباس: اللينة: لون من النخيل.
وعن سفيان الثوري: اللينة: كرام النخل.
وقال أبو عبيدة: هي ألوان النخل ما لم تكن العَجْوَةُ واُلْبَرْنِي.
وروي: أن النبي ﷺ لما حاصرهم فتحصنوا [وأبوا أن يخرجوا، قطع نخلهم وأحرقها، فقالوا يا محمد أنت تنهى عن الفساد] فما معنى هذا؟ فوقع في قلوب المسلمين من ذلك شيء فأنزل الله عز وجل ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ﴾" الآية.
وروى: أن أبا بكر نهى المسلمين عن قطع النخل [حين] وجه بهم لفتح الشام، وإنما ذلك لأن النبي ﷺ [أعلمهم] أن الشام ستفتح عليهم، فلما تيقن بفتحها لم يحتج إلى إخراب ما ينتفع به المسلمون.
والياء في "لينة" منقلبة عن واو لأنها من اللون، وقيل هي مشتقة من لأن يلين، فتكون الياء أصلية غير منقلبة.
ومعنى: ﴿فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ أي: فبأمر الله قطعت نقمة من أعدائه وخزياً لهم وهو قوله: ﴿وَلِيُخْزِيَ ٱلْفَاسِقِينَ﴾ ليذلهم، وهم بنو النضير.
* *
ثم قال: ﴿وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ أي: الذي رد الله على رسوله ﷺ من أموال بني النضير فلم توجفوا على غنيمته وأخذه خيلاً ولا إبلاً، أي: لم تلقوا في ذلك حرباً ولا مئونة، لأنهم معكم في بلدكم. قال قتادة: ما قطعتم إليهم وادياً، ولا سرتم مسيراً، إنما كانت حوائط بين النضير طعمة لكم من عند الله. (وقد قيل إنما عني بذلك) أموال بني قريظة، إذ قتلهم النبي ﷺ، وسباهم لما استولى عليهم، قاله الضحاك. وأكثر المفسرين على أنهم بنو النضير، لأنهم صولحوا على الجلاء وتركوا أموالهم بغير إيجاف من خيل ولا ركاب. والإيجَاف: ضرب من السير سريع. يقال: وَجَفَ: إذا أسرع، وأَوجَفَه غيره.
قال مجاهد: في قوله ﴿فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ ذكرهم ربهم عز وجل أنه نصرهم وكفاهم.
قال ابن عباس:أمر الله عز وجل رسوله ﷺ بالمسير إلى قريظة والنضير، وليس للمسلمين يومئذ كبير خيل ولا ركاب يوجف عليها فملكوا من ذلك خيبر وفدك وقرى ثم أمر الله عز وجل رسوله ﷺ أن يعمد لينبع فأتاها فاحتواها كلها عدة (لنفقته ومصالح) المسلمين ولم يقسمها، فكان يفعل فيها ما يرى فيجعل الباقي بعد مصلحته في السلاح الذي يقاتل به العدو، وفي الكراع، فلما توفي النبي ﷺ طلبت فاطمة أبا بكر في إرثها من ذلك، فقال أبو بكر أنت أعز علي [غير] أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا نورث" ما تركنا صدقة
ولكني أقره على ما كان في (عهد رسول الله) ﷺ فقال ناس: هلا قسمها النبي ﷺ، فأنزل الله عز وجل ﴿مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ﴾.
* *
ثم قال: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ﴾ أي: يفعل ذلك كما سلط محمداً ﷺ على بني النضير، فكان له خاصة ما غنم منهم يعمل فيه ما يرى.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: ذو قدرة على كل شيء، لا يعجزه شيء، وبقدرته سلط محمدا ﷺ على بني النضير وغيرهم.
* *
ثم قال: ﴿مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾.
أي: الذي رد الله عز وجل على رسوله ﷺ من أموال مشركي القرى [فلله وللرسول يعني القرى] التي غنمت بقتال وإيجاف خيل وركاب، ثم نسخ ذلك في سورة الأنفال بقوله: ﴿وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ﴾ [الانفال: ٤١] الآية.
وقيل: أي: هذا فيما غنمتم بصلح من غير إيجاف خيل أو ركاب فيكون مثل الأول في المعنى، إلا أن الأول مخصوص في (بني النضير) خاصة يتفرد به النبي ﷺ يفعل فيه ما يرى، وكذلك فعل، وهذا الثاني يكون للأصناف التي ذكر الله عز وجل والذي في سورة الأنفال في ما غنم بخيل وركاب وقتال، فالثلاث الآيات محكمات على هذا القول.
وقيل: أن هذا غير الأول لأن هذا إنما هو في ما كان من الجزية. والخراج يكون لهؤلاء الأصناف المذكورين، والأول للنبي عليه السلام خاصة، وما في الأنفال هو ما غنم بإيجاف خيل وركاب وقتال يكون للأصناف المذكورين، وهذا القول قاله معمر.
* *
ثم قال: ﴿كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ ٱلأَغْنِيَآءِ مِنكُمْ﴾ أي: فعلنا ذلك في هذه الغنائم كي لا يقتسمه الأغنياء منكم ويتداولوه بينهم دون من ذكر الله عز وجل.
* *
ثم قال: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ أي: اتقوه أن تخالفوا رسوله.
الحشر 59:5
قوله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله ﴿شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ الآيات.
أي: صلى وسجد لله ما في السماوات وما في الأرض من خلقه، وهو العزيز في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبير خلقه.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ﴾ يعني: بني النضير حاصرهم النبي ﷺ في منصرفه من أحد، لأنهم أعانوا المشركين على المسلمين ونقضوا العهد، فلما ضيق عليهم صالحهم على أن لهم ما حملت الأبل من رحالتهم سوى الحلقة، والحلقة: السلاح، وأجلاهم إلى الشام، وذلك أول الحشر [حشر الناس إلى الشام في الدنيا ثم يحشرون إليها في الآخرة، فلذلك قال لأول الحشر]: أي: لأول الحشر في الدنيا إلى ارض الشام، ومنهم من جلي إلى خيبر، وبنو النضير حي من اليهود لم يجلوا قط، ولكن قضى الله عز وجل عليهم أنهم لا بد أن يجلوا من ديارهم. وهو قوله: ﴿وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا﴾ يعني: بالسيف والسبي. وروى الحسن أن النبي ﷺ لما أجلى بني النضير إلى الشام قال لهم امضوا هذا أول الحشر وأنا على الأثر.
قال عكرمة: إن شككتم أن الشام أرض المحشر فاقرأوا أول الحشر.
وقال ابن عباس: لأول الحشر، أنهم أول من حشر من أهل الكتاب وأخرج من ديارهم.
* *
ثم قال: ﴿مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ﴾ يقوله للمؤمنين، لم تظنوا أيها المؤمنون أنهم يخرجون من ديارهم لشدتهم واجتماع كلمتهم.
﴿وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ﴾ روي أن المنافقين بعثوا إليهم من المدينة لما حاصرهم النبي ﷺ يأمرونهم بالثبات في حصونهم ويعدونهم النصرة، وهو قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ﴾ [الحشر: ١١] الآية.
* *
وقوله: ﴿لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ﴾ هو إخراج النبي بني النضير من المدينة إلى خيبر، وآخر الحشر هو إخراجهم من خيبر إلى أريحا وأذرعات، وذلك على يد عمر رضي الله عنه. وقيل آخر حشرهم يوم القيامة.
* *
ثم قال: ﴿فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ﴾ أي: فجاءهم أمر الله، فقذف في قلوبهم الرعب عند نزول النبي ﷺ وأصحابه بهم، فذهب ما كانوا يظنون أن حصونهم مانعة لهم من النبي عليه السلام وأصحابه.
وقال أبو صالح: معنى: ﴿فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ﴾: هو قتل كعب ابن الأشرف.
وروى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "نصرت بالرعب على مسيرة شهر
ومعنى ﴿يَحْتَسِبُواْ﴾: يظنوا. وقيل: يعلموا، من قول الناس: حسبه الله: أي: العالم بخبره الله، وهو الذي يجازيه.
وقيل: معناه: كافي إياك الله. من قولهم: أحسب الشيء: إذا كفاه وقيل حسبك الله: معناه: محاسبك، كشريب بمعنى شارب. وقيل: حسبك الله معناه، المقتدر عليك الله، ومنه قوله: ﴿كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً﴾ [النساء: ٨٦] أي: مقتدرا.
* *
ثم قال: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ﴾. من خفف فمعناه: [يتركونها معطلة، والبيت المعطل خراب، وقيل معناه يهدمونها، ومن يشدَّد] فمعناه: يهدمونها أيضاً: كأذكرت الرجل وذكرته (وأبلغته)، ومعناه: أن المؤمنين كانوا يهدمون الحصون ليدخلوا عليهم البيوت واليهود [يهدمون بيوتهم ويبنون ما هدم المؤمنون من الحصن فهم والمؤمنون يهدمون] مساكنهم وبيوتهم قاله ابن عباس والضحاك.
وقيل: إنهم لما صولحوا على ما حملت إبلهم كان أحدهم ينظر إلى الخشبة في منزله فيستحسنها والعمود والباب. فينزع ذلك ويهدمه فيحمله معه، والمؤمنون يهدمون ما بقي.
قال قتادة: جعل المؤمنون يخربون من ظاهر وجعلوا هم يخربون من داخل. قال الزهري لما صالحوا كانوا لا تعجبهم خشبة إلا أخذوها، فكان ذلك خرابهم لبيوتهم، وهو معنى قول ابن زيد.
قال قتادة: كان المسلمون يخربون من خارج ليدخلوا على اليهود، واليهود يخربون من داخل.
* *
ثم قال ﴿فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ﴾ أي: فاتعظوا يا معشر ذوي الأفهام بما أحل الله بهؤلاء اليهود.
وقيل معناه: يا من أبصر بعينه، والأول أحسن.
والاعتبار اشتقاقه من عبر إلى كذا: إذا جاوز إليه، والعبرة منه لأنها متجاوزة من العين إلى الخد.
* *
ثم قال ﴿وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا﴾ أي: لولا أن الله عز وجل (قضى وحتم على هؤلاء اليهود الجلاء) لعذبهم في الدنيا بالسيف [والسبي]، ولهم مع ذلك في الآخرة عذاب النار.
قال الزهري: كان النضير من سبط لم يصبهم جلاء قط فيما مضى، وكان الله عز وجل قد كتب عليهم الجلاء، فأتم فيهم قضاءه، ولولا ذلك لعذبهم بالسيف والسبي في الدنيا.
والجلاء: الانتقال من مكان إلى مكان، يقال جلا القوم من منازلهم وأجليتهم. وحكى أحمد بن يحيى: أُجْلِي القوم من منازلهم. بمعنى: جُلُوا.
وحكى غيره: جلوا عن منازلهم يجلون، قال ابن عباس كان النبي عليه السلام قد حاصرهم حتى بلغ بهم كل مبلغ فأعطوا ما أراد منهم، فصالحهم على أن يحقن لهم دماءهم، وأن يخرجهم من أرضهم ويسيرهم إلى أذرعات الشام، وجعل لكل ثلاثة منهم بعيرا وسقاء.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: الأمر ذلك، لأنهم خالفوا أمر الله عز وجل، وأمر رسوله ﷺ، فصاروا في شق والمؤمنون في شق، ويجوز أن يكون التقدير: فعلنا بهم ذلك لأنهم شاقوا الله ورسوله، "فذلك" على القول [الأول] في موضع رفع خبر الابتداء المضمر، وعلى هذا القول في موضع نصب بالفعل المضمر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ أي: ومن يخالف الله في أمره فإن الله شديد العقاب له في الآخرة.
* *
ثم قال: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾.
أي: ما قطعتم من ألوان النخل أو تركتموها قائمة فلم تقطعوها. واللينة جمع ألوان النخل سوى العجوة، قال عكرمة، وقاله يزيد بن رومان وقتادة وهو قول ابن عباس وابن جبير والزهري.
وقال مجاهد: اللينة: النخل كله من العجوة وغيرها، وقال: نهى بعض المهاجرين بعضاً عن قطع النخل، وقال: إنما هي مغانم المسلمين، فنزل القرآن بتصديق من نهى عن قطعه وتحليل قطع من قطع، فاعلموا أن ما قطع منه وما ترك بإذن الله كان.
وقال ابن زيد اللينة: النخلة عجوة كانت أو غير عجوة.
وعن ابن عباس: اللينة: لون من النخيل.
وعن سفيان الثوري: اللينة: كرام النخل.
وقال أبو عبيدة: هي ألوان النخل ما لم تكن العَجْوَةُ واُلْبَرْنِي.
وروي: أن النبي ﷺ لما حاصرهم فتحصنوا [وأبوا أن يخرجوا، قطع نخلهم وأحرقها، فقالوا يا محمد أنت تنهى عن الفساد] فما معنى هذا؟ فوقع في قلوب المسلمين من ذلك شيء فأنزل الله عز وجل ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ﴾" الآية.
وروى: أن أبا بكر نهى المسلمين عن قطع النخل [حين] وجه بهم لفتح الشام، وإنما ذلك لأن النبي ﷺ [أعلمهم] أن الشام ستفتح عليهم، فلما تيقن بفتحها لم يحتج إلى إخراب ما ينتفع به المسلمون.
والياء في "لينة" منقلبة عن واو لأنها من اللون، وقيل هي مشتقة من لأن يلين، فتكون الياء أصلية غير منقلبة.
ومعنى: ﴿فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ أي: فبأمر الله قطعت نقمة من أعدائه وخزياً لهم وهو قوله: ﴿وَلِيُخْزِيَ ٱلْفَاسِقِينَ﴾ ليذلهم، وهم بنو النضير.
* *
ثم قال: ﴿وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ أي: الذي رد الله على رسوله ﷺ من أموال بني النضير فلم توجفوا على غنيمته وأخذه خيلاً ولا إبلاً، أي: لم تلقوا في ذلك حرباً ولا مئونة، لأنهم معكم في بلدكم. قال قتادة: ما قطعتم إليهم وادياً، ولا سرتم مسيراً، إنما كانت حوائط بين النضير طعمة لكم من عند الله. (وقد قيل إنما عني بذلك) أموال بني قريظة، إذ قتلهم النبي ﷺ، وسباهم لما استولى عليهم، قاله الضحاك. وأكثر المفسرين على أنهم بنو النضير، لأنهم صولحوا على الجلاء وتركوا أموالهم بغير إيجاف من خيل ولا ركاب. والإيجَاف: ضرب من السير سريع. يقال: وَجَفَ: إذا أسرع، وأَوجَفَه غيره.
قال مجاهد: في قوله ﴿فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ ذكرهم ربهم عز وجل أنه نصرهم وكفاهم.
قال ابن عباس:أمر الله عز وجل رسوله ﷺ بالمسير إلى قريظة والنضير، وليس للمسلمين يومئذ كبير خيل ولا ركاب يوجف عليها فملكوا من ذلك خيبر وفدك وقرى ثم أمر الله عز وجل رسوله ﷺ أن يعمد لينبع فأتاها فاحتواها كلها عدة (لنفقته ومصالح) المسلمين ولم يقسمها، فكان يفعل فيها ما يرى فيجعل الباقي بعد مصلحته في السلاح الذي يقاتل به العدو، وفي الكراع، فلما توفي النبي ﷺ طلبت فاطمة أبا بكر في إرثها من ذلك، فقال أبو بكر أنت أعز علي [غير] أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا نورث" ما تركنا صدقة
ولكني أقره على ما كان في (عهد رسول الله) ﷺ فقال ناس: هلا قسمها النبي ﷺ، فأنزل الله عز وجل ﴿مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ﴾.
* *
ثم قال: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ﴾ أي: يفعل ذلك كما سلط محمداً ﷺ على بني النضير، فكان له خاصة ما غنم منهم يعمل فيه ما يرى.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: ذو قدرة على كل شيء، لا يعجزه شيء، وبقدرته سلط محمدا ﷺ على بني النضير وغيرهم.
* *
ثم قال: ﴿مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾.
أي: الذي رد الله عز وجل على رسوله ﷺ من أموال مشركي القرى [فلله وللرسول يعني القرى] التي غنمت بقتال وإيجاف خيل وركاب، ثم نسخ ذلك في سورة الأنفال بقوله: ﴿وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ﴾ [الانفال: ٤١] الآية.
وقيل: أي: هذا فيما غنمتم بصلح من غير إيجاف خيل أو ركاب فيكون مثل الأول في المعنى، إلا أن الأول مخصوص في (بني النضير) خاصة يتفرد به النبي ﷺ يفعل فيه ما يرى، وكذلك فعل، وهذا الثاني يكون للأصناف التي ذكر الله عز وجل والذي في سورة الأنفال في ما غنم بخيل وركاب وقتال، فالثلاث الآيات محكمات على هذا القول.
وقيل: أن هذا غير الأول لأن هذا إنما هو في ما كان من الجزية. والخراج يكون لهؤلاء الأصناف المذكورين، والأول للنبي عليه السلام خاصة، وما في الأنفال هو ما غنم بإيجاف خيل وركاب وقتال يكون للأصناف المذكورين، وهذا القول قاله معمر.
* *
ثم قال: ﴿كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ ٱلأَغْنِيَآءِ مِنكُمْ﴾ أي: فعلنا ذلك في هذه الغنائم كي لا يقتسمه الأغنياء منكم ويتداولوه بينهم دون من ذكر الله عز وجل.
* *
ثم قال: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ أي: اتقوه أن تخالفوا رسوله.
الحشر 59:6
قوله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله ﴿شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ الآيات.
أي: صلى وسجد لله ما في السماوات وما في الأرض من خلقه، وهو العزيز في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبير خلقه.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ﴾ يعني: بني النضير حاصرهم النبي ﷺ في منصرفه من أحد، لأنهم أعانوا المشركين على المسلمين ونقضوا العهد، فلما ضيق عليهم صالحهم على أن لهم ما حملت الأبل من رحالتهم سوى الحلقة، والحلقة: السلاح، وأجلاهم إلى الشام، وذلك أول الحشر [حشر الناس إلى الشام في الدنيا ثم يحشرون إليها في الآخرة، فلذلك قال لأول الحشر]: أي: لأول الحشر في الدنيا إلى ارض الشام، ومنهم من جلي إلى خيبر، وبنو النضير حي من اليهود لم يجلوا قط، ولكن قضى الله عز وجل عليهم أنهم لا بد أن يجلوا من ديارهم. وهو قوله: ﴿وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا﴾ يعني: بالسيف والسبي. وروى الحسن أن النبي ﷺ لما أجلى بني النضير إلى الشام قال لهم امضوا هذا أول الحشر وأنا على الأثر.
قال عكرمة: إن شككتم أن الشام أرض المحشر فاقرأوا أول الحشر.
وقال ابن عباس: لأول الحشر، أنهم أول من حشر من أهل الكتاب وأخرج من ديارهم.
* *
ثم قال: ﴿مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ﴾ يقوله للمؤمنين، لم تظنوا أيها المؤمنون أنهم يخرجون من ديارهم لشدتهم واجتماع كلمتهم.
﴿وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ﴾ روي أن المنافقين بعثوا إليهم من المدينة لما حاصرهم النبي ﷺ يأمرونهم بالثبات في حصونهم ويعدونهم النصرة، وهو قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ﴾ [الحشر: ١١] الآية.
* *
وقوله: ﴿لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ﴾ هو إخراج النبي بني النضير من المدينة إلى خيبر، وآخر الحشر هو إخراجهم من خيبر إلى أريحا وأذرعات، وذلك على يد عمر رضي الله عنه. وقيل آخر حشرهم يوم القيامة.
* *
ثم قال: ﴿فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ﴾ أي: فجاءهم أمر الله، فقذف في قلوبهم الرعب عند نزول النبي ﷺ وأصحابه بهم، فذهب ما كانوا يظنون أن حصونهم مانعة لهم من النبي عليه السلام وأصحابه.
وقال أبو صالح: معنى: ﴿فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ﴾: هو قتل كعب ابن الأشرف.
وروى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "نصرت بالرعب على مسيرة شهر
ومعنى ﴿يَحْتَسِبُواْ﴾: يظنوا. وقيل: يعلموا، من قول الناس: حسبه الله: أي: العالم بخبره الله، وهو الذي يجازيه.
وقيل: معناه: كافي إياك الله. من قولهم: أحسب الشيء: إذا كفاه وقيل حسبك الله: معناه: محاسبك، كشريب بمعنى شارب. وقيل: حسبك الله معناه، المقتدر عليك الله، ومنه قوله: ﴿كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً﴾ [النساء: ٨٦] أي: مقتدرا.
* *
ثم قال: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ﴾. من خفف فمعناه: [يتركونها معطلة، والبيت المعطل خراب، وقيل معناه يهدمونها، ومن يشدَّد] فمعناه: يهدمونها أيضاً: كأذكرت الرجل وذكرته (وأبلغته)، ومعناه: أن المؤمنين كانوا يهدمون الحصون ليدخلوا عليهم البيوت واليهود [يهدمون بيوتهم ويبنون ما هدم المؤمنون من الحصن فهم والمؤمنون يهدمون] مساكنهم وبيوتهم قاله ابن عباس والضحاك.
وقيل: إنهم لما صولحوا على ما حملت إبلهم كان أحدهم ينظر إلى الخشبة في منزله فيستحسنها والعمود والباب. فينزع ذلك ويهدمه فيحمله معه، والمؤمنون يهدمون ما بقي.
قال قتادة: جعل المؤمنون يخربون من ظاهر وجعلوا هم يخربون من داخل. قال الزهري لما صالحوا كانوا لا تعجبهم خشبة إلا أخذوها، فكان ذلك خرابهم لبيوتهم، وهو معنى قول ابن زيد.
قال قتادة: كان المسلمون يخربون من خارج ليدخلوا على اليهود، واليهود يخربون من داخل.
* *
ثم قال ﴿فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ﴾ أي: فاتعظوا يا معشر ذوي الأفهام بما أحل الله بهؤلاء اليهود.
وقيل معناه: يا من أبصر بعينه، والأول أحسن.
والاعتبار اشتقاقه من عبر إلى كذا: إذا جاوز إليه، والعبرة منه لأنها متجاوزة من العين إلى الخد.
* *
ثم قال ﴿وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا﴾ أي: لولا أن الله عز وجل (قضى وحتم على هؤلاء اليهود الجلاء) لعذبهم في الدنيا بالسيف [والسبي]، ولهم مع ذلك في الآخرة عذاب النار.
قال الزهري: كان النضير من سبط لم يصبهم جلاء قط فيما مضى، وكان الله عز وجل قد كتب عليهم الجلاء، فأتم فيهم قضاءه، ولولا ذلك لعذبهم بالسيف والسبي في الدنيا.
والجلاء: الانتقال من مكان إلى مكان، يقال جلا القوم من منازلهم وأجليتهم. وحكى أحمد بن يحيى: أُجْلِي القوم من منازلهم. بمعنى: جُلُوا.
وحكى غيره: جلوا عن منازلهم يجلون، قال ابن عباس كان النبي عليه السلام قد حاصرهم حتى بلغ بهم كل مبلغ فأعطوا ما أراد منهم، فصالحهم على أن يحقن لهم دماءهم، وأن يخرجهم من أرضهم ويسيرهم إلى أذرعات الشام، وجعل لكل ثلاثة منهم بعيرا وسقاء.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: الأمر ذلك، لأنهم خالفوا أمر الله عز وجل، وأمر رسوله ﷺ، فصاروا في شق والمؤمنون في شق، ويجوز أن يكون التقدير: فعلنا بهم ذلك لأنهم شاقوا الله ورسوله، "فذلك" على القول [الأول] في موضع رفع خبر الابتداء المضمر، وعلى هذا القول في موضع نصب بالفعل المضمر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ أي: ومن يخالف الله في أمره فإن الله شديد العقاب له في الآخرة.
* *
ثم قال: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾.
أي: ما قطعتم من ألوان النخل أو تركتموها قائمة فلم تقطعوها. واللينة جمع ألوان النخل سوى العجوة، قال عكرمة، وقاله يزيد بن رومان وقتادة وهو قول ابن عباس وابن جبير والزهري.
وقال مجاهد: اللينة: النخل كله من العجوة وغيرها، وقال: نهى بعض المهاجرين بعضاً عن قطع النخل، وقال: إنما هي مغانم المسلمين، فنزل القرآن بتصديق من نهى عن قطعه وتحليل قطع من قطع، فاعلموا أن ما قطع منه وما ترك بإذن الله كان.
وقال ابن زيد اللينة: النخلة عجوة كانت أو غير عجوة.
وعن ابن عباس: اللينة: لون من النخيل.
وعن سفيان الثوري: اللينة: كرام النخل.
وقال أبو عبيدة: هي ألوان النخل ما لم تكن العَجْوَةُ واُلْبَرْنِي.
وروي: أن النبي ﷺ لما حاصرهم فتحصنوا [وأبوا أن يخرجوا، قطع نخلهم وأحرقها، فقالوا يا محمد أنت تنهى عن الفساد] فما معنى هذا؟ فوقع في قلوب المسلمين من ذلك شيء فأنزل الله عز وجل ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ﴾" الآية.
وروى: أن أبا بكر نهى المسلمين عن قطع النخل [حين] وجه بهم لفتح الشام، وإنما ذلك لأن النبي ﷺ [أعلمهم] أن الشام ستفتح عليهم، فلما تيقن بفتحها لم يحتج إلى إخراب ما ينتفع به المسلمون.
والياء في "لينة" منقلبة عن واو لأنها من اللون، وقيل هي مشتقة من لأن يلين، فتكون الياء أصلية غير منقلبة.
ومعنى: ﴿فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ أي: فبأمر الله قطعت نقمة من أعدائه وخزياً لهم وهو قوله: ﴿وَلِيُخْزِيَ ٱلْفَاسِقِينَ﴾ ليذلهم، وهم بنو النضير.
* *
ثم قال: ﴿وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ أي: الذي رد الله على رسوله ﷺ من أموال بني النضير فلم توجفوا على غنيمته وأخذه خيلاً ولا إبلاً، أي: لم تلقوا في ذلك حرباً ولا مئونة، لأنهم معكم في بلدكم. قال قتادة: ما قطعتم إليهم وادياً، ولا سرتم مسيراً، إنما كانت حوائط بين النضير طعمة لكم من عند الله. (وقد قيل إنما عني بذلك) أموال بني قريظة، إذ قتلهم النبي ﷺ، وسباهم لما استولى عليهم، قاله الضحاك. وأكثر المفسرين على أنهم بنو النضير، لأنهم صولحوا على الجلاء وتركوا أموالهم بغير إيجاف من خيل ولا ركاب. والإيجَاف: ضرب من السير سريع. يقال: وَجَفَ: إذا أسرع، وأَوجَفَه غيره.
قال مجاهد: في قوله ﴿فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ ذكرهم ربهم عز وجل أنه نصرهم وكفاهم.
قال ابن عباس:أمر الله عز وجل رسوله ﷺ بالمسير إلى قريظة والنضير، وليس للمسلمين يومئذ كبير خيل ولا ركاب يوجف عليها فملكوا من ذلك خيبر وفدك وقرى ثم أمر الله عز وجل رسوله ﷺ أن يعمد لينبع فأتاها فاحتواها كلها عدة (لنفقته ومصالح) المسلمين ولم يقسمها، فكان يفعل فيها ما يرى فيجعل الباقي بعد مصلحته في السلاح الذي يقاتل به العدو، وفي الكراع، فلما توفي النبي ﷺ طلبت فاطمة أبا بكر في إرثها من ذلك، فقال أبو بكر أنت أعز علي [غير] أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا نورث" ما تركنا صدقة
ولكني أقره على ما كان في (عهد رسول الله) ﷺ فقال ناس: هلا قسمها النبي ﷺ، فأنزل الله عز وجل ﴿مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ﴾.
* *
ثم قال: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ﴾ أي: يفعل ذلك كما سلط محمداً ﷺ على بني النضير، فكان له خاصة ما غنم منهم يعمل فيه ما يرى.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: ذو قدرة على كل شيء، لا يعجزه شيء، وبقدرته سلط محمدا ﷺ على بني النضير وغيرهم.
* *
ثم قال: ﴿مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾.
أي: الذي رد الله عز وجل على رسوله ﷺ من أموال مشركي القرى [فلله وللرسول يعني القرى] التي غنمت بقتال وإيجاف خيل وركاب، ثم نسخ ذلك في سورة الأنفال بقوله: ﴿وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ﴾ [الانفال: ٤١] الآية.
وقيل: أي: هذا فيما غنمتم بصلح من غير إيجاف خيل أو ركاب فيكون مثل الأول في المعنى، إلا أن الأول مخصوص في (بني النضير) خاصة يتفرد به النبي ﷺ يفعل فيه ما يرى، وكذلك فعل، وهذا الثاني يكون للأصناف التي ذكر الله عز وجل والذي في سورة الأنفال في ما غنم بخيل وركاب وقتال، فالثلاث الآيات محكمات على هذا القول.
وقيل: أن هذا غير الأول لأن هذا إنما هو في ما كان من الجزية. والخراج يكون لهؤلاء الأصناف المذكورين، والأول للنبي عليه السلام خاصة، وما في الأنفال هو ما غنم بإيجاف خيل وركاب وقتال يكون للأصناف المذكورين، وهذا القول قاله معمر.
* *
ثم قال: ﴿كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ ٱلأَغْنِيَآءِ مِنكُمْ﴾ أي: فعلنا ذلك في هذه الغنائم كي لا يقتسمه الأغنياء منكم ويتداولوه بينهم دون من ذكر الله عز وجل.
* *
ثم قال: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ أي: اتقوه أن تخالفوا رسوله.
الحشر 59:7
قوله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله ﴿شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ الآيات.
أي: صلى وسجد لله ما في السماوات وما في الأرض من خلقه، وهو العزيز في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبير خلقه.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ﴾ يعني: بني النضير حاصرهم النبي ﷺ في منصرفه من أحد، لأنهم أعانوا المشركين على المسلمين ونقضوا العهد، فلما ضيق عليهم صالحهم على أن لهم ما حملت الأبل من رحالتهم سوى الحلقة، والحلقة: السلاح، وأجلاهم إلى الشام، وذلك أول الحشر [حشر الناس إلى الشام في الدنيا ثم يحشرون إليها في الآخرة، فلذلك قال لأول الحشر]: أي: لأول الحشر في الدنيا إلى ارض الشام، ومنهم من جلي إلى خيبر، وبنو النضير حي من اليهود لم يجلوا قط، ولكن قضى الله عز وجل عليهم أنهم لا بد أن يجلوا من ديارهم. وهو قوله: ﴿وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا﴾ يعني: بالسيف والسبي. وروى الحسن أن النبي ﷺ لما أجلى بني النضير إلى الشام قال لهم امضوا هذا أول الحشر وأنا على الأثر.
قال عكرمة: إن شككتم أن الشام أرض المحشر فاقرأوا أول الحشر.
وقال ابن عباس: لأول الحشر، أنهم أول من حشر من أهل الكتاب وأخرج من ديارهم.
* *
ثم قال: ﴿مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ﴾ يقوله للمؤمنين، لم تظنوا أيها المؤمنون أنهم يخرجون من ديارهم لشدتهم واجتماع كلمتهم.
﴿وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ﴾ روي أن المنافقين بعثوا إليهم من المدينة لما حاصرهم النبي ﷺ يأمرونهم بالثبات في حصونهم ويعدونهم النصرة، وهو قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ﴾ [الحشر: ١١] الآية.
* *
وقوله: ﴿لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ﴾ هو إخراج النبي بني النضير من المدينة إلى خيبر، وآخر الحشر هو إخراجهم من خيبر إلى أريحا وأذرعات، وذلك على يد عمر رضي الله عنه. وقيل آخر حشرهم يوم القيامة.
* *
ثم قال: ﴿فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ﴾ أي: فجاءهم أمر الله، فقذف في قلوبهم الرعب عند نزول النبي ﷺ وأصحابه بهم، فذهب ما كانوا يظنون أن حصونهم مانعة لهم من النبي عليه السلام وأصحابه.
وقال أبو صالح: معنى: ﴿فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ﴾: هو قتل كعب ابن الأشرف.
وروى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "نصرت بالرعب على مسيرة شهر
ومعنى ﴿يَحْتَسِبُواْ﴾: يظنوا. وقيل: يعلموا، من قول الناس: حسبه الله: أي: العالم بخبره الله، وهو الذي يجازيه.
وقيل: معناه: كافي إياك الله. من قولهم: أحسب الشيء: إذا كفاه وقيل حسبك الله: معناه: محاسبك، كشريب بمعنى شارب. وقيل: حسبك الله معناه، المقتدر عليك الله، ومنه قوله: ﴿كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً﴾ [النساء: ٨٦] أي: مقتدرا.
* *
ثم قال: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ﴾. من خفف فمعناه: [يتركونها معطلة، والبيت المعطل خراب، وقيل معناه يهدمونها، ومن يشدَّد] فمعناه: يهدمونها أيضاً: كأذكرت الرجل وذكرته (وأبلغته)، ومعناه: أن المؤمنين كانوا يهدمون الحصون ليدخلوا عليهم البيوت واليهود [يهدمون بيوتهم ويبنون ما هدم المؤمنون من الحصن فهم والمؤمنون يهدمون] مساكنهم وبيوتهم قاله ابن عباس والضحاك.
وقيل: إنهم لما صولحوا على ما حملت إبلهم كان أحدهم ينظر إلى الخشبة في منزله فيستحسنها والعمود والباب. فينزع ذلك ويهدمه فيحمله معه، والمؤمنون يهدمون ما بقي.
قال قتادة: جعل المؤمنون يخربون من ظاهر وجعلوا هم يخربون من داخل. قال الزهري لما صالحوا كانوا لا تعجبهم خشبة إلا أخذوها، فكان ذلك خرابهم لبيوتهم، وهو معنى قول ابن زيد.
قال قتادة: كان المسلمون يخربون من خارج ليدخلوا على اليهود، واليهود يخربون من داخل.
* *
ثم قال ﴿فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ﴾ أي: فاتعظوا يا معشر ذوي الأفهام بما أحل الله بهؤلاء اليهود.
وقيل معناه: يا من أبصر بعينه، والأول أحسن.
والاعتبار اشتقاقه من عبر إلى كذا: إذا جاوز إليه، والعبرة منه لأنها متجاوزة من العين إلى الخد.
* *
ثم قال ﴿وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا﴾ أي: لولا أن الله عز وجل (قضى وحتم على هؤلاء اليهود الجلاء) لعذبهم في الدنيا بالسيف [والسبي]، ولهم مع ذلك في الآخرة عذاب النار.
قال الزهري: كان النضير من سبط لم يصبهم جلاء قط فيما مضى، وكان الله عز وجل قد كتب عليهم الجلاء، فأتم فيهم قضاءه، ولولا ذلك لعذبهم بالسيف والسبي في الدنيا.
والجلاء: الانتقال من مكان إلى مكان، يقال جلا القوم من منازلهم وأجليتهم. وحكى أحمد بن يحيى: أُجْلِي القوم من منازلهم. بمعنى: جُلُوا.
وحكى غيره: جلوا عن منازلهم يجلون، قال ابن عباس كان النبي عليه السلام قد حاصرهم حتى بلغ بهم كل مبلغ فأعطوا ما أراد منهم، فصالحهم على أن يحقن لهم دماءهم، وأن يخرجهم من أرضهم ويسيرهم إلى أذرعات الشام، وجعل لكل ثلاثة منهم بعيرا وسقاء.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: الأمر ذلك، لأنهم خالفوا أمر الله عز وجل، وأمر رسوله ﷺ، فصاروا في شق والمؤمنون في شق، ويجوز أن يكون التقدير: فعلنا بهم ذلك لأنهم شاقوا الله ورسوله، "فذلك" على القول [الأول] في موضع رفع خبر الابتداء المضمر، وعلى هذا القول في موضع نصب بالفعل المضمر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ أي: ومن يخالف الله في أمره فإن الله شديد العقاب له في الآخرة.
* *
ثم قال: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾.
أي: ما قطعتم من ألوان النخل أو تركتموها قائمة فلم تقطعوها. واللينة جمع ألوان النخل سوى العجوة، قال عكرمة، وقاله يزيد بن رومان وقتادة وهو قول ابن عباس وابن جبير والزهري.
وقال مجاهد: اللينة: النخل كله من العجوة وغيرها، وقال: نهى بعض المهاجرين بعضاً عن قطع النخل، وقال: إنما هي مغانم المسلمين، فنزل القرآن بتصديق من نهى عن قطعه وتحليل قطع من قطع، فاعلموا أن ما قطع منه وما ترك بإذن الله كان.
وقال ابن زيد اللينة: النخلة عجوة كانت أو غير عجوة.
وعن ابن عباس: اللينة: لون من النخيل.
وعن سفيان الثوري: اللينة: كرام النخل.
وقال أبو عبيدة: هي ألوان النخل ما لم تكن العَجْوَةُ واُلْبَرْنِي.
وروي: أن النبي ﷺ لما حاصرهم فتحصنوا [وأبوا أن يخرجوا، قطع نخلهم وأحرقها، فقالوا يا محمد أنت تنهى عن الفساد] فما معنى هذا؟ فوقع في قلوب المسلمين من ذلك شيء فأنزل الله عز وجل ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ﴾" الآية.
وروى: أن أبا بكر نهى المسلمين عن قطع النخل [حين] وجه بهم لفتح الشام، وإنما ذلك لأن النبي ﷺ [أعلمهم] أن الشام ستفتح عليهم، فلما تيقن بفتحها لم يحتج إلى إخراب ما ينتفع به المسلمون.
والياء في "لينة" منقلبة عن واو لأنها من اللون، وقيل هي مشتقة من لأن يلين، فتكون الياء أصلية غير منقلبة.
ومعنى: ﴿فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ أي: فبأمر الله قطعت نقمة من أعدائه وخزياً لهم وهو قوله: ﴿وَلِيُخْزِيَ ٱلْفَاسِقِينَ﴾ ليذلهم، وهم بنو النضير.
* *
ثم قال: ﴿وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ أي: الذي رد الله على رسوله ﷺ من أموال بني النضير فلم توجفوا على غنيمته وأخذه خيلاً ولا إبلاً، أي: لم تلقوا في ذلك حرباً ولا مئونة، لأنهم معكم في بلدكم. قال قتادة: ما قطعتم إليهم وادياً، ولا سرتم مسيراً، إنما كانت حوائط بين النضير طعمة لكم من عند الله. (وقد قيل إنما عني بذلك) أموال بني قريظة، إذ قتلهم النبي ﷺ، وسباهم لما استولى عليهم، قاله الضحاك. وأكثر المفسرين على أنهم بنو النضير، لأنهم صولحوا على الجلاء وتركوا أموالهم بغير إيجاف من خيل ولا ركاب. والإيجَاف: ضرب من السير سريع. يقال: وَجَفَ: إذا أسرع، وأَوجَفَه غيره.
قال مجاهد: في قوله ﴿فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ ذكرهم ربهم عز وجل أنه نصرهم وكفاهم.
قال ابن عباس:أمر الله عز وجل رسوله ﷺ بالمسير إلى قريظة والنضير، وليس للمسلمين يومئذ كبير خيل ولا ركاب يوجف عليها فملكوا من ذلك خيبر وفدك وقرى ثم أمر الله عز وجل رسوله ﷺ أن يعمد لينبع فأتاها فاحتواها كلها عدة (لنفقته ومصالح) المسلمين ولم يقسمها، فكان يفعل فيها ما يرى فيجعل الباقي بعد مصلحته في السلاح الذي يقاتل به العدو، وفي الكراع، فلما توفي النبي ﷺ طلبت فاطمة أبا بكر في إرثها من ذلك، فقال أبو بكر أنت أعز علي [غير] أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا نورث" ما تركنا صدقة
ولكني أقره على ما كان في (عهد رسول الله) ﷺ فقال ناس: هلا قسمها النبي ﷺ، فأنزل الله عز وجل ﴿مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ﴾.
* *
ثم قال: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ﴾ أي: يفعل ذلك كما سلط محمداً ﷺ على بني النضير، فكان له خاصة ما غنم منهم يعمل فيه ما يرى.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: ذو قدرة على كل شيء، لا يعجزه شيء، وبقدرته سلط محمدا ﷺ على بني النضير وغيرهم.
* *
ثم قال: ﴿مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾.
أي: الذي رد الله عز وجل على رسوله ﷺ من أموال مشركي القرى [فلله وللرسول يعني القرى] التي غنمت بقتال وإيجاف خيل وركاب، ثم نسخ ذلك في سورة الأنفال بقوله: ﴿وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ﴾ [الانفال: ٤١] الآية.
وقيل: أي: هذا فيما غنمتم بصلح من غير إيجاف خيل أو ركاب فيكون مثل الأول في المعنى، إلا أن الأول مخصوص في (بني النضير) خاصة يتفرد به النبي ﷺ يفعل فيه ما يرى، وكذلك فعل، وهذا الثاني يكون للأصناف التي ذكر الله عز وجل والذي في سورة الأنفال في ما غنم بخيل وركاب وقتال، فالثلاث الآيات محكمات على هذا القول.
وقيل: أن هذا غير الأول لأن هذا إنما هو في ما كان من الجزية. والخراج يكون لهؤلاء الأصناف المذكورين، والأول للنبي عليه السلام خاصة، وما في الأنفال هو ما غنم بإيجاف خيل وركاب وقتال يكون للأصناف المذكورين، وهذا القول قاله معمر.
* *
ثم قال: ﴿كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ ٱلأَغْنِيَآءِ مِنكُمْ﴾ أي: فعلنا ذلك في هذه الغنائم كي لا يقتسمه الأغنياء منكم ويتداولوه بينهم دون من ذكر الله عز وجل.
* *
ثم قال: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ أي: اتقوه أن تخالفوا رسوله.
الحشر 59:8
قوله: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ الآيات.
أي ولكن يكون ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى للفقراء المهاجرين، يعني مهاجرة قريش.
قال مجاهد: جعل الله عز وجل ما أفاء الله على رسوله من قريظة لمهاجرة قريش الذين أخرجهم المشركون من ديارهم وأموالهم، فخرجوا ملتمسين فضلاً، أي: ثوابا من الله ورضونا منه عليهم، وناصرين دين الله عز وجل ورسوله ﷺ.
﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ﴾ أي: صدقوا في فعلهم وقولهم.
* *
ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ﴾ أي: الذين سكنوا الدار، وهي المدينة، أي: اتخذوها مسكناً، واتخذوا الإيمان دينا من قبل إتيان المهاجرين، يعني الأنصار يحبون من هاجر إليهم، يعني من مكة وغيرها.
* *
ثم قال: ﴿وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ﴾ أي: ولا يجد الأنصار في قلوبهم حسداً مما أعطي المهاجرون دونهم من الفيء.
روي: أن النبي ﷺ قسم أموال بني النضير بين المهاجرين الأولين دون الأنصار إلا رجلين من الأنصار أحدهما سهل بن حنيف والآخر أبو دجانة سماك بن خرشة ذكرا فقراً فأعطاهما النبي ﷺ لفقرهما، وإنما فعل ذلك رسول الله ﷺ، لأن الله كان قد أعطاه أموالهم يفعل فيها ما يشاء، وقد تقدم ذكر ذلك، قاله عبد الله بن أبزى.
