Tafsir Makhi — الجمعة 62:1 – التغابن 64:18
المحتويات
- الجمعة 62:1
- الجمعة 62:2
- الجمعة 62:3
- الجمعة 62:4
- الجمعة 62:5
- الجمعة 62:6
- الجمعة 62:7
- الجمعة 62:8
- الجمعة 62:9
- الجمعة 62:10
- الجمعة 62:11
- المنافقون 63:1
- المنافقون 63:2
- المنافقون 63:3
- المنافقون 63:4
- المنافقون 63:5
- المنافقون 63:6
- المنافقون 63:7
- المنافقون 63:8
- المنافقون 63:9
- المنافقون 63:10
- المنافقون 63:11
- التغابن 64:1
- التغابن 64:2
- التغابن 64:3
- التغابن 64:4
- التغابن 64:5
- التغابن 64:6
- التغابن 64:7
- التغابن 64:8
- التغابن 64:9
- التغابن 64:10
- التغابن 64:11
- التغابن 64:12
- التغابن 64:13
- التغابن 64:14
- التغابن 64:15
- التغابن 64:16
- التغابن 64:17
- التغابن 64:18
الجمعة 62:1
قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾، إلى آخر السورة.
أي: يصلي ويسجد لله ما في السماوات السبع وما في الأرض من الخلق طوعاً وكرهاً. و "يسبح" للحال.
* *
وقوله: ﴿ٱلْمَلِكِ ٱلْقُدُّوسِ﴾.
أي: الذي له ملك كل شيء، [الطاهر] من كل ما يضيفه إليه المشركون.
* *
﴿ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ﴾.
أي: الشديد في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبيره خَلْقَه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً (مِّنْهُمْ)﴾.
أي: الله الذي بعث في العرب - [الذين] لا كتاب عندهم من عند الله - رسولاً منهم، يعني [محمداً] ﷺ.
قال ابن زيد: "سميت أمة محمد أميين لأنه لم ينزل عليهم كتاباً قبل القرآن".
وروى ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "نَحْنُ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لاَ نَكْتُبُ وَلاَ نَحْسُبُ"وذكر الحديث.
[و] إنما قيل، [للذي] لا يكتب: "أمي"، لأنه نسب إلى أمه، كأنه كما ولد.
وقيل: نسب إليها لأنها في أكثر الأحوال لا تكتب.
وقيل: إن [الأميين] إنما نسبوا إلى أم القرى، وهي مكة.
* *
- وقوله: ﴿يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾.
أي: يقرأ عليهم كتاب الله وَيُطَهِّرُهم من دَنَس الكفر ويُمَنِّيهِم بالثواب إذا قبلوا منه واتبعوه.
* *
﴿وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ﴾.
أي: القرآن.
﴿وَٱلْحِكْمَةَ﴾: التفقه في الدين. وقيل: الكتاب: القرآن وما فيه من حلال وحرام. والحِكْمَةُ: (السُّنَّةُ. قاله) قتادة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾.
أي: وقد كان هؤلاء (الأميون) - من قبل بعث محمد إليهم - في جور ظاهر عن قصد السبيل وعن الهدى والرشاد. وتقديره [في] [العـ]ــربية: وما كانوا من قبل بعث محمد إلا في ضلالٍ (مبين)، (هذا مذهب سيبويه، وتقديره عند الكوفيين). وإنهم كانوا من قبل بعث محمد لفي ضلالٍ مبين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾.
﴿وَآخَرِينَ﴾: عطف على الأميين، أي: بعث في الأميين وفي آخرين منهم، "فهم" في موضع خفض، وقيل: "هم" في موضع نصب عطف على الهاء والميم في "يُعَلِّمْهُمُ" أو في: "يُزَكَّيهِمْ"، أي: ويعلم آخرين (مِنهُم الكتاب والحكمة، أي: ويزكي آخرين منهم، قال مجاهد: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾) عنى به العجم لأنهم أميون أيضاً، وكذلك قال ابن جبير.
قال أبو هريرة: "لمَّا نَزَلَ ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾، قِيلَ: يَا رِسُولَ اللهِ، مَنْ هُمْ؟ فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (بِيَدِهِ) عَلَى [سَلْمَانَ] وَقَالَ: لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالثُّرَيَّا لَنَالَهُ هَذَا وَأَصْحَابُهُ
وعن مجاهد: "﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾: هم كل من ردف الإسلام من الناس كلهم".
وقال ابن زيد: هؤلاء كل من كان بعد النبي عليه السلام إلى يوم القيامة (كل من دخل في الإسلام من العرب والعجم.
وقال الضحاك: "كل من آمن وعمل صالحاً إلى يوم القيامة").
وقال ابن عمر في أهل اليمن: أَنْتُمْ هُمْ.
ومعنى: ﴿لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾.
أي: لم يَحْيَوْا بَعْدُ [وَسَيَحْيَوْنَ].
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾.
أي: وهو العزيز في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبيره خلقه.
* *
ثم قال: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلَِ﴾.
أي: هذا الذي تقدم من الخبر على إرسال محمد إلى الأميين وغيرهم هو فضل من الله تفضل به عليهم، لأنه يؤتي فضله من يشاء من عباده، ولا يستحق الذم ممن حرمه إياه لأنه لم يمنعه حقاً هو له، ولكنه (علم) من هو له أهل فأودعه (إياه). وعن ابن عباس أن الفضل هنا: الدين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ﴾.
أي: والله ذو الفضل العظيم على جميع خلقه المحسن منهم والمسيء.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾.
أي: مثل الذين ألزموا العمل بما في التوراة فلم يقوموا به ولا وفوا بما ألزموا فيها من الإيمان بمحمد وغير ذلك من فروضها. يعني بني إسرائيل والنصارى.
* *
- ﴿كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾.
أي يحمل كتباً من العلم لا ينتفع بها ولا يعقل ما فيها، فكذلك الذين أوتوا التوراة فيها بيان أمر محمد وبعثه والأمر بالإيمان به، فلم ينتفعوا بذلك ولا وفوا به، فصاروا في عدم الانتفاع بذلك مثل الحمار الذي يحمل أسفاراً. أي: كتباً بها العلم.
والحمل في هذا من الحمالة وليس من الحمل على الظهر ولا في الصدر، أي تحملوا العمل بما فيها فلم يفوا بذلك. ومثله: ﴿فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا ... وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ﴾ [الأحزاب: ٧٢]. في الأحزاب، ومثله: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢] وهو كثير. فأما قوله: ﴿كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ﴾ فهو من الحمل على الظهر.
قال الضحاك: "الكتاب بالنبطية يسمى سِفْراً".
* *
- ثم قال: ﴿بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ﴾.
(أي: بئس هذا المثل مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله) وحججه.
* *
﴿وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾.
لا يوفقهم (إلى) الهدى عقوبة لهم بكفرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُوۤاْ إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ﴾.
أي: قل - يا محمد - لليهود: إن كنتم تزعمون أنكم أولياء لله من دون المؤمنين فتمنوا الموت إن كنتم محقين في قولكم: إنكم أولياؤه، فإن الله لا يعذب أولياءه، بل يكرمهم [وينعمهم]، فيستريحون من تعب الدنيا وكربها إلى النعيم.
* *
- ثم قال: ﴿وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ (أَبَداً) بِمَا قَدَّمَتْ أَيْديهِمْ﴾.
(أي): ولا يتمنى - يا محمد - اليهودُ الموتَ أبداً لمعرفتهم (بما) قدمت أيديهم من الآثام ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ﴾.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ﴾.
أي: قل لليهود - يا محمد -: إن الموت الذي تهربون منه وتكرهونه - لما قدمت أيديكم من الآثام - لا بد أن يحل بكم ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ﴾ - إذا متّمْ - ﴿إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾، أي: إلى الله الذي يعلم غيب السماوات والأرض، ويعلم ما ظهر من ذلك، ويعلم ما أسررتم من أعمالكم وما أظهرتم فيجازيكم عليها ويخبركم بالذي كنتم تعملون.
ودخلت الفاء في قوله: "فإنه" لتقدم "الذي" وإن كان نعتاً، لأن النعت هو المنعوت في المعنى. و "الذي" فيه إبهام، فشابه الشرط بالإبهام الذي فيه، فدخلت الفاء في خبر "إن" لكون اسمها فيه إبهام كما تدخل في جواب الشرط، لأن خبر "إن" كجواب الشرط، فلما شابهه من الإبهام الذي في "الذي" دخل فيه ما يدخل في جواب الشرط.
وقد قيل: إن الخبر لـ "إن" هنا هو جملة من ابتداء وخبر، والتقدير: قل إن الموت هو الذي تفرون منه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾.
أي: إذا سمعتم النداء إلى الصلاة في يوم الجمعة) فامضوا إليها، وهو الآذان الذي يكون عند قعود الإمام على المنبر للخطبة.
وقد قرأ ابن مسعود وعمر بن الخطاب: "فَامْضُُوا إِلَى ذِكْرِ اللهِ".
والسعي: [العمل] لا السرعة في المشي، دليله (قوله): ﴿وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسْعَىٰ﴾ [عبس: ٨] و: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ﴾ [النازعات: ٢٢] و: ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٠٥] ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ﴾ [الصافات: ١٠٢] كل هذا ليس يراد به سرعة مشي ولا جَرْيٌ، إنما هو العمل. ويزيد في بيانه قوله تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ [الليل: ٤] أي: إن عملكم لمختلف.
قال الحسن وقتادة: فاسعوا بالنية والإرادة.
قال قتادة: "السعي يا ابن آدم أن تسعى بقلبك وعملك، وهو المضي إليها"، وهو قول عكرمة.
(وقال) ابن زيد: إذا سمعتم الداعي الأول فأجيبوا إلى ذلك.
قال: ولم يكن في زمان رسول الله ﷺ أذان إلا الأذان حين يجلس على المنبر، وأذان حين تقام الصلاة. قال: وهذا الآخِر شيء أحدثه الناس بَعْدُ في زمان عثمان رضي الله [عنه] فلم ينكره أحد من الصحابة، وذلك حين كثر الناس وتباعدت الدور من المسجد، فمضى عليه العمل. ولا يحل البيع بعد سماع النداء الذي يكون بين يدي الإمام عند الخطبة، وهو قوله: ﴿وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ﴾.
أي: دعوا البيع والشراء إذا نودي للصلاة عند الخطبة (يوم الجمعة). والذكر هنا هو موعظة الإمامِ الناس في خطبته، قاله ابن المسيب وغيره.
* *
- ثم قال: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
أي: سَعْيُكم إليها وتركُ البيع والشراء خير لكم في عُقْبَاكُمْ إن كنتم تعلمون مصالِحَ أنفسكم ومضارَّها، وقد قال الضحاك والحسن وعطاء: إذا زالت الشمس يوم الجمعة حَرُمَ البيعُ والشراءُ حتى تُقْضَى الصلاة، وكان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يمنع الناسَ البيعَ يوم الجمعة إذا نودي بالصلاة.
وقال مالك: يفسخ البيع إذا وقع في هذا الوقت المنهي عنه، ولم ير الشافعي فسخه لأن الآية ليس فيها فسخه، فقيل له: أرأيت نكاحَ [المُحْرِمِ] ونكاحَ الشِّغَارِ يُفسخان إذا وقعا؟ [فقال: نعم]، قال: فكيف [تفسخهما] وليس في الحديث ذكر الفسخ إذا وقعا؟! إنما فيه النهي عن ذلك كما في الآية النهي عن البيع، فكما لا اختلاف في فسخ النكاح - وإن كان الحديث لم يتضمن ذكر الفسخ - كذلك هذا. وقد ذهب قوم إلى أن البيع جائز في ذلك الوقت، وتأولوا أن الآية على الترغيب لا على الإلزام، واستدلوا (على ذلك) بقوله بعد ذلك: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾. فلما قال ﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ دل على أنه على الترغيب. وهذا غلط، لو جاز هذا لكان قوله: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ ٱنتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] على الترغيب لا على الإلزام، وهذا كفر من قائله.
فإن أعتق أو أنكح بعد الأذان يوم الجمعة لم يفسخ، لأنه ليس من البيع الذي نص الله [عليه]، [ولأنه] أمر نادر غير دائم كالبيع الذي هو دائم منتظر، ولأن القوم إنما خرجوا من خلف النبي ﷺ إلى العير التي أتت من الشام ليَرَوْهَا ولِيَشتروا [مما] جاءت به، فعوتبوا على ذلك ونزل تحريم البيع الذي أخرجهم من خلف النبي عليه السلام.
قال جابر: أَقْبَلَتْ عِيرٌ بِتِجَارَةٍ يَوْمَ الجُمعةِ ورسولُ الله ﷺ يَخْطُبُ، فانصرفَ الناسُ يَنْظُرُونَ، وبَقِيَ رسولُ الله (يخطب) فِي (اثْنَيْ) عَشَرَ رَجُلاً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ
فالجمعة لازمة لكل حر محتلم، وغسلها سنّة على كل محتلم وقت الرواح إليها.
ولا جمعة على المسافر ولا على النساء، فإن (حضرن) وصلين مع الناس ركعتين أجزتهن عن الظهر.
وكان ابن مسعود يخرج النساء من المسجد يوم الجمعة ويقول: أخرجن إلى بيوتكن (خيراً لكن. وجائز للمسافر السفر) يوم الجمعة ما لم يحضر الوقت عند مالك، ومنعه جماعة من ذلك حتى يصلي الجمعة.
والجمعة يجب أن يأتيها من كان على ثلاثة أميال فأقل من المسجد عند مالك.
وعن الزهري: من كان على (مسافة) ستة أميال فأقل يجب عليه الإتيان. وقيل: لا يجب إلا على من سمع النداء، روي (عن) عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وبه قال أحمد بن حنبل، لأنه قال تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ﴾ فدل على أن ذلك على من سمعه أو كانَ في موضع يمكن أن يسمعه.
وقال أصحاب الرأي: تجب الجمعة على أهل المصر، من سمع النداء ومن لم يسمع.
وقال ابن المنكدر والزهري: تجب الجمعة على من كان على أربعة أميال.
وروي عن أبي هريرة: أن الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة من بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وبعد صلاة العصر إلى غروب الشمس.
وقال أبو العالية والحسن: (هي) (عند) زوال الشمس.
وقالت عائشة رضي الله عنها: هي عند أذان المؤذن لصلاة الجمعة.
وعن الحسن أيضاً أنها ما بين خروج الإمام إلى أن [تقضى] الصلاة.
وقال أبو بردة: هي عند نزول الإمام.
وقال أبو السوار: هي ما بين زوال الشمس إلى أن تدخل الصلاة.
وعن أبي ذر: أنها بعد زيغ الشمس شبراً إلى ذراع من يوم الجمعة.
وعن جماعة من العلماء: أنها آخر ساعة من يوم الجمعة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ﴾.
أي: إن شئتم، (وهذه) رخصة بعد [حظر]. وقد روى أنس أن النبي عليه السلام قال: "﴿فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ﴾ لَيْسَ بِطَلَبِ دُنْيَا وَلَكِنْ عَيَادَةُ مَرِيضٍ وَحُضُورُ جَنَازَةٍ وَزِيَارَةُ أَخٍ فِي اللهِ
وقوله: ﴿وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
أي: اذكروه بالحمد والشكر على ما وفقكم له لعلكم تنجون وتبقون في النعيم الدائم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا﴾.
التقدير عند المبرد: وإذا رأو تجارة انفضوا إليها، وإذا رأوا لهواً انفضوا إليه (ثم حذف وأخر ضمير الأول.
والمعنى: إذا رأوا ذلك أسرعوا إليه) وتركوك قائماً تخطب. يوبخ المؤمنين بذلك من فعلهم (إذ) خرجوا عن رسول الله - وهو يخطب - لرؤية العير التي أتت من (الشام) وكانت تحمل زيتاً (أتى) به دحية بن (خليفة) من الشام.
قال الحسن: أصاب الناس جوع و (غلاء) سعر، فقدمت عير والنبي ﷺ يخطب فخرجوا إليها.
واللهو (هنا): ما يصنع عند النكاح من الدف. وقيل: وهو الطبل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَارَةِ﴾.
أي: ما عنده من الثواب والأجر خير من ذلك لمن جلس واستمع الخطبة.
* *
﴿وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ﴾.
أي: خير رازق، فارغبوا إليه في توسعة الرزق.
الجمعة 62:2
قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾، إلى آخر السورة.
أي: يصلي ويسجد لله ما في السماوات السبع وما في الأرض من الخلق طوعاً وكرهاً. و "يسبح" للحال.
* *
وقوله: ﴿ٱلْمَلِكِ ٱلْقُدُّوسِ﴾.
أي: الذي له ملك كل شيء، [الطاهر] من كل ما يضيفه إليه المشركون.
* *
﴿ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ﴾.
أي: الشديد في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبيره خَلْقَه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً (مِّنْهُمْ)﴾.
أي: الله الذي بعث في العرب - [الذين] لا كتاب عندهم من عند الله - رسولاً منهم، يعني [محمداً] ﷺ.
قال ابن زيد: "سميت أمة محمد أميين لأنه لم ينزل عليهم كتاباً قبل القرآن".
وروى ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "نَحْنُ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لاَ نَكْتُبُ وَلاَ نَحْسُبُ"وذكر الحديث.
[و] إنما قيل، [للذي] لا يكتب: "أمي"، لأنه نسب إلى أمه، كأنه كما ولد.
وقيل: نسب إليها لأنها في أكثر الأحوال لا تكتب.
وقيل: إن [الأميين] إنما نسبوا إلى أم القرى، وهي مكة.
* *
- وقوله: ﴿يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾.
أي: يقرأ عليهم كتاب الله وَيُطَهِّرُهم من دَنَس الكفر ويُمَنِّيهِم بالثواب إذا قبلوا منه واتبعوه.
* *
﴿وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ﴾.
أي: القرآن.
﴿وَٱلْحِكْمَةَ﴾: التفقه في الدين. وقيل: الكتاب: القرآن وما فيه من حلال وحرام. والحِكْمَةُ: (السُّنَّةُ. قاله) قتادة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾.
أي: وقد كان هؤلاء (الأميون) - من قبل بعث محمد إليهم - في جور ظاهر عن قصد السبيل وعن الهدى والرشاد. وتقديره [في] [العـ]ــربية: وما كانوا من قبل بعث محمد إلا في ضلالٍ (مبين)، (هذا مذهب سيبويه، وتقديره عند الكوفيين). وإنهم كانوا من قبل بعث محمد لفي ضلالٍ مبين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾.
﴿وَآخَرِينَ﴾: عطف على الأميين، أي: بعث في الأميين وفي آخرين منهم، "فهم" في موضع خفض، وقيل: "هم" في موضع نصب عطف على الهاء والميم في "يُعَلِّمْهُمُ" أو في: "يُزَكَّيهِمْ"، أي: ويعلم آخرين (مِنهُم الكتاب والحكمة، أي: ويزكي آخرين منهم، قال مجاهد: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾) عنى به العجم لأنهم أميون أيضاً، وكذلك قال ابن جبير.
قال أبو هريرة: "لمَّا نَزَلَ ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾، قِيلَ: يَا رِسُولَ اللهِ، مَنْ هُمْ؟ فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (بِيَدِهِ) عَلَى [سَلْمَانَ] وَقَالَ: لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالثُّرَيَّا لَنَالَهُ هَذَا وَأَصْحَابُهُ
وعن مجاهد: "﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾: هم كل من ردف الإسلام من الناس كلهم".
وقال ابن زيد: هؤلاء كل من كان بعد النبي عليه السلام إلى يوم القيامة (كل من دخل في الإسلام من العرب والعجم.
وقال الضحاك: "كل من آمن وعمل صالحاً إلى يوم القيامة").
وقال ابن عمر في أهل اليمن: أَنْتُمْ هُمْ.
ومعنى: ﴿لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾.
أي: لم يَحْيَوْا بَعْدُ [وَسَيَحْيَوْنَ].
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾.
أي: وهو العزيز في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبيره خلقه.
* *
ثم قال: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلَِ﴾.
أي: هذا الذي تقدم من الخبر على إرسال محمد إلى الأميين وغيرهم هو فضل من الله تفضل به عليهم، لأنه يؤتي فضله من يشاء من عباده، ولا يستحق الذم ممن حرمه إياه لأنه لم يمنعه حقاً هو له، ولكنه (علم) من هو له أهل فأودعه (إياه). وعن ابن عباس أن الفضل هنا: الدين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ﴾.
أي: والله ذو الفضل العظيم على جميع خلقه المحسن منهم والمسيء.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾.
أي: مثل الذين ألزموا العمل بما في التوراة فلم يقوموا به ولا وفوا بما ألزموا فيها من الإيمان بمحمد وغير ذلك من فروضها. يعني بني إسرائيل والنصارى.
* *
- ﴿كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾.
أي يحمل كتباً من العلم لا ينتفع بها ولا يعقل ما فيها، فكذلك الذين أوتوا التوراة فيها بيان أمر محمد وبعثه والأمر بالإيمان به، فلم ينتفعوا بذلك ولا وفوا به، فصاروا في عدم الانتفاع بذلك مثل الحمار الذي يحمل أسفاراً. أي: كتباً بها العلم.
والحمل في هذا من الحمالة وليس من الحمل على الظهر ولا في الصدر، أي تحملوا العمل بما فيها فلم يفوا بذلك. ومثله: ﴿فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا ... وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ﴾ [الأحزاب: ٧٢]. في الأحزاب، ومثله: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢] وهو كثير. فأما قوله: ﴿كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ﴾ فهو من الحمل على الظهر.
قال الضحاك: "الكتاب بالنبطية يسمى سِفْراً".
* *
- ثم قال: ﴿بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ﴾.
(أي: بئس هذا المثل مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله) وحججه.
* *
﴿وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾.
لا يوفقهم (إلى) الهدى عقوبة لهم بكفرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُوۤاْ إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ﴾.
أي: قل - يا محمد - لليهود: إن كنتم تزعمون أنكم أولياء لله من دون المؤمنين فتمنوا الموت إن كنتم محقين في قولكم: إنكم أولياؤه، فإن الله لا يعذب أولياءه، بل يكرمهم [وينعمهم]، فيستريحون من تعب الدنيا وكربها إلى النعيم.
* *
- ثم قال: ﴿وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ (أَبَداً) بِمَا قَدَّمَتْ أَيْديهِمْ﴾.
(أي): ولا يتمنى - يا محمد - اليهودُ الموتَ أبداً لمعرفتهم (بما) قدمت أيديهم من الآثام ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ﴾.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ﴾.
أي: قل لليهود - يا محمد -: إن الموت الذي تهربون منه وتكرهونه - لما قدمت أيديكم من الآثام - لا بد أن يحل بكم ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ﴾ - إذا متّمْ - ﴿إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾، أي: إلى الله الذي يعلم غيب السماوات والأرض، ويعلم ما ظهر من ذلك، ويعلم ما أسررتم من أعمالكم وما أظهرتم فيجازيكم عليها ويخبركم بالذي كنتم تعملون.
ودخلت الفاء في قوله: "فإنه" لتقدم "الذي" وإن كان نعتاً، لأن النعت هو المنعوت في المعنى. و "الذي" فيه إبهام، فشابه الشرط بالإبهام الذي فيه، فدخلت الفاء في خبر "إن" لكون اسمها فيه إبهام كما تدخل في جواب الشرط، لأن خبر "إن" كجواب الشرط، فلما شابهه من الإبهام الذي في "الذي" دخل فيه ما يدخل في جواب الشرط.
وقد قيل: إن الخبر لـ "إن" هنا هو جملة من ابتداء وخبر، والتقدير: قل إن الموت هو الذي تفرون منه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾.
أي: إذا سمعتم النداء إلى الصلاة في يوم الجمعة) فامضوا إليها، وهو الآذان الذي يكون عند قعود الإمام على المنبر للخطبة.
وقد قرأ ابن مسعود وعمر بن الخطاب: "فَامْضُُوا إِلَى ذِكْرِ اللهِ".
والسعي: [العمل] لا السرعة في المشي، دليله (قوله): ﴿وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسْعَىٰ﴾ [عبس: ٨] و: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ﴾ [النازعات: ٢٢] و: ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٠٥] ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ﴾ [الصافات: ١٠٢] كل هذا ليس يراد به سرعة مشي ولا جَرْيٌ، إنما هو العمل. ويزيد في بيانه قوله تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ [الليل: ٤] أي: إن عملكم لمختلف.
قال الحسن وقتادة: فاسعوا بالنية والإرادة.
قال قتادة: "السعي يا ابن آدم أن تسعى بقلبك وعملك، وهو المضي إليها"، وهو قول عكرمة.
(وقال) ابن زيد: إذا سمعتم الداعي الأول فأجيبوا إلى ذلك.
قال: ولم يكن في زمان رسول الله ﷺ أذان إلا الأذان حين يجلس على المنبر، وأذان حين تقام الصلاة. قال: وهذا الآخِر شيء أحدثه الناس بَعْدُ في زمان عثمان رضي الله [عنه] فلم ينكره أحد من الصحابة، وذلك حين كثر الناس وتباعدت الدور من المسجد، فمضى عليه العمل. ولا يحل البيع بعد سماع النداء الذي يكون بين يدي الإمام عند الخطبة، وهو قوله: ﴿وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ﴾.
أي: دعوا البيع والشراء إذا نودي للصلاة عند الخطبة (يوم الجمعة). والذكر هنا هو موعظة الإمامِ الناس في خطبته، قاله ابن المسيب وغيره.
* *
- ثم قال: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
أي: سَعْيُكم إليها وتركُ البيع والشراء خير لكم في عُقْبَاكُمْ إن كنتم تعلمون مصالِحَ أنفسكم ومضارَّها، وقد قال الضحاك والحسن وعطاء: إذا زالت الشمس يوم الجمعة حَرُمَ البيعُ والشراءُ حتى تُقْضَى الصلاة، وكان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يمنع الناسَ البيعَ يوم الجمعة إذا نودي بالصلاة.
وقال مالك: يفسخ البيع إذا وقع في هذا الوقت المنهي عنه، ولم ير الشافعي فسخه لأن الآية ليس فيها فسخه، فقيل له: أرأيت نكاحَ [المُحْرِمِ] ونكاحَ الشِّغَارِ يُفسخان إذا وقعا؟ [فقال: نعم]، قال: فكيف [تفسخهما] وليس في الحديث ذكر الفسخ إذا وقعا؟! إنما فيه النهي عن ذلك كما في الآية النهي عن البيع، فكما لا اختلاف في فسخ النكاح - وإن كان الحديث لم يتضمن ذكر الفسخ - كذلك هذا. وقد ذهب قوم إلى أن البيع جائز في ذلك الوقت، وتأولوا أن الآية على الترغيب لا على الإلزام، واستدلوا (على ذلك) بقوله بعد ذلك: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾. فلما قال ﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ دل على أنه على الترغيب. وهذا غلط، لو جاز هذا لكان قوله: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ ٱنتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] على الترغيب لا على الإلزام، وهذا كفر من قائله.
فإن أعتق أو أنكح بعد الأذان يوم الجمعة لم يفسخ، لأنه ليس من البيع الذي نص الله [عليه]، [ولأنه] أمر نادر غير دائم كالبيع الذي هو دائم منتظر، ولأن القوم إنما خرجوا من خلف النبي ﷺ إلى العير التي أتت من الشام ليَرَوْهَا ولِيَشتروا [مما] جاءت به، فعوتبوا على ذلك ونزل تحريم البيع الذي أخرجهم من خلف النبي عليه السلام.
قال جابر: أَقْبَلَتْ عِيرٌ بِتِجَارَةٍ يَوْمَ الجُمعةِ ورسولُ الله ﷺ يَخْطُبُ، فانصرفَ الناسُ يَنْظُرُونَ، وبَقِيَ رسولُ الله (يخطب) فِي (اثْنَيْ) عَشَرَ رَجُلاً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ
فالجمعة لازمة لكل حر محتلم، وغسلها سنّة على كل محتلم وقت الرواح إليها.
ولا جمعة على المسافر ولا على النساء، فإن (حضرن) وصلين مع الناس ركعتين أجزتهن عن الظهر.
وكان ابن مسعود يخرج النساء من المسجد يوم الجمعة ويقول: أخرجن إلى بيوتكن (خيراً لكن. وجائز للمسافر السفر) يوم الجمعة ما لم يحضر الوقت عند مالك، ومنعه جماعة من ذلك حتى يصلي الجمعة.
والجمعة يجب أن يأتيها من كان على ثلاثة أميال فأقل من المسجد عند مالك.
وعن الزهري: من كان على (مسافة) ستة أميال فأقل يجب عليه الإتيان. وقيل: لا يجب إلا على من سمع النداء، روي (عن) عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وبه قال أحمد بن حنبل، لأنه قال تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ﴾ فدل على أن ذلك على من سمعه أو كانَ في موضع يمكن أن يسمعه.
وقال أصحاب الرأي: تجب الجمعة على أهل المصر، من سمع النداء ومن لم يسمع.
وقال ابن المنكدر والزهري: تجب الجمعة على من كان على أربعة أميال.
وروي عن أبي هريرة: أن الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة من بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وبعد صلاة العصر إلى غروب الشمس.
وقال أبو العالية والحسن: (هي) (عند) زوال الشمس.
وقالت عائشة رضي الله عنها: هي عند أذان المؤذن لصلاة الجمعة.
وعن الحسن أيضاً أنها ما بين خروج الإمام إلى أن [تقضى] الصلاة.
وقال أبو بردة: هي عند نزول الإمام.
وقال أبو السوار: هي ما بين زوال الشمس إلى أن تدخل الصلاة.
وعن أبي ذر: أنها بعد زيغ الشمس شبراً إلى ذراع من يوم الجمعة.
وعن جماعة من العلماء: أنها آخر ساعة من يوم الجمعة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ﴾.
أي: إن شئتم، (وهذه) رخصة بعد [حظر]. وقد روى أنس أن النبي عليه السلام قال: "﴿فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ﴾ لَيْسَ بِطَلَبِ دُنْيَا وَلَكِنْ عَيَادَةُ مَرِيضٍ وَحُضُورُ جَنَازَةٍ وَزِيَارَةُ أَخٍ فِي اللهِ
وقوله: ﴿وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
أي: اذكروه بالحمد والشكر على ما وفقكم له لعلكم تنجون وتبقون في النعيم الدائم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا﴾.
التقدير عند المبرد: وإذا رأو تجارة انفضوا إليها، وإذا رأوا لهواً انفضوا إليه (ثم حذف وأخر ضمير الأول.
والمعنى: إذا رأوا ذلك أسرعوا إليه) وتركوك قائماً تخطب. يوبخ المؤمنين بذلك من فعلهم (إذ) خرجوا عن رسول الله - وهو يخطب - لرؤية العير التي أتت من (الشام) وكانت تحمل زيتاً (أتى) به دحية بن (خليفة) من الشام.
قال الحسن: أصاب الناس جوع و (غلاء) سعر، فقدمت عير والنبي ﷺ يخطب فخرجوا إليها.
واللهو (هنا): ما يصنع عند النكاح من الدف. وقيل: وهو الطبل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَارَةِ﴾.
أي: ما عنده من الثواب والأجر خير من ذلك لمن جلس واستمع الخطبة.
* *
﴿وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ﴾.
أي: خير رازق، فارغبوا إليه في توسعة الرزق.
الجمعة 62:3
قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾، إلى آخر السورة.
أي: يصلي ويسجد لله ما في السماوات السبع وما في الأرض من الخلق طوعاً وكرهاً. و "يسبح" للحال.
* *
وقوله: ﴿ٱلْمَلِكِ ٱلْقُدُّوسِ﴾.
أي: الذي له ملك كل شيء، [الطاهر] من كل ما يضيفه إليه المشركون.
* *
﴿ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ﴾.
أي: الشديد في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبيره خَلْقَه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً (مِّنْهُمْ)﴾.
أي: الله الذي بعث في العرب - [الذين] لا كتاب عندهم من عند الله - رسولاً منهم، يعني [محمداً] ﷺ.
قال ابن زيد: "سميت أمة محمد أميين لأنه لم ينزل عليهم كتاباً قبل القرآن".
وروى ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "نَحْنُ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لاَ نَكْتُبُ وَلاَ نَحْسُبُ"وذكر الحديث.
[و] إنما قيل، [للذي] لا يكتب: "أمي"، لأنه نسب إلى أمه، كأنه كما ولد.
وقيل: نسب إليها لأنها في أكثر الأحوال لا تكتب.
وقيل: إن [الأميين] إنما نسبوا إلى أم القرى، وهي مكة.
* *
- وقوله: ﴿يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾.
أي: يقرأ عليهم كتاب الله وَيُطَهِّرُهم من دَنَس الكفر ويُمَنِّيهِم بالثواب إذا قبلوا منه واتبعوه.
* *
﴿وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ﴾.
أي: القرآن.
﴿وَٱلْحِكْمَةَ﴾: التفقه في الدين. وقيل: الكتاب: القرآن وما فيه من حلال وحرام. والحِكْمَةُ: (السُّنَّةُ. قاله) قتادة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾.
أي: وقد كان هؤلاء (الأميون) - من قبل بعث محمد إليهم - في جور ظاهر عن قصد السبيل وعن الهدى والرشاد. وتقديره [في] [العـ]ــربية: وما كانوا من قبل بعث محمد إلا في ضلالٍ (مبين)، (هذا مذهب سيبويه، وتقديره عند الكوفيين). وإنهم كانوا من قبل بعث محمد لفي ضلالٍ مبين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾.
﴿وَآخَرِينَ﴾: عطف على الأميين، أي: بعث في الأميين وفي آخرين منهم، "فهم" في موضع خفض، وقيل: "هم" في موضع نصب عطف على الهاء والميم في "يُعَلِّمْهُمُ" أو في: "يُزَكَّيهِمْ"، أي: ويعلم آخرين (مِنهُم الكتاب والحكمة، أي: ويزكي آخرين منهم، قال مجاهد: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾) عنى به العجم لأنهم أميون أيضاً، وكذلك قال ابن جبير.
قال أبو هريرة: "لمَّا نَزَلَ ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾، قِيلَ: يَا رِسُولَ اللهِ، مَنْ هُمْ؟ فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (بِيَدِهِ) عَلَى [سَلْمَانَ] وَقَالَ: لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالثُّرَيَّا لَنَالَهُ هَذَا وَأَصْحَابُهُ
وعن مجاهد: "﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾: هم كل من ردف الإسلام من الناس كلهم".
وقال ابن زيد: هؤلاء كل من كان بعد النبي عليه السلام إلى يوم القيامة (كل من دخل في الإسلام من العرب والعجم.
وقال الضحاك: "كل من آمن وعمل صالحاً إلى يوم القيامة").
وقال ابن عمر في أهل اليمن: أَنْتُمْ هُمْ.
ومعنى: ﴿لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾.
أي: لم يَحْيَوْا بَعْدُ [وَسَيَحْيَوْنَ].
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾.
أي: وهو العزيز في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبيره خلقه.
* *
ثم قال: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلَِ﴾.
أي: هذا الذي تقدم من الخبر على إرسال محمد إلى الأميين وغيرهم هو فضل من الله تفضل به عليهم، لأنه يؤتي فضله من يشاء من عباده، ولا يستحق الذم ممن حرمه إياه لأنه لم يمنعه حقاً هو له، ولكنه (علم) من هو له أهل فأودعه (إياه). وعن ابن عباس أن الفضل هنا: الدين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ﴾.
أي: والله ذو الفضل العظيم على جميع خلقه المحسن منهم والمسيء.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾.
أي: مثل الذين ألزموا العمل بما في التوراة فلم يقوموا به ولا وفوا بما ألزموا فيها من الإيمان بمحمد وغير ذلك من فروضها. يعني بني إسرائيل والنصارى.
* *
- ﴿كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾.
أي يحمل كتباً من العلم لا ينتفع بها ولا يعقل ما فيها، فكذلك الذين أوتوا التوراة فيها بيان أمر محمد وبعثه والأمر بالإيمان به، فلم ينتفعوا بذلك ولا وفوا به، فصاروا في عدم الانتفاع بذلك مثل الحمار الذي يحمل أسفاراً. أي: كتباً بها العلم.
والحمل في هذا من الحمالة وليس من الحمل على الظهر ولا في الصدر، أي تحملوا العمل بما فيها فلم يفوا بذلك. ومثله: ﴿فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا ... وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ﴾ [الأحزاب: ٧٢]. في الأحزاب، ومثله: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢] وهو كثير. فأما قوله: ﴿كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ﴾ فهو من الحمل على الظهر.
قال الضحاك: "الكتاب بالنبطية يسمى سِفْراً".
* *
- ثم قال: ﴿بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ﴾.
(أي: بئس هذا المثل مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله) وحججه.
* *
﴿وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾.
لا يوفقهم (إلى) الهدى عقوبة لهم بكفرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُوۤاْ إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ﴾.
أي: قل - يا محمد - لليهود: إن كنتم تزعمون أنكم أولياء لله من دون المؤمنين فتمنوا الموت إن كنتم محقين في قولكم: إنكم أولياؤه، فإن الله لا يعذب أولياءه، بل يكرمهم [وينعمهم]، فيستريحون من تعب الدنيا وكربها إلى النعيم.
* *
- ثم قال: ﴿وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ (أَبَداً) بِمَا قَدَّمَتْ أَيْديهِمْ﴾.
(أي): ولا يتمنى - يا محمد - اليهودُ الموتَ أبداً لمعرفتهم (بما) قدمت أيديهم من الآثام ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ﴾.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ﴾.
أي: قل لليهود - يا محمد -: إن الموت الذي تهربون منه وتكرهونه - لما قدمت أيديكم من الآثام - لا بد أن يحل بكم ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ﴾ - إذا متّمْ - ﴿إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾، أي: إلى الله الذي يعلم غيب السماوات والأرض، ويعلم ما ظهر من ذلك، ويعلم ما أسررتم من أعمالكم وما أظهرتم فيجازيكم عليها ويخبركم بالذي كنتم تعملون.
ودخلت الفاء في قوله: "فإنه" لتقدم "الذي" وإن كان نعتاً، لأن النعت هو المنعوت في المعنى. و "الذي" فيه إبهام، فشابه الشرط بالإبهام الذي فيه، فدخلت الفاء في خبر "إن" لكون اسمها فيه إبهام كما تدخل في جواب الشرط، لأن خبر "إن" كجواب الشرط، فلما شابهه من الإبهام الذي في "الذي" دخل فيه ما يدخل في جواب الشرط.
وقد قيل: إن الخبر لـ "إن" هنا هو جملة من ابتداء وخبر، والتقدير: قل إن الموت هو الذي تفرون منه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾.
أي: إذا سمعتم النداء إلى الصلاة في يوم الجمعة) فامضوا إليها، وهو الآذان الذي يكون عند قعود الإمام على المنبر للخطبة.
وقد قرأ ابن مسعود وعمر بن الخطاب: "فَامْضُُوا إِلَى ذِكْرِ اللهِ".
والسعي: [العمل] لا السرعة في المشي، دليله (قوله): ﴿وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسْعَىٰ﴾ [عبس: ٨] و: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ﴾ [النازعات: ٢٢] و: ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٠٥] ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ﴾ [الصافات: ١٠٢] كل هذا ليس يراد به سرعة مشي ولا جَرْيٌ، إنما هو العمل. ويزيد في بيانه قوله تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ [الليل: ٤] أي: إن عملكم لمختلف.
قال الحسن وقتادة: فاسعوا بالنية والإرادة.
قال قتادة: "السعي يا ابن آدم أن تسعى بقلبك وعملك، وهو المضي إليها"، وهو قول عكرمة.
(وقال) ابن زيد: إذا سمعتم الداعي الأول فأجيبوا إلى ذلك.
قال: ولم يكن في زمان رسول الله ﷺ أذان إلا الأذان حين يجلس على المنبر، وأذان حين تقام الصلاة. قال: وهذا الآخِر شيء أحدثه الناس بَعْدُ في زمان عثمان رضي الله [عنه] فلم ينكره أحد من الصحابة، وذلك حين كثر الناس وتباعدت الدور من المسجد، فمضى عليه العمل. ولا يحل البيع بعد سماع النداء الذي يكون بين يدي الإمام عند الخطبة، وهو قوله: ﴿وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ﴾.
أي: دعوا البيع والشراء إذا نودي للصلاة عند الخطبة (يوم الجمعة). والذكر هنا هو موعظة الإمامِ الناس في خطبته، قاله ابن المسيب وغيره.
* *
- ثم قال: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
أي: سَعْيُكم إليها وتركُ البيع والشراء خير لكم في عُقْبَاكُمْ إن كنتم تعلمون مصالِحَ أنفسكم ومضارَّها، وقد قال الضحاك والحسن وعطاء: إذا زالت الشمس يوم الجمعة حَرُمَ البيعُ والشراءُ حتى تُقْضَى الصلاة، وكان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يمنع الناسَ البيعَ يوم الجمعة إذا نودي بالصلاة.