وقال ابن زيد: لما خص رسول الله ﷺ بأموال بني النضير المهاجرين الأولين، تكلم في ذلك بعض الأنصار، فعاتبهم الله عز وجل، فقال: ﴿وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ الآية.
وقال رسول الله ﷺ: إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم، فقالوا أموالنا بينهم قطائع، فقال رسول الله ﷺ: أو غير ذلك قالوا وما ذلك يا رسول الله قال هم قوم لا يعرفون العمل فتكفونهم وتقاسمونهم الثمر فقالوا نعم يا رسول الله
قال الحسن: ﴿وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ﴾ [يعني الحسنة. ثم قال تعالى:] ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ﴾ هذا من صفة الأنصار، وصفهم الله عز وجل أنهم يعطون المهاجرين أموالهم إيثاراً لهم بها على أنفسهم.
﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ أي: يؤثرون المهاجرين على أنفسهم بما عندهم، وإن كان بهم فاقة وحاجة.
روى أبو هريرة: أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ ليضيفه، فلم يكن عنده ما يضيفه، فقال ألا رجلاً يضيف هذا رحمه الله، فقام رجل من الأنصار يقال له أبو طلحة فأنطلق به إلى رحله فقال لامرأته أكرمي ضيف رسول الله، نومي الصبية أطفئي المصباح وأريه أنك تأكلين معه، واتركيه لضيف رسول الله ﷺ براً له، قال: ففعلت فنزلت: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾
ثم قال: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.
أي: ومن وقاه الله عز وجل شح نفسه، فهو من الباقين المخلدين في الجنة.
والشح في اللغة: البخل ومنع الفضل من المال.
وقيل: الشح هنا: أكل أموال الناس بغير حق، قاله ابن مسعود.
وروى أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: "بَرِئَ من الشح من أدى الزكاة [وقرى] الضيف وأعطى في النائبة
ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلإِيمَانِ﴾.
أي والذين جاؤوا من بعد الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبل المهاجرين الأولين، يقولون ربنا أغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا [بالإيمان] من الأنصار وغيرهم.
﴿وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ أي: غمراً وضغناً، يعني به الذين أسلموا من بعد الذين تبوءوا الدار.
قال قتادة: ذكر الله جل ذكره الطائفة الثالثة فقال: ﴿وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ...﴾ الآية.
ثم قال: أُمِروا أن يستغفروا لأصحاب النبي ﷺ ولم يؤمروا بسبهم.
وقيل المعنى: والذين جاءوا من بعد المهاجرين والأنصار.
قال ابن أبي ليلى كان الناس على ثلاث منازل: (المهاجرون الأولون) والذين اتبعوهم بإحسان و (الذين جاءوا من بعدهم).
* *
ثم قال: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ أي: ذو رأفة ورحمة لمن أطاعك.
* *
ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً﴾.
يعني: منافقي المدينة يقولون لبني النضير حين نزل بهم رسول الله ﷺ وحاصرهم أثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم، فإن قوتلتم قاتلنا معكم وإن أخرجتم خرجنا معكم، فتربصوا وانتظروا نصرهم، فلم يفوا لهم، وقذف الله في قلوبهم الرعب (فسألوا النبي ﷺ) أن يجليهم ويكف عن دعائهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم، فصالحهم على ذلك.
قال ابن عباس: الذين نافقوا هنا هم عبد الله بن أبي وأصحابه وعدوا بني النضير بالنصر والخروج معهم، وأنهم لا يطيعون فيهم أحداً أبداً، فأعلمنا الله عز وجل أنهم كاذبون، وأنهم لا يقاتلون معهم، ولا يخرجون معهم، وأنهم حتى لو نصروهم لولوا الأدبار منهزمين.
﴿ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ﴾ أي: ثم لا ينصر الله عز وجل بني النضير على نبيه ﷺ وأصحابه، بل يخذلهم.
وقال أبو صالح: ﴿لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ﴾، هم بنو قريظة.
وقيل معنى: ﴿وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ ٱلأَدْبَارَ﴾ أي: ولئن نصر اليهود المنافقون، ومعنى لا ينصرونهم: طائعين، ولئن نصروهم: مكرهين، ليولن الأدبار منهزمين.
وقيل معنى: لا ينصرونهم: أي: لا يدومون على نصرهم كما يقال: فلان لا يصوم ولا يصلي، أي: لا يدوم على ذلك، ورفع (يخرجون وينصرون) وقبله شرط، لأنه قسم، ولا يعمل الشرط في القسم، ولا في جوابه، لكنه سد مسد جواب الشرط.
* *
ثم قال: ﴿لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ أي: لأنتم أيها المؤمنون أشد رهبة في صدور اليهود بني النضير من الله سبحانه: أي: هم يرهبونكم أشد من رهبتهم من الله عز وجل.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾ [أي: ذلك الخوف الذي حل بهم، من أجل أنهم قوم لا يفقهون] قدر عظمة الله عز وجل، فهم لذلك يخافونكم أعظم من خوفهم الله (عز وجهه وتعالى جدُّه)، ولذلك ارتكبوا معاصي الله وخالفوه في نقض عهد النبي ﷺ وأصحابه ومعونتهم للمشركين بأُحد.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ﴾.
أي: من خوفهم منكم لا يقاتلونكم إلا في قرى قد حصنت، ولا يبرزون إليكم أو يقاتلونكم إلا من وراء جدر، أي: إلا من وراء حيطان.
﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ أي: عداوة بعضهم لبعض شديدة.
* *
﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ﴾.
يعني: المنافقين واليهود، أي: تحسبهم يا محمد مؤتلفي الكلمة مجتمعين على محبة بعضهم بعضاً، وقلوبهم شتى: أي: مفترقة (ببغض بعضهم لبعض).
* *
ثم قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ﴾ أي: ذلك الذي وصفه الله عز وجل من أمر اليهود والمنافقين من عداوة بعضهم بعضاً في الباطل، من أجل أنهم قوم لا يعقلون ما فيه الحظ لهم مما عليهم فيه الضرر.
وقال قتادة: لما قرأ هذه الآية: كذا أهل الباطل مختلفة شهادتهم، مختلفة أهواؤهم، مختلفة أعمالهم، وهم مجتمعون في عداوة الحق.
وقال مجاهد: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ﴾: هم المنافقون يخالف دينهم دين اليهود.
وقال سفيان: هم المشركون وأهل الكتاب.
* *
ثم قال: ﴿كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾.
أي: مثلهم كمثل الذين من قبلهم، "فالكاف" في موضع رفع خبر الابتداء المضمر، "وقريباً" نعت لظرف محذوف. والتقدير: وقتاً قريباً ذاقوا عاقبة كفرهم وعصيانهم، وكذا التقدير في الكاف من قوله: ﴿كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَانِ﴾ والمعنى: أن الله سبحانه وتعالى أعلمنا أن مثل هؤلاء اليهود والمنافقين فيما الله عز وجل صانع بهم من إحلال عقوبته [بهم] كمثل فعله بالذين من قبلهم يعني [به] بني قينقاع (أمكن الله عز وجل منهم) قبل بني النضير، قاله ابن عباس.
وقال مجاهد: عنى به كفار قريش يوم بدر.
وقيل: هو عام في كل من انتقم منه على كفره قبل بني النضير.
ومعنى: ﴿ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ أي: نالهم عقاب الله عز وجل على كفرهم به، "والوبال": ثقل المكروه، ومنه: "طعام وبيل": أي: ثقيل وخم.
* *
ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: مؤلم، يعني موجعاً في الآخرة، يعني المنافقين وإخوانهم من يهود بني النضير وغيرهم مِمن عصى الله عز وجل وخادعه سبحانه.
الحشر 59:9
قوله: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ الآيات.
أي ولكن يكون ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى للفقراء المهاجرين، يعني مهاجرة قريش.
قال مجاهد: جعل الله عز وجل ما أفاء الله على رسوله من قريظة لمهاجرة قريش الذين أخرجهم المشركون من ديارهم وأموالهم، فخرجوا ملتمسين فضلاً، أي: ثوابا من الله ورضونا منه عليهم، وناصرين دين الله عز وجل ورسوله ﷺ.
﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ﴾ أي: صدقوا في فعلهم وقولهم.
* *
ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ﴾ أي: الذين سكنوا الدار، وهي المدينة، أي: اتخذوها مسكناً، واتخذوا الإيمان دينا من قبل إتيان المهاجرين، يعني الأنصار يحبون من هاجر إليهم، يعني من مكة وغيرها.
* *
ثم قال: ﴿وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ﴾ أي: ولا يجد الأنصار في قلوبهم حسداً مما أعطي المهاجرون دونهم من الفيء.
روي: أن النبي ﷺ قسم أموال بني النضير بين المهاجرين الأولين دون الأنصار إلا رجلين من الأنصار أحدهما سهل بن حنيف والآخر أبو دجانة سماك بن خرشة ذكرا فقراً فأعطاهما النبي ﷺ لفقرهما، وإنما فعل ذلك رسول الله ﷺ، لأن الله كان قد أعطاه أموالهم يفعل فيها ما يشاء، وقد تقدم ذكر ذلك، قاله عبد الله بن أبزى.
وقال ابن زيد: لما خص رسول الله ﷺ بأموال بني النضير المهاجرين الأولين، تكلم في ذلك بعض الأنصار، فعاتبهم الله عز وجل، فقال: ﴿وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ الآية.
وقال رسول الله ﷺ: إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم، فقالوا أموالنا بينهم قطائع، فقال رسول الله ﷺ: أو غير ذلك قالوا وما ذلك يا رسول الله قال هم قوم لا يعرفون العمل فتكفونهم وتقاسمونهم الثمر فقالوا نعم يا رسول الله
قال الحسن: ﴿وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ﴾ [يعني الحسنة. ثم قال تعالى:] ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ﴾ هذا من صفة الأنصار، وصفهم الله عز وجل أنهم يعطون المهاجرين أموالهم إيثاراً لهم بها على أنفسهم.
﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ أي: يؤثرون المهاجرين على أنفسهم بما عندهم، وإن كان بهم فاقة وحاجة.
روى أبو هريرة: أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ ليضيفه، فلم يكن عنده ما يضيفه، فقال ألا رجلاً يضيف هذا رحمه الله، فقام رجل من الأنصار يقال له أبو طلحة فأنطلق به إلى رحله فقال لامرأته أكرمي ضيف رسول الله، نومي الصبية أطفئي المصباح وأريه أنك تأكلين معه، واتركيه لضيف رسول الله ﷺ براً له، قال: ففعلت فنزلت: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾
ثم قال: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.
أي: ومن وقاه الله عز وجل شح نفسه، فهو من الباقين المخلدين في الجنة.
والشح في اللغة: البخل ومنع الفضل من المال.
وقيل: الشح هنا: أكل أموال الناس بغير حق، قاله ابن مسعود.
وروى أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: "بَرِئَ من الشح من أدى الزكاة [وقرى] الضيف وأعطى في النائبة
ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلإِيمَانِ﴾.
أي والذين جاؤوا من بعد الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبل المهاجرين الأولين، يقولون ربنا أغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا [بالإيمان] من الأنصار وغيرهم.
﴿وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ أي: غمراً وضغناً، يعني به الذين أسلموا من بعد الذين تبوءوا الدار.
قال قتادة: ذكر الله جل ذكره الطائفة الثالثة فقال: ﴿وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ...﴾ الآية.
ثم قال: أُمِروا أن يستغفروا لأصحاب النبي ﷺ ولم يؤمروا بسبهم.
وقيل المعنى: والذين جاءوا من بعد المهاجرين والأنصار.
قال ابن أبي ليلى كان الناس على ثلاث منازل: (المهاجرون الأولون) والذين اتبعوهم بإحسان و (الذين جاءوا من بعدهم).
* *
ثم قال: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ أي: ذو رأفة ورحمة لمن أطاعك.
* *
ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً﴾.
يعني: منافقي المدينة يقولون لبني النضير حين نزل بهم رسول الله ﷺ وحاصرهم أثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم، فإن قوتلتم قاتلنا معكم وإن أخرجتم خرجنا معكم، فتربصوا وانتظروا نصرهم، فلم يفوا لهم، وقذف الله في قلوبهم الرعب (فسألوا النبي ﷺ) أن يجليهم ويكف عن دعائهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم، فصالحهم على ذلك.
قال ابن عباس: الذين نافقوا هنا هم عبد الله بن أبي وأصحابه وعدوا بني النضير بالنصر والخروج معهم، وأنهم لا يطيعون فيهم أحداً أبداً، فأعلمنا الله عز وجل أنهم كاذبون، وأنهم لا يقاتلون معهم، ولا يخرجون معهم، وأنهم حتى لو نصروهم لولوا الأدبار منهزمين.
﴿ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ﴾ أي: ثم لا ينصر الله عز وجل بني النضير على نبيه ﷺ وأصحابه، بل يخذلهم.
وقال أبو صالح: ﴿لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ﴾، هم بنو قريظة.
وقيل معنى: ﴿وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ ٱلأَدْبَارَ﴾ أي: ولئن نصر اليهود المنافقون، ومعنى لا ينصرونهم: طائعين، ولئن نصروهم: مكرهين، ليولن الأدبار منهزمين.
وقيل معنى: لا ينصرونهم: أي: لا يدومون على نصرهم كما يقال: فلان لا يصوم ولا يصلي، أي: لا يدوم على ذلك، ورفع (يخرجون وينصرون) وقبله شرط، لأنه قسم، ولا يعمل الشرط في القسم، ولا في جوابه، لكنه سد مسد جواب الشرط.
* *
ثم قال: ﴿لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ أي: لأنتم أيها المؤمنون أشد رهبة في صدور اليهود بني النضير من الله سبحانه: أي: هم يرهبونكم أشد من رهبتهم من الله عز وجل.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾ [أي: ذلك الخوف الذي حل بهم، من أجل أنهم قوم لا يفقهون] قدر عظمة الله عز وجل، فهم لذلك يخافونكم أعظم من خوفهم الله (عز وجهه وتعالى جدُّه)، ولذلك ارتكبوا معاصي الله وخالفوه في نقض عهد النبي ﷺ وأصحابه ومعونتهم للمشركين بأُحد.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ﴾.
أي: من خوفهم منكم لا يقاتلونكم إلا في قرى قد حصنت، ولا يبرزون إليكم أو يقاتلونكم إلا من وراء جدر، أي: إلا من وراء حيطان.
﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ أي: عداوة بعضهم لبعض شديدة.
* *
﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ﴾.
يعني: المنافقين واليهود، أي: تحسبهم يا محمد مؤتلفي الكلمة مجتمعين على محبة بعضهم بعضاً، وقلوبهم شتى: أي: مفترقة (ببغض بعضهم لبعض).
* *
ثم قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ﴾ أي: ذلك الذي وصفه الله عز وجل من أمر اليهود والمنافقين من عداوة بعضهم بعضاً في الباطل، من أجل أنهم قوم لا يعقلون ما فيه الحظ لهم مما عليهم فيه الضرر.
وقال قتادة: لما قرأ هذه الآية: كذا أهل الباطل مختلفة شهادتهم، مختلفة أهواؤهم، مختلفة أعمالهم، وهم مجتمعون في عداوة الحق.
وقال مجاهد: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ﴾: هم المنافقون يخالف دينهم دين اليهود.
وقال سفيان: هم المشركون وأهل الكتاب.
* *
ثم قال: ﴿كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾.
أي: مثلهم كمثل الذين من قبلهم، "فالكاف" في موضع رفع خبر الابتداء المضمر، "وقريباً" نعت لظرف محذوف. والتقدير: وقتاً قريباً ذاقوا عاقبة كفرهم وعصيانهم، وكذا التقدير في الكاف من قوله: ﴿كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَانِ﴾ والمعنى: أن الله سبحانه وتعالى أعلمنا أن مثل هؤلاء اليهود والمنافقين فيما الله عز وجل صانع بهم من إحلال عقوبته [بهم] كمثل فعله بالذين من قبلهم يعني [به] بني قينقاع (أمكن الله عز وجل منهم) قبل بني النضير، قاله ابن عباس.
وقال مجاهد: عنى به كفار قريش يوم بدر.
وقيل: هو عام في كل من انتقم منه على كفره قبل بني النضير.
ومعنى: ﴿ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ أي: نالهم عقاب الله عز وجل على كفرهم به، "والوبال": ثقل المكروه، ومنه: "طعام وبيل": أي: ثقيل وخم.
* *
ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: مؤلم، يعني موجعاً في الآخرة، يعني المنافقين وإخوانهم من يهود بني النضير وغيرهم مِمن عصى الله عز وجل وخادعه سبحانه.
الحشر 59:10
قوله: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ الآيات.
أي ولكن يكون ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى للفقراء المهاجرين، يعني مهاجرة قريش.
قال مجاهد: جعل الله عز وجل ما أفاء الله على رسوله من قريظة لمهاجرة قريش الذين أخرجهم المشركون من ديارهم وأموالهم، فخرجوا ملتمسين فضلاً، أي: ثوابا من الله ورضونا منه عليهم، وناصرين دين الله عز وجل ورسوله ﷺ.
﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ﴾ أي: صدقوا في فعلهم وقولهم.
* *
ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ﴾ أي: الذين سكنوا الدار، وهي المدينة، أي: اتخذوها مسكناً، واتخذوا الإيمان دينا من قبل إتيان المهاجرين، يعني الأنصار يحبون من هاجر إليهم، يعني من مكة وغيرها.
* *
ثم قال: ﴿وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ﴾ أي: ولا يجد الأنصار في قلوبهم حسداً مما أعطي المهاجرون دونهم من الفيء.
روي: أن النبي ﷺ قسم أموال بني النضير بين المهاجرين الأولين دون الأنصار إلا رجلين من الأنصار أحدهما سهل بن حنيف والآخر أبو دجانة سماك بن خرشة ذكرا فقراً فأعطاهما النبي ﷺ لفقرهما، وإنما فعل ذلك رسول الله ﷺ، لأن الله كان قد أعطاه أموالهم يفعل فيها ما يشاء، وقد تقدم ذكر ذلك، قاله عبد الله بن أبزى.
وقال ابن زيد: لما خص رسول الله ﷺ بأموال بني النضير المهاجرين الأولين، تكلم في ذلك بعض الأنصار، فعاتبهم الله عز وجل، فقال: ﴿وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ الآية.
وقال رسول الله ﷺ: إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم، فقالوا أموالنا بينهم قطائع، فقال رسول الله ﷺ: أو غير ذلك قالوا وما ذلك يا رسول الله قال هم قوم لا يعرفون العمل فتكفونهم وتقاسمونهم الثمر فقالوا نعم يا رسول الله
قال الحسن: ﴿وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ﴾ [يعني الحسنة. ثم قال تعالى:] ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ﴾ هذا من صفة الأنصار، وصفهم الله عز وجل أنهم يعطون المهاجرين أموالهم إيثاراً لهم بها على أنفسهم.
﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ أي: يؤثرون المهاجرين على أنفسهم بما عندهم، وإن كان بهم فاقة وحاجة.
روى أبو هريرة: أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ ليضيفه، فلم يكن عنده ما يضيفه، فقال ألا رجلاً يضيف هذا رحمه الله، فقام رجل من الأنصار يقال له أبو طلحة فأنطلق به إلى رحله فقال لامرأته أكرمي ضيف رسول الله، نومي الصبية أطفئي المصباح وأريه أنك تأكلين معه، واتركيه لضيف رسول الله ﷺ براً له، قال: ففعلت فنزلت: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾
ثم قال: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.
أي: ومن وقاه الله عز وجل شح نفسه، فهو من الباقين المخلدين في الجنة.
والشح في اللغة: البخل ومنع الفضل من المال.
وقيل: الشح هنا: أكل أموال الناس بغير حق، قاله ابن مسعود.
وروى أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: "بَرِئَ من الشح من أدى الزكاة [وقرى] الضيف وأعطى في النائبة
ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلإِيمَانِ﴾.
أي والذين جاؤوا من بعد الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبل المهاجرين الأولين، يقولون ربنا أغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا [بالإيمان] من الأنصار وغيرهم.
﴿وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ أي: غمراً وضغناً، يعني به الذين أسلموا من بعد الذين تبوءوا الدار.
قال قتادة: ذكر الله جل ذكره الطائفة الثالثة فقال: ﴿وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ...﴾ الآية.
ثم قال: أُمِروا أن يستغفروا لأصحاب النبي ﷺ ولم يؤمروا بسبهم.
وقيل المعنى: والذين جاءوا من بعد المهاجرين والأنصار.
قال ابن أبي ليلى كان الناس على ثلاث منازل: (المهاجرون الأولون) والذين اتبعوهم بإحسان و (الذين جاءوا من بعدهم).
* *
ثم قال: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ أي: ذو رأفة ورحمة لمن أطاعك.
* *
ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً﴾.
يعني: منافقي المدينة يقولون لبني النضير حين نزل بهم رسول الله ﷺ وحاصرهم أثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم، فإن قوتلتم قاتلنا معكم وإن أخرجتم خرجنا معكم، فتربصوا وانتظروا نصرهم، فلم يفوا لهم، وقذف الله في قلوبهم الرعب (فسألوا النبي ﷺ) أن يجليهم ويكف عن دعائهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم، فصالحهم على ذلك.
قال ابن عباس: الذين نافقوا هنا هم عبد الله بن أبي وأصحابه وعدوا بني النضير بالنصر والخروج معهم، وأنهم لا يطيعون فيهم أحداً أبداً، فأعلمنا الله عز وجل أنهم كاذبون، وأنهم لا يقاتلون معهم، ولا يخرجون معهم، وأنهم حتى لو نصروهم لولوا الأدبار منهزمين.
﴿ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ﴾ أي: ثم لا ينصر الله عز وجل بني النضير على نبيه ﷺ وأصحابه، بل يخذلهم.
وقال أبو صالح: ﴿لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ﴾، هم بنو قريظة.
وقيل معنى: ﴿وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ ٱلأَدْبَارَ﴾ أي: ولئن نصر اليهود المنافقون، ومعنى لا ينصرونهم: طائعين، ولئن نصروهم: مكرهين، ليولن الأدبار منهزمين.
وقيل معنى: لا ينصرونهم: أي: لا يدومون على نصرهم كما يقال: فلان لا يصوم ولا يصلي، أي: لا يدوم على ذلك، ورفع (يخرجون وينصرون) وقبله شرط، لأنه قسم، ولا يعمل الشرط في القسم، ولا في جوابه، لكنه سد مسد جواب الشرط.
* *
ثم قال: ﴿لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ أي: لأنتم أيها المؤمنون أشد رهبة في صدور اليهود بني النضير من الله سبحانه: أي: هم يرهبونكم أشد من رهبتهم من الله عز وجل.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾ [أي: ذلك الخوف الذي حل بهم، من أجل أنهم قوم لا يفقهون] قدر عظمة الله عز وجل، فهم لذلك يخافونكم أعظم من خوفهم الله (عز وجهه وتعالى جدُّه)، ولذلك ارتكبوا معاصي الله وخالفوه في نقض عهد النبي ﷺ وأصحابه ومعونتهم للمشركين بأُحد.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ﴾.
أي: من خوفهم منكم لا يقاتلونكم إلا في قرى قد حصنت، ولا يبرزون إليكم أو يقاتلونكم إلا من وراء جدر، أي: إلا من وراء حيطان.
﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ أي: عداوة بعضهم لبعض شديدة.
* *
﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ﴾.
يعني: المنافقين واليهود، أي: تحسبهم يا محمد مؤتلفي الكلمة مجتمعين على محبة بعضهم بعضاً، وقلوبهم شتى: أي: مفترقة (ببغض بعضهم لبعض).
* *
ثم قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ﴾ أي: ذلك الذي وصفه الله عز وجل من أمر اليهود والمنافقين من عداوة بعضهم بعضاً في الباطل، من أجل أنهم قوم لا يعقلون ما فيه الحظ لهم مما عليهم فيه الضرر.
وقال قتادة: لما قرأ هذه الآية: كذا أهل الباطل مختلفة شهادتهم، مختلفة أهواؤهم، مختلفة أعمالهم، وهم مجتمعون في عداوة الحق.
وقال مجاهد: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ﴾: هم المنافقون يخالف دينهم دين اليهود.
وقال سفيان: هم المشركون وأهل الكتاب.
* *
ثم قال: ﴿كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾.
أي: مثلهم كمثل الذين من قبلهم، "فالكاف" في موضع رفع خبر الابتداء المضمر، "وقريباً" نعت لظرف محذوف. والتقدير: وقتاً قريباً ذاقوا عاقبة كفرهم وعصيانهم، وكذا التقدير في الكاف من قوله: ﴿كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَانِ﴾ والمعنى: أن الله سبحانه وتعالى أعلمنا أن مثل هؤلاء اليهود والمنافقين فيما الله عز وجل صانع بهم من إحلال عقوبته [بهم] كمثل فعله بالذين من قبلهم يعني [به] بني قينقاع (أمكن الله عز وجل منهم) قبل بني النضير، قاله ابن عباس.
وقال مجاهد: عنى به كفار قريش يوم بدر.
وقيل: هو عام في كل من انتقم منه على كفره قبل بني النضير.
ومعنى: ﴿ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ أي: نالهم عقاب الله عز وجل على كفرهم به، "والوبال": ثقل المكروه، ومنه: "طعام وبيل": أي: ثقيل وخم.
* *
ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: مؤلم، يعني موجعاً في الآخرة، يعني المنافقين وإخوانهم من يهود بني النضير وغيرهم مِمن عصى الله عز وجل وخادعه سبحانه.
الحشر 59:11
قوله: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ الآيات.
أي ولكن يكون ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى للفقراء المهاجرين، يعني مهاجرة قريش.
قال مجاهد: جعل الله عز وجل ما أفاء الله على رسوله من قريظة لمهاجرة قريش الذين أخرجهم المشركون من ديارهم وأموالهم، فخرجوا ملتمسين فضلاً، أي: ثوابا من الله ورضونا منه عليهم، وناصرين دين الله عز وجل ورسوله ﷺ.
﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ﴾ أي: صدقوا في فعلهم وقولهم.
* *
ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ﴾ أي: الذين سكنوا الدار، وهي المدينة، أي: اتخذوها مسكناً، واتخذوا الإيمان دينا من قبل إتيان المهاجرين، يعني الأنصار يحبون من هاجر إليهم، يعني من مكة وغيرها.
* *
ثم قال: ﴿وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ﴾ أي: ولا يجد الأنصار في قلوبهم حسداً مما أعطي المهاجرون دونهم من الفيء.
روي: أن النبي ﷺ قسم أموال بني النضير بين المهاجرين الأولين دون الأنصار إلا رجلين من الأنصار أحدهما سهل بن حنيف والآخر أبو دجانة سماك بن خرشة ذكرا فقراً فأعطاهما النبي ﷺ لفقرهما، وإنما فعل ذلك رسول الله ﷺ، لأن الله كان قد أعطاه أموالهم يفعل فيها ما يشاء، وقد تقدم ذكر ذلك، قاله عبد الله بن أبزى.
وقال ابن زيد: لما خص رسول الله ﷺ بأموال بني النضير المهاجرين الأولين، تكلم في ذلك بعض الأنصار، فعاتبهم الله عز وجل، فقال: ﴿وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ الآية.
وقال رسول الله ﷺ: إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم، فقالوا أموالنا بينهم قطائع، فقال رسول الله ﷺ: أو غير ذلك قالوا وما ذلك يا رسول الله قال هم قوم لا يعرفون العمل فتكفونهم وتقاسمونهم الثمر فقالوا نعم يا رسول الله
قال الحسن: ﴿وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ﴾ [يعني الحسنة. ثم قال تعالى:] ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ﴾ هذا من صفة الأنصار، وصفهم الله عز وجل أنهم يعطون المهاجرين أموالهم إيثاراً لهم بها على أنفسهم.
﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ أي: يؤثرون المهاجرين على أنفسهم بما عندهم، وإن كان بهم فاقة وحاجة.
روى أبو هريرة: أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ ليضيفه، فلم يكن عنده ما يضيفه، فقال ألا رجلاً يضيف هذا رحمه الله، فقام رجل من الأنصار يقال له أبو طلحة فأنطلق به إلى رحله فقال لامرأته أكرمي ضيف رسول الله، نومي الصبية أطفئي المصباح وأريه أنك تأكلين معه، واتركيه لضيف رسول الله ﷺ براً له، قال: ففعلت فنزلت: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾
ثم قال: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.
أي: ومن وقاه الله عز وجل شح نفسه، فهو من الباقين المخلدين في الجنة.
والشح في اللغة: البخل ومنع الفضل من المال.
وقيل: الشح هنا: أكل أموال الناس بغير حق، قاله ابن مسعود.
وروى أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: "بَرِئَ من الشح من أدى الزكاة [وقرى] الضيف وأعطى في النائبة
ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلإِيمَانِ﴾.
أي والذين جاؤوا من بعد الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبل المهاجرين الأولين، يقولون ربنا أغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا [بالإيمان] من الأنصار وغيرهم.
﴿وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ أي: غمراً وضغناً، يعني به الذين أسلموا من بعد الذين تبوءوا الدار.
قال قتادة: ذكر الله جل ذكره الطائفة الثالثة فقال: ﴿وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ...﴾ الآية.
ثم قال: أُمِروا أن يستغفروا لأصحاب النبي ﷺ ولم يؤمروا بسبهم.
وقيل المعنى: والذين جاءوا من بعد المهاجرين والأنصار.
قال ابن أبي ليلى كان الناس على ثلاث منازل: (المهاجرون الأولون) والذين اتبعوهم بإحسان و (الذين جاءوا من بعدهم).
* *
ثم قال: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ أي: ذو رأفة ورحمة لمن أطاعك.
* *
ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً﴾.
يعني: منافقي المدينة يقولون لبني النضير حين نزل بهم رسول الله ﷺ وحاصرهم أثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم، فإن قوتلتم قاتلنا معكم وإن أخرجتم خرجنا معكم، فتربصوا وانتظروا نصرهم، فلم يفوا لهم، وقذف الله في قلوبهم الرعب (فسألوا النبي ﷺ) أن يجليهم ويكف عن دعائهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم، فصالحهم على ذلك.
قال ابن عباس: الذين نافقوا هنا هم عبد الله بن أبي وأصحابه وعدوا بني النضير بالنصر والخروج معهم، وأنهم لا يطيعون فيهم أحداً أبداً، فأعلمنا الله عز وجل أنهم كاذبون، وأنهم لا يقاتلون معهم، ولا يخرجون معهم، وأنهم حتى لو نصروهم لولوا الأدبار منهزمين.
﴿ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ﴾ أي: ثم لا ينصر الله عز وجل بني النضير على نبيه ﷺ وأصحابه، بل يخذلهم.
وقال أبو صالح: ﴿لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ﴾، هم بنو قريظة.
وقيل معنى: ﴿وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ ٱلأَدْبَارَ﴾ أي: ولئن نصر اليهود المنافقون، ومعنى لا ينصرونهم: طائعين، ولئن نصروهم: مكرهين، ليولن الأدبار منهزمين.
وقيل معنى: لا ينصرونهم: أي: لا يدومون على نصرهم كما يقال: فلان لا يصوم ولا يصلي، أي: لا يدوم على ذلك، ورفع (يخرجون وينصرون) وقبله شرط، لأنه قسم، ولا يعمل الشرط في القسم، ولا في جوابه، لكنه سد مسد جواب الشرط.
* *
ثم قال: ﴿لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ أي: لأنتم أيها المؤمنون أشد رهبة في صدور اليهود بني النضير من الله سبحانه: أي: هم يرهبونكم أشد من رهبتهم من الله عز وجل.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾ [أي: ذلك الخوف الذي حل بهم، من أجل أنهم قوم لا يفقهون] قدر عظمة الله عز وجل، فهم لذلك يخافونكم أعظم من خوفهم الله (عز وجهه وتعالى جدُّه)، ولذلك ارتكبوا معاصي الله وخالفوه في نقض عهد النبي ﷺ وأصحابه ومعونتهم للمشركين بأُحد.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ﴾.
أي: من خوفهم منكم لا يقاتلونكم إلا في قرى قد حصنت، ولا يبرزون إليكم أو يقاتلونكم إلا من وراء جدر، أي: إلا من وراء حيطان.
﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ أي: عداوة بعضهم لبعض شديدة.
* *
﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ﴾.
يعني: المنافقين واليهود، أي: تحسبهم يا محمد مؤتلفي الكلمة مجتمعين على محبة بعضهم بعضاً، وقلوبهم شتى: أي: مفترقة (ببغض بعضهم لبعض).
* *
ثم قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ﴾ أي: ذلك الذي وصفه الله عز وجل من أمر اليهود والمنافقين من عداوة بعضهم بعضاً في الباطل، من أجل أنهم قوم لا يعقلون ما فيه الحظ لهم مما عليهم فيه الضرر.
وقال قتادة: لما قرأ هذه الآية: كذا أهل الباطل مختلفة شهادتهم، مختلفة أهواؤهم، مختلفة أعمالهم، وهم مجتمعون في عداوة الحق.
وقال مجاهد: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ﴾: هم المنافقون يخالف دينهم دين اليهود.
وقال سفيان: هم المشركون وأهل الكتاب.
* *
ثم قال: ﴿كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾.
أي: مثلهم كمثل الذين من قبلهم، "فالكاف" في موضع رفع خبر الابتداء المضمر، "وقريباً" نعت لظرف محذوف. والتقدير: وقتاً قريباً ذاقوا عاقبة كفرهم وعصيانهم، وكذا التقدير في الكاف من قوله: ﴿كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَانِ﴾ والمعنى: أن الله سبحانه وتعالى أعلمنا أن مثل هؤلاء اليهود والمنافقين فيما الله عز وجل صانع بهم من إحلال عقوبته [بهم] كمثل فعله بالذين من قبلهم يعني [به] بني قينقاع (أمكن الله عز وجل منهم) قبل بني النضير، قاله ابن عباس.
وقال مجاهد: عنى به كفار قريش يوم بدر.
وقيل: هو عام في كل من انتقم منه على كفره قبل بني النضير.
ومعنى: ﴿ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ أي: نالهم عقاب الله عز وجل على كفرهم به، "والوبال": ثقل المكروه، ومنه: "طعام وبيل": أي: ثقيل وخم.
* *
ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: مؤلم، يعني موجعاً في الآخرة، يعني المنافقين وإخوانهم من يهود بني النضير وغيرهم مِمن عصى الله عز وجل وخادعه سبحانه.
الحشر 59:12
قوله: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ الآيات.
أي ولكن يكون ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى للفقراء المهاجرين، يعني مهاجرة قريش.
قال مجاهد: جعل الله عز وجل ما أفاء الله على رسوله من قريظة لمهاجرة قريش الذين أخرجهم المشركون من ديارهم وأموالهم، فخرجوا ملتمسين فضلاً، أي: ثوابا من الله ورضونا منه عليهم، وناصرين دين الله عز وجل ورسوله ﷺ.
﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ﴾ أي: صدقوا في فعلهم وقولهم.
* *
ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ﴾ أي: الذين سكنوا الدار، وهي المدينة، أي: اتخذوها مسكناً، واتخذوا الإيمان دينا من قبل إتيان المهاجرين، يعني الأنصار يحبون من هاجر إليهم، يعني من مكة وغيرها.
* *
ثم قال: ﴿وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ﴾ أي: ولا يجد الأنصار في قلوبهم حسداً مما أعطي المهاجرون دونهم من الفيء.
روي: أن النبي ﷺ قسم أموال بني النضير بين المهاجرين الأولين دون الأنصار إلا رجلين من الأنصار أحدهما سهل بن حنيف والآخر أبو دجانة سماك بن خرشة ذكرا فقراً فأعطاهما النبي ﷺ لفقرهما، وإنما فعل ذلك رسول الله ﷺ، لأن الله كان قد أعطاه أموالهم يفعل فيها ما يشاء، وقد تقدم ذكر ذلك، قاله عبد الله بن أبزى.
وقال ابن زيد: لما خص رسول الله ﷺ بأموال بني النضير المهاجرين الأولين، تكلم في ذلك بعض الأنصار، فعاتبهم الله عز وجل، فقال: ﴿وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ الآية.
وقال رسول الله ﷺ: إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم، فقالوا أموالنا بينهم قطائع، فقال رسول الله ﷺ: أو غير ذلك قالوا وما ذلك يا رسول الله قال هم قوم لا يعرفون العمل فتكفونهم وتقاسمونهم الثمر فقالوا نعم يا رسول الله
قال الحسن: ﴿وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ﴾ [يعني الحسنة. ثم قال تعالى:] ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ﴾ هذا من صفة الأنصار، وصفهم الله عز وجل أنهم يعطون المهاجرين أموالهم إيثاراً لهم بها على أنفسهم.
﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ أي: يؤثرون المهاجرين على أنفسهم بما عندهم، وإن كان بهم فاقة وحاجة.
روى أبو هريرة: أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ ليضيفه، فلم يكن عنده ما يضيفه، فقال ألا رجلاً يضيف هذا رحمه الله، فقام رجل من الأنصار يقال له أبو طلحة فأنطلق به إلى رحله فقال لامرأته أكرمي ضيف رسول الله، نومي الصبية أطفئي المصباح وأريه أنك تأكلين معه، واتركيه لضيف رسول الله ﷺ براً له، قال: ففعلت فنزلت: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾
ثم قال: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.
أي: ومن وقاه الله عز وجل شح نفسه، فهو من الباقين المخلدين في الجنة.
والشح في اللغة: البخل ومنع الفضل من المال.
وقيل: الشح هنا: أكل أموال الناس بغير حق، قاله ابن مسعود.
وروى أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: "بَرِئَ من الشح من أدى الزكاة [وقرى] الضيف وأعطى في النائبة
ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلإِيمَانِ﴾.
أي والذين جاؤوا من بعد الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبل المهاجرين الأولين، يقولون ربنا أغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا [بالإيمان] من الأنصار وغيرهم.
﴿وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ أي: غمراً وضغناً، يعني به الذين أسلموا من بعد الذين تبوءوا الدار.
قال قتادة: ذكر الله جل ذكره الطائفة الثالثة فقال: ﴿وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ...﴾ الآية.
ثم قال: أُمِروا أن يستغفروا لأصحاب النبي ﷺ ولم يؤمروا بسبهم.
وقيل المعنى: والذين جاءوا من بعد المهاجرين والأنصار.
قال ابن أبي ليلى كان الناس على ثلاث منازل: (المهاجرون الأولون) والذين اتبعوهم بإحسان و (الذين جاءوا من بعدهم).
* *
ثم قال: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ أي: ذو رأفة ورحمة لمن أطاعك.
* *
ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً﴾.
يعني: منافقي المدينة يقولون لبني النضير حين نزل بهم رسول الله ﷺ وحاصرهم أثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم، فإن قوتلتم قاتلنا معكم وإن أخرجتم خرجنا معكم، فتربصوا وانتظروا نصرهم، فلم يفوا لهم، وقذف الله في قلوبهم الرعب (فسألوا النبي ﷺ) أن يجليهم ويكف عن دعائهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم، فصالحهم على ذلك.
قال ابن عباس: الذين نافقوا هنا هم عبد الله بن أبي وأصحابه وعدوا بني النضير بالنصر والخروج معهم، وأنهم لا يطيعون فيهم أحداً أبداً، فأعلمنا الله عز وجل أنهم كاذبون، وأنهم لا يقاتلون معهم، ولا يخرجون معهم، وأنهم حتى لو نصروهم لولوا الأدبار منهزمين.
﴿ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ﴾ أي: ثم لا ينصر الله عز وجل بني النضير على نبيه ﷺ وأصحابه، بل يخذلهم.
وقال أبو صالح: ﴿لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ﴾، هم بنو قريظة.
وقيل معنى: ﴿وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ ٱلأَدْبَارَ﴾ أي: ولئن نصر اليهود المنافقون، ومعنى لا ينصرونهم: طائعين، ولئن نصروهم: مكرهين، ليولن الأدبار منهزمين.
وقيل معنى: لا ينصرونهم: أي: لا يدومون على نصرهم كما يقال: فلان لا يصوم ولا يصلي، أي: لا يدوم على ذلك، ورفع (يخرجون وينصرون) وقبله شرط، لأنه قسم، ولا يعمل الشرط في القسم، ولا في جوابه، لكنه سد مسد جواب الشرط.
* *
ثم قال: ﴿لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ أي: لأنتم أيها المؤمنون أشد رهبة في صدور اليهود بني النضير من الله سبحانه: أي: هم يرهبونكم أشد من رهبتهم من الله عز وجل.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾ [أي: ذلك الخوف الذي حل بهم، من أجل أنهم قوم لا يفقهون] قدر عظمة الله عز وجل، فهم لذلك يخافونكم أعظم من خوفهم الله (عز وجهه وتعالى جدُّه)، ولذلك ارتكبوا معاصي الله وخالفوه في نقض عهد النبي ﷺ وأصحابه ومعونتهم للمشركين بأُحد.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ﴾.
أي: من خوفهم منكم لا يقاتلونكم إلا في قرى قد حصنت، ولا يبرزون إليكم أو يقاتلونكم إلا من وراء جدر، أي: إلا من وراء حيطان.
﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ أي: عداوة بعضهم لبعض شديدة.
* *
﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ﴾.
يعني: المنافقين واليهود، أي: تحسبهم يا محمد مؤتلفي الكلمة مجتمعين على محبة بعضهم بعضاً، وقلوبهم شتى: أي: مفترقة (ببغض بعضهم لبعض).
* *
ثم قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ﴾ أي: ذلك الذي وصفه الله عز وجل من أمر اليهود والمنافقين من عداوة بعضهم بعضاً في الباطل، من أجل أنهم قوم لا يعقلون ما فيه الحظ لهم مما عليهم فيه الضرر.
وقال قتادة: لما قرأ هذه الآية: كذا أهل الباطل مختلفة شهادتهم، مختلفة أهواؤهم، مختلفة أعمالهم، وهم مجتمعون في عداوة الحق.
وقال مجاهد: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ﴾: هم المنافقون يخالف دينهم دين اليهود.
وقال سفيان: هم المشركون وأهل الكتاب.
* *
ثم قال: ﴿كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾.
أي: مثلهم كمثل الذين من قبلهم، "فالكاف" في موضع رفع خبر الابتداء المضمر، "وقريباً" نعت لظرف محذوف. والتقدير: وقتاً قريباً ذاقوا عاقبة كفرهم وعصيانهم، وكذا التقدير في الكاف من قوله: ﴿كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَانِ﴾ والمعنى: أن الله سبحانه وتعالى أعلمنا أن مثل هؤلاء اليهود والمنافقين فيما الله عز وجل صانع بهم من إحلال عقوبته [بهم] كمثل فعله بالذين من قبلهم يعني [به] بني قينقاع (أمكن الله عز وجل منهم) قبل بني النضير، قاله ابن عباس.
وقال مجاهد: عنى به كفار قريش يوم بدر.
وقيل: هو عام في كل من انتقم منه على كفره قبل بني النضير.
ومعنى: ﴿ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ أي: نالهم عقاب الله عز وجل على كفرهم به، "والوبال": ثقل المكروه، ومنه: "طعام وبيل": أي: ثقيل وخم.
* *
ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: مؤلم، يعني موجعاً في الآخرة، يعني المنافقين وإخوانهم من يهود بني النضير وغيرهم مِمن عصى الله عز وجل وخادعه سبحانه.