وقال مالك: يفسخ البيع إذا وقع في هذا الوقت المنهي عنه، ولم ير الشافعي فسخه لأن الآية ليس فيها فسخه، فقيل له: أرأيت نكاحَ [المُحْرِمِ] ونكاحَ الشِّغَارِ يُفسخان إذا وقعا؟ [فقال: نعم]، قال: فكيف [تفسخهما] وليس في الحديث ذكر الفسخ إذا وقعا؟! إنما فيه النهي عن ذلك كما في الآية النهي عن البيع، فكما لا اختلاف في فسخ النكاح - وإن كان الحديث لم يتضمن ذكر الفسخ - كذلك هذا. وقد ذهب قوم إلى أن البيع جائز في ذلك الوقت، وتأولوا أن الآية على الترغيب لا على الإلزام، واستدلوا (على ذلك) بقوله بعد ذلك: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾. فلما قال ﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ دل على أنه على الترغيب. وهذا غلط، لو جاز هذا لكان قوله: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ ٱنتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] على الترغيب لا على الإلزام، وهذا كفر من قائله.
فإن أعتق أو أنكح بعد الأذان يوم الجمعة لم يفسخ، لأنه ليس من البيع الذي نص الله [عليه]، [ولأنه] أمر نادر غير دائم كالبيع الذي هو دائم منتظر، ولأن القوم إنما خرجوا من خلف النبي ﷺ إلى العير التي أتت من الشام ليَرَوْهَا ولِيَشتروا [مما] جاءت به، فعوتبوا على ذلك ونزل تحريم البيع الذي أخرجهم من خلف النبي عليه السلام.
قال جابر: أَقْبَلَتْ عِيرٌ بِتِجَارَةٍ يَوْمَ الجُمعةِ ورسولُ الله ﷺ يَخْطُبُ، فانصرفَ الناسُ يَنْظُرُونَ، وبَقِيَ رسولُ الله (يخطب) فِي (اثْنَيْ) عَشَرَ رَجُلاً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ
فالجمعة لازمة لكل حر محتلم، وغسلها سنّة على كل محتلم وقت الرواح إليها.
ولا جمعة على المسافر ولا على النساء، فإن (حضرن) وصلين مع الناس ركعتين أجزتهن عن الظهر.
وكان ابن مسعود يخرج النساء من المسجد يوم الجمعة ويقول: أخرجن إلى بيوتكن (خيراً لكن. وجائز للمسافر السفر) يوم الجمعة ما لم يحضر الوقت عند مالك، ومنعه جماعة من ذلك حتى يصلي الجمعة.
والجمعة يجب أن يأتيها من كان على ثلاثة أميال فأقل من المسجد عند مالك.
وعن الزهري: من كان على (مسافة) ستة أميال فأقل يجب عليه الإتيان. وقيل: لا يجب إلا على من سمع النداء، روي (عن) عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وبه قال أحمد بن حنبل، لأنه قال تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ﴾ فدل على أن ذلك على من سمعه أو كانَ في موضع يمكن أن يسمعه.
وقال أصحاب الرأي: تجب الجمعة على أهل المصر، من سمع النداء ومن لم يسمع.
وقال ابن المنكدر والزهري: تجب الجمعة على من كان على أربعة أميال.
وروي عن أبي هريرة: أن الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة من بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وبعد صلاة العصر إلى غروب الشمس.
وقال أبو العالية والحسن: (هي) (عند) زوال الشمس.
وقالت عائشة رضي الله عنها: هي عند أذان المؤذن لصلاة الجمعة.
وعن الحسن أيضاً أنها ما بين خروج الإمام إلى أن [تقضى] الصلاة.
وقال أبو بردة: هي عند نزول الإمام.
وقال أبو السوار: هي ما بين زوال الشمس إلى أن تدخل الصلاة.
وعن أبي ذر: أنها بعد زيغ الشمس شبراً إلى ذراع من يوم الجمعة.
وعن جماعة من العلماء: أنها آخر ساعة من يوم الجمعة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ﴾.
أي: إن شئتم، (وهذه) رخصة بعد [حظر]. وقد روى أنس أن النبي عليه السلام قال: "﴿فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ﴾ لَيْسَ بِطَلَبِ دُنْيَا وَلَكِنْ عَيَادَةُ مَرِيضٍ وَحُضُورُ جَنَازَةٍ وَزِيَارَةُ أَخٍ فِي اللهِ
وقوله: ﴿وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
أي: اذكروه بالحمد والشكر على ما وفقكم له لعلكم تنجون وتبقون في النعيم الدائم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا﴾.
التقدير عند المبرد: وإذا رأو تجارة انفضوا إليها، وإذا رأوا لهواً انفضوا إليه (ثم حذف وأخر ضمير الأول.
والمعنى: إذا رأوا ذلك أسرعوا إليه) وتركوك قائماً تخطب. يوبخ المؤمنين بذلك من فعلهم (إذ) خرجوا عن رسول الله - وهو يخطب - لرؤية العير التي أتت من (الشام) وكانت تحمل زيتاً (أتى) به دحية بن (خليفة) من الشام.
قال الحسن: أصاب الناس جوع و (غلاء) سعر، فقدمت عير والنبي ﷺ يخطب فخرجوا إليها.
واللهو (هنا): ما يصنع عند النكاح من الدف. وقيل: وهو الطبل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَارَةِ﴾.
أي: ما عنده من الثواب والأجر خير من ذلك لمن جلس واستمع الخطبة.
* *
﴿وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ﴾.
أي: خير رازق، فارغبوا إليه في توسعة الرزق.
الجمعة 62:4
قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾، إلى آخر السورة.
أي: يصلي ويسجد لله ما في السماوات السبع وما في الأرض من الخلق طوعاً وكرهاً. و "يسبح" للحال.
* *
وقوله: ﴿ٱلْمَلِكِ ٱلْقُدُّوسِ﴾.
أي: الذي له ملك كل شيء، [الطاهر] من كل ما يضيفه إليه المشركون.
* *
﴿ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ﴾.
أي: الشديد في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبيره خَلْقَه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً (مِّنْهُمْ)﴾.
أي: الله الذي بعث في العرب - [الذين] لا كتاب عندهم من عند الله - رسولاً منهم، يعني [محمداً] ﷺ.
قال ابن زيد: "سميت أمة محمد أميين لأنه لم ينزل عليهم كتاباً قبل القرآن".
وروى ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "نَحْنُ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لاَ نَكْتُبُ وَلاَ نَحْسُبُ"وذكر الحديث.
[و] إنما قيل، [للذي] لا يكتب: "أمي"، لأنه نسب إلى أمه، كأنه كما ولد.
وقيل: نسب إليها لأنها في أكثر الأحوال لا تكتب.
وقيل: إن [الأميين] إنما نسبوا إلى أم القرى، وهي مكة.
* *
- وقوله: ﴿يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾.
أي: يقرأ عليهم كتاب الله وَيُطَهِّرُهم من دَنَس الكفر ويُمَنِّيهِم بالثواب إذا قبلوا منه واتبعوه.
* *
﴿وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ﴾.
أي: القرآن.
﴿وَٱلْحِكْمَةَ﴾: التفقه في الدين. وقيل: الكتاب: القرآن وما فيه من حلال وحرام. والحِكْمَةُ: (السُّنَّةُ. قاله) قتادة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾.
أي: وقد كان هؤلاء (الأميون) - من قبل بعث محمد إليهم - في جور ظاهر عن قصد السبيل وعن الهدى والرشاد. وتقديره [في] [العـ]ــربية: وما كانوا من قبل بعث محمد إلا في ضلالٍ (مبين)، (هذا مذهب سيبويه، وتقديره عند الكوفيين). وإنهم كانوا من قبل بعث محمد لفي ضلالٍ مبين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾.
﴿وَآخَرِينَ﴾: عطف على الأميين، أي: بعث في الأميين وفي آخرين منهم، "فهم" في موضع خفض، وقيل: "هم" في موضع نصب عطف على الهاء والميم في "يُعَلِّمْهُمُ" أو في: "يُزَكَّيهِمْ"، أي: ويعلم آخرين (مِنهُم الكتاب والحكمة، أي: ويزكي آخرين منهم، قال مجاهد: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾) عنى به العجم لأنهم أميون أيضاً، وكذلك قال ابن جبير.
قال أبو هريرة: "لمَّا نَزَلَ ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾، قِيلَ: يَا رِسُولَ اللهِ، مَنْ هُمْ؟ فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (بِيَدِهِ) عَلَى [سَلْمَانَ] وَقَالَ: لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالثُّرَيَّا لَنَالَهُ هَذَا وَأَصْحَابُهُ
وعن مجاهد: "﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾: هم كل من ردف الإسلام من الناس كلهم".
وقال ابن زيد: هؤلاء كل من كان بعد النبي عليه السلام إلى يوم القيامة (كل من دخل في الإسلام من العرب والعجم.
وقال الضحاك: "كل من آمن وعمل صالحاً إلى يوم القيامة").
وقال ابن عمر في أهل اليمن: أَنْتُمْ هُمْ.
ومعنى: ﴿لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾.
أي: لم يَحْيَوْا بَعْدُ [وَسَيَحْيَوْنَ].
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾.
أي: وهو العزيز في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبيره خلقه.
* *
ثم قال: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلَِ﴾.
أي: هذا الذي تقدم من الخبر على إرسال محمد إلى الأميين وغيرهم هو فضل من الله تفضل به عليهم، لأنه يؤتي فضله من يشاء من عباده، ولا يستحق الذم ممن حرمه إياه لأنه لم يمنعه حقاً هو له، ولكنه (علم) من هو له أهل فأودعه (إياه). وعن ابن عباس أن الفضل هنا: الدين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ﴾.
أي: والله ذو الفضل العظيم على جميع خلقه المحسن منهم والمسيء.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾.
أي: مثل الذين ألزموا العمل بما في التوراة فلم يقوموا به ولا وفوا بما ألزموا فيها من الإيمان بمحمد وغير ذلك من فروضها. يعني بني إسرائيل والنصارى.
* *
- ﴿كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾.
أي يحمل كتباً من العلم لا ينتفع بها ولا يعقل ما فيها، فكذلك الذين أوتوا التوراة فيها بيان أمر محمد وبعثه والأمر بالإيمان به، فلم ينتفعوا بذلك ولا وفوا به، فصاروا في عدم الانتفاع بذلك مثل الحمار الذي يحمل أسفاراً. أي: كتباً بها العلم.
والحمل في هذا من الحمالة وليس من الحمل على الظهر ولا في الصدر، أي تحملوا العمل بما فيها فلم يفوا بذلك. ومثله: ﴿فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا ... وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ﴾ [الأحزاب: ٧٢]. في الأحزاب، ومثله: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢] وهو كثير. فأما قوله: ﴿كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ﴾ فهو من الحمل على الظهر.
قال الضحاك: "الكتاب بالنبطية يسمى سِفْراً".
* *
- ثم قال: ﴿بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ﴾.
(أي: بئس هذا المثل مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله) وحججه.
* *
﴿وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾.
لا يوفقهم (إلى) الهدى عقوبة لهم بكفرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُوۤاْ إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ﴾.
أي: قل - يا محمد - لليهود: إن كنتم تزعمون أنكم أولياء لله من دون المؤمنين فتمنوا الموت إن كنتم محقين في قولكم: إنكم أولياؤه، فإن الله لا يعذب أولياءه، بل يكرمهم [وينعمهم]، فيستريحون من تعب الدنيا وكربها إلى النعيم.
* *
- ثم قال: ﴿وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ (أَبَداً) بِمَا قَدَّمَتْ أَيْديهِمْ﴾.
(أي): ولا يتمنى - يا محمد - اليهودُ الموتَ أبداً لمعرفتهم (بما) قدمت أيديهم من الآثام ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ﴾.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ﴾.
أي: قل لليهود - يا محمد -: إن الموت الذي تهربون منه وتكرهونه - لما قدمت أيديكم من الآثام - لا بد أن يحل بكم ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ﴾ - إذا متّمْ - ﴿إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾، أي: إلى الله الذي يعلم غيب السماوات والأرض، ويعلم ما ظهر من ذلك، ويعلم ما أسررتم من أعمالكم وما أظهرتم فيجازيكم عليها ويخبركم بالذي كنتم تعملون.
ودخلت الفاء في قوله: "فإنه" لتقدم "الذي" وإن كان نعتاً، لأن النعت هو المنعوت في المعنى. و "الذي" فيه إبهام، فشابه الشرط بالإبهام الذي فيه، فدخلت الفاء في خبر "إن" لكون اسمها فيه إبهام كما تدخل في جواب الشرط، لأن خبر "إن" كجواب الشرط، فلما شابهه من الإبهام الذي في "الذي" دخل فيه ما يدخل في جواب الشرط.
وقد قيل: إن الخبر لـ "إن" هنا هو جملة من ابتداء وخبر، والتقدير: قل إن الموت هو الذي تفرون منه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾.
أي: إذا سمعتم النداء إلى الصلاة في يوم الجمعة) فامضوا إليها، وهو الآذان الذي يكون عند قعود الإمام على المنبر للخطبة.
وقد قرأ ابن مسعود وعمر بن الخطاب: "فَامْضُُوا إِلَى ذِكْرِ اللهِ".
والسعي: [العمل] لا السرعة في المشي، دليله (قوله): ﴿وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسْعَىٰ﴾ [عبس: ٨] و: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ﴾ [النازعات: ٢٢] و: ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٠٥] ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ﴾ [الصافات: ١٠٢] كل هذا ليس يراد به سرعة مشي ولا جَرْيٌ، إنما هو العمل. ويزيد في بيانه قوله تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ [الليل: ٤] أي: إن عملكم لمختلف.
قال الحسن وقتادة: فاسعوا بالنية والإرادة.
قال قتادة: "السعي يا ابن آدم أن تسعى بقلبك وعملك، وهو المضي إليها"، وهو قول عكرمة.
(وقال) ابن زيد: إذا سمعتم الداعي الأول فأجيبوا إلى ذلك.
قال: ولم يكن في زمان رسول الله ﷺ أذان إلا الأذان حين يجلس على المنبر، وأذان حين تقام الصلاة. قال: وهذا الآخِر شيء أحدثه الناس بَعْدُ في زمان عثمان رضي الله [عنه] فلم ينكره أحد من الصحابة، وذلك حين كثر الناس وتباعدت الدور من المسجد، فمضى عليه العمل. ولا يحل البيع بعد سماع النداء الذي يكون بين يدي الإمام عند الخطبة، وهو قوله: ﴿وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ﴾.
أي: دعوا البيع والشراء إذا نودي للصلاة عند الخطبة (يوم الجمعة). والذكر هنا هو موعظة الإمامِ الناس في خطبته، قاله ابن المسيب وغيره.
* *
- ثم قال: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
أي: سَعْيُكم إليها وتركُ البيع والشراء خير لكم في عُقْبَاكُمْ إن كنتم تعلمون مصالِحَ أنفسكم ومضارَّها، وقد قال الضحاك والحسن وعطاء: إذا زالت الشمس يوم الجمعة حَرُمَ البيعُ والشراءُ حتى تُقْضَى الصلاة، وكان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يمنع الناسَ البيعَ يوم الجمعة إذا نودي بالصلاة.
وقال مالك: يفسخ البيع إذا وقع في هذا الوقت المنهي عنه، ولم ير الشافعي فسخه لأن الآية ليس فيها فسخه، فقيل له: أرأيت نكاحَ [المُحْرِمِ] ونكاحَ الشِّغَارِ يُفسخان إذا وقعا؟ [فقال: نعم]، قال: فكيف [تفسخهما] وليس في الحديث ذكر الفسخ إذا وقعا؟! إنما فيه النهي عن ذلك كما في الآية النهي عن البيع، فكما لا اختلاف في فسخ النكاح - وإن كان الحديث لم يتضمن ذكر الفسخ - كذلك هذا. وقد ذهب قوم إلى أن البيع جائز في ذلك الوقت، وتأولوا أن الآية على الترغيب لا على الإلزام، واستدلوا (على ذلك) بقوله بعد ذلك: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾. فلما قال ﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ دل على أنه على الترغيب. وهذا غلط، لو جاز هذا لكان قوله: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ ٱنتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] على الترغيب لا على الإلزام، وهذا كفر من قائله.
فإن أعتق أو أنكح بعد الأذان يوم الجمعة لم يفسخ، لأنه ليس من البيع الذي نص الله [عليه]، [ولأنه] أمر نادر غير دائم كالبيع الذي هو دائم منتظر، ولأن القوم إنما خرجوا من خلف النبي ﷺ إلى العير التي أتت من الشام ليَرَوْهَا ولِيَشتروا [مما] جاءت به، فعوتبوا على ذلك ونزل تحريم البيع الذي أخرجهم من خلف النبي عليه السلام.
قال جابر: أَقْبَلَتْ عِيرٌ بِتِجَارَةٍ يَوْمَ الجُمعةِ ورسولُ الله ﷺ يَخْطُبُ، فانصرفَ الناسُ يَنْظُرُونَ، وبَقِيَ رسولُ الله (يخطب) فِي (اثْنَيْ) عَشَرَ رَجُلاً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ
فالجمعة لازمة لكل حر محتلم، وغسلها سنّة على كل محتلم وقت الرواح إليها.
ولا جمعة على المسافر ولا على النساء، فإن (حضرن) وصلين مع الناس ركعتين أجزتهن عن الظهر.
وكان ابن مسعود يخرج النساء من المسجد يوم الجمعة ويقول: أخرجن إلى بيوتكن (خيراً لكن. وجائز للمسافر السفر) يوم الجمعة ما لم يحضر الوقت عند مالك، ومنعه جماعة من ذلك حتى يصلي الجمعة.
والجمعة يجب أن يأتيها من كان على ثلاثة أميال فأقل من المسجد عند مالك.
وعن الزهري: من كان على (مسافة) ستة أميال فأقل يجب عليه الإتيان. وقيل: لا يجب إلا على من سمع النداء، روي (عن) عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وبه قال أحمد بن حنبل، لأنه قال تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ﴾ فدل على أن ذلك على من سمعه أو كانَ في موضع يمكن أن يسمعه.
وقال أصحاب الرأي: تجب الجمعة على أهل المصر، من سمع النداء ومن لم يسمع.
وقال ابن المنكدر والزهري: تجب الجمعة على من كان على أربعة أميال.
وروي عن أبي هريرة: أن الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة من بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وبعد صلاة العصر إلى غروب الشمس.
وقال أبو العالية والحسن: (هي) (عند) زوال الشمس.
وقالت عائشة رضي الله عنها: هي عند أذان المؤذن لصلاة الجمعة.
وعن الحسن أيضاً أنها ما بين خروج الإمام إلى أن [تقضى] الصلاة.
وقال أبو بردة: هي عند نزول الإمام.
وقال أبو السوار: هي ما بين زوال الشمس إلى أن تدخل الصلاة.
وعن أبي ذر: أنها بعد زيغ الشمس شبراً إلى ذراع من يوم الجمعة.
وعن جماعة من العلماء: أنها آخر ساعة من يوم الجمعة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ﴾.
أي: إن شئتم، (وهذه) رخصة بعد [حظر]. وقد روى أنس أن النبي عليه السلام قال: "﴿فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ﴾ لَيْسَ بِطَلَبِ دُنْيَا وَلَكِنْ عَيَادَةُ مَرِيضٍ وَحُضُورُ جَنَازَةٍ وَزِيَارَةُ أَخٍ فِي اللهِ
وقوله: ﴿وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
أي: اذكروه بالحمد والشكر على ما وفقكم له لعلكم تنجون وتبقون في النعيم الدائم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا﴾.
التقدير عند المبرد: وإذا رأو تجارة انفضوا إليها، وإذا رأوا لهواً انفضوا إليه (ثم حذف وأخر ضمير الأول.
والمعنى: إذا رأوا ذلك أسرعوا إليه) وتركوك قائماً تخطب. يوبخ المؤمنين بذلك من فعلهم (إذ) خرجوا عن رسول الله - وهو يخطب - لرؤية العير التي أتت من (الشام) وكانت تحمل زيتاً (أتى) به دحية بن (خليفة) من الشام.
قال الحسن: أصاب الناس جوع و (غلاء) سعر، فقدمت عير والنبي ﷺ يخطب فخرجوا إليها.
واللهو (هنا): ما يصنع عند النكاح من الدف. وقيل: وهو الطبل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَارَةِ﴾.
أي: ما عنده من الثواب والأجر خير من ذلك لمن جلس واستمع الخطبة.
* *
﴿وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ﴾.
أي: خير رازق، فارغبوا إليه في توسعة الرزق.
الجمعة 62:5
قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾، إلى آخر السورة.
أي: يصلي ويسجد لله ما في السماوات السبع وما في الأرض من الخلق طوعاً وكرهاً. و "يسبح" للحال.
* *
وقوله: ﴿ٱلْمَلِكِ ٱلْقُدُّوسِ﴾.
أي: الذي له ملك كل شيء، [الطاهر] من كل ما يضيفه إليه المشركون.
* *
﴿ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ﴾.
أي: الشديد في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبيره خَلْقَه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً (مِّنْهُمْ)﴾.
أي: الله الذي بعث في العرب - [الذين] لا كتاب عندهم من عند الله - رسولاً منهم، يعني [محمداً] ﷺ.
قال ابن زيد: "سميت أمة محمد أميين لأنه لم ينزل عليهم كتاباً قبل القرآن".
وروى ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "نَحْنُ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لاَ نَكْتُبُ وَلاَ نَحْسُبُ"وذكر الحديث.
[و] إنما قيل، [للذي] لا يكتب: "أمي"، لأنه نسب إلى أمه، كأنه كما ولد.
وقيل: نسب إليها لأنها في أكثر الأحوال لا تكتب.
وقيل: إن [الأميين] إنما نسبوا إلى أم القرى، وهي مكة.
* *
- وقوله: ﴿يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾.
أي: يقرأ عليهم كتاب الله وَيُطَهِّرُهم من دَنَس الكفر ويُمَنِّيهِم بالثواب إذا قبلوا منه واتبعوه.
* *
﴿وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ﴾.
أي: القرآن.
﴿وَٱلْحِكْمَةَ﴾: التفقه في الدين. وقيل: الكتاب: القرآن وما فيه من حلال وحرام. والحِكْمَةُ: (السُّنَّةُ. قاله) قتادة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾.
أي: وقد كان هؤلاء (الأميون) - من قبل بعث محمد إليهم - في جور ظاهر عن قصد السبيل وعن الهدى والرشاد. وتقديره [في] [العـ]ــربية: وما كانوا من قبل بعث محمد إلا في ضلالٍ (مبين)، (هذا مذهب سيبويه، وتقديره عند الكوفيين). وإنهم كانوا من قبل بعث محمد لفي ضلالٍ مبين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾.
﴿وَآخَرِينَ﴾: عطف على الأميين، أي: بعث في الأميين وفي آخرين منهم، "فهم" في موضع خفض، وقيل: "هم" في موضع نصب عطف على الهاء والميم في "يُعَلِّمْهُمُ" أو في: "يُزَكَّيهِمْ"، أي: ويعلم آخرين (مِنهُم الكتاب والحكمة، أي: ويزكي آخرين منهم، قال مجاهد: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾) عنى به العجم لأنهم أميون أيضاً، وكذلك قال ابن جبير.
قال أبو هريرة: "لمَّا نَزَلَ ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾، قِيلَ: يَا رِسُولَ اللهِ، مَنْ هُمْ؟ فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (بِيَدِهِ) عَلَى [سَلْمَانَ] وَقَالَ: لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالثُّرَيَّا لَنَالَهُ هَذَا وَأَصْحَابُهُ
وعن مجاهد: "﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾: هم كل من ردف الإسلام من الناس كلهم".
وقال ابن زيد: هؤلاء كل من كان بعد النبي عليه السلام إلى يوم القيامة (كل من دخل في الإسلام من العرب والعجم.
وقال الضحاك: "كل من آمن وعمل صالحاً إلى يوم القيامة").
وقال ابن عمر في أهل اليمن: أَنْتُمْ هُمْ.
ومعنى: ﴿لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾.
أي: لم يَحْيَوْا بَعْدُ [وَسَيَحْيَوْنَ].
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾.
أي: وهو العزيز في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبيره خلقه.
* *
ثم قال: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلَِ﴾.
أي: هذا الذي تقدم من الخبر على إرسال محمد إلى الأميين وغيرهم هو فضل من الله تفضل به عليهم، لأنه يؤتي فضله من يشاء من عباده، ولا يستحق الذم ممن حرمه إياه لأنه لم يمنعه حقاً هو له، ولكنه (علم) من هو له أهل فأودعه (إياه). وعن ابن عباس أن الفضل هنا: الدين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ﴾.
أي: والله ذو الفضل العظيم على جميع خلقه المحسن منهم والمسيء.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾.
أي: مثل الذين ألزموا العمل بما في التوراة فلم يقوموا به ولا وفوا بما ألزموا فيها من الإيمان بمحمد وغير ذلك من فروضها. يعني بني إسرائيل والنصارى.
* *
- ﴿كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾.
أي يحمل كتباً من العلم لا ينتفع بها ولا يعقل ما فيها، فكذلك الذين أوتوا التوراة فيها بيان أمر محمد وبعثه والأمر بالإيمان به، فلم ينتفعوا بذلك ولا وفوا به، فصاروا في عدم الانتفاع بذلك مثل الحمار الذي يحمل أسفاراً. أي: كتباً بها العلم.
والحمل في هذا من الحمالة وليس من الحمل على الظهر ولا في الصدر، أي تحملوا العمل بما فيها فلم يفوا بذلك. ومثله: ﴿فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا ... وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ﴾ [الأحزاب: ٧٢]. في الأحزاب، ومثله: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢] وهو كثير. فأما قوله: ﴿كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ﴾ فهو من الحمل على الظهر.
قال الضحاك: "الكتاب بالنبطية يسمى سِفْراً".
* *
- ثم قال: ﴿بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ﴾.
(أي: بئس هذا المثل مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله) وحججه.
* *
﴿وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾.
لا يوفقهم (إلى) الهدى عقوبة لهم بكفرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُوۤاْ إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ﴾.
أي: قل - يا محمد - لليهود: إن كنتم تزعمون أنكم أولياء لله من دون المؤمنين فتمنوا الموت إن كنتم محقين في قولكم: إنكم أولياؤه، فإن الله لا يعذب أولياءه، بل يكرمهم [وينعمهم]، فيستريحون من تعب الدنيا وكربها إلى النعيم.
* *
- ثم قال: ﴿وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ (أَبَداً) بِمَا قَدَّمَتْ أَيْديهِمْ﴾.
(أي): ولا يتمنى - يا محمد - اليهودُ الموتَ أبداً لمعرفتهم (بما) قدمت أيديهم من الآثام ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ﴾.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ﴾.
أي: قل لليهود - يا محمد -: إن الموت الذي تهربون منه وتكرهونه - لما قدمت أيديكم من الآثام - لا بد أن يحل بكم ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ﴾ - إذا متّمْ - ﴿إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾، أي: إلى الله الذي يعلم غيب السماوات والأرض، ويعلم ما ظهر من ذلك، ويعلم ما أسررتم من أعمالكم وما أظهرتم فيجازيكم عليها ويخبركم بالذي كنتم تعملون.
ودخلت الفاء في قوله: "فإنه" لتقدم "الذي" وإن كان نعتاً، لأن النعت هو المنعوت في المعنى. و "الذي" فيه إبهام، فشابه الشرط بالإبهام الذي فيه، فدخلت الفاء في خبر "إن" لكون اسمها فيه إبهام كما تدخل في جواب الشرط، لأن خبر "إن" كجواب الشرط، فلما شابهه من الإبهام الذي في "الذي" دخل فيه ما يدخل في جواب الشرط.
وقد قيل: إن الخبر لـ "إن" هنا هو جملة من ابتداء وخبر، والتقدير: قل إن الموت هو الذي تفرون منه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾.
أي: إذا سمعتم النداء إلى الصلاة في يوم الجمعة) فامضوا إليها، وهو الآذان الذي يكون عند قعود الإمام على المنبر للخطبة.
وقد قرأ ابن مسعود وعمر بن الخطاب: "فَامْضُُوا إِلَى ذِكْرِ اللهِ".
والسعي: [العمل] لا السرعة في المشي، دليله (قوله): ﴿وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسْعَىٰ﴾ [عبس: ٨] و: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ﴾ [النازعات: ٢٢] و: ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٠٥] ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ﴾ [الصافات: ١٠٢] كل هذا ليس يراد به سرعة مشي ولا جَرْيٌ، إنما هو العمل. ويزيد في بيانه قوله تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ [الليل: ٤] أي: إن عملكم لمختلف.
قال الحسن وقتادة: فاسعوا بالنية والإرادة.
قال قتادة: "السعي يا ابن آدم أن تسعى بقلبك وعملك، وهو المضي إليها"، وهو قول عكرمة.
(وقال) ابن زيد: إذا سمعتم الداعي الأول فأجيبوا إلى ذلك.
قال: ولم يكن في زمان رسول الله ﷺ أذان إلا الأذان حين يجلس على المنبر، وأذان حين تقام الصلاة. قال: وهذا الآخِر شيء أحدثه الناس بَعْدُ في زمان عثمان رضي الله [عنه] فلم ينكره أحد من الصحابة، وذلك حين كثر الناس وتباعدت الدور من المسجد، فمضى عليه العمل. ولا يحل البيع بعد سماع النداء الذي يكون بين يدي الإمام عند الخطبة، وهو قوله: ﴿وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ﴾.
أي: دعوا البيع والشراء إذا نودي للصلاة عند الخطبة (يوم الجمعة). والذكر هنا هو موعظة الإمامِ الناس في خطبته، قاله ابن المسيب وغيره.
* *
- ثم قال: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
أي: سَعْيُكم إليها وتركُ البيع والشراء خير لكم في عُقْبَاكُمْ إن كنتم تعلمون مصالِحَ أنفسكم ومضارَّها، وقد قال الضحاك والحسن وعطاء: إذا زالت الشمس يوم الجمعة حَرُمَ البيعُ والشراءُ حتى تُقْضَى الصلاة، وكان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يمنع الناسَ البيعَ يوم الجمعة إذا نودي بالصلاة.
وقال مالك: يفسخ البيع إذا وقع في هذا الوقت المنهي عنه، ولم ير الشافعي فسخه لأن الآية ليس فيها فسخه، فقيل له: أرأيت نكاحَ [المُحْرِمِ] ونكاحَ الشِّغَارِ يُفسخان إذا وقعا؟ [فقال: نعم]، قال: فكيف [تفسخهما] وليس في الحديث ذكر الفسخ إذا وقعا؟! إنما فيه النهي عن ذلك كما في الآية النهي عن البيع، فكما لا اختلاف في فسخ النكاح - وإن كان الحديث لم يتضمن ذكر الفسخ - كذلك هذا. وقد ذهب قوم إلى أن البيع جائز في ذلك الوقت، وتأولوا أن الآية على الترغيب لا على الإلزام، واستدلوا (على ذلك) بقوله بعد ذلك: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾. فلما قال ﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ دل على أنه على الترغيب. وهذا غلط، لو جاز هذا لكان قوله: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ ٱنتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] على الترغيب لا على الإلزام، وهذا كفر من قائله.
فإن أعتق أو أنكح بعد الأذان يوم الجمعة لم يفسخ، لأنه ليس من البيع الذي نص الله [عليه]، [ولأنه] أمر نادر غير دائم كالبيع الذي هو دائم منتظر، ولأن القوم إنما خرجوا من خلف النبي ﷺ إلى العير التي أتت من الشام ليَرَوْهَا ولِيَشتروا [مما] جاءت به، فعوتبوا على ذلك ونزل تحريم البيع الذي أخرجهم من خلف النبي عليه السلام.
قال جابر: أَقْبَلَتْ عِيرٌ بِتِجَارَةٍ يَوْمَ الجُمعةِ ورسولُ الله ﷺ يَخْطُبُ، فانصرفَ الناسُ يَنْظُرُونَ، وبَقِيَ رسولُ الله (يخطب) فِي (اثْنَيْ) عَشَرَ رَجُلاً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ
فالجمعة لازمة لكل حر محتلم، وغسلها سنّة على كل محتلم وقت الرواح إليها.
ولا جمعة على المسافر ولا على النساء، فإن (حضرن) وصلين مع الناس ركعتين أجزتهن عن الظهر.
وكان ابن مسعود يخرج النساء من المسجد يوم الجمعة ويقول: أخرجن إلى بيوتكن (خيراً لكن. وجائز للمسافر السفر) يوم الجمعة ما لم يحضر الوقت عند مالك، ومنعه جماعة من ذلك حتى يصلي الجمعة.
والجمعة يجب أن يأتيها من كان على ثلاثة أميال فأقل من المسجد عند مالك.
وعن الزهري: من كان على (مسافة) ستة أميال فأقل يجب عليه الإتيان. وقيل: لا يجب إلا على من سمع النداء، روي (عن) عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وبه قال أحمد بن حنبل، لأنه قال تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ﴾ فدل على أن ذلك على من سمعه أو كانَ في موضع يمكن أن يسمعه.
وقال أصحاب الرأي: تجب الجمعة على أهل المصر، من سمع النداء ومن لم يسمع.
وقال ابن المنكدر والزهري: تجب الجمعة على من كان على أربعة أميال.
وروي عن أبي هريرة: أن الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة من بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وبعد صلاة العصر إلى غروب الشمس.
وقال أبو العالية والحسن: (هي) (عند) زوال الشمس.
وقالت عائشة رضي الله عنها: هي عند أذان المؤذن لصلاة الجمعة.
وعن الحسن أيضاً أنها ما بين خروج الإمام إلى أن [تقضى] الصلاة.
وقال أبو بردة: هي عند نزول الإمام.
وقال أبو السوار: هي ما بين زوال الشمس إلى أن تدخل الصلاة.
وعن أبي ذر: أنها بعد زيغ الشمس شبراً إلى ذراع من يوم الجمعة.
وعن جماعة من العلماء: أنها آخر ساعة من يوم الجمعة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ﴾.
أي: إن شئتم، (وهذه) رخصة بعد [حظر]. وقد روى أنس أن النبي عليه السلام قال: "﴿فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ﴾ لَيْسَ بِطَلَبِ دُنْيَا وَلَكِنْ عَيَادَةُ مَرِيضٍ وَحُضُورُ جَنَازَةٍ وَزِيَارَةُ أَخٍ فِي اللهِ
وقوله: ﴿وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
أي: اذكروه بالحمد والشكر على ما وفقكم له لعلكم تنجون وتبقون في النعيم الدائم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا﴾.
التقدير عند المبرد: وإذا رأو تجارة انفضوا إليها، وإذا رأوا لهواً انفضوا إليه (ثم حذف وأخر ضمير الأول.
والمعنى: إذا رأوا ذلك أسرعوا إليه) وتركوك قائماً تخطب. يوبخ المؤمنين بذلك من فعلهم (إذ) خرجوا عن رسول الله - وهو يخطب - لرؤية العير التي أتت من (الشام) وكانت تحمل زيتاً (أتى) به دحية بن (خليفة) من الشام.
قال الحسن: أصاب الناس جوع و (غلاء) سعر، فقدمت عير والنبي ﷺ يخطب فخرجوا إليها.
واللهو (هنا): ما يصنع عند النكاح من الدف. وقيل: وهو الطبل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَارَةِ﴾.
أي: ما عنده من الثواب والأجر خير من ذلك لمن جلس واستمع الخطبة.
* *
﴿وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ﴾.
أي: خير رازق، فارغبوا إليه في توسعة الرزق.
الجمعة 62:6
قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾، إلى آخر السورة.
أي: يصلي ويسجد لله ما في السماوات السبع وما في الأرض من الخلق طوعاً وكرهاً. و "يسبح" للحال.
* *
وقوله: ﴿ٱلْمَلِكِ ٱلْقُدُّوسِ﴾.
أي: الذي له ملك كل شيء، [الطاهر] من كل ما يضيفه إليه المشركون.
* *
﴿ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ﴾.
أي: الشديد في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبيره خَلْقَه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً (مِّنْهُمْ)﴾.
أي: الله الذي بعث في العرب - [الذين] لا كتاب عندهم من عند الله - رسولاً منهم، يعني [محمداً] ﷺ.
قال ابن زيد: "سميت أمة محمد أميين لأنه لم ينزل عليهم كتاباً قبل القرآن".
وروى ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "نَحْنُ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لاَ نَكْتُبُ وَلاَ نَحْسُبُ"وذكر الحديث.
[و] إنما قيل، [للذي] لا يكتب: "أمي"، لأنه نسب إلى أمه، كأنه كما ولد.
وقيل: نسب إليها لأنها في أكثر الأحوال لا تكتب.
وقيل: إن [الأميين] إنما نسبوا إلى أم القرى، وهي مكة.
* *
- وقوله: ﴿يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾.
أي: يقرأ عليهم كتاب الله وَيُطَهِّرُهم من دَنَس الكفر ويُمَنِّيهِم بالثواب إذا قبلوا منه واتبعوه.
* *
﴿وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ﴾.
أي: القرآن.
﴿وَٱلْحِكْمَةَ﴾: التفقه في الدين. وقيل: الكتاب: القرآن وما فيه من حلال وحرام. والحِكْمَةُ: (السُّنَّةُ. قاله) قتادة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾.
أي: وقد كان هؤلاء (الأميون) - من قبل بعث محمد إليهم - في جور ظاهر عن قصد السبيل وعن الهدى والرشاد. وتقديره [في] [العـ]ــربية: وما كانوا من قبل بعث محمد إلا في ضلالٍ (مبين)، (هذا مذهب سيبويه، وتقديره عند الكوفيين). وإنهم كانوا من قبل بعث محمد لفي ضلالٍ مبين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾.
﴿وَآخَرِينَ﴾: عطف على الأميين، أي: بعث في الأميين وفي آخرين منهم، "فهم" في موضع خفض، وقيل: "هم" في موضع نصب عطف على الهاء والميم في "يُعَلِّمْهُمُ" أو في: "يُزَكَّيهِمْ"، أي: ويعلم آخرين (مِنهُم الكتاب والحكمة، أي: ويزكي آخرين منهم، قال مجاهد: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾) عنى به العجم لأنهم أميون أيضاً، وكذلك قال ابن جبير.
قال أبو هريرة: "لمَّا نَزَلَ ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾، قِيلَ: يَا رِسُولَ اللهِ، مَنْ هُمْ؟ فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (بِيَدِهِ) عَلَى [سَلْمَانَ] وَقَالَ: لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالثُّرَيَّا لَنَالَهُ هَذَا وَأَصْحَابُهُ
وعن مجاهد: "﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾: هم كل من ردف الإسلام من الناس كلهم".
وقال ابن زيد: هؤلاء كل من كان بعد النبي عليه السلام إلى يوم القيامة (كل من دخل في الإسلام من العرب والعجم.
وقال الضحاك: "كل من آمن وعمل صالحاً إلى يوم القيامة").
وقال ابن عمر في أهل اليمن: أَنْتُمْ هُمْ.
ومعنى: ﴿لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾.
أي: لم يَحْيَوْا بَعْدُ [وَسَيَحْيَوْنَ].
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾.
أي: وهو العزيز في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبيره خلقه.
* *
ثم قال: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلَِ﴾.
أي: هذا الذي تقدم من الخبر على إرسال محمد إلى الأميين وغيرهم هو فضل من الله تفضل به عليهم، لأنه يؤتي فضله من يشاء من عباده، ولا يستحق الذم ممن حرمه إياه لأنه لم يمنعه حقاً هو له، ولكنه (علم) من هو له أهل فأودعه (إياه). وعن ابن عباس أن الفضل هنا: الدين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ﴾.
أي: والله ذو الفضل العظيم على جميع خلقه المحسن منهم والمسيء.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾.
أي: مثل الذين ألزموا العمل بما في التوراة فلم يقوموا به ولا وفوا بما ألزموا فيها من الإيمان بمحمد وغير ذلك من فروضها. يعني بني إسرائيل والنصارى.
* *
- ﴿كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾.
أي يحمل كتباً من العلم لا ينتفع بها ولا يعقل ما فيها، فكذلك الذين أوتوا التوراة فيها بيان أمر محمد وبعثه والأمر بالإيمان به، فلم ينتفعوا بذلك ولا وفوا به، فصاروا في عدم الانتفاع بذلك مثل الحمار الذي يحمل أسفاراً. أي: كتباً بها العلم.
والحمل في هذا من الحمالة وليس من الحمل على الظهر ولا في الصدر، أي تحملوا العمل بما فيها فلم يفوا بذلك. ومثله: ﴿فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا ... وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ﴾ [الأحزاب: ٧٢]. في الأحزاب، ومثله: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢] وهو كثير. فأما قوله: ﴿كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ﴾ فهو من الحمل على الظهر.
قال الضحاك: "الكتاب بالنبطية يسمى سِفْراً".
* *
- ثم قال: ﴿بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ﴾.
(أي: بئس هذا المثل مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله) وحججه.
* *
﴿وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾.
لا يوفقهم (إلى) الهدى عقوبة لهم بكفرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُوۤاْ إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ﴾.
أي: قل - يا محمد - لليهود: إن كنتم تزعمون أنكم أولياء لله من دون المؤمنين فتمنوا الموت إن كنتم محقين في قولكم: إنكم أولياؤه، فإن الله لا يعذب أولياءه، بل يكرمهم [وينعمهم]، فيستريحون من تعب الدنيا وكربها إلى النعيم.
* *
- ثم قال: ﴿وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ (أَبَداً) بِمَا قَدَّمَتْ أَيْديهِمْ﴾.
(أي): ولا يتمنى - يا محمد - اليهودُ الموتَ أبداً لمعرفتهم (بما) قدمت أيديهم من الآثام ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ﴾.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ﴾.
أي: قل لليهود - يا محمد -: إن الموت الذي تهربون منه وتكرهونه - لما قدمت أيديكم من الآثام - لا بد أن يحل بكم ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ﴾ - إذا متّمْ - ﴿إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾، أي: إلى الله الذي يعلم غيب السماوات والأرض، ويعلم ما ظهر من ذلك، ويعلم ما أسررتم من أعمالكم وما أظهرتم فيجازيكم عليها ويخبركم بالذي كنتم تعملون.
ودخلت الفاء في قوله: "فإنه" لتقدم "الذي" وإن كان نعتاً، لأن النعت هو المنعوت في المعنى. و "الذي" فيه إبهام، فشابه الشرط بالإبهام الذي فيه، فدخلت الفاء في خبر "إن" لكون اسمها فيه إبهام كما تدخل في جواب الشرط، لأن خبر "إن" كجواب الشرط، فلما شابهه من الإبهام الذي في "الذي" دخل فيه ما يدخل في جواب الشرط.
وقد قيل: إن الخبر لـ "إن" هنا هو جملة من ابتداء وخبر، والتقدير: قل إن الموت هو الذي تفرون منه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾.
أي: إذا سمعتم النداء إلى الصلاة في يوم الجمعة) فامضوا إليها، وهو الآذان الذي يكون عند قعود الإمام على المنبر للخطبة.
وقد قرأ ابن مسعود وعمر بن الخطاب: "فَامْضُُوا إِلَى ذِكْرِ اللهِ".
والسعي: [العمل] لا السرعة في المشي، دليله (قوله): ﴿وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسْعَىٰ﴾ [عبس: ٨] و: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ﴾ [النازعات: ٢٢] و: ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٠٥] ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ﴾ [الصافات: ١٠٢] كل هذا ليس يراد به سرعة مشي ولا جَرْيٌ، إنما هو العمل. ويزيد في بيانه قوله تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ [الليل: ٤] أي: إن عملكم لمختلف.
قال الحسن وقتادة: فاسعوا بالنية والإرادة.
قال قتادة: "السعي يا ابن آدم أن تسعى بقلبك وعملك، وهو المضي إليها"، وهو قول عكرمة.
(وقال) ابن زيد: إذا سمعتم الداعي الأول فأجيبوا إلى ذلك.
قال: ولم يكن في زمان رسول الله ﷺ أذان إلا الأذان حين يجلس على المنبر، وأذان حين تقام الصلاة. قال: وهذا الآخِر شيء أحدثه الناس بَعْدُ في زمان عثمان رضي الله [عنه] فلم ينكره أحد من الصحابة، وذلك حين كثر الناس وتباعدت الدور من المسجد، فمضى عليه العمل. ولا يحل البيع بعد سماع النداء الذي يكون بين يدي الإمام عند الخطبة، وهو قوله: ﴿وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ﴾.
أي: دعوا البيع والشراء إذا نودي للصلاة عند الخطبة (يوم الجمعة). والذكر هنا هو موعظة الإمامِ الناس في خطبته، قاله ابن المسيب وغيره.
* *
- ثم قال: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
أي: سَعْيُكم إليها وتركُ البيع والشراء خير لكم في عُقْبَاكُمْ إن كنتم تعلمون مصالِحَ أنفسكم ومضارَّها، وقد قال الضحاك والحسن وعطاء: إذا زالت الشمس يوم الجمعة حَرُمَ البيعُ والشراءُ حتى تُقْضَى الصلاة، وكان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يمنع الناسَ البيعَ يوم الجمعة إذا نودي بالصلاة.
وقال مالك: يفسخ البيع إذا وقع في هذا الوقت المنهي عنه، ولم ير الشافعي فسخه لأن الآية ليس فيها فسخه، فقيل له: أرأيت نكاحَ [المُحْرِمِ] ونكاحَ الشِّغَارِ يُفسخان إذا وقعا؟ [فقال: نعم]، قال: فكيف [تفسخهما] وليس في الحديث ذكر الفسخ إذا وقعا؟! إنما فيه النهي عن ذلك كما في الآية النهي عن البيع، فكما لا اختلاف في فسخ النكاح - وإن كان الحديث لم يتضمن ذكر الفسخ - كذلك هذا. وقد ذهب قوم إلى أن البيع جائز في ذلك الوقت، وتأولوا أن الآية على الترغيب لا على الإلزام، واستدلوا (على ذلك) بقوله بعد ذلك: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾. فلما قال ﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ دل على أنه على الترغيب. وهذا غلط، لو جاز هذا لكان قوله: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ ٱنتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] على الترغيب لا على الإلزام، وهذا كفر من قائله.
فإن أعتق أو أنكح بعد الأذان يوم الجمعة لم يفسخ، لأنه ليس من البيع الذي نص الله [عليه]، [ولأنه] أمر نادر غير دائم كالبيع الذي هو دائم منتظر، ولأن القوم إنما خرجوا من خلف النبي ﷺ إلى العير التي أتت من الشام ليَرَوْهَا ولِيَشتروا [مما] جاءت به، فعوتبوا على ذلك ونزل تحريم البيع الذي أخرجهم من خلف النبي عليه السلام.
قال جابر: أَقْبَلَتْ عِيرٌ بِتِجَارَةٍ يَوْمَ الجُمعةِ ورسولُ الله ﷺ يَخْطُبُ، فانصرفَ الناسُ يَنْظُرُونَ، وبَقِيَ رسولُ الله (يخطب) فِي (اثْنَيْ) عَشَرَ رَجُلاً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ
فالجمعة لازمة لكل حر محتلم، وغسلها سنّة على كل محتلم وقت الرواح إليها.
ولا جمعة على المسافر ولا على النساء، فإن (حضرن) وصلين مع الناس ركعتين أجزتهن عن الظهر.
وكان ابن مسعود يخرج النساء من المسجد يوم الجمعة ويقول: أخرجن إلى بيوتكن (خيراً لكن. وجائز للمسافر السفر) يوم الجمعة ما لم يحضر الوقت عند مالك، ومنعه جماعة من ذلك حتى يصلي الجمعة.
والجمعة يجب أن يأتيها من كان على ثلاثة أميال فأقل من المسجد عند مالك.
وعن الزهري: من كان على (مسافة) ستة أميال فأقل يجب عليه الإتيان. وقيل: لا يجب إلا على من سمع النداء، روي (عن) عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وبه قال أحمد بن حنبل، لأنه قال تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ﴾ فدل على أن ذلك على من سمعه أو كانَ في موضع يمكن أن يسمعه.
وقال أصحاب الرأي: تجب الجمعة على أهل المصر، من سمع النداء ومن لم يسمع.
وقال ابن المنكدر والزهري: تجب الجمعة على من كان على أربعة أميال.
وروي عن أبي هريرة: أن الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة من بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وبعد صلاة العصر إلى غروب الشمس.
وقال أبو العالية والحسن: (هي) (عند) زوال الشمس.
وقالت عائشة رضي الله عنها: هي عند أذان المؤذن لصلاة الجمعة.
وعن الحسن أيضاً أنها ما بين خروج الإمام إلى أن [تقضى] الصلاة.
وقال أبو بردة: هي عند نزول الإمام.
وقال أبو السوار: هي ما بين زوال الشمس إلى أن تدخل الصلاة.
وعن أبي ذر: أنها بعد زيغ الشمس شبراً إلى ذراع من يوم الجمعة.
وعن جماعة من العلماء: أنها آخر ساعة من يوم الجمعة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ﴾.
أي: إن شئتم، (وهذه) رخصة بعد [حظر]. وقد روى أنس أن النبي عليه السلام قال: "﴿فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ﴾ لَيْسَ بِطَلَبِ دُنْيَا وَلَكِنْ عَيَادَةُ مَرِيضٍ وَحُضُورُ جَنَازَةٍ وَزِيَارَةُ أَخٍ فِي اللهِ
وقوله: ﴿وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
أي: اذكروه بالحمد والشكر على ما وفقكم له لعلكم تنجون وتبقون في النعيم الدائم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا﴾.
التقدير عند المبرد: وإذا رأو تجارة انفضوا إليها، وإذا رأوا لهواً انفضوا إليه (ثم حذف وأخر ضمير الأول.
والمعنى: إذا رأوا ذلك أسرعوا إليه) وتركوك قائماً تخطب. يوبخ المؤمنين بذلك من فعلهم (إذ) خرجوا عن رسول الله - وهو يخطب - لرؤية العير التي أتت من (الشام) وكانت تحمل زيتاً (أتى) به دحية بن (خليفة) من الشام.
قال الحسن: أصاب الناس جوع و (غلاء) سعر، فقدمت عير والنبي ﷺ يخطب فخرجوا إليها.
واللهو (هنا): ما يصنع عند النكاح من الدف. وقيل: وهو الطبل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَارَةِ﴾.
أي: ما عنده من الثواب والأجر خير من ذلك لمن جلس واستمع الخطبة.
* *
﴿وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ﴾.
أي: خير رازق، فارغبوا إليه في توسعة الرزق.
الجمعة 62:7
قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾، إلى آخر السورة.
أي: يصلي ويسجد لله ما في السماوات السبع وما في الأرض من الخلق طوعاً وكرهاً. و "يسبح" للحال.
* *
وقوله: ﴿ٱلْمَلِكِ ٱلْقُدُّوسِ﴾.
أي: الذي له ملك كل شيء، [الطاهر] من كل ما يضيفه إليه المشركون.
* *
﴿ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ﴾.
أي: الشديد في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبيره خَلْقَه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً (مِّنْهُمْ)﴾.
أي: الله الذي بعث في العرب - [الذين] لا كتاب عندهم من عند الله - رسولاً منهم، يعني [محمداً] ﷺ.
قال ابن زيد: "سميت أمة محمد أميين لأنه لم ينزل عليهم كتاباً قبل القرآن".
وروى ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "نَحْنُ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لاَ نَكْتُبُ وَلاَ نَحْسُبُ"وذكر الحديث.
[و] إنما قيل، [للذي] لا يكتب: "أمي"، لأنه نسب إلى أمه، كأنه كما ولد.
وقيل: نسب إليها لأنها في أكثر الأحوال لا تكتب.
وقيل: إن [الأميين] إنما نسبوا إلى أم القرى، وهي مكة.
* *
- وقوله: ﴿يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾.
أي: يقرأ عليهم كتاب الله وَيُطَهِّرُهم من دَنَس الكفر ويُمَنِّيهِم بالثواب إذا قبلوا منه واتبعوه.
* *
﴿وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ﴾.
أي: القرآن.
﴿وَٱلْحِكْمَةَ﴾: التفقه في الدين. وقيل: الكتاب: القرآن وما فيه من حلال وحرام. والحِكْمَةُ: (السُّنَّةُ. قاله) قتادة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾.
أي: وقد كان هؤلاء (الأميون) - من قبل بعث محمد إليهم - في جور ظاهر عن قصد السبيل وعن الهدى والرشاد. وتقديره [في] [العـ]ــربية: وما كانوا من قبل بعث محمد إلا في ضلالٍ (مبين)، (هذا مذهب سيبويه، وتقديره عند الكوفيين). وإنهم كانوا من قبل بعث محمد لفي ضلالٍ مبين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾.
﴿وَآخَرِينَ﴾: عطف على الأميين، أي: بعث في الأميين وفي آخرين منهم، "فهم" في موضع خفض، وقيل: "هم" في موضع نصب عطف على الهاء والميم في "يُعَلِّمْهُمُ" أو في: "يُزَكَّيهِمْ"، أي: ويعلم آخرين (مِنهُم الكتاب والحكمة، أي: ويزكي آخرين منهم، قال مجاهد: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾) عنى به العجم لأنهم أميون أيضاً، وكذلك قال ابن جبير.
قال أبو هريرة: "لمَّا نَزَلَ ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾، قِيلَ: يَا رِسُولَ اللهِ، مَنْ هُمْ؟ فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (بِيَدِهِ) عَلَى [سَلْمَانَ] وَقَالَ: لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالثُّرَيَّا لَنَالَهُ هَذَا وَأَصْحَابُهُ
وعن مجاهد: "﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾: هم كل من ردف الإسلام من الناس كلهم".
وقال ابن زيد: هؤلاء كل من كان بعد النبي عليه السلام إلى يوم القيامة (كل من دخل في الإسلام من العرب والعجم.
وقال الضحاك: "كل من آمن وعمل صالحاً إلى يوم القيامة").
وقال ابن عمر في أهل اليمن: أَنْتُمْ هُمْ.
ومعنى: ﴿لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾.
أي: لم يَحْيَوْا بَعْدُ [وَسَيَحْيَوْنَ].
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾.
أي: وهو العزيز في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبيره خلقه.
* *
ثم قال: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلَِ﴾.
أي: هذا الذي تقدم من الخبر على إرسال محمد إلى الأميين وغيرهم هو فضل من الله تفضل به عليهم، لأنه يؤتي فضله من يشاء من عباده، ولا يستحق الذم ممن حرمه إياه لأنه لم يمنعه حقاً هو له، ولكنه (علم) من هو له أهل فأودعه (إياه). وعن ابن عباس أن الفضل هنا: الدين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ﴾.
أي: والله ذو الفضل العظيم على جميع خلقه المحسن منهم والمسيء.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾.
أي: مثل الذين ألزموا العمل بما في التوراة فلم يقوموا به ولا وفوا بما ألزموا فيها من الإيمان بمحمد وغير ذلك من فروضها. يعني بني إسرائيل والنصارى.
* *
- ﴿كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾.
أي يحمل كتباً من العلم لا ينتفع بها ولا يعقل ما فيها، فكذلك الذين أوتوا التوراة فيها بيان أمر محمد وبعثه والأمر بالإيمان به، فلم ينتفعوا بذلك ولا وفوا به، فصاروا في عدم الانتفاع بذلك مثل الحمار الذي يحمل أسفاراً. أي: كتباً بها العلم.
والحمل في هذا من الحمالة وليس من الحمل على الظهر ولا في الصدر، أي تحملوا العمل بما فيها فلم يفوا بذلك. ومثله: ﴿فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا ... وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ﴾ [الأحزاب: ٧٢]. في الأحزاب، ومثله: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢] وهو كثير. فأما قوله: ﴿كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ﴾ فهو من الحمل على الظهر.
قال الضحاك: "الكتاب بالنبطية يسمى سِفْراً".
* *
- ثم قال: ﴿بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ﴾.
(أي: بئس هذا المثل مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله) وحججه.
* *
﴿وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾.
لا يوفقهم (إلى) الهدى عقوبة لهم بكفرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُوۤاْ إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ﴾.
أي: قل - يا محمد - لليهود: إن كنتم تزعمون أنكم أولياء لله من دون المؤمنين فتمنوا الموت إن كنتم محقين في قولكم: إنكم أولياؤه، فإن الله لا يعذب أولياءه، بل يكرمهم [وينعمهم]، فيستريحون من تعب الدنيا وكربها إلى النعيم.
* *
- ثم قال: ﴿وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ (أَبَداً) بِمَا قَدَّمَتْ أَيْديهِمْ﴾.
(أي): ولا يتمنى - يا محمد - اليهودُ الموتَ أبداً لمعرفتهم (بما) قدمت أيديهم من الآثام ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ﴾.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ﴾.
أي: قل لليهود - يا محمد -: إن الموت الذي تهربون منه وتكرهونه - لما قدمت أيديكم من الآثام - لا بد أن يحل بكم ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ﴾ - إذا متّمْ - ﴿إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾، أي: إلى الله الذي يعلم غيب السماوات والأرض، ويعلم ما ظهر من ذلك، ويعلم ما أسررتم من أعمالكم وما أظهرتم فيجازيكم عليها ويخبركم بالذي كنتم تعملون.
ودخلت الفاء في قوله: "فإنه" لتقدم "الذي" وإن كان نعتاً، لأن النعت هو المنعوت في المعنى. و "الذي" فيه إبهام، فشابه الشرط بالإبهام الذي فيه، فدخلت الفاء في خبر "إن" لكون اسمها فيه إبهام كما تدخل في جواب الشرط، لأن خبر "إن" كجواب الشرط، فلما شابهه من الإبهام الذي في "الذي" دخل فيه ما يدخل في جواب الشرط.
وقد قيل: إن الخبر لـ "إن" هنا هو جملة من ابتداء وخبر، والتقدير: قل إن الموت هو الذي تفرون منه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾.
أي: إذا سمعتم النداء إلى الصلاة في يوم الجمعة) فامضوا إليها، وهو الآذان الذي يكون عند قعود الإمام على المنبر للخطبة.
وقد قرأ ابن مسعود وعمر بن الخطاب: "فَامْضُُوا إِلَى ذِكْرِ اللهِ".
والسعي: [العمل] لا السرعة في المشي، دليله (قوله): ﴿وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسْعَىٰ﴾ [عبس: ٨] و: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ﴾ [النازعات: ٢٢] و: ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٠٥] ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ﴾ [الصافات: ١٠٢] كل هذا ليس يراد به سرعة مشي ولا جَرْيٌ، إنما هو العمل. ويزيد في بيانه قوله تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ [الليل: ٤] أي: إن عملكم لمختلف.
قال الحسن وقتادة: فاسعوا بالنية والإرادة.
قال قتادة: "السعي يا ابن آدم أن تسعى بقلبك وعملك، وهو المضي إليها"، وهو قول عكرمة.
(وقال) ابن زيد: إذا سمعتم الداعي الأول فأجيبوا إلى ذلك.
قال: ولم يكن في زمان رسول الله ﷺ أذان إلا الأذان حين يجلس على المنبر، وأذان حين تقام الصلاة. قال: وهذا الآخِر شيء أحدثه الناس بَعْدُ في زمان عثمان رضي الله [عنه] فلم ينكره أحد من الصحابة، وذلك حين كثر الناس وتباعدت الدور من المسجد، فمضى عليه العمل. ولا يحل البيع بعد سماع النداء الذي يكون بين يدي الإمام عند الخطبة، وهو قوله: ﴿وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ﴾.
أي: دعوا البيع والشراء إذا نودي للصلاة عند الخطبة (يوم الجمعة). والذكر هنا هو موعظة الإمامِ الناس في خطبته، قاله ابن المسيب وغيره.
* *
- ثم قال: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
أي: سَعْيُكم إليها وتركُ البيع والشراء خير لكم في عُقْبَاكُمْ إن كنتم تعلمون مصالِحَ أنفسكم ومضارَّها، وقد قال الضحاك والحسن وعطاء: إذا زالت الشمس يوم الجمعة حَرُمَ البيعُ والشراءُ حتى تُقْضَى الصلاة، وكان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يمنع الناسَ البيعَ يوم الجمعة إذا نودي بالصلاة.
وقال مالك: يفسخ البيع إذا وقع في هذا الوقت المنهي عنه، ولم ير الشافعي فسخه لأن الآية ليس فيها فسخه، فقيل له: أرأيت نكاحَ [المُحْرِمِ] ونكاحَ الشِّغَارِ يُفسخان إذا وقعا؟ [فقال: نعم]، قال: فكيف [تفسخهما] وليس في الحديث ذكر الفسخ إذا وقعا؟! إنما فيه النهي عن ذلك كما في الآية النهي عن البيع، فكما لا اختلاف في فسخ النكاح - وإن كان الحديث لم يتضمن ذكر الفسخ - كذلك هذا. وقد ذهب قوم إلى أن البيع جائز في ذلك الوقت، وتأولوا أن الآية على الترغيب لا على الإلزام، واستدلوا (على ذلك) بقوله بعد ذلك: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾. فلما قال ﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ دل على أنه على الترغيب. وهذا غلط، لو جاز هذا لكان قوله: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ ٱنتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] على الترغيب لا على الإلزام، وهذا كفر من قائله.
فإن أعتق أو أنكح بعد الأذان يوم الجمعة لم يفسخ، لأنه ليس من البيع الذي نص الله [عليه]، [ولأنه] أمر نادر غير دائم كالبيع الذي هو دائم منتظر، ولأن القوم إنما خرجوا من خلف النبي ﷺ إلى العير التي أتت من الشام ليَرَوْهَا ولِيَشتروا [مما] جاءت به، فعوتبوا على ذلك ونزل تحريم البيع الذي أخرجهم من خلف النبي عليه السلام.
قال جابر: أَقْبَلَتْ عِيرٌ بِتِجَارَةٍ يَوْمَ الجُمعةِ ورسولُ الله ﷺ يَخْطُبُ، فانصرفَ الناسُ يَنْظُرُونَ، وبَقِيَ رسولُ الله (يخطب) فِي (اثْنَيْ) عَشَرَ رَجُلاً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ
فالجمعة لازمة لكل حر محتلم، وغسلها سنّة على كل محتلم وقت الرواح إليها.
ولا جمعة على المسافر ولا على النساء، فإن (حضرن) وصلين مع الناس ركعتين أجزتهن عن الظهر.
وكان ابن مسعود يخرج النساء من المسجد يوم الجمعة ويقول: أخرجن إلى بيوتكن (خيراً لكن. وجائز للمسافر السفر) يوم الجمعة ما لم يحضر الوقت عند مالك، ومنعه جماعة من ذلك حتى يصلي الجمعة.
والجمعة يجب أن يأتيها من كان على ثلاثة أميال فأقل من المسجد عند مالك.
وعن الزهري: من كان على (مسافة) ستة أميال فأقل يجب عليه الإتيان. وقيل: لا يجب إلا على من سمع النداء، روي (عن) عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وبه قال أحمد بن حنبل، لأنه قال تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ﴾ فدل على أن ذلك على من سمعه أو كانَ في موضع يمكن أن يسمعه.
وقال أصحاب الرأي: تجب الجمعة على أهل المصر، من سمع النداء ومن لم يسمع.
وقال ابن المنكدر والزهري: تجب الجمعة على من كان على أربعة أميال.
وروي عن أبي هريرة: أن الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة من بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وبعد صلاة العصر إلى غروب الشمس.
وقال أبو العالية والحسن: (هي) (عند) زوال الشمس.
وقالت عائشة رضي الله عنها: هي عند أذان المؤذن لصلاة الجمعة.
وعن الحسن أيضاً أنها ما بين خروج الإمام إلى أن [تقضى] الصلاة.
وقال أبو بردة: هي عند نزول الإمام.
وقال أبو السوار: هي ما بين زوال الشمس إلى أن تدخل الصلاة.
وعن أبي ذر: أنها بعد زيغ الشمس شبراً إلى ذراع من يوم الجمعة.
وعن جماعة من العلماء: أنها آخر ساعة من يوم الجمعة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ﴾.
أي: إن شئتم، (وهذه) رخصة بعد [حظر]. وقد روى أنس أن النبي عليه السلام قال: "﴿فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ﴾ لَيْسَ بِطَلَبِ دُنْيَا وَلَكِنْ عَيَادَةُ مَرِيضٍ وَحُضُورُ جَنَازَةٍ وَزِيَارَةُ أَخٍ فِي اللهِ
وقوله: ﴿وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
أي: اذكروه بالحمد والشكر على ما وفقكم له لعلكم تنجون وتبقون في النعيم الدائم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا﴾.
التقدير عند المبرد: وإذا رأو تجارة انفضوا إليها، وإذا رأوا لهواً انفضوا إليه (ثم حذف وأخر ضمير الأول.
والمعنى: إذا رأوا ذلك أسرعوا إليه) وتركوك قائماً تخطب. يوبخ المؤمنين بذلك من فعلهم (إذ) خرجوا عن رسول الله - وهو يخطب - لرؤية العير التي أتت من (الشام) وكانت تحمل زيتاً (أتى) به دحية بن (خليفة) من الشام.
قال الحسن: أصاب الناس جوع و (غلاء) سعر، فقدمت عير والنبي ﷺ يخطب فخرجوا إليها.
واللهو (هنا): ما يصنع عند النكاح من الدف. وقيل: وهو الطبل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَارَةِ﴾.
أي: ما عنده من الثواب والأجر خير من ذلك لمن جلس واستمع الخطبة.
* *
﴿وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ﴾.
أي: خير رازق، فارغبوا إليه في توسعة الرزق.
الجمعة 62:8
قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾، إلى آخر السورة.
أي: يصلي ويسجد لله ما في السماوات السبع وما في الأرض من الخلق طوعاً وكرهاً. و "يسبح" للحال.
* *
وقوله: ﴿ٱلْمَلِكِ ٱلْقُدُّوسِ﴾.
أي: الذي له ملك كل شيء، [الطاهر] من كل ما يضيفه إليه المشركون.
* *
﴿ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ﴾.
أي: الشديد في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبيره خَلْقَه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً (مِّنْهُمْ)﴾.
أي: الله الذي بعث في العرب - [الذين] لا كتاب عندهم من عند الله - رسولاً منهم، يعني [محمداً] ﷺ.
قال ابن زيد: "سميت أمة محمد أميين لأنه لم ينزل عليهم كتاباً قبل القرآن".
وروى ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "نَحْنُ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لاَ نَكْتُبُ وَلاَ نَحْسُبُ"وذكر الحديث.
[و] إنما قيل، [للذي] لا يكتب: "أمي"، لأنه نسب إلى أمه، كأنه كما ولد.
وقيل: نسب إليها لأنها في أكثر الأحوال لا تكتب.
وقيل: إن [الأميين] إنما نسبوا إلى أم القرى، وهي مكة.
* *
- وقوله: ﴿يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾.
أي: يقرأ عليهم كتاب الله وَيُطَهِّرُهم من دَنَس الكفر ويُمَنِّيهِم بالثواب إذا قبلوا منه واتبعوه.
* *
﴿وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ﴾.
أي: القرآن.
﴿وَٱلْحِكْمَةَ﴾: التفقه في الدين. وقيل: الكتاب: القرآن وما فيه من حلال وحرام. والحِكْمَةُ: (السُّنَّةُ. قاله) قتادة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾.
أي: وقد كان هؤلاء (الأميون) - من قبل بعث محمد إليهم - في جور ظاهر عن قصد السبيل وعن الهدى والرشاد. وتقديره [في] [العـ]ــربية: وما كانوا من قبل بعث محمد إلا في ضلالٍ (مبين)، (هذا مذهب سيبويه، وتقديره عند الكوفيين). وإنهم كانوا من قبل بعث محمد لفي ضلالٍ مبين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾.
﴿وَآخَرِينَ﴾: عطف على الأميين، أي: بعث في الأميين وفي آخرين منهم، "فهم" في موضع خفض، وقيل: "هم" في موضع نصب عطف على الهاء والميم في "يُعَلِّمْهُمُ" أو في: "يُزَكَّيهِمْ"، أي: ويعلم آخرين (مِنهُم الكتاب والحكمة، أي: ويزكي آخرين منهم، قال مجاهد: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾) عنى به العجم لأنهم أميون أيضاً، وكذلك قال ابن جبير.
قال أبو هريرة: "لمَّا نَزَلَ ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾، قِيلَ: يَا رِسُولَ اللهِ، مَنْ هُمْ؟ فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (بِيَدِهِ) عَلَى [سَلْمَانَ] وَقَالَ: لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالثُّرَيَّا لَنَالَهُ هَذَا وَأَصْحَابُهُ
وعن مجاهد: "﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾: هم كل من ردف الإسلام من الناس كلهم".
وقال ابن زيد: هؤلاء كل من كان بعد النبي عليه السلام إلى يوم القيامة (كل من دخل في الإسلام من العرب والعجم.
وقال الضحاك: "كل من آمن وعمل صالحاً إلى يوم القيامة").
وقال ابن عمر في أهل اليمن: أَنْتُمْ هُمْ.
ومعنى: ﴿لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾.
أي: لم يَحْيَوْا بَعْدُ [وَسَيَحْيَوْنَ].
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾.
أي: وهو العزيز في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبيره خلقه.
* *
ثم قال: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلَِ﴾.
أي: هذا الذي تقدم من الخبر على إرسال محمد إلى الأميين وغيرهم هو فضل من الله تفضل به عليهم، لأنه يؤتي فضله من يشاء من عباده، ولا يستحق الذم ممن حرمه إياه لأنه لم يمنعه حقاً هو له، ولكنه (علم) من هو له أهل فأودعه (إياه). وعن ابن عباس أن الفضل هنا: الدين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ﴾.
أي: والله ذو الفضل العظيم على جميع خلقه المحسن منهم والمسيء.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾.
أي: مثل الذين ألزموا العمل بما في التوراة فلم يقوموا به ولا وفوا بما ألزموا فيها من الإيمان بمحمد وغير ذلك من فروضها. يعني بني إسرائيل والنصارى.
* *
- ﴿كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾.
أي يحمل كتباً من العلم لا ينتفع بها ولا يعقل ما فيها، فكذلك الذين أوتوا التوراة فيها بيان أمر محمد وبعثه والأمر بالإيمان به، فلم ينتفعوا بذلك ولا وفوا به، فصاروا في عدم الانتفاع بذلك مثل الحمار الذي يحمل أسفاراً. أي: كتباً بها العلم.
والحمل في هذا من الحمالة وليس من الحمل على الظهر ولا في الصدر، أي تحملوا العمل بما فيها فلم يفوا بذلك. ومثله: ﴿فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا ... وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ﴾ [الأحزاب: ٧٢]. في الأحزاب، ومثله: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢] وهو كثير. فأما قوله: ﴿كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ﴾ فهو من الحمل على الظهر.
قال الضحاك: "الكتاب بالنبطية يسمى سِفْراً".
* *
- ثم قال: ﴿بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ﴾.
(أي: بئس هذا المثل مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله) وحججه.
* *
﴿وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾.
لا يوفقهم (إلى) الهدى عقوبة لهم بكفرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُوۤاْ إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ﴾.
أي: قل - يا محمد - لليهود: إن كنتم تزعمون أنكم أولياء لله من دون المؤمنين فتمنوا الموت إن كنتم محقين في قولكم: إنكم أولياؤه، فإن الله لا يعذب أولياءه، بل يكرمهم [وينعمهم]، فيستريحون من تعب الدنيا وكربها إلى النعيم.
* *
- ثم قال: ﴿وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ (أَبَداً) بِمَا قَدَّمَتْ أَيْديهِمْ﴾.
(أي): ولا يتمنى - يا محمد - اليهودُ الموتَ أبداً لمعرفتهم (بما) قدمت أيديهم من الآثام ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ﴾.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ﴾.
أي: قل لليهود - يا محمد -: إن الموت الذي تهربون منه وتكرهونه - لما قدمت أيديكم من الآثام - لا بد أن يحل بكم ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ﴾ - إذا متّمْ - ﴿إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾، أي: إلى الله الذي يعلم غيب السماوات والأرض، ويعلم ما ظهر من ذلك، ويعلم ما أسررتم من أعمالكم وما أظهرتم فيجازيكم عليها ويخبركم بالذي كنتم تعملون.
ودخلت الفاء في قوله: "فإنه" لتقدم "الذي" وإن كان نعتاً، لأن النعت هو المنعوت في المعنى. و "الذي" فيه إبهام، فشابه الشرط بالإبهام الذي فيه، فدخلت الفاء في خبر "إن" لكون اسمها فيه إبهام كما تدخل في جواب الشرط، لأن خبر "إن" كجواب الشرط، فلما شابهه من الإبهام الذي في "الذي" دخل فيه ما يدخل في جواب الشرط.
وقد قيل: إن الخبر لـ "إن" هنا هو جملة من ابتداء وخبر، والتقدير: قل إن الموت هو الذي تفرون منه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾.
أي: إذا سمعتم النداء إلى الصلاة في يوم الجمعة) فامضوا إليها، وهو الآذان الذي يكون عند قعود الإمام على المنبر للخطبة.
وقد قرأ ابن مسعود وعمر بن الخطاب: "فَامْضُُوا إِلَى ذِكْرِ اللهِ".
والسعي: [العمل] لا السرعة في المشي، دليله (قوله): ﴿وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسْعَىٰ﴾ [عبس: ٨] و: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ﴾ [النازعات: ٢٢] و: ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٠٥] ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ﴾ [الصافات: ١٠٢] كل هذا ليس يراد به سرعة مشي ولا جَرْيٌ، إنما هو العمل. ويزيد في بيانه قوله تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ [الليل: ٤] أي: إن عملكم لمختلف.
قال الحسن وقتادة: فاسعوا بالنية والإرادة.
قال قتادة: "السعي يا ابن آدم أن تسعى بقلبك وعملك، وهو المضي إليها"، وهو قول عكرمة.
(وقال) ابن زيد: إذا سمعتم الداعي الأول فأجيبوا إلى ذلك.
قال: ولم يكن في زمان رسول الله ﷺ أذان إلا الأذان حين يجلس على المنبر، وأذان حين تقام الصلاة. قال: وهذا الآخِر شيء أحدثه الناس بَعْدُ في زمان عثمان رضي الله [عنه] فلم ينكره أحد من الصحابة، وذلك حين كثر الناس وتباعدت الدور من المسجد، فمضى عليه العمل. ولا يحل البيع بعد سماع النداء الذي يكون بين يدي الإمام عند الخطبة، وهو قوله: ﴿وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ﴾.
أي: دعوا البيع والشراء إذا نودي للصلاة عند الخطبة (يوم الجمعة). والذكر هنا هو موعظة الإمامِ الناس في خطبته، قاله ابن المسيب وغيره.
* *
- ثم قال: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
أي: سَعْيُكم إليها وتركُ البيع والشراء خير لكم في عُقْبَاكُمْ إن كنتم تعلمون مصالِحَ أنفسكم ومضارَّها، وقد قال الضحاك والحسن وعطاء: إذا زالت الشمس يوم الجمعة حَرُمَ البيعُ والشراءُ حتى تُقْضَى الصلاة، وكان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يمنع الناسَ البيعَ يوم الجمعة إذا نودي بالصلاة.
وقال مالك: يفسخ البيع إذا وقع في هذا الوقت المنهي عنه، ولم ير الشافعي فسخه لأن الآية ليس فيها فسخه، فقيل له: أرأيت نكاحَ [المُحْرِمِ] ونكاحَ الشِّغَارِ يُفسخان إذا وقعا؟ [فقال: نعم]، قال: فكيف [تفسخهما] وليس في الحديث ذكر الفسخ إذا وقعا؟! إنما فيه النهي عن ذلك كما في الآية النهي عن البيع، فكما لا اختلاف في فسخ النكاح - وإن كان الحديث لم يتضمن ذكر الفسخ - كذلك هذا. وقد ذهب قوم إلى أن البيع جائز في ذلك الوقت، وتأولوا أن الآية على الترغيب لا على الإلزام، واستدلوا (على ذلك) بقوله بعد ذلك: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾. فلما قال ﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ دل على أنه على الترغيب. وهذا غلط، لو جاز هذا لكان قوله: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ ٱنتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] على الترغيب لا على الإلزام، وهذا كفر من قائله.
فإن أعتق أو أنكح بعد الأذان يوم الجمعة لم يفسخ، لأنه ليس من البيع الذي نص الله [عليه]، [ولأنه] أمر نادر غير دائم كالبيع الذي هو دائم منتظر، ولأن القوم إنما خرجوا من خلف النبي ﷺ إلى العير التي أتت من الشام ليَرَوْهَا ولِيَشتروا [مما] جاءت به، فعوتبوا على ذلك ونزل تحريم البيع الذي أخرجهم من خلف النبي عليه السلام.
قال جابر: أَقْبَلَتْ عِيرٌ بِتِجَارَةٍ يَوْمَ الجُمعةِ ورسولُ الله ﷺ يَخْطُبُ، فانصرفَ الناسُ يَنْظُرُونَ، وبَقِيَ رسولُ الله (يخطب) فِي (اثْنَيْ) عَشَرَ رَجُلاً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ
فالجمعة لازمة لكل حر محتلم، وغسلها سنّة على كل محتلم وقت الرواح إليها.
ولا جمعة على المسافر ولا على النساء، فإن (حضرن) وصلين مع الناس ركعتين أجزتهن عن الظهر.
وكان ابن مسعود يخرج النساء من المسجد يوم الجمعة ويقول: أخرجن إلى بيوتكن (خيراً لكن. وجائز للمسافر السفر) يوم الجمعة ما لم يحضر الوقت عند مالك، ومنعه جماعة من ذلك حتى يصلي الجمعة.
والجمعة يجب أن يأتيها من كان على ثلاثة أميال فأقل من المسجد عند مالك.
وعن الزهري: من كان على (مسافة) ستة أميال فأقل يجب عليه الإتيان. وقيل: لا يجب إلا على من سمع النداء، روي (عن) عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وبه قال أحمد بن حنبل، لأنه قال تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ﴾ فدل على أن ذلك على من سمعه أو كانَ في موضع يمكن أن يسمعه.
وقال أصحاب الرأي: تجب الجمعة على أهل المصر، من سمع النداء ومن لم يسمع.
وقال ابن المنكدر والزهري: تجب الجمعة على من كان على أربعة أميال.
وروي عن أبي هريرة: أن الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة من بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وبعد صلاة العصر إلى غروب الشمس.
وقال أبو العالية والحسن: (هي) (عند) زوال الشمس.
وقالت عائشة رضي الله عنها: هي عند أذان المؤذن لصلاة الجمعة.
وعن الحسن أيضاً أنها ما بين خروج الإمام إلى أن [تقضى] الصلاة.
وقال أبو بردة: هي عند نزول الإمام.
وقال أبو السوار: هي ما بين زوال الشمس إلى أن تدخل الصلاة.
وعن أبي ذر: أنها بعد زيغ الشمس شبراً إلى ذراع من يوم الجمعة.
وعن جماعة من العلماء: أنها آخر ساعة من يوم الجمعة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ﴾.
أي: إن شئتم، (وهذه) رخصة بعد [حظر]. وقد روى أنس أن النبي عليه السلام قال: "﴿فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ﴾ لَيْسَ بِطَلَبِ دُنْيَا وَلَكِنْ عَيَادَةُ مَرِيضٍ وَحُضُورُ جَنَازَةٍ وَزِيَارَةُ أَخٍ فِي اللهِ
وقوله: ﴿وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
أي: اذكروه بالحمد والشكر على ما وفقكم له لعلكم تنجون وتبقون في النعيم الدائم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا﴾.
التقدير عند المبرد: وإذا رأو تجارة انفضوا إليها، وإذا رأوا لهواً انفضوا إليه (ثم حذف وأخر ضمير الأول.
والمعنى: إذا رأوا ذلك أسرعوا إليه) وتركوك قائماً تخطب. يوبخ المؤمنين بذلك من فعلهم (إذ) خرجوا عن رسول الله - وهو يخطب - لرؤية العير التي أتت من (الشام) وكانت تحمل زيتاً (أتى) به دحية بن (خليفة) من الشام.
قال الحسن: أصاب الناس جوع و (غلاء) سعر، فقدمت عير والنبي ﷺ يخطب فخرجوا إليها.
واللهو (هنا): ما يصنع عند النكاح من الدف. وقيل: وهو الطبل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَارَةِ﴾.
أي: ما عنده من الثواب والأجر خير من ذلك لمن جلس واستمع الخطبة.
* *
﴿وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ﴾.
أي: خير رازق، فارغبوا إليه في توسعة الرزق.
الجمعة 62:9
قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾، إلى آخر السورة.
أي: يصلي ويسجد لله ما في السماوات السبع وما في الأرض من الخلق طوعاً وكرهاً. و "يسبح" للحال.
* *
وقوله: ﴿ٱلْمَلِكِ ٱلْقُدُّوسِ﴾.
أي: الذي له ملك كل شيء، [الطاهر] من كل ما يضيفه إليه المشركون.
* *
﴿ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ﴾.
أي: الشديد في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبيره خَلْقَه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً (مِّنْهُمْ)﴾.
أي: الله الذي بعث في العرب - [الذين] لا كتاب عندهم من عند الله - رسولاً منهم، يعني [محمداً] ﷺ.
قال ابن زيد: "سميت أمة محمد أميين لأنه لم ينزل عليهم كتاباً قبل القرآن".
وروى ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "نَحْنُ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لاَ نَكْتُبُ وَلاَ نَحْسُبُ"وذكر الحديث.
[و] إنما قيل، [للذي] لا يكتب: "أمي"، لأنه نسب إلى أمه، كأنه كما ولد.
وقيل: نسب إليها لأنها في أكثر الأحوال لا تكتب.
وقيل: إن [الأميين] إنما نسبوا إلى أم القرى، وهي مكة.
* *
- وقوله: ﴿يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾.
أي: يقرأ عليهم كتاب الله وَيُطَهِّرُهم من دَنَس الكفر ويُمَنِّيهِم بالثواب إذا قبلوا منه واتبعوه.