الحشر 59:13
قوله: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ الآيات.
أي ولكن يكون ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى للفقراء المهاجرين، يعني مهاجرة قريش.
قال مجاهد: جعل الله عز وجل ما أفاء الله على رسوله من قريظة لمهاجرة قريش الذين أخرجهم المشركون من ديارهم وأموالهم، فخرجوا ملتمسين فضلاً، أي: ثوابا من الله ورضونا منه عليهم، وناصرين دين الله عز وجل ورسوله ﷺ.
﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ﴾ أي: صدقوا في فعلهم وقولهم.
* *
ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ﴾ أي: الذين سكنوا الدار، وهي المدينة، أي: اتخذوها مسكناً، واتخذوا الإيمان دينا من قبل إتيان المهاجرين، يعني الأنصار يحبون من هاجر إليهم، يعني من مكة وغيرها.
* *
ثم قال: ﴿وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ﴾ أي: ولا يجد الأنصار في قلوبهم حسداً مما أعطي المهاجرون دونهم من الفيء.
روي: أن النبي ﷺ قسم أموال بني النضير بين المهاجرين الأولين دون الأنصار إلا رجلين من الأنصار أحدهما سهل بن حنيف والآخر أبو دجانة سماك بن خرشة ذكرا فقراً فأعطاهما النبي ﷺ لفقرهما، وإنما فعل ذلك رسول الله ﷺ، لأن الله كان قد أعطاه أموالهم يفعل فيها ما يشاء، وقد تقدم ذكر ذلك، قاله عبد الله بن أبزى.
وقال ابن زيد: لما خص رسول الله ﷺ بأموال بني النضير المهاجرين الأولين، تكلم في ذلك بعض الأنصار، فعاتبهم الله عز وجل، فقال: ﴿وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ الآية.
وقال رسول الله ﷺ: إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم، فقالوا أموالنا بينهم قطائع، فقال رسول الله ﷺ: أو غير ذلك قالوا وما ذلك يا رسول الله قال هم قوم لا يعرفون العمل فتكفونهم وتقاسمونهم الثمر فقالوا نعم يا رسول الله
قال الحسن: ﴿وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ﴾ [يعني الحسنة. ثم قال تعالى:] ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ﴾ هذا من صفة الأنصار، وصفهم الله عز وجل أنهم يعطون المهاجرين أموالهم إيثاراً لهم بها على أنفسهم.
﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ أي: يؤثرون المهاجرين على أنفسهم بما عندهم، وإن كان بهم فاقة وحاجة.
روى أبو هريرة: أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ ليضيفه، فلم يكن عنده ما يضيفه، فقال ألا رجلاً يضيف هذا رحمه الله، فقام رجل من الأنصار يقال له أبو طلحة فأنطلق به إلى رحله فقال لامرأته أكرمي ضيف رسول الله، نومي الصبية أطفئي المصباح وأريه أنك تأكلين معه، واتركيه لضيف رسول الله ﷺ براً له، قال: ففعلت فنزلت: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾
ثم قال: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.
أي: ومن وقاه الله عز وجل شح نفسه، فهو من الباقين المخلدين في الجنة.
والشح في اللغة: البخل ومنع الفضل من المال.
وقيل: الشح هنا: أكل أموال الناس بغير حق، قاله ابن مسعود.
وروى أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: "بَرِئَ من الشح من أدى الزكاة [وقرى] الضيف وأعطى في النائبة
ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلإِيمَانِ﴾.
أي والذين جاؤوا من بعد الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبل المهاجرين الأولين، يقولون ربنا أغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا [بالإيمان] من الأنصار وغيرهم.
﴿وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ أي: غمراً وضغناً، يعني به الذين أسلموا من بعد الذين تبوءوا الدار.
قال قتادة: ذكر الله جل ذكره الطائفة الثالثة فقال: ﴿وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ...﴾ الآية.
ثم قال: أُمِروا أن يستغفروا لأصحاب النبي ﷺ ولم يؤمروا بسبهم.
وقيل المعنى: والذين جاءوا من بعد المهاجرين والأنصار.
قال ابن أبي ليلى كان الناس على ثلاث منازل: (المهاجرون الأولون) والذين اتبعوهم بإحسان و (الذين جاءوا من بعدهم).
* *
ثم قال: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ أي: ذو رأفة ورحمة لمن أطاعك.
* *
ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً﴾.
يعني: منافقي المدينة يقولون لبني النضير حين نزل بهم رسول الله ﷺ وحاصرهم أثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم، فإن قوتلتم قاتلنا معكم وإن أخرجتم خرجنا معكم، فتربصوا وانتظروا نصرهم، فلم يفوا لهم، وقذف الله في قلوبهم الرعب (فسألوا النبي ﷺ) أن يجليهم ويكف عن دعائهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم، فصالحهم على ذلك.
قال ابن عباس: الذين نافقوا هنا هم عبد الله بن أبي وأصحابه وعدوا بني النضير بالنصر والخروج معهم، وأنهم لا يطيعون فيهم أحداً أبداً، فأعلمنا الله عز وجل أنهم كاذبون، وأنهم لا يقاتلون معهم، ولا يخرجون معهم، وأنهم حتى لو نصروهم لولوا الأدبار منهزمين.
﴿ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ﴾ أي: ثم لا ينصر الله عز وجل بني النضير على نبيه ﷺ وأصحابه، بل يخذلهم.
وقال أبو صالح: ﴿لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ﴾، هم بنو قريظة.
وقيل معنى: ﴿وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ ٱلأَدْبَارَ﴾ أي: ولئن نصر اليهود المنافقون، ومعنى لا ينصرونهم: طائعين، ولئن نصروهم: مكرهين، ليولن الأدبار منهزمين.
وقيل معنى: لا ينصرونهم: أي: لا يدومون على نصرهم كما يقال: فلان لا يصوم ولا يصلي، أي: لا يدوم على ذلك، ورفع (يخرجون وينصرون) وقبله شرط، لأنه قسم، ولا يعمل الشرط في القسم، ولا في جوابه، لكنه سد مسد جواب الشرط.
* *
ثم قال: ﴿لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ أي: لأنتم أيها المؤمنون أشد رهبة في صدور اليهود بني النضير من الله سبحانه: أي: هم يرهبونكم أشد من رهبتهم من الله عز وجل.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾ [أي: ذلك الخوف الذي حل بهم، من أجل أنهم قوم لا يفقهون] قدر عظمة الله عز وجل، فهم لذلك يخافونكم أعظم من خوفهم الله (عز وجهه وتعالى جدُّه)، ولذلك ارتكبوا معاصي الله وخالفوه في نقض عهد النبي ﷺ وأصحابه ومعونتهم للمشركين بأُحد.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ﴾.
أي: من خوفهم منكم لا يقاتلونكم إلا في قرى قد حصنت، ولا يبرزون إليكم أو يقاتلونكم إلا من وراء جدر، أي: إلا من وراء حيطان.
﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ أي: عداوة بعضهم لبعض شديدة.
* *
﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ﴾.
يعني: المنافقين واليهود، أي: تحسبهم يا محمد مؤتلفي الكلمة مجتمعين على محبة بعضهم بعضاً، وقلوبهم شتى: أي: مفترقة (ببغض بعضهم لبعض).
* *
ثم قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ﴾ أي: ذلك الذي وصفه الله عز وجل من أمر اليهود والمنافقين من عداوة بعضهم بعضاً في الباطل، من أجل أنهم قوم لا يعقلون ما فيه الحظ لهم مما عليهم فيه الضرر.
وقال قتادة: لما قرأ هذه الآية: كذا أهل الباطل مختلفة شهادتهم، مختلفة أهواؤهم، مختلفة أعمالهم، وهم مجتمعون في عداوة الحق.
وقال مجاهد: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ﴾: هم المنافقون يخالف دينهم دين اليهود.
وقال سفيان: هم المشركون وأهل الكتاب.
* *
ثم قال: ﴿كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾.
أي: مثلهم كمثل الذين من قبلهم، "فالكاف" في موضع رفع خبر الابتداء المضمر، "وقريباً" نعت لظرف محذوف. والتقدير: وقتاً قريباً ذاقوا عاقبة كفرهم وعصيانهم، وكذا التقدير في الكاف من قوله: ﴿كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَانِ﴾ والمعنى: أن الله سبحانه وتعالى أعلمنا أن مثل هؤلاء اليهود والمنافقين فيما الله عز وجل صانع بهم من إحلال عقوبته [بهم] كمثل فعله بالذين من قبلهم يعني [به] بني قينقاع (أمكن الله عز وجل منهم) قبل بني النضير، قاله ابن عباس.
وقال مجاهد: عنى به كفار قريش يوم بدر.
وقيل: هو عام في كل من انتقم منه على كفره قبل بني النضير.
ومعنى: ﴿ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ أي: نالهم عقاب الله عز وجل على كفرهم به، "والوبال": ثقل المكروه، ومنه: "طعام وبيل": أي: ثقيل وخم.
* *
ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: مؤلم، يعني موجعاً في الآخرة، يعني المنافقين وإخوانهم من يهود بني النضير وغيرهم مِمن عصى الله عز وجل وخادعه سبحانه.
الحشر 59:14
قوله: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ الآيات.
أي ولكن يكون ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى للفقراء المهاجرين، يعني مهاجرة قريش.
قال مجاهد: جعل الله عز وجل ما أفاء الله على رسوله من قريظة لمهاجرة قريش الذين أخرجهم المشركون من ديارهم وأموالهم، فخرجوا ملتمسين فضلاً، أي: ثوابا من الله ورضونا منه عليهم، وناصرين دين الله عز وجل ورسوله ﷺ.
﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ﴾ أي: صدقوا في فعلهم وقولهم.
* *
ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ﴾ أي: الذين سكنوا الدار، وهي المدينة، أي: اتخذوها مسكناً، واتخذوا الإيمان دينا من قبل إتيان المهاجرين، يعني الأنصار يحبون من هاجر إليهم، يعني من مكة وغيرها.
* *
ثم قال: ﴿وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ﴾ أي: ولا يجد الأنصار في قلوبهم حسداً مما أعطي المهاجرون دونهم من الفيء.
روي: أن النبي ﷺ قسم أموال بني النضير بين المهاجرين الأولين دون الأنصار إلا رجلين من الأنصار أحدهما سهل بن حنيف والآخر أبو دجانة سماك بن خرشة ذكرا فقراً فأعطاهما النبي ﷺ لفقرهما، وإنما فعل ذلك رسول الله ﷺ، لأن الله كان قد أعطاه أموالهم يفعل فيها ما يشاء، وقد تقدم ذكر ذلك، قاله عبد الله بن أبزى.
وقال ابن زيد: لما خص رسول الله ﷺ بأموال بني النضير المهاجرين الأولين، تكلم في ذلك بعض الأنصار، فعاتبهم الله عز وجل، فقال: ﴿وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ الآية.
وقال رسول الله ﷺ: إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم، فقالوا أموالنا بينهم قطائع، فقال رسول الله ﷺ: أو غير ذلك قالوا وما ذلك يا رسول الله قال هم قوم لا يعرفون العمل فتكفونهم وتقاسمونهم الثمر فقالوا نعم يا رسول الله
قال الحسن: ﴿وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ﴾ [يعني الحسنة. ثم قال تعالى:] ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ﴾ هذا من صفة الأنصار، وصفهم الله عز وجل أنهم يعطون المهاجرين أموالهم إيثاراً لهم بها على أنفسهم.
﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ أي: يؤثرون المهاجرين على أنفسهم بما عندهم، وإن كان بهم فاقة وحاجة.
روى أبو هريرة: أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ ليضيفه، فلم يكن عنده ما يضيفه، فقال ألا رجلاً يضيف هذا رحمه الله، فقام رجل من الأنصار يقال له أبو طلحة فأنطلق به إلى رحله فقال لامرأته أكرمي ضيف رسول الله، نومي الصبية أطفئي المصباح وأريه أنك تأكلين معه، واتركيه لضيف رسول الله ﷺ براً له، قال: ففعلت فنزلت: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾
ثم قال: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.
أي: ومن وقاه الله عز وجل شح نفسه، فهو من الباقين المخلدين في الجنة.
والشح في اللغة: البخل ومنع الفضل من المال.
وقيل: الشح هنا: أكل أموال الناس بغير حق، قاله ابن مسعود.
وروى أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: "بَرِئَ من الشح من أدى الزكاة [وقرى] الضيف وأعطى في النائبة
ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلإِيمَانِ﴾.
أي والذين جاؤوا من بعد الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبل المهاجرين الأولين، يقولون ربنا أغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا [بالإيمان] من الأنصار وغيرهم.
﴿وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ أي: غمراً وضغناً، يعني به الذين أسلموا من بعد الذين تبوءوا الدار.
قال قتادة: ذكر الله جل ذكره الطائفة الثالثة فقال: ﴿وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ...﴾ الآية.
ثم قال: أُمِروا أن يستغفروا لأصحاب النبي ﷺ ولم يؤمروا بسبهم.
وقيل المعنى: والذين جاءوا من بعد المهاجرين والأنصار.
قال ابن أبي ليلى كان الناس على ثلاث منازل: (المهاجرون الأولون) والذين اتبعوهم بإحسان و (الذين جاءوا من بعدهم).
* *
ثم قال: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ أي: ذو رأفة ورحمة لمن أطاعك.
* *
ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً﴾.
يعني: منافقي المدينة يقولون لبني النضير حين نزل بهم رسول الله ﷺ وحاصرهم أثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم، فإن قوتلتم قاتلنا معكم وإن أخرجتم خرجنا معكم، فتربصوا وانتظروا نصرهم، فلم يفوا لهم، وقذف الله في قلوبهم الرعب (فسألوا النبي ﷺ) أن يجليهم ويكف عن دعائهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم، فصالحهم على ذلك.
قال ابن عباس: الذين نافقوا هنا هم عبد الله بن أبي وأصحابه وعدوا بني النضير بالنصر والخروج معهم، وأنهم لا يطيعون فيهم أحداً أبداً، فأعلمنا الله عز وجل أنهم كاذبون، وأنهم لا يقاتلون معهم، ولا يخرجون معهم، وأنهم حتى لو نصروهم لولوا الأدبار منهزمين.
﴿ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ﴾ أي: ثم لا ينصر الله عز وجل بني النضير على نبيه ﷺ وأصحابه، بل يخذلهم.
وقال أبو صالح: ﴿لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ﴾، هم بنو قريظة.
وقيل معنى: ﴿وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ ٱلأَدْبَارَ﴾ أي: ولئن نصر اليهود المنافقون، ومعنى لا ينصرونهم: طائعين، ولئن نصروهم: مكرهين، ليولن الأدبار منهزمين.
وقيل معنى: لا ينصرونهم: أي: لا يدومون على نصرهم كما يقال: فلان لا يصوم ولا يصلي، أي: لا يدوم على ذلك، ورفع (يخرجون وينصرون) وقبله شرط، لأنه قسم، ولا يعمل الشرط في القسم، ولا في جوابه، لكنه سد مسد جواب الشرط.
* *
ثم قال: ﴿لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ أي: لأنتم أيها المؤمنون أشد رهبة في صدور اليهود بني النضير من الله سبحانه: أي: هم يرهبونكم أشد من رهبتهم من الله عز وجل.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾ [أي: ذلك الخوف الذي حل بهم، من أجل أنهم قوم لا يفقهون] قدر عظمة الله عز وجل، فهم لذلك يخافونكم أعظم من خوفهم الله (عز وجهه وتعالى جدُّه)، ولذلك ارتكبوا معاصي الله وخالفوه في نقض عهد النبي ﷺ وأصحابه ومعونتهم للمشركين بأُحد.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ﴾.
أي: من خوفهم منكم لا يقاتلونكم إلا في قرى قد حصنت، ولا يبرزون إليكم أو يقاتلونكم إلا من وراء جدر، أي: إلا من وراء حيطان.
﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ أي: عداوة بعضهم لبعض شديدة.
* *
﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ﴾.
يعني: المنافقين واليهود، أي: تحسبهم يا محمد مؤتلفي الكلمة مجتمعين على محبة بعضهم بعضاً، وقلوبهم شتى: أي: مفترقة (ببغض بعضهم لبعض).
* *
ثم قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ﴾ أي: ذلك الذي وصفه الله عز وجل من أمر اليهود والمنافقين من عداوة بعضهم بعضاً في الباطل، من أجل أنهم قوم لا يعقلون ما فيه الحظ لهم مما عليهم فيه الضرر.
وقال قتادة: لما قرأ هذه الآية: كذا أهل الباطل مختلفة شهادتهم، مختلفة أهواؤهم، مختلفة أعمالهم، وهم مجتمعون في عداوة الحق.
وقال مجاهد: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ﴾: هم المنافقون يخالف دينهم دين اليهود.
وقال سفيان: هم المشركون وأهل الكتاب.
* *
ثم قال: ﴿كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾.
أي: مثلهم كمثل الذين من قبلهم، "فالكاف" في موضع رفع خبر الابتداء المضمر، "وقريباً" نعت لظرف محذوف. والتقدير: وقتاً قريباً ذاقوا عاقبة كفرهم وعصيانهم، وكذا التقدير في الكاف من قوله: ﴿كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَانِ﴾ والمعنى: أن الله سبحانه وتعالى أعلمنا أن مثل هؤلاء اليهود والمنافقين فيما الله عز وجل صانع بهم من إحلال عقوبته [بهم] كمثل فعله بالذين من قبلهم يعني [به] بني قينقاع (أمكن الله عز وجل منهم) قبل بني النضير، قاله ابن عباس.
وقال مجاهد: عنى به كفار قريش يوم بدر.
وقيل: هو عام في كل من انتقم منه على كفره قبل بني النضير.
ومعنى: ﴿ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ أي: نالهم عقاب الله عز وجل على كفرهم به، "والوبال": ثقل المكروه، ومنه: "طعام وبيل": أي: ثقيل وخم.
* *
ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: مؤلم، يعني موجعاً في الآخرة، يعني المنافقين وإخوانهم من يهود بني النضير وغيرهم مِمن عصى الله عز وجل وخادعه سبحانه.
الحشر 59:15
قوله: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ الآيات.
أي ولكن يكون ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى للفقراء المهاجرين، يعني مهاجرة قريش.
قال مجاهد: جعل الله عز وجل ما أفاء الله على رسوله من قريظة لمهاجرة قريش الذين أخرجهم المشركون من ديارهم وأموالهم، فخرجوا ملتمسين فضلاً، أي: ثوابا من الله ورضونا منه عليهم، وناصرين دين الله عز وجل ورسوله ﷺ.
﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ﴾ أي: صدقوا في فعلهم وقولهم.
* *
ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ﴾ أي: الذين سكنوا الدار، وهي المدينة، أي: اتخذوها مسكناً، واتخذوا الإيمان دينا من قبل إتيان المهاجرين، يعني الأنصار يحبون من هاجر إليهم، يعني من مكة وغيرها.
* *
ثم قال: ﴿وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ﴾ أي: ولا يجد الأنصار في قلوبهم حسداً مما أعطي المهاجرون دونهم من الفيء.
روي: أن النبي ﷺ قسم أموال بني النضير بين المهاجرين الأولين دون الأنصار إلا رجلين من الأنصار أحدهما سهل بن حنيف والآخر أبو دجانة سماك بن خرشة ذكرا فقراً فأعطاهما النبي ﷺ لفقرهما، وإنما فعل ذلك رسول الله ﷺ، لأن الله كان قد أعطاه أموالهم يفعل فيها ما يشاء، وقد تقدم ذكر ذلك، قاله عبد الله بن أبزى.
وقال ابن زيد: لما خص رسول الله ﷺ بأموال بني النضير المهاجرين الأولين، تكلم في ذلك بعض الأنصار، فعاتبهم الله عز وجل، فقال: ﴿وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ الآية.
وقال رسول الله ﷺ: إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم، فقالوا أموالنا بينهم قطائع، فقال رسول الله ﷺ: أو غير ذلك قالوا وما ذلك يا رسول الله قال هم قوم لا يعرفون العمل فتكفونهم وتقاسمونهم الثمر فقالوا نعم يا رسول الله
قال الحسن: ﴿وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ﴾ [يعني الحسنة. ثم قال تعالى:] ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ﴾ هذا من صفة الأنصار، وصفهم الله عز وجل أنهم يعطون المهاجرين أموالهم إيثاراً لهم بها على أنفسهم.
﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ أي: يؤثرون المهاجرين على أنفسهم بما عندهم، وإن كان بهم فاقة وحاجة.
روى أبو هريرة: أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ ليضيفه، فلم يكن عنده ما يضيفه، فقال ألا رجلاً يضيف هذا رحمه الله، فقام رجل من الأنصار يقال له أبو طلحة فأنطلق به إلى رحله فقال لامرأته أكرمي ضيف رسول الله، نومي الصبية أطفئي المصباح وأريه أنك تأكلين معه، واتركيه لضيف رسول الله ﷺ براً له، قال: ففعلت فنزلت: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾
ثم قال: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.
أي: ومن وقاه الله عز وجل شح نفسه، فهو من الباقين المخلدين في الجنة.
والشح في اللغة: البخل ومنع الفضل من المال.
وقيل: الشح هنا: أكل أموال الناس بغير حق، قاله ابن مسعود.
وروى أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: "بَرِئَ من الشح من أدى الزكاة [وقرى] الضيف وأعطى في النائبة
ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلإِيمَانِ﴾.
أي والذين جاؤوا من بعد الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبل المهاجرين الأولين، يقولون ربنا أغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا [بالإيمان] من الأنصار وغيرهم.
﴿وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ أي: غمراً وضغناً، يعني به الذين أسلموا من بعد الذين تبوءوا الدار.
قال قتادة: ذكر الله جل ذكره الطائفة الثالثة فقال: ﴿وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ...﴾ الآية.
ثم قال: أُمِروا أن يستغفروا لأصحاب النبي ﷺ ولم يؤمروا بسبهم.
وقيل المعنى: والذين جاءوا من بعد المهاجرين والأنصار.
قال ابن أبي ليلى كان الناس على ثلاث منازل: (المهاجرون الأولون) والذين اتبعوهم بإحسان و (الذين جاءوا من بعدهم).
* *
ثم قال: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ أي: ذو رأفة ورحمة لمن أطاعك.
* *
ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً﴾.
يعني: منافقي المدينة يقولون لبني النضير حين نزل بهم رسول الله ﷺ وحاصرهم أثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم، فإن قوتلتم قاتلنا معكم وإن أخرجتم خرجنا معكم، فتربصوا وانتظروا نصرهم، فلم يفوا لهم، وقذف الله في قلوبهم الرعب (فسألوا النبي ﷺ) أن يجليهم ويكف عن دعائهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم، فصالحهم على ذلك.
قال ابن عباس: الذين نافقوا هنا هم عبد الله بن أبي وأصحابه وعدوا بني النضير بالنصر والخروج معهم، وأنهم لا يطيعون فيهم أحداً أبداً، فأعلمنا الله عز وجل أنهم كاذبون، وأنهم لا يقاتلون معهم، ولا يخرجون معهم، وأنهم حتى لو نصروهم لولوا الأدبار منهزمين.
﴿ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ﴾ أي: ثم لا ينصر الله عز وجل بني النضير على نبيه ﷺ وأصحابه، بل يخذلهم.
وقال أبو صالح: ﴿لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ﴾، هم بنو قريظة.
وقيل معنى: ﴿وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ ٱلأَدْبَارَ﴾ أي: ولئن نصر اليهود المنافقون، ومعنى لا ينصرونهم: طائعين، ولئن نصروهم: مكرهين، ليولن الأدبار منهزمين.
وقيل معنى: لا ينصرونهم: أي: لا يدومون على نصرهم كما يقال: فلان لا يصوم ولا يصلي، أي: لا يدوم على ذلك، ورفع (يخرجون وينصرون) وقبله شرط، لأنه قسم، ولا يعمل الشرط في القسم، ولا في جوابه، لكنه سد مسد جواب الشرط.
* *
ثم قال: ﴿لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ أي: لأنتم أيها المؤمنون أشد رهبة في صدور اليهود بني النضير من الله سبحانه: أي: هم يرهبونكم أشد من رهبتهم من الله عز وجل.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾ [أي: ذلك الخوف الذي حل بهم، من أجل أنهم قوم لا يفقهون] قدر عظمة الله عز وجل، فهم لذلك يخافونكم أعظم من خوفهم الله (عز وجهه وتعالى جدُّه)، ولذلك ارتكبوا معاصي الله وخالفوه في نقض عهد النبي ﷺ وأصحابه ومعونتهم للمشركين بأُحد.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ﴾.
أي: من خوفهم منكم لا يقاتلونكم إلا في قرى قد حصنت، ولا يبرزون إليكم أو يقاتلونكم إلا من وراء جدر، أي: إلا من وراء حيطان.
﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ أي: عداوة بعضهم لبعض شديدة.
* *
﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ﴾.
يعني: المنافقين واليهود، أي: تحسبهم يا محمد مؤتلفي الكلمة مجتمعين على محبة بعضهم بعضاً، وقلوبهم شتى: أي: مفترقة (ببغض بعضهم لبعض).
* *
ثم قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ﴾ أي: ذلك الذي وصفه الله عز وجل من أمر اليهود والمنافقين من عداوة بعضهم بعضاً في الباطل، من أجل أنهم قوم لا يعقلون ما فيه الحظ لهم مما عليهم فيه الضرر.
وقال قتادة: لما قرأ هذه الآية: كذا أهل الباطل مختلفة شهادتهم، مختلفة أهواؤهم، مختلفة أعمالهم، وهم مجتمعون في عداوة الحق.
وقال مجاهد: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ﴾: هم المنافقون يخالف دينهم دين اليهود.
وقال سفيان: هم المشركون وأهل الكتاب.
* *
ثم قال: ﴿كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾.
أي: مثلهم كمثل الذين من قبلهم، "فالكاف" في موضع رفع خبر الابتداء المضمر، "وقريباً" نعت لظرف محذوف. والتقدير: وقتاً قريباً ذاقوا عاقبة كفرهم وعصيانهم، وكذا التقدير في الكاف من قوله: ﴿كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَانِ﴾ والمعنى: أن الله سبحانه وتعالى أعلمنا أن مثل هؤلاء اليهود والمنافقين فيما الله عز وجل صانع بهم من إحلال عقوبته [بهم] كمثل فعله بالذين من قبلهم يعني [به] بني قينقاع (أمكن الله عز وجل منهم) قبل بني النضير، قاله ابن عباس.
وقال مجاهد: عنى به كفار قريش يوم بدر.
وقيل: هو عام في كل من انتقم منه على كفره قبل بني النضير.
ومعنى: ﴿ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ أي: نالهم عقاب الله عز وجل على كفرهم به، "والوبال": ثقل المكروه، ومنه: "طعام وبيل": أي: ثقيل وخم.
* *
ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: مؤلم، يعني موجعاً في الآخرة، يعني المنافقين وإخوانهم من يهود بني النضير وغيرهم مِمن عصى الله عز وجل وخادعه سبحانه.
الحشر 59:16
قوله: ﴿كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَانِ﴾ إلى آخر السورة الآيات.
قد ذكرنا الكاف في ﴿كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ والمعنى: مثل هؤلاء المنافقين في وعدهم اليهود بالنصر، وإخلافهم إياهم وتبريهم منهم لما أجلوا من ديارهم، كمثل الشيطان الذي غر الإنسان ووعده على كفره النصر ثم تبرأ منه لما كفر وأسلمه.
روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: "إن راهباً تعَبَّد ستين سنة وأن الشيطان أراده وأعياه، فعَمَد إلى امرأة فأجَنَّها ولها إخوة، فقال لإخوتها عليكم بهذا القس فيداويها، قال فجاءوا به إليها فداواها، وكانت عنده، فبينما هو يوماً عندها إذ أعجبته فأتاها فحملت، فعمد إليها فقتلها، فجاء إخوتها، فقال الشيطان للراهب أنا صاحبك، إنك أعييتني، أنا صنعت هذا بك، فأطِعني أُنجك ممّا صنعت بك، أسجد لي سجدة، فسجد [له]، فلما سجد له قال: ﴿إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنكَ إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ﴾.
وعن ابن مسعود أنه قال: كانت امرأة ترعى غنماً، وكان لها أربعة إخوة، وكانت تأوي بالليل إلى صومعة راهب، فنزل الراهب ففجر بها، فحملت، فأتاه الشيطان فقال: اقتلها ثم ادفنها، فإنك رجل مصدق يقبل قولك، فقتلها ثم دفنها. قال: فأتى الشيطان إخوتها في المنام، فقال لهم: إن الراهب صاحب الصومعة فجر بأختكم، فلما أحبلها قتلها ثم دفنها في مكان كذا وكذا، فلما أصبحوا قال رجل منهم: والله لقد رأيت البارحة رؤيا ما أدري أقصها عليكم أم أترك، فقالوا: لاَ بَلْ قُصَّها علينا، فَقَصَّهَا، فقال الآخر: وأنا والله لقد رأيت ذلك، وقال الآخر مثل ذلك، فقالوا: والله ما هذا إلا لشيء. فانطلقوا فاستعدوا ملكهم على ذلك الراهب، فأتوه فأنزلوه ثم انطلقوا به، فلقيه الشيطان، فقال: إني أنا الذي أوقعتك في هذا ولن ينجيك منه غيري، فاسجد لي سجدة واحدة وأنجيك مما أوقعتك فيه، قال: فسجد له. فلما أتوا ملكهم تبرأ منه وأخذ فقتل.
وقول الشيطان: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ (رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ)﴾ إنما هو على طريق التبرؤ من الإنسان، لأنه لا يخاف الله على الحقيقة، لأنه لو خافه ما عصاه، ولو خافه لكان ذلك مدحاً له.
وعن ابن عباس: أن راهباً من بني إسرائيل تعبد فأحسن عبادته، وكان يُؤتى من كل أرض فيُسأل عن الفقه، وكان عالماً، وأن ثلاثة أخوة كانت لهم أخت حسنة من أحسن النساء، وأنهم أرادوا سفراً، فكبر عليهم أن يخلفوها ضائعة، فجعلوا يأتمرون ما يفعلون بها، فقال أحدهم أنا أدلكم على من تتركونها عنده، قالوا من هو، قال راهب بني إسرائيل إن ماتت قام عليها وإن عاشت حفظها حتى ترجعوا إليها، فعمدوا إليه، فقالوا: إنا نريد السفر، ولا نجد أحداً أوثق منك في أنفسنا، ولا أحفظ لها ولي منك ولما جعل عندك فإن رأيت أن نجعل أختنا عندك، فإنها ضائعة شديدة الوجع، فإن ماتت فقم عليها، وإن عاشت فأصلح إليها حتى نرجع.
فقال: أكفيكم إن شاء الله، فانطلقوا وقام عليها فداواها حتى برئت وعاد إليها حسنها، فأطلع إليها فوجدها متصنعة، فلم يزل به الشيطان يزين له أن يقع عليها حتى وقع عليها، فحملت ثم قدمه الشيطان، فزين له قتلها وقال: إن لم تقتلها افتضحت وعُرِف شبيهك في الولد، فلم تكن لك معذرة فلم يزل به حتى قتلها. فلما قدم إخوتها قالوا له: ما فعلت فلانة قال ماتت فدفنتها قالوا أحسنت، ثم جعلوا يرون في المنام ويخبرون أن الراهب هو قتلها، وأنها تحت شجرة كذا وكذا، فعمدوا إلى الشجرة فوجدوها تحتها قد قتلت، فعمدوا إليه فأخذوه، فقال له الشيطان: أنا زينت لك الزنا (وقتلَها بعد الزنى)، فهل لك أن أنجيك، قال: نعم (قال: أفتطيعني؟ قال: نعم) قال: فاسجد لي سجدة واحدة، فسجد له ثم قتل.
وقال مجاهد: الإنسان هنا عنى به الإنسان كلهم في غرور الشيطان إياهم وتبريه منهم، كما غر المنافقون اليهود ووعدوهم بالنصر، ثم (تبرءوا) منهم وأسلموهم.
ثم قال تعالى : ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾.
أي اتقوه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، ولينظر أحدكم ما قدم لمماته من العمل الصالح والعمل السيء.
قال قتادة: ما زال ربكم يقرب الساعة حتى جعله كغد، فغد يوم القيامة.
وقاله الضحاك وابن زيد وقالا: الأمس الدنيا، وغداً الآخرة.
* *
ثم قال: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي وخافوه بإداء فرائضه واجتناب معاصيه، إنه ذو خبر بجميع أعمالكم، فيجازيكم عليها، وكرر هذا اللفظ للتأكيد.
* *
ثم قال: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ﴾ أي تتركوا أمره ونهيه، فتعدوا حدوده.
﴿فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ أي أنساهم حظوظ أنفسهم من عمل الخيرات، فعلى هذا القول الأول يكون النسيان الأول من الترك، والثاني من النسيان المعروف، وقيل مما من الترك، والمعنى تركوا أمر الله فتركه ثوابهم، وهو عند بعض أهل اللغة غلط، لا يقال أنسي عن الترك، وإنما يصح مثل هذا في قوله ﴿نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧].
وقيل معنى فأنساهم (وجدهم كذلك)، كما يقال أحمدته، فيكون "أنفسهم" على هذا تأكيداً، وعلى قول الأول مفعولاً به.
* *
ثم قال ﴿أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ﴾ أي الخارجون عن طاعة الله (عز وجل).
* *
ثم قال ﴿لاَ يَسْتَوِيۤ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ﴾ أي لا يعتدلون في الجزاء وفي النعيم.
﴿أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ﴾ أي الناجون مما حذروا.
﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِي ٱلنَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: فكانت عقبى الشيطان والإنسان: الخلود في نار جهنم.
﴿وَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلظَّالِمِينَ﴾ أي: فالخلود في النار جزاء الظالمين المنافقين واليهود [من] بني النضير ومن كان مثلهم.
والنصب في "خالدين" والرفع سواء عند سيبويه، لا يغلب النصب على الرفع لأجل تكرير الظرف.
ومذهب الفراء أن النصب أحسن، لئلا يلغى الظرف مرتين.
وألزم سيبويه من اعتل بتكرير الظرف أن يجيز النصب في قوله "عَلَيْكَ زَيْدٌ حَرِيصٌ عَلَيْكَ" فينصب حريص لتكرير الظرف، وهذا لا يجوز.
* *
ثم قال: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ﴾.
أي: لو أنزل الله عز وجل هذا القرآن على جبل وهو حجر أصم لرأيته يا محمد على قساوته وشدته متذللاً متضرعاً حذراً من ألا يؤدي حق الله عز وجل المفترض عليه، وقد أنزل على ابن آدم وَمعه فهم وإدراك وهو مستخف بحقه لاه عما فيه.
قال قتادة: فعذر الله عز وجل الجبل الأصم ولم يعذر أشقياء بني آدم، فهل رأيتم أحداً تصدعت جوارحه من خشية الله سبحانه.
وقيل: المعنى: لو أنزلنا هذا القرآن (على جبل) على عظمته وشدته وجعلنا فيه ما يميز: لذل وخضع.
* *
ثم قال: ﴿وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: نمثل لهم لعلهم يتفكرون فيها فيعتبروا ويزدجروا.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾ أي: (الذي يتصدع الجبل له ويذل من خشيته) هو الله الذي لا معبود تجب له العبادة غيره، يعلم السر والجهر وما غاب وما ظهر، وهو الرحمن الرحيم.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ﴾ أي: لا معبود بحق غيره.
﴿ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ﴾ أي: الذي لا ملك فوقه، والقدوس في قول قتادة: المبارك.
وقيل: ﴿ٱلْقُدُّوسُ﴾ القدوس: المطهر مما نسبه إليه المشركون (والقدس: الطهر).
والأرض المقدسة: المطهرة.
وقرأ أبو الدينار الأعرابي: القَدوس بفتح القاف كسَمُّور وشَبُّوط.
* *
وقوله: ﴿ٱلسَّلاَمُ﴾ أي: ذو السلامة من جميع الآفات.
* *
وقوله: ﴿ٱلْمُؤْمِنُ﴾ أي: الذي أَمِن عباده من جَوره.
وقيل: معناه: الذي يصدق عباده المؤمنين إذا شهدوا على الناس.
* *
وقوله: ﴿ٱلْمُهَيْمِنُ﴾ قال ابن عباس: هو الأمين، وعنه: الشهيد.
وقال أبو عبيدة: الرقيب الحفيظ.
وقال المبرد: أصله المؤيمن ثم أبدل من الهمزة هاء.
* *
وقوله: ﴿ٱلْعَزِيزُ ٱلْجَبَّارُ﴾ أي: ذو العزة والمنع، الذي يجبر خلقه على ما يشاء من "أجبر"، وهذا قول مردود، لأن "فعالاً" لا يكون من "أفعل" ولكنه من "جَبَرَ الله خلْقَه: إذا نَعَشَهُم".
وقيل: هو من جبرت العظم: فجبر.
وقيل: هو من تجبر النخل: إذا علا وفات اليد.
* *
وقوله: ﴿ٱلْمُتَكَبِّرُ﴾ معناه العلي فوق خلقه.
وقال قتادة: المتكبر: تكبر عن كل سوء.
* *
وقوله: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تنزيهاً له، وبراءة مما يقول المشركون.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَالِقُ ٱلْبَارِىءُ﴾ أي: هو الله الذي خلق الخلق، وبرأهم فأوجدهم. ﴿ٱلْمُصَوِّرُ﴾ أي: الذي صورهم في الأرحام كيف يشاء.
وقيل: معنى خلق الخلق: قدره وبرأهم: سواهم وعدلهم، وصورهم بعد ذلك.
* *
ثم قال: ﴿لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ وهي تسعة وتسعون اسماً قد اختلف الناس فيها.
* *
ثم قال: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: يصلي ويسجد له طوعاً وكرهاً كل ما في السماوات والأرض من الخلق.
﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ أي: العَزِيزُ في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبيره خلقه، وقيل حكيم بمعنى حاكم، وقيل بمعنى محكم.
الحشر 59:17
قوله: ﴿كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَانِ﴾ إلى آخر السورة الآيات.
قد ذكرنا الكاف في ﴿كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ والمعنى: مثل هؤلاء المنافقين في وعدهم اليهود بالنصر، وإخلافهم إياهم وتبريهم منهم لما أجلوا من ديارهم، كمثل الشيطان الذي غر الإنسان ووعده على كفره النصر ثم تبرأ منه لما كفر وأسلمه.
روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: "إن راهباً تعَبَّد ستين سنة وأن الشيطان أراده وأعياه، فعَمَد إلى امرأة فأجَنَّها ولها إخوة، فقال لإخوتها عليكم بهذا القس فيداويها، قال فجاءوا به إليها فداواها، وكانت عنده، فبينما هو يوماً عندها إذ أعجبته فأتاها فحملت، فعمد إليها فقتلها، فجاء إخوتها، فقال الشيطان للراهب أنا صاحبك، إنك أعييتني، أنا صنعت هذا بك، فأطِعني أُنجك ممّا صنعت بك، أسجد لي سجدة، فسجد [له]، فلما سجد له قال: ﴿إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنكَ إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ﴾.
وعن ابن مسعود أنه قال: كانت امرأة ترعى غنماً، وكان لها أربعة إخوة، وكانت تأوي بالليل إلى صومعة راهب، فنزل الراهب ففجر بها، فحملت، فأتاه الشيطان فقال: اقتلها ثم ادفنها، فإنك رجل مصدق يقبل قولك، فقتلها ثم دفنها. قال: فأتى الشيطان إخوتها في المنام، فقال لهم: إن الراهب صاحب الصومعة فجر بأختكم، فلما أحبلها قتلها ثم دفنها في مكان كذا وكذا، فلما أصبحوا قال رجل منهم: والله لقد رأيت البارحة رؤيا ما أدري أقصها عليكم أم أترك، فقالوا: لاَ بَلْ قُصَّها علينا، فَقَصَّهَا، فقال الآخر: وأنا والله لقد رأيت ذلك، وقال الآخر مثل ذلك، فقالوا: والله ما هذا إلا لشيء. فانطلقوا فاستعدوا ملكهم على ذلك الراهب، فأتوه فأنزلوه ثم انطلقوا به، فلقيه الشيطان، فقال: إني أنا الذي أوقعتك في هذا ولن ينجيك منه غيري، فاسجد لي سجدة واحدة وأنجيك مما أوقعتك فيه، قال: فسجد له. فلما أتوا ملكهم تبرأ منه وأخذ فقتل.
وقول الشيطان: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ (رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ)﴾ إنما هو على طريق التبرؤ من الإنسان، لأنه لا يخاف الله على الحقيقة، لأنه لو خافه ما عصاه، ولو خافه لكان ذلك مدحاً له.
وعن ابن عباس: أن راهباً من بني إسرائيل تعبد فأحسن عبادته، وكان يُؤتى من كل أرض فيُسأل عن الفقه، وكان عالماً، وأن ثلاثة أخوة كانت لهم أخت حسنة من أحسن النساء، وأنهم أرادوا سفراً، فكبر عليهم أن يخلفوها ضائعة، فجعلوا يأتمرون ما يفعلون بها، فقال أحدهم أنا أدلكم على من تتركونها عنده، قالوا من هو، قال راهب بني إسرائيل إن ماتت قام عليها وإن عاشت حفظها حتى ترجعوا إليها، فعمدوا إليه، فقالوا: إنا نريد السفر، ولا نجد أحداً أوثق منك في أنفسنا، ولا أحفظ لها ولي منك ولما جعل عندك فإن رأيت أن نجعل أختنا عندك، فإنها ضائعة شديدة الوجع، فإن ماتت فقم عليها، وإن عاشت فأصلح إليها حتى نرجع.
فقال: أكفيكم إن شاء الله، فانطلقوا وقام عليها فداواها حتى برئت وعاد إليها حسنها، فأطلع إليها فوجدها متصنعة، فلم يزل به الشيطان يزين له أن يقع عليها حتى وقع عليها، فحملت ثم قدمه الشيطان، فزين له قتلها وقال: إن لم تقتلها افتضحت وعُرِف شبيهك في الولد، فلم تكن لك معذرة فلم يزل به حتى قتلها. فلما قدم إخوتها قالوا له: ما فعلت فلانة قال ماتت فدفنتها قالوا أحسنت، ثم جعلوا يرون في المنام ويخبرون أن الراهب هو قتلها، وأنها تحت شجرة كذا وكذا، فعمدوا إلى الشجرة فوجدوها تحتها قد قتلت، فعمدوا إليه فأخذوه، فقال له الشيطان: أنا زينت لك الزنا (وقتلَها بعد الزنى)، فهل لك أن أنجيك، قال: نعم (قال: أفتطيعني؟ قال: نعم) قال: فاسجد لي سجدة واحدة، فسجد له ثم قتل.
وقال مجاهد: الإنسان هنا عنى به الإنسان كلهم في غرور الشيطان إياهم وتبريه منهم، كما غر المنافقون اليهود ووعدوهم بالنصر، ثم (تبرءوا) منهم وأسلموهم.
ثم قال تعالى : ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾.
أي اتقوه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، ولينظر أحدكم ما قدم لمماته من العمل الصالح والعمل السيء.
قال قتادة: ما زال ربكم يقرب الساعة حتى جعله كغد، فغد يوم القيامة.