* *
﴿وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ﴾.
أي: القرآن.
﴿وَٱلْحِكْمَةَ﴾: التفقه في الدين. وقيل: الكتاب: القرآن وما فيه من حلال وحرام. والحِكْمَةُ: (السُّنَّةُ. قاله) قتادة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾.
أي: وقد كان هؤلاء (الأميون) - من قبل بعث محمد إليهم - في جور ظاهر عن قصد السبيل وعن الهدى والرشاد. وتقديره [في] [العـ]ــربية: وما كانوا من قبل بعث محمد إلا في ضلالٍ (مبين)، (هذا مذهب سيبويه، وتقديره عند الكوفيين). وإنهم كانوا من قبل بعث محمد لفي ضلالٍ مبين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾.
﴿وَآخَرِينَ﴾: عطف على الأميين، أي: بعث في الأميين وفي آخرين منهم، "فهم" في موضع خفض، وقيل: "هم" في موضع نصب عطف على الهاء والميم في "يُعَلِّمْهُمُ" أو في: "يُزَكَّيهِمْ"، أي: ويعلم آخرين (مِنهُم الكتاب والحكمة، أي: ويزكي آخرين منهم، قال مجاهد: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾) عنى به العجم لأنهم أميون أيضاً، وكذلك قال ابن جبير.
قال أبو هريرة: "لمَّا نَزَلَ ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾، قِيلَ: يَا رِسُولَ اللهِ، مَنْ هُمْ؟ فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (بِيَدِهِ) عَلَى [سَلْمَانَ] وَقَالَ: لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالثُّرَيَّا لَنَالَهُ هَذَا وَأَصْحَابُهُ
وعن مجاهد: "﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾: هم كل من ردف الإسلام من الناس كلهم".
وقال ابن زيد: هؤلاء كل من كان بعد النبي عليه السلام إلى يوم القيامة (كل من دخل في الإسلام من العرب والعجم.
وقال الضحاك: "كل من آمن وعمل صالحاً إلى يوم القيامة").
وقال ابن عمر في أهل اليمن: أَنْتُمْ هُمْ.
ومعنى: ﴿لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾.
أي: لم يَحْيَوْا بَعْدُ [وَسَيَحْيَوْنَ].
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾.
أي: وهو العزيز في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبيره خلقه.
* *
ثم قال: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلَِ﴾.
أي: هذا الذي تقدم من الخبر على إرسال محمد إلى الأميين وغيرهم هو فضل من الله تفضل به عليهم، لأنه يؤتي فضله من يشاء من عباده، ولا يستحق الذم ممن حرمه إياه لأنه لم يمنعه حقاً هو له، ولكنه (علم) من هو له أهل فأودعه (إياه). وعن ابن عباس أن الفضل هنا: الدين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ﴾.
أي: والله ذو الفضل العظيم على جميع خلقه المحسن منهم والمسيء.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾.
أي: مثل الذين ألزموا العمل بما في التوراة فلم يقوموا به ولا وفوا بما ألزموا فيها من الإيمان بمحمد وغير ذلك من فروضها. يعني بني إسرائيل والنصارى.
* *
- ﴿كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾.
أي يحمل كتباً من العلم لا ينتفع بها ولا يعقل ما فيها، فكذلك الذين أوتوا التوراة فيها بيان أمر محمد وبعثه والأمر بالإيمان به، فلم ينتفعوا بذلك ولا وفوا به، فصاروا في عدم الانتفاع بذلك مثل الحمار الذي يحمل أسفاراً. أي: كتباً بها العلم.
والحمل في هذا من الحمالة وليس من الحمل على الظهر ولا في الصدر، أي تحملوا العمل بما فيها فلم يفوا بذلك. ومثله: ﴿فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا ... وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ﴾ [الأحزاب: ٧٢]. في الأحزاب، ومثله: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢] وهو كثير. فأما قوله: ﴿كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ﴾ فهو من الحمل على الظهر.
قال الضحاك: "الكتاب بالنبطية يسمى سِفْراً".
* *
- ثم قال: ﴿بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ﴾.
(أي: بئس هذا المثل مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله) وحججه.
* *
﴿وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾.
لا يوفقهم (إلى) الهدى عقوبة لهم بكفرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُوۤاْ إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ﴾.
أي: قل - يا محمد - لليهود: إن كنتم تزعمون أنكم أولياء لله من دون المؤمنين فتمنوا الموت إن كنتم محقين في قولكم: إنكم أولياؤه، فإن الله لا يعذب أولياءه، بل يكرمهم [وينعمهم]، فيستريحون من تعب الدنيا وكربها إلى النعيم.
* *
- ثم قال: ﴿وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ (أَبَداً) بِمَا قَدَّمَتْ أَيْديهِمْ﴾.
(أي): ولا يتمنى - يا محمد - اليهودُ الموتَ أبداً لمعرفتهم (بما) قدمت أيديهم من الآثام ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ﴾.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ﴾.
أي: قل لليهود - يا محمد -: إن الموت الذي تهربون منه وتكرهونه - لما قدمت أيديكم من الآثام - لا بد أن يحل بكم ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ﴾ - إذا متّمْ - ﴿إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾، أي: إلى الله الذي يعلم غيب السماوات والأرض، ويعلم ما ظهر من ذلك، ويعلم ما أسررتم من أعمالكم وما أظهرتم فيجازيكم عليها ويخبركم بالذي كنتم تعملون.
ودخلت الفاء في قوله: "فإنه" لتقدم "الذي" وإن كان نعتاً، لأن النعت هو المنعوت في المعنى. و "الذي" فيه إبهام، فشابه الشرط بالإبهام الذي فيه، فدخلت الفاء في خبر "إن" لكون اسمها فيه إبهام كما تدخل في جواب الشرط، لأن خبر "إن" كجواب الشرط، فلما شابهه من الإبهام الذي في "الذي" دخل فيه ما يدخل في جواب الشرط.
وقد قيل: إن الخبر لـ "إن" هنا هو جملة من ابتداء وخبر، والتقدير: قل إن الموت هو الذي تفرون منه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾.
أي: إذا سمعتم النداء إلى الصلاة في يوم الجمعة) فامضوا إليها، وهو الآذان الذي يكون عند قعود الإمام على المنبر للخطبة.
وقد قرأ ابن مسعود وعمر بن الخطاب: "فَامْضُُوا إِلَى ذِكْرِ اللهِ".
والسعي: [العمل] لا السرعة في المشي، دليله (قوله): ﴿وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسْعَىٰ﴾ [عبس: ٨] و: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ﴾ [النازعات: ٢٢] و: ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٠٥] ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ﴾ [الصافات: ١٠٢] كل هذا ليس يراد به سرعة مشي ولا جَرْيٌ، إنما هو العمل. ويزيد في بيانه قوله تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ [الليل: ٤] أي: إن عملكم لمختلف.
قال الحسن وقتادة: فاسعوا بالنية والإرادة.
قال قتادة: "السعي يا ابن آدم أن تسعى بقلبك وعملك، وهو المضي إليها"، وهو قول عكرمة.
(وقال) ابن زيد: إذا سمعتم الداعي الأول فأجيبوا إلى ذلك.
قال: ولم يكن في زمان رسول الله ﷺ أذان إلا الأذان حين يجلس على المنبر، وأذان حين تقام الصلاة. قال: وهذا الآخِر شيء أحدثه الناس بَعْدُ في زمان عثمان رضي الله [عنه] فلم ينكره أحد من الصحابة، وذلك حين كثر الناس وتباعدت الدور من المسجد، فمضى عليه العمل. ولا يحل البيع بعد سماع النداء الذي يكون بين يدي الإمام عند الخطبة، وهو قوله: ﴿وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ﴾.
أي: دعوا البيع والشراء إذا نودي للصلاة عند الخطبة (يوم الجمعة). والذكر هنا هو موعظة الإمامِ الناس في خطبته، قاله ابن المسيب وغيره.
* *
- ثم قال: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
أي: سَعْيُكم إليها وتركُ البيع والشراء خير لكم في عُقْبَاكُمْ إن كنتم تعلمون مصالِحَ أنفسكم ومضارَّها، وقد قال الضحاك والحسن وعطاء: إذا زالت الشمس يوم الجمعة حَرُمَ البيعُ والشراءُ حتى تُقْضَى الصلاة، وكان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يمنع الناسَ البيعَ يوم الجمعة إذا نودي بالصلاة.
وقال مالك: يفسخ البيع إذا وقع في هذا الوقت المنهي عنه، ولم ير الشافعي فسخه لأن الآية ليس فيها فسخه، فقيل له: أرأيت نكاحَ [المُحْرِمِ] ونكاحَ الشِّغَارِ يُفسخان إذا وقعا؟ [فقال: نعم]، قال: فكيف [تفسخهما] وليس في الحديث ذكر الفسخ إذا وقعا؟! إنما فيه النهي عن ذلك كما في الآية النهي عن البيع، فكما لا اختلاف في فسخ النكاح - وإن كان الحديث لم يتضمن ذكر الفسخ - كذلك هذا. وقد ذهب قوم إلى أن البيع جائز في ذلك الوقت، وتأولوا أن الآية على الترغيب لا على الإلزام، واستدلوا (على ذلك) بقوله بعد ذلك: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾. فلما قال ﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ دل على أنه على الترغيب. وهذا غلط، لو جاز هذا لكان قوله: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ ٱنتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] على الترغيب لا على الإلزام، وهذا كفر من قائله.
فإن أعتق أو أنكح بعد الأذان يوم الجمعة لم يفسخ، لأنه ليس من البيع الذي نص الله [عليه]، [ولأنه] أمر نادر غير دائم كالبيع الذي هو دائم منتظر، ولأن القوم إنما خرجوا من خلف النبي ﷺ إلى العير التي أتت من الشام ليَرَوْهَا ولِيَشتروا [مما] جاءت به، فعوتبوا على ذلك ونزل تحريم البيع الذي أخرجهم من خلف النبي عليه السلام.
قال جابر: أَقْبَلَتْ عِيرٌ بِتِجَارَةٍ يَوْمَ الجُمعةِ ورسولُ الله ﷺ يَخْطُبُ، فانصرفَ الناسُ يَنْظُرُونَ، وبَقِيَ رسولُ الله (يخطب) فِي (اثْنَيْ) عَشَرَ رَجُلاً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ
فالجمعة لازمة لكل حر محتلم، وغسلها سنّة على كل محتلم وقت الرواح إليها.
ولا جمعة على المسافر ولا على النساء، فإن (حضرن) وصلين مع الناس ركعتين أجزتهن عن الظهر.
وكان ابن مسعود يخرج النساء من المسجد يوم الجمعة ويقول: أخرجن إلى بيوتكن (خيراً لكن. وجائز للمسافر السفر) يوم الجمعة ما لم يحضر الوقت عند مالك، ومنعه جماعة من ذلك حتى يصلي الجمعة.
والجمعة يجب أن يأتيها من كان على ثلاثة أميال فأقل من المسجد عند مالك.
وعن الزهري: من كان على (مسافة) ستة أميال فأقل يجب عليه الإتيان. وقيل: لا يجب إلا على من سمع النداء، روي (عن) عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وبه قال أحمد بن حنبل، لأنه قال تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ﴾ فدل على أن ذلك على من سمعه أو كانَ في موضع يمكن أن يسمعه.
وقال أصحاب الرأي: تجب الجمعة على أهل المصر، من سمع النداء ومن لم يسمع.
وقال ابن المنكدر والزهري: تجب الجمعة على من كان على أربعة أميال.
وروي عن أبي هريرة: أن الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة من بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وبعد صلاة العصر إلى غروب الشمس.
وقال أبو العالية والحسن: (هي) (عند) زوال الشمس.
وقالت عائشة رضي الله عنها: هي عند أذان المؤذن لصلاة الجمعة.
وعن الحسن أيضاً أنها ما بين خروج الإمام إلى أن [تقضى] الصلاة.
وقال أبو بردة: هي عند نزول الإمام.
وقال أبو السوار: هي ما بين زوال الشمس إلى أن تدخل الصلاة.
وعن أبي ذر: أنها بعد زيغ الشمس شبراً إلى ذراع من يوم الجمعة.
وعن جماعة من العلماء: أنها آخر ساعة من يوم الجمعة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ﴾.
أي: إن شئتم، (وهذه) رخصة بعد [حظر]. وقد روى أنس أن النبي عليه السلام قال: "﴿فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ﴾ لَيْسَ بِطَلَبِ دُنْيَا وَلَكِنْ عَيَادَةُ مَرِيضٍ وَحُضُورُ جَنَازَةٍ وَزِيَارَةُ أَخٍ فِي اللهِ
وقوله: ﴿وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
أي: اذكروه بالحمد والشكر على ما وفقكم له لعلكم تنجون وتبقون في النعيم الدائم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا﴾.
التقدير عند المبرد: وإذا رأو تجارة انفضوا إليها، وإذا رأوا لهواً انفضوا إليه (ثم حذف وأخر ضمير الأول.
والمعنى: إذا رأوا ذلك أسرعوا إليه) وتركوك قائماً تخطب. يوبخ المؤمنين بذلك من فعلهم (إذ) خرجوا عن رسول الله - وهو يخطب - لرؤية العير التي أتت من (الشام) وكانت تحمل زيتاً (أتى) به دحية بن (خليفة) من الشام.
قال الحسن: أصاب الناس جوع و (غلاء) سعر، فقدمت عير والنبي ﷺ يخطب فخرجوا إليها.
واللهو (هنا): ما يصنع عند النكاح من الدف. وقيل: وهو الطبل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَارَةِ﴾.
أي: ما عنده من الثواب والأجر خير من ذلك لمن جلس واستمع الخطبة.
* *
﴿وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ﴾.
أي: خير رازق، فارغبوا إليه في توسعة الرزق.
الجمعة 62:10
قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾، إلى آخر السورة.
أي: يصلي ويسجد لله ما في السماوات السبع وما في الأرض من الخلق طوعاً وكرهاً. و "يسبح" للحال.
* *
وقوله: ﴿ٱلْمَلِكِ ٱلْقُدُّوسِ﴾.
أي: الذي له ملك كل شيء، [الطاهر] من كل ما يضيفه إليه المشركون.
* *
﴿ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ﴾.
أي: الشديد في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبيره خَلْقَه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً (مِّنْهُمْ)﴾.
أي: الله الذي بعث في العرب - [الذين] لا كتاب عندهم من عند الله - رسولاً منهم، يعني [محمداً] ﷺ.
قال ابن زيد: "سميت أمة محمد أميين لأنه لم ينزل عليهم كتاباً قبل القرآن".
وروى ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "نَحْنُ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لاَ نَكْتُبُ وَلاَ نَحْسُبُ"وذكر الحديث.
[و] إنما قيل، [للذي] لا يكتب: "أمي"، لأنه نسب إلى أمه، كأنه كما ولد.
وقيل: نسب إليها لأنها في أكثر الأحوال لا تكتب.
وقيل: إن [الأميين] إنما نسبوا إلى أم القرى، وهي مكة.
* *
- وقوله: ﴿يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾.
أي: يقرأ عليهم كتاب الله وَيُطَهِّرُهم من دَنَس الكفر ويُمَنِّيهِم بالثواب إذا قبلوا منه واتبعوه.
* *
﴿وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ﴾.
أي: القرآن.
﴿وَٱلْحِكْمَةَ﴾: التفقه في الدين. وقيل: الكتاب: القرآن وما فيه من حلال وحرام. والحِكْمَةُ: (السُّنَّةُ. قاله) قتادة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾.
أي: وقد كان هؤلاء (الأميون) - من قبل بعث محمد إليهم - في جور ظاهر عن قصد السبيل وعن الهدى والرشاد. وتقديره [في] [العـ]ــربية: وما كانوا من قبل بعث محمد إلا في ضلالٍ (مبين)، (هذا مذهب سيبويه، وتقديره عند الكوفيين). وإنهم كانوا من قبل بعث محمد لفي ضلالٍ مبين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾.
﴿وَآخَرِينَ﴾: عطف على الأميين، أي: بعث في الأميين وفي آخرين منهم، "فهم" في موضع خفض، وقيل: "هم" في موضع نصب عطف على الهاء والميم في "يُعَلِّمْهُمُ" أو في: "يُزَكَّيهِمْ"، أي: ويعلم آخرين (مِنهُم الكتاب والحكمة، أي: ويزكي آخرين منهم، قال مجاهد: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾) عنى به العجم لأنهم أميون أيضاً، وكذلك قال ابن جبير.
قال أبو هريرة: "لمَّا نَزَلَ ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾، قِيلَ: يَا رِسُولَ اللهِ، مَنْ هُمْ؟ فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (بِيَدِهِ) عَلَى [سَلْمَانَ] وَقَالَ: لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالثُّرَيَّا لَنَالَهُ هَذَا وَأَصْحَابُهُ
وعن مجاهد: "﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾: هم كل من ردف الإسلام من الناس كلهم".
وقال ابن زيد: هؤلاء كل من كان بعد النبي عليه السلام إلى يوم القيامة (كل من دخل في الإسلام من العرب والعجم.
وقال الضحاك: "كل من آمن وعمل صالحاً إلى يوم القيامة").
وقال ابن عمر في أهل اليمن: أَنْتُمْ هُمْ.
ومعنى: ﴿لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾.
أي: لم يَحْيَوْا بَعْدُ [وَسَيَحْيَوْنَ].
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾.
أي: وهو العزيز في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبيره خلقه.
* *
ثم قال: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلَِ﴾.
أي: هذا الذي تقدم من الخبر على إرسال محمد إلى الأميين وغيرهم هو فضل من الله تفضل به عليهم، لأنه يؤتي فضله من يشاء من عباده، ولا يستحق الذم ممن حرمه إياه لأنه لم يمنعه حقاً هو له، ولكنه (علم) من هو له أهل فأودعه (إياه). وعن ابن عباس أن الفضل هنا: الدين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ﴾.
أي: والله ذو الفضل العظيم على جميع خلقه المحسن منهم والمسيء.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾.
أي: مثل الذين ألزموا العمل بما في التوراة فلم يقوموا به ولا وفوا بما ألزموا فيها من الإيمان بمحمد وغير ذلك من فروضها. يعني بني إسرائيل والنصارى.
* *
- ﴿كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾.
أي يحمل كتباً من العلم لا ينتفع بها ولا يعقل ما فيها، فكذلك الذين أوتوا التوراة فيها بيان أمر محمد وبعثه والأمر بالإيمان به، فلم ينتفعوا بذلك ولا وفوا به، فصاروا في عدم الانتفاع بذلك مثل الحمار الذي يحمل أسفاراً. أي: كتباً بها العلم.
والحمل في هذا من الحمالة وليس من الحمل على الظهر ولا في الصدر، أي تحملوا العمل بما فيها فلم يفوا بذلك. ومثله: ﴿فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا ... وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ﴾ [الأحزاب: ٧٢]. في الأحزاب، ومثله: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢] وهو كثير. فأما قوله: ﴿كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ﴾ فهو من الحمل على الظهر.
قال الضحاك: "الكتاب بالنبطية يسمى سِفْراً".
* *
- ثم قال: ﴿بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ﴾.
(أي: بئس هذا المثل مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله) وحججه.
* *
﴿وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾.
لا يوفقهم (إلى) الهدى عقوبة لهم بكفرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُوۤاْ إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ﴾.
أي: قل - يا محمد - لليهود: إن كنتم تزعمون أنكم أولياء لله من دون المؤمنين فتمنوا الموت إن كنتم محقين في قولكم: إنكم أولياؤه، فإن الله لا يعذب أولياءه، بل يكرمهم [وينعمهم]، فيستريحون من تعب الدنيا وكربها إلى النعيم.
* *
- ثم قال: ﴿وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ (أَبَداً) بِمَا قَدَّمَتْ أَيْديهِمْ﴾.
(أي): ولا يتمنى - يا محمد - اليهودُ الموتَ أبداً لمعرفتهم (بما) قدمت أيديهم من الآثام ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ﴾.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ﴾.
أي: قل لليهود - يا محمد -: إن الموت الذي تهربون منه وتكرهونه - لما قدمت أيديكم من الآثام - لا بد أن يحل بكم ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ﴾ - إذا متّمْ - ﴿إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾، أي: إلى الله الذي يعلم غيب السماوات والأرض، ويعلم ما ظهر من ذلك، ويعلم ما أسررتم من أعمالكم وما أظهرتم فيجازيكم عليها ويخبركم بالذي كنتم تعملون.
ودخلت الفاء في قوله: "فإنه" لتقدم "الذي" وإن كان نعتاً، لأن النعت هو المنعوت في المعنى. و "الذي" فيه إبهام، فشابه الشرط بالإبهام الذي فيه، فدخلت الفاء في خبر "إن" لكون اسمها فيه إبهام كما تدخل في جواب الشرط، لأن خبر "إن" كجواب الشرط، فلما شابهه من الإبهام الذي في "الذي" دخل فيه ما يدخل في جواب الشرط.
وقد قيل: إن الخبر لـ "إن" هنا هو جملة من ابتداء وخبر، والتقدير: قل إن الموت هو الذي تفرون منه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾.
أي: إذا سمعتم النداء إلى الصلاة في يوم الجمعة) فامضوا إليها، وهو الآذان الذي يكون عند قعود الإمام على المنبر للخطبة.
وقد قرأ ابن مسعود وعمر بن الخطاب: "فَامْضُُوا إِلَى ذِكْرِ اللهِ".
والسعي: [العمل] لا السرعة في المشي، دليله (قوله): ﴿وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسْعَىٰ﴾ [عبس: ٨] و: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ﴾ [النازعات: ٢٢] و: ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٠٥] ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ﴾ [الصافات: ١٠٢] كل هذا ليس يراد به سرعة مشي ولا جَرْيٌ، إنما هو العمل. ويزيد في بيانه قوله تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ [الليل: ٤] أي: إن عملكم لمختلف.
قال الحسن وقتادة: فاسعوا بالنية والإرادة.
قال قتادة: "السعي يا ابن آدم أن تسعى بقلبك وعملك، وهو المضي إليها"، وهو قول عكرمة.
(وقال) ابن زيد: إذا سمعتم الداعي الأول فأجيبوا إلى ذلك.
قال: ولم يكن في زمان رسول الله ﷺ أذان إلا الأذان حين يجلس على المنبر، وأذان حين تقام الصلاة. قال: وهذا الآخِر شيء أحدثه الناس بَعْدُ في زمان عثمان رضي الله [عنه] فلم ينكره أحد من الصحابة، وذلك حين كثر الناس وتباعدت الدور من المسجد، فمضى عليه العمل. ولا يحل البيع بعد سماع النداء الذي يكون بين يدي الإمام عند الخطبة، وهو قوله: ﴿وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ﴾.
أي: دعوا البيع والشراء إذا نودي للصلاة عند الخطبة (يوم الجمعة). والذكر هنا هو موعظة الإمامِ الناس في خطبته، قاله ابن المسيب وغيره.
* *
- ثم قال: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
أي: سَعْيُكم إليها وتركُ البيع والشراء خير لكم في عُقْبَاكُمْ إن كنتم تعلمون مصالِحَ أنفسكم ومضارَّها، وقد قال الضحاك والحسن وعطاء: إذا زالت الشمس يوم الجمعة حَرُمَ البيعُ والشراءُ حتى تُقْضَى الصلاة، وكان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يمنع الناسَ البيعَ يوم الجمعة إذا نودي بالصلاة.
وقال مالك: يفسخ البيع إذا وقع في هذا الوقت المنهي عنه، ولم ير الشافعي فسخه لأن الآية ليس فيها فسخه، فقيل له: أرأيت نكاحَ [المُحْرِمِ] ونكاحَ الشِّغَارِ يُفسخان إذا وقعا؟ [فقال: نعم]، قال: فكيف [تفسخهما] وليس في الحديث ذكر الفسخ إذا وقعا؟! إنما فيه النهي عن ذلك كما في الآية النهي عن البيع، فكما لا اختلاف في فسخ النكاح - وإن كان الحديث لم يتضمن ذكر الفسخ - كذلك هذا. وقد ذهب قوم إلى أن البيع جائز في ذلك الوقت، وتأولوا أن الآية على الترغيب لا على الإلزام، واستدلوا (على ذلك) بقوله بعد ذلك: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾. فلما قال ﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ دل على أنه على الترغيب. وهذا غلط، لو جاز هذا لكان قوله: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ ٱنتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] على الترغيب لا على الإلزام، وهذا كفر من قائله.
فإن أعتق أو أنكح بعد الأذان يوم الجمعة لم يفسخ، لأنه ليس من البيع الذي نص الله [عليه]، [ولأنه] أمر نادر غير دائم كالبيع الذي هو دائم منتظر، ولأن القوم إنما خرجوا من خلف النبي ﷺ إلى العير التي أتت من الشام ليَرَوْهَا ولِيَشتروا [مما] جاءت به، فعوتبوا على ذلك ونزل تحريم البيع الذي أخرجهم من خلف النبي عليه السلام.
قال جابر: أَقْبَلَتْ عِيرٌ بِتِجَارَةٍ يَوْمَ الجُمعةِ ورسولُ الله ﷺ يَخْطُبُ، فانصرفَ الناسُ يَنْظُرُونَ، وبَقِيَ رسولُ الله (يخطب) فِي (اثْنَيْ) عَشَرَ رَجُلاً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ
فالجمعة لازمة لكل حر محتلم، وغسلها سنّة على كل محتلم وقت الرواح إليها.
ولا جمعة على المسافر ولا على النساء، فإن (حضرن) وصلين مع الناس ركعتين أجزتهن عن الظهر.
وكان ابن مسعود يخرج النساء من المسجد يوم الجمعة ويقول: أخرجن إلى بيوتكن (خيراً لكن. وجائز للمسافر السفر) يوم الجمعة ما لم يحضر الوقت عند مالك، ومنعه جماعة من ذلك حتى يصلي الجمعة.
والجمعة يجب أن يأتيها من كان على ثلاثة أميال فأقل من المسجد عند مالك.
وعن الزهري: من كان على (مسافة) ستة أميال فأقل يجب عليه الإتيان. وقيل: لا يجب إلا على من سمع النداء، روي (عن) عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وبه قال أحمد بن حنبل، لأنه قال تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ﴾ فدل على أن ذلك على من سمعه أو كانَ في موضع يمكن أن يسمعه.
وقال أصحاب الرأي: تجب الجمعة على أهل المصر، من سمع النداء ومن لم يسمع.
وقال ابن المنكدر والزهري: تجب الجمعة على من كان على أربعة أميال.
وروي عن أبي هريرة: أن الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة من بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وبعد صلاة العصر إلى غروب الشمس.
وقال أبو العالية والحسن: (هي) (عند) زوال الشمس.
وقالت عائشة رضي الله عنها: هي عند أذان المؤذن لصلاة الجمعة.
وعن الحسن أيضاً أنها ما بين خروج الإمام إلى أن [تقضى] الصلاة.
وقال أبو بردة: هي عند نزول الإمام.
وقال أبو السوار: هي ما بين زوال الشمس إلى أن تدخل الصلاة.
وعن أبي ذر: أنها بعد زيغ الشمس شبراً إلى ذراع من يوم الجمعة.
وعن جماعة من العلماء: أنها آخر ساعة من يوم الجمعة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ﴾.
أي: إن شئتم، (وهذه) رخصة بعد [حظر]. وقد روى أنس أن النبي عليه السلام قال: "﴿فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ﴾ لَيْسَ بِطَلَبِ دُنْيَا وَلَكِنْ عَيَادَةُ مَرِيضٍ وَحُضُورُ جَنَازَةٍ وَزِيَارَةُ أَخٍ فِي اللهِ
وقوله: ﴿وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
أي: اذكروه بالحمد والشكر على ما وفقكم له لعلكم تنجون وتبقون في النعيم الدائم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا﴾.
التقدير عند المبرد: وإذا رأو تجارة انفضوا إليها، وإذا رأوا لهواً انفضوا إليه (ثم حذف وأخر ضمير الأول.
والمعنى: إذا رأوا ذلك أسرعوا إليه) وتركوك قائماً تخطب. يوبخ المؤمنين بذلك من فعلهم (إذ) خرجوا عن رسول الله - وهو يخطب - لرؤية العير التي أتت من (الشام) وكانت تحمل زيتاً (أتى) به دحية بن (خليفة) من الشام.
قال الحسن: أصاب الناس جوع و (غلاء) سعر، فقدمت عير والنبي ﷺ يخطب فخرجوا إليها.
واللهو (هنا): ما يصنع عند النكاح من الدف. وقيل: وهو الطبل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَارَةِ﴾.
أي: ما عنده من الثواب والأجر خير من ذلك لمن جلس واستمع الخطبة.
* *
﴿وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ﴾.
أي: خير رازق، فارغبوا إليه في توسعة الرزق.
الجمعة 62:11
قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾، إلى آخر السورة.
أي: يصلي ويسجد لله ما في السماوات السبع وما في الأرض من الخلق طوعاً وكرهاً. و "يسبح" للحال.
* *
وقوله: ﴿ٱلْمَلِكِ ٱلْقُدُّوسِ﴾.
أي: الذي له ملك كل شيء، [الطاهر] من كل ما يضيفه إليه المشركون.
* *
﴿ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ﴾.
أي: الشديد في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبيره خَلْقَه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً (مِّنْهُمْ)﴾.
أي: الله الذي بعث في العرب - [الذين] لا كتاب عندهم من عند الله - رسولاً منهم، يعني [محمداً] ﷺ.
قال ابن زيد: "سميت أمة محمد أميين لأنه لم ينزل عليهم كتاباً قبل القرآن".
وروى ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "نَحْنُ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لاَ نَكْتُبُ وَلاَ نَحْسُبُ"وذكر الحديث.
[و] إنما قيل، [للذي] لا يكتب: "أمي"، لأنه نسب إلى أمه، كأنه كما ولد.
وقيل: نسب إليها لأنها في أكثر الأحوال لا تكتب.
وقيل: إن [الأميين] إنما نسبوا إلى أم القرى، وهي مكة.
* *
- وقوله: ﴿يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾.
أي: يقرأ عليهم كتاب الله وَيُطَهِّرُهم من دَنَس الكفر ويُمَنِّيهِم بالثواب إذا قبلوا منه واتبعوه.
* *
﴿وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ﴾.
أي: القرآن.
﴿وَٱلْحِكْمَةَ﴾: التفقه في الدين. وقيل: الكتاب: القرآن وما فيه من حلال وحرام. والحِكْمَةُ: (السُّنَّةُ. قاله) قتادة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾.
أي: وقد كان هؤلاء (الأميون) - من قبل بعث محمد إليهم - في جور ظاهر عن قصد السبيل وعن الهدى والرشاد. وتقديره [في] [العـ]ــربية: وما كانوا من قبل بعث محمد إلا في ضلالٍ (مبين)، (هذا مذهب سيبويه، وتقديره عند الكوفيين). وإنهم كانوا من قبل بعث محمد لفي ضلالٍ مبين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾.
﴿وَآخَرِينَ﴾: عطف على الأميين، أي: بعث في الأميين وفي آخرين منهم، "فهم" في موضع خفض، وقيل: "هم" في موضع نصب عطف على الهاء والميم في "يُعَلِّمْهُمُ" أو في: "يُزَكَّيهِمْ"، أي: ويعلم آخرين (مِنهُم الكتاب والحكمة، أي: ويزكي آخرين منهم، قال مجاهد: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾) عنى به العجم لأنهم أميون أيضاً، وكذلك قال ابن جبير.
قال أبو هريرة: "لمَّا نَزَلَ ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾، قِيلَ: يَا رِسُولَ اللهِ، مَنْ هُمْ؟ فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (بِيَدِهِ) عَلَى [سَلْمَانَ] وَقَالَ: لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالثُّرَيَّا لَنَالَهُ هَذَا وَأَصْحَابُهُ
وعن مجاهد: "﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾: هم كل من ردف الإسلام من الناس كلهم".
وقال ابن زيد: هؤلاء كل من كان بعد النبي عليه السلام إلى يوم القيامة (كل من دخل في الإسلام من العرب والعجم.
وقال الضحاك: "كل من آمن وعمل صالحاً إلى يوم القيامة").
وقال ابن عمر في أهل اليمن: أَنْتُمْ هُمْ.
ومعنى: ﴿لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾.
أي: لم يَحْيَوْا بَعْدُ [وَسَيَحْيَوْنَ].
* *
ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾.
أي: وهو العزيز في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبيره خلقه.
* *
ثم قال: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلَِ﴾.
أي: هذا الذي تقدم من الخبر على إرسال محمد إلى الأميين وغيرهم هو فضل من الله تفضل به عليهم، لأنه يؤتي فضله من يشاء من عباده، ولا يستحق الذم ممن حرمه إياه لأنه لم يمنعه حقاً هو له، ولكنه (علم) من هو له أهل فأودعه (إياه). وعن ابن عباس أن الفضل هنا: الدين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ﴾.
أي: والله ذو الفضل العظيم على جميع خلقه المحسن منهم والمسيء.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾.
أي: مثل الذين ألزموا العمل بما في التوراة فلم يقوموا به ولا وفوا بما ألزموا فيها من الإيمان بمحمد وغير ذلك من فروضها. يعني بني إسرائيل والنصارى.
* *
- ﴿كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾.
أي يحمل كتباً من العلم لا ينتفع بها ولا يعقل ما فيها، فكذلك الذين أوتوا التوراة فيها بيان أمر محمد وبعثه والأمر بالإيمان به، فلم ينتفعوا بذلك ولا وفوا به، فصاروا في عدم الانتفاع بذلك مثل الحمار الذي يحمل أسفاراً. أي: كتباً بها العلم.
والحمل في هذا من الحمالة وليس من الحمل على الظهر ولا في الصدر، أي تحملوا العمل بما فيها فلم يفوا بذلك. ومثله: ﴿فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا ... وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ﴾ [الأحزاب: ٧٢]. في الأحزاب، ومثله: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢] وهو كثير. فأما قوله: ﴿كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ﴾ فهو من الحمل على الظهر.
قال الضحاك: "الكتاب بالنبطية يسمى سِفْراً".
* *
- ثم قال: ﴿بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ﴾.
(أي: بئس هذا المثل مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله) وحججه.
* *
﴿وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾.
لا يوفقهم (إلى) الهدى عقوبة لهم بكفرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُوۤاْ إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ﴾.
أي: قل - يا محمد - لليهود: إن كنتم تزعمون أنكم أولياء لله من دون المؤمنين فتمنوا الموت إن كنتم محقين في قولكم: إنكم أولياؤه، فإن الله لا يعذب أولياءه، بل يكرمهم [وينعمهم]، فيستريحون من تعب الدنيا وكربها إلى النعيم.
* *
- ثم قال: ﴿وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ (أَبَداً) بِمَا قَدَّمَتْ أَيْديهِمْ﴾.
(أي): ولا يتمنى - يا محمد - اليهودُ الموتَ أبداً لمعرفتهم (بما) قدمت أيديهم من الآثام ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ﴾.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ﴾.
أي: قل لليهود - يا محمد -: إن الموت الذي تهربون منه وتكرهونه - لما قدمت أيديكم من الآثام - لا بد أن يحل بكم ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ﴾ - إذا متّمْ - ﴿إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾، أي: إلى الله الذي يعلم غيب السماوات والأرض، ويعلم ما ظهر من ذلك، ويعلم ما أسررتم من أعمالكم وما أظهرتم فيجازيكم عليها ويخبركم بالذي كنتم تعملون.
ودخلت الفاء في قوله: "فإنه" لتقدم "الذي" وإن كان نعتاً، لأن النعت هو المنعوت في المعنى. و "الذي" فيه إبهام، فشابه الشرط بالإبهام الذي فيه، فدخلت الفاء في خبر "إن" لكون اسمها فيه إبهام كما تدخل في جواب الشرط، لأن خبر "إن" كجواب الشرط، فلما شابهه من الإبهام الذي في "الذي" دخل فيه ما يدخل في جواب الشرط.
وقد قيل: إن الخبر لـ "إن" هنا هو جملة من ابتداء وخبر، والتقدير: قل إن الموت هو الذي تفرون منه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾.
أي: إذا سمعتم النداء إلى الصلاة في يوم الجمعة) فامضوا إليها، وهو الآذان الذي يكون عند قعود الإمام على المنبر للخطبة.
وقد قرأ ابن مسعود وعمر بن الخطاب: "فَامْضُُوا إِلَى ذِكْرِ اللهِ".
والسعي: [العمل] لا السرعة في المشي، دليله (قوله): ﴿وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسْعَىٰ﴾ [عبس: ٨] و: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ﴾ [النازعات: ٢٢] و: ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٠٥] ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ﴾ [الصافات: ١٠٢] كل هذا ليس يراد به سرعة مشي ولا جَرْيٌ، إنما هو العمل. ويزيد في بيانه قوله تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ [الليل: ٤] أي: إن عملكم لمختلف.
قال الحسن وقتادة: فاسعوا بالنية والإرادة.
قال قتادة: "السعي يا ابن آدم أن تسعى بقلبك وعملك، وهو المضي إليها"، وهو قول عكرمة.
(وقال) ابن زيد: إذا سمعتم الداعي الأول فأجيبوا إلى ذلك.
قال: ولم يكن في زمان رسول الله ﷺ أذان إلا الأذان حين يجلس على المنبر، وأذان حين تقام الصلاة. قال: وهذا الآخِر شيء أحدثه الناس بَعْدُ في زمان عثمان رضي الله [عنه] فلم ينكره أحد من الصحابة، وذلك حين كثر الناس وتباعدت الدور من المسجد، فمضى عليه العمل. ولا يحل البيع بعد سماع النداء الذي يكون بين يدي الإمام عند الخطبة، وهو قوله: ﴿وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ﴾.
أي: دعوا البيع والشراء إذا نودي للصلاة عند الخطبة (يوم الجمعة). والذكر هنا هو موعظة الإمامِ الناس في خطبته، قاله ابن المسيب وغيره.
* *
- ثم قال: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
أي: سَعْيُكم إليها وتركُ البيع والشراء خير لكم في عُقْبَاكُمْ إن كنتم تعلمون مصالِحَ أنفسكم ومضارَّها، وقد قال الضحاك والحسن وعطاء: إذا زالت الشمس يوم الجمعة حَرُمَ البيعُ والشراءُ حتى تُقْضَى الصلاة، وكان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يمنع الناسَ البيعَ يوم الجمعة إذا نودي بالصلاة.
وقال مالك: يفسخ البيع إذا وقع في هذا الوقت المنهي عنه، ولم ير الشافعي فسخه لأن الآية ليس فيها فسخه، فقيل له: أرأيت نكاحَ [المُحْرِمِ] ونكاحَ الشِّغَارِ يُفسخان إذا وقعا؟ [فقال: نعم]، قال: فكيف [تفسخهما] وليس في الحديث ذكر الفسخ إذا وقعا؟! إنما فيه النهي عن ذلك كما في الآية النهي عن البيع، فكما لا اختلاف في فسخ النكاح - وإن كان الحديث لم يتضمن ذكر الفسخ - كذلك هذا. وقد ذهب قوم إلى أن البيع جائز في ذلك الوقت، وتأولوا أن الآية على الترغيب لا على الإلزام، واستدلوا (على ذلك) بقوله بعد ذلك: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾. فلما قال ﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ دل على أنه على الترغيب. وهذا غلط، لو جاز هذا لكان قوله: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ ٱنتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] على الترغيب لا على الإلزام، وهذا كفر من قائله.
فإن أعتق أو أنكح بعد الأذان يوم الجمعة لم يفسخ، لأنه ليس من البيع الذي نص الله [عليه]، [ولأنه] أمر نادر غير دائم كالبيع الذي هو دائم منتظر، ولأن القوم إنما خرجوا من خلف النبي ﷺ إلى العير التي أتت من الشام ليَرَوْهَا ولِيَشتروا [مما] جاءت به، فعوتبوا على ذلك ونزل تحريم البيع الذي أخرجهم من خلف النبي عليه السلام.
قال جابر: أَقْبَلَتْ عِيرٌ بِتِجَارَةٍ يَوْمَ الجُمعةِ ورسولُ الله ﷺ يَخْطُبُ، فانصرفَ الناسُ يَنْظُرُونَ، وبَقِيَ رسولُ الله (يخطب) فِي (اثْنَيْ) عَشَرَ رَجُلاً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ
فالجمعة لازمة لكل حر محتلم، وغسلها سنّة على كل محتلم وقت الرواح إليها.
ولا جمعة على المسافر ولا على النساء، فإن (حضرن) وصلين مع الناس ركعتين أجزتهن عن الظهر.
وكان ابن مسعود يخرج النساء من المسجد يوم الجمعة ويقول: أخرجن إلى بيوتكن (خيراً لكن. وجائز للمسافر السفر) يوم الجمعة ما لم يحضر الوقت عند مالك، ومنعه جماعة من ذلك حتى يصلي الجمعة.
والجمعة يجب أن يأتيها من كان على ثلاثة أميال فأقل من المسجد عند مالك.
وعن الزهري: من كان على (مسافة) ستة أميال فأقل يجب عليه الإتيان. وقيل: لا يجب إلا على من سمع النداء، روي (عن) عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وبه قال أحمد بن حنبل، لأنه قال تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ﴾ فدل على أن ذلك على من سمعه أو كانَ في موضع يمكن أن يسمعه.
وقال أصحاب الرأي: تجب الجمعة على أهل المصر، من سمع النداء ومن لم يسمع.
وقال ابن المنكدر والزهري: تجب الجمعة على من كان على أربعة أميال.
وروي عن أبي هريرة: أن الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة من بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وبعد صلاة العصر إلى غروب الشمس.
وقال أبو العالية والحسن: (هي) (عند) زوال الشمس.
وقالت عائشة رضي الله عنها: هي عند أذان المؤذن لصلاة الجمعة.
وعن الحسن أيضاً أنها ما بين خروج الإمام إلى أن [تقضى] الصلاة.
وقال أبو بردة: هي عند نزول الإمام.
وقال أبو السوار: هي ما بين زوال الشمس إلى أن تدخل الصلاة.
وعن أبي ذر: أنها بعد زيغ الشمس شبراً إلى ذراع من يوم الجمعة.
وعن جماعة من العلماء: أنها آخر ساعة من يوم الجمعة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ﴾.
أي: إن شئتم، (وهذه) رخصة بعد [حظر]. وقد روى أنس أن النبي عليه السلام قال: "﴿فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ﴾ لَيْسَ بِطَلَبِ دُنْيَا وَلَكِنْ عَيَادَةُ مَرِيضٍ وَحُضُورُ جَنَازَةٍ وَزِيَارَةُ أَخٍ فِي اللهِ
وقوله: ﴿وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
أي: اذكروه بالحمد والشكر على ما وفقكم له لعلكم تنجون وتبقون في النعيم الدائم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا﴾.
التقدير عند المبرد: وإذا رأو تجارة انفضوا إليها، وإذا رأوا لهواً انفضوا إليه (ثم حذف وأخر ضمير الأول.
والمعنى: إذا رأوا ذلك أسرعوا إليه) وتركوك قائماً تخطب. يوبخ المؤمنين بذلك من فعلهم (إذ) خرجوا عن رسول الله - وهو يخطب - لرؤية العير التي أتت من (الشام) وكانت تحمل زيتاً (أتى) به دحية بن (خليفة) من الشام.
قال الحسن: أصاب الناس جوع و (غلاء) سعر، فقدمت عير والنبي ﷺ يخطب فخرجوا إليها.
واللهو (هنا): ما يصنع عند النكاح من الدف. وقيل: وهو الطبل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَارَةِ﴾.
أي: ما عنده من الثواب والأجر خير من ذلك لمن جلس واستمع الخطبة.
* *
﴿وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ﴾.
أي: خير رازق، فارغبوا إليه في توسعة الرزق.
المنافقون 63:1
قوله تعالى: ﴿إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ﴾. إلى آخر السورة.
أي: إذا جاءك - يا محمد - المنافقون فأقروا أنك رسول الله، فالله يعلم أنك لرسوله، ولكن الله يشهد أن المنافقين لكاذبون في ما أظهروا إليك من الإقرار، لأن باطنهم على خلاف ما أظهروا. وأعيد ذكر الله ثانية ولم يضمر للتفخيم والتعظيم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱتَّخَذُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ (جُنَّةً)﴾.
أي: جعلوا ما أظهروا من الإيمان جُنَّةً يمتنعون به من القتل والسبي، وهي الأيمان المذكورة في سورة براءة، وهو حلفهم بالله [ما قالوا، وحلفهم]: ﴿إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦].
قال الضحاك: هي حلفهم بالله إنهم لمنكم.
* *
ومعنى ﴿جُنَّةً﴾ سُتْرة يستترون بها كما يستتر [المستجن] بِجُنَّتِه في الحرب، فامتنعوا بأيمانهم من القتل والسَّبْيِ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾.
أي: فمنعوا أنفسهم ومن اتبعهم من الناس عن الإيمان.
* *
- ﴿إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾.
أي: بئس عملهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾.
أي: ذلك الحلف والنفاق من أجل أنهم آمنوا بألسنتهم ثم كفروا بقلوبهم، فختم الله على قلوبهم، ﴿فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ﴾ صواباً من خطأ، ولا حقاً من باطل لغلبة الهوى عليهم.
وأعلمنا الله جل ذكره في هذه الآية (أن) النفاق كُفْرٌ، بقوله: ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾.
العامل في "(إذا)" من قوله [﴿إِذَا جَآءَكَ﴾] و ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ﴾ وشِبْهِه: الفعلُ الذي بعدهما. وفيهما معنى المجازاة، للإبهام الذي فيهما، وإذا كان فيهما معنى المجازاة لم يضافا إلى ما بعدهما. وإذا لم يضافا فأحسنُ أن يعمل ما بعدهما فيهما، إلا أنه لا يُختار أن يُجْزَما للتوقيت الذي فيهما. ففارقا به معنى حروف الشرط من وجه، فقبح العمل في اللفظ، وحسن العمل في المعنى دون اللفظ للإبهام الذي فيهما، فإن قدرتهما مضافين إلى ما بعدهما، لم يعمل فيهما ولا عملاً فيه في لفظ ولا معنى.
والمعنى: وإذا رأيت - يا محمد - هؤلاء المنافقين تعجبك أجسامهم لاستواء خلقها وحسن صورتها ﴿وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ كما تسمع كلام غيرهم من أهل الإيمان فتظنه حقاً.
* *
- ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ﴾.
أي لا خير عندهم ولا علم، إنما هم صور وأشباح [بلا فهم] ولا علم ولا عقل.
* *
ثم قال: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾.
(أي) يظنون - من جبنهم وسوء ظنهم - كل صيحة يسمعونها أنها عليهم. وقيل: المعنى: يحسبون كل صائح يصيح أنه يقصدهم، لأنهم (على) وجل من إظهار الله (ما أخفوا) من من النفاق فيهتك سترهم ويبيح للمؤمنين قتلهم وسبي [ذراريهم] وأخذ أموالهم، فهم من خوفهم كلما نزل وحي على النبي ظنوا أنه في أمرهم وفي هلاكهم وعطبهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ﴾.
أي: هم الأعداء لك - يا محمد - (وللمؤمنين)، فاحذرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿[قَاتَلَهُمُ] ٱللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾.
أي: عاقبهم الله فأهلكهم فصاروا بمنزلة من قتل، من أين يصـ(ـرفو)ن عن الحق بعد ظهور البراهين والحجج.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ﴾.
أي: وإذا قال المؤمنون لهؤلاء المنافقين: تعالوا إلى رسول الله [يستغفر لكم الله]، تولوا وأعرضوا وحركوا رؤوسهم وهزوها استهزاءً برسول الله وباستغفاره ﴿وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾.
ومن شدد ﴿لَوَّوْاْ﴾ فمعناه أنهم [كرروا] هز رؤوسهم وتحريكها. وهذه الآيات - فيما رُوي - نزلت في عبد الله بن أُبيّ بن سلول المنافق. وذلك أنه قال لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا (وقال): لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فسمع ذلك زيد بن أرقم فأخبر به النبي ﷺ (فدعاه النبي فسأله) عن ذلك فحلف ما قاله. فقيل له: لو أتـ(ـيت) النبي ﷺ فسألته أن يستغفر لك. فجعل يلوي رأسه ويحركه استهزاءً. يعني بذلك أنه غير فاعل ما قالوا له. ففيه نزلت هذه السورة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ﴾.
[أي] مُسْتَوٍ الاستغفار منك - يا محمد - لهم وتركه، لأن الله لا يغفر لهم؛ لأنهم على كفرهم مقيمون، وإنما المغفرة للمؤمنين.
(وكان النبي) ﷺ قد استغفر لهم لأنهم أظهروا له الإسلام.
* *
- ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾.
أي: لا يوفق القوم الذين خرجوا عن طاعته.
"قال ابن عباس: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ الآية: نزلت بعد الآية (التي) في "براءة"، قوله: ﴿أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية، فقال النبي ﷺ: "سوف أستغفر لهم زيادة على سبعين، فأنزل الله هنا ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ الآية" فلم يبق للاستغفار لهم وجه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ﴾.
هذا قول [عبد] الله بن أُبَيْ لأصحابه المنافقين، [قال (لأصحابه]: لا تنفقوا على المهاجرين حتى ﴿يَنفَضُّواْ﴾: يتفرقوا عن محمد.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾.
(أي): جميع ما فيهما، وبيده مفاتيح خزائن كل شيء، لا يعطي أحد أحداً شيئاً إلا بإذنه، ولا يمنع أحد أحداً شيئاً إلا بإذنه.
* *
ثم قال: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ﴾.
(أي: لا يفقهون) أن كل شيء بيد الله وتحت قدرته. فلذلك يقولون هذا.
* *
- ثم قال: ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ﴾.
أي: يقول هؤلاء المنافقون: لئن رجعنا إلى مدينتنا ليخرجن منها العزيز [الذليل].
وحكى الفراء: "لَيَخْرُجَنَّ [الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ]" [بنصب] "الأذل" على الحال وفتح الياء وضم [الراء من "ليخرجن"]، وهو بعيد.
وقد أجاز يونس: مررت به [المسكين] بالنصب على الحال.
(وحكى سيبويه: دخلوا الأَوَّلَ فالأَوَّلَ، بالنصب على الحال)، وهذه أشياء شاذة لا يقاس عليها القرآن.
* *
- ثم قال: ﴿وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
أي: ولله العزة والشدة ولرسوله والمؤمنين.
* *
﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾.
(أي): لا يعلمون ذلك.
روي أن عبد الله بن عبد (الله) بن أُبيِّ كان من المؤمنين حقاً، وأنه لما [أُتِيَ] بأبيه إلى النبي ﷺ، فوبخه على ما بلغه، فأنكر ذلك عبد الله وحلف، قال له ولده (عبد الله): [والله، لا تمر] حتى تقول: إنك الأذل، وإن رسول الله الأعز. فلم يمر حتى قالها.
وروي أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، بَلَغَنِي أَنَّكَ تُرِيدُ قَتْلَ عَبْدِ اللهِ أَبي فِيمَا بَلَغَكَ عَنْهُ، فَإِنْ كُنْتَ فَاعِلاً فَمُرْنِي، فَأَنَا أَحْمِلُ لَكَ رَأْسَهُ. فَوَاللهِ، لَقَدْ عَلِمَتِ الخَزْرَجُ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ رَجُلٍ أَبَرَّ بِوَالِدِهِ مِنِّي، وَأَنَا أَخْشَى أَنْ تَأْمُرَ بِهِ غَيْرِي فَيَقْتُلَهُ فَلاَ تَدَعُنِي نَفْسِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى قَاتِلِ أَبِي يَمْشِي فِي النَّاسِ فَأَقْتُلَهُ فَأَقْتُلَ مُؤْمِناً بِكَافِرٍ فَأَدْخُلَ النَّارَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولَ اللهِ: نَرْفُقُ بِهِ وَنُحْسِنُ صُحْبَتَهُ مَا بَقِيَ مَعَنَا. [ثُمَّ كَانَ] بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَحْدَثَ حَدَثاً عاقَبَهُ عَلَيْهِ قَوْمُهُ. وَكَانَ عُمَرُ قَدْ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ (فِي قَتْلِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ) - لمَّا تَوَلَّى قَوْمُهُ عُقُوبَتَهُ - كَيْفَ تَرَى يَا عُمَرُ؟! أَمَا وَاللهِ لَوْ قَتَلْتُهُ يَوْمَ أَمَرْتَني بِقَتْلِهِ [لأَرْعَدَتْ لَهُ] آنُفٌ لَوْ أَمَرْتُها اليَوْمَ بِقَتْلِهِ لَقَتَلَتْهُ. فَقَالَ عُمَرُ: وَاللهِ، قَدْ عَلِمْتُ لأَمْرُ رَسُولِ اللهِ أَعْظَمُ بَرَكَةً مِنْ أَمْرِي
ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾.
قال عطاء والضحاك: ﴿عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾: عن الصلوات الخمس.
أي: لا يشغلكم اللهو [بها] والمحبة لها، والاشتغال عن الصلوات المفروضات.
وقيل: هو عام، ووقع النهي في الظاهر على الأموال والأولاد. وهو في المعنى واقع على المخاطبين، دلّ على ذلك قوله: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾ وهو كثير في القرآن.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾.
أي ومن يشغله (ماله وولده عما فرض الله عليه من الصلوات وعن ذكر الله فأولئك هم ([المغبونون] حظوظهم من كرامة) الله ورحمته.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾.
أي: وتصدقوا أيها المؤمنون (مما رزقناكم)، وأنفقوا في سبيل الله [مما] خَوّلَكم الله من أموالكم من قبل أن تموتوا، فيقول أحدكم: يا رب، هلا أخرتني ورددتني إلى الدنيا وقتاً قريباً فأتصدق وأكن من الصالحين. فيسأل الرجعة حين لا رجعة.
(وقيل: المعنى: هلا مددت لي في العمر فأتصدق وأكن من الصالحين)، وقيل: [معنى] ﴿وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أحج بيتك الحرام.
قال ابن عباس: ما من أحد يموت ولم يؤد الزكاة ولم يحج إلا سأل الكرة، ثم قرأ هذه الآية. قال: فقوله: [﴿فَأَصَّدَّقَ﴾] أي: أؤدي الزكاة، وقوله: ﴿وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾: أحج.
قال الضحاك: هو المؤمن ينزل به الموت وله مال كثير لم يزكه ولم يحج منه ولم يعط منه حق الله، يسأل الرجعة عند الموت (ليزكي) ماله.
- قال تعالى: ﴿وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْساً إِذَا جَآءَ أَجَلُهَآ﴾.
أي: لا يؤخر الله في أجل أحد فيمد له [فيه] إذا حضر أجله.
وعن ابن عباس: ﴿وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾: أؤدي الفرائض، [وأجتنب] الحرام. والتقدير في العربية: "وأكون صالحا من الصالحين".
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
أي: ذو خبر وعلم بأعمال خلقه، محيط بها فمجازيهم عليها.
المنافقون 63:2
قوله تعالى: ﴿إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ﴾. إلى آخر السورة.
أي: إذا جاءك - يا محمد - المنافقون فأقروا أنك رسول الله، فالله يعلم أنك لرسوله، ولكن الله يشهد أن المنافقين لكاذبون في ما أظهروا إليك من الإقرار، لأن باطنهم على خلاف ما أظهروا. وأعيد ذكر الله ثانية ولم يضمر للتفخيم والتعظيم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱتَّخَذُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ (جُنَّةً)﴾.
أي: جعلوا ما أظهروا من الإيمان جُنَّةً يمتنعون به من القتل والسبي، وهي الأيمان المذكورة في سورة براءة، وهو حلفهم بالله [ما قالوا، وحلفهم]: ﴿إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦].
قال الضحاك: هي حلفهم بالله إنهم لمنكم.
* *
ومعنى ﴿جُنَّةً﴾ سُتْرة يستترون بها كما يستتر [المستجن] بِجُنَّتِه في الحرب، فامتنعوا بأيمانهم من القتل والسَّبْيِ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾.
أي: فمنعوا أنفسهم ومن اتبعهم من الناس عن الإيمان.
* *
- ﴿إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾.
أي: بئس عملهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾.
أي: ذلك الحلف والنفاق من أجل أنهم آمنوا بألسنتهم ثم كفروا بقلوبهم، فختم الله على قلوبهم، ﴿فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ﴾ صواباً من خطأ، ولا حقاً من باطل لغلبة الهوى عليهم.
وأعلمنا الله جل ذكره في هذه الآية (أن) النفاق كُفْرٌ، بقوله: ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾.
العامل في "(إذا)" من قوله [﴿إِذَا جَآءَكَ﴾] و ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ﴾ وشِبْهِه: الفعلُ الذي بعدهما. وفيهما معنى المجازاة، للإبهام الذي فيهما، وإذا كان فيهما معنى المجازاة لم يضافا إلى ما بعدهما. وإذا لم يضافا فأحسنُ أن يعمل ما بعدهما فيهما، إلا أنه لا يُختار أن يُجْزَما للتوقيت الذي فيهما. ففارقا به معنى حروف الشرط من وجه، فقبح العمل في اللفظ، وحسن العمل في المعنى دون اللفظ للإبهام الذي فيهما، فإن قدرتهما مضافين إلى ما بعدهما، لم يعمل فيهما ولا عملاً فيه في لفظ ولا معنى.
والمعنى: وإذا رأيت - يا محمد - هؤلاء المنافقين تعجبك أجسامهم لاستواء خلقها وحسن صورتها ﴿وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ كما تسمع كلام غيرهم من أهل الإيمان فتظنه حقاً.
* *
- ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ﴾.
أي لا خير عندهم ولا علم، إنما هم صور وأشباح [بلا فهم] ولا علم ولا عقل.
* *
ثم قال: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾.
(أي) يظنون - من جبنهم وسوء ظنهم - كل صيحة يسمعونها أنها عليهم. وقيل: المعنى: يحسبون كل صائح يصيح أنه يقصدهم، لأنهم (على) وجل من إظهار الله (ما أخفوا) من من النفاق فيهتك سترهم ويبيح للمؤمنين قتلهم وسبي [ذراريهم] وأخذ أموالهم، فهم من خوفهم كلما نزل وحي على النبي ظنوا أنه في أمرهم وفي هلاكهم وعطبهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ﴾.
أي: هم الأعداء لك - يا محمد - (وللمؤمنين)، فاحذرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿[قَاتَلَهُمُ] ٱللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾.
أي: عاقبهم الله فأهلكهم فصاروا بمنزلة من قتل، من أين يصـ(ـرفو)ن عن الحق بعد ظهور البراهين والحجج.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ﴾.
أي: وإذا قال المؤمنون لهؤلاء المنافقين: تعالوا إلى رسول الله [يستغفر لكم الله]، تولوا وأعرضوا وحركوا رؤوسهم وهزوها استهزاءً برسول الله وباستغفاره ﴿وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾.
ومن شدد ﴿لَوَّوْاْ﴾ فمعناه أنهم [كرروا] هز رؤوسهم وتحريكها. وهذه الآيات - فيما رُوي - نزلت في عبد الله بن أُبيّ بن سلول المنافق. وذلك أنه قال لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا (وقال): لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فسمع ذلك زيد بن أرقم فأخبر به النبي ﷺ (فدعاه النبي فسأله) عن ذلك فحلف ما قاله. فقيل له: لو أتـ(ـيت) النبي ﷺ فسألته أن يستغفر لك. فجعل يلوي رأسه ويحركه استهزاءً. يعني بذلك أنه غير فاعل ما قالوا له. ففيه نزلت هذه السورة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ﴾.
[أي] مُسْتَوٍ الاستغفار منك - يا محمد - لهم وتركه، لأن الله لا يغفر لهم؛ لأنهم على كفرهم مقيمون، وإنما المغفرة للمؤمنين.
(وكان النبي) ﷺ قد استغفر لهم لأنهم أظهروا له الإسلام.
* *
- ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾.
أي: لا يوفق القوم الذين خرجوا عن طاعته.
"قال ابن عباس: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ الآية: نزلت بعد الآية (التي) في "براءة"، قوله: ﴿أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية، فقال النبي ﷺ: "سوف أستغفر لهم زيادة على سبعين، فأنزل الله هنا ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ الآية" فلم يبق للاستغفار لهم وجه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ﴾.
هذا قول [عبد] الله بن أُبَيْ لأصحابه المنافقين، [قال (لأصحابه]: لا تنفقوا على المهاجرين حتى ﴿يَنفَضُّواْ﴾: يتفرقوا عن محمد.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾.
(أي): جميع ما فيهما، وبيده مفاتيح خزائن كل شيء، لا يعطي أحد أحداً شيئاً إلا بإذنه، ولا يمنع أحد أحداً شيئاً إلا بإذنه.
* *
ثم قال: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ﴾.
(أي: لا يفقهون) أن كل شيء بيد الله وتحت قدرته. فلذلك يقولون هذا.
* *
- ثم قال: ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ﴾.
أي: يقول هؤلاء المنافقون: لئن رجعنا إلى مدينتنا ليخرجن منها العزيز [الذليل].
وحكى الفراء: "لَيَخْرُجَنَّ [الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ]" [بنصب] "الأذل" على الحال وفتح الياء وضم [الراء من "ليخرجن"]، وهو بعيد.
وقد أجاز يونس: مررت به [المسكين] بالنصب على الحال.
(وحكى سيبويه: دخلوا الأَوَّلَ فالأَوَّلَ، بالنصب على الحال)، وهذه أشياء شاذة لا يقاس عليها القرآن.
* *
- ثم قال: ﴿وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
أي: ولله العزة والشدة ولرسوله والمؤمنين.
* *
﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾.
(أي): لا يعلمون ذلك.
روي أن عبد الله بن عبد (الله) بن أُبيِّ كان من المؤمنين حقاً، وأنه لما [أُتِيَ] بأبيه إلى النبي ﷺ، فوبخه على ما بلغه، فأنكر ذلك عبد الله وحلف، قال له ولده (عبد الله): [والله، لا تمر] حتى تقول: إنك الأذل، وإن رسول الله الأعز. فلم يمر حتى قالها.
وروي أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، بَلَغَنِي أَنَّكَ تُرِيدُ قَتْلَ عَبْدِ اللهِ أَبي فِيمَا بَلَغَكَ عَنْهُ، فَإِنْ كُنْتَ فَاعِلاً فَمُرْنِي، فَأَنَا أَحْمِلُ لَكَ رَأْسَهُ. فَوَاللهِ، لَقَدْ عَلِمَتِ الخَزْرَجُ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ رَجُلٍ أَبَرَّ بِوَالِدِهِ مِنِّي، وَأَنَا أَخْشَى أَنْ تَأْمُرَ بِهِ غَيْرِي فَيَقْتُلَهُ فَلاَ تَدَعُنِي نَفْسِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى قَاتِلِ أَبِي يَمْشِي فِي النَّاسِ فَأَقْتُلَهُ فَأَقْتُلَ مُؤْمِناً بِكَافِرٍ فَأَدْخُلَ النَّارَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولَ اللهِ: نَرْفُقُ بِهِ وَنُحْسِنُ صُحْبَتَهُ مَا بَقِيَ مَعَنَا. [ثُمَّ كَانَ] بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَحْدَثَ حَدَثاً عاقَبَهُ عَلَيْهِ قَوْمُهُ. وَكَانَ عُمَرُ قَدْ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ (فِي قَتْلِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ) - لمَّا تَوَلَّى قَوْمُهُ عُقُوبَتَهُ - كَيْفَ تَرَى يَا عُمَرُ؟! أَمَا وَاللهِ لَوْ قَتَلْتُهُ يَوْمَ أَمَرْتَني بِقَتْلِهِ [لأَرْعَدَتْ لَهُ] آنُفٌ لَوْ أَمَرْتُها اليَوْمَ بِقَتْلِهِ لَقَتَلَتْهُ. فَقَالَ عُمَرُ: وَاللهِ، قَدْ عَلِمْتُ لأَمْرُ رَسُولِ اللهِ أَعْظَمُ بَرَكَةً مِنْ أَمْرِي
ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾.
قال عطاء والضحاك: ﴿عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾: عن الصلوات الخمس.
أي: لا يشغلكم اللهو [بها] والمحبة لها، والاشتغال عن الصلوات المفروضات.
وقيل: هو عام، ووقع النهي في الظاهر على الأموال والأولاد. وهو في المعنى واقع على المخاطبين، دلّ على ذلك قوله: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾ وهو كثير في القرآن.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾.
أي ومن يشغله (ماله وولده عما فرض الله عليه من الصلوات وعن ذكر الله فأولئك هم ([المغبونون] حظوظهم من كرامة) الله ورحمته.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾.
أي: وتصدقوا أيها المؤمنون (مما رزقناكم)، وأنفقوا في سبيل الله [مما] خَوّلَكم الله من أموالكم من قبل أن تموتوا، فيقول أحدكم: يا رب، هلا أخرتني ورددتني إلى الدنيا وقتاً قريباً فأتصدق وأكن من الصالحين. فيسأل الرجعة حين لا رجعة.
(وقيل: المعنى: هلا مددت لي في العمر فأتصدق وأكن من الصالحين)، وقيل: [معنى] ﴿وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أحج بيتك الحرام.
قال ابن عباس: ما من أحد يموت ولم يؤد الزكاة ولم يحج إلا سأل الكرة، ثم قرأ هذه الآية. قال: فقوله: [﴿فَأَصَّدَّقَ﴾] أي: أؤدي الزكاة، وقوله: ﴿وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾: أحج.
قال الضحاك: هو المؤمن ينزل به الموت وله مال كثير لم يزكه ولم يحج منه ولم يعط منه حق الله، يسأل الرجعة عند الموت (ليزكي) ماله.
- قال تعالى: ﴿وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْساً إِذَا جَآءَ أَجَلُهَآ﴾.
أي: لا يؤخر الله في أجل أحد فيمد له [فيه] إذا حضر أجله.
وعن ابن عباس: ﴿وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾: أؤدي الفرائض، [وأجتنب] الحرام. والتقدير في العربية: "وأكون صالحا من الصالحين".
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
أي: ذو خبر وعلم بأعمال خلقه، محيط بها فمجازيهم عليها.
المنافقون 63:3
قوله تعالى: ﴿إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ﴾. إلى آخر السورة.
أي: إذا جاءك - يا محمد - المنافقون فأقروا أنك رسول الله، فالله يعلم أنك لرسوله، ولكن الله يشهد أن المنافقين لكاذبون في ما أظهروا إليك من الإقرار، لأن باطنهم على خلاف ما أظهروا. وأعيد ذكر الله ثانية ولم يضمر للتفخيم والتعظيم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱتَّخَذُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ (جُنَّةً)﴾.
أي: جعلوا ما أظهروا من الإيمان جُنَّةً يمتنعون به من القتل والسبي، وهي الأيمان المذكورة في سورة براءة، وهو حلفهم بالله [ما قالوا، وحلفهم]: ﴿إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦].
قال الضحاك: هي حلفهم بالله إنهم لمنكم.
* *
ومعنى ﴿جُنَّةً﴾ سُتْرة يستترون بها كما يستتر [المستجن] بِجُنَّتِه في الحرب، فامتنعوا بأيمانهم من القتل والسَّبْيِ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾.
أي: فمنعوا أنفسهم ومن اتبعهم من الناس عن الإيمان.
* *
- ﴿إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾.
أي: بئس عملهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾.
أي: ذلك الحلف والنفاق من أجل أنهم آمنوا بألسنتهم ثم كفروا بقلوبهم، فختم الله على قلوبهم، ﴿فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ﴾ صواباً من خطأ، ولا حقاً من باطل لغلبة الهوى عليهم.
وأعلمنا الله جل ذكره في هذه الآية (أن) النفاق كُفْرٌ، بقوله: ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾.
العامل في "(إذا)" من قوله [﴿إِذَا جَآءَكَ﴾] و ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ﴾ وشِبْهِه: الفعلُ الذي بعدهما. وفيهما معنى المجازاة، للإبهام الذي فيهما، وإذا كان فيهما معنى المجازاة لم يضافا إلى ما بعدهما. وإذا لم يضافا فأحسنُ أن يعمل ما بعدهما فيهما، إلا أنه لا يُختار أن يُجْزَما للتوقيت الذي فيهما. ففارقا به معنى حروف الشرط من وجه، فقبح العمل في اللفظ، وحسن العمل في المعنى دون اللفظ للإبهام الذي فيهما، فإن قدرتهما مضافين إلى ما بعدهما، لم يعمل فيهما ولا عملاً فيه في لفظ ولا معنى.
والمعنى: وإذا رأيت - يا محمد - هؤلاء المنافقين تعجبك أجسامهم لاستواء خلقها وحسن صورتها ﴿وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ كما تسمع كلام غيرهم من أهل الإيمان فتظنه حقاً.
* *
- ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ﴾.
أي لا خير عندهم ولا علم، إنما هم صور وأشباح [بلا فهم] ولا علم ولا عقل.
* *
ثم قال: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾.
(أي) يظنون - من جبنهم وسوء ظنهم - كل صيحة يسمعونها أنها عليهم. وقيل: المعنى: يحسبون كل صائح يصيح أنه يقصدهم، لأنهم (على) وجل من إظهار الله (ما أخفوا) من من النفاق فيهتك سترهم ويبيح للمؤمنين قتلهم وسبي [ذراريهم] وأخذ أموالهم، فهم من خوفهم كلما نزل وحي على النبي ظنوا أنه في أمرهم وفي هلاكهم وعطبهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ﴾.
أي: هم الأعداء لك - يا محمد - (وللمؤمنين)، فاحذرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿[قَاتَلَهُمُ] ٱللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾.
أي: عاقبهم الله فأهلكهم فصاروا بمنزلة من قتل، من أين يصـ(ـرفو)ن عن الحق بعد ظهور البراهين والحجج.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ﴾.
أي: وإذا قال المؤمنون لهؤلاء المنافقين: تعالوا إلى رسول الله [يستغفر لكم الله]، تولوا وأعرضوا وحركوا رؤوسهم وهزوها استهزاءً برسول الله وباستغفاره ﴿وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾.
ومن شدد ﴿لَوَّوْاْ﴾ فمعناه أنهم [كرروا] هز رؤوسهم وتحريكها. وهذه الآيات - فيما رُوي - نزلت في عبد الله بن أُبيّ بن سلول المنافق. وذلك أنه قال لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا (وقال): لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فسمع ذلك زيد بن أرقم فأخبر به النبي ﷺ (فدعاه النبي فسأله) عن ذلك فحلف ما قاله. فقيل له: لو أتـ(ـيت) النبي ﷺ فسألته أن يستغفر لك. فجعل يلوي رأسه ويحركه استهزاءً. يعني بذلك أنه غير فاعل ما قالوا له. ففيه نزلت هذه السورة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ﴾.
[أي] مُسْتَوٍ الاستغفار منك - يا محمد - لهم وتركه، لأن الله لا يغفر لهم؛ لأنهم على كفرهم مقيمون، وإنما المغفرة للمؤمنين.
(وكان النبي) ﷺ قد استغفر لهم لأنهم أظهروا له الإسلام.
* *
- ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾.
أي: لا يوفق القوم الذين خرجوا عن طاعته.
"قال ابن عباس: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ الآية: نزلت بعد الآية (التي) في "براءة"، قوله: ﴿أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية، فقال النبي ﷺ: "سوف أستغفر لهم زيادة على سبعين، فأنزل الله هنا ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ الآية" فلم يبق للاستغفار لهم وجه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ﴾.
هذا قول [عبد] الله بن أُبَيْ لأصحابه المنافقين، [قال (لأصحابه]: لا تنفقوا على المهاجرين حتى ﴿يَنفَضُّواْ﴾: يتفرقوا عن محمد.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾.
(أي): جميع ما فيهما، وبيده مفاتيح خزائن كل شيء، لا يعطي أحد أحداً شيئاً إلا بإذنه، ولا يمنع أحد أحداً شيئاً إلا بإذنه.
* *
ثم قال: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ﴾.
(أي: لا يفقهون) أن كل شيء بيد الله وتحت قدرته. فلذلك يقولون هذا.
* *
- ثم قال: ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ﴾.
أي: يقول هؤلاء المنافقون: لئن رجعنا إلى مدينتنا ليخرجن منها العزيز [الذليل].
وحكى الفراء: "لَيَخْرُجَنَّ [الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ]" [بنصب] "الأذل" على الحال وفتح الياء وضم [الراء من "ليخرجن"]، وهو بعيد.
وقد أجاز يونس: مررت به [المسكين] بالنصب على الحال.
(وحكى سيبويه: دخلوا الأَوَّلَ فالأَوَّلَ، بالنصب على الحال)، وهذه أشياء شاذة لا يقاس عليها القرآن.
* *
- ثم قال: ﴿وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
أي: ولله العزة والشدة ولرسوله والمؤمنين.
* *
﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾.
(أي): لا يعلمون ذلك.
روي أن عبد الله بن عبد (الله) بن أُبيِّ كان من المؤمنين حقاً، وأنه لما [أُتِيَ] بأبيه إلى النبي ﷺ، فوبخه على ما بلغه، فأنكر ذلك عبد الله وحلف، قال له ولده (عبد الله): [والله، لا تمر] حتى تقول: إنك الأذل، وإن رسول الله الأعز. فلم يمر حتى قالها.
وروي أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، بَلَغَنِي أَنَّكَ تُرِيدُ قَتْلَ عَبْدِ اللهِ أَبي فِيمَا بَلَغَكَ عَنْهُ، فَإِنْ كُنْتَ فَاعِلاً فَمُرْنِي، فَأَنَا أَحْمِلُ لَكَ رَأْسَهُ. فَوَاللهِ، لَقَدْ عَلِمَتِ الخَزْرَجُ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ رَجُلٍ أَبَرَّ بِوَالِدِهِ مِنِّي، وَأَنَا أَخْشَى أَنْ تَأْمُرَ بِهِ غَيْرِي فَيَقْتُلَهُ فَلاَ تَدَعُنِي نَفْسِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى قَاتِلِ أَبِي يَمْشِي فِي النَّاسِ فَأَقْتُلَهُ فَأَقْتُلَ مُؤْمِناً بِكَافِرٍ فَأَدْخُلَ النَّارَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولَ اللهِ: نَرْفُقُ بِهِ وَنُحْسِنُ صُحْبَتَهُ مَا بَقِيَ مَعَنَا. [ثُمَّ كَانَ] بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَحْدَثَ حَدَثاً عاقَبَهُ عَلَيْهِ قَوْمُهُ. وَكَانَ عُمَرُ قَدْ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ (فِي قَتْلِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ) - لمَّا تَوَلَّى قَوْمُهُ عُقُوبَتَهُ - كَيْفَ تَرَى يَا عُمَرُ؟! أَمَا وَاللهِ لَوْ قَتَلْتُهُ يَوْمَ أَمَرْتَني بِقَتْلِهِ [لأَرْعَدَتْ لَهُ] آنُفٌ لَوْ أَمَرْتُها اليَوْمَ بِقَتْلِهِ لَقَتَلَتْهُ. فَقَالَ عُمَرُ: وَاللهِ، قَدْ عَلِمْتُ لأَمْرُ رَسُولِ اللهِ أَعْظَمُ بَرَكَةً مِنْ أَمْرِي
ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾.
قال عطاء والضحاك: ﴿عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾: عن الصلوات الخمس.
أي: لا يشغلكم اللهو [بها] والمحبة لها، والاشتغال عن الصلوات المفروضات.
وقيل: هو عام، ووقع النهي في الظاهر على الأموال والأولاد. وهو في المعنى واقع على المخاطبين، دلّ على ذلك قوله: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾ وهو كثير في القرآن.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾.
أي ومن يشغله (ماله وولده عما فرض الله عليه من الصلوات وعن ذكر الله فأولئك هم ([المغبونون] حظوظهم من كرامة) الله ورحمته.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾.
أي: وتصدقوا أيها المؤمنون (مما رزقناكم)، وأنفقوا في سبيل الله [مما] خَوّلَكم الله من أموالكم من قبل أن تموتوا، فيقول أحدكم: يا رب، هلا أخرتني ورددتني إلى الدنيا وقتاً قريباً فأتصدق وأكن من الصالحين. فيسأل الرجعة حين لا رجعة.
(وقيل: المعنى: هلا مددت لي في العمر فأتصدق وأكن من الصالحين)، وقيل: [معنى] ﴿وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أحج بيتك الحرام.
قال ابن عباس: ما من أحد يموت ولم يؤد الزكاة ولم يحج إلا سأل الكرة، ثم قرأ هذه الآية. قال: فقوله: [﴿فَأَصَّدَّقَ﴾] أي: أؤدي الزكاة، وقوله: ﴿وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾: أحج.
قال الضحاك: هو المؤمن ينزل به الموت وله مال كثير لم يزكه ولم يحج منه ولم يعط منه حق الله، يسأل الرجعة عند الموت (ليزكي) ماله.
- قال تعالى: ﴿وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْساً إِذَا جَآءَ أَجَلُهَآ﴾.
أي: لا يؤخر الله في أجل أحد فيمد له [فيه] إذا حضر أجله.
وعن ابن عباس: ﴿وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾: أؤدي الفرائض، [وأجتنب] الحرام. والتقدير في العربية: "وأكون صالحا من الصالحين".
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
أي: ذو خبر وعلم بأعمال خلقه، محيط بها فمجازيهم عليها.
المنافقون 63:4
قوله تعالى: ﴿إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ﴾. إلى آخر السورة.
أي: إذا جاءك - يا محمد - المنافقون فأقروا أنك رسول الله، فالله يعلم أنك لرسوله، ولكن الله يشهد أن المنافقين لكاذبون في ما أظهروا إليك من الإقرار، لأن باطنهم على خلاف ما أظهروا. وأعيد ذكر الله ثانية ولم يضمر للتفخيم والتعظيم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱتَّخَذُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ (جُنَّةً)﴾.
أي: جعلوا ما أظهروا من الإيمان جُنَّةً يمتنعون به من القتل والسبي، وهي الأيمان المذكورة في سورة براءة، وهو حلفهم بالله [ما قالوا، وحلفهم]: ﴿إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦].
قال الضحاك: هي حلفهم بالله إنهم لمنكم.
* *
ومعنى ﴿جُنَّةً﴾ سُتْرة يستترون بها كما يستتر [المستجن] بِجُنَّتِه في الحرب، فامتنعوا بأيمانهم من القتل والسَّبْيِ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾.
أي: فمنعوا أنفسهم ومن اتبعهم من الناس عن الإيمان.
* *
- ﴿إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾.
أي: بئس عملهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾.
أي: ذلك الحلف والنفاق من أجل أنهم آمنوا بألسنتهم ثم كفروا بقلوبهم، فختم الله على قلوبهم، ﴿فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ﴾ صواباً من خطأ، ولا حقاً من باطل لغلبة الهوى عليهم.
وأعلمنا الله جل ذكره في هذه الآية (أن) النفاق كُفْرٌ، بقوله: ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾.
العامل في "(إذا)" من قوله [﴿إِذَا جَآءَكَ﴾] و ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ﴾ وشِبْهِه: الفعلُ الذي بعدهما. وفيهما معنى المجازاة، للإبهام الذي فيهما، وإذا كان فيهما معنى المجازاة لم يضافا إلى ما بعدهما. وإذا لم يضافا فأحسنُ أن يعمل ما بعدهما فيهما، إلا أنه لا يُختار أن يُجْزَما للتوقيت الذي فيهما. ففارقا به معنى حروف الشرط من وجه، فقبح العمل في اللفظ، وحسن العمل في المعنى دون اللفظ للإبهام الذي فيهما، فإن قدرتهما مضافين إلى ما بعدهما، لم يعمل فيهما ولا عملاً فيه في لفظ ولا معنى.
والمعنى: وإذا رأيت - يا محمد - هؤلاء المنافقين تعجبك أجسامهم لاستواء خلقها وحسن صورتها ﴿وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ كما تسمع كلام غيرهم من أهل الإيمان فتظنه حقاً.
* *
- ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ﴾.
أي لا خير عندهم ولا علم، إنما هم صور وأشباح [بلا فهم] ولا علم ولا عقل.
* *
ثم قال: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾.
(أي) يظنون - من جبنهم وسوء ظنهم - كل صيحة يسمعونها أنها عليهم. وقيل: المعنى: يحسبون كل صائح يصيح أنه يقصدهم، لأنهم (على) وجل من إظهار الله (ما أخفوا) من من النفاق فيهتك سترهم ويبيح للمؤمنين قتلهم وسبي [ذراريهم] وأخذ أموالهم، فهم من خوفهم كلما نزل وحي على النبي ظنوا أنه في أمرهم وفي هلاكهم وعطبهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ﴾.
أي: هم الأعداء لك - يا محمد - (وللمؤمنين)، فاحذرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿[قَاتَلَهُمُ] ٱللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾.
أي: عاقبهم الله فأهلكهم فصاروا بمنزلة من قتل، من أين يصـ(ـرفو)ن عن الحق بعد ظهور البراهين والحجج.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ﴾.
أي: وإذا قال المؤمنون لهؤلاء المنافقين: تعالوا إلى رسول الله [يستغفر لكم الله]، تولوا وأعرضوا وحركوا رؤوسهم وهزوها استهزاءً برسول الله وباستغفاره ﴿وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾.
ومن شدد ﴿لَوَّوْاْ﴾ فمعناه أنهم [كرروا] هز رؤوسهم وتحريكها. وهذه الآيات - فيما رُوي - نزلت في عبد الله بن أُبيّ بن سلول المنافق. وذلك أنه قال لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا (وقال): لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فسمع ذلك زيد بن أرقم فأخبر به النبي ﷺ (فدعاه النبي فسأله) عن ذلك فحلف ما قاله. فقيل له: لو أتـ(ـيت) النبي ﷺ فسألته أن يستغفر لك. فجعل يلوي رأسه ويحركه استهزاءً. يعني بذلك أنه غير فاعل ما قالوا له. ففيه نزلت هذه السورة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ﴾.