وقاله الضحاك وابن زيد وقالا: الأمس الدنيا، وغداً الآخرة.
* *
ثم قال: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي وخافوه بإداء فرائضه واجتناب معاصيه، إنه ذو خبر بجميع أعمالكم، فيجازيكم عليها، وكرر هذا اللفظ للتأكيد.
* *
ثم قال: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ﴾ أي تتركوا أمره ونهيه، فتعدوا حدوده.
﴿فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ أي أنساهم حظوظ أنفسهم من عمل الخيرات، فعلى هذا القول الأول يكون النسيان الأول من الترك، والثاني من النسيان المعروف، وقيل مما من الترك، والمعنى تركوا أمر الله فتركه ثوابهم، وهو عند بعض أهل اللغة غلط، لا يقال أنسي عن الترك، وإنما يصح مثل هذا في قوله ﴿نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧].
وقيل معنى فأنساهم (وجدهم كذلك)، كما يقال أحمدته، فيكون "أنفسهم" على هذا تأكيداً، وعلى قول الأول مفعولاً به.
* *
ثم قال ﴿أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ﴾ أي الخارجون عن طاعة الله (عز وجل).
* *
ثم قال ﴿لاَ يَسْتَوِيۤ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ﴾ أي لا يعتدلون في الجزاء وفي النعيم.
﴿أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ﴾ أي الناجون مما حذروا.
﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِي ٱلنَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: فكانت عقبى الشيطان والإنسان: الخلود في نار جهنم.
﴿وَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلظَّالِمِينَ﴾ أي: فالخلود في النار جزاء الظالمين المنافقين واليهود [من] بني النضير ومن كان مثلهم.
والنصب في "خالدين" والرفع سواء عند سيبويه، لا يغلب النصب على الرفع لأجل تكرير الظرف.
ومذهب الفراء أن النصب أحسن، لئلا يلغى الظرف مرتين.
وألزم سيبويه من اعتل بتكرير الظرف أن يجيز النصب في قوله "عَلَيْكَ زَيْدٌ حَرِيصٌ عَلَيْكَ" فينصب حريص لتكرير الظرف، وهذا لا يجوز.
* *
ثم قال: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ﴾.
أي: لو أنزل الله عز وجل هذا القرآن على جبل وهو حجر أصم لرأيته يا محمد على قساوته وشدته متذللاً متضرعاً حذراً من ألا يؤدي حق الله عز وجل المفترض عليه، وقد أنزل على ابن آدم وَمعه فهم وإدراك وهو مستخف بحقه لاه عما فيه.
قال قتادة: فعذر الله عز وجل الجبل الأصم ولم يعذر أشقياء بني آدم، فهل رأيتم أحداً تصدعت جوارحه من خشية الله سبحانه.
وقيل: المعنى: لو أنزلنا هذا القرآن (على جبل) على عظمته وشدته وجعلنا فيه ما يميز: لذل وخضع.
* *
ثم قال: ﴿وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: نمثل لهم لعلهم يتفكرون فيها فيعتبروا ويزدجروا.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾ أي: (الذي يتصدع الجبل له ويذل من خشيته) هو الله الذي لا معبود تجب له العبادة غيره، يعلم السر والجهر وما غاب وما ظهر، وهو الرحمن الرحيم.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ﴾ أي: لا معبود بحق غيره.
﴿ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ﴾ أي: الذي لا ملك فوقه، والقدوس في قول قتادة: المبارك.
وقيل: ﴿ٱلْقُدُّوسُ﴾ القدوس: المطهر مما نسبه إليه المشركون (والقدس: الطهر).
والأرض المقدسة: المطهرة.
وقرأ أبو الدينار الأعرابي: القَدوس بفتح القاف كسَمُّور وشَبُّوط.
* *
وقوله: ﴿ٱلسَّلاَمُ﴾ أي: ذو السلامة من جميع الآفات.
* *
وقوله: ﴿ٱلْمُؤْمِنُ﴾ أي: الذي أَمِن عباده من جَوره.
وقيل: معناه: الذي يصدق عباده المؤمنين إذا شهدوا على الناس.
* *
وقوله: ﴿ٱلْمُهَيْمِنُ﴾ قال ابن عباس: هو الأمين، وعنه: الشهيد.
وقال أبو عبيدة: الرقيب الحفيظ.
وقال المبرد: أصله المؤيمن ثم أبدل من الهمزة هاء.
* *
وقوله: ﴿ٱلْعَزِيزُ ٱلْجَبَّارُ﴾ أي: ذو العزة والمنع، الذي يجبر خلقه على ما يشاء من "أجبر"، وهذا قول مردود، لأن "فعالاً" لا يكون من "أفعل" ولكنه من "جَبَرَ الله خلْقَه: إذا نَعَشَهُم".
وقيل: هو من جبرت العظم: فجبر.
وقيل: هو من تجبر النخل: إذا علا وفات اليد.
* *
وقوله: ﴿ٱلْمُتَكَبِّرُ﴾ معناه العلي فوق خلقه.
وقال قتادة: المتكبر: تكبر عن كل سوء.
* *
وقوله: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تنزيهاً له، وبراءة مما يقول المشركون.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَالِقُ ٱلْبَارِىءُ﴾ أي: هو الله الذي خلق الخلق، وبرأهم فأوجدهم. ﴿ٱلْمُصَوِّرُ﴾ أي: الذي صورهم في الأرحام كيف يشاء.
وقيل: معنى خلق الخلق: قدره وبرأهم: سواهم وعدلهم، وصورهم بعد ذلك.
* *
ثم قال: ﴿لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ وهي تسعة وتسعون اسماً قد اختلف الناس فيها.
* *
ثم قال: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: يصلي ويسجد له طوعاً وكرهاً كل ما في السماوات والأرض من الخلق.
﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ أي: العَزِيزُ في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبيره خلقه، وقيل حكيم بمعنى حاكم، وقيل بمعنى محكم.
الحشر 59:18
قوله: ﴿كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَانِ﴾ إلى آخر السورة الآيات.
قد ذكرنا الكاف في ﴿كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ والمعنى: مثل هؤلاء المنافقين في وعدهم اليهود بالنصر، وإخلافهم إياهم وتبريهم منهم لما أجلوا من ديارهم، كمثل الشيطان الذي غر الإنسان ووعده على كفره النصر ثم تبرأ منه لما كفر وأسلمه.
روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: "إن راهباً تعَبَّد ستين سنة وأن الشيطان أراده وأعياه، فعَمَد إلى امرأة فأجَنَّها ولها إخوة، فقال لإخوتها عليكم بهذا القس فيداويها، قال فجاءوا به إليها فداواها، وكانت عنده، فبينما هو يوماً عندها إذ أعجبته فأتاها فحملت، فعمد إليها فقتلها، فجاء إخوتها، فقال الشيطان للراهب أنا صاحبك، إنك أعييتني، أنا صنعت هذا بك، فأطِعني أُنجك ممّا صنعت بك، أسجد لي سجدة، فسجد [له]، فلما سجد له قال: ﴿إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنكَ إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ﴾.
وعن ابن مسعود أنه قال: كانت امرأة ترعى غنماً، وكان لها أربعة إخوة، وكانت تأوي بالليل إلى صومعة راهب، فنزل الراهب ففجر بها، فحملت، فأتاه الشيطان فقال: اقتلها ثم ادفنها، فإنك رجل مصدق يقبل قولك، فقتلها ثم دفنها. قال: فأتى الشيطان إخوتها في المنام، فقال لهم: إن الراهب صاحب الصومعة فجر بأختكم، فلما أحبلها قتلها ثم دفنها في مكان كذا وكذا، فلما أصبحوا قال رجل منهم: والله لقد رأيت البارحة رؤيا ما أدري أقصها عليكم أم أترك، فقالوا: لاَ بَلْ قُصَّها علينا، فَقَصَّهَا، فقال الآخر: وأنا والله لقد رأيت ذلك، وقال الآخر مثل ذلك، فقالوا: والله ما هذا إلا لشيء. فانطلقوا فاستعدوا ملكهم على ذلك الراهب، فأتوه فأنزلوه ثم انطلقوا به، فلقيه الشيطان، فقال: إني أنا الذي أوقعتك في هذا ولن ينجيك منه غيري، فاسجد لي سجدة واحدة وأنجيك مما أوقعتك فيه، قال: فسجد له. فلما أتوا ملكهم تبرأ منه وأخذ فقتل.
وقول الشيطان: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ (رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ)﴾ إنما هو على طريق التبرؤ من الإنسان، لأنه لا يخاف الله على الحقيقة، لأنه لو خافه ما عصاه، ولو خافه لكان ذلك مدحاً له.
وعن ابن عباس: أن راهباً من بني إسرائيل تعبد فأحسن عبادته، وكان يُؤتى من كل أرض فيُسأل عن الفقه، وكان عالماً، وأن ثلاثة أخوة كانت لهم أخت حسنة من أحسن النساء، وأنهم أرادوا سفراً، فكبر عليهم أن يخلفوها ضائعة، فجعلوا يأتمرون ما يفعلون بها، فقال أحدهم أنا أدلكم على من تتركونها عنده، قالوا من هو، قال راهب بني إسرائيل إن ماتت قام عليها وإن عاشت حفظها حتى ترجعوا إليها، فعمدوا إليه، فقالوا: إنا نريد السفر، ولا نجد أحداً أوثق منك في أنفسنا، ولا أحفظ لها ولي منك ولما جعل عندك فإن رأيت أن نجعل أختنا عندك، فإنها ضائعة شديدة الوجع، فإن ماتت فقم عليها، وإن عاشت فأصلح إليها حتى نرجع.
فقال: أكفيكم إن شاء الله، فانطلقوا وقام عليها فداواها حتى برئت وعاد إليها حسنها، فأطلع إليها فوجدها متصنعة، فلم يزل به الشيطان يزين له أن يقع عليها حتى وقع عليها، فحملت ثم قدمه الشيطان، فزين له قتلها وقال: إن لم تقتلها افتضحت وعُرِف شبيهك في الولد، فلم تكن لك معذرة فلم يزل به حتى قتلها. فلما قدم إخوتها قالوا له: ما فعلت فلانة قال ماتت فدفنتها قالوا أحسنت، ثم جعلوا يرون في المنام ويخبرون أن الراهب هو قتلها، وأنها تحت شجرة كذا وكذا، فعمدوا إلى الشجرة فوجدوها تحتها قد قتلت، فعمدوا إليه فأخذوه، فقال له الشيطان: أنا زينت لك الزنا (وقتلَها بعد الزنى)، فهل لك أن أنجيك، قال: نعم (قال: أفتطيعني؟ قال: نعم) قال: فاسجد لي سجدة واحدة، فسجد له ثم قتل.
وقال مجاهد: الإنسان هنا عنى به الإنسان كلهم في غرور الشيطان إياهم وتبريه منهم، كما غر المنافقون اليهود ووعدوهم بالنصر، ثم (تبرءوا) منهم وأسلموهم.
ثم قال تعالى : ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾.
أي اتقوه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، ولينظر أحدكم ما قدم لمماته من العمل الصالح والعمل السيء.
قال قتادة: ما زال ربكم يقرب الساعة حتى جعله كغد، فغد يوم القيامة.
وقاله الضحاك وابن زيد وقالا: الأمس الدنيا، وغداً الآخرة.
* *
ثم قال: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي وخافوه بإداء فرائضه واجتناب معاصيه، إنه ذو خبر بجميع أعمالكم، فيجازيكم عليها، وكرر هذا اللفظ للتأكيد.
* *
ثم قال: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ﴾ أي تتركوا أمره ونهيه، فتعدوا حدوده.
﴿فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ أي أنساهم حظوظ أنفسهم من عمل الخيرات، فعلى هذا القول الأول يكون النسيان الأول من الترك، والثاني من النسيان المعروف، وقيل مما من الترك، والمعنى تركوا أمر الله فتركه ثوابهم، وهو عند بعض أهل اللغة غلط، لا يقال أنسي عن الترك، وإنما يصح مثل هذا في قوله ﴿نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧].
وقيل معنى فأنساهم (وجدهم كذلك)، كما يقال أحمدته، فيكون "أنفسهم" على هذا تأكيداً، وعلى قول الأول مفعولاً به.
* *
ثم قال ﴿أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ﴾ أي الخارجون عن طاعة الله (عز وجل).
* *
ثم قال ﴿لاَ يَسْتَوِيۤ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ﴾ أي لا يعتدلون في الجزاء وفي النعيم.
﴿أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ﴾ أي الناجون مما حذروا.
﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِي ٱلنَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: فكانت عقبى الشيطان والإنسان: الخلود في نار جهنم.
﴿وَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلظَّالِمِينَ﴾ أي: فالخلود في النار جزاء الظالمين المنافقين واليهود [من] بني النضير ومن كان مثلهم.
والنصب في "خالدين" والرفع سواء عند سيبويه، لا يغلب النصب على الرفع لأجل تكرير الظرف.
ومذهب الفراء أن النصب أحسن، لئلا يلغى الظرف مرتين.
وألزم سيبويه من اعتل بتكرير الظرف أن يجيز النصب في قوله "عَلَيْكَ زَيْدٌ حَرِيصٌ عَلَيْكَ" فينصب حريص لتكرير الظرف، وهذا لا يجوز.
* *
ثم قال: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ﴾.
أي: لو أنزل الله عز وجل هذا القرآن على جبل وهو حجر أصم لرأيته يا محمد على قساوته وشدته متذللاً متضرعاً حذراً من ألا يؤدي حق الله عز وجل المفترض عليه، وقد أنزل على ابن آدم وَمعه فهم وإدراك وهو مستخف بحقه لاه عما فيه.
قال قتادة: فعذر الله عز وجل الجبل الأصم ولم يعذر أشقياء بني آدم، فهل رأيتم أحداً تصدعت جوارحه من خشية الله سبحانه.
وقيل: المعنى: لو أنزلنا هذا القرآن (على جبل) على عظمته وشدته وجعلنا فيه ما يميز: لذل وخضع.
* *
ثم قال: ﴿وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: نمثل لهم لعلهم يتفكرون فيها فيعتبروا ويزدجروا.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾ أي: (الذي يتصدع الجبل له ويذل من خشيته) هو الله الذي لا معبود تجب له العبادة غيره، يعلم السر والجهر وما غاب وما ظهر، وهو الرحمن الرحيم.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ﴾ أي: لا معبود بحق غيره.
﴿ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ﴾ أي: الذي لا ملك فوقه، والقدوس في قول قتادة: المبارك.
وقيل: ﴿ٱلْقُدُّوسُ﴾ القدوس: المطهر مما نسبه إليه المشركون (والقدس: الطهر).
والأرض المقدسة: المطهرة.
وقرأ أبو الدينار الأعرابي: القَدوس بفتح القاف كسَمُّور وشَبُّوط.
* *
وقوله: ﴿ٱلسَّلاَمُ﴾ أي: ذو السلامة من جميع الآفات.
* *
وقوله: ﴿ٱلْمُؤْمِنُ﴾ أي: الذي أَمِن عباده من جَوره.
وقيل: معناه: الذي يصدق عباده المؤمنين إذا شهدوا على الناس.
* *
وقوله: ﴿ٱلْمُهَيْمِنُ﴾ قال ابن عباس: هو الأمين، وعنه: الشهيد.
وقال أبو عبيدة: الرقيب الحفيظ.
وقال المبرد: أصله المؤيمن ثم أبدل من الهمزة هاء.
* *
وقوله: ﴿ٱلْعَزِيزُ ٱلْجَبَّارُ﴾ أي: ذو العزة والمنع، الذي يجبر خلقه على ما يشاء من "أجبر"، وهذا قول مردود، لأن "فعالاً" لا يكون من "أفعل" ولكنه من "جَبَرَ الله خلْقَه: إذا نَعَشَهُم".
وقيل: هو من جبرت العظم: فجبر.
وقيل: هو من تجبر النخل: إذا علا وفات اليد.
* *
وقوله: ﴿ٱلْمُتَكَبِّرُ﴾ معناه العلي فوق خلقه.
وقال قتادة: المتكبر: تكبر عن كل سوء.
* *
وقوله: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تنزيهاً له، وبراءة مما يقول المشركون.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَالِقُ ٱلْبَارِىءُ﴾ أي: هو الله الذي خلق الخلق، وبرأهم فأوجدهم. ﴿ٱلْمُصَوِّرُ﴾ أي: الذي صورهم في الأرحام كيف يشاء.
وقيل: معنى خلق الخلق: قدره وبرأهم: سواهم وعدلهم، وصورهم بعد ذلك.
* *
ثم قال: ﴿لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ وهي تسعة وتسعون اسماً قد اختلف الناس فيها.
* *
ثم قال: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: يصلي ويسجد له طوعاً وكرهاً كل ما في السماوات والأرض من الخلق.
﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ أي: العَزِيزُ في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبيره خلقه، وقيل حكيم بمعنى حاكم، وقيل بمعنى محكم.
الحشر 59:19
قوله: ﴿كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَانِ﴾ إلى آخر السورة الآيات.
قد ذكرنا الكاف في ﴿كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ والمعنى: مثل هؤلاء المنافقين في وعدهم اليهود بالنصر، وإخلافهم إياهم وتبريهم منهم لما أجلوا من ديارهم، كمثل الشيطان الذي غر الإنسان ووعده على كفره النصر ثم تبرأ منه لما كفر وأسلمه.
روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: "إن راهباً تعَبَّد ستين سنة وأن الشيطان أراده وأعياه، فعَمَد إلى امرأة فأجَنَّها ولها إخوة، فقال لإخوتها عليكم بهذا القس فيداويها، قال فجاءوا به إليها فداواها، وكانت عنده، فبينما هو يوماً عندها إذ أعجبته فأتاها فحملت، فعمد إليها فقتلها، فجاء إخوتها، فقال الشيطان للراهب أنا صاحبك، إنك أعييتني، أنا صنعت هذا بك، فأطِعني أُنجك ممّا صنعت بك، أسجد لي سجدة، فسجد [له]، فلما سجد له قال: ﴿إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنكَ إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ﴾.
وعن ابن مسعود أنه قال: كانت امرأة ترعى غنماً، وكان لها أربعة إخوة، وكانت تأوي بالليل إلى صومعة راهب، فنزل الراهب ففجر بها، فحملت، فأتاه الشيطان فقال: اقتلها ثم ادفنها، فإنك رجل مصدق يقبل قولك، فقتلها ثم دفنها. قال: فأتى الشيطان إخوتها في المنام، فقال لهم: إن الراهب صاحب الصومعة فجر بأختكم، فلما أحبلها قتلها ثم دفنها في مكان كذا وكذا، فلما أصبحوا قال رجل منهم: والله لقد رأيت البارحة رؤيا ما أدري أقصها عليكم أم أترك، فقالوا: لاَ بَلْ قُصَّها علينا، فَقَصَّهَا، فقال الآخر: وأنا والله لقد رأيت ذلك، وقال الآخر مثل ذلك، فقالوا: والله ما هذا إلا لشيء. فانطلقوا فاستعدوا ملكهم على ذلك الراهب، فأتوه فأنزلوه ثم انطلقوا به، فلقيه الشيطان، فقال: إني أنا الذي أوقعتك في هذا ولن ينجيك منه غيري، فاسجد لي سجدة واحدة وأنجيك مما أوقعتك فيه، قال: فسجد له. فلما أتوا ملكهم تبرأ منه وأخذ فقتل.
وقول الشيطان: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ (رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ)﴾ إنما هو على طريق التبرؤ من الإنسان، لأنه لا يخاف الله على الحقيقة، لأنه لو خافه ما عصاه، ولو خافه لكان ذلك مدحاً له.
وعن ابن عباس: أن راهباً من بني إسرائيل تعبد فأحسن عبادته، وكان يُؤتى من كل أرض فيُسأل عن الفقه، وكان عالماً، وأن ثلاثة أخوة كانت لهم أخت حسنة من أحسن النساء، وأنهم أرادوا سفراً، فكبر عليهم أن يخلفوها ضائعة، فجعلوا يأتمرون ما يفعلون بها، فقال أحدهم أنا أدلكم على من تتركونها عنده، قالوا من هو، قال راهب بني إسرائيل إن ماتت قام عليها وإن عاشت حفظها حتى ترجعوا إليها، فعمدوا إليه، فقالوا: إنا نريد السفر، ولا نجد أحداً أوثق منك في أنفسنا، ولا أحفظ لها ولي منك ولما جعل عندك فإن رأيت أن نجعل أختنا عندك، فإنها ضائعة شديدة الوجع، فإن ماتت فقم عليها، وإن عاشت فأصلح إليها حتى نرجع.
فقال: أكفيكم إن شاء الله، فانطلقوا وقام عليها فداواها حتى برئت وعاد إليها حسنها، فأطلع إليها فوجدها متصنعة، فلم يزل به الشيطان يزين له أن يقع عليها حتى وقع عليها، فحملت ثم قدمه الشيطان، فزين له قتلها وقال: إن لم تقتلها افتضحت وعُرِف شبيهك في الولد، فلم تكن لك معذرة فلم يزل به حتى قتلها. فلما قدم إخوتها قالوا له: ما فعلت فلانة قال ماتت فدفنتها قالوا أحسنت، ثم جعلوا يرون في المنام ويخبرون أن الراهب هو قتلها، وأنها تحت شجرة كذا وكذا، فعمدوا إلى الشجرة فوجدوها تحتها قد قتلت، فعمدوا إليه فأخذوه، فقال له الشيطان: أنا زينت لك الزنا (وقتلَها بعد الزنى)، فهل لك أن أنجيك، قال: نعم (قال: أفتطيعني؟ قال: نعم) قال: فاسجد لي سجدة واحدة، فسجد له ثم قتل.
وقال مجاهد: الإنسان هنا عنى به الإنسان كلهم في غرور الشيطان إياهم وتبريه منهم، كما غر المنافقون اليهود ووعدوهم بالنصر، ثم (تبرءوا) منهم وأسلموهم.
ثم قال تعالى : ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾.
أي اتقوه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، ولينظر أحدكم ما قدم لمماته من العمل الصالح والعمل السيء.
قال قتادة: ما زال ربكم يقرب الساعة حتى جعله كغد، فغد يوم القيامة.
وقاله الضحاك وابن زيد وقالا: الأمس الدنيا، وغداً الآخرة.
* *
ثم قال: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي وخافوه بإداء فرائضه واجتناب معاصيه، إنه ذو خبر بجميع أعمالكم، فيجازيكم عليها، وكرر هذا اللفظ للتأكيد.
* *
ثم قال: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ﴾ أي تتركوا أمره ونهيه، فتعدوا حدوده.
﴿فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ أي أنساهم حظوظ أنفسهم من عمل الخيرات، فعلى هذا القول الأول يكون النسيان الأول من الترك، والثاني من النسيان المعروف، وقيل مما من الترك، والمعنى تركوا أمر الله فتركه ثوابهم، وهو عند بعض أهل اللغة غلط، لا يقال أنسي عن الترك، وإنما يصح مثل هذا في قوله ﴿نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧].
وقيل معنى فأنساهم (وجدهم كذلك)، كما يقال أحمدته، فيكون "أنفسهم" على هذا تأكيداً، وعلى قول الأول مفعولاً به.
* *
ثم قال ﴿أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ﴾ أي الخارجون عن طاعة الله (عز وجل).
* *
ثم قال ﴿لاَ يَسْتَوِيۤ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ﴾ أي لا يعتدلون في الجزاء وفي النعيم.
﴿أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ﴾ أي الناجون مما حذروا.
﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِي ٱلنَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: فكانت عقبى الشيطان والإنسان: الخلود في نار جهنم.
﴿وَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلظَّالِمِينَ﴾ أي: فالخلود في النار جزاء الظالمين المنافقين واليهود [من] بني النضير ومن كان مثلهم.
والنصب في "خالدين" والرفع سواء عند سيبويه، لا يغلب النصب على الرفع لأجل تكرير الظرف.
ومذهب الفراء أن النصب أحسن، لئلا يلغى الظرف مرتين.
وألزم سيبويه من اعتل بتكرير الظرف أن يجيز النصب في قوله "عَلَيْكَ زَيْدٌ حَرِيصٌ عَلَيْكَ" فينصب حريص لتكرير الظرف، وهذا لا يجوز.
* *
ثم قال: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ﴾.
أي: لو أنزل الله عز وجل هذا القرآن على جبل وهو حجر أصم لرأيته يا محمد على قساوته وشدته متذللاً متضرعاً حذراً من ألا يؤدي حق الله عز وجل المفترض عليه، وقد أنزل على ابن آدم وَمعه فهم وإدراك وهو مستخف بحقه لاه عما فيه.
قال قتادة: فعذر الله عز وجل الجبل الأصم ولم يعذر أشقياء بني آدم، فهل رأيتم أحداً تصدعت جوارحه من خشية الله سبحانه.
وقيل: المعنى: لو أنزلنا هذا القرآن (على جبل) على عظمته وشدته وجعلنا فيه ما يميز: لذل وخضع.
* *
ثم قال: ﴿وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: نمثل لهم لعلهم يتفكرون فيها فيعتبروا ويزدجروا.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾ أي: (الذي يتصدع الجبل له ويذل من خشيته) هو الله الذي لا معبود تجب له العبادة غيره، يعلم السر والجهر وما غاب وما ظهر، وهو الرحمن الرحيم.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ﴾ أي: لا معبود بحق غيره.
﴿ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ﴾ أي: الذي لا ملك فوقه، والقدوس في قول قتادة: المبارك.
وقيل: ﴿ٱلْقُدُّوسُ﴾ القدوس: المطهر مما نسبه إليه المشركون (والقدس: الطهر).
والأرض المقدسة: المطهرة.
وقرأ أبو الدينار الأعرابي: القَدوس بفتح القاف كسَمُّور وشَبُّوط.
* *
وقوله: ﴿ٱلسَّلاَمُ﴾ أي: ذو السلامة من جميع الآفات.
* *
وقوله: ﴿ٱلْمُؤْمِنُ﴾ أي: الذي أَمِن عباده من جَوره.
وقيل: معناه: الذي يصدق عباده المؤمنين إذا شهدوا على الناس.
* *
وقوله: ﴿ٱلْمُهَيْمِنُ﴾ قال ابن عباس: هو الأمين، وعنه: الشهيد.
وقال أبو عبيدة: الرقيب الحفيظ.
وقال المبرد: أصله المؤيمن ثم أبدل من الهمزة هاء.
* *
وقوله: ﴿ٱلْعَزِيزُ ٱلْجَبَّارُ﴾ أي: ذو العزة والمنع، الذي يجبر خلقه على ما يشاء من "أجبر"، وهذا قول مردود، لأن "فعالاً" لا يكون من "أفعل" ولكنه من "جَبَرَ الله خلْقَه: إذا نَعَشَهُم".
وقيل: هو من جبرت العظم: فجبر.
وقيل: هو من تجبر النخل: إذا علا وفات اليد.
* *
وقوله: ﴿ٱلْمُتَكَبِّرُ﴾ معناه العلي فوق خلقه.
وقال قتادة: المتكبر: تكبر عن كل سوء.
* *
وقوله: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تنزيهاً له، وبراءة مما يقول المشركون.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَالِقُ ٱلْبَارِىءُ﴾ أي: هو الله الذي خلق الخلق، وبرأهم فأوجدهم. ﴿ٱلْمُصَوِّرُ﴾ أي: الذي صورهم في الأرحام كيف يشاء.
وقيل: معنى خلق الخلق: قدره وبرأهم: سواهم وعدلهم، وصورهم بعد ذلك.
* *
ثم قال: ﴿لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ وهي تسعة وتسعون اسماً قد اختلف الناس فيها.
* *
ثم قال: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: يصلي ويسجد له طوعاً وكرهاً كل ما في السماوات والأرض من الخلق.
﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ أي: العَزِيزُ في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبيره خلقه، وقيل حكيم بمعنى حاكم، وقيل بمعنى محكم.
الحشر 59:20
قوله: ﴿كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَانِ﴾ إلى آخر السورة الآيات.
قد ذكرنا الكاف في ﴿كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ والمعنى: مثل هؤلاء المنافقين في وعدهم اليهود بالنصر، وإخلافهم إياهم وتبريهم منهم لما أجلوا من ديارهم، كمثل الشيطان الذي غر الإنسان ووعده على كفره النصر ثم تبرأ منه لما كفر وأسلمه.
روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: "إن راهباً تعَبَّد ستين سنة وأن الشيطان أراده وأعياه، فعَمَد إلى امرأة فأجَنَّها ولها إخوة، فقال لإخوتها عليكم بهذا القس فيداويها، قال فجاءوا به إليها فداواها، وكانت عنده، فبينما هو يوماً عندها إذ أعجبته فأتاها فحملت، فعمد إليها فقتلها، فجاء إخوتها، فقال الشيطان للراهب أنا صاحبك، إنك أعييتني، أنا صنعت هذا بك، فأطِعني أُنجك ممّا صنعت بك، أسجد لي سجدة، فسجد [له]، فلما سجد له قال: ﴿إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنكَ إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ﴾.
وعن ابن مسعود أنه قال: كانت امرأة ترعى غنماً، وكان لها أربعة إخوة، وكانت تأوي بالليل إلى صومعة راهب، فنزل الراهب ففجر بها، فحملت، فأتاه الشيطان فقال: اقتلها ثم ادفنها، فإنك رجل مصدق يقبل قولك، فقتلها ثم دفنها. قال: فأتى الشيطان إخوتها في المنام، فقال لهم: إن الراهب صاحب الصومعة فجر بأختكم، فلما أحبلها قتلها ثم دفنها في مكان كذا وكذا، فلما أصبحوا قال رجل منهم: والله لقد رأيت البارحة رؤيا ما أدري أقصها عليكم أم أترك، فقالوا: لاَ بَلْ قُصَّها علينا، فَقَصَّهَا، فقال الآخر: وأنا والله لقد رأيت ذلك، وقال الآخر مثل ذلك، فقالوا: والله ما هذا إلا لشيء. فانطلقوا فاستعدوا ملكهم على ذلك الراهب، فأتوه فأنزلوه ثم انطلقوا به، فلقيه الشيطان، فقال: إني أنا الذي أوقعتك في هذا ولن ينجيك منه غيري، فاسجد لي سجدة واحدة وأنجيك مما أوقعتك فيه، قال: فسجد له. فلما أتوا ملكهم تبرأ منه وأخذ فقتل.
وقول الشيطان: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ (رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ)﴾ إنما هو على طريق التبرؤ من الإنسان، لأنه لا يخاف الله على الحقيقة، لأنه لو خافه ما عصاه، ولو خافه لكان ذلك مدحاً له.
وعن ابن عباس: أن راهباً من بني إسرائيل تعبد فأحسن عبادته، وكان يُؤتى من كل أرض فيُسأل عن الفقه، وكان عالماً، وأن ثلاثة أخوة كانت لهم أخت حسنة من أحسن النساء، وأنهم أرادوا سفراً، فكبر عليهم أن يخلفوها ضائعة، فجعلوا يأتمرون ما يفعلون بها، فقال أحدهم أنا أدلكم على من تتركونها عنده، قالوا من هو، قال راهب بني إسرائيل إن ماتت قام عليها وإن عاشت حفظها حتى ترجعوا إليها، فعمدوا إليه، فقالوا: إنا نريد السفر، ولا نجد أحداً أوثق منك في أنفسنا، ولا أحفظ لها ولي منك ولما جعل عندك فإن رأيت أن نجعل أختنا عندك، فإنها ضائعة شديدة الوجع، فإن ماتت فقم عليها، وإن عاشت فأصلح إليها حتى نرجع.
فقال: أكفيكم إن شاء الله، فانطلقوا وقام عليها فداواها حتى برئت وعاد إليها حسنها، فأطلع إليها فوجدها متصنعة، فلم يزل به الشيطان يزين له أن يقع عليها حتى وقع عليها، فحملت ثم قدمه الشيطان، فزين له قتلها وقال: إن لم تقتلها افتضحت وعُرِف شبيهك في الولد، فلم تكن لك معذرة فلم يزل به حتى قتلها. فلما قدم إخوتها قالوا له: ما فعلت فلانة قال ماتت فدفنتها قالوا أحسنت، ثم جعلوا يرون في المنام ويخبرون أن الراهب هو قتلها، وأنها تحت شجرة كذا وكذا، فعمدوا إلى الشجرة فوجدوها تحتها قد قتلت، فعمدوا إليه فأخذوه، فقال له الشيطان: أنا زينت لك الزنا (وقتلَها بعد الزنى)، فهل لك أن أنجيك، قال: نعم (قال: أفتطيعني؟ قال: نعم) قال: فاسجد لي سجدة واحدة، فسجد له ثم قتل.
وقال مجاهد: الإنسان هنا عنى به الإنسان كلهم في غرور الشيطان إياهم وتبريه منهم، كما غر المنافقون اليهود ووعدوهم بالنصر، ثم (تبرءوا) منهم وأسلموهم.
ثم قال تعالى : ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾.
أي اتقوه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، ولينظر أحدكم ما قدم لمماته من العمل الصالح والعمل السيء.
قال قتادة: ما زال ربكم يقرب الساعة حتى جعله كغد، فغد يوم القيامة.
وقاله الضحاك وابن زيد وقالا: الأمس الدنيا، وغداً الآخرة.
* *
ثم قال: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي وخافوه بإداء فرائضه واجتناب معاصيه، إنه ذو خبر بجميع أعمالكم، فيجازيكم عليها، وكرر هذا اللفظ للتأكيد.
* *
ثم قال: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ﴾ أي تتركوا أمره ونهيه، فتعدوا حدوده.
﴿فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ أي أنساهم حظوظ أنفسهم من عمل الخيرات، فعلى هذا القول الأول يكون النسيان الأول من الترك، والثاني من النسيان المعروف، وقيل مما من الترك، والمعنى تركوا أمر الله فتركه ثوابهم، وهو عند بعض أهل اللغة غلط، لا يقال أنسي عن الترك، وإنما يصح مثل هذا في قوله ﴿نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧].
وقيل معنى فأنساهم (وجدهم كذلك)، كما يقال أحمدته، فيكون "أنفسهم" على هذا تأكيداً، وعلى قول الأول مفعولاً به.
* *
ثم قال ﴿أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ﴾ أي الخارجون عن طاعة الله (عز وجل).
* *
ثم قال ﴿لاَ يَسْتَوِيۤ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ﴾ أي لا يعتدلون في الجزاء وفي النعيم.
﴿أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ﴾ أي الناجون مما حذروا.
﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِي ٱلنَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: فكانت عقبى الشيطان والإنسان: الخلود في نار جهنم.
﴿وَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلظَّالِمِينَ﴾ أي: فالخلود في النار جزاء الظالمين المنافقين واليهود [من] بني النضير ومن كان مثلهم.
والنصب في "خالدين" والرفع سواء عند سيبويه، لا يغلب النصب على الرفع لأجل تكرير الظرف.
ومذهب الفراء أن النصب أحسن، لئلا يلغى الظرف مرتين.
وألزم سيبويه من اعتل بتكرير الظرف أن يجيز النصب في قوله "عَلَيْكَ زَيْدٌ حَرِيصٌ عَلَيْكَ" فينصب حريص لتكرير الظرف، وهذا لا يجوز.
* *
ثم قال: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ﴾.
أي: لو أنزل الله عز وجل هذا القرآن على جبل وهو حجر أصم لرأيته يا محمد على قساوته وشدته متذللاً متضرعاً حذراً من ألا يؤدي حق الله عز وجل المفترض عليه، وقد أنزل على ابن آدم وَمعه فهم وإدراك وهو مستخف بحقه لاه عما فيه.
قال قتادة: فعذر الله عز وجل الجبل الأصم ولم يعذر أشقياء بني آدم، فهل رأيتم أحداً تصدعت جوارحه من خشية الله سبحانه.
وقيل: المعنى: لو أنزلنا هذا القرآن (على جبل) على عظمته وشدته وجعلنا فيه ما يميز: لذل وخضع.
* *
ثم قال: ﴿وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: نمثل لهم لعلهم يتفكرون فيها فيعتبروا ويزدجروا.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾ أي: (الذي يتصدع الجبل له ويذل من خشيته) هو الله الذي لا معبود تجب له العبادة غيره، يعلم السر والجهر وما غاب وما ظهر، وهو الرحمن الرحيم.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ﴾ أي: لا معبود بحق غيره.
﴿ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ﴾ أي: الذي لا ملك فوقه، والقدوس في قول قتادة: المبارك.
وقيل: ﴿ٱلْقُدُّوسُ﴾ القدوس: المطهر مما نسبه إليه المشركون (والقدس: الطهر).
والأرض المقدسة: المطهرة.
وقرأ أبو الدينار الأعرابي: القَدوس بفتح القاف كسَمُّور وشَبُّوط.
* *
وقوله: ﴿ٱلسَّلاَمُ﴾ أي: ذو السلامة من جميع الآفات.
* *
وقوله: ﴿ٱلْمُؤْمِنُ﴾ أي: الذي أَمِن عباده من جَوره.
وقيل: معناه: الذي يصدق عباده المؤمنين إذا شهدوا على الناس.
* *
وقوله: ﴿ٱلْمُهَيْمِنُ﴾ قال ابن عباس: هو الأمين، وعنه: الشهيد.
وقال أبو عبيدة: الرقيب الحفيظ.
وقال المبرد: أصله المؤيمن ثم أبدل من الهمزة هاء.
* *
وقوله: ﴿ٱلْعَزِيزُ ٱلْجَبَّارُ﴾ أي: ذو العزة والمنع، الذي يجبر خلقه على ما يشاء من "أجبر"، وهذا قول مردود، لأن "فعالاً" لا يكون من "أفعل" ولكنه من "جَبَرَ الله خلْقَه: إذا نَعَشَهُم".
وقيل: هو من جبرت العظم: فجبر.
وقيل: هو من تجبر النخل: إذا علا وفات اليد.
* *
وقوله: ﴿ٱلْمُتَكَبِّرُ﴾ معناه العلي فوق خلقه.
وقال قتادة: المتكبر: تكبر عن كل سوء.
* *
وقوله: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تنزيهاً له، وبراءة مما يقول المشركون.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَالِقُ ٱلْبَارِىءُ﴾ أي: هو الله الذي خلق الخلق، وبرأهم فأوجدهم. ﴿ٱلْمُصَوِّرُ﴾ أي: الذي صورهم في الأرحام كيف يشاء.
وقيل: معنى خلق الخلق: قدره وبرأهم: سواهم وعدلهم، وصورهم بعد ذلك.
* *
ثم قال: ﴿لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ وهي تسعة وتسعون اسماً قد اختلف الناس فيها.
* *
ثم قال: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: يصلي ويسجد له طوعاً وكرهاً كل ما في السماوات والأرض من الخلق.
﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ أي: العَزِيزُ في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبيره خلقه، وقيل حكيم بمعنى حاكم، وقيل بمعنى محكم.
الحشر 59:21
قوله: ﴿كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَانِ﴾ إلى آخر السورة الآيات.
قد ذكرنا الكاف في ﴿كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ والمعنى: مثل هؤلاء المنافقين في وعدهم اليهود بالنصر، وإخلافهم إياهم وتبريهم منهم لما أجلوا من ديارهم، كمثل الشيطان الذي غر الإنسان ووعده على كفره النصر ثم تبرأ منه لما كفر وأسلمه.
روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: "إن راهباً تعَبَّد ستين سنة وأن الشيطان أراده وأعياه، فعَمَد إلى امرأة فأجَنَّها ولها إخوة، فقال لإخوتها عليكم بهذا القس فيداويها، قال فجاءوا به إليها فداواها، وكانت عنده، فبينما هو يوماً عندها إذ أعجبته فأتاها فحملت، فعمد إليها فقتلها، فجاء إخوتها، فقال الشيطان للراهب أنا صاحبك، إنك أعييتني، أنا صنعت هذا بك، فأطِعني أُنجك ممّا صنعت بك، أسجد لي سجدة، فسجد [له]، فلما سجد له قال: ﴿إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنكَ إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ﴾.
وعن ابن مسعود أنه قال: كانت امرأة ترعى غنماً، وكان لها أربعة إخوة، وكانت تأوي بالليل إلى صومعة راهب، فنزل الراهب ففجر بها، فحملت، فأتاه الشيطان فقال: اقتلها ثم ادفنها، فإنك رجل مصدق يقبل قولك، فقتلها ثم دفنها. قال: فأتى الشيطان إخوتها في المنام، فقال لهم: إن الراهب صاحب الصومعة فجر بأختكم، فلما أحبلها قتلها ثم دفنها في مكان كذا وكذا، فلما أصبحوا قال رجل منهم: والله لقد رأيت البارحة رؤيا ما أدري أقصها عليكم أم أترك، فقالوا: لاَ بَلْ قُصَّها علينا، فَقَصَّهَا، فقال الآخر: وأنا والله لقد رأيت ذلك، وقال الآخر مثل ذلك، فقالوا: والله ما هذا إلا لشيء. فانطلقوا فاستعدوا ملكهم على ذلك الراهب، فأتوه فأنزلوه ثم انطلقوا به، فلقيه الشيطان، فقال: إني أنا الذي أوقعتك في هذا ولن ينجيك منه غيري، فاسجد لي سجدة واحدة وأنجيك مما أوقعتك فيه، قال: فسجد له. فلما أتوا ملكهم تبرأ منه وأخذ فقتل.
وقول الشيطان: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ (رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ)﴾ إنما هو على طريق التبرؤ من الإنسان، لأنه لا يخاف الله على الحقيقة، لأنه لو خافه ما عصاه، ولو خافه لكان ذلك مدحاً له.
وعن ابن عباس: أن راهباً من بني إسرائيل تعبد فأحسن عبادته، وكان يُؤتى من كل أرض فيُسأل عن الفقه، وكان عالماً، وأن ثلاثة أخوة كانت لهم أخت حسنة من أحسن النساء، وأنهم أرادوا سفراً، فكبر عليهم أن يخلفوها ضائعة، فجعلوا يأتمرون ما يفعلون بها، فقال أحدهم أنا أدلكم على من تتركونها عنده، قالوا من هو، قال راهب بني إسرائيل إن ماتت قام عليها وإن عاشت حفظها حتى ترجعوا إليها، فعمدوا إليه، فقالوا: إنا نريد السفر، ولا نجد أحداً أوثق منك في أنفسنا، ولا أحفظ لها ولي منك ولما جعل عندك فإن رأيت أن نجعل أختنا عندك، فإنها ضائعة شديدة الوجع، فإن ماتت فقم عليها، وإن عاشت فأصلح إليها حتى نرجع.
فقال: أكفيكم إن شاء الله، فانطلقوا وقام عليها فداواها حتى برئت وعاد إليها حسنها، فأطلع إليها فوجدها متصنعة، فلم يزل به الشيطان يزين له أن يقع عليها حتى وقع عليها، فحملت ثم قدمه الشيطان، فزين له قتلها وقال: إن لم تقتلها افتضحت وعُرِف شبيهك في الولد، فلم تكن لك معذرة فلم يزل به حتى قتلها. فلما قدم إخوتها قالوا له: ما فعلت فلانة قال ماتت فدفنتها قالوا أحسنت، ثم جعلوا يرون في المنام ويخبرون أن الراهب هو قتلها، وأنها تحت شجرة كذا وكذا، فعمدوا إلى الشجرة فوجدوها تحتها قد قتلت، فعمدوا إليه فأخذوه، فقال له الشيطان: أنا زينت لك الزنا (وقتلَها بعد الزنى)، فهل لك أن أنجيك، قال: نعم (قال: أفتطيعني؟ قال: نعم) قال: فاسجد لي سجدة واحدة، فسجد له ثم قتل.
وقال مجاهد: الإنسان هنا عنى به الإنسان كلهم في غرور الشيطان إياهم وتبريه منهم، كما غر المنافقون اليهود ووعدوهم بالنصر، ثم (تبرءوا) منهم وأسلموهم.
ثم قال تعالى : ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾.
أي اتقوه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، ولينظر أحدكم ما قدم لمماته من العمل الصالح والعمل السيء.
قال قتادة: ما زال ربكم يقرب الساعة حتى جعله كغد، فغد يوم القيامة.
وقاله الضحاك وابن زيد وقالا: الأمس الدنيا، وغداً الآخرة.
* *
ثم قال: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي وخافوه بإداء فرائضه واجتناب معاصيه، إنه ذو خبر بجميع أعمالكم، فيجازيكم عليها، وكرر هذا اللفظ للتأكيد.
* *
ثم قال: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ﴾ أي تتركوا أمره ونهيه، فتعدوا حدوده.
﴿فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ أي أنساهم حظوظ أنفسهم من عمل الخيرات، فعلى هذا القول الأول يكون النسيان الأول من الترك، والثاني من النسيان المعروف، وقيل مما من الترك، والمعنى تركوا أمر الله فتركه ثوابهم، وهو عند بعض أهل اللغة غلط، لا يقال أنسي عن الترك، وإنما يصح مثل هذا في قوله ﴿نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧].
وقيل معنى فأنساهم (وجدهم كذلك)، كما يقال أحمدته، فيكون "أنفسهم" على هذا تأكيداً، وعلى قول الأول مفعولاً به.
* *
ثم قال ﴿أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ﴾ أي الخارجون عن طاعة الله (عز وجل).
* *
ثم قال ﴿لاَ يَسْتَوِيۤ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ﴾ أي لا يعتدلون في الجزاء وفي النعيم.
﴿أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ﴾ أي الناجون مما حذروا.
﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِي ٱلنَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: فكانت عقبى الشيطان والإنسان: الخلود في نار جهنم.
﴿وَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلظَّالِمِينَ﴾ أي: فالخلود في النار جزاء الظالمين المنافقين واليهود [من] بني النضير ومن كان مثلهم.
والنصب في "خالدين" والرفع سواء عند سيبويه، لا يغلب النصب على الرفع لأجل تكرير الظرف.
ومذهب الفراء أن النصب أحسن، لئلا يلغى الظرف مرتين.
وألزم سيبويه من اعتل بتكرير الظرف أن يجيز النصب في قوله "عَلَيْكَ زَيْدٌ حَرِيصٌ عَلَيْكَ" فينصب حريص لتكرير الظرف، وهذا لا يجوز.
* *
ثم قال: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ﴾.
أي: لو أنزل الله عز وجل هذا القرآن على جبل وهو حجر أصم لرأيته يا محمد على قساوته وشدته متذللاً متضرعاً حذراً من ألا يؤدي حق الله عز وجل المفترض عليه، وقد أنزل على ابن آدم وَمعه فهم وإدراك وهو مستخف بحقه لاه عما فيه.
قال قتادة: فعذر الله عز وجل الجبل الأصم ولم يعذر أشقياء بني آدم، فهل رأيتم أحداً تصدعت جوارحه من خشية الله سبحانه.
وقيل: المعنى: لو أنزلنا هذا القرآن (على جبل) على عظمته وشدته وجعلنا فيه ما يميز: لذل وخضع.
* *
ثم قال: ﴿وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: نمثل لهم لعلهم يتفكرون فيها فيعتبروا ويزدجروا.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾ أي: (الذي يتصدع الجبل له ويذل من خشيته) هو الله الذي لا معبود تجب له العبادة غيره، يعلم السر والجهر وما غاب وما ظهر، وهو الرحمن الرحيم.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ﴾ أي: لا معبود بحق غيره.
﴿ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ﴾ أي: الذي لا ملك فوقه، والقدوس في قول قتادة: المبارك.
وقيل: ﴿ٱلْقُدُّوسُ﴾ القدوس: المطهر مما نسبه إليه المشركون (والقدس: الطهر).
والأرض المقدسة: المطهرة.
وقرأ أبو الدينار الأعرابي: القَدوس بفتح القاف كسَمُّور وشَبُّوط.
* *
وقوله: ﴿ٱلسَّلاَمُ﴾ أي: ذو السلامة من جميع الآفات.
* *
وقوله: ﴿ٱلْمُؤْمِنُ﴾ أي: الذي أَمِن عباده من جَوره.
وقيل: معناه: الذي يصدق عباده المؤمنين إذا شهدوا على الناس.
* *
وقوله: ﴿ٱلْمُهَيْمِنُ﴾ قال ابن عباس: هو الأمين، وعنه: الشهيد.
وقال أبو عبيدة: الرقيب الحفيظ.
وقال المبرد: أصله المؤيمن ثم أبدل من الهمزة هاء.
* *
وقوله: ﴿ٱلْعَزِيزُ ٱلْجَبَّارُ﴾ أي: ذو العزة والمنع، الذي يجبر خلقه على ما يشاء من "أجبر"، وهذا قول مردود، لأن "فعالاً" لا يكون من "أفعل" ولكنه من "جَبَرَ الله خلْقَه: إذا نَعَشَهُم".
وقيل: هو من جبرت العظم: فجبر.
وقيل: هو من تجبر النخل: إذا علا وفات اليد.
* *
وقوله: ﴿ٱلْمُتَكَبِّرُ﴾ معناه العلي فوق خلقه.
وقال قتادة: المتكبر: تكبر عن كل سوء.
* *
وقوله: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تنزيهاً له، وبراءة مما يقول المشركون.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَالِقُ ٱلْبَارِىءُ﴾ أي: هو الله الذي خلق الخلق، وبرأهم فأوجدهم. ﴿ٱلْمُصَوِّرُ﴾ أي: الذي صورهم في الأرحام كيف يشاء.
وقيل: معنى خلق الخلق: قدره وبرأهم: سواهم وعدلهم، وصورهم بعد ذلك.
* *
ثم قال: ﴿لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ وهي تسعة وتسعون اسماً قد اختلف الناس فيها.
* *
ثم قال: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: يصلي ويسجد له طوعاً وكرهاً كل ما في السماوات والأرض من الخلق.
﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ أي: العَزِيزُ في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبيره خلقه، وقيل حكيم بمعنى حاكم، وقيل بمعنى محكم.
الحشر 59:22
قوله: ﴿كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَانِ﴾ إلى آخر السورة الآيات.
قد ذكرنا الكاف في ﴿كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ والمعنى: مثل هؤلاء المنافقين في وعدهم اليهود بالنصر، وإخلافهم إياهم وتبريهم منهم لما أجلوا من ديارهم، كمثل الشيطان الذي غر الإنسان ووعده على كفره النصر ثم تبرأ منه لما كفر وأسلمه.
روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: "إن راهباً تعَبَّد ستين سنة وأن الشيطان أراده وأعياه، فعَمَد إلى امرأة فأجَنَّها ولها إخوة، فقال لإخوتها عليكم بهذا القس فيداويها، قال فجاءوا به إليها فداواها، وكانت عنده، فبينما هو يوماً عندها إذ أعجبته فأتاها فحملت، فعمد إليها فقتلها، فجاء إخوتها، فقال الشيطان للراهب أنا صاحبك، إنك أعييتني، أنا صنعت هذا بك، فأطِعني أُنجك ممّا صنعت بك، أسجد لي سجدة، فسجد [له]، فلما سجد له قال: ﴿إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنكَ إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ﴾.
وعن ابن مسعود أنه قال: كانت امرأة ترعى غنماً، وكان لها أربعة إخوة، وكانت تأوي بالليل إلى صومعة راهب، فنزل الراهب ففجر بها، فحملت، فأتاه الشيطان فقال: اقتلها ثم ادفنها، فإنك رجل مصدق يقبل قولك، فقتلها ثم دفنها. قال: فأتى الشيطان إخوتها في المنام، فقال لهم: إن الراهب صاحب الصومعة فجر بأختكم، فلما أحبلها قتلها ثم دفنها في مكان كذا وكذا، فلما أصبحوا قال رجل منهم: والله لقد رأيت البارحة رؤيا ما أدري أقصها عليكم أم أترك، فقالوا: لاَ بَلْ قُصَّها علينا، فَقَصَّهَا، فقال الآخر: وأنا والله لقد رأيت ذلك، وقال الآخر مثل ذلك، فقالوا: والله ما هذا إلا لشيء. فانطلقوا فاستعدوا ملكهم على ذلك الراهب، فأتوه فأنزلوه ثم انطلقوا به، فلقيه الشيطان، فقال: إني أنا الذي أوقعتك في هذا ولن ينجيك منه غيري، فاسجد لي سجدة واحدة وأنجيك مما أوقعتك فيه، قال: فسجد له. فلما أتوا ملكهم تبرأ منه وأخذ فقتل.
وقول الشيطان: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ (رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ)﴾ إنما هو على طريق التبرؤ من الإنسان، لأنه لا يخاف الله على الحقيقة، لأنه لو خافه ما عصاه، ولو خافه لكان ذلك مدحاً له.
وعن ابن عباس: أن راهباً من بني إسرائيل تعبد فأحسن عبادته، وكان يُؤتى من كل أرض فيُسأل عن الفقه، وكان عالماً، وأن ثلاثة أخوة كانت لهم أخت حسنة من أحسن النساء، وأنهم أرادوا سفراً، فكبر عليهم أن يخلفوها ضائعة، فجعلوا يأتمرون ما يفعلون بها، فقال أحدهم أنا أدلكم على من تتركونها عنده، قالوا من هو، قال راهب بني إسرائيل إن ماتت قام عليها وإن عاشت حفظها حتى ترجعوا إليها، فعمدوا إليه، فقالوا: إنا نريد السفر، ولا نجد أحداً أوثق منك في أنفسنا، ولا أحفظ لها ولي منك ولما جعل عندك فإن رأيت أن نجعل أختنا عندك، فإنها ضائعة شديدة الوجع، فإن ماتت فقم عليها، وإن عاشت فأصلح إليها حتى نرجع.
فقال: أكفيكم إن شاء الله، فانطلقوا وقام عليها فداواها حتى برئت وعاد إليها حسنها، فأطلع إليها فوجدها متصنعة، فلم يزل به الشيطان يزين له أن يقع عليها حتى وقع عليها، فحملت ثم قدمه الشيطان، فزين له قتلها وقال: إن لم تقتلها افتضحت وعُرِف شبيهك في الولد، فلم تكن لك معذرة فلم يزل به حتى قتلها. فلما قدم إخوتها قالوا له: ما فعلت فلانة قال ماتت فدفنتها قالوا أحسنت، ثم جعلوا يرون في المنام ويخبرون أن الراهب هو قتلها، وأنها تحت شجرة كذا وكذا، فعمدوا إلى الشجرة فوجدوها تحتها قد قتلت، فعمدوا إليه فأخذوه، فقال له الشيطان: أنا زينت لك الزنا (وقتلَها بعد الزنى)، فهل لك أن أنجيك، قال: نعم (قال: أفتطيعني؟ قال: نعم) قال: فاسجد لي سجدة واحدة، فسجد له ثم قتل.
وقال مجاهد: الإنسان هنا عنى به الإنسان كلهم في غرور الشيطان إياهم وتبريه منهم، كما غر المنافقون اليهود ووعدوهم بالنصر، ثم (تبرءوا) منهم وأسلموهم.
ثم قال تعالى : ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾.
أي اتقوه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، ولينظر أحدكم ما قدم لمماته من العمل الصالح والعمل السيء.
قال قتادة: ما زال ربكم يقرب الساعة حتى جعله كغد، فغد يوم القيامة.
وقاله الضحاك وابن زيد وقالا: الأمس الدنيا، وغداً الآخرة.
* *
ثم قال: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي وخافوه بإداء فرائضه واجتناب معاصيه، إنه ذو خبر بجميع أعمالكم، فيجازيكم عليها، وكرر هذا اللفظ للتأكيد.
* *
ثم قال: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ﴾ أي تتركوا أمره ونهيه، فتعدوا حدوده.
﴿فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ أي أنساهم حظوظ أنفسهم من عمل الخيرات، فعلى هذا القول الأول يكون النسيان الأول من الترك، والثاني من النسيان المعروف، وقيل مما من الترك، والمعنى تركوا أمر الله فتركه ثوابهم، وهو عند بعض أهل اللغة غلط، لا يقال أنسي عن الترك، وإنما يصح مثل هذا في قوله ﴿نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧].
وقيل معنى فأنساهم (وجدهم كذلك)، كما يقال أحمدته، فيكون "أنفسهم" على هذا تأكيداً، وعلى قول الأول مفعولاً به.
* *
ثم قال ﴿أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ﴾ أي الخارجون عن طاعة الله (عز وجل).
* *
ثم قال ﴿لاَ يَسْتَوِيۤ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ﴾ أي لا يعتدلون في الجزاء وفي النعيم.
﴿أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ﴾ أي الناجون مما حذروا.
﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِي ٱلنَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: فكانت عقبى الشيطان والإنسان: الخلود في نار جهنم.
﴿وَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلظَّالِمِينَ﴾ أي: فالخلود في النار جزاء الظالمين المنافقين واليهود [من] بني النضير ومن كان مثلهم.
والنصب في "خالدين" والرفع سواء عند سيبويه، لا يغلب النصب على الرفع لأجل تكرير الظرف.
ومذهب الفراء أن النصب أحسن، لئلا يلغى الظرف مرتين.
وألزم سيبويه من اعتل بتكرير الظرف أن يجيز النصب في قوله "عَلَيْكَ زَيْدٌ حَرِيصٌ عَلَيْكَ" فينصب حريص لتكرير الظرف، وهذا لا يجوز.
* *
ثم قال: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ﴾.
أي: لو أنزل الله عز وجل هذا القرآن على جبل وهو حجر أصم لرأيته يا محمد على قساوته وشدته متذللاً متضرعاً حذراً من ألا يؤدي حق الله عز وجل المفترض عليه، وقد أنزل على ابن آدم وَمعه فهم وإدراك وهو مستخف بحقه لاه عما فيه.
قال قتادة: فعذر الله عز وجل الجبل الأصم ولم يعذر أشقياء بني آدم، فهل رأيتم أحداً تصدعت جوارحه من خشية الله سبحانه.
وقيل: المعنى: لو أنزلنا هذا القرآن (على جبل) على عظمته وشدته وجعلنا فيه ما يميز: لذل وخضع.
* *
ثم قال: ﴿وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: نمثل لهم لعلهم يتفكرون فيها فيعتبروا ويزدجروا.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾ أي: (الذي يتصدع الجبل له ويذل من خشيته) هو الله الذي لا معبود تجب له العبادة غيره، يعلم السر والجهر وما غاب وما ظهر، وهو الرحمن الرحيم.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ﴾ أي: لا معبود بحق غيره.
﴿ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ﴾ أي: الذي لا ملك فوقه، والقدوس في قول قتادة: المبارك.
وقيل: ﴿ٱلْقُدُّوسُ﴾ القدوس: المطهر مما نسبه إليه المشركون (والقدس: الطهر).
والأرض المقدسة: المطهرة.
وقرأ أبو الدينار الأعرابي: القَدوس بفتح القاف كسَمُّور وشَبُّوط.
* *
وقوله: ﴿ٱلسَّلاَمُ﴾ أي: ذو السلامة من جميع الآفات.
* *
وقوله: ﴿ٱلْمُؤْمِنُ﴾ أي: الذي أَمِن عباده من جَوره.
وقيل: معناه: الذي يصدق عباده المؤمنين إذا شهدوا على الناس.
* *
وقوله: ﴿ٱلْمُهَيْمِنُ﴾ قال ابن عباس: هو الأمين، وعنه: الشهيد.
وقال أبو عبيدة: الرقيب الحفيظ.
وقال المبرد: أصله المؤيمن ثم أبدل من الهمزة هاء.
* *
وقوله: ﴿ٱلْعَزِيزُ ٱلْجَبَّارُ﴾ أي: ذو العزة والمنع، الذي يجبر خلقه على ما يشاء من "أجبر"، وهذا قول مردود، لأن "فعالاً" لا يكون من "أفعل" ولكنه من "جَبَرَ الله خلْقَه: إذا نَعَشَهُم".
وقيل: هو من جبرت العظم: فجبر.
وقيل: هو من تجبر النخل: إذا علا وفات اليد.
* *
وقوله: ﴿ٱلْمُتَكَبِّرُ﴾ معناه العلي فوق خلقه.
وقال قتادة: المتكبر: تكبر عن كل سوء.
* *
وقوله: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تنزيهاً له، وبراءة مما يقول المشركون.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَالِقُ ٱلْبَارِىءُ﴾ أي: هو الله الذي خلق الخلق، وبرأهم فأوجدهم. ﴿ٱلْمُصَوِّرُ﴾ أي: الذي صورهم في الأرحام كيف يشاء.
وقيل: معنى خلق الخلق: قدره وبرأهم: سواهم وعدلهم، وصورهم بعد ذلك.
* *
ثم قال: ﴿لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ وهي تسعة وتسعون اسماً قد اختلف الناس فيها.
* *
ثم قال: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: يصلي ويسجد له طوعاً وكرهاً كل ما في السماوات والأرض من الخلق.
﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ أي: العَزِيزُ في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبيره خلقه، وقيل حكيم بمعنى حاكم، وقيل بمعنى محكم.
الحشر 59:23
قوله: ﴿كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَانِ﴾ إلى آخر السورة الآيات.
قد ذكرنا الكاف في ﴿كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ والمعنى: مثل هؤلاء المنافقين في وعدهم اليهود بالنصر، وإخلافهم إياهم وتبريهم منهم لما أجلوا من ديارهم، كمثل الشيطان الذي غر الإنسان ووعده على كفره النصر ثم تبرأ منه لما كفر وأسلمه.
روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: "إن راهباً تعَبَّد ستين سنة وأن الشيطان أراده وأعياه، فعَمَد إلى امرأة فأجَنَّها ولها إخوة، فقال لإخوتها عليكم بهذا القس فيداويها، قال فجاءوا به إليها فداواها، وكانت عنده، فبينما هو يوماً عندها إذ أعجبته فأتاها فحملت، فعمد إليها فقتلها، فجاء إخوتها، فقال الشيطان للراهب أنا صاحبك، إنك أعييتني، أنا صنعت هذا بك، فأطِعني أُنجك ممّا صنعت بك، أسجد لي سجدة، فسجد [له]، فلما سجد له قال: ﴿إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنكَ إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ﴾.
وعن ابن مسعود أنه قال: كانت امرأة ترعى غنماً، وكان لها أربعة إخوة، وكانت تأوي بالليل إلى صومعة راهب، فنزل الراهب ففجر بها، فحملت، فأتاه الشيطان فقال: اقتلها ثم ادفنها، فإنك رجل مصدق يقبل قولك، فقتلها ثم دفنها. قال: فأتى الشيطان إخوتها في المنام، فقال لهم: إن الراهب صاحب الصومعة فجر بأختكم، فلما أحبلها قتلها ثم دفنها في مكان كذا وكذا، فلما أصبحوا قال رجل منهم: والله لقد رأيت البارحة رؤيا ما أدري أقصها عليكم أم أترك، فقالوا: لاَ بَلْ قُصَّها علينا، فَقَصَّهَا، فقال الآخر: وأنا والله لقد رأيت ذلك، وقال الآخر مثل ذلك، فقالوا: والله ما هذا إلا لشيء. فانطلقوا فاستعدوا ملكهم على ذلك الراهب، فأتوه فأنزلوه ثم انطلقوا به، فلقيه الشيطان، فقال: إني أنا الذي أوقعتك في هذا ولن ينجيك منه غيري، فاسجد لي سجدة واحدة وأنجيك مما أوقعتك فيه، قال: فسجد له. فلما أتوا ملكهم تبرأ منه وأخذ فقتل.
وقول الشيطان: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ (رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ)﴾ إنما هو على طريق التبرؤ من الإنسان، لأنه لا يخاف الله على الحقيقة، لأنه لو خافه ما عصاه، ولو خافه لكان ذلك مدحاً له.
وعن ابن عباس: أن راهباً من بني إسرائيل تعبد فأحسن عبادته، وكان يُؤتى من كل أرض فيُسأل عن الفقه، وكان عالماً، وأن ثلاثة أخوة كانت لهم أخت حسنة من أحسن النساء، وأنهم أرادوا سفراً، فكبر عليهم أن يخلفوها ضائعة، فجعلوا يأتمرون ما يفعلون بها، فقال أحدهم أنا أدلكم على من تتركونها عنده، قالوا من هو، قال راهب بني إسرائيل إن ماتت قام عليها وإن عاشت حفظها حتى ترجعوا إليها، فعمدوا إليه، فقالوا: إنا نريد السفر، ولا نجد أحداً أوثق منك في أنفسنا، ولا أحفظ لها ولي منك ولما جعل عندك فإن رأيت أن نجعل أختنا عندك، فإنها ضائعة شديدة الوجع، فإن ماتت فقم عليها، وإن عاشت فأصلح إليها حتى نرجع.
فقال: أكفيكم إن شاء الله، فانطلقوا وقام عليها فداواها حتى برئت وعاد إليها حسنها، فأطلع إليها فوجدها متصنعة، فلم يزل به الشيطان يزين له أن يقع عليها حتى وقع عليها، فحملت ثم قدمه الشيطان، فزين له قتلها وقال: إن لم تقتلها افتضحت وعُرِف شبيهك في الولد، فلم تكن لك معذرة فلم يزل به حتى قتلها. فلما قدم إخوتها قالوا له: ما فعلت فلانة قال ماتت فدفنتها قالوا أحسنت، ثم جعلوا يرون في المنام ويخبرون أن الراهب هو قتلها، وأنها تحت شجرة كذا وكذا، فعمدوا إلى الشجرة فوجدوها تحتها قد قتلت، فعمدوا إليه فأخذوه، فقال له الشيطان: أنا زينت لك الزنا (وقتلَها بعد الزنى)، فهل لك أن أنجيك، قال: نعم (قال: أفتطيعني؟ قال: نعم) قال: فاسجد لي سجدة واحدة، فسجد له ثم قتل.
وقال مجاهد: الإنسان هنا عنى به الإنسان كلهم في غرور الشيطان إياهم وتبريه منهم، كما غر المنافقون اليهود ووعدوهم بالنصر، ثم (تبرءوا) منهم وأسلموهم.
ثم قال تعالى : ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾.
أي اتقوه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، ولينظر أحدكم ما قدم لمماته من العمل الصالح والعمل السيء.
قال قتادة: ما زال ربكم يقرب الساعة حتى جعله كغد، فغد يوم القيامة.
وقاله الضحاك وابن زيد وقالا: الأمس الدنيا، وغداً الآخرة.
* *
ثم قال: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي وخافوه بإداء فرائضه واجتناب معاصيه، إنه ذو خبر بجميع أعمالكم، فيجازيكم عليها، وكرر هذا اللفظ للتأكيد.
* *
ثم قال: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ﴾ أي تتركوا أمره ونهيه، فتعدوا حدوده.
﴿فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ أي أنساهم حظوظ أنفسهم من عمل الخيرات، فعلى هذا القول الأول يكون النسيان الأول من الترك، والثاني من النسيان المعروف، وقيل مما من الترك، والمعنى تركوا أمر الله فتركه ثوابهم، وهو عند بعض أهل اللغة غلط، لا يقال أنسي عن الترك، وإنما يصح مثل هذا في قوله ﴿نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧].
وقيل معنى فأنساهم (وجدهم كذلك)، كما يقال أحمدته، فيكون "أنفسهم" على هذا تأكيداً، وعلى قول الأول مفعولاً به.
* *
ثم قال ﴿أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ﴾ أي الخارجون عن طاعة الله (عز وجل).
* *
ثم قال ﴿لاَ يَسْتَوِيۤ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ﴾ أي لا يعتدلون في الجزاء وفي النعيم.
﴿أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ﴾ أي الناجون مما حذروا.
﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِي ٱلنَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: فكانت عقبى الشيطان والإنسان: الخلود في نار جهنم.
﴿وَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلظَّالِمِينَ﴾ أي: فالخلود في النار جزاء الظالمين المنافقين واليهود [من] بني النضير ومن كان مثلهم.
والنصب في "خالدين" والرفع سواء عند سيبويه، لا يغلب النصب على الرفع لأجل تكرير الظرف.
ومذهب الفراء أن النصب أحسن، لئلا يلغى الظرف مرتين.
وألزم سيبويه من اعتل بتكرير الظرف أن يجيز النصب في قوله "عَلَيْكَ زَيْدٌ حَرِيصٌ عَلَيْكَ" فينصب حريص لتكرير الظرف، وهذا لا يجوز.
* *
ثم قال: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ﴾.
أي: لو أنزل الله عز وجل هذا القرآن على جبل وهو حجر أصم لرأيته يا محمد على قساوته وشدته متذللاً متضرعاً حذراً من ألا يؤدي حق الله عز وجل المفترض عليه، وقد أنزل على ابن آدم وَمعه فهم وإدراك وهو مستخف بحقه لاه عما فيه.
قال قتادة: فعذر الله عز وجل الجبل الأصم ولم يعذر أشقياء بني آدم، فهل رأيتم أحداً تصدعت جوارحه من خشية الله سبحانه.
وقيل: المعنى: لو أنزلنا هذا القرآن (على جبل) على عظمته وشدته وجعلنا فيه ما يميز: لذل وخضع.
* *
ثم قال: ﴿وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: نمثل لهم لعلهم يتفكرون فيها فيعتبروا ويزدجروا.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾ أي: (الذي يتصدع الجبل له ويذل من خشيته) هو الله الذي لا معبود تجب له العبادة غيره، يعلم السر والجهر وما غاب وما ظهر، وهو الرحمن الرحيم.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ﴾ أي: لا معبود بحق غيره.
﴿ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ﴾ أي: الذي لا ملك فوقه، والقدوس في قول قتادة: المبارك.
وقيل: ﴿ٱلْقُدُّوسُ﴾ القدوس: المطهر مما نسبه إليه المشركون (والقدس: الطهر).
والأرض المقدسة: المطهرة.
وقرأ أبو الدينار الأعرابي: القَدوس بفتح القاف كسَمُّور وشَبُّوط.
* *
وقوله: ﴿ٱلسَّلاَمُ﴾ أي: ذو السلامة من جميع الآفات.
* *
وقوله: ﴿ٱلْمُؤْمِنُ﴾ أي: الذي أَمِن عباده من جَوره.
وقيل: معناه: الذي يصدق عباده المؤمنين إذا شهدوا على الناس.
* *
وقوله: ﴿ٱلْمُهَيْمِنُ﴾ قال ابن عباس: هو الأمين، وعنه: الشهيد.
وقال أبو عبيدة: الرقيب الحفيظ.
وقال المبرد: أصله المؤيمن ثم أبدل من الهمزة هاء.
* *
وقوله: ﴿ٱلْعَزِيزُ ٱلْجَبَّارُ﴾ أي: ذو العزة والمنع، الذي يجبر خلقه على ما يشاء من "أجبر"، وهذا قول مردود، لأن "فعالاً" لا يكون من "أفعل" ولكنه من "جَبَرَ الله خلْقَه: إذا نَعَشَهُم".
وقيل: هو من جبرت العظم: فجبر.
وقيل: هو من تجبر النخل: إذا علا وفات اليد.
* *
وقوله: ﴿ٱلْمُتَكَبِّرُ﴾ معناه العلي فوق خلقه.
وقال قتادة: المتكبر: تكبر عن كل سوء.
* *
وقوله: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تنزيهاً له، وبراءة مما يقول المشركون.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَالِقُ ٱلْبَارِىءُ﴾ أي: هو الله الذي خلق الخلق، وبرأهم فأوجدهم. ﴿ٱلْمُصَوِّرُ﴾ أي: الذي صورهم في الأرحام كيف يشاء.
وقيل: معنى خلق الخلق: قدره وبرأهم: سواهم وعدلهم، وصورهم بعد ذلك.
* *
ثم قال: ﴿لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ وهي تسعة وتسعون اسماً قد اختلف الناس فيها.
* *
ثم قال: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: يصلي ويسجد له طوعاً وكرهاً كل ما في السماوات والأرض من الخلق.
﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ أي: العَزِيزُ في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبيره خلقه، وقيل حكيم بمعنى حاكم، وقيل بمعنى محكم.
الحشر 59:24
قوله: ﴿كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَانِ﴾ إلى آخر السورة الآيات.
قد ذكرنا الكاف في ﴿كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ والمعنى: مثل هؤلاء المنافقين في وعدهم اليهود بالنصر، وإخلافهم إياهم وتبريهم منهم لما أجلوا من ديارهم، كمثل الشيطان الذي غر الإنسان ووعده على كفره النصر ثم تبرأ منه لما كفر وأسلمه.
روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: "إن راهباً تعَبَّد ستين سنة وأن الشيطان أراده وأعياه، فعَمَد إلى امرأة فأجَنَّها ولها إخوة، فقال لإخوتها عليكم بهذا القس فيداويها، قال فجاءوا به إليها فداواها، وكانت عنده، فبينما هو يوماً عندها إذ أعجبته فأتاها فحملت، فعمد إليها فقتلها، فجاء إخوتها، فقال الشيطان للراهب أنا صاحبك، إنك أعييتني، أنا صنعت هذا بك، فأطِعني أُنجك ممّا صنعت بك، أسجد لي سجدة، فسجد [له]، فلما سجد له قال: ﴿إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنكَ إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ﴾.
وعن ابن مسعود أنه قال: كانت امرأة ترعى غنماً، وكان لها أربعة إخوة، وكانت تأوي بالليل إلى صومعة راهب، فنزل الراهب ففجر بها، فحملت، فأتاه الشيطان فقال: اقتلها ثم ادفنها، فإنك رجل مصدق يقبل قولك، فقتلها ثم دفنها. قال: فأتى الشيطان إخوتها في المنام، فقال لهم: إن الراهب صاحب الصومعة فجر بأختكم، فلما أحبلها قتلها ثم دفنها في مكان كذا وكذا، فلما أصبحوا قال رجل منهم: والله لقد رأيت البارحة رؤيا ما أدري أقصها عليكم أم أترك، فقالوا: لاَ بَلْ قُصَّها علينا، فَقَصَّهَا، فقال الآخر: وأنا والله لقد رأيت ذلك، وقال الآخر مثل ذلك، فقالوا: والله ما هذا إلا لشيء. فانطلقوا فاستعدوا ملكهم على ذلك الراهب، فأتوه فأنزلوه ثم انطلقوا به، فلقيه الشيطان، فقال: إني أنا الذي أوقعتك في هذا ولن ينجيك منه غيري، فاسجد لي سجدة واحدة وأنجيك مما أوقعتك فيه، قال: فسجد له. فلما أتوا ملكهم تبرأ منه وأخذ فقتل.
وقول الشيطان: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ (رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ)﴾ إنما هو على طريق التبرؤ من الإنسان، لأنه لا يخاف الله على الحقيقة، لأنه لو خافه ما عصاه، ولو خافه لكان ذلك مدحاً له.
وعن ابن عباس: أن راهباً من بني إسرائيل تعبد فأحسن عبادته، وكان يُؤتى من كل أرض فيُسأل عن الفقه، وكان عالماً، وأن ثلاثة أخوة كانت لهم أخت حسنة من أحسن النساء، وأنهم أرادوا سفراً، فكبر عليهم أن يخلفوها ضائعة، فجعلوا يأتمرون ما يفعلون بها، فقال أحدهم أنا أدلكم على من تتركونها عنده، قالوا من هو، قال راهب بني إسرائيل إن ماتت قام عليها وإن عاشت حفظها حتى ترجعوا إليها، فعمدوا إليه، فقالوا: إنا نريد السفر، ولا نجد أحداً أوثق منك في أنفسنا، ولا أحفظ لها ولي منك ولما جعل عندك فإن رأيت أن نجعل أختنا عندك، فإنها ضائعة شديدة الوجع، فإن ماتت فقم عليها، وإن عاشت فأصلح إليها حتى نرجع.
فقال: أكفيكم إن شاء الله، فانطلقوا وقام عليها فداواها حتى برئت وعاد إليها حسنها، فأطلع إليها فوجدها متصنعة، فلم يزل به الشيطان يزين له أن يقع عليها حتى وقع عليها، فحملت ثم قدمه الشيطان، فزين له قتلها وقال: إن لم تقتلها افتضحت وعُرِف شبيهك في الولد، فلم تكن لك معذرة فلم يزل به حتى قتلها. فلما قدم إخوتها قالوا له: ما فعلت فلانة قال ماتت فدفنتها قالوا أحسنت، ثم جعلوا يرون في المنام ويخبرون أن الراهب هو قتلها، وأنها تحت شجرة كذا وكذا، فعمدوا إلى الشجرة فوجدوها تحتها قد قتلت، فعمدوا إليه فأخذوه، فقال له الشيطان: أنا زينت لك الزنا (وقتلَها بعد الزنى)، فهل لك أن أنجيك، قال: نعم (قال: أفتطيعني؟ قال: نعم) قال: فاسجد لي سجدة واحدة، فسجد له ثم قتل.
وقال مجاهد: الإنسان هنا عنى به الإنسان كلهم في غرور الشيطان إياهم وتبريه منهم، كما غر المنافقون اليهود ووعدوهم بالنصر، ثم (تبرءوا) منهم وأسلموهم.
ثم قال تعالى : ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾.
أي اتقوه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، ولينظر أحدكم ما قدم لمماته من العمل الصالح والعمل السيء.
قال قتادة: ما زال ربكم يقرب الساعة حتى جعله كغد، فغد يوم القيامة.
وقاله الضحاك وابن زيد وقالا: الأمس الدنيا، وغداً الآخرة.
* *
ثم قال: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي وخافوه بإداء فرائضه واجتناب معاصيه، إنه ذو خبر بجميع أعمالكم، فيجازيكم عليها، وكرر هذا اللفظ للتأكيد.
* *
ثم قال: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ﴾ أي تتركوا أمره ونهيه، فتعدوا حدوده.
﴿فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ أي أنساهم حظوظ أنفسهم من عمل الخيرات، فعلى هذا القول الأول يكون النسيان الأول من الترك، والثاني من النسيان المعروف، وقيل مما من الترك، والمعنى تركوا أمر الله فتركه ثوابهم، وهو عند بعض أهل اللغة غلط، لا يقال أنسي عن الترك، وإنما يصح مثل هذا في قوله ﴿نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧].
وقيل معنى فأنساهم (وجدهم كذلك)، كما يقال أحمدته، فيكون "أنفسهم" على هذا تأكيداً، وعلى قول الأول مفعولاً به.
* *
ثم قال ﴿أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ﴾ أي الخارجون عن طاعة الله (عز وجل).
* *
ثم قال ﴿لاَ يَسْتَوِيۤ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ﴾ أي لا يعتدلون في الجزاء وفي النعيم.
﴿أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ﴾ أي الناجون مما حذروا.
﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِي ٱلنَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: فكانت عقبى الشيطان والإنسان: الخلود في نار جهنم.
﴿وَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلظَّالِمِينَ﴾ أي: فالخلود في النار جزاء الظالمين المنافقين واليهود [من] بني النضير ومن كان مثلهم.
والنصب في "خالدين" والرفع سواء عند سيبويه، لا يغلب النصب على الرفع لأجل تكرير الظرف.
ومذهب الفراء أن النصب أحسن، لئلا يلغى الظرف مرتين.
وألزم سيبويه من اعتل بتكرير الظرف أن يجيز النصب في قوله "عَلَيْكَ زَيْدٌ حَرِيصٌ عَلَيْكَ" فينصب حريص لتكرير الظرف، وهذا لا يجوز.
* *
ثم قال: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ﴾.
أي: لو أنزل الله عز وجل هذا القرآن على جبل وهو حجر أصم لرأيته يا محمد على قساوته وشدته متذللاً متضرعاً حذراً من ألا يؤدي حق الله عز وجل المفترض عليه، وقد أنزل على ابن آدم وَمعه فهم وإدراك وهو مستخف بحقه لاه عما فيه.
قال قتادة: فعذر الله عز وجل الجبل الأصم ولم يعذر أشقياء بني آدم، فهل رأيتم أحداً تصدعت جوارحه من خشية الله سبحانه.
وقيل: المعنى: لو أنزلنا هذا القرآن (على جبل) على عظمته وشدته وجعلنا فيه ما يميز: لذل وخضع.
* *
ثم قال: ﴿وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: نمثل لهم لعلهم يتفكرون فيها فيعتبروا ويزدجروا.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾ أي: (الذي يتصدع الجبل له ويذل من خشيته) هو الله الذي لا معبود تجب له العبادة غيره، يعلم السر والجهر وما غاب وما ظهر، وهو الرحمن الرحيم.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ﴾ أي: لا معبود بحق غيره.
﴿ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ﴾ أي: الذي لا ملك فوقه، والقدوس في قول قتادة: المبارك.
وقيل: ﴿ٱلْقُدُّوسُ﴾ القدوس: المطهر مما نسبه إليه المشركون (والقدس: الطهر).
والأرض المقدسة: المطهرة.
وقرأ أبو الدينار الأعرابي: القَدوس بفتح القاف كسَمُّور وشَبُّوط.
* *
وقوله: ﴿ٱلسَّلاَمُ﴾ أي: ذو السلامة من جميع الآفات.
* *
وقوله: ﴿ٱلْمُؤْمِنُ﴾ أي: الذي أَمِن عباده من جَوره.
وقيل: معناه: الذي يصدق عباده المؤمنين إذا شهدوا على الناس.
* *
وقوله: ﴿ٱلْمُهَيْمِنُ﴾ قال ابن عباس: هو الأمين، وعنه: الشهيد.
وقال أبو عبيدة: الرقيب الحفيظ.
وقال المبرد: أصله المؤيمن ثم أبدل من الهمزة هاء.
* *
وقوله: ﴿ٱلْعَزِيزُ ٱلْجَبَّارُ﴾ أي: ذو العزة والمنع، الذي يجبر خلقه على ما يشاء من "أجبر"، وهذا قول مردود، لأن "فعالاً" لا يكون من "أفعل" ولكنه من "جَبَرَ الله خلْقَه: إذا نَعَشَهُم".
وقيل: هو من جبرت العظم: فجبر.
وقيل: هو من تجبر النخل: إذا علا وفات اليد.
* *
وقوله: ﴿ٱلْمُتَكَبِّرُ﴾ معناه العلي فوق خلقه.
وقال قتادة: المتكبر: تكبر عن كل سوء.
* *
وقوله: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تنزيهاً له، وبراءة مما يقول المشركون.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَالِقُ ٱلْبَارِىءُ﴾ أي: هو الله الذي خلق الخلق، وبرأهم فأوجدهم. ﴿ٱلْمُصَوِّرُ﴾ أي: الذي صورهم في الأرحام كيف يشاء.
وقيل: معنى خلق الخلق: قدره وبرأهم: سواهم وعدلهم، وصورهم بعد ذلك.
* *
ثم قال: ﴿لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ وهي تسعة وتسعون اسماً قد اختلف الناس فيها.
* *
ثم قال: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: يصلي ويسجد له طوعاً وكرهاً كل ما في السماوات والأرض من الخلق.
﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ أي: العَزِيزُ في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبيره خلقه، وقيل حكيم بمعنى حاكم، وقيل بمعنى محكم.
الممتحنة 60:1
﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ﴾ الآية.
أي: يأيها الذين صدقوا محمداً وما جاء به لا توالوا المشركين ولا تناصحوهم ولا تودوهم، يعني أهل مكة (وهم من) كفروا بما جاءكم من الحق، يعني القرآن.
﴿يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ يعني: من مكة من أجل إن آمنتم بالله ربكم.
﴿إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِي﴾ أي: إن كنتم على صحة ويقين اعتقاد أنكم خرجتم جهاداً مجاهدين في الله عز وجل، وابتغاء مرضاته سبحانه فلا تودوا المشركين وتناصحوهم وتسرون إليهم بالمودة.
﴿وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ﴾ أي: بسركم وعلانيتكم في مناصحتكم وصحبتكم لهم وغير ذلك.
﴿وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾ أي: ومن يودهم وينصحهم فقد جار عن قصد الطريق المستقيم.
والباء في "بِالمَوَدَّةِ" زائدة عند الفراء، وهي متعلقة بالمصدر عند البصريين.
ويروى أن هذه الآية [نزلت] في شأن حاطب بن أبي بلتعة كان قد كتب إلى مشركي مكة يطلعهم على أمر النبي ﷺ وخروجه إليهم.
قال علي رضي الله عنه: بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد فقال انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها، قال فانطلقنا نتعادى حتى أتينا الروضة فإذا نحن بالظعينة فقلنا أخرجي الكتاب، قالت ما معي كتاب، فقلنا لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب، وقال علي لها: والله ما كذب رسول الله ﷺ قال فأخرجته من عقاصها فأتينا به رسول الله ﷺ، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ، فقال النبي ﷺ: يا حاطب ما هذا؟ فقال: يا رسول الله لا تعجل علي أني كنت أمراً ملحقاً إلى قريش ولم أكن من أنفسها وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم، فأحببتُ إِذا فاتني ذلك النسب أن أتخذ عندهم يداً يحمونني بها في قرابتي ولم أرد ارتداداً عن ديني ولا رضى بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله ﷺ أما أنه قد صدقكم، فقال عمر، دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق. فقال: أما أنه شهد بدراً، فقال اعملُوا ما شئتم فقد غفرت لكم، قال سفيان:
فنزلت هذه الآية: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾ إلى قوله: ﴿سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾
ومعنى: ﴿وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ﴾ أي: في المستقبل، وقد ذكر معنى هذا الحديث عروة بن الزبير وابن عباس وقتادة ومجاهد (أن مجاهداً قال: نزلت) في ابن بلتعة وقوم معه كتبوا إلى أهل مكة يحذرونهم.
ويروى: أنه كان في كتابه إلى أهل مكة أن [رسول الله ﷺ يريد غزوكم مثل الليل والسيل وأقسم بالله] لو غزاكم وحده لنصره الله عليكم فكيف وهو في جمع كثير.
ويروى: أنه خاطب أهل مكة يخبرهم بقصد النبي ﷺ إليهم فقال له النبي ﷺ ما حملك على هذا، فقال: والله يا رسول الله ما نافقت منذ أسلمت، ولكن لي بمكة أهل مستضعفون ليس لهم من يعرفهم ويذب عنهم، فكتبت كتابي هذا أتقرب به من قلوبهم وأنا أعلم أنه لا ينفعهم وأن الله بالغ أمره، فعذره النبي ﷺ وصدقه، وأراد عمر ضرب عنقه فقال له النبي ﷺ ما يدريك يا عمر لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم
قال أبو حاتم: ليس من أولها وقف تام إلى ﴿وَمَآ أَعْلَنتُمْ﴾.