[أي] مُسْتَوٍ الاستغفار منك - يا محمد - لهم وتركه، لأن الله لا يغفر لهم؛ لأنهم على كفرهم مقيمون، وإنما المغفرة للمؤمنين.
(وكان النبي) ﷺ قد استغفر لهم لأنهم أظهروا له الإسلام.
* *
- ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾.
أي: لا يوفق القوم الذين خرجوا عن طاعته.
"قال ابن عباس: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ الآية: نزلت بعد الآية (التي) في "براءة"، قوله: ﴿أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية، فقال النبي ﷺ: "سوف أستغفر لهم زيادة على سبعين، فأنزل الله هنا ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ الآية" فلم يبق للاستغفار لهم وجه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ﴾.
هذا قول [عبد] الله بن أُبَيْ لأصحابه المنافقين، [قال (لأصحابه]: لا تنفقوا على المهاجرين حتى ﴿يَنفَضُّواْ﴾: يتفرقوا عن محمد.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾.
(أي): جميع ما فيهما، وبيده مفاتيح خزائن كل شيء، لا يعطي أحد أحداً شيئاً إلا بإذنه، ولا يمنع أحد أحداً شيئاً إلا بإذنه.
* *
ثم قال: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ﴾.
(أي: لا يفقهون) أن كل شيء بيد الله وتحت قدرته. فلذلك يقولون هذا.
* *
- ثم قال: ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ﴾.
أي: يقول هؤلاء المنافقون: لئن رجعنا إلى مدينتنا ليخرجن منها العزيز [الذليل].
وحكى الفراء: "لَيَخْرُجَنَّ [الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ]" [بنصب] "الأذل" على الحال وفتح الياء وضم [الراء من "ليخرجن"]، وهو بعيد.
وقد أجاز يونس: مررت به [المسكين] بالنصب على الحال.
(وحكى سيبويه: دخلوا الأَوَّلَ فالأَوَّلَ، بالنصب على الحال)، وهذه أشياء شاذة لا يقاس عليها القرآن.
* *
- ثم قال: ﴿وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
أي: ولله العزة والشدة ولرسوله والمؤمنين.
* *
﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾.
(أي): لا يعلمون ذلك.
روي أن عبد الله بن عبد (الله) بن أُبيِّ كان من المؤمنين حقاً، وأنه لما [أُتِيَ] بأبيه إلى النبي ﷺ، فوبخه على ما بلغه، فأنكر ذلك عبد الله وحلف، قال له ولده (عبد الله): [والله، لا تمر] حتى تقول: إنك الأذل، وإن رسول الله الأعز. فلم يمر حتى قالها.
وروي أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، بَلَغَنِي أَنَّكَ تُرِيدُ قَتْلَ عَبْدِ اللهِ أَبي فِيمَا بَلَغَكَ عَنْهُ، فَإِنْ كُنْتَ فَاعِلاً فَمُرْنِي، فَأَنَا أَحْمِلُ لَكَ رَأْسَهُ. فَوَاللهِ، لَقَدْ عَلِمَتِ الخَزْرَجُ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ رَجُلٍ أَبَرَّ بِوَالِدِهِ مِنِّي، وَأَنَا أَخْشَى أَنْ تَأْمُرَ بِهِ غَيْرِي فَيَقْتُلَهُ فَلاَ تَدَعُنِي نَفْسِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى قَاتِلِ أَبِي يَمْشِي فِي النَّاسِ فَأَقْتُلَهُ فَأَقْتُلَ مُؤْمِناً بِكَافِرٍ فَأَدْخُلَ النَّارَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولَ اللهِ: نَرْفُقُ بِهِ وَنُحْسِنُ صُحْبَتَهُ مَا بَقِيَ مَعَنَا. [ثُمَّ كَانَ] بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَحْدَثَ حَدَثاً عاقَبَهُ عَلَيْهِ قَوْمُهُ. وَكَانَ عُمَرُ قَدْ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ (فِي قَتْلِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ) - لمَّا تَوَلَّى قَوْمُهُ عُقُوبَتَهُ - كَيْفَ تَرَى يَا عُمَرُ؟! أَمَا وَاللهِ لَوْ قَتَلْتُهُ يَوْمَ أَمَرْتَني بِقَتْلِهِ [لأَرْعَدَتْ لَهُ] آنُفٌ لَوْ أَمَرْتُها اليَوْمَ بِقَتْلِهِ لَقَتَلَتْهُ. فَقَالَ عُمَرُ: وَاللهِ، قَدْ عَلِمْتُ لأَمْرُ رَسُولِ اللهِ أَعْظَمُ بَرَكَةً مِنْ أَمْرِي
ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾.
قال عطاء والضحاك: ﴿عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾: عن الصلوات الخمس.
أي: لا يشغلكم اللهو [بها] والمحبة لها، والاشتغال عن الصلوات المفروضات.
وقيل: هو عام، ووقع النهي في الظاهر على الأموال والأولاد. وهو في المعنى واقع على المخاطبين، دلّ على ذلك قوله: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾ وهو كثير في القرآن.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾.
أي ومن يشغله (ماله وولده عما فرض الله عليه من الصلوات وعن ذكر الله فأولئك هم ([المغبونون] حظوظهم من كرامة) الله ورحمته.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾.
أي: وتصدقوا أيها المؤمنون (مما رزقناكم)، وأنفقوا في سبيل الله [مما] خَوّلَكم الله من أموالكم من قبل أن تموتوا، فيقول أحدكم: يا رب، هلا أخرتني ورددتني إلى الدنيا وقتاً قريباً فأتصدق وأكن من الصالحين. فيسأل الرجعة حين لا رجعة.
(وقيل: المعنى: هلا مددت لي في العمر فأتصدق وأكن من الصالحين)، وقيل: [معنى] ﴿وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أحج بيتك الحرام.
قال ابن عباس: ما من أحد يموت ولم يؤد الزكاة ولم يحج إلا سأل الكرة، ثم قرأ هذه الآية. قال: فقوله: [﴿فَأَصَّدَّقَ﴾] أي: أؤدي الزكاة، وقوله: ﴿وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾: أحج.
قال الضحاك: هو المؤمن ينزل به الموت وله مال كثير لم يزكه ولم يحج منه ولم يعط منه حق الله، يسأل الرجعة عند الموت (ليزكي) ماله.
- قال تعالى: ﴿وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْساً إِذَا جَآءَ أَجَلُهَآ﴾.
أي: لا يؤخر الله في أجل أحد فيمد له [فيه] إذا حضر أجله.
وعن ابن عباس: ﴿وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾: أؤدي الفرائض، [وأجتنب] الحرام. والتقدير في العربية: "وأكون صالحا من الصالحين".
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
أي: ذو خبر وعلم بأعمال خلقه، محيط بها فمجازيهم عليها.
المنافقون 63:5
قوله تعالى: ﴿إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ﴾. إلى آخر السورة.
أي: إذا جاءك - يا محمد - المنافقون فأقروا أنك رسول الله، فالله يعلم أنك لرسوله، ولكن الله يشهد أن المنافقين لكاذبون في ما أظهروا إليك من الإقرار، لأن باطنهم على خلاف ما أظهروا. وأعيد ذكر الله ثانية ولم يضمر للتفخيم والتعظيم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱتَّخَذُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ (جُنَّةً)﴾.
أي: جعلوا ما أظهروا من الإيمان جُنَّةً يمتنعون به من القتل والسبي، وهي الأيمان المذكورة في سورة براءة، وهو حلفهم بالله [ما قالوا، وحلفهم]: ﴿إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦].
قال الضحاك: هي حلفهم بالله إنهم لمنكم.
* *
ومعنى ﴿جُنَّةً﴾ سُتْرة يستترون بها كما يستتر [المستجن] بِجُنَّتِه في الحرب، فامتنعوا بأيمانهم من القتل والسَّبْيِ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾.
أي: فمنعوا أنفسهم ومن اتبعهم من الناس عن الإيمان.
* *
- ﴿إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾.
أي: بئس عملهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾.
أي: ذلك الحلف والنفاق من أجل أنهم آمنوا بألسنتهم ثم كفروا بقلوبهم، فختم الله على قلوبهم، ﴿فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ﴾ صواباً من خطأ، ولا حقاً من باطل لغلبة الهوى عليهم.
وأعلمنا الله جل ذكره في هذه الآية (أن) النفاق كُفْرٌ، بقوله: ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾.
العامل في "(إذا)" من قوله [﴿إِذَا جَآءَكَ﴾] و ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ﴾ وشِبْهِه: الفعلُ الذي بعدهما. وفيهما معنى المجازاة، للإبهام الذي فيهما، وإذا كان فيهما معنى المجازاة لم يضافا إلى ما بعدهما. وإذا لم يضافا فأحسنُ أن يعمل ما بعدهما فيهما، إلا أنه لا يُختار أن يُجْزَما للتوقيت الذي فيهما. ففارقا به معنى حروف الشرط من وجه، فقبح العمل في اللفظ، وحسن العمل في المعنى دون اللفظ للإبهام الذي فيهما، فإن قدرتهما مضافين إلى ما بعدهما، لم يعمل فيهما ولا عملاً فيه في لفظ ولا معنى.
والمعنى: وإذا رأيت - يا محمد - هؤلاء المنافقين تعجبك أجسامهم لاستواء خلقها وحسن صورتها ﴿وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ كما تسمع كلام غيرهم من أهل الإيمان فتظنه حقاً.
* *
- ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ﴾.
أي لا خير عندهم ولا علم، إنما هم صور وأشباح [بلا فهم] ولا علم ولا عقل.
* *
ثم قال: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾.
(أي) يظنون - من جبنهم وسوء ظنهم - كل صيحة يسمعونها أنها عليهم. وقيل: المعنى: يحسبون كل صائح يصيح أنه يقصدهم، لأنهم (على) وجل من إظهار الله (ما أخفوا) من من النفاق فيهتك سترهم ويبيح للمؤمنين قتلهم وسبي [ذراريهم] وأخذ أموالهم، فهم من خوفهم كلما نزل وحي على النبي ظنوا أنه في أمرهم وفي هلاكهم وعطبهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ﴾.
أي: هم الأعداء لك - يا محمد - (وللمؤمنين)، فاحذرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿[قَاتَلَهُمُ] ٱللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾.
أي: عاقبهم الله فأهلكهم فصاروا بمنزلة من قتل، من أين يصـ(ـرفو)ن عن الحق بعد ظهور البراهين والحجج.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ﴾.
أي: وإذا قال المؤمنون لهؤلاء المنافقين: تعالوا إلى رسول الله [يستغفر لكم الله]، تولوا وأعرضوا وحركوا رؤوسهم وهزوها استهزاءً برسول الله وباستغفاره ﴿وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾.
ومن شدد ﴿لَوَّوْاْ﴾ فمعناه أنهم [كرروا] هز رؤوسهم وتحريكها. وهذه الآيات - فيما رُوي - نزلت في عبد الله بن أُبيّ بن سلول المنافق. وذلك أنه قال لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا (وقال): لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فسمع ذلك زيد بن أرقم فأخبر به النبي ﷺ (فدعاه النبي فسأله) عن ذلك فحلف ما قاله. فقيل له: لو أتـ(ـيت) النبي ﷺ فسألته أن يستغفر لك. فجعل يلوي رأسه ويحركه استهزاءً. يعني بذلك أنه غير فاعل ما قالوا له. ففيه نزلت هذه السورة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ﴾.
[أي] مُسْتَوٍ الاستغفار منك - يا محمد - لهم وتركه، لأن الله لا يغفر لهم؛ لأنهم على كفرهم مقيمون، وإنما المغفرة للمؤمنين.
(وكان النبي) ﷺ قد استغفر لهم لأنهم أظهروا له الإسلام.
* *
- ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾.
أي: لا يوفق القوم الذين خرجوا عن طاعته.
"قال ابن عباس: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ الآية: نزلت بعد الآية (التي) في "براءة"، قوله: ﴿أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية، فقال النبي ﷺ: "سوف أستغفر لهم زيادة على سبعين، فأنزل الله هنا ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ الآية" فلم يبق للاستغفار لهم وجه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ﴾.
هذا قول [عبد] الله بن أُبَيْ لأصحابه المنافقين، [قال (لأصحابه]: لا تنفقوا على المهاجرين حتى ﴿يَنفَضُّواْ﴾: يتفرقوا عن محمد.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾.
(أي): جميع ما فيهما، وبيده مفاتيح خزائن كل شيء، لا يعطي أحد أحداً شيئاً إلا بإذنه، ولا يمنع أحد أحداً شيئاً إلا بإذنه.
* *
ثم قال: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ﴾.
(أي: لا يفقهون) أن كل شيء بيد الله وتحت قدرته. فلذلك يقولون هذا.
* *
- ثم قال: ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ﴾.
أي: يقول هؤلاء المنافقون: لئن رجعنا إلى مدينتنا ليخرجن منها العزيز [الذليل].
وحكى الفراء: "لَيَخْرُجَنَّ [الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ]" [بنصب] "الأذل" على الحال وفتح الياء وضم [الراء من "ليخرجن"]، وهو بعيد.
وقد أجاز يونس: مررت به [المسكين] بالنصب على الحال.
(وحكى سيبويه: دخلوا الأَوَّلَ فالأَوَّلَ، بالنصب على الحال)، وهذه أشياء شاذة لا يقاس عليها القرآن.
* *
- ثم قال: ﴿وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
أي: ولله العزة والشدة ولرسوله والمؤمنين.
* *
﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾.
(أي): لا يعلمون ذلك.
روي أن عبد الله بن عبد (الله) بن أُبيِّ كان من المؤمنين حقاً، وأنه لما [أُتِيَ] بأبيه إلى النبي ﷺ، فوبخه على ما بلغه، فأنكر ذلك عبد الله وحلف، قال له ولده (عبد الله): [والله، لا تمر] حتى تقول: إنك الأذل، وإن رسول الله الأعز. فلم يمر حتى قالها.
وروي أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، بَلَغَنِي أَنَّكَ تُرِيدُ قَتْلَ عَبْدِ اللهِ أَبي فِيمَا بَلَغَكَ عَنْهُ، فَإِنْ كُنْتَ فَاعِلاً فَمُرْنِي، فَأَنَا أَحْمِلُ لَكَ رَأْسَهُ. فَوَاللهِ، لَقَدْ عَلِمَتِ الخَزْرَجُ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ رَجُلٍ أَبَرَّ بِوَالِدِهِ مِنِّي، وَأَنَا أَخْشَى أَنْ تَأْمُرَ بِهِ غَيْرِي فَيَقْتُلَهُ فَلاَ تَدَعُنِي نَفْسِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى قَاتِلِ أَبِي يَمْشِي فِي النَّاسِ فَأَقْتُلَهُ فَأَقْتُلَ مُؤْمِناً بِكَافِرٍ فَأَدْخُلَ النَّارَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولَ اللهِ: نَرْفُقُ بِهِ وَنُحْسِنُ صُحْبَتَهُ مَا بَقِيَ مَعَنَا. [ثُمَّ كَانَ] بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَحْدَثَ حَدَثاً عاقَبَهُ عَلَيْهِ قَوْمُهُ. وَكَانَ عُمَرُ قَدْ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ (فِي قَتْلِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ) - لمَّا تَوَلَّى قَوْمُهُ عُقُوبَتَهُ - كَيْفَ تَرَى يَا عُمَرُ؟! أَمَا وَاللهِ لَوْ قَتَلْتُهُ يَوْمَ أَمَرْتَني بِقَتْلِهِ [لأَرْعَدَتْ لَهُ] آنُفٌ لَوْ أَمَرْتُها اليَوْمَ بِقَتْلِهِ لَقَتَلَتْهُ. فَقَالَ عُمَرُ: وَاللهِ، قَدْ عَلِمْتُ لأَمْرُ رَسُولِ اللهِ أَعْظَمُ بَرَكَةً مِنْ أَمْرِي
ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾.
قال عطاء والضحاك: ﴿عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾: عن الصلوات الخمس.
أي: لا يشغلكم اللهو [بها] والمحبة لها، والاشتغال عن الصلوات المفروضات.
وقيل: هو عام، ووقع النهي في الظاهر على الأموال والأولاد. وهو في المعنى واقع على المخاطبين، دلّ على ذلك قوله: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾ وهو كثير في القرآن.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾.
أي ومن يشغله (ماله وولده عما فرض الله عليه من الصلوات وعن ذكر الله فأولئك هم ([المغبونون] حظوظهم من كرامة) الله ورحمته.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾.
أي: وتصدقوا أيها المؤمنون (مما رزقناكم)، وأنفقوا في سبيل الله [مما] خَوّلَكم الله من أموالكم من قبل أن تموتوا، فيقول أحدكم: يا رب، هلا أخرتني ورددتني إلى الدنيا وقتاً قريباً فأتصدق وأكن من الصالحين. فيسأل الرجعة حين لا رجعة.
(وقيل: المعنى: هلا مددت لي في العمر فأتصدق وأكن من الصالحين)، وقيل: [معنى] ﴿وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أحج بيتك الحرام.
قال ابن عباس: ما من أحد يموت ولم يؤد الزكاة ولم يحج إلا سأل الكرة، ثم قرأ هذه الآية. قال: فقوله: [﴿فَأَصَّدَّقَ﴾] أي: أؤدي الزكاة، وقوله: ﴿وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾: أحج.
قال الضحاك: هو المؤمن ينزل به الموت وله مال كثير لم يزكه ولم يحج منه ولم يعط منه حق الله، يسأل الرجعة عند الموت (ليزكي) ماله.
- قال تعالى: ﴿وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْساً إِذَا جَآءَ أَجَلُهَآ﴾.
أي: لا يؤخر الله في أجل أحد فيمد له [فيه] إذا حضر أجله.
وعن ابن عباس: ﴿وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾: أؤدي الفرائض، [وأجتنب] الحرام. والتقدير في العربية: "وأكون صالحا من الصالحين".
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
أي: ذو خبر وعلم بأعمال خلقه، محيط بها فمجازيهم عليها.
المنافقون 63:6
قوله تعالى: ﴿إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ﴾. إلى آخر السورة.
أي: إذا جاءك - يا محمد - المنافقون فأقروا أنك رسول الله، فالله يعلم أنك لرسوله، ولكن الله يشهد أن المنافقين لكاذبون في ما أظهروا إليك من الإقرار، لأن باطنهم على خلاف ما أظهروا. وأعيد ذكر الله ثانية ولم يضمر للتفخيم والتعظيم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱتَّخَذُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ (جُنَّةً)﴾.
أي: جعلوا ما أظهروا من الإيمان جُنَّةً يمتنعون به من القتل والسبي، وهي الأيمان المذكورة في سورة براءة، وهو حلفهم بالله [ما قالوا، وحلفهم]: ﴿إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦].
قال الضحاك: هي حلفهم بالله إنهم لمنكم.
* *
ومعنى ﴿جُنَّةً﴾ سُتْرة يستترون بها كما يستتر [المستجن] بِجُنَّتِه في الحرب، فامتنعوا بأيمانهم من القتل والسَّبْيِ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾.
أي: فمنعوا أنفسهم ومن اتبعهم من الناس عن الإيمان.
* *
- ﴿إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾.
أي: بئس عملهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾.
أي: ذلك الحلف والنفاق من أجل أنهم آمنوا بألسنتهم ثم كفروا بقلوبهم، فختم الله على قلوبهم، ﴿فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ﴾ صواباً من خطأ، ولا حقاً من باطل لغلبة الهوى عليهم.
وأعلمنا الله جل ذكره في هذه الآية (أن) النفاق كُفْرٌ، بقوله: ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾.
العامل في "(إذا)" من قوله [﴿إِذَا جَآءَكَ﴾] و ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ﴾ وشِبْهِه: الفعلُ الذي بعدهما. وفيهما معنى المجازاة، للإبهام الذي فيهما، وإذا كان فيهما معنى المجازاة لم يضافا إلى ما بعدهما. وإذا لم يضافا فأحسنُ أن يعمل ما بعدهما فيهما، إلا أنه لا يُختار أن يُجْزَما للتوقيت الذي فيهما. ففارقا به معنى حروف الشرط من وجه، فقبح العمل في اللفظ، وحسن العمل في المعنى دون اللفظ للإبهام الذي فيهما، فإن قدرتهما مضافين إلى ما بعدهما، لم يعمل فيهما ولا عملاً فيه في لفظ ولا معنى.
والمعنى: وإذا رأيت - يا محمد - هؤلاء المنافقين تعجبك أجسامهم لاستواء خلقها وحسن صورتها ﴿وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ كما تسمع كلام غيرهم من أهل الإيمان فتظنه حقاً.
* *
- ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ﴾.
أي لا خير عندهم ولا علم، إنما هم صور وأشباح [بلا فهم] ولا علم ولا عقل.
* *
ثم قال: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾.
(أي) يظنون - من جبنهم وسوء ظنهم - كل صيحة يسمعونها أنها عليهم. وقيل: المعنى: يحسبون كل صائح يصيح أنه يقصدهم، لأنهم (على) وجل من إظهار الله (ما أخفوا) من من النفاق فيهتك سترهم ويبيح للمؤمنين قتلهم وسبي [ذراريهم] وأخذ أموالهم، فهم من خوفهم كلما نزل وحي على النبي ظنوا أنه في أمرهم وفي هلاكهم وعطبهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ﴾.
أي: هم الأعداء لك - يا محمد - (وللمؤمنين)، فاحذرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿[قَاتَلَهُمُ] ٱللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾.
أي: عاقبهم الله فأهلكهم فصاروا بمنزلة من قتل، من أين يصـ(ـرفو)ن عن الحق بعد ظهور البراهين والحجج.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ﴾.
أي: وإذا قال المؤمنون لهؤلاء المنافقين: تعالوا إلى رسول الله [يستغفر لكم الله]، تولوا وأعرضوا وحركوا رؤوسهم وهزوها استهزاءً برسول الله وباستغفاره ﴿وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾.
ومن شدد ﴿لَوَّوْاْ﴾ فمعناه أنهم [كرروا] هز رؤوسهم وتحريكها. وهذه الآيات - فيما رُوي - نزلت في عبد الله بن أُبيّ بن سلول المنافق. وذلك أنه قال لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا (وقال): لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فسمع ذلك زيد بن أرقم فأخبر به النبي ﷺ (فدعاه النبي فسأله) عن ذلك فحلف ما قاله. فقيل له: لو أتـ(ـيت) النبي ﷺ فسألته أن يستغفر لك. فجعل يلوي رأسه ويحركه استهزاءً. يعني بذلك أنه غير فاعل ما قالوا له. ففيه نزلت هذه السورة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ﴾.
[أي] مُسْتَوٍ الاستغفار منك - يا محمد - لهم وتركه، لأن الله لا يغفر لهم؛ لأنهم على كفرهم مقيمون، وإنما المغفرة للمؤمنين.
(وكان النبي) ﷺ قد استغفر لهم لأنهم أظهروا له الإسلام.
* *
- ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾.
أي: لا يوفق القوم الذين خرجوا عن طاعته.
"قال ابن عباس: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ الآية: نزلت بعد الآية (التي) في "براءة"، قوله: ﴿أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية، فقال النبي ﷺ: "سوف أستغفر لهم زيادة على سبعين، فأنزل الله هنا ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ الآية" فلم يبق للاستغفار لهم وجه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ﴾.
هذا قول [عبد] الله بن أُبَيْ لأصحابه المنافقين، [قال (لأصحابه]: لا تنفقوا على المهاجرين حتى ﴿يَنفَضُّواْ﴾: يتفرقوا عن محمد.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾.
(أي): جميع ما فيهما، وبيده مفاتيح خزائن كل شيء، لا يعطي أحد أحداً شيئاً إلا بإذنه، ولا يمنع أحد أحداً شيئاً إلا بإذنه.
* *
ثم قال: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ﴾.
(أي: لا يفقهون) أن كل شيء بيد الله وتحت قدرته. فلذلك يقولون هذا.
* *
- ثم قال: ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ﴾.
أي: يقول هؤلاء المنافقون: لئن رجعنا إلى مدينتنا ليخرجن منها العزيز [الذليل].
وحكى الفراء: "لَيَخْرُجَنَّ [الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ]" [بنصب] "الأذل" على الحال وفتح الياء وضم [الراء من "ليخرجن"]، وهو بعيد.
وقد أجاز يونس: مررت به [المسكين] بالنصب على الحال.
(وحكى سيبويه: دخلوا الأَوَّلَ فالأَوَّلَ، بالنصب على الحال)، وهذه أشياء شاذة لا يقاس عليها القرآن.
* *
- ثم قال: ﴿وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
أي: ولله العزة والشدة ولرسوله والمؤمنين.
* *
﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾.
(أي): لا يعلمون ذلك.
روي أن عبد الله بن عبد (الله) بن أُبيِّ كان من المؤمنين حقاً، وأنه لما [أُتِيَ] بأبيه إلى النبي ﷺ، فوبخه على ما بلغه، فأنكر ذلك عبد الله وحلف، قال له ولده (عبد الله): [والله، لا تمر] حتى تقول: إنك الأذل، وإن رسول الله الأعز. فلم يمر حتى قالها.
وروي أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، بَلَغَنِي أَنَّكَ تُرِيدُ قَتْلَ عَبْدِ اللهِ أَبي فِيمَا بَلَغَكَ عَنْهُ، فَإِنْ كُنْتَ فَاعِلاً فَمُرْنِي، فَأَنَا أَحْمِلُ لَكَ رَأْسَهُ. فَوَاللهِ، لَقَدْ عَلِمَتِ الخَزْرَجُ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ رَجُلٍ أَبَرَّ بِوَالِدِهِ مِنِّي، وَأَنَا أَخْشَى أَنْ تَأْمُرَ بِهِ غَيْرِي فَيَقْتُلَهُ فَلاَ تَدَعُنِي نَفْسِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى قَاتِلِ أَبِي يَمْشِي فِي النَّاسِ فَأَقْتُلَهُ فَأَقْتُلَ مُؤْمِناً بِكَافِرٍ فَأَدْخُلَ النَّارَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولَ اللهِ: نَرْفُقُ بِهِ وَنُحْسِنُ صُحْبَتَهُ مَا بَقِيَ مَعَنَا. [ثُمَّ كَانَ] بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَحْدَثَ حَدَثاً عاقَبَهُ عَلَيْهِ قَوْمُهُ. وَكَانَ عُمَرُ قَدْ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ (فِي قَتْلِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ) - لمَّا تَوَلَّى قَوْمُهُ عُقُوبَتَهُ - كَيْفَ تَرَى يَا عُمَرُ؟! أَمَا وَاللهِ لَوْ قَتَلْتُهُ يَوْمَ أَمَرْتَني بِقَتْلِهِ [لأَرْعَدَتْ لَهُ] آنُفٌ لَوْ أَمَرْتُها اليَوْمَ بِقَتْلِهِ لَقَتَلَتْهُ. فَقَالَ عُمَرُ: وَاللهِ، قَدْ عَلِمْتُ لأَمْرُ رَسُولِ اللهِ أَعْظَمُ بَرَكَةً مِنْ أَمْرِي
ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾.
قال عطاء والضحاك: ﴿عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾: عن الصلوات الخمس.
أي: لا يشغلكم اللهو [بها] والمحبة لها، والاشتغال عن الصلوات المفروضات.
وقيل: هو عام، ووقع النهي في الظاهر على الأموال والأولاد. وهو في المعنى واقع على المخاطبين، دلّ على ذلك قوله: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾ وهو كثير في القرآن.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾.
أي ومن يشغله (ماله وولده عما فرض الله عليه من الصلوات وعن ذكر الله فأولئك هم ([المغبونون] حظوظهم من كرامة) الله ورحمته.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾.
أي: وتصدقوا أيها المؤمنون (مما رزقناكم)، وأنفقوا في سبيل الله [مما] خَوّلَكم الله من أموالكم من قبل أن تموتوا، فيقول أحدكم: يا رب، هلا أخرتني ورددتني إلى الدنيا وقتاً قريباً فأتصدق وأكن من الصالحين. فيسأل الرجعة حين لا رجعة.
(وقيل: المعنى: هلا مددت لي في العمر فأتصدق وأكن من الصالحين)، وقيل: [معنى] ﴿وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أحج بيتك الحرام.
قال ابن عباس: ما من أحد يموت ولم يؤد الزكاة ولم يحج إلا سأل الكرة، ثم قرأ هذه الآية. قال: فقوله: [﴿فَأَصَّدَّقَ﴾] أي: أؤدي الزكاة، وقوله: ﴿وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾: أحج.
قال الضحاك: هو المؤمن ينزل به الموت وله مال كثير لم يزكه ولم يحج منه ولم يعط منه حق الله، يسأل الرجعة عند الموت (ليزكي) ماله.
- قال تعالى: ﴿وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْساً إِذَا جَآءَ أَجَلُهَآ﴾.
أي: لا يؤخر الله في أجل أحد فيمد له [فيه] إذا حضر أجله.
وعن ابن عباس: ﴿وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾: أؤدي الفرائض، [وأجتنب] الحرام. والتقدير في العربية: "وأكون صالحا من الصالحين".
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
أي: ذو خبر وعلم بأعمال خلقه، محيط بها فمجازيهم عليها.
المنافقون 63:7
قوله تعالى: ﴿إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ﴾. إلى آخر السورة.
أي: إذا جاءك - يا محمد - المنافقون فأقروا أنك رسول الله، فالله يعلم أنك لرسوله، ولكن الله يشهد أن المنافقين لكاذبون في ما أظهروا إليك من الإقرار، لأن باطنهم على خلاف ما أظهروا. وأعيد ذكر الله ثانية ولم يضمر للتفخيم والتعظيم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱتَّخَذُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ (جُنَّةً)﴾.
أي: جعلوا ما أظهروا من الإيمان جُنَّةً يمتنعون به من القتل والسبي، وهي الأيمان المذكورة في سورة براءة، وهو حلفهم بالله [ما قالوا، وحلفهم]: ﴿إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦].
قال الضحاك: هي حلفهم بالله إنهم لمنكم.
* *
ومعنى ﴿جُنَّةً﴾ سُتْرة يستترون بها كما يستتر [المستجن] بِجُنَّتِه في الحرب، فامتنعوا بأيمانهم من القتل والسَّبْيِ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾.
أي: فمنعوا أنفسهم ومن اتبعهم من الناس عن الإيمان.
* *
- ﴿إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾.
أي: بئس عملهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾.
أي: ذلك الحلف والنفاق من أجل أنهم آمنوا بألسنتهم ثم كفروا بقلوبهم، فختم الله على قلوبهم، ﴿فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ﴾ صواباً من خطأ، ولا حقاً من باطل لغلبة الهوى عليهم.
وأعلمنا الله جل ذكره في هذه الآية (أن) النفاق كُفْرٌ، بقوله: ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾.
العامل في "(إذا)" من قوله [﴿إِذَا جَآءَكَ﴾] و ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ﴾ وشِبْهِه: الفعلُ الذي بعدهما. وفيهما معنى المجازاة، للإبهام الذي فيهما، وإذا كان فيهما معنى المجازاة لم يضافا إلى ما بعدهما. وإذا لم يضافا فأحسنُ أن يعمل ما بعدهما فيهما، إلا أنه لا يُختار أن يُجْزَما للتوقيت الذي فيهما. ففارقا به معنى حروف الشرط من وجه، فقبح العمل في اللفظ، وحسن العمل في المعنى دون اللفظ للإبهام الذي فيهما، فإن قدرتهما مضافين إلى ما بعدهما، لم يعمل فيهما ولا عملاً فيه في لفظ ولا معنى.
والمعنى: وإذا رأيت - يا محمد - هؤلاء المنافقين تعجبك أجسامهم لاستواء خلقها وحسن صورتها ﴿وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ كما تسمع كلام غيرهم من أهل الإيمان فتظنه حقاً.
* *
- ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ﴾.
أي لا خير عندهم ولا علم، إنما هم صور وأشباح [بلا فهم] ولا علم ولا عقل.
* *
ثم قال: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾.
(أي) يظنون - من جبنهم وسوء ظنهم - كل صيحة يسمعونها أنها عليهم. وقيل: المعنى: يحسبون كل صائح يصيح أنه يقصدهم، لأنهم (على) وجل من إظهار الله (ما أخفوا) من من النفاق فيهتك سترهم ويبيح للمؤمنين قتلهم وسبي [ذراريهم] وأخذ أموالهم، فهم من خوفهم كلما نزل وحي على النبي ظنوا أنه في أمرهم وفي هلاكهم وعطبهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ﴾.
أي: هم الأعداء لك - يا محمد - (وللمؤمنين)، فاحذرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿[قَاتَلَهُمُ] ٱللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾.
أي: عاقبهم الله فأهلكهم فصاروا بمنزلة من قتل، من أين يصـ(ـرفو)ن عن الحق بعد ظهور البراهين والحجج.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ﴾.
أي: وإذا قال المؤمنون لهؤلاء المنافقين: تعالوا إلى رسول الله [يستغفر لكم الله]، تولوا وأعرضوا وحركوا رؤوسهم وهزوها استهزاءً برسول الله وباستغفاره ﴿وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾.
ومن شدد ﴿لَوَّوْاْ﴾ فمعناه أنهم [كرروا] هز رؤوسهم وتحريكها. وهذه الآيات - فيما رُوي - نزلت في عبد الله بن أُبيّ بن سلول المنافق. وذلك أنه قال لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا (وقال): لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فسمع ذلك زيد بن أرقم فأخبر به النبي ﷺ (فدعاه النبي فسأله) عن ذلك فحلف ما قاله. فقيل له: لو أتـ(ـيت) النبي ﷺ فسألته أن يستغفر لك. فجعل يلوي رأسه ويحركه استهزاءً. يعني بذلك أنه غير فاعل ما قالوا له. ففيه نزلت هذه السورة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ﴾.
[أي] مُسْتَوٍ الاستغفار منك - يا محمد - لهم وتركه، لأن الله لا يغفر لهم؛ لأنهم على كفرهم مقيمون، وإنما المغفرة للمؤمنين.
(وكان النبي) ﷺ قد استغفر لهم لأنهم أظهروا له الإسلام.
* *
- ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾.
أي: لا يوفق القوم الذين خرجوا عن طاعته.
"قال ابن عباس: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ الآية: نزلت بعد الآية (التي) في "براءة"، قوله: ﴿أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية، فقال النبي ﷺ: "سوف أستغفر لهم زيادة على سبعين، فأنزل الله هنا ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ الآية" فلم يبق للاستغفار لهم وجه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ﴾.
هذا قول [عبد] الله بن أُبَيْ لأصحابه المنافقين، [قال (لأصحابه]: لا تنفقوا على المهاجرين حتى ﴿يَنفَضُّواْ﴾: يتفرقوا عن محمد.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾.
(أي): جميع ما فيهما، وبيده مفاتيح خزائن كل شيء، لا يعطي أحد أحداً شيئاً إلا بإذنه، ولا يمنع أحد أحداً شيئاً إلا بإذنه.
* *
ثم قال: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ﴾.
(أي: لا يفقهون) أن كل شيء بيد الله وتحت قدرته. فلذلك يقولون هذا.
* *
- ثم قال: ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ﴾.
أي: يقول هؤلاء المنافقون: لئن رجعنا إلى مدينتنا ليخرجن منها العزيز [الذليل].
وحكى الفراء: "لَيَخْرُجَنَّ [الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ]" [بنصب] "الأذل" على الحال وفتح الياء وضم [الراء من "ليخرجن"]، وهو بعيد.
وقد أجاز يونس: مررت به [المسكين] بالنصب على الحال.
(وحكى سيبويه: دخلوا الأَوَّلَ فالأَوَّلَ، بالنصب على الحال)، وهذه أشياء شاذة لا يقاس عليها القرآن.
* *
- ثم قال: ﴿وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
أي: ولله العزة والشدة ولرسوله والمؤمنين.
* *
﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾.
(أي): لا يعلمون ذلك.
روي أن عبد الله بن عبد (الله) بن أُبيِّ كان من المؤمنين حقاً، وأنه لما [أُتِيَ] بأبيه إلى النبي ﷺ، فوبخه على ما بلغه، فأنكر ذلك عبد الله وحلف، قال له ولده (عبد الله): [والله، لا تمر] حتى تقول: إنك الأذل، وإن رسول الله الأعز. فلم يمر حتى قالها.
وروي أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، بَلَغَنِي أَنَّكَ تُرِيدُ قَتْلَ عَبْدِ اللهِ أَبي فِيمَا بَلَغَكَ عَنْهُ، فَإِنْ كُنْتَ فَاعِلاً فَمُرْنِي، فَأَنَا أَحْمِلُ لَكَ رَأْسَهُ. فَوَاللهِ، لَقَدْ عَلِمَتِ الخَزْرَجُ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ رَجُلٍ أَبَرَّ بِوَالِدِهِ مِنِّي، وَأَنَا أَخْشَى أَنْ تَأْمُرَ بِهِ غَيْرِي فَيَقْتُلَهُ فَلاَ تَدَعُنِي نَفْسِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى قَاتِلِ أَبِي يَمْشِي فِي النَّاسِ فَأَقْتُلَهُ فَأَقْتُلَ مُؤْمِناً بِكَافِرٍ فَأَدْخُلَ النَّارَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولَ اللهِ: نَرْفُقُ بِهِ وَنُحْسِنُ صُحْبَتَهُ مَا بَقِيَ مَعَنَا. [ثُمَّ كَانَ] بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَحْدَثَ حَدَثاً عاقَبَهُ عَلَيْهِ قَوْمُهُ. وَكَانَ عُمَرُ قَدْ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ (فِي قَتْلِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ) - لمَّا تَوَلَّى قَوْمُهُ عُقُوبَتَهُ - كَيْفَ تَرَى يَا عُمَرُ؟! أَمَا وَاللهِ لَوْ قَتَلْتُهُ يَوْمَ أَمَرْتَني بِقَتْلِهِ [لأَرْعَدَتْ لَهُ] آنُفٌ لَوْ أَمَرْتُها اليَوْمَ بِقَتْلِهِ لَقَتَلَتْهُ. فَقَالَ عُمَرُ: وَاللهِ، قَدْ عَلِمْتُ لأَمْرُ رَسُولِ اللهِ أَعْظَمُ بَرَكَةً مِنْ أَمْرِي
ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾.
قال عطاء والضحاك: ﴿عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾: عن الصلوات الخمس.
أي: لا يشغلكم اللهو [بها] والمحبة لها، والاشتغال عن الصلوات المفروضات.
وقيل: هو عام، ووقع النهي في الظاهر على الأموال والأولاد. وهو في المعنى واقع على المخاطبين، دلّ على ذلك قوله: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾ وهو كثير في القرآن.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾.
أي ومن يشغله (ماله وولده عما فرض الله عليه من الصلوات وعن ذكر الله فأولئك هم ([المغبونون] حظوظهم من كرامة) الله ورحمته.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾.
أي: وتصدقوا أيها المؤمنون (مما رزقناكم)، وأنفقوا في سبيل الله [مما] خَوّلَكم الله من أموالكم من قبل أن تموتوا، فيقول أحدكم: يا رب، هلا أخرتني ورددتني إلى الدنيا وقتاً قريباً فأتصدق وأكن من الصالحين. فيسأل الرجعة حين لا رجعة.
(وقيل: المعنى: هلا مددت لي في العمر فأتصدق وأكن من الصالحين)، وقيل: [معنى] ﴿وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أحج بيتك الحرام.
قال ابن عباس: ما من أحد يموت ولم يؤد الزكاة ولم يحج إلا سأل الكرة، ثم قرأ هذه الآية. قال: فقوله: [﴿فَأَصَّدَّقَ﴾] أي: أؤدي الزكاة، وقوله: ﴿وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾: أحج.
قال الضحاك: هو المؤمن ينزل به الموت وله مال كثير لم يزكه ولم يحج منه ولم يعط منه حق الله، يسأل الرجعة عند الموت (ليزكي) ماله.
- قال تعالى: ﴿وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْساً إِذَا جَآءَ أَجَلُهَآ﴾.
أي: لا يؤخر الله في أجل أحد فيمد له [فيه] إذا حضر أجله.
وعن ابن عباس: ﴿وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾: أؤدي الفرائض، [وأجتنب] الحرام. والتقدير في العربية: "وأكون صالحا من الصالحين".
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
أي: ذو خبر وعلم بأعمال خلقه، محيط بها فمجازيهم عليها.
المنافقون 63:8
قوله تعالى: ﴿إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ﴾. إلى آخر السورة.
أي: إذا جاءك - يا محمد - المنافقون فأقروا أنك رسول الله، فالله يعلم أنك لرسوله، ولكن الله يشهد أن المنافقين لكاذبون في ما أظهروا إليك من الإقرار، لأن باطنهم على خلاف ما أظهروا. وأعيد ذكر الله ثانية ولم يضمر للتفخيم والتعظيم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱتَّخَذُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ (جُنَّةً)﴾.