وقال محمد بن عيسى: ﴿أَوْلِيَآءَ﴾ وقف، وقال غيره: إن جعلت ﴿تُلْقُونَ﴾ نعتاً "لأولياء" لم تقف على "أولياء" وإن جعلته مبتدأ وقفت على "أولياء".
وقال القتبي: ﴿بِٱلْمَوَدَّةِ﴾: التمام.
[قال يعقوب]: و ﴿وَإِيَّاكُمْ﴾ وقف كاف.
وقال أبو حاتم: هو وقف بيان.
قال القتبي: هو تمام، ولا يصح هذا لأن "وَإِنْ تُؤْمِنُوا" معمولة "ليخرجون".
الممتحنة 60:2
قال: ﴿إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَآءً﴾ أي: أن يصادفكم هؤلاء الذين تودون إليهم بالمودة يكونوا لكم حرباً، ويبسطوا إليكم أيديهم بالقتل وألسنتهم بالشتم، وودوا لو تكفرون فتصيرون مثلهم.
الممتحنة 60:3
قال: ﴿لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ﴾ أي: لن تنفعكم عند الله يوم القيامة أقرباؤكم ولا أولادكم الذين من أجلهم ناصحتم المشركين، وكتبتم إليهم بالمودة فيكون العامل في الظرف: ينفعكم.
وقيل: العامل فيه "يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ" ومعنى يفصل بينكم؛ أي: يدخلكم الجنة ويدخل الكفار النار.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: ذو علم وبصر بجميع أعمالكم، وهو مجازيكم عليها فاتقوا الله في أنفسكم.
الممتحنة 60:4
قال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ﴾ الآية.
أي: قد كانت لكم أيُّها المؤمنون قدوة حسنة تقتدون بها في إبراهيم ﷺ خليل الرحمن عز وجل والذين معه.
قال ابن زيد هم الأنبياء إذ قالوا لقومهم يعني الكفار: ﴿إِنَّا بُرَءآؤُاْ مِّنْكُمْ﴾ أي: متبرئون منكم ومما تعبدون من دون الله من الأصنام.
﴿كَفَرْنَا بِكُمْ﴾ أي: أنكرنا ما أنتم عليه من الكفر.
﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةُ وَٱلْبَغْضَآءُ أَبَداً﴾ أي: وظهرت بيننا وبينكم العداوة والبغضاء على كفركم أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده فتفردوه بالعبادة.
* *
ثم قال: ﴿إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ﴾ أي: قد كانت لكم أسوة حسنة في هؤلاء المذكورين إلا في قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك فإنه لا أسوة لكم في ذلك، لأن ذلك كان من إبراهيم لأبيه عن موعدة وعدها إياه قبل أن يتبين له أنه عدو الله، وذلك أن أبا إبراهيم وعد إبراهيم أن يؤمن، فكان إبراهيم يدعو له ويقول: اللهم اهد أبي، فلما مات على الكفر تبرأ منه وهو قوله: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ﴾ [التوبة: ١١٤] وكذلك أنتم أيُّها المؤمنون يجب لكم أن تتبرءوا من أعداء الله المشركين به ولا تتخذوهم أولياء حتى يؤمنوا.
قال مجاهد: نُهوا أن يتأسوا باستغفار إبراهيم لأبيه فيستغفروا لآبائهم المشركين، وهو معنى قول قتادة ومعمر وابن زيد.
* *
وقوله: ﴿إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ﴾ استثناء ليس من الأول.
* *
ثم قال: ﴿وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ [أي: ما أدفع عنك عقوبة الله لك على كفرك، ثم قال:]
* *
﴿رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ﴾.
أي: عليك توكلنا في جميع أمورنا، وإليك رجعنا وتبنا مما تكره إلى ما تحب وترضى.
﴿وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: مصيرنا يوم القيامة.
الممتحنة 60:5
قال: ﴿رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ هذا كله حكاية عن قول إبراهيم عليه السلام، أي: لا تعذبنا بأيدي الكافرين، ولا بعذاب من عندك فيفتتن الكفار ويقولون: لو كانوا على حق ما أصابهم هذا.
قال قتادة: معناه لا تظهر الكفار علينا فيفتتنوا بذلك.
وقال ابن عباس: معناه: لا تسلطهم علينا فيفتتنوا.
﴿وَٱغْفِرْ لَنَا رَبَّنَآ﴾ أي: أستر علينا ذنوبنا بعفوك عنها.
﴿إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ أي: أنت الشديد الانتقام من أعدائك، الحكيم في تدبيرك خلقك.
الممتحنة 60:6
قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ أي: قدوة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُو ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ﴾ أي: القدوة بإبراهيم ومن معه إنما هي لمن آمن بالله ورجا ثوابه، وخاف عقابه، وآمن باليوم الآخر فهو بدل بإعادة الجار.
* *
ثم قال: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ﴾ أي: ومن يتول عن الاقتداء بإبراهيم والأنبياء معه (صلى الله عليهم وسلم) فيخالف سيرتهم وفعلهم فإن الله هو الغني عن اقتدائه بهم، الحميد عند أهل المعرفة به.
الممتحنة 60:7
قال: ﴿عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً﴾.
[أي]: عسى الله أن يوفق من عاديتم فيه عن المشركين إلى الإيمان فتعود العداوة (مودة) ففعل ذلك سبحانه.
وَ ﴿عَسَى﴾ من الله: واجبة، فأسلم كثير منهم، وصاروا إخواناً لمن كان يعاديهم، وكانت المودة بعد الفتح وقبله.
(وروي: أن هذه الآية نزلت على النبي ﷺ في أبي سفيان، جعل بينه وبين أبي سفيان مودة بأن تزوج ابنته أم حبيبة، بعد العداوة التي كانت بينهما وقبله).
قال ابن عباس: كانت المودة بعد الفتح، تزوج النبي ﷺ أم حبيبة.
﴿وَٱللَّهُ قَدِيرٌ﴾ أي: ذو قدرة على ما يشاء.
﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي: ذو ستر على ذنوب من أناب وآمن وذو رحمة بهم أن يعذبهم على ذنوبهم بعد أيمانهم وتوبتهم منها.
الممتحنة 60:8
قال: ﴿لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ...﴾ الآية.
قيل: أن هذه الآية إنما هي في الذين آمنوا بمكة ولم يهاجروا، سمح الله عز وجل للمؤمنين بالمدينة أن يبروهم ويحسنوا إليهم، فهي مخصوصة محكمة قاله مجاهد. وقيل هي منسوخة بآية السيف، قاله قتادة وابن زيد.
وقيل: هي مخصوصة في حلفاء بينهم وبين النبي ﷺ عهد من المشركين لم ينقضوه، وهم خزاعة، قاله أبو صالح.
وقال الحسن: خزاعة وبنو عبد الحارث بن عبد مناف، فسمح لهم أن يبروهم ويحسنوا إليهم، ويفوا لهم بالعهد.
وقيل: الآية عامة محكمة في كل من بينك وبينه قرابة، جائز بره والإحسان إليه إذا لم يكن في ذلك ضرر على المسلمين وإن كان مشركاً، ولا يجب قتال من لم يقاتلك من الكفار حتى تدعوه إلى الإسلام فإن أبى فاقتله.
الممتحنة 60:9
قال: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ﴾ الآية: إنما ينهاكم الله عن مودة من قاتلكم في الدين، وأخرجك من بيته في الدين، يعني بذلك كفار أهل مكة، قال مجاهد.
الممتحنة 60:10
قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ (من دار الحرب) ﴿فَٱمْتَحِنُوهُنَّ ٱللَّهُ﴾.
أي: إذا جاءكم النساء مهاجرات من دار الحرب فامتحنوهن، وكانت محنة النبي ﷺ لهن أن يحلفن بالله ما خرجت من بغض زوج، وبالله ما خرجت رغبة عن أرض إلى أرض، وبالله ما خرجت التماس الدنيا، وبالله ما خرجت (إلا حباً لله ولرسوله).
وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ إنما كان يمتحنهن بآخر السورة.
* *
قوله: ﴿عَلَىٰ أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِٱللَّهِ شَيْئاً﴾ إلى قوله: ﴿مَعْرُوفٍ﴾
قالت: فمن أقر بهذا من المؤمنات فقد أقر بالمحنة، وإذا أقررن بذلك قال لهن النبي ﷺ إنطلقن فقد بايعتكن، قالت ولا والله ما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة قط غير أنه يبايعهن بالكلام، قالت فما أخذ رسول الله ﷺ على النساء إلا ما أمره الله به.
وعن ابن عباس: أن المحنة كانت أن يشهدن أن لا إله إلا الله وأن محمداً (رسول الله).
وقال مجاهد: ﴿فَٱمْتَحِنُوهُنَّ﴾ أي: سلوهن ما جاء بهن، فإن كان جاء بهن غضب على أزواجهن [أو سخط أو غيره، ولم يؤمن، فارجعوهن إلى أزواجهن].
قال قتادة: كانت محنتهن أن يستحلفن بالله ما أخرجهن النشوز وما أخرجهن إلا حب الإسلام (وأهله والحرص عليه)، فإن أقررن بذلك قبِل منهن.
وقال عكرمة: يقال لها ما جاء بك إلا حب الله ورسوله، وما جاء بك عشق رجل منا، ولا فرار من زوجك، فذلك المحنة.
وروى ابن وهب عن رجاله أن قوله: "إِذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ".
نزلت في امرأة حسان بن الدحداحة وهي أميمة بنت بشر امرأة من بني عمرو ابن عوف، وأن سهل بن حنيف تزوجها حين فرت إلى رسول الله ﷺ فولدت له عبد الله بن سهل، وأن قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ﴾ نزل في امرأة لعمر بن الخطاب تركها بمكة كافرة ولم يطلقها حتى نزلت هذه الآية فطلقها عمر فخلف عليها معاوية.
* *
وقوله: ﴿ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ أي: أعلم بمن جاء للإيمان ممن جاء لغير ذلك.
* *
ثم قال: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ﴾ أي: إن أقررن بالمحنة بما عقد عليه الإيمان فلا تردوهن إلى الكفار ، وإنما قيل ذلك للمؤمنين، لأن العهد كان بينهم وبين مشركي مكة إذ صد النبي ﷺ عن البيت في صلح الحديبية أن يرد المسلمون إلى المشركين من جاء منهم إلى المسلمين مسلماً، فأبطل الله عز وجل ذلك الشرط في النساء إذا جئن مؤمنات ونسخه، وأمرهم ألا يردوا من جاء من النساء مؤمنة، وهذا من نسخ القرآن للسنة.
* *
وقوله: ﴿لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ أي: لا تحل المسلمة للكافر ولا الكافر للمسلمة.
* *
ثم قال: ﴿وَآتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْ﴾ [أي وأعطوا المشركين الذين جاءكم نساؤهم مؤمنات ما أنفقوا] على النساء في الصداق، قاله قتادة ومجاهد وغيرهما.
* *
ثم قال: ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي: لا حرج عليكم أيُّها المؤمنون أن تنكحوا من جاءكم من المؤمنات المهاجرات إذا أعطيتموهن مهورهن.
وكان الزهري: يقول إنما أمر الله جل ذكره بِرد صدقاتهن إليهن إذا (حبسن عنهم) إذا هم ردوا على المسلمين من حبسن عنهم من نسائهم.
وقال الشافعي: ﴿وَآتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْ﴾ منسوخ، واحتج من قال بهذا القول أن النبي ﷺ لما أمر أن (ترد عليهم) صدقات النساء المهاجرات إليه، المؤمنات قد شرط لهم رد النساء على كل حال، فأمر الله ألا يردهن إليهم إذا أتين مؤمنات، وجعل رد الصداق عوضاً من ردهن [ليتم] العهد الذي بينه وبين قريش، فإذا لم يكن عهد مثل ذلك في الرد وأتت امرأة من عند المعاهدين مؤمنة لم يلزم أن يرد عليهم صداقها، فإن كان العهد مثل عهد النبي ﷺ لقريش، لم يلزم أيضاً أن يرد عليهم صداقها، لأن الشرط في النساء قد أبطله الله، فهو منسوخ باطل ولا عوض للباطل، مع أنه لا يجوز أن يشترط إمام في العهد رد النساء بحكم الله، وإذا لم يشترط ذلك فلم يلزم رد الصداق، لأن الصداق إنما كان عوضاً عن شرط قد وقع، ثم نزل القرآن بعده فنسخه، فإذا لم يجز عقد ذلك الشرط لم يجز العوض منه، فهو كله منسوخ بحكم الله عز وجل في منع رد النساء المؤمنات إليهم.
ومذهب مالك أن الصلح على رد الرجال إليهم جائز.
ومذهب الكوفيين أنه منسوخ ولا يجوز.
* *
ثم قال: ﴿وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ﴾ أي: لا تمسكوا بعقد نكاح الكوافر من غير أهل الكتاب، فهي مخصوصة.
وقيل هو عام نسخ منه أهل الكتاب بقوله: ﴿وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥].
ولما نزلت هذه الآية طلق المؤمنون كل امرأة مشركة لهم في مكة، منهم عمر وغيره.
* *
ثم قال: ﴿وَاسْأَلُواْ مَآ أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُواْ مَآ أَنفَقُواْ﴾ هذا خطاب للمؤمنين الذين ذهب نساؤهم إلى المشركين (فأمرهم الله أن يطلبوا صدقات نسائهم من المشركين ويدفعوا إلى المشركين صدقات من جاء من النساء مؤمنات، يعني من تزوج منهن في مكة أو في المدينة، فإذا تزوجت المهاجرة من عند المشركين بالمدينة وجب على زوجها [أن يرد الصداق على زوجها] الذي كان لها بمكة، وإذا تزوجت المرأة التي تخرج إلى المشركين بمكة وجب أن يطلب زوجها المؤمن صداقها الذي دفع إليها من المشركين.
قال ابن شهاب: أقر المؤمنون بحكم الله عز وجل، فأدوا صدقات من تزوجوا ممن جاءهم من النساء مهاجرات مؤمنات، وابى المشركون أن يقروا بحكم الله سبحانه من أداء صدقات من تزوجوا من النساء اللواتي فررن إليهم من عند المسلمين، هذا معنى قوله.
وهذا حكم أطلع الله عز وجل المؤمنين عليه ولم يأمر به الكفار لأنهم لا يأتمرون (بهذا وهو مثل قوله: ﴿وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ﴾ [المائدة: ٥] فهو حكم أطلع الله عز وجل المؤمنين عليه) وإن كان الذين أوتوا الكتاب لا يأتمرون بذلك ولا يحلون لأنفسهم طعام المؤمنين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ ٱللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ أي: هذا الذي حكمته بينكم هو حكم الله عز وجل فيكم وفيهم، فاتبع المؤمنون الحكم وامتنع منه المشركون، وطالبوا النبي وأصحابه برد النساء على ما عقد عليه العهد فلما امتنع المشركون من رد صدقات نساء المؤمنين أنزل الله جل ذكره.
الممتحنة 60:11
﴿وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى ٱلْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُواْ ٱلَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِّثْلَ مَآ أَنفَقُواْ﴾.
هذا قول الزهري، فأمرهم الله عز وجل إذا غنموا من المشركين غنيمة، وصارت لهم على المشركين عقبى خير، أن يدفعوا إلى من ذهبت امرأته إلى المشركين صداقه الذي كان دفع إليها من الغنيمة إذ قد امتنع المشركون من رد الصداق.
وقال مجاهد وقتادة: هذا إنما هو فيمن فر من نساء المؤمنين إلى الكفار الذين ليس بينهم وبين المؤمنين عهد ولا صلح.
ومعنى: ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾ أي: فأصبتم عقبى خير من غنيمة.
وقال الأعمش: هي منسوخة.
وقيل: معناه: أن الله عز وجل أمر المؤمنين أن يعطوا لمن ذهبت زوجته إلى المشركين من صدقات المهاجرات إليهم من عند المشركين، فإن بقي في أيدي المؤمنين فضل من الصدقات ردوه إلى المشركين، هذا كله معنى قول الزهري.
وقال غيره: إنما أمروا أن يدفعوا إلى من ذهبت زوجته إلى المشركين من غنيمة وفيء إذا افتتح عليهم به، وهو قول (مجاهد وقتادة). وأكثر العلماء على أن هذا الحكم منسوخ، لأنه إنما كان مخصوصاً في ذلك العهد بعينه.
قال الزهري: انقطع هذا يوم الفتح.
وقال قتادة: نسخ الله عز وجل هذا في سورة براءة.
وقال الثوري: لا يعمل به اليوم.
وعن عائشة رضي الله عنها: أن هذه الآية ﴿وَاسْأَلُواْ مَآ أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُواْ مَآ أَنفَقُواْ﴾ لما نزلت كتب المسلمون إلى المشركين أن الله عز وجل قد حكم بكذا وكذا ونصوا الآية، فكتب إليهم المشركون: أما نحن فلا نعلم لكم عندنا شيئاً، فإن كان لنا عندكم شيء فوجهوا به، فأنزل الله: "وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ" ... الآية.
الممتحنة 60:12
قال:
﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِٱللَّهِ شَيْئاً وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ﴾ الآية. أمر الله نبيه عليه السلام أن يقبل من جاءه من المهاجرات من عند المشركين إذا أقررن بأنهن لا يشركن بالله ولا يسرقن ولا يزنين.
* *
وقوله: ﴿وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَٰنٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ معنى: بين أيديهن: ما كان من قبلة حرام أو جسة أو أكل حرام.
ومعنى: بين أرجلهن: الجماع ونحوه من حرام.
وقيل: بين أيديهن: يعني ألسنتهن وأرجلهن: فروجهن.
وقيل معناه: ولا يلحقن بأزواجهن ولداً من غيرهم.
﴿وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ أي: يطعنك فيما تأمرهن به.
وقيل هو ألا ينُحْن، قاله ابن عباس، وقال أنس بن مالك.
وقال زيد بن أسلم: هو ألا يخمشن وجهاً، ولا يشققن جيباً، ولا يدعون ويلا، ولا ينشدن شعراً.
قال قتادة: ذكر لنا أن النبي ﷺ أخذ عليهن النياحة وأَلاَّ يحدثن الرجال إلا رجال ذَوُو محرم منهن
وروى ابن المنكدر: "أن نساء جئن إلى النبي ﷺ يبايعنه فقال في ما استطعتن وأطقتن، فقلن الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا
وهذه الشروط كلها ليست على الإلزام، إنما هي على الندب، لأن الإجماع على أنه ليس على الإمام أن يشترط هذا على من أتته مؤمنة، فدل هذا على أنه على الندب، وقد قيل أنه منسوخ بالإجماع.
* *
وقوله: ﴿وَٱسْتَغْفِرْ لَهُنَّ ٱللَّهَ﴾ أي: سل الله لهن المغفرة.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي: ذو ستر على ذنوب من أمن وتاب من ذنوبه وذو رحمة به أن يعذبه بعد توبته.
الممتحنة 60:13
قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَوَلَّوْاْ قوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: لا توالوا اليهود ﴿قَدْ يَئِسُواْ مِنَ ٱلآخِرَةِ﴾ قد تركوا العمل لها وآثروا الدنيا.
وقيل: معناه: قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار الأحياء من أمواتهم أن يرجعوا إليهم قاله ابن عباس والحسن.
(وقيل: معناه: كما يئس الكفار من الموتى من الآخرة، لذلك يئس هؤلاء اليهود من الآخرة).
وقال قتادة: معناه: قد يئس اليهود أن يبعثوا كما يئس الكفار أن يرجع إليهم من مات.
وقيل: المعنى: قد يئس اليهود أن يرحمهم الله عز وجل حين رأوا النار، وظهر لهم عملهم كما يئس الكفار أن يرجع إليهم من مات.
وقيل: المعنى: كما يئس الكفار الذين ماتوا أن يرحمهم الله عز وجل حين عاينوا ما عملوا، فكذلك يئس هؤلاء اليهود من رحمة الله سبحانه في القيامة، هذا معنى قول مجاهد وابن زيد وعكرمة.
وقيل: المعنى: كما يئس الكفار الذين في القبور أن يرجعوا إلى الدنيا. "فمن" على الأقوال للتعدية، وعلى هذه الأقوال لإبانة الجنس.
الصف 61:1
قوله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ الآيات.
معناه صلى وسجد لله طائعاً أو كارهاً ما في السماوات وما في الأرض.
﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ أي: العزيز في انتقامه ممن عصاه، الحكيم في تدبيره خلقه.
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ هذا تأديب وتوبيخ للمؤمنين، وروي عن ابن عباس أنهم كانوا يقولون قبل أن يفرض الجهاد لو نعلم (أحب الأعمال) إلى الله عز وجل لأتيناه ولو ذهبت فيه أنفسنا وأموالنا فلما كان يوم أحد تولوا عن النبي ﷺ حتى شُج وكُسرت رباعيته، فَعَذلَهُم الله عز وجل على ذلك بهذه الآية.
* *
وقوله: ﴿أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ "أَنْ" في موضع رفع بالابتداء، كما تقول نِعمَ رجلاً زيداً وفي موضع رفع على إضمار مبتدأ.
فالمعنى: لِمَ تقولون قولاً ولا تصدقوه بالفعل، عظم المقت عند الله مقتاً قولكم ما لا تفعلون.
وعن ابن عباس: أن ناساً من المؤمنين كانوا يقولون قبل فرض الجهاد لوددنا أن الله دلنا على أحب الأعمال إليه فنعمل به، فأخبر الله عز وجل نبيه ﷺ أن أحب الأعمال إليه. إيمان بالله لا شك فيه، وجهاد أهل معصيته الذين لم يقروا به، فلما نزل الجهاد، كره ذلك ناس من المسلمين وشق عليهم أمره، فأنزل الله عز وجل هذه الآية.
وقال أبو صالح: قالوا لو كنا نعلم أيُّ الأعمال أحب إلى الله عز وجل وأفضل، فنزلت: [﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ إلى آخر السورة، فكرهوا فنزلت:] ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾.
وقال مجاهد: نزلت في نفر من الأنصار منهم عبد الله بن رواحة، قالوا: في مجلس لو نعلم أيّ الأعمال أحب إلى الله عز وجل لعملناها حتى نموت، فأنزل الله عز وجل فيهم هذا، فقال عبد الله بن رواحة: لا أبرح حبيساً في سبيل الله عز وجل حتى أموت فقُتِل شهيداً رحمه الله.
وقال قتادة: بلغني أنها نزلت في الجهاد، كان الرجل يقول: قاتلت وفعلت ولم يكن فعل، فوعظهم الله عز وجل في ذلك أشد موعظة، وهو قول الضحاك.
وقال ابن زيد: نزلت في قوم من المنافقين كانوا يعدون المؤمنين النصر وهم كاذبون. فيكون التقدير على هذا القول: يأيها الذين حكم لهم بحكم الإيمان.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً﴾ المحبة من الله عز وجل قبول الأعمال، والإثابة عليه، أي: إن الله يقبل عمل الذين يقاتلون أعداءه على الدخول في دينه مصطفين كأنهم بنيان مرصوص، كأنهم في اصطفافهم حيطان مبنية قَدْ رُصَّ بناؤها وأحكم في استوائه.
وقيل: ﴿مَّرْصُوصٌ﴾: بني بالرصاص.
قال قتادة: لا يحب صاحب البنيان أن يختلف بناؤه، كذلك تعالى ذكره لا يختلف أمره.
قال ابن زيد: هؤلاء الذين صدقوا قولهم بأعمالهم، والأولون قوم لم يصدقوا قولهم بأعمالهم، لما خرج النبي ﷺ نكصوا عنه وتخلفوا.
وقيل: أن الآية تدل على أن القتال راجلاً أحب إليه من القتال فارساً.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يٰقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾.
واذكر يا محمد إذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون حقاً أني رسول الله إليكم.
﴿فَلَمَّا زَاغُوۤاْ﴾ أي: عدلوا عن الحق، وجاروا عن الهدى، أزاغ الله قلوبهم؛ أي: أمالها عن الحق، وقيل عن الثواب.
وقال أبو أمامة: هم الخوارج.
وعن سعد بن أبي وقاص: هم الحَرُورِية.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ﴾ (أي: لا يوفق للصواب) من خرج عن الإيمان إلى الكفر.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم﴾.
أي: واذكر يا محمد إذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم ﴿مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ﴾ أي: لما نزل قبلي من التوراة على موسى ومبشراً لكم (برسول من الله) إليكم يأتي من بعدي اسمه أحمد.
* *
ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: فلما جاء أحمد لبني إسرائيل بالعلامات الظاهرات الدالات على نبوته، قالوا هذا الذي جئتنا به سحر ظاهر، ومن قرأ "ساحر" فمعناه: قالوا هذا الذي جاءنا هو ساحر بين.
* *
ثم قال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ﴾ أي: لا أحد أظلم ممن اخترق على الله سبحانه الكذب، وهو قولهم للنبي ﷺ، ساحر وشاعر إذ دعاهم إلى الإسلام، يقولون له ذلك حين دعاهم إلى الدخول في الإسلام.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾ أي: لا يوفقهم إلى الهدى.
* *
ثم قال: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ﴾ أي: يريد هؤلاء القائلون لمحمد ﷺ لما دعاهم إلى الإسلام ساحر وشاعر ليبطلوا الحق الذي جاءهم به من عند الله عز وجل بقولهم إنه ساحر وأن ما جاء به سحر.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ أي: مُعل دينه على سائر الأديان، ومظهر نبيه ﷺ على من عاداه، وعنى بالنُّورِ هنا الإسلام، ولو كره ذلك الكافرون بالله سبحانه فلا بد له من إمضاء مراده في إعلاء كلمته.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ﴾ أي: الله الذي أرسل محمداً ﷺ بالهدى، وهو بيان الحق ودين الحق، وهو دين الله عز وجل يعني به الإسلام.
﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ﴾ أي: ليظهر دينه وهو الإسلام على الأديان كلها ويعليه، وذلك فيما روي عند نزول عيسى ﷺ تصير الملة واحدة، فَلاَ يكون دين غير دين الإسلام.
روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ﴾ هو خروج عيسى بن مريم ﷺ.
وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله ﷺ لا يذهب الليل والنهار حتى تُعبد اللات والعزى، قالت: فقلت يا رسول الله إن كنت لأَظن حين أنزل الله عز وجل ﴿هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ﴾ أن: ذلك سيكون تاماً، فقال أنه سيكون ذلك ما شاء الله ثم يبعث الله عز وجل ريحاً طيبة فيتوفى من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من خير، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
أي: ينجيكم قبولها والعمل بها من عذاب مؤلم، أي: موجع، ثم بين التجارة ما هي، فقال:
﴿تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ أي: تدومون على الإيمان بالله ورسوله، وتجاهدون أعداء الله بأموالكم وأنفسكم.
ويروى أن أصحاب النبي ﷺ قالوا: لوددنا أن نجد عملاً نعمله يدخلنا الله به الجنة، فنزلت الآية.
* *
ثم قال: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: قبول ذلك وفعله خير لكم عاقبة إن كنتم تعلمون حسن العاقبة من سوئها.
* *
ثم قال: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ جزم "يغفر" لأنه جواب لتؤمنوا بالله لأنه بمعنى الإلزام كأنه قال: آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم يغفر لكم ذنوبكم، أي: يسترها عليكم فلا يعاقبكم عليها.
وفي حرف عبد الله: ﴿آمَنُواْ﴾ على الأمر.
وقال الفراء: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ جواب الاستفهام في قوله: "هَلْ أَدُلُّكُمْ" وهو خطأ، لأنه ليس بالدلالة تجب المغفرة، إنما تجب بالقبول والعمل.
وقد قال علي بن سليمان: "تؤمنون" عطف بيان على "تجارة".
وقيل: هو مبين عن تجارة، كعطف البيان في الأسماء التي تشبه البدل وهذا قول حسن، فيكون "يغفر" جوابا بالاستفهام (كأنه قال: "بدل تؤمنون").
وتجاهدون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار.
﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ أي: في بساتين إقامة أبداً.
﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ أي: ذلك الذي تقدم وصفه لمن آمن وجاهد هو النجاح العظيم خطره.
الصف 61:2
قوله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ الآيات.
معناه صلى وسجد لله طائعاً أو كارهاً ما في السماوات وما في الأرض.
﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ أي: العزيز في انتقامه ممن عصاه، الحكيم في تدبيره خلقه.
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ هذا تأديب وتوبيخ للمؤمنين، وروي عن ابن عباس أنهم كانوا يقولون قبل أن يفرض الجهاد لو نعلم (أحب الأعمال) إلى الله عز وجل لأتيناه ولو ذهبت فيه أنفسنا وأموالنا فلما كان يوم أحد تولوا عن النبي ﷺ حتى شُج وكُسرت رباعيته، فَعَذلَهُم الله عز وجل على ذلك بهذه الآية.
* *
وقوله: ﴿أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ "أَنْ" في موضع رفع بالابتداء، كما تقول نِعمَ رجلاً زيداً وفي موضع رفع على إضمار مبتدأ.
فالمعنى: لِمَ تقولون قولاً ولا تصدقوه بالفعل، عظم المقت عند الله مقتاً قولكم ما لا تفعلون.
وعن ابن عباس: أن ناساً من المؤمنين كانوا يقولون قبل فرض الجهاد لوددنا أن الله دلنا على أحب الأعمال إليه فنعمل به، فأخبر الله عز وجل نبيه ﷺ أن أحب الأعمال إليه. إيمان بالله لا شك فيه، وجهاد أهل معصيته الذين لم يقروا به، فلما نزل الجهاد، كره ذلك ناس من المسلمين وشق عليهم أمره، فأنزل الله عز وجل هذه الآية.
وقال أبو صالح: قالوا لو كنا نعلم أيُّ الأعمال أحب إلى الله عز وجل وأفضل، فنزلت: [﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ إلى آخر السورة، فكرهوا فنزلت:] ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾.
وقال مجاهد: نزلت في نفر من الأنصار منهم عبد الله بن رواحة، قالوا: في مجلس لو نعلم أيّ الأعمال أحب إلى الله عز وجل لعملناها حتى نموت، فأنزل الله عز وجل فيهم هذا، فقال عبد الله بن رواحة: لا أبرح حبيساً في سبيل الله عز وجل حتى أموت فقُتِل شهيداً رحمه الله.
وقال قتادة: بلغني أنها نزلت في الجهاد، كان الرجل يقول: قاتلت وفعلت ولم يكن فعل، فوعظهم الله عز وجل في ذلك أشد موعظة، وهو قول الضحاك.
وقال ابن زيد: نزلت في قوم من المنافقين كانوا يعدون المؤمنين النصر وهم كاذبون. فيكون التقدير على هذا القول: يأيها الذين حكم لهم بحكم الإيمان.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً﴾ المحبة من الله عز وجل قبول الأعمال، والإثابة عليه، أي: إن الله يقبل عمل الذين يقاتلون أعداءه على الدخول في دينه مصطفين كأنهم بنيان مرصوص، كأنهم في اصطفافهم حيطان مبنية قَدْ رُصَّ بناؤها وأحكم في استوائه.
وقيل: ﴿مَّرْصُوصٌ﴾: بني بالرصاص.
قال قتادة: لا يحب صاحب البنيان أن يختلف بناؤه، كذلك تعالى ذكره لا يختلف أمره.
قال ابن زيد: هؤلاء الذين صدقوا قولهم بأعمالهم، والأولون قوم لم يصدقوا قولهم بأعمالهم، لما خرج النبي ﷺ نكصوا عنه وتخلفوا.
وقيل: أن الآية تدل على أن القتال راجلاً أحب إليه من القتال فارساً.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يٰقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾.
واذكر يا محمد إذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون حقاً أني رسول الله إليكم.
﴿فَلَمَّا زَاغُوۤاْ﴾ أي: عدلوا عن الحق، وجاروا عن الهدى، أزاغ الله قلوبهم؛ أي: أمالها عن الحق، وقيل عن الثواب.
وقال أبو أمامة: هم الخوارج.
وعن سعد بن أبي وقاص: هم الحَرُورِية.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ﴾ (أي: لا يوفق للصواب) من خرج عن الإيمان إلى الكفر.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم﴾.
أي: واذكر يا محمد إذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم ﴿مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ﴾ أي: لما نزل قبلي من التوراة على موسى ومبشراً لكم (برسول من الله) إليكم يأتي من بعدي اسمه أحمد.
* *
ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: فلما جاء أحمد لبني إسرائيل بالعلامات الظاهرات الدالات على نبوته، قالوا هذا الذي جئتنا به سحر ظاهر، ومن قرأ "ساحر" فمعناه: قالوا هذا الذي جاءنا هو ساحر بين.
* *
ثم قال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ﴾ أي: لا أحد أظلم ممن اخترق على الله سبحانه الكذب، وهو قولهم للنبي ﷺ، ساحر وشاعر إذ دعاهم إلى الإسلام، يقولون له ذلك حين دعاهم إلى الدخول في الإسلام.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾ أي: لا يوفقهم إلى الهدى.
* *
ثم قال: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ﴾ أي: يريد هؤلاء القائلون لمحمد ﷺ لما دعاهم إلى الإسلام ساحر وشاعر ليبطلوا الحق الذي جاءهم به من عند الله عز وجل بقولهم إنه ساحر وأن ما جاء به سحر.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ أي: مُعل دينه على سائر الأديان، ومظهر نبيه ﷺ على من عاداه، وعنى بالنُّورِ هنا الإسلام، ولو كره ذلك الكافرون بالله سبحانه فلا بد له من إمضاء مراده في إعلاء كلمته.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ﴾ أي: الله الذي أرسل محمداً ﷺ بالهدى، وهو بيان الحق ودين الحق، وهو دين الله عز وجل يعني به الإسلام.
﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ﴾ أي: ليظهر دينه وهو الإسلام على الأديان كلها ويعليه، وذلك فيما روي عند نزول عيسى ﷺ تصير الملة واحدة، فَلاَ يكون دين غير دين الإسلام.
روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ﴾ هو خروج عيسى بن مريم ﷺ.
وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله ﷺ لا يذهب الليل والنهار حتى تُعبد اللات والعزى، قالت: فقلت يا رسول الله إن كنت لأَظن حين أنزل الله عز وجل ﴿هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ﴾ أن: ذلك سيكون تاماً، فقال أنه سيكون ذلك ما شاء الله ثم يبعث الله عز وجل ريحاً طيبة فيتوفى من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من خير، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
أي: ينجيكم قبولها والعمل بها من عذاب مؤلم، أي: موجع، ثم بين التجارة ما هي، فقال:
﴿تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ أي: تدومون على الإيمان بالله ورسوله، وتجاهدون أعداء الله بأموالكم وأنفسكم.
ويروى أن أصحاب النبي ﷺ قالوا: لوددنا أن نجد عملاً نعمله يدخلنا الله به الجنة، فنزلت الآية.
* *
ثم قال: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: قبول ذلك وفعله خير لكم عاقبة إن كنتم تعلمون حسن العاقبة من سوئها.
* *
ثم قال: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ جزم "يغفر" لأنه جواب لتؤمنوا بالله لأنه بمعنى الإلزام كأنه قال: آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم يغفر لكم ذنوبكم، أي: يسترها عليكم فلا يعاقبكم عليها.
وفي حرف عبد الله: ﴿آمَنُواْ﴾ على الأمر.
وقال الفراء: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ جواب الاستفهام في قوله: "هَلْ أَدُلُّكُمْ" وهو خطأ، لأنه ليس بالدلالة تجب المغفرة، إنما تجب بالقبول والعمل.
وقد قال علي بن سليمان: "تؤمنون" عطف بيان على "تجارة".
وقيل: هو مبين عن تجارة، كعطف البيان في الأسماء التي تشبه البدل وهذا قول حسن، فيكون "يغفر" جوابا بالاستفهام (كأنه قال: "بدل تؤمنون").
وتجاهدون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار.
﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ أي: في بساتين إقامة أبداً.
﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ أي: ذلك الذي تقدم وصفه لمن آمن وجاهد هو النجاح العظيم خطره.
الصف 61:3
قوله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ الآيات.
معناه صلى وسجد لله طائعاً أو كارهاً ما في السماوات وما في الأرض.
﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ أي: العزيز في انتقامه ممن عصاه، الحكيم في تدبيره خلقه.
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ هذا تأديب وتوبيخ للمؤمنين، وروي عن ابن عباس أنهم كانوا يقولون قبل أن يفرض الجهاد لو نعلم (أحب الأعمال) إلى الله عز وجل لأتيناه ولو ذهبت فيه أنفسنا وأموالنا فلما كان يوم أحد تولوا عن النبي ﷺ حتى شُج وكُسرت رباعيته، فَعَذلَهُم الله عز وجل على ذلك بهذه الآية.
* *
وقوله: ﴿أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ "أَنْ" في موضع رفع بالابتداء، كما تقول نِعمَ رجلاً زيداً وفي موضع رفع على إضمار مبتدأ.
فالمعنى: لِمَ تقولون قولاً ولا تصدقوه بالفعل، عظم المقت عند الله مقتاً قولكم ما لا تفعلون.
وعن ابن عباس: أن ناساً من المؤمنين كانوا يقولون قبل فرض الجهاد لوددنا أن الله دلنا على أحب الأعمال إليه فنعمل به، فأخبر الله عز وجل نبيه ﷺ أن أحب الأعمال إليه. إيمان بالله لا شك فيه، وجهاد أهل معصيته الذين لم يقروا به، فلما نزل الجهاد، كره ذلك ناس من المسلمين وشق عليهم أمره، فأنزل الله عز وجل هذه الآية.
وقال أبو صالح: قالوا لو كنا نعلم أيُّ الأعمال أحب إلى الله عز وجل وأفضل، فنزلت: [﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ إلى آخر السورة، فكرهوا فنزلت:] ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾.
وقال مجاهد: نزلت في نفر من الأنصار منهم عبد الله بن رواحة، قالوا: في مجلس لو نعلم أيّ الأعمال أحب إلى الله عز وجل لعملناها حتى نموت، فأنزل الله عز وجل فيهم هذا، فقال عبد الله بن رواحة: لا أبرح حبيساً في سبيل الله عز وجل حتى أموت فقُتِل شهيداً رحمه الله.
وقال قتادة: بلغني أنها نزلت في الجهاد، كان الرجل يقول: قاتلت وفعلت ولم يكن فعل، فوعظهم الله عز وجل في ذلك أشد موعظة، وهو قول الضحاك.
وقال ابن زيد: نزلت في قوم من المنافقين كانوا يعدون المؤمنين النصر وهم كاذبون. فيكون التقدير على هذا القول: يأيها الذين حكم لهم بحكم الإيمان.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً﴾ المحبة من الله عز وجل قبول الأعمال، والإثابة عليه، أي: إن الله يقبل عمل الذين يقاتلون أعداءه على الدخول في دينه مصطفين كأنهم بنيان مرصوص، كأنهم في اصطفافهم حيطان مبنية قَدْ رُصَّ بناؤها وأحكم في استوائه.
وقيل: ﴿مَّرْصُوصٌ﴾: بني بالرصاص.
قال قتادة: لا يحب صاحب البنيان أن يختلف بناؤه، كذلك تعالى ذكره لا يختلف أمره.
قال ابن زيد: هؤلاء الذين صدقوا قولهم بأعمالهم، والأولون قوم لم يصدقوا قولهم بأعمالهم، لما خرج النبي ﷺ نكصوا عنه وتخلفوا.
وقيل: أن الآية تدل على أن القتال راجلاً أحب إليه من القتال فارساً.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يٰقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾.
واذكر يا محمد إذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون حقاً أني رسول الله إليكم.
﴿فَلَمَّا زَاغُوۤاْ﴾ أي: عدلوا عن الحق، وجاروا عن الهدى، أزاغ الله قلوبهم؛ أي: أمالها عن الحق، وقيل عن الثواب.
وقال أبو أمامة: هم الخوارج.
وعن سعد بن أبي وقاص: هم الحَرُورِية.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ﴾ (أي: لا يوفق للصواب) من خرج عن الإيمان إلى الكفر.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم﴾.
أي: واذكر يا محمد إذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم ﴿مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ﴾ أي: لما نزل قبلي من التوراة على موسى ومبشراً لكم (برسول من الله) إليكم يأتي من بعدي اسمه أحمد.
* *
ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: فلما جاء أحمد لبني إسرائيل بالعلامات الظاهرات الدالات على نبوته، قالوا هذا الذي جئتنا به سحر ظاهر، ومن قرأ "ساحر" فمعناه: قالوا هذا الذي جاءنا هو ساحر بين.
* *
ثم قال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ﴾ أي: لا أحد أظلم ممن اخترق على الله سبحانه الكذب، وهو قولهم للنبي ﷺ، ساحر وشاعر إذ دعاهم إلى الإسلام، يقولون له ذلك حين دعاهم إلى الدخول في الإسلام.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾ أي: لا يوفقهم إلى الهدى.
* *
ثم قال: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ﴾ أي: يريد هؤلاء القائلون لمحمد ﷺ لما دعاهم إلى الإسلام ساحر وشاعر ليبطلوا الحق الذي جاءهم به من عند الله عز وجل بقولهم إنه ساحر وأن ما جاء به سحر.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ أي: مُعل دينه على سائر الأديان، ومظهر نبيه ﷺ على من عاداه، وعنى بالنُّورِ هنا الإسلام، ولو كره ذلك الكافرون بالله سبحانه فلا بد له من إمضاء مراده في إعلاء كلمته.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ﴾ أي: الله الذي أرسل محمداً ﷺ بالهدى، وهو بيان الحق ودين الحق، وهو دين الله عز وجل يعني به الإسلام.
﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ﴾ أي: ليظهر دينه وهو الإسلام على الأديان كلها ويعليه، وذلك فيما روي عند نزول عيسى ﷺ تصير الملة واحدة، فَلاَ يكون دين غير دين الإسلام.
روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ﴾ هو خروج عيسى بن مريم ﷺ.
وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله ﷺ لا يذهب الليل والنهار حتى تُعبد اللات والعزى، قالت: فقلت يا رسول الله إن كنت لأَظن حين أنزل الله عز وجل ﴿هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ﴾ أن: ذلك سيكون تاماً، فقال أنه سيكون ذلك ما شاء الله ثم يبعث الله عز وجل ريحاً طيبة فيتوفى من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من خير، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
أي: ينجيكم قبولها والعمل بها من عذاب مؤلم، أي: موجع، ثم بين التجارة ما هي، فقال:
﴿تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ أي: تدومون على الإيمان بالله ورسوله، وتجاهدون أعداء الله بأموالكم وأنفسكم.
ويروى أن أصحاب النبي ﷺ قالوا: لوددنا أن نجد عملاً نعمله يدخلنا الله به الجنة، فنزلت الآية.
* *
ثم قال: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: قبول ذلك وفعله خير لكم عاقبة إن كنتم تعلمون حسن العاقبة من سوئها.
* *
ثم قال: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ جزم "يغفر" لأنه جواب لتؤمنوا بالله لأنه بمعنى الإلزام كأنه قال: آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم يغفر لكم ذنوبكم، أي: يسترها عليكم فلا يعاقبكم عليها.
وفي حرف عبد الله: ﴿آمَنُواْ﴾ على الأمر.
وقال الفراء: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ جواب الاستفهام في قوله: "هَلْ أَدُلُّكُمْ" وهو خطأ، لأنه ليس بالدلالة تجب المغفرة، إنما تجب بالقبول والعمل.
وقد قال علي بن سليمان: "تؤمنون" عطف بيان على "تجارة".
وقيل: هو مبين عن تجارة، كعطف البيان في الأسماء التي تشبه البدل وهذا قول حسن، فيكون "يغفر" جوابا بالاستفهام (كأنه قال: "بدل تؤمنون").
وتجاهدون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار.
﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ أي: في بساتين إقامة أبداً.
﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ أي: ذلك الذي تقدم وصفه لمن آمن وجاهد هو النجاح العظيم خطره.
الصف 61:4
قوله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ الآيات.
معناه صلى وسجد لله طائعاً أو كارهاً ما في السماوات وما في الأرض.
﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ أي: العزيز في انتقامه ممن عصاه، الحكيم في تدبيره خلقه.
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ هذا تأديب وتوبيخ للمؤمنين، وروي عن ابن عباس أنهم كانوا يقولون قبل أن يفرض الجهاد لو نعلم (أحب الأعمال) إلى الله عز وجل لأتيناه ولو ذهبت فيه أنفسنا وأموالنا فلما كان يوم أحد تولوا عن النبي ﷺ حتى شُج وكُسرت رباعيته، فَعَذلَهُم الله عز وجل على ذلك بهذه الآية.
* *
وقوله: ﴿أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ "أَنْ" في موضع رفع بالابتداء، كما تقول نِعمَ رجلاً زيداً وفي موضع رفع على إضمار مبتدأ.
فالمعنى: لِمَ تقولون قولاً ولا تصدقوه بالفعل، عظم المقت عند الله مقتاً قولكم ما لا تفعلون.
وعن ابن عباس: أن ناساً من المؤمنين كانوا يقولون قبل فرض الجهاد لوددنا أن الله دلنا على أحب الأعمال إليه فنعمل به، فأخبر الله عز وجل نبيه ﷺ أن أحب الأعمال إليه. إيمان بالله لا شك فيه، وجهاد أهل معصيته الذين لم يقروا به، فلما نزل الجهاد، كره ذلك ناس من المسلمين وشق عليهم أمره، فأنزل الله عز وجل هذه الآية.
وقال أبو صالح: قالوا لو كنا نعلم أيُّ الأعمال أحب إلى الله عز وجل وأفضل، فنزلت: [﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ إلى آخر السورة، فكرهوا فنزلت:] ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾.
وقال مجاهد: نزلت في نفر من الأنصار منهم عبد الله بن رواحة، قالوا: في مجلس لو نعلم أيّ الأعمال أحب إلى الله عز وجل لعملناها حتى نموت، فأنزل الله عز وجل فيهم هذا، فقال عبد الله بن رواحة: لا أبرح حبيساً في سبيل الله عز وجل حتى أموت فقُتِل شهيداً رحمه الله.
وقال قتادة: بلغني أنها نزلت في الجهاد، كان الرجل يقول: قاتلت وفعلت ولم يكن فعل، فوعظهم الله عز وجل في ذلك أشد موعظة، وهو قول الضحاك.
وقال ابن زيد: نزلت في قوم من المنافقين كانوا يعدون المؤمنين النصر وهم كاذبون. فيكون التقدير على هذا القول: يأيها الذين حكم لهم بحكم الإيمان.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً﴾ المحبة من الله عز وجل قبول الأعمال، والإثابة عليه، أي: إن الله يقبل عمل الذين يقاتلون أعداءه على الدخول في دينه مصطفين كأنهم بنيان مرصوص، كأنهم في اصطفافهم حيطان مبنية قَدْ رُصَّ بناؤها وأحكم في استوائه.
وقيل: ﴿مَّرْصُوصٌ﴾: بني بالرصاص.
قال قتادة: لا يحب صاحب البنيان أن يختلف بناؤه، كذلك تعالى ذكره لا يختلف أمره.
قال ابن زيد: هؤلاء الذين صدقوا قولهم بأعمالهم، والأولون قوم لم يصدقوا قولهم بأعمالهم، لما خرج النبي ﷺ نكصوا عنه وتخلفوا.
وقيل: أن الآية تدل على أن القتال راجلاً أحب إليه من القتال فارساً.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يٰقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾.
واذكر يا محمد إذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون حقاً أني رسول الله إليكم.
﴿فَلَمَّا زَاغُوۤاْ﴾ أي: عدلوا عن الحق، وجاروا عن الهدى، أزاغ الله قلوبهم؛ أي: أمالها عن الحق، وقيل عن الثواب.
وقال أبو أمامة: هم الخوارج.
وعن سعد بن أبي وقاص: هم الحَرُورِية.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ﴾ (أي: لا يوفق للصواب) من خرج عن الإيمان إلى الكفر.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم﴾.
أي: واذكر يا محمد إذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم ﴿مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ﴾ أي: لما نزل قبلي من التوراة على موسى ومبشراً لكم (برسول من الله) إليكم يأتي من بعدي اسمه أحمد.
* *
ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: فلما جاء أحمد لبني إسرائيل بالعلامات الظاهرات الدالات على نبوته، قالوا هذا الذي جئتنا به سحر ظاهر، ومن قرأ "ساحر" فمعناه: قالوا هذا الذي جاءنا هو ساحر بين.
* *
ثم قال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ﴾ أي: لا أحد أظلم ممن اخترق على الله سبحانه الكذب، وهو قولهم للنبي ﷺ، ساحر وشاعر إذ دعاهم إلى الإسلام، يقولون له ذلك حين دعاهم إلى الدخول في الإسلام.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾ أي: لا يوفقهم إلى الهدى.
* *
ثم قال: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ﴾ أي: يريد هؤلاء القائلون لمحمد ﷺ لما دعاهم إلى الإسلام ساحر وشاعر ليبطلوا الحق الذي جاءهم به من عند الله عز وجل بقولهم إنه ساحر وأن ما جاء به سحر.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ أي: مُعل دينه على سائر الأديان، ومظهر نبيه ﷺ على من عاداه، وعنى بالنُّورِ هنا الإسلام، ولو كره ذلك الكافرون بالله سبحانه فلا بد له من إمضاء مراده في إعلاء كلمته.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ﴾ أي: الله الذي أرسل محمداً ﷺ بالهدى، وهو بيان الحق ودين الحق، وهو دين الله عز وجل يعني به الإسلام.
﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ﴾ أي: ليظهر دينه وهو الإسلام على الأديان كلها ويعليه، وذلك فيما روي عند نزول عيسى ﷺ تصير الملة واحدة، فَلاَ يكون دين غير دين الإسلام.
روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ﴾ هو خروج عيسى بن مريم ﷺ.
وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله ﷺ لا يذهب الليل والنهار حتى تُعبد اللات والعزى، قالت: فقلت يا رسول الله إن كنت لأَظن حين أنزل الله عز وجل ﴿هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ﴾ أن: ذلك سيكون تاماً، فقال أنه سيكون ذلك ما شاء الله ثم يبعث الله عز وجل ريحاً طيبة فيتوفى من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من خير، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
أي: ينجيكم قبولها والعمل بها من عذاب مؤلم، أي: موجع، ثم بين التجارة ما هي، فقال:
﴿تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ أي: تدومون على الإيمان بالله ورسوله، وتجاهدون أعداء الله بأموالكم وأنفسكم.
ويروى أن أصحاب النبي ﷺ قالوا: لوددنا أن نجد عملاً نعمله يدخلنا الله به الجنة، فنزلت الآية.
* *
ثم قال: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: قبول ذلك وفعله خير لكم عاقبة إن كنتم تعلمون حسن العاقبة من سوئها.
* *
ثم قال: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ جزم "يغفر" لأنه جواب لتؤمنوا بالله لأنه بمعنى الإلزام كأنه قال: آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم يغفر لكم ذنوبكم، أي: يسترها عليكم فلا يعاقبكم عليها.
وفي حرف عبد الله: ﴿آمَنُواْ﴾ على الأمر.
وقال الفراء: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ جواب الاستفهام في قوله: "هَلْ أَدُلُّكُمْ" وهو خطأ، لأنه ليس بالدلالة تجب المغفرة، إنما تجب بالقبول والعمل.
وقد قال علي بن سليمان: "تؤمنون" عطف بيان على "تجارة".
وقيل: هو مبين عن تجارة، كعطف البيان في الأسماء التي تشبه البدل وهذا قول حسن، فيكون "يغفر" جوابا بالاستفهام (كأنه قال: "بدل تؤمنون").
وتجاهدون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار.
﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ أي: في بساتين إقامة أبداً.
﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ أي: ذلك الذي تقدم وصفه لمن آمن وجاهد هو النجاح العظيم خطره.
الصف 61:5
قوله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ الآيات.
معناه صلى وسجد لله طائعاً أو كارهاً ما في السماوات وما في الأرض.
﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ أي: العزيز في انتقامه ممن عصاه، الحكيم في تدبيره خلقه.
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ هذا تأديب وتوبيخ للمؤمنين، وروي عن ابن عباس أنهم كانوا يقولون قبل أن يفرض الجهاد لو نعلم (أحب الأعمال) إلى الله عز وجل لأتيناه ولو ذهبت فيه أنفسنا وأموالنا فلما كان يوم أحد تولوا عن النبي ﷺ حتى شُج وكُسرت رباعيته، فَعَذلَهُم الله عز وجل على ذلك بهذه الآية.
* *
وقوله: ﴿أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ "أَنْ" في موضع رفع بالابتداء، كما تقول نِعمَ رجلاً زيداً وفي موضع رفع على إضمار مبتدأ.
فالمعنى: لِمَ تقولون قولاً ولا تصدقوه بالفعل، عظم المقت عند الله مقتاً قولكم ما لا تفعلون.
وعن ابن عباس: أن ناساً من المؤمنين كانوا يقولون قبل فرض الجهاد لوددنا أن الله دلنا على أحب الأعمال إليه فنعمل به، فأخبر الله عز وجل نبيه ﷺ أن أحب الأعمال إليه. إيمان بالله لا شك فيه، وجهاد أهل معصيته الذين لم يقروا به، فلما نزل الجهاد، كره ذلك ناس من المسلمين وشق عليهم أمره، فأنزل الله عز وجل هذه الآية.
وقال أبو صالح: قالوا لو كنا نعلم أيُّ الأعمال أحب إلى الله عز وجل وأفضل، فنزلت: [﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ إلى آخر السورة، فكرهوا فنزلت:] ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾.
وقال مجاهد: نزلت في نفر من الأنصار منهم عبد الله بن رواحة، قالوا: في مجلس لو نعلم أيّ الأعمال أحب إلى الله عز وجل لعملناها حتى نموت، فأنزل الله عز وجل فيهم هذا، فقال عبد الله بن رواحة: لا أبرح حبيساً في سبيل الله عز وجل حتى أموت فقُتِل شهيداً رحمه الله.
وقال قتادة: بلغني أنها نزلت في الجهاد، كان الرجل يقول: قاتلت وفعلت ولم يكن فعل، فوعظهم الله عز وجل في ذلك أشد موعظة، وهو قول الضحاك.
وقال ابن زيد: نزلت في قوم من المنافقين كانوا يعدون المؤمنين النصر وهم كاذبون. فيكون التقدير على هذا القول: يأيها الذين حكم لهم بحكم الإيمان.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً﴾ المحبة من الله عز وجل قبول الأعمال، والإثابة عليه، أي: إن الله يقبل عمل الذين يقاتلون أعداءه على الدخول في دينه مصطفين كأنهم بنيان مرصوص، كأنهم في اصطفافهم حيطان مبنية قَدْ رُصَّ بناؤها وأحكم في استوائه.
وقيل: ﴿مَّرْصُوصٌ﴾: بني بالرصاص.
قال قتادة: لا يحب صاحب البنيان أن يختلف بناؤه، كذلك تعالى ذكره لا يختلف أمره.
قال ابن زيد: هؤلاء الذين صدقوا قولهم بأعمالهم، والأولون قوم لم يصدقوا قولهم بأعمالهم، لما خرج النبي ﷺ نكصوا عنه وتخلفوا.
وقيل: أن الآية تدل على أن القتال راجلاً أحب إليه من القتال فارساً.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يٰقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾.
واذكر يا محمد إذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون حقاً أني رسول الله إليكم.
﴿فَلَمَّا زَاغُوۤاْ﴾ أي: عدلوا عن الحق، وجاروا عن الهدى، أزاغ الله قلوبهم؛ أي: أمالها عن الحق، وقيل عن الثواب.
وقال أبو أمامة: هم الخوارج.
وعن سعد بن أبي وقاص: هم الحَرُورِية.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ﴾ (أي: لا يوفق للصواب) من خرج عن الإيمان إلى الكفر.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم﴾.
أي: واذكر يا محمد إذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم ﴿مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ﴾ أي: لما نزل قبلي من التوراة على موسى ومبشراً لكم (برسول من الله) إليكم يأتي من بعدي اسمه أحمد.
* *
ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: فلما جاء أحمد لبني إسرائيل بالعلامات الظاهرات الدالات على نبوته، قالوا هذا الذي جئتنا به سحر ظاهر، ومن قرأ "ساحر" فمعناه: قالوا هذا الذي جاءنا هو ساحر بين.
* *
ثم قال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ﴾ أي: لا أحد أظلم ممن اخترق على الله سبحانه الكذب، وهو قولهم للنبي ﷺ، ساحر وشاعر إذ دعاهم إلى الإسلام، يقولون له ذلك حين دعاهم إلى الدخول في الإسلام.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾ أي: لا يوفقهم إلى الهدى.
* *
ثم قال: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ﴾ أي: يريد هؤلاء القائلون لمحمد ﷺ لما دعاهم إلى الإسلام ساحر وشاعر ليبطلوا الحق الذي جاءهم به من عند الله عز وجل بقولهم إنه ساحر وأن ما جاء به سحر.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ أي: مُعل دينه على سائر الأديان، ومظهر نبيه ﷺ على من عاداه، وعنى بالنُّورِ هنا الإسلام، ولو كره ذلك الكافرون بالله سبحانه فلا بد له من إمضاء مراده في إعلاء كلمته.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ﴾ أي: الله الذي أرسل محمداً ﷺ بالهدى، وهو بيان الحق ودين الحق، وهو دين الله عز وجل يعني به الإسلام.
﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ﴾ أي: ليظهر دينه وهو الإسلام على الأديان كلها ويعليه، وذلك فيما روي عند نزول عيسى ﷺ تصير الملة واحدة، فَلاَ يكون دين غير دين الإسلام.
روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ﴾ هو خروج عيسى بن مريم ﷺ.
وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله ﷺ لا يذهب الليل والنهار حتى تُعبد اللات والعزى، قالت: فقلت يا رسول الله إن كنت لأَظن حين أنزل الله عز وجل ﴿هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ﴾ أن: ذلك سيكون تاماً، فقال أنه سيكون ذلك ما شاء الله ثم يبعث الله عز وجل ريحاً طيبة فيتوفى من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من خير، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
أي: ينجيكم قبولها والعمل بها من عذاب مؤلم، أي: موجع، ثم بين التجارة ما هي، فقال:
﴿تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ أي: تدومون على الإيمان بالله ورسوله، وتجاهدون أعداء الله بأموالكم وأنفسكم.
ويروى أن أصحاب النبي ﷺ قالوا: لوددنا أن نجد عملاً نعمله يدخلنا الله به الجنة، فنزلت الآية.
* *
ثم قال: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: قبول ذلك وفعله خير لكم عاقبة إن كنتم تعلمون حسن العاقبة من سوئها.
* *
ثم قال: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ جزم "يغفر" لأنه جواب لتؤمنوا بالله لأنه بمعنى الإلزام كأنه قال: آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم يغفر لكم ذنوبكم، أي: يسترها عليكم فلا يعاقبكم عليها.
وفي حرف عبد الله: ﴿آمَنُواْ﴾ على الأمر.
وقال الفراء: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ جواب الاستفهام في قوله: "هَلْ أَدُلُّكُمْ" وهو خطأ، لأنه ليس بالدلالة تجب المغفرة، إنما تجب بالقبول والعمل.
وقد قال علي بن سليمان: "تؤمنون" عطف بيان على "تجارة".
وقيل: هو مبين عن تجارة، كعطف البيان في الأسماء التي تشبه البدل وهذا قول حسن، فيكون "يغفر" جوابا بالاستفهام (كأنه قال: "بدل تؤمنون").
وتجاهدون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار.
﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ أي: في بساتين إقامة أبداً.
﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ أي: ذلك الذي تقدم وصفه لمن آمن وجاهد هو النجاح العظيم خطره.
الصف 61:6
قوله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ الآيات.
معناه صلى وسجد لله طائعاً أو كارهاً ما في السماوات وما في الأرض.
﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ أي: العزيز في انتقامه ممن عصاه، الحكيم في تدبيره خلقه.
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ هذا تأديب وتوبيخ للمؤمنين، وروي عن ابن عباس أنهم كانوا يقولون قبل أن يفرض الجهاد لو نعلم (أحب الأعمال) إلى الله عز وجل لأتيناه ولو ذهبت فيه أنفسنا وأموالنا فلما كان يوم أحد تولوا عن النبي ﷺ حتى شُج وكُسرت رباعيته، فَعَذلَهُم الله عز وجل على ذلك بهذه الآية.
* *
وقوله: ﴿أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ "أَنْ" في موضع رفع بالابتداء، كما تقول نِعمَ رجلاً زيداً وفي موضع رفع على إضمار مبتدأ.
فالمعنى: لِمَ تقولون قولاً ولا تصدقوه بالفعل، عظم المقت عند الله مقتاً قولكم ما لا تفعلون.
وعن ابن عباس: أن ناساً من المؤمنين كانوا يقولون قبل فرض الجهاد لوددنا أن الله دلنا على أحب الأعمال إليه فنعمل به، فأخبر الله عز وجل نبيه ﷺ أن أحب الأعمال إليه. إيمان بالله لا شك فيه، وجهاد أهل معصيته الذين لم يقروا به، فلما نزل الجهاد، كره ذلك ناس من المسلمين وشق عليهم أمره، فأنزل الله عز وجل هذه الآية.
وقال أبو صالح: قالوا لو كنا نعلم أيُّ الأعمال أحب إلى الله عز وجل وأفضل، فنزلت: [﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ إلى آخر السورة، فكرهوا فنزلت:] ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾.
وقال مجاهد: نزلت في نفر من الأنصار منهم عبد الله بن رواحة، قالوا: في مجلس لو نعلم أيّ الأعمال أحب إلى الله عز وجل لعملناها حتى نموت، فأنزل الله عز وجل فيهم هذا، فقال عبد الله بن رواحة: لا أبرح حبيساً في سبيل الله عز وجل حتى أموت فقُتِل شهيداً رحمه الله.
وقال قتادة: بلغني أنها نزلت في الجهاد، كان الرجل يقول: قاتلت وفعلت ولم يكن فعل، فوعظهم الله عز وجل في ذلك أشد موعظة، وهو قول الضحاك.
وقال ابن زيد: نزلت في قوم من المنافقين كانوا يعدون المؤمنين النصر وهم كاذبون. فيكون التقدير على هذا القول: يأيها الذين حكم لهم بحكم الإيمان.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً﴾ المحبة من الله عز وجل قبول الأعمال، والإثابة عليه، أي: إن الله يقبل عمل الذين يقاتلون أعداءه على الدخول في دينه مصطفين كأنهم بنيان مرصوص، كأنهم في اصطفافهم حيطان مبنية قَدْ رُصَّ بناؤها وأحكم في استوائه.
وقيل: ﴿مَّرْصُوصٌ﴾: بني بالرصاص.
قال قتادة: لا يحب صاحب البنيان أن يختلف بناؤه، كذلك تعالى ذكره لا يختلف أمره.
قال ابن زيد: هؤلاء الذين صدقوا قولهم بأعمالهم، والأولون قوم لم يصدقوا قولهم بأعمالهم، لما خرج النبي ﷺ نكصوا عنه وتخلفوا.
وقيل: أن الآية تدل على أن القتال راجلاً أحب إليه من القتال فارساً.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يٰقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾.
واذكر يا محمد إذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون حقاً أني رسول الله إليكم.
﴿فَلَمَّا زَاغُوۤاْ﴾ أي: عدلوا عن الحق، وجاروا عن الهدى، أزاغ الله قلوبهم؛ أي: أمالها عن الحق، وقيل عن الثواب.
وقال أبو أمامة: هم الخوارج.
وعن سعد بن أبي وقاص: هم الحَرُورِية.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ﴾ (أي: لا يوفق للصواب) من خرج عن الإيمان إلى الكفر.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم﴾.
أي: واذكر يا محمد إذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم ﴿مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ﴾ أي: لما نزل قبلي من التوراة على موسى ومبشراً لكم (برسول من الله) إليكم يأتي من بعدي اسمه أحمد.
* *
ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: فلما جاء أحمد لبني إسرائيل بالعلامات الظاهرات الدالات على نبوته، قالوا هذا الذي جئتنا به سحر ظاهر، ومن قرأ "ساحر" فمعناه: قالوا هذا الذي جاءنا هو ساحر بين.
* *
ثم قال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ﴾ أي: لا أحد أظلم ممن اخترق على الله سبحانه الكذب، وهو قولهم للنبي ﷺ، ساحر وشاعر إذ دعاهم إلى الإسلام، يقولون له ذلك حين دعاهم إلى الدخول في الإسلام.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾ أي: لا يوفقهم إلى الهدى.
* *
ثم قال: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ﴾ أي: يريد هؤلاء القائلون لمحمد ﷺ لما دعاهم إلى الإسلام ساحر وشاعر ليبطلوا الحق الذي جاءهم به من عند الله عز وجل بقولهم إنه ساحر وأن ما جاء به سحر.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ أي: مُعل دينه على سائر الأديان، ومظهر نبيه ﷺ على من عاداه، وعنى بالنُّورِ هنا الإسلام، ولو كره ذلك الكافرون بالله سبحانه فلا بد له من إمضاء مراده في إعلاء كلمته.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ﴾ أي: الله الذي أرسل محمداً ﷺ بالهدى، وهو بيان الحق ودين الحق، وهو دين الله عز وجل يعني به الإسلام.
﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ﴾ أي: ليظهر دينه وهو الإسلام على الأديان كلها ويعليه، وذلك فيما روي عند نزول عيسى ﷺ تصير الملة واحدة، فَلاَ يكون دين غير دين الإسلام.
روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ﴾ هو خروج عيسى بن مريم ﷺ.
وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله ﷺ لا يذهب الليل والنهار حتى تُعبد اللات والعزى، قالت: فقلت يا رسول الله إن كنت لأَظن حين أنزل الله عز وجل ﴿هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ﴾ أن: ذلك سيكون تاماً، فقال أنه سيكون ذلك ما شاء الله ثم يبعث الله عز وجل ريحاً طيبة فيتوفى من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من خير، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
أي: ينجيكم قبولها والعمل بها من عذاب مؤلم، أي: موجع، ثم بين التجارة ما هي، فقال:
﴿تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ أي: تدومون على الإيمان بالله ورسوله، وتجاهدون أعداء الله بأموالكم وأنفسكم.
ويروى أن أصحاب النبي ﷺ قالوا: لوددنا أن نجد عملاً نعمله يدخلنا الله به الجنة، فنزلت الآية.
* *
ثم قال: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: قبول ذلك وفعله خير لكم عاقبة إن كنتم تعلمون حسن العاقبة من سوئها.
* *
ثم قال: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ جزم "يغفر" لأنه جواب لتؤمنوا بالله لأنه بمعنى الإلزام كأنه قال: آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم يغفر لكم ذنوبكم، أي: يسترها عليكم فلا يعاقبكم عليها.
وفي حرف عبد الله: ﴿آمَنُواْ﴾ على الأمر.
وقال الفراء: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ جواب الاستفهام في قوله: "هَلْ أَدُلُّكُمْ" وهو خطأ، لأنه ليس بالدلالة تجب المغفرة، إنما تجب بالقبول والعمل.
وقد قال علي بن سليمان: "تؤمنون" عطف بيان على "تجارة".
وقيل: هو مبين عن تجارة، كعطف البيان في الأسماء التي تشبه البدل وهذا قول حسن، فيكون "يغفر" جوابا بالاستفهام (كأنه قال: "بدل تؤمنون").
وتجاهدون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار.
﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ أي: في بساتين إقامة أبداً.
﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ أي: ذلك الذي تقدم وصفه لمن آمن وجاهد هو النجاح العظيم خطره.
الصف 61:7
قوله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ الآيات.
معناه صلى وسجد لله طائعاً أو كارهاً ما في السماوات وما في الأرض.
﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ أي: العزيز في انتقامه ممن عصاه، الحكيم في تدبيره خلقه.
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ هذا تأديب وتوبيخ للمؤمنين، وروي عن ابن عباس أنهم كانوا يقولون قبل أن يفرض الجهاد لو نعلم (أحب الأعمال) إلى الله عز وجل لأتيناه ولو ذهبت فيه أنفسنا وأموالنا فلما كان يوم أحد تولوا عن النبي ﷺ حتى شُج وكُسرت رباعيته، فَعَذلَهُم الله عز وجل على ذلك بهذه الآية.
* *
وقوله: ﴿أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ "أَنْ" في موضع رفع بالابتداء، كما تقول نِعمَ رجلاً زيداً وفي موضع رفع على إضمار مبتدأ.
فالمعنى: لِمَ تقولون قولاً ولا تصدقوه بالفعل، عظم المقت عند الله مقتاً قولكم ما لا تفعلون.
وعن ابن عباس: أن ناساً من المؤمنين كانوا يقولون قبل فرض الجهاد لوددنا أن الله دلنا على أحب الأعمال إليه فنعمل به، فأخبر الله عز وجل نبيه ﷺ أن أحب الأعمال إليه. إيمان بالله لا شك فيه، وجهاد أهل معصيته الذين لم يقروا به، فلما نزل الجهاد، كره ذلك ناس من المسلمين وشق عليهم أمره، فأنزل الله عز وجل هذه الآية.
وقال أبو صالح: قالوا لو كنا نعلم أيُّ الأعمال أحب إلى الله عز وجل وأفضل، فنزلت: [﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ إلى آخر السورة، فكرهوا فنزلت:] ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾.
وقال مجاهد: نزلت في نفر من الأنصار منهم عبد الله بن رواحة، قالوا: في مجلس لو نعلم أيّ الأعمال أحب إلى الله عز وجل لعملناها حتى نموت، فأنزل الله عز وجل فيهم هذا، فقال عبد الله بن رواحة: لا أبرح حبيساً في سبيل الله عز وجل حتى أموت فقُتِل شهيداً رحمه الله.
وقال قتادة: بلغني أنها نزلت في الجهاد، كان الرجل يقول: قاتلت وفعلت ولم يكن فعل، فوعظهم الله عز وجل في ذلك أشد موعظة، وهو قول الضحاك.
وقال ابن زيد: نزلت في قوم من المنافقين كانوا يعدون المؤمنين النصر وهم كاذبون. فيكون التقدير على هذا القول: يأيها الذين حكم لهم بحكم الإيمان.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً﴾ المحبة من الله عز وجل قبول الأعمال، والإثابة عليه، أي: إن الله يقبل عمل الذين يقاتلون أعداءه على الدخول في دينه مصطفين كأنهم بنيان مرصوص، كأنهم في اصطفافهم حيطان مبنية قَدْ رُصَّ بناؤها وأحكم في استوائه.
وقيل: ﴿مَّرْصُوصٌ﴾: بني بالرصاص.
قال قتادة: لا يحب صاحب البنيان أن يختلف بناؤه، كذلك تعالى ذكره لا يختلف أمره.
قال ابن زيد: هؤلاء الذين صدقوا قولهم بأعمالهم، والأولون قوم لم يصدقوا قولهم بأعمالهم، لما خرج النبي ﷺ نكصوا عنه وتخلفوا.
وقيل: أن الآية تدل على أن القتال راجلاً أحب إليه من القتال فارساً.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يٰقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾.
واذكر يا محمد إذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون حقاً أني رسول الله إليكم.
﴿فَلَمَّا زَاغُوۤاْ﴾ أي: عدلوا عن الحق، وجاروا عن الهدى، أزاغ الله قلوبهم؛ أي: أمالها عن الحق، وقيل عن الثواب.
وقال أبو أمامة: هم الخوارج.
وعن سعد بن أبي وقاص: هم الحَرُورِية.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ﴾ (أي: لا يوفق للصواب) من خرج عن الإيمان إلى الكفر.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم﴾.
أي: واذكر يا محمد إذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم ﴿مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ﴾ أي: لما نزل قبلي من التوراة على موسى ومبشراً لكم (برسول من الله) إليكم يأتي من بعدي اسمه أحمد.
* *
ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: فلما جاء أحمد لبني إسرائيل بالعلامات الظاهرات الدالات على نبوته، قالوا هذا الذي جئتنا به سحر ظاهر، ومن قرأ "ساحر" فمعناه: قالوا هذا الذي جاءنا هو ساحر بين.
* *
ثم قال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ﴾ أي: لا أحد أظلم ممن اخترق على الله سبحانه الكذب، وهو قولهم للنبي ﷺ، ساحر وشاعر إذ دعاهم إلى الإسلام، يقولون له ذلك حين دعاهم إلى الدخول في الإسلام.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾ أي: لا يوفقهم إلى الهدى.
* *
ثم قال: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ﴾ أي: يريد هؤلاء القائلون لمحمد ﷺ لما دعاهم إلى الإسلام ساحر وشاعر ليبطلوا الحق الذي جاءهم به من عند الله عز وجل بقولهم إنه ساحر وأن ما جاء به سحر.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ أي: مُعل دينه على سائر الأديان، ومظهر نبيه ﷺ على من عاداه، وعنى بالنُّورِ هنا الإسلام، ولو كره ذلك الكافرون بالله سبحانه فلا بد له من إمضاء مراده في إعلاء كلمته.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ﴾ أي: الله الذي أرسل محمداً ﷺ بالهدى، وهو بيان الحق ودين الحق، وهو دين الله عز وجل يعني به الإسلام.
﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ﴾ أي: ليظهر دينه وهو الإسلام على الأديان كلها ويعليه، وذلك فيما روي عند نزول عيسى ﷺ تصير الملة واحدة، فَلاَ يكون دين غير دين الإسلام.
روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ﴾ هو خروج عيسى بن مريم ﷺ.
وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله ﷺ لا يذهب الليل والنهار حتى تُعبد اللات والعزى، قالت: فقلت يا رسول الله إن كنت لأَظن حين أنزل الله عز وجل ﴿هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ﴾ أن: ذلك سيكون تاماً، فقال أنه سيكون ذلك ما شاء الله ثم يبعث الله عز وجل ريحاً طيبة فيتوفى من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من خير، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
أي: ينجيكم قبولها والعمل بها من عذاب مؤلم، أي: موجع، ثم بين التجارة ما هي، فقال:
﴿تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ أي: تدومون على الإيمان بالله ورسوله، وتجاهدون أعداء الله بأموالكم وأنفسكم.
ويروى أن أصحاب النبي ﷺ قالوا: لوددنا أن نجد عملاً نعمله يدخلنا الله به الجنة، فنزلت الآية.
* *
ثم قال: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: قبول ذلك وفعله خير لكم عاقبة إن كنتم تعلمون حسن العاقبة من سوئها.
* *
ثم قال: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ جزم "يغفر" لأنه جواب لتؤمنوا بالله لأنه بمعنى الإلزام كأنه قال: آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم يغفر لكم ذنوبكم، أي: يسترها عليكم فلا يعاقبكم عليها.
وفي حرف عبد الله: ﴿آمَنُواْ﴾ على الأمر.
وقال الفراء: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ جواب الاستفهام في قوله: "هَلْ أَدُلُّكُمْ" وهو خطأ، لأنه ليس بالدلالة تجب المغفرة، إنما تجب بالقبول والعمل.
وقد قال علي بن سليمان: "تؤمنون" عطف بيان على "تجارة".
وقيل: هو مبين عن تجارة، كعطف البيان في الأسماء التي تشبه البدل وهذا قول حسن، فيكون "يغفر" جوابا بالاستفهام (كأنه قال: "بدل تؤمنون").
وتجاهدون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار.
﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ أي: في بساتين إقامة أبداً.
﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ أي: ذلك الذي تقدم وصفه لمن آمن وجاهد هو النجاح العظيم خطره.
الصف 61:8
قوله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ الآيات.
معناه صلى وسجد لله طائعاً أو كارهاً ما في السماوات وما في الأرض.
﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ أي: العزيز في انتقامه ممن عصاه، الحكيم في تدبيره خلقه.
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ هذا تأديب وتوبيخ للمؤمنين، وروي عن ابن عباس أنهم كانوا يقولون قبل أن يفرض الجهاد لو نعلم (أحب الأعمال) إلى الله عز وجل لأتيناه ولو ذهبت فيه أنفسنا وأموالنا فلما كان يوم أحد تولوا عن النبي ﷺ حتى شُج وكُسرت رباعيته، فَعَذلَهُم الله عز وجل على ذلك بهذه الآية.
* *
وقوله: ﴿أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ "أَنْ" في موضع رفع بالابتداء، كما تقول نِعمَ رجلاً زيداً وفي موضع رفع على إضمار مبتدأ.
فالمعنى: لِمَ تقولون قولاً ولا تصدقوه بالفعل، عظم المقت عند الله مقتاً قولكم ما لا تفعلون.
وعن ابن عباس: أن ناساً من المؤمنين كانوا يقولون قبل فرض الجهاد لوددنا أن الله دلنا على أحب الأعمال إليه فنعمل به، فأخبر الله عز وجل نبيه ﷺ أن أحب الأعمال إليه. إيمان بالله لا شك فيه، وجهاد أهل معصيته الذين لم يقروا به، فلما نزل الجهاد، كره ذلك ناس من المسلمين وشق عليهم أمره، فأنزل الله عز وجل هذه الآية.
وقال أبو صالح: قالوا لو كنا نعلم أيُّ الأعمال أحب إلى الله عز وجل وأفضل، فنزلت: [﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ إلى آخر السورة، فكرهوا فنزلت:] ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾.
وقال مجاهد: نزلت في نفر من الأنصار منهم عبد الله بن رواحة، قالوا: في مجلس لو نعلم أيّ الأعمال أحب إلى الله عز وجل لعملناها حتى نموت، فأنزل الله عز وجل فيهم هذا، فقال عبد الله بن رواحة: لا أبرح حبيساً في سبيل الله عز وجل حتى أموت فقُتِل شهيداً رحمه الله.
وقال قتادة: بلغني أنها نزلت في الجهاد، كان الرجل يقول: قاتلت وفعلت ولم يكن فعل، فوعظهم الله عز وجل في ذلك أشد موعظة، وهو قول الضحاك.
وقال ابن زيد: نزلت في قوم من المنافقين كانوا يعدون المؤمنين النصر وهم كاذبون. فيكون التقدير على هذا القول: يأيها الذين حكم لهم بحكم الإيمان.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً﴾ المحبة من الله عز وجل قبول الأعمال، والإثابة عليه، أي: إن الله يقبل عمل الذين يقاتلون أعداءه على الدخول في دينه مصطفين كأنهم بنيان مرصوص، كأنهم في اصطفافهم حيطان مبنية قَدْ رُصَّ بناؤها وأحكم في استوائه.
وقيل: ﴿مَّرْصُوصٌ﴾: بني بالرصاص.
قال قتادة: لا يحب صاحب البنيان أن يختلف بناؤه، كذلك تعالى ذكره لا يختلف أمره.
قال ابن زيد: هؤلاء الذين صدقوا قولهم بأعمالهم، والأولون قوم لم يصدقوا قولهم بأعمالهم، لما خرج النبي ﷺ نكصوا عنه وتخلفوا.
وقيل: أن الآية تدل على أن القتال راجلاً أحب إليه من القتال فارساً.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يٰقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾.
واذكر يا محمد إذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون حقاً أني رسول الله إليكم.
﴿فَلَمَّا زَاغُوۤاْ﴾ أي: عدلوا عن الحق، وجاروا عن الهدى، أزاغ الله قلوبهم؛ أي: أمالها عن الحق، وقيل عن الثواب.
وقال أبو أمامة: هم الخوارج.
وعن سعد بن أبي وقاص: هم الحَرُورِية.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ﴾ (أي: لا يوفق للصواب) من خرج عن الإيمان إلى الكفر.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم﴾.
أي: واذكر يا محمد إذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم ﴿مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ﴾ أي: لما نزل قبلي من التوراة على موسى ومبشراً لكم (برسول من الله) إليكم يأتي من بعدي اسمه أحمد.
* *
ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: فلما جاء أحمد لبني إسرائيل بالعلامات الظاهرات الدالات على نبوته، قالوا هذا الذي جئتنا به سحر ظاهر، ومن قرأ "ساحر" فمعناه: قالوا هذا الذي جاءنا هو ساحر بين.
* *
ثم قال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ﴾ أي: لا أحد أظلم ممن اخترق على الله سبحانه الكذب، وهو قولهم للنبي ﷺ، ساحر وشاعر إذ دعاهم إلى الإسلام، يقولون له ذلك حين دعاهم إلى الدخول في الإسلام.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾ أي: لا يوفقهم إلى الهدى.
* *
ثم قال: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ﴾ أي: يريد هؤلاء القائلون لمحمد ﷺ لما دعاهم إلى الإسلام ساحر وشاعر ليبطلوا الحق الذي جاءهم به من عند الله عز وجل بقولهم إنه ساحر وأن ما جاء به سحر.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ أي: مُعل دينه على سائر الأديان، ومظهر نبيه ﷺ على من عاداه، وعنى بالنُّورِ هنا الإسلام، ولو كره ذلك الكافرون بالله سبحانه فلا بد له من إمضاء مراده في إعلاء كلمته.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ﴾ أي: الله الذي أرسل محمداً ﷺ بالهدى، وهو بيان الحق ودين الحق، وهو دين الله عز وجل يعني به الإسلام.
﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ﴾ أي: ليظهر دينه وهو الإسلام على الأديان كلها ويعليه، وذلك فيما روي عند نزول عيسى ﷺ تصير الملة واحدة، فَلاَ يكون دين غير دين الإسلام.
روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ﴾ هو خروج عيسى بن مريم ﷺ.
وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله ﷺ لا يذهب الليل والنهار حتى تُعبد اللات والعزى، قالت: فقلت يا رسول الله إن كنت لأَظن حين أنزل الله عز وجل ﴿هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ﴾ أن: ذلك سيكون تاماً، فقال أنه سيكون ذلك ما شاء الله ثم يبعث الله عز وجل ريحاً طيبة فيتوفى من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من خير، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
أي: ينجيكم قبولها والعمل بها من عذاب مؤلم، أي: موجع، ثم بين التجارة ما هي، فقال:
﴿تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ أي: تدومون على الإيمان بالله ورسوله، وتجاهدون أعداء الله بأموالكم وأنفسكم.
ويروى أن أصحاب النبي ﷺ قالوا: لوددنا أن نجد عملاً نعمله يدخلنا الله به الجنة، فنزلت الآية.
* *
ثم قال: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: قبول ذلك وفعله خير لكم عاقبة إن كنتم تعلمون حسن العاقبة من سوئها.
* *
ثم قال: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ جزم "يغفر" لأنه جواب لتؤمنوا بالله لأنه بمعنى الإلزام كأنه قال: آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم يغفر لكم ذنوبكم، أي: يسترها عليكم فلا يعاقبكم عليها.
وفي حرف عبد الله: ﴿آمَنُواْ﴾ على الأمر.
وقال الفراء: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ جواب الاستفهام في قوله: "هَلْ أَدُلُّكُمْ" وهو خطأ، لأنه ليس بالدلالة تجب المغفرة، إنما تجب بالقبول والعمل.
وقد قال علي بن سليمان: "تؤمنون" عطف بيان على "تجارة".
وقيل: هو مبين عن تجارة، كعطف البيان في الأسماء التي تشبه البدل وهذا قول حسن، فيكون "يغفر" جوابا بالاستفهام (كأنه قال: "بدل تؤمنون").
وتجاهدون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار.
﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ أي: في بساتين إقامة أبداً.
﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ أي: ذلك الذي تقدم وصفه لمن آمن وجاهد هو النجاح العظيم خطره.
الصف 61:9
قوله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ الآيات.
معناه صلى وسجد لله طائعاً أو كارهاً ما في السماوات وما في الأرض.
﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ أي: العزيز في انتقامه ممن عصاه، الحكيم في تدبيره خلقه.
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ هذا تأديب وتوبيخ للمؤمنين، وروي عن ابن عباس أنهم كانوا يقولون قبل أن يفرض الجهاد لو نعلم (أحب الأعمال) إلى الله عز وجل لأتيناه ولو ذهبت فيه أنفسنا وأموالنا فلما كان يوم أحد تولوا عن النبي ﷺ حتى شُج وكُسرت رباعيته، فَعَذلَهُم الله عز وجل على ذلك بهذه الآية.
* *
وقوله: ﴿أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ "أَنْ" في موضع رفع بالابتداء، كما تقول نِعمَ رجلاً زيداً وفي موضع رفع على إضمار مبتدأ.
فالمعنى: لِمَ تقولون قولاً ولا تصدقوه بالفعل، عظم المقت عند الله مقتاً قولكم ما لا تفعلون.
وعن ابن عباس: أن ناساً من المؤمنين كانوا يقولون قبل فرض الجهاد لوددنا أن الله دلنا على أحب الأعمال إليه فنعمل به، فأخبر الله عز وجل نبيه ﷺ أن أحب الأعمال إليه. إيمان بالله لا شك فيه، وجهاد أهل معصيته الذين لم يقروا به، فلما نزل الجهاد، كره ذلك ناس من المسلمين وشق عليهم أمره، فأنزل الله عز وجل هذه الآية.
وقال أبو صالح: قالوا لو كنا نعلم أيُّ الأعمال أحب إلى الله عز وجل وأفضل، فنزلت: [﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ إلى آخر السورة، فكرهوا فنزلت:] ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾.
وقال مجاهد: نزلت في نفر من الأنصار منهم عبد الله بن رواحة، قالوا: في مجلس لو نعلم أيّ الأعمال أحب إلى الله عز وجل لعملناها حتى نموت، فأنزل الله عز وجل فيهم هذا، فقال عبد الله بن رواحة: لا أبرح حبيساً في سبيل الله عز وجل حتى أموت فقُتِل شهيداً رحمه الله.
وقال قتادة: بلغني أنها نزلت في الجهاد، كان الرجل يقول: قاتلت وفعلت ولم يكن فعل، فوعظهم الله عز وجل في ذلك أشد موعظة، وهو قول الضحاك.
وقال ابن زيد: نزلت في قوم من المنافقين كانوا يعدون المؤمنين النصر وهم كاذبون. فيكون التقدير على هذا القول: يأيها الذين حكم لهم بحكم الإيمان.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً﴾ المحبة من الله عز وجل قبول الأعمال، والإثابة عليه، أي: إن الله يقبل عمل الذين يقاتلون أعداءه على الدخول في دينه مصطفين كأنهم بنيان مرصوص، كأنهم في اصطفافهم حيطان مبنية قَدْ رُصَّ بناؤها وأحكم في استوائه.
وقيل: ﴿مَّرْصُوصٌ﴾: بني بالرصاص.