أي: جعلوا ما أظهروا من الإيمان جُنَّةً يمتنعون به من القتل والسبي، وهي الأيمان المذكورة في سورة براءة، وهو حلفهم بالله [ما قالوا، وحلفهم]: ﴿إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦].
قال الضحاك: هي حلفهم بالله إنهم لمنكم.
* *
ومعنى ﴿جُنَّةً﴾ سُتْرة يستترون بها كما يستتر [المستجن] بِجُنَّتِه في الحرب، فامتنعوا بأيمانهم من القتل والسَّبْيِ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾.
أي: فمنعوا أنفسهم ومن اتبعهم من الناس عن الإيمان.
* *
- ﴿إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾.
أي: بئس عملهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾.
أي: ذلك الحلف والنفاق من أجل أنهم آمنوا بألسنتهم ثم كفروا بقلوبهم، فختم الله على قلوبهم، ﴿فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ﴾ صواباً من خطأ، ولا حقاً من باطل لغلبة الهوى عليهم.
وأعلمنا الله جل ذكره في هذه الآية (أن) النفاق كُفْرٌ، بقوله: ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾.
العامل في "(إذا)" من قوله [﴿إِذَا جَآءَكَ﴾] و ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ﴾ وشِبْهِه: الفعلُ الذي بعدهما. وفيهما معنى المجازاة، للإبهام الذي فيهما، وإذا كان فيهما معنى المجازاة لم يضافا إلى ما بعدهما. وإذا لم يضافا فأحسنُ أن يعمل ما بعدهما فيهما، إلا أنه لا يُختار أن يُجْزَما للتوقيت الذي فيهما. ففارقا به معنى حروف الشرط من وجه، فقبح العمل في اللفظ، وحسن العمل في المعنى دون اللفظ للإبهام الذي فيهما، فإن قدرتهما مضافين إلى ما بعدهما، لم يعمل فيهما ولا عملاً فيه في لفظ ولا معنى.
والمعنى: وإذا رأيت - يا محمد - هؤلاء المنافقين تعجبك أجسامهم لاستواء خلقها وحسن صورتها ﴿وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ كما تسمع كلام غيرهم من أهل الإيمان فتظنه حقاً.
* *
- ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ﴾.
أي لا خير عندهم ولا علم، إنما هم صور وأشباح [بلا فهم] ولا علم ولا عقل.
* *
ثم قال: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾.
(أي) يظنون - من جبنهم وسوء ظنهم - كل صيحة يسمعونها أنها عليهم. وقيل: المعنى: يحسبون كل صائح يصيح أنه يقصدهم، لأنهم (على) وجل من إظهار الله (ما أخفوا) من من النفاق فيهتك سترهم ويبيح للمؤمنين قتلهم وسبي [ذراريهم] وأخذ أموالهم، فهم من خوفهم كلما نزل وحي على النبي ظنوا أنه في أمرهم وفي هلاكهم وعطبهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ﴾.
أي: هم الأعداء لك - يا محمد - (وللمؤمنين)، فاحذرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿[قَاتَلَهُمُ] ٱللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾.
أي: عاقبهم الله فأهلكهم فصاروا بمنزلة من قتل، من أين يصـ(ـرفو)ن عن الحق بعد ظهور البراهين والحجج.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ﴾.
أي: وإذا قال المؤمنون لهؤلاء المنافقين: تعالوا إلى رسول الله [يستغفر لكم الله]، تولوا وأعرضوا وحركوا رؤوسهم وهزوها استهزاءً برسول الله وباستغفاره ﴿وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾.
ومن شدد ﴿لَوَّوْاْ﴾ فمعناه أنهم [كرروا] هز رؤوسهم وتحريكها. وهذه الآيات - فيما رُوي - نزلت في عبد الله بن أُبيّ بن سلول المنافق. وذلك أنه قال لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا (وقال): لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فسمع ذلك زيد بن أرقم فأخبر به النبي ﷺ (فدعاه النبي فسأله) عن ذلك فحلف ما قاله. فقيل له: لو أتـ(ـيت) النبي ﷺ فسألته أن يستغفر لك. فجعل يلوي رأسه ويحركه استهزاءً. يعني بذلك أنه غير فاعل ما قالوا له. ففيه نزلت هذه السورة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ﴾.
[أي] مُسْتَوٍ الاستغفار منك - يا محمد - لهم وتركه، لأن الله لا يغفر لهم؛ لأنهم على كفرهم مقيمون، وإنما المغفرة للمؤمنين.
(وكان النبي) ﷺ قد استغفر لهم لأنهم أظهروا له الإسلام.
* *
- ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾.
أي: لا يوفق القوم الذين خرجوا عن طاعته.
"قال ابن عباس: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ الآية: نزلت بعد الآية (التي) في "براءة"، قوله: ﴿أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية، فقال النبي ﷺ: "سوف أستغفر لهم زيادة على سبعين، فأنزل الله هنا ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ الآية" فلم يبق للاستغفار لهم وجه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ﴾.
هذا قول [عبد] الله بن أُبَيْ لأصحابه المنافقين، [قال (لأصحابه]: لا تنفقوا على المهاجرين حتى ﴿يَنفَضُّواْ﴾: يتفرقوا عن محمد.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾.
(أي): جميع ما فيهما، وبيده مفاتيح خزائن كل شيء، لا يعطي أحد أحداً شيئاً إلا بإذنه، ولا يمنع أحد أحداً شيئاً إلا بإذنه.
* *
ثم قال: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ﴾.
(أي: لا يفقهون) أن كل شيء بيد الله وتحت قدرته. فلذلك يقولون هذا.
* *
- ثم قال: ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ﴾.
أي: يقول هؤلاء المنافقون: لئن رجعنا إلى مدينتنا ليخرجن منها العزيز [الذليل].
وحكى الفراء: "لَيَخْرُجَنَّ [الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ]" [بنصب] "الأذل" على الحال وفتح الياء وضم [الراء من "ليخرجن"]، وهو بعيد.
وقد أجاز يونس: مررت به [المسكين] بالنصب على الحال.
(وحكى سيبويه: دخلوا الأَوَّلَ فالأَوَّلَ، بالنصب على الحال)، وهذه أشياء شاذة لا يقاس عليها القرآن.
* *
- ثم قال: ﴿وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
أي: ولله العزة والشدة ولرسوله والمؤمنين.
* *
﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾.
(أي): لا يعلمون ذلك.
روي أن عبد الله بن عبد (الله) بن أُبيِّ كان من المؤمنين حقاً، وأنه لما [أُتِيَ] بأبيه إلى النبي ﷺ، فوبخه على ما بلغه، فأنكر ذلك عبد الله وحلف، قال له ولده (عبد الله): [والله، لا تمر] حتى تقول: إنك الأذل، وإن رسول الله الأعز. فلم يمر حتى قالها.
وروي أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، بَلَغَنِي أَنَّكَ تُرِيدُ قَتْلَ عَبْدِ اللهِ أَبي فِيمَا بَلَغَكَ عَنْهُ، فَإِنْ كُنْتَ فَاعِلاً فَمُرْنِي، فَأَنَا أَحْمِلُ لَكَ رَأْسَهُ. فَوَاللهِ، لَقَدْ عَلِمَتِ الخَزْرَجُ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ رَجُلٍ أَبَرَّ بِوَالِدِهِ مِنِّي، وَأَنَا أَخْشَى أَنْ تَأْمُرَ بِهِ غَيْرِي فَيَقْتُلَهُ فَلاَ تَدَعُنِي نَفْسِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى قَاتِلِ أَبِي يَمْشِي فِي النَّاسِ فَأَقْتُلَهُ فَأَقْتُلَ مُؤْمِناً بِكَافِرٍ فَأَدْخُلَ النَّارَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولَ اللهِ: نَرْفُقُ بِهِ وَنُحْسِنُ صُحْبَتَهُ مَا بَقِيَ مَعَنَا. [ثُمَّ كَانَ] بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَحْدَثَ حَدَثاً عاقَبَهُ عَلَيْهِ قَوْمُهُ. وَكَانَ عُمَرُ قَدْ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ (فِي قَتْلِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ) - لمَّا تَوَلَّى قَوْمُهُ عُقُوبَتَهُ - كَيْفَ تَرَى يَا عُمَرُ؟! أَمَا وَاللهِ لَوْ قَتَلْتُهُ يَوْمَ أَمَرْتَني بِقَتْلِهِ [لأَرْعَدَتْ لَهُ] آنُفٌ لَوْ أَمَرْتُها اليَوْمَ بِقَتْلِهِ لَقَتَلَتْهُ. فَقَالَ عُمَرُ: وَاللهِ، قَدْ عَلِمْتُ لأَمْرُ رَسُولِ اللهِ أَعْظَمُ بَرَكَةً مِنْ أَمْرِي
ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾.
قال عطاء والضحاك: ﴿عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾: عن الصلوات الخمس.
أي: لا يشغلكم اللهو [بها] والمحبة لها، والاشتغال عن الصلوات المفروضات.
وقيل: هو عام، ووقع النهي في الظاهر على الأموال والأولاد. وهو في المعنى واقع على المخاطبين، دلّ على ذلك قوله: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾ وهو كثير في القرآن.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾.
أي ومن يشغله (ماله وولده عما فرض الله عليه من الصلوات وعن ذكر الله فأولئك هم ([المغبونون] حظوظهم من كرامة) الله ورحمته.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾.
أي: وتصدقوا أيها المؤمنون (مما رزقناكم)، وأنفقوا في سبيل الله [مما] خَوّلَكم الله من أموالكم من قبل أن تموتوا، فيقول أحدكم: يا رب، هلا أخرتني ورددتني إلى الدنيا وقتاً قريباً فأتصدق وأكن من الصالحين. فيسأل الرجعة حين لا رجعة.
(وقيل: المعنى: هلا مددت لي في العمر فأتصدق وأكن من الصالحين)، وقيل: [معنى] ﴿وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أحج بيتك الحرام.
قال ابن عباس: ما من أحد يموت ولم يؤد الزكاة ولم يحج إلا سأل الكرة، ثم قرأ هذه الآية. قال: فقوله: [﴿فَأَصَّدَّقَ﴾] أي: أؤدي الزكاة، وقوله: ﴿وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾: أحج.
قال الضحاك: هو المؤمن ينزل به الموت وله مال كثير لم يزكه ولم يحج منه ولم يعط منه حق الله، يسأل الرجعة عند الموت (ليزكي) ماله.
- قال تعالى: ﴿وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْساً إِذَا جَآءَ أَجَلُهَآ﴾.
أي: لا يؤخر الله في أجل أحد فيمد له [فيه] إذا حضر أجله.
وعن ابن عباس: ﴿وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾: أؤدي الفرائض، [وأجتنب] الحرام. والتقدير في العربية: "وأكون صالحا من الصالحين".
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
أي: ذو خبر وعلم بأعمال خلقه، محيط بها فمجازيهم عليها.
المنافقون 63:9
قوله تعالى: ﴿إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ﴾. إلى آخر السورة.
أي: إذا جاءك - يا محمد - المنافقون فأقروا أنك رسول الله، فالله يعلم أنك لرسوله، ولكن الله يشهد أن المنافقين لكاذبون في ما أظهروا إليك من الإقرار، لأن باطنهم على خلاف ما أظهروا. وأعيد ذكر الله ثانية ولم يضمر للتفخيم والتعظيم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱتَّخَذُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ (جُنَّةً)﴾.
أي: جعلوا ما أظهروا من الإيمان جُنَّةً يمتنعون به من القتل والسبي، وهي الأيمان المذكورة في سورة براءة، وهو حلفهم بالله [ما قالوا، وحلفهم]: ﴿إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦].
قال الضحاك: هي حلفهم بالله إنهم لمنكم.
* *
ومعنى ﴿جُنَّةً﴾ سُتْرة يستترون بها كما يستتر [المستجن] بِجُنَّتِه في الحرب، فامتنعوا بأيمانهم من القتل والسَّبْيِ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾.
أي: فمنعوا أنفسهم ومن اتبعهم من الناس عن الإيمان.
* *
- ﴿إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾.
أي: بئس عملهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾.
أي: ذلك الحلف والنفاق من أجل أنهم آمنوا بألسنتهم ثم كفروا بقلوبهم، فختم الله على قلوبهم، ﴿فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ﴾ صواباً من خطأ، ولا حقاً من باطل لغلبة الهوى عليهم.
وأعلمنا الله جل ذكره في هذه الآية (أن) النفاق كُفْرٌ، بقوله: ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾.
العامل في "(إذا)" من قوله [﴿إِذَا جَآءَكَ﴾] و ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ﴾ وشِبْهِه: الفعلُ الذي بعدهما. وفيهما معنى المجازاة، للإبهام الذي فيهما، وإذا كان فيهما معنى المجازاة لم يضافا إلى ما بعدهما. وإذا لم يضافا فأحسنُ أن يعمل ما بعدهما فيهما، إلا أنه لا يُختار أن يُجْزَما للتوقيت الذي فيهما. ففارقا به معنى حروف الشرط من وجه، فقبح العمل في اللفظ، وحسن العمل في المعنى دون اللفظ للإبهام الذي فيهما، فإن قدرتهما مضافين إلى ما بعدهما، لم يعمل فيهما ولا عملاً فيه في لفظ ولا معنى.
والمعنى: وإذا رأيت - يا محمد - هؤلاء المنافقين تعجبك أجسامهم لاستواء خلقها وحسن صورتها ﴿وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ كما تسمع كلام غيرهم من أهل الإيمان فتظنه حقاً.
* *
- ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ﴾.
أي لا خير عندهم ولا علم، إنما هم صور وأشباح [بلا فهم] ولا علم ولا عقل.
* *
ثم قال: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾.
(أي) يظنون - من جبنهم وسوء ظنهم - كل صيحة يسمعونها أنها عليهم. وقيل: المعنى: يحسبون كل صائح يصيح أنه يقصدهم، لأنهم (على) وجل من إظهار الله (ما أخفوا) من من النفاق فيهتك سترهم ويبيح للمؤمنين قتلهم وسبي [ذراريهم] وأخذ أموالهم، فهم من خوفهم كلما نزل وحي على النبي ظنوا أنه في أمرهم وفي هلاكهم وعطبهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ﴾.
أي: هم الأعداء لك - يا محمد - (وللمؤمنين)، فاحذرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿[قَاتَلَهُمُ] ٱللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾.
أي: عاقبهم الله فأهلكهم فصاروا بمنزلة من قتل، من أين يصـ(ـرفو)ن عن الحق بعد ظهور البراهين والحجج.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ﴾.
أي: وإذا قال المؤمنون لهؤلاء المنافقين: تعالوا إلى رسول الله [يستغفر لكم الله]، تولوا وأعرضوا وحركوا رؤوسهم وهزوها استهزاءً برسول الله وباستغفاره ﴿وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾.
ومن شدد ﴿لَوَّوْاْ﴾ فمعناه أنهم [كرروا] هز رؤوسهم وتحريكها. وهذه الآيات - فيما رُوي - نزلت في عبد الله بن أُبيّ بن سلول المنافق. وذلك أنه قال لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا (وقال): لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فسمع ذلك زيد بن أرقم فأخبر به النبي ﷺ (فدعاه النبي فسأله) عن ذلك فحلف ما قاله. فقيل له: لو أتـ(ـيت) النبي ﷺ فسألته أن يستغفر لك. فجعل يلوي رأسه ويحركه استهزاءً. يعني بذلك أنه غير فاعل ما قالوا له. ففيه نزلت هذه السورة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ﴾.
[أي] مُسْتَوٍ الاستغفار منك - يا محمد - لهم وتركه، لأن الله لا يغفر لهم؛ لأنهم على كفرهم مقيمون، وإنما المغفرة للمؤمنين.
(وكان النبي) ﷺ قد استغفر لهم لأنهم أظهروا له الإسلام.
* *
- ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾.
أي: لا يوفق القوم الذين خرجوا عن طاعته.
"قال ابن عباس: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ الآية: نزلت بعد الآية (التي) في "براءة"، قوله: ﴿أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية، فقال النبي ﷺ: "سوف أستغفر لهم زيادة على سبعين، فأنزل الله هنا ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ الآية" فلم يبق للاستغفار لهم وجه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ﴾.
هذا قول [عبد] الله بن أُبَيْ لأصحابه المنافقين، [قال (لأصحابه]: لا تنفقوا على المهاجرين حتى ﴿يَنفَضُّواْ﴾: يتفرقوا عن محمد.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾.
(أي): جميع ما فيهما، وبيده مفاتيح خزائن كل شيء، لا يعطي أحد أحداً شيئاً إلا بإذنه، ولا يمنع أحد أحداً شيئاً إلا بإذنه.
* *
ثم قال: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ﴾.
(أي: لا يفقهون) أن كل شيء بيد الله وتحت قدرته. فلذلك يقولون هذا.
* *
- ثم قال: ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ﴾.
أي: يقول هؤلاء المنافقون: لئن رجعنا إلى مدينتنا ليخرجن منها العزيز [الذليل].
وحكى الفراء: "لَيَخْرُجَنَّ [الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ]" [بنصب] "الأذل" على الحال وفتح الياء وضم [الراء من "ليخرجن"]، وهو بعيد.
وقد أجاز يونس: مررت به [المسكين] بالنصب على الحال.
(وحكى سيبويه: دخلوا الأَوَّلَ فالأَوَّلَ، بالنصب على الحال)، وهذه أشياء شاذة لا يقاس عليها القرآن.
* *
- ثم قال: ﴿وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
أي: ولله العزة والشدة ولرسوله والمؤمنين.
* *
﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾.
(أي): لا يعلمون ذلك.
روي أن عبد الله بن عبد (الله) بن أُبيِّ كان من المؤمنين حقاً، وأنه لما [أُتِيَ] بأبيه إلى النبي ﷺ، فوبخه على ما بلغه، فأنكر ذلك عبد الله وحلف، قال له ولده (عبد الله): [والله، لا تمر] حتى تقول: إنك الأذل، وإن رسول الله الأعز. فلم يمر حتى قالها.
وروي أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، بَلَغَنِي أَنَّكَ تُرِيدُ قَتْلَ عَبْدِ اللهِ أَبي فِيمَا بَلَغَكَ عَنْهُ، فَإِنْ كُنْتَ فَاعِلاً فَمُرْنِي، فَأَنَا أَحْمِلُ لَكَ رَأْسَهُ. فَوَاللهِ، لَقَدْ عَلِمَتِ الخَزْرَجُ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ رَجُلٍ أَبَرَّ بِوَالِدِهِ مِنِّي، وَأَنَا أَخْشَى أَنْ تَأْمُرَ بِهِ غَيْرِي فَيَقْتُلَهُ فَلاَ تَدَعُنِي نَفْسِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى قَاتِلِ أَبِي يَمْشِي فِي النَّاسِ فَأَقْتُلَهُ فَأَقْتُلَ مُؤْمِناً بِكَافِرٍ فَأَدْخُلَ النَّارَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولَ اللهِ: نَرْفُقُ بِهِ وَنُحْسِنُ صُحْبَتَهُ مَا بَقِيَ مَعَنَا. [ثُمَّ كَانَ] بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَحْدَثَ حَدَثاً عاقَبَهُ عَلَيْهِ قَوْمُهُ. وَكَانَ عُمَرُ قَدْ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ (فِي قَتْلِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ) - لمَّا تَوَلَّى قَوْمُهُ عُقُوبَتَهُ - كَيْفَ تَرَى يَا عُمَرُ؟! أَمَا وَاللهِ لَوْ قَتَلْتُهُ يَوْمَ أَمَرْتَني بِقَتْلِهِ [لأَرْعَدَتْ لَهُ] آنُفٌ لَوْ أَمَرْتُها اليَوْمَ بِقَتْلِهِ لَقَتَلَتْهُ. فَقَالَ عُمَرُ: وَاللهِ، قَدْ عَلِمْتُ لأَمْرُ رَسُولِ اللهِ أَعْظَمُ بَرَكَةً مِنْ أَمْرِي
ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾.
قال عطاء والضحاك: ﴿عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾: عن الصلوات الخمس.
أي: لا يشغلكم اللهو [بها] والمحبة لها، والاشتغال عن الصلوات المفروضات.
وقيل: هو عام، ووقع النهي في الظاهر على الأموال والأولاد. وهو في المعنى واقع على المخاطبين، دلّ على ذلك قوله: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾ وهو كثير في القرآن.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾.
أي ومن يشغله (ماله وولده عما فرض الله عليه من الصلوات وعن ذكر الله فأولئك هم ([المغبونون] حظوظهم من كرامة) الله ورحمته.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾.
أي: وتصدقوا أيها المؤمنون (مما رزقناكم)، وأنفقوا في سبيل الله [مما] خَوّلَكم الله من أموالكم من قبل أن تموتوا، فيقول أحدكم: يا رب، هلا أخرتني ورددتني إلى الدنيا وقتاً قريباً فأتصدق وأكن من الصالحين. فيسأل الرجعة حين لا رجعة.
(وقيل: المعنى: هلا مددت لي في العمر فأتصدق وأكن من الصالحين)، وقيل: [معنى] ﴿وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أحج بيتك الحرام.
قال ابن عباس: ما من أحد يموت ولم يؤد الزكاة ولم يحج إلا سأل الكرة، ثم قرأ هذه الآية. قال: فقوله: [﴿فَأَصَّدَّقَ﴾] أي: أؤدي الزكاة، وقوله: ﴿وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾: أحج.
قال الضحاك: هو المؤمن ينزل به الموت وله مال كثير لم يزكه ولم يحج منه ولم يعط منه حق الله، يسأل الرجعة عند الموت (ليزكي) ماله.
- قال تعالى: ﴿وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْساً إِذَا جَآءَ أَجَلُهَآ﴾.
أي: لا يؤخر الله في أجل أحد فيمد له [فيه] إذا حضر أجله.
وعن ابن عباس: ﴿وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾: أؤدي الفرائض، [وأجتنب] الحرام. والتقدير في العربية: "وأكون صالحا من الصالحين".
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
أي: ذو خبر وعلم بأعمال خلقه، محيط بها فمجازيهم عليها.
المنافقون 63:10
قوله تعالى: ﴿إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ﴾. إلى آخر السورة.
أي: إذا جاءك - يا محمد - المنافقون فأقروا أنك رسول الله، فالله يعلم أنك لرسوله، ولكن الله يشهد أن المنافقين لكاذبون في ما أظهروا إليك من الإقرار، لأن باطنهم على خلاف ما أظهروا. وأعيد ذكر الله ثانية ولم يضمر للتفخيم والتعظيم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱتَّخَذُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ (جُنَّةً)﴾.
أي: جعلوا ما أظهروا من الإيمان جُنَّةً يمتنعون به من القتل والسبي، وهي الأيمان المذكورة في سورة براءة، وهو حلفهم بالله [ما قالوا، وحلفهم]: ﴿إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦].
قال الضحاك: هي حلفهم بالله إنهم لمنكم.
* *
ومعنى ﴿جُنَّةً﴾ سُتْرة يستترون بها كما يستتر [المستجن] بِجُنَّتِه في الحرب، فامتنعوا بأيمانهم من القتل والسَّبْيِ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾.
أي: فمنعوا أنفسهم ومن اتبعهم من الناس عن الإيمان.
* *
- ﴿إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾.
أي: بئس عملهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾.
أي: ذلك الحلف والنفاق من أجل أنهم آمنوا بألسنتهم ثم كفروا بقلوبهم، فختم الله على قلوبهم، ﴿فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ﴾ صواباً من خطأ، ولا حقاً من باطل لغلبة الهوى عليهم.
وأعلمنا الله جل ذكره في هذه الآية (أن) النفاق كُفْرٌ، بقوله: ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾.
العامل في "(إذا)" من قوله [﴿إِذَا جَآءَكَ﴾] و ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ﴾ وشِبْهِه: الفعلُ الذي بعدهما. وفيهما معنى المجازاة، للإبهام الذي فيهما، وإذا كان فيهما معنى المجازاة لم يضافا إلى ما بعدهما. وإذا لم يضافا فأحسنُ أن يعمل ما بعدهما فيهما، إلا أنه لا يُختار أن يُجْزَما للتوقيت الذي فيهما. ففارقا به معنى حروف الشرط من وجه، فقبح العمل في اللفظ، وحسن العمل في المعنى دون اللفظ للإبهام الذي فيهما، فإن قدرتهما مضافين إلى ما بعدهما، لم يعمل فيهما ولا عملاً فيه في لفظ ولا معنى.
والمعنى: وإذا رأيت - يا محمد - هؤلاء المنافقين تعجبك أجسامهم لاستواء خلقها وحسن صورتها ﴿وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ كما تسمع كلام غيرهم من أهل الإيمان فتظنه حقاً.
* *
- ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ﴾.
أي لا خير عندهم ولا علم، إنما هم صور وأشباح [بلا فهم] ولا علم ولا عقل.
* *
ثم قال: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾.
(أي) يظنون - من جبنهم وسوء ظنهم - كل صيحة يسمعونها أنها عليهم. وقيل: المعنى: يحسبون كل صائح يصيح أنه يقصدهم، لأنهم (على) وجل من إظهار الله (ما أخفوا) من من النفاق فيهتك سترهم ويبيح للمؤمنين قتلهم وسبي [ذراريهم] وأخذ أموالهم، فهم من خوفهم كلما نزل وحي على النبي ظنوا أنه في أمرهم وفي هلاكهم وعطبهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ﴾.
أي: هم الأعداء لك - يا محمد - (وللمؤمنين)، فاحذرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿[قَاتَلَهُمُ] ٱللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾.
أي: عاقبهم الله فأهلكهم فصاروا بمنزلة من قتل، من أين يصـ(ـرفو)ن عن الحق بعد ظهور البراهين والحجج.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ﴾.
أي: وإذا قال المؤمنون لهؤلاء المنافقين: تعالوا إلى رسول الله [يستغفر لكم الله]، تولوا وأعرضوا وحركوا رؤوسهم وهزوها استهزاءً برسول الله وباستغفاره ﴿وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾.
ومن شدد ﴿لَوَّوْاْ﴾ فمعناه أنهم [كرروا] هز رؤوسهم وتحريكها. وهذه الآيات - فيما رُوي - نزلت في عبد الله بن أُبيّ بن سلول المنافق. وذلك أنه قال لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا (وقال): لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فسمع ذلك زيد بن أرقم فأخبر به النبي ﷺ (فدعاه النبي فسأله) عن ذلك فحلف ما قاله. فقيل له: لو أتـ(ـيت) النبي ﷺ فسألته أن يستغفر لك. فجعل يلوي رأسه ويحركه استهزاءً. يعني بذلك أنه غير فاعل ما قالوا له. ففيه نزلت هذه السورة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ﴾.
[أي] مُسْتَوٍ الاستغفار منك - يا محمد - لهم وتركه، لأن الله لا يغفر لهم؛ لأنهم على كفرهم مقيمون، وإنما المغفرة للمؤمنين.
(وكان النبي) ﷺ قد استغفر لهم لأنهم أظهروا له الإسلام.
* *
- ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾.
أي: لا يوفق القوم الذين خرجوا عن طاعته.
"قال ابن عباس: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ الآية: نزلت بعد الآية (التي) في "براءة"، قوله: ﴿أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية، فقال النبي ﷺ: "سوف أستغفر لهم زيادة على سبعين، فأنزل الله هنا ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ الآية" فلم يبق للاستغفار لهم وجه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ﴾.
هذا قول [عبد] الله بن أُبَيْ لأصحابه المنافقين، [قال (لأصحابه]: لا تنفقوا على المهاجرين حتى ﴿يَنفَضُّواْ﴾: يتفرقوا عن محمد.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾.
(أي): جميع ما فيهما، وبيده مفاتيح خزائن كل شيء، لا يعطي أحد أحداً شيئاً إلا بإذنه، ولا يمنع أحد أحداً شيئاً إلا بإذنه.
* *
ثم قال: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ﴾.
(أي: لا يفقهون) أن كل شيء بيد الله وتحت قدرته. فلذلك يقولون هذا.
* *
- ثم قال: ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ﴾.
أي: يقول هؤلاء المنافقون: لئن رجعنا إلى مدينتنا ليخرجن منها العزيز [الذليل].
وحكى الفراء: "لَيَخْرُجَنَّ [الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ]" [بنصب] "الأذل" على الحال وفتح الياء وضم [الراء من "ليخرجن"]، وهو بعيد.
وقد أجاز يونس: مررت به [المسكين] بالنصب على الحال.
(وحكى سيبويه: دخلوا الأَوَّلَ فالأَوَّلَ، بالنصب على الحال)، وهذه أشياء شاذة لا يقاس عليها القرآن.
* *
- ثم قال: ﴿وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
أي: ولله العزة والشدة ولرسوله والمؤمنين.
* *
﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾.
(أي): لا يعلمون ذلك.
روي أن عبد الله بن عبد (الله) بن أُبيِّ كان من المؤمنين حقاً، وأنه لما [أُتِيَ] بأبيه إلى النبي ﷺ، فوبخه على ما بلغه، فأنكر ذلك عبد الله وحلف، قال له ولده (عبد الله): [والله، لا تمر] حتى تقول: إنك الأذل، وإن رسول الله الأعز. فلم يمر حتى قالها.
وروي أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، بَلَغَنِي أَنَّكَ تُرِيدُ قَتْلَ عَبْدِ اللهِ أَبي فِيمَا بَلَغَكَ عَنْهُ، فَإِنْ كُنْتَ فَاعِلاً فَمُرْنِي، فَأَنَا أَحْمِلُ لَكَ رَأْسَهُ. فَوَاللهِ، لَقَدْ عَلِمَتِ الخَزْرَجُ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ رَجُلٍ أَبَرَّ بِوَالِدِهِ مِنِّي، وَأَنَا أَخْشَى أَنْ تَأْمُرَ بِهِ غَيْرِي فَيَقْتُلَهُ فَلاَ تَدَعُنِي نَفْسِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى قَاتِلِ أَبِي يَمْشِي فِي النَّاسِ فَأَقْتُلَهُ فَأَقْتُلَ مُؤْمِناً بِكَافِرٍ فَأَدْخُلَ النَّارَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولَ اللهِ: نَرْفُقُ بِهِ وَنُحْسِنُ صُحْبَتَهُ مَا بَقِيَ مَعَنَا. [ثُمَّ كَانَ] بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَحْدَثَ حَدَثاً عاقَبَهُ عَلَيْهِ قَوْمُهُ. وَكَانَ عُمَرُ قَدْ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ (فِي قَتْلِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ) - لمَّا تَوَلَّى قَوْمُهُ عُقُوبَتَهُ - كَيْفَ تَرَى يَا عُمَرُ؟! أَمَا وَاللهِ لَوْ قَتَلْتُهُ يَوْمَ أَمَرْتَني بِقَتْلِهِ [لأَرْعَدَتْ لَهُ] آنُفٌ لَوْ أَمَرْتُها اليَوْمَ بِقَتْلِهِ لَقَتَلَتْهُ. فَقَالَ عُمَرُ: وَاللهِ، قَدْ عَلِمْتُ لأَمْرُ رَسُولِ اللهِ أَعْظَمُ بَرَكَةً مِنْ أَمْرِي
ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾.
قال عطاء والضحاك: ﴿عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾: عن الصلوات الخمس.
أي: لا يشغلكم اللهو [بها] والمحبة لها، والاشتغال عن الصلوات المفروضات.
وقيل: هو عام، ووقع النهي في الظاهر على الأموال والأولاد. وهو في المعنى واقع على المخاطبين، دلّ على ذلك قوله: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾ وهو كثير في القرآن.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾.
أي ومن يشغله (ماله وولده عما فرض الله عليه من الصلوات وعن ذكر الله فأولئك هم ([المغبونون] حظوظهم من كرامة) الله ورحمته.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾.
أي: وتصدقوا أيها المؤمنون (مما رزقناكم)، وأنفقوا في سبيل الله [مما] خَوّلَكم الله من أموالكم من قبل أن تموتوا، فيقول أحدكم: يا رب، هلا أخرتني ورددتني إلى الدنيا وقتاً قريباً فأتصدق وأكن من الصالحين. فيسأل الرجعة حين لا رجعة.
(وقيل: المعنى: هلا مددت لي في العمر فأتصدق وأكن من الصالحين)، وقيل: [معنى] ﴿وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أحج بيتك الحرام.
قال ابن عباس: ما من أحد يموت ولم يؤد الزكاة ولم يحج إلا سأل الكرة، ثم قرأ هذه الآية. قال: فقوله: [﴿فَأَصَّدَّقَ﴾] أي: أؤدي الزكاة، وقوله: ﴿وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾: أحج.
قال الضحاك: هو المؤمن ينزل به الموت وله مال كثير لم يزكه ولم يحج منه ولم يعط منه حق الله، يسأل الرجعة عند الموت (ليزكي) ماله.
- قال تعالى: ﴿وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْساً إِذَا جَآءَ أَجَلُهَآ﴾.
أي: لا يؤخر الله في أجل أحد فيمد له [فيه] إذا حضر أجله.
وعن ابن عباس: ﴿وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾: أؤدي الفرائض، [وأجتنب] الحرام. والتقدير في العربية: "وأكون صالحا من الصالحين".
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
أي: ذو خبر وعلم بأعمال خلقه، محيط بها فمجازيهم عليها.
المنافقون 63:11
قوله تعالى: ﴿إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ﴾. إلى آخر السورة.
أي: إذا جاءك - يا محمد - المنافقون فأقروا أنك رسول الله، فالله يعلم أنك لرسوله، ولكن الله يشهد أن المنافقين لكاذبون في ما أظهروا إليك من الإقرار، لأن باطنهم على خلاف ما أظهروا. وأعيد ذكر الله ثانية ولم يضمر للتفخيم والتعظيم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱتَّخَذُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ (جُنَّةً)﴾.
أي: جعلوا ما أظهروا من الإيمان جُنَّةً يمتنعون به من القتل والسبي، وهي الأيمان المذكورة في سورة براءة، وهو حلفهم بالله [ما قالوا، وحلفهم]: ﴿إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦].
قال الضحاك: هي حلفهم بالله إنهم لمنكم.
* *
ومعنى ﴿جُنَّةً﴾ سُتْرة يستترون بها كما يستتر [المستجن] بِجُنَّتِه في الحرب، فامتنعوا بأيمانهم من القتل والسَّبْيِ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾.
أي: فمنعوا أنفسهم ومن اتبعهم من الناس عن الإيمان.
* *
- ﴿إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾.
أي: بئس عملهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾.
أي: ذلك الحلف والنفاق من أجل أنهم آمنوا بألسنتهم ثم كفروا بقلوبهم، فختم الله على قلوبهم، ﴿فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ﴾ صواباً من خطأ، ولا حقاً من باطل لغلبة الهوى عليهم.
وأعلمنا الله جل ذكره في هذه الآية (أن) النفاق كُفْرٌ، بقوله: ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾.
العامل في "(إذا)" من قوله [﴿إِذَا جَآءَكَ﴾] و ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ﴾ وشِبْهِه: الفعلُ الذي بعدهما. وفيهما معنى المجازاة، للإبهام الذي فيهما، وإذا كان فيهما معنى المجازاة لم يضافا إلى ما بعدهما. وإذا لم يضافا فأحسنُ أن يعمل ما بعدهما فيهما، إلا أنه لا يُختار أن يُجْزَما للتوقيت الذي فيهما. ففارقا به معنى حروف الشرط من وجه، فقبح العمل في اللفظ، وحسن العمل في المعنى دون اللفظ للإبهام الذي فيهما، فإن قدرتهما مضافين إلى ما بعدهما، لم يعمل فيهما ولا عملاً فيه في لفظ ولا معنى.
والمعنى: وإذا رأيت - يا محمد - هؤلاء المنافقين تعجبك أجسامهم لاستواء خلقها وحسن صورتها ﴿وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ كما تسمع كلام غيرهم من أهل الإيمان فتظنه حقاً.
* *
- ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ﴾.
أي لا خير عندهم ولا علم، إنما هم صور وأشباح [بلا فهم] ولا علم ولا عقل.
* *
ثم قال: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾.
(أي) يظنون - من جبنهم وسوء ظنهم - كل صيحة يسمعونها أنها عليهم. وقيل: المعنى: يحسبون كل صائح يصيح أنه يقصدهم، لأنهم (على) وجل من إظهار الله (ما أخفوا) من من النفاق فيهتك سترهم ويبيح للمؤمنين قتلهم وسبي [ذراريهم] وأخذ أموالهم، فهم من خوفهم كلما نزل وحي على النبي ظنوا أنه في أمرهم وفي هلاكهم وعطبهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ﴾.
أي: هم الأعداء لك - يا محمد - (وللمؤمنين)، فاحذرهم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿[قَاتَلَهُمُ] ٱللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾.
أي: عاقبهم الله فأهلكهم فصاروا بمنزلة من قتل، من أين يصـ(ـرفو)ن عن الحق بعد ظهور البراهين والحجج.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ﴾.
أي: وإذا قال المؤمنون لهؤلاء المنافقين: تعالوا إلى رسول الله [يستغفر لكم الله]، تولوا وأعرضوا وحركوا رؤوسهم وهزوها استهزاءً برسول الله وباستغفاره ﴿وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾.
ومن شدد ﴿لَوَّوْاْ﴾ فمعناه أنهم [كرروا] هز رؤوسهم وتحريكها. وهذه الآيات - فيما رُوي - نزلت في عبد الله بن أُبيّ بن سلول المنافق. وذلك أنه قال لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا (وقال): لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فسمع ذلك زيد بن أرقم فأخبر به النبي ﷺ (فدعاه النبي فسأله) عن ذلك فحلف ما قاله. فقيل له: لو أتـ(ـيت) النبي ﷺ فسألته أن يستغفر لك. فجعل يلوي رأسه ويحركه استهزاءً. يعني بذلك أنه غير فاعل ما قالوا له. ففيه نزلت هذه السورة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ﴾.
[أي] مُسْتَوٍ الاستغفار منك - يا محمد - لهم وتركه، لأن الله لا يغفر لهم؛ لأنهم على كفرهم مقيمون، وإنما المغفرة للمؤمنين.
(وكان النبي) ﷺ قد استغفر لهم لأنهم أظهروا له الإسلام.
* *
- ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾.
أي: لا يوفق القوم الذين خرجوا عن طاعته.
"قال ابن عباس: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ الآية: نزلت بعد الآية (التي) في "براءة"، قوله: ﴿أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية، فقال النبي ﷺ: "سوف أستغفر لهم زيادة على سبعين، فأنزل الله هنا ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ الآية" فلم يبق للاستغفار لهم وجه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ﴾.
هذا قول [عبد] الله بن أُبَيْ لأصحابه المنافقين، [قال (لأصحابه]: لا تنفقوا على المهاجرين حتى ﴿يَنفَضُّواْ﴾: يتفرقوا عن محمد.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾.
(أي): جميع ما فيهما، وبيده مفاتيح خزائن كل شيء، لا يعطي أحد أحداً شيئاً إلا بإذنه، ولا يمنع أحد أحداً شيئاً إلا بإذنه.
* *
ثم قال: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ﴾.
(أي: لا يفقهون) أن كل شيء بيد الله وتحت قدرته. فلذلك يقولون هذا.
* *
- ثم قال: ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ﴾.
أي: يقول هؤلاء المنافقون: لئن رجعنا إلى مدينتنا ليخرجن منها العزيز [الذليل].
وحكى الفراء: "لَيَخْرُجَنَّ [الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ]" [بنصب] "الأذل" على الحال وفتح الياء وضم [الراء من "ليخرجن"]، وهو بعيد.
وقد أجاز يونس: مررت به [المسكين] بالنصب على الحال.
(وحكى سيبويه: دخلوا الأَوَّلَ فالأَوَّلَ، بالنصب على الحال)، وهذه أشياء شاذة لا يقاس عليها القرآن.
* *
- ثم قال: ﴿وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
أي: ولله العزة والشدة ولرسوله والمؤمنين.
* *
﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾.
(أي): لا يعلمون ذلك.
روي أن عبد الله بن عبد (الله) بن أُبيِّ كان من المؤمنين حقاً، وأنه لما [أُتِيَ] بأبيه إلى النبي ﷺ، فوبخه على ما بلغه، فأنكر ذلك عبد الله وحلف، قال له ولده (عبد الله): [والله، لا تمر] حتى تقول: إنك الأذل، وإن رسول الله الأعز. فلم يمر حتى قالها.