قال قتادة: لا يحب صاحب البنيان أن يختلف بناؤه، كذلك تعالى ذكره لا يختلف أمره.
قال ابن زيد: هؤلاء الذين صدقوا قولهم بأعمالهم، والأولون قوم لم يصدقوا قولهم بأعمالهم، لما خرج النبي ﷺ نكصوا عنه وتخلفوا.
وقيل: أن الآية تدل على أن القتال راجلاً أحب إليه من القتال فارساً.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يٰقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾.
واذكر يا محمد إذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون حقاً أني رسول الله إليكم.
﴿فَلَمَّا زَاغُوۤاْ﴾ أي: عدلوا عن الحق، وجاروا عن الهدى، أزاغ الله قلوبهم؛ أي: أمالها عن الحق، وقيل عن الثواب.
وقال أبو أمامة: هم الخوارج.
وعن سعد بن أبي وقاص: هم الحَرُورِية.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ﴾ (أي: لا يوفق للصواب) من خرج عن الإيمان إلى الكفر.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم﴾.
أي: واذكر يا محمد إذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم ﴿مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ﴾ أي: لما نزل قبلي من التوراة على موسى ومبشراً لكم (برسول من الله) إليكم يأتي من بعدي اسمه أحمد.
* *
ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: فلما جاء أحمد لبني إسرائيل بالعلامات الظاهرات الدالات على نبوته، قالوا هذا الذي جئتنا به سحر ظاهر، ومن قرأ "ساحر" فمعناه: قالوا هذا الذي جاءنا هو ساحر بين.
* *
ثم قال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ﴾ أي: لا أحد أظلم ممن اخترق على الله سبحانه الكذب، وهو قولهم للنبي ﷺ، ساحر وشاعر إذ دعاهم إلى الإسلام، يقولون له ذلك حين دعاهم إلى الدخول في الإسلام.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾ أي: لا يوفقهم إلى الهدى.
* *
ثم قال: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ﴾ أي: يريد هؤلاء القائلون لمحمد ﷺ لما دعاهم إلى الإسلام ساحر وشاعر ليبطلوا الحق الذي جاءهم به من عند الله عز وجل بقولهم إنه ساحر وأن ما جاء به سحر.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ أي: مُعل دينه على سائر الأديان، ومظهر نبيه ﷺ على من عاداه، وعنى بالنُّورِ هنا الإسلام، ولو كره ذلك الكافرون بالله سبحانه فلا بد له من إمضاء مراده في إعلاء كلمته.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ﴾ أي: الله الذي أرسل محمداً ﷺ بالهدى، وهو بيان الحق ودين الحق، وهو دين الله عز وجل يعني به الإسلام.
﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ﴾ أي: ليظهر دينه وهو الإسلام على الأديان كلها ويعليه، وذلك فيما روي عند نزول عيسى ﷺ تصير الملة واحدة، فَلاَ يكون دين غير دين الإسلام.
روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ﴾ هو خروج عيسى بن مريم ﷺ.
وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله ﷺ لا يذهب الليل والنهار حتى تُعبد اللات والعزى، قالت: فقلت يا رسول الله إن كنت لأَظن حين أنزل الله عز وجل ﴿هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ﴾ أن: ذلك سيكون تاماً، فقال أنه سيكون ذلك ما شاء الله ثم يبعث الله عز وجل ريحاً طيبة فيتوفى من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من خير، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
أي: ينجيكم قبولها والعمل بها من عذاب مؤلم، أي: موجع، ثم بين التجارة ما هي، فقال:
﴿تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ أي: تدومون على الإيمان بالله ورسوله، وتجاهدون أعداء الله بأموالكم وأنفسكم.
ويروى أن أصحاب النبي ﷺ قالوا: لوددنا أن نجد عملاً نعمله يدخلنا الله به الجنة، فنزلت الآية.
* *
ثم قال: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: قبول ذلك وفعله خير لكم عاقبة إن كنتم تعلمون حسن العاقبة من سوئها.
* *
ثم قال: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ جزم "يغفر" لأنه جواب لتؤمنوا بالله لأنه بمعنى الإلزام كأنه قال: آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم يغفر لكم ذنوبكم، أي: يسترها عليكم فلا يعاقبكم عليها.
وفي حرف عبد الله: ﴿آمَنُواْ﴾ على الأمر.
وقال الفراء: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ جواب الاستفهام في قوله: "هَلْ أَدُلُّكُمْ" وهو خطأ، لأنه ليس بالدلالة تجب المغفرة، إنما تجب بالقبول والعمل.
وقد قال علي بن سليمان: "تؤمنون" عطف بيان على "تجارة".
وقيل: هو مبين عن تجارة، كعطف البيان في الأسماء التي تشبه البدل وهذا قول حسن، فيكون "يغفر" جوابا بالاستفهام (كأنه قال: "بدل تؤمنون").
وتجاهدون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار.
﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ أي: في بساتين إقامة أبداً.
﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ أي: ذلك الذي تقدم وصفه لمن آمن وجاهد هو النجاح العظيم خطره.
الصف 61:10
قوله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ الآيات.
معناه صلى وسجد لله طائعاً أو كارهاً ما في السماوات وما في الأرض.
﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ أي: العزيز في انتقامه ممن عصاه، الحكيم في تدبيره خلقه.
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ هذا تأديب وتوبيخ للمؤمنين، وروي عن ابن عباس أنهم كانوا يقولون قبل أن يفرض الجهاد لو نعلم (أحب الأعمال) إلى الله عز وجل لأتيناه ولو ذهبت فيه أنفسنا وأموالنا فلما كان يوم أحد تولوا عن النبي ﷺ حتى شُج وكُسرت رباعيته، فَعَذلَهُم الله عز وجل على ذلك بهذه الآية.
* *
وقوله: ﴿أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ "أَنْ" في موضع رفع بالابتداء، كما تقول نِعمَ رجلاً زيداً وفي موضع رفع على إضمار مبتدأ.
فالمعنى: لِمَ تقولون قولاً ولا تصدقوه بالفعل، عظم المقت عند الله مقتاً قولكم ما لا تفعلون.
وعن ابن عباس: أن ناساً من المؤمنين كانوا يقولون قبل فرض الجهاد لوددنا أن الله دلنا على أحب الأعمال إليه فنعمل به، فأخبر الله عز وجل نبيه ﷺ أن أحب الأعمال إليه. إيمان بالله لا شك فيه، وجهاد أهل معصيته الذين لم يقروا به، فلما نزل الجهاد، كره ذلك ناس من المسلمين وشق عليهم أمره، فأنزل الله عز وجل هذه الآية.
وقال أبو صالح: قالوا لو كنا نعلم أيُّ الأعمال أحب إلى الله عز وجل وأفضل، فنزلت: [﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ إلى آخر السورة، فكرهوا فنزلت:] ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾.
وقال مجاهد: نزلت في نفر من الأنصار منهم عبد الله بن رواحة، قالوا: في مجلس لو نعلم أيّ الأعمال أحب إلى الله عز وجل لعملناها حتى نموت، فأنزل الله عز وجل فيهم هذا، فقال عبد الله بن رواحة: لا أبرح حبيساً في سبيل الله عز وجل حتى أموت فقُتِل شهيداً رحمه الله.
وقال قتادة: بلغني أنها نزلت في الجهاد، كان الرجل يقول: قاتلت وفعلت ولم يكن فعل، فوعظهم الله عز وجل في ذلك أشد موعظة، وهو قول الضحاك.
وقال ابن زيد: نزلت في قوم من المنافقين كانوا يعدون المؤمنين النصر وهم كاذبون. فيكون التقدير على هذا القول: يأيها الذين حكم لهم بحكم الإيمان.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً﴾ المحبة من الله عز وجل قبول الأعمال، والإثابة عليه، أي: إن الله يقبل عمل الذين يقاتلون أعداءه على الدخول في دينه مصطفين كأنهم بنيان مرصوص، كأنهم في اصطفافهم حيطان مبنية قَدْ رُصَّ بناؤها وأحكم في استوائه.
وقيل: ﴿مَّرْصُوصٌ﴾: بني بالرصاص.
قال قتادة: لا يحب صاحب البنيان أن يختلف بناؤه، كذلك تعالى ذكره لا يختلف أمره.
قال ابن زيد: هؤلاء الذين صدقوا قولهم بأعمالهم، والأولون قوم لم يصدقوا قولهم بأعمالهم، لما خرج النبي ﷺ نكصوا عنه وتخلفوا.
وقيل: أن الآية تدل على أن القتال راجلاً أحب إليه من القتال فارساً.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يٰقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾.
واذكر يا محمد إذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون حقاً أني رسول الله إليكم.
﴿فَلَمَّا زَاغُوۤاْ﴾ أي: عدلوا عن الحق، وجاروا عن الهدى، أزاغ الله قلوبهم؛ أي: أمالها عن الحق، وقيل عن الثواب.
وقال أبو أمامة: هم الخوارج.
وعن سعد بن أبي وقاص: هم الحَرُورِية.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ﴾ (أي: لا يوفق للصواب) من خرج عن الإيمان إلى الكفر.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم﴾.
أي: واذكر يا محمد إذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم ﴿مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ﴾ أي: لما نزل قبلي من التوراة على موسى ومبشراً لكم (برسول من الله) إليكم يأتي من بعدي اسمه أحمد.
* *
ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: فلما جاء أحمد لبني إسرائيل بالعلامات الظاهرات الدالات على نبوته، قالوا هذا الذي جئتنا به سحر ظاهر، ومن قرأ "ساحر" فمعناه: قالوا هذا الذي جاءنا هو ساحر بين.
* *
ثم قال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ﴾ أي: لا أحد أظلم ممن اخترق على الله سبحانه الكذب، وهو قولهم للنبي ﷺ، ساحر وشاعر إذ دعاهم إلى الإسلام، يقولون له ذلك حين دعاهم إلى الدخول في الإسلام.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾ أي: لا يوفقهم إلى الهدى.
* *
ثم قال: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ﴾ أي: يريد هؤلاء القائلون لمحمد ﷺ لما دعاهم إلى الإسلام ساحر وشاعر ليبطلوا الحق الذي جاءهم به من عند الله عز وجل بقولهم إنه ساحر وأن ما جاء به سحر.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ أي: مُعل دينه على سائر الأديان، ومظهر نبيه ﷺ على من عاداه، وعنى بالنُّورِ هنا الإسلام، ولو كره ذلك الكافرون بالله سبحانه فلا بد له من إمضاء مراده في إعلاء كلمته.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ﴾ أي: الله الذي أرسل محمداً ﷺ بالهدى، وهو بيان الحق ودين الحق، وهو دين الله عز وجل يعني به الإسلام.
﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ﴾ أي: ليظهر دينه وهو الإسلام على الأديان كلها ويعليه، وذلك فيما روي عند نزول عيسى ﷺ تصير الملة واحدة، فَلاَ يكون دين غير دين الإسلام.
روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ﴾ هو خروج عيسى بن مريم ﷺ.
وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله ﷺ لا يذهب الليل والنهار حتى تُعبد اللات والعزى، قالت: فقلت يا رسول الله إن كنت لأَظن حين أنزل الله عز وجل ﴿هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ﴾ أن: ذلك سيكون تاماً، فقال أنه سيكون ذلك ما شاء الله ثم يبعث الله عز وجل ريحاً طيبة فيتوفى من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من خير، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
أي: ينجيكم قبولها والعمل بها من عذاب مؤلم، أي: موجع، ثم بين التجارة ما هي، فقال:
﴿تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ أي: تدومون على الإيمان بالله ورسوله، وتجاهدون أعداء الله بأموالكم وأنفسكم.
ويروى أن أصحاب النبي ﷺ قالوا: لوددنا أن نجد عملاً نعمله يدخلنا الله به الجنة، فنزلت الآية.
* *
ثم قال: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: قبول ذلك وفعله خير لكم عاقبة إن كنتم تعلمون حسن العاقبة من سوئها.
* *
ثم قال: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ جزم "يغفر" لأنه جواب لتؤمنوا بالله لأنه بمعنى الإلزام كأنه قال: آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم يغفر لكم ذنوبكم، أي: يسترها عليكم فلا يعاقبكم عليها.
وفي حرف عبد الله: ﴿آمَنُواْ﴾ على الأمر.
وقال الفراء: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ جواب الاستفهام في قوله: "هَلْ أَدُلُّكُمْ" وهو خطأ، لأنه ليس بالدلالة تجب المغفرة، إنما تجب بالقبول والعمل.
وقد قال علي بن سليمان: "تؤمنون" عطف بيان على "تجارة".
وقيل: هو مبين عن تجارة، كعطف البيان في الأسماء التي تشبه البدل وهذا قول حسن، فيكون "يغفر" جوابا بالاستفهام (كأنه قال: "بدل تؤمنون").
وتجاهدون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار.
﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ أي: في بساتين إقامة أبداً.
﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ أي: ذلك الذي تقدم وصفه لمن آمن وجاهد هو النجاح العظيم خطره.
الصف 61:11
قوله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ الآيات.
معناه صلى وسجد لله طائعاً أو كارهاً ما في السماوات وما في الأرض.
﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ أي: العزيز في انتقامه ممن عصاه، الحكيم في تدبيره خلقه.
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ هذا تأديب وتوبيخ للمؤمنين، وروي عن ابن عباس أنهم كانوا يقولون قبل أن يفرض الجهاد لو نعلم (أحب الأعمال) إلى الله عز وجل لأتيناه ولو ذهبت فيه أنفسنا وأموالنا فلما كان يوم أحد تولوا عن النبي ﷺ حتى شُج وكُسرت رباعيته، فَعَذلَهُم الله عز وجل على ذلك بهذه الآية.
* *
وقوله: ﴿أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ "أَنْ" في موضع رفع بالابتداء، كما تقول نِعمَ رجلاً زيداً وفي موضع رفع على إضمار مبتدأ.
فالمعنى: لِمَ تقولون قولاً ولا تصدقوه بالفعل، عظم المقت عند الله مقتاً قولكم ما لا تفعلون.
وعن ابن عباس: أن ناساً من المؤمنين كانوا يقولون قبل فرض الجهاد لوددنا أن الله دلنا على أحب الأعمال إليه فنعمل به، فأخبر الله عز وجل نبيه ﷺ أن أحب الأعمال إليه. إيمان بالله لا شك فيه، وجهاد أهل معصيته الذين لم يقروا به، فلما نزل الجهاد، كره ذلك ناس من المسلمين وشق عليهم أمره، فأنزل الله عز وجل هذه الآية.
وقال أبو صالح: قالوا لو كنا نعلم أيُّ الأعمال أحب إلى الله عز وجل وأفضل، فنزلت: [﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ إلى آخر السورة، فكرهوا فنزلت:] ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾.
وقال مجاهد: نزلت في نفر من الأنصار منهم عبد الله بن رواحة، قالوا: في مجلس لو نعلم أيّ الأعمال أحب إلى الله عز وجل لعملناها حتى نموت، فأنزل الله عز وجل فيهم هذا، فقال عبد الله بن رواحة: لا أبرح حبيساً في سبيل الله عز وجل حتى أموت فقُتِل شهيداً رحمه الله.
وقال قتادة: بلغني أنها نزلت في الجهاد، كان الرجل يقول: قاتلت وفعلت ولم يكن فعل، فوعظهم الله عز وجل في ذلك أشد موعظة، وهو قول الضحاك.
وقال ابن زيد: نزلت في قوم من المنافقين كانوا يعدون المؤمنين النصر وهم كاذبون. فيكون التقدير على هذا القول: يأيها الذين حكم لهم بحكم الإيمان.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً﴾ المحبة من الله عز وجل قبول الأعمال، والإثابة عليه، أي: إن الله يقبل عمل الذين يقاتلون أعداءه على الدخول في دينه مصطفين كأنهم بنيان مرصوص، كأنهم في اصطفافهم حيطان مبنية قَدْ رُصَّ بناؤها وأحكم في استوائه.
وقيل: ﴿مَّرْصُوصٌ﴾: بني بالرصاص.
قال قتادة: لا يحب صاحب البنيان أن يختلف بناؤه، كذلك تعالى ذكره لا يختلف أمره.
قال ابن زيد: هؤلاء الذين صدقوا قولهم بأعمالهم، والأولون قوم لم يصدقوا قولهم بأعمالهم، لما خرج النبي ﷺ نكصوا عنه وتخلفوا.
وقيل: أن الآية تدل على أن القتال راجلاً أحب إليه من القتال فارساً.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يٰقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾.
واذكر يا محمد إذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون حقاً أني رسول الله إليكم.
﴿فَلَمَّا زَاغُوۤاْ﴾ أي: عدلوا عن الحق، وجاروا عن الهدى، أزاغ الله قلوبهم؛ أي: أمالها عن الحق، وقيل عن الثواب.
وقال أبو أمامة: هم الخوارج.
وعن سعد بن أبي وقاص: هم الحَرُورِية.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ﴾ (أي: لا يوفق للصواب) من خرج عن الإيمان إلى الكفر.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم﴾.
أي: واذكر يا محمد إذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم ﴿مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ﴾ أي: لما نزل قبلي من التوراة على موسى ومبشراً لكم (برسول من الله) إليكم يأتي من بعدي اسمه أحمد.
* *
ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: فلما جاء أحمد لبني إسرائيل بالعلامات الظاهرات الدالات على نبوته، قالوا هذا الذي جئتنا به سحر ظاهر، ومن قرأ "ساحر" فمعناه: قالوا هذا الذي جاءنا هو ساحر بين.
* *
ثم قال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ﴾ أي: لا أحد أظلم ممن اخترق على الله سبحانه الكذب، وهو قولهم للنبي ﷺ، ساحر وشاعر إذ دعاهم إلى الإسلام، يقولون له ذلك حين دعاهم إلى الدخول في الإسلام.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾ أي: لا يوفقهم إلى الهدى.
* *
ثم قال: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ﴾ أي: يريد هؤلاء القائلون لمحمد ﷺ لما دعاهم إلى الإسلام ساحر وشاعر ليبطلوا الحق الذي جاءهم به من عند الله عز وجل بقولهم إنه ساحر وأن ما جاء به سحر.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ أي: مُعل دينه على سائر الأديان، ومظهر نبيه ﷺ على من عاداه، وعنى بالنُّورِ هنا الإسلام، ولو كره ذلك الكافرون بالله سبحانه فلا بد له من إمضاء مراده في إعلاء كلمته.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ﴾ أي: الله الذي أرسل محمداً ﷺ بالهدى، وهو بيان الحق ودين الحق، وهو دين الله عز وجل يعني به الإسلام.
﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ﴾ أي: ليظهر دينه وهو الإسلام على الأديان كلها ويعليه، وذلك فيما روي عند نزول عيسى ﷺ تصير الملة واحدة، فَلاَ يكون دين غير دين الإسلام.
روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ﴾ هو خروج عيسى بن مريم ﷺ.
وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله ﷺ لا يذهب الليل والنهار حتى تُعبد اللات والعزى، قالت: فقلت يا رسول الله إن كنت لأَظن حين أنزل الله عز وجل ﴿هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ﴾ أن: ذلك سيكون تاماً، فقال أنه سيكون ذلك ما شاء الله ثم يبعث الله عز وجل ريحاً طيبة فيتوفى من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من خير، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
أي: ينجيكم قبولها والعمل بها من عذاب مؤلم، أي: موجع، ثم بين التجارة ما هي، فقال:
﴿تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ أي: تدومون على الإيمان بالله ورسوله، وتجاهدون أعداء الله بأموالكم وأنفسكم.
ويروى أن أصحاب النبي ﷺ قالوا: لوددنا أن نجد عملاً نعمله يدخلنا الله به الجنة، فنزلت الآية.
* *
ثم قال: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: قبول ذلك وفعله خير لكم عاقبة إن كنتم تعلمون حسن العاقبة من سوئها.
* *
ثم قال: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ جزم "يغفر" لأنه جواب لتؤمنوا بالله لأنه بمعنى الإلزام كأنه قال: آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم يغفر لكم ذنوبكم، أي: يسترها عليكم فلا يعاقبكم عليها.
وفي حرف عبد الله: ﴿آمَنُواْ﴾ على الأمر.
وقال الفراء: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ جواب الاستفهام في قوله: "هَلْ أَدُلُّكُمْ" وهو خطأ، لأنه ليس بالدلالة تجب المغفرة، إنما تجب بالقبول والعمل.
وقد قال علي بن سليمان: "تؤمنون" عطف بيان على "تجارة".
وقيل: هو مبين عن تجارة، كعطف البيان في الأسماء التي تشبه البدل وهذا قول حسن، فيكون "يغفر" جوابا بالاستفهام (كأنه قال: "بدل تؤمنون").
وتجاهدون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار.
﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ أي: في بساتين إقامة أبداً.
﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ أي: ذلك الذي تقدم وصفه لمن آمن وجاهد هو النجاح العظيم خطره.
الصف 61:12
قوله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ الآيات.
معناه صلى وسجد لله طائعاً أو كارهاً ما في السماوات وما في الأرض.
﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ أي: العزيز في انتقامه ممن عصاه، الحكيم في تدبيره خلقه.
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ هذا تأديب وتوبيخ للمؤمنين، وروي عن ابن عباس أنهم كانوا يقولون قبل أن يفرض الجهاد لو نعلم (أحب الأعمال) إلى الله عز وجل لأتيناه ولو ذهبت فيه أنفسنا وأموالنا فلما كان يوم أحد تولوا عن النبي ﷺ حتى شُج وكُسرت رباعيته، فَعَذلَهُم الله عز وجل على ذلك بهذه الآية.
* *
وقوله: ﴿أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ "أَنْ" في موضع رفع بالابتداء، كما تقول نِعمَ رجلاً زيداً وفي موضع رفع على إضمار مبتدأ.
فالمعنى: لِمَ تقولون قولاً ولا تصدقوه بالفعل، عظم المقت عند الله مقتاً قولكم ما لا تفعلون.
وعن ابن عباس: أن ناساً من المؤمنين كانوا يقولون قبل فرض الجهاد لوددنا أن الله دلنا على أحب الأعمال إليه فنعمل به، فأخبر الله عز وجل نبيه ﷺ أن أحب الأعمال إليه. إيمان بالله لا شك فيه، وجهاد أهل معصيته الذين لم يقروا به، فلما نزل الجهاد، كره ذلك ناس من المسلمين وشق عليهم أمره، فأنزل الله عز وجل هذه الآية.
وقال أبو صالح: قالوا لو كنا نعلم أيُّ الأعمال أحب إلى الله عز وجل وأفضل، فنزلت: [﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ إلى آخر السورة، فكرهوا فنزلت:] ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾.
وقال مجاهد: نزلت في نفر من الأنصار منهم عبد الله بن رواحة، قالوا: في مجلس لو نعلم أيّ الأعمال أحب إلى الله عز وجل لعملناها حتى نموت، فأنزل الله عز وجل فيهم هذا، فقال عبد الله بن رواحة: لا أبرح حبيساً في سبيل الله عز وجل حتى أموت فقُتِل شهيداً رحمه الله.
وقال قتادة: بلغني أنها نزلت في الجهاد، كان الرجل يقول: قاتلت وفعلت ولم يكن فعل، فوعظهم الله عز وجل في ذلك أشد موعظة، وهو قول الضحاك.
وقال ابن زيد: نزلت في قوم من المنافقين كانوا يعدون المؤمنين النصر وهم كاذبون. فيكون التقدير على هذا القول: يأيها الذين حكم لهم بحكم الإيمان.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً﴾ المحبة من الله عز وجل قبول الأعمال، والإثابة عليه، أي: إن الله يقبل عمل الذين يقاتلون أعداءه على الدخول في دينه مصطفين كأنهم بنيان مرصوص، كأنهم في اصطفافهم حيطان مبنية قَدْ رُصَّ بناؤها وأحكم في استوائه.
وقيل: ﴿مَّرْصُوصٌ﴾: بني بالرصاص.
قال قتادة: لا يحب صاحب البنيان أن يختلف بناؤه، كذلك تعالى ذكره لا يختلف أمره.
قال ابن زيد: هؤلاء الذين صدقوا قولهم بأعمالهم، والأولون قوم لم يصدقوا قولهم بأعمالهم، لما خرج النبي ﷺ نكصوا عنه وتخلفوا.
وقيل: أن الآية تدل على أن القتال راجلاً أحب إليه من القتال فارساً.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يٰقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾.
واذكر يا محمد إذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون حقاً أني رسول الله إليكم.
﴿فَلَمَّا زَاغُوۤاْ﴾ أي: عدلوا عن الحق، وجاروا عن الهدى، أزاغ الله قلوبهم؛ أي: أمالها عن الحق، وقيل عن الثواب.
وقال أبو أمامة: هم الخوارج.
وعن سعد بن أبي وقاص: هم الحَرُورِية.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ﴾ (أي: لا يوفق للصواب) من خرج عن الإيمان إلى الكفر.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم﴾.
أي: واذكر يا محمد إذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم ﴿مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ﴾ أي: لما نزل قبلي من التوراة على موسى ومبشراً لكم (برسول من الله) إليكم يأتي من بعدي اسمه أحمد.
* *
ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: فلما جاء أحمد لبني إسرائيل بالعلامات الظاهرات الدالات على نبوته، قالوا هذا الذي جئتنا به سحر ظاهر، ومن قرأ "ساحر" فمعناه: قالوا هذا الذي جاءنا هو ساحر بين.
* *
ثم قال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ﴾ أي: لا أحد أظلم ممن اخترق على الله سبحانه الكذب، وهو قولهم للنبي ﷺ، ساحر وشاعر إذ دعاهم إلى الإسلام، يقولون له ذلك حين دعاهم إلى الدخول في الإسلام.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾ أي: لا يوفقهم إلى الهدى.
* *
ثم قال: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ﴾ أي: يريد هؤلاء القائلون لمحمد ﷺ لما دعاهم إلى الإسلام ساحر وشاعر ليبطلوا الحق الذي جاءهم به من عند الله عز وجل بقولهم إنه ساحر وأن ما جاء به سحر.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ أي: مُعل دينه على سائر الأديان، ومظهر نبيه ﷺ على من عاداه، وعنى بالنُّورِ هنا الإسلام، ولو كره ذلك الكافرون بالله سبحانه فلا بد له من إمضاء مراده في إعلاء كلمته.
* *
ثم قال: ﴿هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ﴾ أي: الله الذي أرسل محمداً ﷺ بالهدى، وهو بيان الحق ودين الحق، وهو دين الله عز وجل يعني به الإسلام.
﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ﴾ أي: ليظهر دينه وهو الإسلام على الأديان كلها ويعليه، وذلك فيما روي عند نزول عيسى ﷺ تصير الملة واحدة، فَلاَ يكون دين غير دين الإسلام.
روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ﴾ هو خروج عيسى بن مريم ﷺ.
وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله ﷺ لا يذهب الليل والنهار حتى تُعبد اللات والعزى، قالت: فقلت يا رسول الله إن كنت لأَظن حين أنزل الله عز وجل ﴿هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ﴾ أن: ذلك سيكون تاماً، فقال أنه سيكون ذلك ما شاء الله ثم يبعث الله عز وجل ريحاً طيبة فيتوفى من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من خير، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
أي: ينجيكم قبولها والعمل بها من عذاب مؤلم، أي: موجع، ثم بين التجارة ما هي، فقال:
﴿تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ أي: تدومون على الإيمان بالله ورسوله، وتجاهدون أعداء الله بأموالكم وأنفسكم.
ويروى أن أصحاب النبي ﷺ قالوا: لوددنا أن نجد عملاً نعمله يدخلنا الله به الجنة، فنزلت الآية.
* *
ثم قال: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: قبول ذلك وفعله خير لكم عاقبة إن كنتم تعلمون حسن العاقبة من سوئها.
* *
ثم قال: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ جزم "يغفر" لأنه جواب لتؤمنوا بالله لأنه بمعنى الإلزام كأنه قال: آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم يغفر لكم ذنوبكم، أي: يسترها عليكم فلا يعاقبكم عليها.
وفي حرف عبد الله: ﴿آمَنُواْ﴾ على الأمر.
وقال الفراء: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ جواب الاستفهام في قوله: "هَلْ أَدُلُّكُمْ" وهو خطأ، لأنه ليس بالدلالة تجب المغفرة، إنما تجب بالقبول والعمل.
وقد قال علي بن سليمان: "تؤمنون" عطف بيان على "تجارة".
وقيل: هو مبين عن تجارة، كعطف البيان في الأسماء التي تشبه البدل وهذا قول حسن، فيكون "يغفر" جوابا بالاستفهام (كأنه قال: "بدل تؤمنون").
وتجاهدون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار.
﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ أي: في بساتين إقامة أبداً.
﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ أي: ذلك الذي تقدم وصفه لمن آمن وجاهد هو النجاح العظيم خطره.
الصف 61:13
قوله: ﴿وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّن ٱللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ إلى آخر السورة الآيات، أي: وهل أدلكم على خلة أخرى تحبونها هي نصر من الله لكم على أعدائكم، وفتح لكم قريب، "فأخرى" في موضع خفض عطفاً على "تجارة" عند الأخفش.
وقال الفراء: هي في موضع رفع، والتقدير: ولكم خلة أخرى، وهو اختيار الطبري لأجل رفع "نصر" و "فتح" على البدل من "أخرى"، فيكون المعنى على قول الفراء أنه وعدهم على أيمانهم وجهادهم بخلتين: واحدة في الآخرة وهي غفران الذنوب ودخول الجنات والمساكن الطيبات في جنات عدن، والأخرى في الدنيا، وهي النصر والفتح والغنيمة، فتقف على مذهب الأخفش على ﴿تُحِبُّونَهَا﴾ وتبتدئ ﴿نَصْرٌ مِّن ٱللَّهِ﴾، أي: هو نصر، ولا تقف على قول الفراء، لأن (نصراً بدلٌ) من "أخرى".
* *
ثم قال: ﴿وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: وبشر يا محمد المؤمنين بنصر من الله لهم وفتح عاجل.
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُوۤاْ أَنصَارَ ٱللَّهِ﴾ أي: لأنبيائه ولأوليائه ولدينه، ومن أضاف "أنصاراً" إلى الله احتج بقوله: "نَحْنُ أَنْصارُ اللهَِّ" وهو اختيار أبي عبيد. فرد ما اختلفوا فيه إلى ما أجمعوا عليه.
وفي حرف عبد الله: "أَنْتُمْ أَنْصارَ اللهَِّ" بالإضافة والإيجاب، وأيضاً فإنه جمع مكسر، وليس مثل ضاربين فيعمل ويُنَون، فكانت إضافته أولى، ومن لم يضف قال بينهما فرق، لأن الأول يراد به الاستقبال فهو مشابه لاسم الفاعل.
وحقُّه إذا أريدَ به الاستقبال التنوين، والثاني أمر قد كان، فلذلك أجمع فيه على إضافته.
* *
وقوله: ﴿كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنَّصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ﴾ الكاف من "كَمَا" في موضع نصب نعت لمصدر محذوف، والتقدير كونوا كونا [كما].
وقيل: هي نعت للأنصار، أي: كونوا أنصاراً مثل أنصار عيسى.
قال قتادة: كانت لله أنصار من هذه الأمة تجاهد على كتابه وحقه.
ذكر لنا أنه بايع النبي ﷺ ليلة العقبة اثنان وسبعين رجلاً من الأنصار، وذكر لنا أن بعضهم قال: هل تدرون على ما تبايعون هذا الرجل، إنكم تبايعونه على محاربة العرب كلها ويسلمون، وذكر لنا أن بعضهم قال يا نبي الله اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما منعتم منه أنفسكم وأبناءكم قالوا فإذا فعلنا ذلك فما لنا يا نبي الله، قال لكم النصر في الدنيا، والجنة في الآخرة، ففعلوا، ففعل الله عز وجل بهم ذلك
قال معمر: قال الحواريون يعني من أصحاب محمد، نحن أنصار الله، قال كلهم من قريش أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن ابن عوف وأبو عبيدة بن الجراح وجعفر وحمزة وعثمان بن مظعون رضوان الله عليهم.
قال مجاهد: من أنصاري إلى الله: من يتبعني إلى الله.
قال ابن عباس: سموا حواريين لبياض ثيابهم.
وقال الضحاك: الحواريون هم الغسالون بالنَّبَطِية، فيكونون على هذا في قوله "قالَ الْحَوارِيُّونَ" يعني به حواري عيسى.
قال الضحاك: هم غسالون مَرَّ بهم عيسى فآمنوا واتبعوه.
وقيل: الحواريون: صفوة الأنبياء، ومنه قيل لما يختار من صفو الدقيق وخالصه: حَوَارَى.
وقال القتبي: ﴿مَنْ أَنَّصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ﴾ أي: مع الله، وهذا عند بعض العلماء لا يجوز كما لا يجوز "قمت إلى زيد" بمعنى "مع زيد" و "إِلى" على بابِها، ومعناه: من يضم نصرته إياي إلى نصرة الله إياي، فالمعنى: قال الحواريون نحن أنصار أنبياء الله على ما بعثهم به من الحق.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَآمَنَت طَّآئِفَةٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌ﴾ يعني: بعيسى.
قال ابن عباس: لما أراد الله جل ذكره أن يرفع عيسى إلى السماء خرج إلى أصحابه وهم اثنا عشر في بيت، فخرج إليهم من عين في البيت ورأسه يقطر ماء، فقال لهم: إن منكم من سيكفر بي اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن بي، ثم قال: أيُّكم يلقى عليه شبهي فيقتل في مكاني ويكون معي في درجتي، قال فقام شاب من أحدثهم سناً، فقال أنا، فقال أجلس ثم أعاد عليهم ، [الثالثة]، فقال أنا قال نعم أنت ذلك، فألقى عليه شبه عيسى ورفع عيسى من زاوية في البيت إلى السماء، قال وجاء الطلب من اليهود فأخذوا شبهه، فقتلوه وكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن به، فتفرقوا ثلاثة فرق، فقالت فرقة: كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء وهم اليعقوبية، وقالت فرقة كان فينا ابن الله ما شاء ثم رفع إليه وهم النسطورية، وقالت فرقة كان عبد الله ورسوله ما شاء فينا ثم رفعه إليه وهم المسلمون، فتظاهرت الفرقتان على المسلمة فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامساً حتى بعثه الله محمداً ﷺ، فآمنت طائفة من بني إسرائيل بمحمد ﷺ وكفرت طائفة به.
وقيل: آمنت طائفة بعيسى ﷺ وكفرت أخرى به.
* *
ثم قال: ﴿فَأَيَّدْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ﴾ يعني: إظهار دين محمد على دين الكفرة.
قال قتادة: فتفرقوا أربع فرق بعد عيسى، قالت طائفة هو الله وهم اليعقوبية. وقالت طائفة منهم هو ابنه (تعالى عن ذلك وجل) وهم الإسرائيلية.
وقالت طائفة منهم: أمه الإله وهو الله وهم النسطورية، وقالت طائفة منهم: وهو عبد الله ورسوله، وهم المسلمون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَأَيَّدْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ﴾ أي: قويناهم بالحجة الظاهرة أن عيسى روح الله وكلمته.
قال قتادة: الفرقة المسلمة للفرق: ألستم تعلمون أن عيسى كان ينام وأن الله لا ينام، وأن عيسى كان يأكل وأن الله لا يأكل.
وقيل: المعنى: فقوينا الذين آمنوا من بني إسرائيل على عدوهم الذين كفروا منهم بمحمد ﷺ بتصديق محمد عليه السلام إيّاهم أن عيسى عبد الله ورسوله، وتكذيبه من قال خلاف ذلك.
﴿فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ﴾ أي: فأصبحت الطائفة المؤمنة مستعلية بالحجة والبرهان على الكفار.
قال النخعي: أصبحت حجة من آمن بعيسى ﷺ ظاهرة بتصديق محمد ﷺ لهم بأن عيسى روح الله وكلمته.
وقيل: فأصبح من آمن مع عيسى عالياً على من كفر به.
يقال: ظهرت على الحائط بمعنى: علوت عليه.
الصف 61:14
قوله: ﴿وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّن ٱللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ إلى آخر السورة الآيات، أي: وهل أدلكم على خلة أخرى تحبونها هي نصر من الله لكم على أعدائكم، وفتح لكم قريب، "فأخرى" في موضع خفض عطفاً على "تجارة" عند الأخفش.
وقال الفراء: هي في موضع رفع، والتقدير: ولكم خلة أخرى، وهو اختيار الطبري لأجل رفع "نصر" و "فتح" على البدل من "أخرى"، فيكون المعنى على قول الفراء أنه وعدهم على أيمانهم وجهادهم بخلتين: واحدة في الآخرة وهي غفران الذنوب ودخول الجنات والمساكن الطيبات في جنات عدن، والأخرى في الدنيا، وهي النصر والفتح والغنيمة، فتقف على مذهب الأخفش على ﴿تُحِبُّونَهَا﴾ وتبتدئ ﴿نَصْرٌ مِّن ٱللَّهِ﴾، أي: هو نصر، ولا تقف على قول الفراء، لأن (نصراً بدلٌ) من "أخرى".
* *
ثم قال: ﴿وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: وبشر يا محمد المؤمنين بنصر من الله لهم وفتح عاجل.
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُوۤاْ أَنصَارَ ٱللَّهِ﴾ أي: لأنبيائه ولأوليائه ولدينه، ومن أضاف "أنصاراً" إلى الله احتج بقوله: "نَحْنُ أَنْصارُ اللهَِّ" وهو اختيار أبي عبيد. فرد ما اختلفوا فيه إلى ما أجمعوا عليه.
وفي حرف عبد الله: "أَنْتُمْ أَنْصارَ اللهَِّ" بالإضافة والإيجاب، وأيضاً فإنه جمع مكسر، وليس مثل ضاربين فيعمل ويُنَون، فكانت إضافته أولى، ومن لم يضف قال بينهما فرق، لأن الأول يراد به الاستقبال فهو مشابه لاسم الفاعل.
وحقُّه إذا أريدَ به الاستقبال التنوين، والثاني أمر قد كان، فلذلك أجمع فيه على إضافته.
* *
وقوله: ﴿كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنَّصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ﴾ الكاف من "كَمَا" في موضع نصب نعت لمصدر محذوف، والتقدير كونوا كونا [كما].
وقيل: هي نعت للأنصار، أي: كونوا أنصاراً مثل أنصار عيسى.
قال قتادة: كانت لله أنصار من هذه الأمة تجاهد على كتابه وحقه.
ذكر لنا أنه بايع النبي ﷺ ليلة العقبة اثنان وسبعين رجلاً من الأنصار، وذكر لنا أن بعضهم قال: هل تدرون على ما تبايعون هذا الرجل، إنكم تبايعونه على محاربة العرب كلها ويسلمون، وذكر لنا أن بعضهم قال يا نبي الله اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما منعتم منه أنفسكم وأبناءكم قالوا فإذا فعلنا ذلك فما لنا يا نبي الله، قال لكم النصر في الدنيا، والجنة في الآخرة، ففعلوا، ففعل الله عز وجل بهم ذلك
قال معمر: قال الحواريون يعني من أصحاب محمد، نحن أنصار الله، قال كلهم من قريش أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن ابن عوف وأبو عبيدة بن الجراح وجعفر وحمزة وعثمان بن مظعون رضوان الله عليهم.
قال مجاهد: من أنصاري إلى الله: من يتبعني إلى الله.
قال ابن عباس: سموا حواريين لبياض ثيابهم.
وقال الضحاك: الحواريون هم الغسالون بالنَّبَطِية، فيكونون على هذا في قوله "قالَ الْحَوارِيُّونَ" يعني به حواري عيسى.
قال الضحاك: هم غسالون مَرَّ بهم عيسى فآمنوا واتبعوه.
وقيل: الحواريون: صفوة الأنبياء، ومنه قيل لما يختار من صفو الدقيق وخالصه: حَوَارَى.
وقال القتبي: ﴿مَنْ أَنَّصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ﴾ أي: مع الله، وهذا عند بعض العلماء لا يجوز كما لا يجوز "قمت إلى زيد" بمعنى "مع زيد" و "إِلى" على بابِها، ومعناه: من يضم نصرته إياي إلى نصرة الله إياي، فالمعنى: قال الحواريون نحن أنصار أنبياء الله على ما بعثهم به من الحق.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَآمَنَت طَّآئِفَةٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌ﴾ يعني: بعيسى.
قال ابن عباس: لما أراد الله جل ذكره أن يرفع عيسى إلى السماء خرج إلى أصحابه وهم اثنا عشر في بيت، فخرج إليهم من عين في البيت ورأسه يقطر ماء، فقال لهم: إن منكم من سيكفر بي اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن بي، ثم قال: أيُّكم يلقى عليه شبهي فيقتل في مكاني ويكون معي في درجتي، قال فقام شاب من أحدثهم سناً، فقال أنا، فقال أجلس ثم أعاد عليهم ، [الثالثة]، فقال أنا قال نعم أنت ذلك، فألقى عليه شبه عيسى ورفع عيسى من زاوية في البيت إلى السماء، قال وجاء الطلب من اليهود فأخذوا شبهه، فقتلوه وكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن به، فتفرقوا ثلاثة فرق، فقالت فرقة: كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء وهم اليعقوبية، وقالت فرقة كان فينا ابن الله ما شاء ثم رفع إليه وهم النسطورية، وقالت فرقة كان عبد الله ورسوله ما شاء فينا ثم رفعه إليه وهم المسلمون، فتظاهرت الفرقتان على المسلمة فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامساً حتى بعثه الله محمداً ﷺ، فآمنت طائفة من بني إسرائيل بمحمد ﷺ وكفرت طائفة به.
وقيل: آمنت طائفة بعيسى ﷺ وكفرت أخرى به.
* *
ثم قال: ﴿فَأَيَّدْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ﴾ يعني: إظهار دين محمد على دين الكفرة.
قال قتادة: فتفرقوا أربع فرق بعد عيسى، قالت طائفة هو الله وهم اليعقوبية. وقالت طائفة منهم هو ابنه (تعالى عن ذلك وجل) وهم الإسرائيلية.
وقالت طائفة منهم: أمه الإله وهو الله وهم النسطورية، وقالت طائفة منهم: وهو عبد الله ورسوله، وهم المسلمون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَأَيَّدْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ﴾ أي: قويناهم بالحجة الظاهرة أن عيسى روح الله وكلمته.
قال قتادة: الفرقة المسلمة للفرق: ألستم تعلمون أن عيسى كان ينام وأن الله لا ينام، وأن عيسى كان يأكل وأن الله لا يأكل.
وقيل: المعنى: فقوينا الذين آمنوا من بني إسرائيل على عدوهم الذين كفروا منهم بمحمد ﷺ بتصديق محمد عليه السلام إيّاهم أن عيسى عبد الله ورسوله، وتكذيبه من قال خلاف ذلك.
﴿فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ﴾ أي: فأصبحت الطائفة المؤمنة مستعلية بالحجة والبرهان على الكفار.
قال النخعي: أصبحت حجة من آمن بعيسى ﷺ ظاهرة بتصديق محمد ﷺ لهم بأن عيسى روح الله وكلمته.
وقيل: فأصبح من آمن مع عيسى عالياً على من كفر به.
يقال: ظهرت على الحائط بمعنى: علوت عليه.