وروي أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، بَلَغَنِي أَنَّكَ تُرِيدُ قَتْلَ عَبْدِ اللهِ أَبي فِيمَا بَلَغَكَ عَنْهُ، فَإِنْ كُنْتَ فَاعِلاً فَمُرْنِي، فَأَنَا أَحْمِلُ لَكَ رَأْسَهُ. فَوَاللهِ، لَقَدْ عَلِمَتِ الخَزْرَجُ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ رَجُلٍ أَبَرَّ بِوَالِدِهِ مِنِّي، وَأَنَا أَخْشَى أَنْ تَأْمُرَ بِهِ غَيْرِي فَيَقْتُلَهُ فَلاَ تَدَعُنِي نَفْسِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى قَاتِلِ أَبِي يَمْشِي فِي النَّاسِ فَأَقْتُلَهُ فَأَقْتُلَ مُؤْمِناً بِكَافِرٍ فَأَدْخُلَ النَّارَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولَ اللهِ: نَرْفُقُ بِهِ وَنُحْسِنُ صُحْبَتَهُ مَا بَقِيَ مَعَنَا. [ثُمَّ كَانَ] بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَحْدَثَ حَدَثاً عاقَبَهُ عَلَيْهِ قَوْمُهُ. وَكَانَ عُمَرُ قَدْ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ (فِي قَتْلِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ) - لمَّا تَوَلَّى قَوْمُهُ عُقُوبَتَهُ - كَيْفَ تَرَى يَا عُمَرُ؟! أَمَا وَاللهِ لَوْ قَتَلْتُهُ يَوْمَ أَمَرْتَني بِقَتْلِهِ [لأَرْعَدَتْ لَهُ] آنُفٌ لَوْ أَمَرْتُها اليَوْمَ بِقَتْلِهِ لَقَتَلَتْهُ. فَقَالَ عُمَرُ: وَاللهِ، قَدْ عَلِمْتُ لأَمْرُ رَسُولِ اللهِ أَعْظَمُ بَرَكَةً مِنْ أَمْرِي
ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾.
قال عطاء والضحاك: ﴿عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾: عن الصلوات الخمس.
أي: لا يشغلكم اللهو [بها] والمحبة لها، والاشتغال عن الصلوات المفروضات.
وقيل: هو عام، ووقع النهي في الظاهر على الأموال والأولاد. وهو في المعنى واقع على المخاطبين، دلّ على ذلك قوله: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾ وهو كثير في القرآن.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾.
أي ومن يشغله (ماله وولده عما فرض الله عليه من الصلوات وعن ذكر الله فأولئك هم ([المغبونون] حظوظهم من كرامة) الله ورحمته.
* *
- ثم قال: ﴿وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾.
أي: وتصدقوا أيها المؤمنون (مما رزقناكم)، وأنفقوا في سبيل الله [مما] خَوّلَكم الله من أموالكم من قبل أن تموتوا، فيقول أحدكم: يا رب، هلا أخرتني ورددتني إلى الدنيا وقتاً قريباً فأتصدق وأكن من الصالحين. فيسأل الرجعة حين لا رجعة.
(وقيل: المعنى: هلا مددت لي في العمر فأتصدق وأكن من الصالحين)، وقيل: [معنى] ﴿وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أحج بيتك الحرام.
قال ابن عباس: ما من أحد يموت ولم يؤد الزكاة ولم يحج إلا سأل الكرة، ثم قرأ هذه الآية. قال: فقوله: [﴿فَأَصَّدَّقَ﴾] أي: أؤدي الزكاة، وقوله: ﴿وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾: أحج.
قال الضحاك: هو المؤمن ينزل به الموت وله مال كثير لم يزكه ولم يحج منه ولم يعط منه حق الله، يسأل الرجعة عند الموت (ليزكي) ماله.
- قال تعالى: ﴿وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْساً إِذَا جَآءَ أَجَلُهَآ﴾.
أي: لا يؤخر الله في أجل أحد فيمد له [فيه] إذا حضر أجله.
وعن ابن عباس: ﴿وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾: أؤدي الفرائض، [وأجتنب] الحرام. والتقدير في العربية: "وأكون صالحا من الصالحين".
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
أي: ذو خبر وعلم بأعمال خلقه، محيط بها فمجازيهم عليها.
التغابن 64:1
[قوله تعالى]: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَ[مَا فِي] ٱلأَرْضِ...﴾ إلى آخر السورة.
معناه: يصلي لله ويسجد جميع من في السماوات السبع والأرض من الخلق طوعا وكرها "ويسبح": للحال.
- وقيل: معناه [ينزه الله] ويُبَرِّئُهُ من السوء كل من في السماوات والأرض.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ﴾
أي: له ملك السماوات والأرض وسلطان ذلك، وله حمد [ما] فيهما من الخلق.
* *
- ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
أي: ذو قدرة على كل شيء، يفعل ما يريد، لا يُعْجِزُهُ شيء أراده.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ﴾
[أي: خلقكم على علمه فيكم من قبل أن يخلقكم، فمنكم من كفر، ومنكم من آمن على ما سبق من علمه بكم]، أي: الله الذي خلقكم - أيها الناس - فمنكم من يكفر بخالقه ويجحده، ومنكم من يُؤْمِنُ بخالقه ويُقِرُّ بِهِ.
* *
- ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
أي: والله الذي خلقكم بصير بأعمالكم، لا يخفى عليه منها شيء، فيجازيكم بها، فاتقوه فيما أمركم به وما نهاكم عنه.
وعن أبي ذر أنه قال: إن المني إذا مكث في الرحم أربعين ليلة أتى مَلَكُ النفوس فعرج به إلى الجبار في راحته فقال: يا رب عبدك: ذكر أو أنثى؟ فيقضي الله جل ثناؤه ما هو قاض. ثم يقول: أي رب، شقي أو سعيد؟ فيكتب ما هو [لاَقٍ].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ (وَصَوَّرَكُمْ) فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ...ُ﴾.
أي: خلق السماوات والأرض بالعدل [والإنصاف] ومثّلكم فأحسن تمثيلكم.
وروي أنه [عنى] به تصوير آدم وخلقه إياه.
(وقال ابن عباس: يعني آدَمَ، خلقه بيده.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِير﴾.
أي: المرجع يوم القيامة).
* *
- ثم قال: ﴿(يَعْلَمُ) مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾
أي: يعلم كل ما في السماوات السبع والأرض من شيء لا تخفى عليه من ذلك خافية، ويعلم ما يُسِرُّ الخلق من قول وعمل وما يعلنون من ذلك.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾.
أي: ذو علم بضمائر صدور العباد وما تنطوي عليه نفوسهم وهذا: (كله) تحذير من الله جل ذكره (لعباده أن يسروا غير الذي يعلنون).
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ (ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ)﴾.
(هو خطاب لقريش أي: ألم يأتكم خبر الذين كفروا من قبلكم كقوم (نوح) وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط كفروا ﴿فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾)، أي: فمسهم عقاب الله إياهم على كفرهم فتخافوا أنتم أن يحل بكم على كفركم مثل ما حلّ بهم.
* *
- ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
أي: ولهم بعد ما نزل بهم في الدنيا من العذاب عذاب آخر موجع في الآخرة، وهو عذاب في النار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَقَالُوۤاْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ﴾
أي: ذلك (الذي) [نالهم] على كفرهم والذي أعد لهم ربهم من العذاب من أجل أنه ﴿كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾: الآيات الواضحات على حقيقة ما تدعوهم إليه. فيقولون: ﴿[أَبَشَرٌ] يَهْدُونَنَا﴾ استكباراً منهم أن يكون رسل الله (إليهم) بشر مثلهم. وَأَتَى "يَهْدونَنَا" بلفظ الجمع وقَبْلَهُ "بَشَرٌ"، "مُوَحَّد"، لأنه حُمِلَ على المعنى، لأنه عند بعضهم اسْمٌ للجمع.
وحكى [المازني] أن النحويين أجازوا أن يقال: [جاءني] ثلاثة نفر وثلاثة رهط، لأن نفراً ورهطاً لأقل العدد، [وما دون العشرة يضاف لأَقَلِ العدد، فلما وقع موقعه وهو مثْلُه لأقل العدد] جاز، و "بشر" للعدد الكثير، و "قوم" للقليل والكثير، فلما خالف ما يضاف إليه ما دون العشرة (لم يضف إليه كما لا [يضاف] ما دون العشرة) إلى أكثر العدد.
وقال المبرد: إنما لم يضف ما دون العشرة إلى "بشر"، لأنه يقع للواحد والجمع، وما دون العشرة لا يضاف إلى الواحد. هذا معنى قولهما. واستدل على أن "بشرا" يقع للواحد [بقول] الله ﴿مَا هَـٰذَا بَشَراً﴾ [يوسف: ٣١] ثم قال: ﴿فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ...﴾
(أي): فجحدوا رسالات ربهم، وأدبروا عن الإيمان برسلهم ﴿وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ...﴾ عن إيمانهم إذ [لا يزيد] في ملكه إيمانهم، ولا ينقص منه كفرهم.
* *
﴿وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.
أي: ﴿غَنِيٌّ﴾ عن جميع خلقه، محمود عند جميعهم، إذ ما يهم من نعمة فمنه وبفضله.
* *
ثم قال: ﴿زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ﴾
أي: زعم الكفار من قريش أنهم لا يبعثون من قبورهم بعد مماتهم. وقد كره مجاهد وغيره أن يقول الرجل: زعم فلان. "وزعم" عند النحويين على ضربين:
تكون بمعنى قال، وبمعنى تَخَرَّصَ وَتَقَوَّلَ.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾
أي: قل لهم يا محمد مجاوباً [لنفيهم] البعث: بلى وربي، لتبعثن من قبوركم يوم القيامة، ثم لَتُخْبَرُنَّ بما عملتم في الدنيا، ثم [تجازون] على أعمالكم.
* *
﴿وَذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾.
أي: سهل هين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلنّورِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلْنَا﴾
أي: فصدقوا بالله أيها المشركون (به)، وصدقوا برسوله وبالقرآن الذي أنزل عليه ربما فيه من إخبار الله إياكم بالبعث والجزاء والجنة والنار وغير ذلك.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
أي: ذو خبر وعلم بأعمالكم، لا يخفى عليه منها شيء، وهو مجازيكم على جميعها.
* *
﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ﴾
[العامل] في: "يَوْمَ يجْمَعُكُمْ": ["خَبِيرٌ"] والمعنى: والله ذو خبر بأعمالكم يجازيكم عليها في يوم يجمعكم ليوم جمع الخلائق كلهم، ذلك يوم يَغْبَنُ فيه أهلُ الجنة أهلَ النار.
قال مجاهد: (يَوْمَ القيامة يَوْمٌ يَغْبَنُ فيه أهلُ الجنة أهلَ النار).
قال ابن عباس: (غَبَنَ أهلُ الجنة أهلَ النار).
وقيل: العامل في "يوم"... لتنبؤن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾
أي: ومن يصدّق بالله وبما أنزل ويعمل في دنياه عملاً صالحاً نكفر عنه ما مضى من سيئاته ونمحها عنه ونسترها عليه وندخله في الآخرة بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار خالدين فيها أبداً لا يموتون ولا يخرجون منها.
* *
- ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾.
أي: ذلك [النجاء] العظيم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَآ (أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ)﴾.
أي: والذين جحدوا توحيد الله وكذبوا بأدلته تعالى وجحدوا كتابه، أولئك أصحاب النار هم فيها ماكثون أبداً لا يموتون ولا يخرجون منها.
* *
﴿وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾.
أي: وبئس الشيء الذي يصار إليه نارُ جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ (وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾.
أي: لم تصب أحداً من الخلق مصيبة إلا بقضاء الله وتقديره ذلك عليه.
وقال الفراء: معناه: إلا بأمر الله).
قال علقمة: هو الرجل تصيبه [المصيبة] فيعلم أنها من قبل الله فيسلم لها ويرضى عن الله، فذلك قوله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، أي: ومن يصدق بالله وبتوحيده يَهْدِ قلبه إلى الإيمان ويُوَفِّقُهُ إلى الطريق المستقيم، فيعلم أنه لا تصيبه إلا بإذن الله فيسلم لأمر (الله) ويرضى بقضائه.
قال ابن عباس: يهدي قلبه لليقين فيعلم أن كُلاًّ من عند الله، وما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
وقيل: يهدي قلبه إلى التسليم لأمر الله إذا أصيب وإلى الشكر إذا أنعم عليه وإلى الغفران إذا ظلم .
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ فَإِن تَولَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ﴾.
أي: أطيعوا الله في أمره ونهيه والإيمان به وبرسوله وأطيعوا رسوله، فإن أعرضتم عن الإيمان بذلك فليس على محمد إلا أن يبلغكم ما أرسل [به] إليكم بلاغا ظاهراً، والمحاسبةُ والمجازاةُ على الله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾.
أي: الله معبودكم، لا معبود تصلح العبادة إلا له، وعلى الله فليتوكل المصدقون بوحدانيته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ..﴾ الآية.
روي أن هذه الآية نزلت في قوم أرادوا الإسلام والهجرة، وأسلموا في بلدانهم وأرادوا الهجرة فثبطهم عن ذلك أزواجهم وأولادهم وأبوا أن يَدَعُوهُمْ يخرجون، ثم هاجروا بعد ذلك بأهليهم وأولادهم. فلما قدموا المدينة، وجدوا الناس قد فقهوا وتعلموا القرآن، فَهَمُّوا [عقوبة] أزواجهم وأولادهم، فأنزل الله هذه الآية. ولذلك قال: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. فاعلموا أن من الأزواج والأولاد من هو عدو، ولا عَدُوَّ أَعْظَمُ ممن مَنَعَ من الهجرة. هذا معنى قول ابن عباس.
فكان الرجل يضرب أهله إذا ثبطوه عن الهجرة، وَيُقْسِمُ ليفعلن بهم وليعاقبنهم على ذلك، فقال الله: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. قال عطاء: نزلت [هذه الثلاث آيات] (في عوف بن مالك الأشجعي، كان ذا أهل وولد، فكان إذا أراد الغزو [بكوا] إليه ووقفوه، وقالوا: إلى من تدعنا؟ فَيَرِقُّ ويقيم فنزلت هذه الآيات (فيه)).
قال قتادة: من الأزواج والأولاد من لا يأمر بطاعة الله، ولا ينهي عن معصيته.
وكبرت تلك عداوة للمرء أن يكون صاحبه (لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر).
وأكثر المفسرين على أنهن نزلن في من كان [يسلم] ويمنعه أهله وولده من الهجرة. وهو قول الضحاك (وابن زيد).
* *
ثم قال: ﴿إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ [وَأَوْلاَدُكُمْ] فِتْنَةٌ﴾
أي: بلاء عليكم في الدنيا.
وروي أن النبي ﷺ رأى الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، وهو يخطب، فنزل رسول الله ﷺ، أخذهما فرفعهما ووضعهما في حجره ثم قال: صدق الله ﴿إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ رأيت هذين فلم أصبر، ثم أخذ في خطبته
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
أي: ثواب عظيم إذا أنتم خالفتم الأزواج والأولاد في طاعة الله.
قال قتادة: ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: الجنة.
* *
ثم قال: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾
هذا نزل بعد قوله تعالى: ﴿ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] تخفيفاً عن الخلق، فقيل: إن هذا ناسخ لذلك، وقيل: "هو تخفيف، ولا بد من التقى. ومعنى ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يطاع فلا يعصى.
وكانوا يبايعون النبي ﷺ على السمع والطاعة، فيقول: فيما استطعتم.
قال ابن مسعود ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ﴾
أي: اسمعوا لرسول الله وأطيعوه فيما أمركم به ونهاكم عنه.
* *
- ﴿وَأَنْفِقُواْ خَيْراً لأَنفُسِكُمْ﴾
أي: أنفقوا مالاً لأنفسكم، فالخير هنا مفعول لِ "أَنفقوا"، والخير: المال، كما قال: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] يعني: المال.
وقيل: "خَيْرَاً" هنا بمعنى: أفعل، أي: وأنفقوا في سبيل الله يكن خيرا لكم.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.
أي: ومن يقه الله شح نفسه. وذلك اتباع هواها فيما نهى الله عنه.
قال ابن عباس: "شُحَّ نَفْسِهِ": "هوى نفسه...".
قال ابن مسعود: "هو أن يَعْمَدَ إلى مال غيره فيأكله".
وقال سفيان بن عيينة: هو الظلم، وليس هو البخل.
* *
﴿فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.
أي: هم الباقون في النعيم المقيم.
قال الحسن: نظرك إلى المرأة لا تملكها من الشح.
وقال ابن عباس: ليس الشح أن يمنع الإنسان ماله، إنما الشح أن [تطمح] عين الرجل إلى ما ليس له.
قال ابن مسعود: إنما الشح الذي ذكر الله تعالى أن يأكل الرجل مال أخيه، وحَبْسُ المال [عن] الصدقة هو البخل.
وقال طاوس: إنما الشح أن تشحّ على ما في [أيدي] الناس.
[قال علي: من أدى زكاته فقد وُقِي شح نفسه].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِن تُقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ (وَيَغْفِرْ لَكُمْ)﴾.
أي: إن تنفقوا في سبيل الله في الدنيا احتساباً للأجر والثواب يُضَاعِف أَجْرَ ذلك لَكُمْ رَبُّكُمْ من واحد إلى سبعمائة ضعف إلى أكثر ويستر عليكم ذنوبكم مع تضعيفه لنفقاتكم.
* *
﴿وَٱللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾.
أي: ذو شكر لأهل الإنفاق في سبيله، حليم عن أهل معاصيه، يترك معاجلتهم بعقوبته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾.
أي: هو عالم ما غاب عن الأبصار وما ظهر في السماوات والأرضين، وهو الشديد في انتقامه ممن كفر به، الحكيم في تدبيره خلقه.
التغابن 64:2
[قوله تعالى]: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَ[مَا فِي] ٱلأَرْضِ...﴾ إلى آخر السورة.
معناه: يصلي لله ويسجد جميع من في السماوات السبع والأرض من الخلق طوعا وكرها "ويسبح": للحال.
- وقيل: معناه [ينزه الله] ويُبَرِّئُهُ من السوء كل من في السماوات والأرض.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ﴾
أي: له ملك السماوات والأرض وسلطان ذلك، وله حمد [ما] فيهما من الخلق.
* *
- ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
أي: ذو قدرة على كل شيء، يفعل ما يريد، لا يُعْجِزُهُ شيء أراده.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ﴾
[أي: خلقكم على علمه فيكم من قبل أن يخلقكم، فمنكم من كفر، ومنكم من آمن على ما سبق من علمه بكم]، أي: الله الذي خلقكم - أيها الناس - فمنكم من يكفر بخالقه ويجحده، ومنكم من يُؤْمِنُ بخالقه ويُقِرُّ بِهِ.
* *
- ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
أي: والله الذي خلقكم بصير بأعمالكم، لا يخفى عليه منها شيء، فيجازيكم بها، فاتقوه فيما أمركم به وما نهاكم عنه.
وعن أبي ذر أنه قال: إن المني إذا مكث في الرحم أربعين ليلة أتى مَلَكُ النفوس فعرج به إلى الجبار في راحته فقال: يا رب عبدك: ذكر أو أنثى؟ فيقضي الله جل ثناؤه ما هو قاض. ثم يقول: أي رب، شقي أو سعيد؟ فيكتب ما هو [لاَقٍ].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ (وَصَوَّرَكُمْ) فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ...ُ﴾.
أي: خلق السماوات والأرض بالعدل [والإنصاف] ومثّلكم فأحسن تمثيلكم.
وروي أنه [عنى] به تصوير آدم وخلقه إياه.
(وقال ابن عباس: يعني آدَمَ، خلقه بيده.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِير﴾.
أي: المرجع يوم القيامة).
* *
- ثم قال: ﴿(يَعْلَمُ) مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾
أي: يعلم كل ما في السماوات السبع والأرض من شيء لا تخفى عليه من ذلك خافية، ويعلم ما يُسِرُّ الخلق من قول وعمل وما يعلنون من ذلك.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾.
أي: ذو علم بضمائر صدور العباد وما تنطوي عليه نفوسهم وهذا: (كله) تحذير من الله جل ذكره (لعباده أن يسروا غير الذي يعلنون).
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ (ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ)﴾.
(هو خطاب لقريش أي: ألم يأتكم خبر الذين كفروا من قبلكم كقوم (نوح) وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط كفروا ﴿فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾)، أي: فمسهم عقاب الله إياهم على كفرهم فتخافوا أنتم أن يحل بكم على كفركم مثل ما حلّ بهم.
* *
- ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
أي: ولهم بعد ما نزل بهم في الدنيا من العذاب عذاب آخر موجع في الآخرة، وهو عذاب في النار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَقَالُوۤاْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ﴾
أي: ذلك (الذي) [نالهم] على كفرهم والذي أعد لهم ربهم من العذاب من أجل أنه ﴿كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾: الآيات الواضحات على حقيقة ما تدعوهم إليه. فيقولون: ﴿[أَبَشَرٌ] يَهْدُونَنَا﴾ استكباراً منهم أن يكون رسل الله (إليهم) بشر مثلهم. وَأَتَى "يَهْدونَنَا" بلفظ الجمع وقَبْلَهُ "بَشَرٌ"، "مُوَحَّد"، لأنه حُمِلَ على المعنى، لأنه عند بعضهم اسْمٌ للجمع.
وحكى [المازني] أن النحويين أجازوا أن يقال: [جاءني] ثلاثة نفر وثلاثة رهط، لأن نفراً ورهطاً لأقل العدد، [وما دون العشرة يضاف لأَقَلِ العدد، فلما وقع موقعه وهو مثْلُه لأقل العدد] جاز، و "بشر" للعدد الكثير، و "قوم" للقليل والكثير، فلما خالف ما يضاف إليه ما دون العشرة (لم يضف إليه كما لا [يضاف] ما دون العشرة) إلى أكثر العدد.
وقال المبرد: إنما لم يضف ما دون العشرة إلى "بشر"، لأنه يقع للواحد والجمع، وما دون العشرة لا يضاف إلى الواحد. هذا معنى قولهما. واستدل على أن "بشرا" يقع للواحد [بقول] الله ﴿مَا هَـٰذَا بَشَراً﴾ [يوسف: ٣١] ثم قال: ﴿فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ...﴾
(أي): فجحدوا رسالات ربهم، وأدبروا عن الإيمان برسلهم ﴿وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ...﴾ عن إيمانهم إذ [لا يزيد] في ملكه إيمانهم، ولا ينقص منه كفرهم.
* *
﴿وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.
أي: ﴿غَنِيٌّ﴾ عن جميع خلقه، محمود عند جميعهم، إذ ما يهم من نعمة فمنه وبفضله.
* *
ثم قال: ﴿زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ﴾
أي: زعم الكفار من قريش أنهم لا يبعثون من قبورهم بعد مماتهم. وقد كره مجاهد وغيره أن يقول الرجل: زعم فلان. "وزعم" عند النحويين على ضربين:
تكون بمعنى قال، وبمعنى تَخَرَّصَ وَتَقَوَّلَ.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾
أي: قل لهم يا محمد مجاوباً [لنفيهم] البعث: بلى وربي، لتبعثن من قبوركم يوم القيامة، ثم لَتُخْبَرُنَّ بما عملتم في الدنيا، ثم [تجازون] على أعمالكم.
* *
﴿وَذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾.
أي: سهل هين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلنّورِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلْنَا﴾
أي: فصدقوا بالله أيها المشركون (به)، وصدقوا برسوله وبالقرآن الذي أنزل عليه ربما فيه من إخبار الله إياكم بالبعث والجزاء والجنة والنار وغير ذلك.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
أي: ذو خبر وعلم بأعمالكم، لا يخفى عليه منها شيء، وهو مجازيكم على جميعها.
* *
﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ﴾
[العامل] في: "يَوْمَ يجْمَعُكُمْ": ["خَبِيرٌ"] والمعنى: والله ذو خبر بأعمالكم يجازيكم عليها في يوم يجمعكم ليوم جمع الخلائق كلهم، ذلك يوم يَغْبَنُ فيه أهلُ الجنة أهلَ النار.
قال مجاهد: (يَوْمَ القيامة يَوْمٌ يَغْبَنُ فيه أهلُ الجنة أهلَ النار).
قال ابن عباس: (غَبَنَ أهلُ الجنة أهلَ النار).
وقيل: العامل في "يوم"... لتنبؤن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾
أي: ومن يصدّق بالله وبما أنزل ويعمل في دنياه عملاً صالحاً نكفر عنه ما مضى من سيئاته ونمحها عنه ونسترها عليه وندخله في الآخرة بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار خالدين فيها أبداً لا يموتون ولا يخرجون منها.
* *
- ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾.
أي: ذلك [النجاء] العظيم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَآ (أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ)﴾.
أي: والذين جحدوا توحيد الله وكذبوا بأدلته تعالى وجحدوا كتابه، أولئك أصحاب النار هم فيها ماكثون أبداً لا يموتون ولا يخرجون منها.
* *
﴿وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾.
أي: وبئس الشيء الذي يصار إليه نارُ جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ (وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾.
أي: لم تصب أحداً من الخلق مصيبة إلا بقضاء الله وتقديره ذلك عليه.
وقال الفراء: معناه: إلا بأمر الله).
قال علقمة: هو الرجل تصيبه [المصيبة] فيعلم أنها من قبل الله فيسلم لها ويرضى عن الله، فذلك قوله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، أي: ومن يصدق بالله وبتوحيده يَهْدِ قلبه إلى الإيمان ويُوَفِّقُهُ إلى الطريق المستقيم، فيعلم أنه لا تصيبه إلا بإذن الله فيسلم لأمر (الله) ويرضى بقضائه.
قال ابن عباس: يهدي قلبه لليقين فيعلم أن كُلاًّ من عند الله، وما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
وقيل: يهدي قلبه إلى التسليم لأمر الله إذا أصيب وإلى الشكر إذا أنعم عليه وإلى الغفران إذا ظلم .
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ فَإِن تَولَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ﴾.
أي: أطيعوا الله في أمره ونهيه والإيمان به وبرسوله وأطيعوا رسوله، فإن أعرضتم عن الإيمان بذلك فليس على محمد إلا أن يبلغكم ما أرسل [به] إليكم بلاغا ظاهراً، والمحاسبةُ والمجازاةُ على الله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾.
أي: الله معبودكم، لا معبود تصلح العبادة إلا له، وعلى الله فليتوكل المصدقون بوحدانيته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ..﴾ الآية.
روي أن هذه الآية نزلت في قوم أرادوا الإسلام والهجرة، وأسلموا في بلدانهم وأرادوا الهجرة فثبطهم عن ذلك أزواجهم وأولادهم وأبوا أن يَدَعُوهُمْ يخرجون، ثم هاجروا بعد ذلك بأهليهم وأولادهم. فلما قدموا المدينة، وجدوا الناس قد فقهوا وتعلموا القرآن، فَهَمُّوا [عقوبة] أزواجهم وأولادهم، فأنزل الله هذه الآية. ولذلك قال: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. فاعلموا أن من الأزواج والأولاد من هو عدو، ولا عَدُوَّ أَعْظَمُ ممن مَنَعَ من الهجرة. هذا معنى قول ابن عباس.
فكان الرجل يضرب أهله إذا ثبطوه عن الهجرة، وَيُقْسِمُ ليفعلن بهم وليعاقبنهم على ذلك، فقال الله: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. قال عطاء: نزلت [هذه الثلاث آيات] (في عوف بن مالك الأشجعي، كان ذا أهل وولد، فكان إذا أراد الغزو [بكوا] إليه ووقفوه، وقالوا: إلى من تدعنا؟ فَيَرِقُّ ويقيم فنزلت هذه الآيات (فيه)).
قال قتادة: من الأزواج والأولاد من لا يأمر بطاعة الله، ولا ينهي عن معصيته.
وكبرت تلك عداوة للمرء أن يكون صاحبه (لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر).
وأكثر المفسرين على أنهن نزلن في من كان [يسلم] ويمنعه أهله وولده من الهجرة. وهو قول الضحاك (وابن زيد).
* *
ثم قال: ﴿إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ [وَأَوْلاَدُكُمْ] فِتْنَةٌ﴾
أي: بلاء عليكم في الدنيا.
وروي أن النبي ﷺ رأى الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، وهو يخطب، فنزل رسول الله ﷺ، أخذهما فرفعهما ووضعهما في حجره ثم قال: صدق الله ﴿إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ رأيت هذين فلم أصبر، ثم أخذ في خطبته
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
أي: ثواب عظيم إذا أنتم خالفتم الأزواج والأولاد في طاعة الله.
قال قتادة: ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: الجنة.
* *
ثم قال: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾
هذا نزل بعد قوله تعالى: ﴿ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] تخفيفاً عن الخلق، فقيل: إن هذا ناسخ لذلك، وقيل: "هو تخفيف، ولا بد من التقى. ومعنى ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يطاع فلا يعصى.
وكانوا يبايعون النبي ﷺ على السمع والطاعة، فيقول: فيما استطعتم.
قال ابن مسعود ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ﴾
أي: اسمعوا لرسول الله وأطيعوه فيما أمركم به ونهاكم عنه.
* *
- ﴿وَأَنْفِقُواْ خَيْراً لأَنفُسِكُمْ﴾
أي: أنفقوا مالاً لأنفسكم، فالخير هنا مفعول لِ "أَنفقوا"، والخير: المال، كما قال: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] يعني: المال.
وقيل: "خَيْرَاً" هنا بمعنى: أفعل، أي: وأنفقوا في سبيل الله يكن خيرا لكم.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.
أي: ومن يقه الله شح نفسه. وذلك اتباع هواها فيما نهى الله عنه.
قال ابن عباس: "شُحَّ نَفْسِهِ": "هوى نفسه...".
قال ابن مسعود: "هو أن يَعْمَدَ إلى مال غيره فيأكله".
وقال سفيان بن عيينة: هو الظلم، وليس هو البخل.
* *
﴿فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.
أي: هم الباقون في النعيم المقيم.
قال الحسن: نظرك إلى المرأة لا تملكها من الشح.
وقال ابن عباس: ليس الشح أن يمنع الإنسان ماله، إنما الشح أن [تطمح] عين الرجل إلى ما ليس له.
قال ابن مسعود: إنما الشح الذي ذكر الله تعالى أن يأكل الرجل مال أخيه، وحَبْسُ المال [عن] الصدقة هو البخل.
وقال طاوس: إنما الشح أن تشحّ على ما في [أيدي] الناس.
[قال علي: من أدى زكاته فقد وُقِي شح نفسه].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِن تُقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ (وَيَغْفِرْ لَكُمْ)﴾.
أي: إن تنفقوا في سبيل الله في الدنيا احتساباً للأجر والثواب يُضَاعِف أَجْرَ ذلك لَكُمْ رَبُّكُمْ من واحد إلى سبعمائة ضعف إلى أكثر ويستر عليكم ذنوبكم مع تضعيفه لنفقاتكم.
* *
﴿وَٱللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾.
أي: ذو شكر لأهل الإنفاق في سبيله، حليم عن أهل معاصيه، يترك معاجلتهم بعقوبته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾.
أي: هو عالم ما غاب عن الأبصار وما ظهر في السماوات والأرضين، وهو الشديد في انتقامه ممن كفر به، الحكيم في تدبيره خلقه.
التغابن 64:3
[قوله تعالى]: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَ[مَا فِي] ٱلأَرْضِ...﴾ إلى آخر السورة.
معناه: يصلي لله ويسجد جميع من في السماوات السبع والأرض من الخلق طوعا وكرها "ويسبح": للحال.
- وقيل: معناه [ينزه الله] ويُبَرِّئُهُ من السوء كل من في السماوات والأرض.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ﴾
أي: له ملك السماوات والأرض وسلطان ذلك، وله حمد [ما] فيهما من الخلق.
* *
- ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
أي: ذو قدرة على كل شيء، يفعل ما يريد، لا يُعْجِزُهُ شيء أراده.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ﴾
[أي: خلقكم على علمه فيكم من قبل أن يخلقكم، فمنكم من كفر، ومنكم من آمن على ما سبق من علمه بكم]، أي: الله الذي خلقكم - أيها الناس - فمنكم من يكفر بخالقه ويجحده، ومنكم من يُؤْمِنُ بخالقه ويُقِرُّ بِهِ.
* *
- ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
أي: والله الذي خلقكم بصير بأعمالكم، لا يخفى عليه منها شيء، فيجازيكم بها، فاتقوه فيما أمركم به وما نهاكم عنه.
وعن أبي ذر أنه قال: إن المني إذا مكث في الرحم أربعين ليلة أتى مَلَكُ النفوس فعرج به إلى الجبار في راحته فقال: يا رب عبدك: ذكر أو أنثى؟ فيقضي الله جل ثناؤه ما هو قاض. ثم يقول: أي رب، شقي أو سعيد؟ فيكتب ما هو [لاَقٍ].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ (وَصَوَّرَكُمْ) فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ...ُ﴾.
أي: خلق السماوات والأرض بالعدل [والإنصاف] ومثّلكم فأحسن تمثيلكم.
وروي أنه [عنى] به تصوير آدم وخلقه إياه.
(وقال ابن عباس: يعني آدَمَ، خلقه بيده.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِير﴾.
أي: المرجع يوم القيامة).
* *
- ثم قال: ﴿(يَعْلَمُ) مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾
أي: يعلم كل ما في السماوات السبع والأرض من شيء لا تخفى عليه من ذلك خافية، ويعلم ما يُسِرُّ الخلق من قول وعمل وما يعلنون من ذلك.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾.
أي: ذو علم بضمائر صدور العباد وما تنطوي عليه نفوسهم وهذا: (كله) تحذير من الله جل ذكره (لعباده أن يسروا غير الذي يعلنون).
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ (ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ)﴾.
(هو خطاب لقريش أي: ألم يأتكم خبر الذين كفروا من قبلكم كقوم (نوح) وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط كفروا ﴿فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾)، أي: فمسهم عقاب الله إياهم على كفرهم فتخافوا أنتم أن يحل بكم على كفركم مثل ما حلّ بهم.
* *
- ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
أي: ولهم بعد ما نزل بهم في الدنيا من العذاب عذاب آخر موجع في الآخرة، وهو عذاب في النار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَقَالُوۤاْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ﴾
أي: ذلك (الذي) [نالهم] على كفرهم والذي أعد لهم ربهم من العذاب من أجل أنه ﴿كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾: الآيات الواضحات على حقيقة ما تدعوهم إليه. فيقولون: ﴿[أَبَشَرٌ] يَهْدُونَنَا﴾ استكباراً منهم أن يكون رسل الله (إليهم) بشر مثلهم. وَأَتَى "يَهْدونَنَا" بلفظ الجمع وقَبْلَهُ "بَشَرٌ"، "مُوَحَّد"، لأنه حُمِلَ على المعنى، لأنه عند بعضهم اسْمٌ للجمع.
وحكى [المازني] أن النحويين أجازوا أن يقال: [جاءني] ثلاثة نفر وثلاثة رهط، لأن نفراً ورهطاً لأقل العدد، [وما دون العشرة يضاف لأَقَلِ العدد، فلما وقع موقعه وهو مثْلُه لأقل العدد] جاز، و "بشر" للعدد الكثير، و "قوم" للقليل والكثير، فلما خالف ما يضاف إليه ما دون العشرة (لم يضف إليه كما لا [يضاف] ما دون العشرة) إلى أكثر العدد.
وقال المبرد: إنما لم يضف ما دون العشرة إلى "بشر"، لأنه يقع للواحد والجمع، وما دون العشرة لا يضاف إلى الواحد. هذا معنى قولهما. واستدل على أن "بشرا" يقع للواحد [بقول] الله ﴿مَا هَـٰذَا بَشَراً﴾ [يوسف: ٣١] ثم قال: ﴿فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ...﴾
(أي): فجحدوا رسالات ربهم، وأدبروا عن الإيمان برسلهم ﴿وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ...﴾ عن إيمانهم إذ [لا يزيد] في ملكه إيمانهم، ولا ينقص منه كفرهم.
* *
﴿وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.
أي: ﴿غَنِيٌّ﴾ عن جميع خلقه، محمود عند جميعهم، إذ ما يهم من نعمة فمنه وبفضله.
* *
ثم قال: ﴿زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ﴾
أي: زعم الكفار من قريش أنهم لا يبعثون من قبورهم بعد مماتهم. وقد كره مجاهد وغيره أن يقول الرجل: زعم فلان. "وزعم" عند النحويين على ضربين:
تكون بمعنى قال، وبمعنى تَخَرَّصَ وَتَقَوَّلَ.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾
أي: قل لهم يا محمد مجاوباً [لنفيهم] البعث: بلى وربي، لتبعثن من قبوركم يوم القيامة، ثم لَتُخْبَرُنَّ بما عملتم في الدنيا، ثم [تجازون] على أعمالكم.
* *
﴿وَذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾.
أي: سهل هين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلنّورِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلْنَا﴾
أي: فصدقوا بالله أيها المشركون (به)، وصدقوا برسوله وبالقرآن الذي أنزل عليه ربما فيه من إخبار الله إياكم بالبعث والجزاء والجنة والنار وغير ذلك.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
أي: ذو خبر وعلم بأعمالكم، لا يخفى عليه منها شيء، وهو مجازيكم على جميعها.
* *
﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ﴾
[العامل] في: "يَوْمَ يجْمَعُكُمْ": ["خَبِيرٌ"] والمعنى: والله ذو خبر بأعمالكم يجازيكم عليها في يوم يجمعكم ليوم جمع الخلائق كلهم، ذلك يوم يَغْبَنُ فيه أهلُ الجنة أهلَ النار.
قال مجاهد: (يَوْمَ القيامة يَوْمٌ يَغْبَنُ فيه أهلُ الجنة أهلَ النار).
قال ابن عباس: (غَبَنَ أهلُ الجنة أهلَ النار).
وقيل: العامل في "يوم"... لتنبؤن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾
أي: ومن يصدّق بالله وبما أنزل ويعمل في دنياه عملاً صالحاً نكفر عنه ما مضى من سيئاته ونمحها عنه ونسترها عليه وندخله في الآخرة بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار خالدين فيها أبداً لا يموتون ولا يخرجون منها.
* *
- ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾.
أي: ذلك [النجاء] العظيم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَآ (أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ)﴾.
أي: والذين جحدوا توحيد الله وكذبوا بأدلته تعالى وجحدوا كتابه، أولئك أصحاب النار هم فيها ماكثون أبداً لا يموتون ولا يخرجون منها.
* *
﴿وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾.
أي: وبئس الشيء الذي يصار إليه نارُ جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ (وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾.
أي: لم تصب أحداً من الخلق مصيبة إلا بقضاء الله وتقديره ذلك عليه.
وقال الفراء: معناه: إلا بأمر الله).
قال علقمة: هو الرجل تصيبه [المصيبة] فيعلم أنها من قبل الله فيسلم لها ويرضى عن الله، فذلك قوله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، أي: ومن يصدق بالله وبتوحيده يَهْدِ قلبه إلى الإيمان ويُوَفِّقُهُ إلى الطريق المستقيم، فيعلم أنه لا تصيبه إلا بإذن الله فيسلم لأمر (الله) ويرضى بقضائه.
قال ابن عباس: يهدي قلبه لليقين فيعلم أن كُلاًّ من عند الله، وما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
وقيل: يهدي قلبه إلى التسليم لأمر الله إذا أصيب وإلى الشكر إذا أنعم عليه وإلى الغفران إذا ظلم .
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ فَإِن تَولَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ﴾.
أي: أطيعوا الله في أمره ونهيه والإيمان به وبرسوله وأطيعوا رسوله، فإن أعرضتم عن الإيمان بذلك فليس على محمد إلا أن يبلغكم ما أرسل [به] إليكم بلاغا ظاهراً، والمحاسبةُ والمجازاةُ على الله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾.
أي: الله معبودكم، لا معبود تصلح العبادة إلا له، وعلى الله فليتوكل المصدقون بوحدانيته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ..﴾ الآية.
روي أن هذه الآية نزلت في قوم أرادوا الإسلام والهجرة، وأسلموا في بلدانهم وأرادوا الهجرة فثبطهم عن ذلك أزواجهم وأولادهم وأبوا أن يَدَعُوهُمْ يخرجون، ثم هاجروا بعد ذلك بأهليهم وأولادهم. فلما قدموا المدينة، وجدوا الناس قد فقهوا وتعلموا القرآن، فَهَمُّوا [عقوبة] أزواجهم وأولادهم، فأنزل الله هذه الآية. ولذلك قال: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. فاعلموا أن من الأزواج والأولاد من هو عدو، ولا عَدُوَّ أَعْظَمُ ممن مَنَعَ من الهجرة. هذا معنى قول ابن عباس.
فكان الرجل يضرب أهله إذا ثبطوه عن الهجرة، وَيُقْسِمُ ليفعلن بهم وليعاقبنهم على ذلك، فقال الله: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. قال عطاء: نزلت [هذه الثلاث آيات] (في عوف بن مالك الأشجعي، كان ذا أهل وولد، فكان إذا أراد الغزو [بكوا] إليه ووقفوه، وقالوا: إلى من تدعنا؟ فَيَرِقُّ ويقيم فنزلت هذه الآيات (فيه)).
قال قتادة: من الأزواج والأولاد من لا يأمر بطاعة الله، ولا ينهي عن معصيته.
وكبرت تلك عداوة للمرء أن يكون صاحبه (لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر).
وأكثر المفسرين على أنهن نزلن في من كان [يسلم] ويمنعه أهله وولده من الهجرة. وهو قول الضحاك (وابن زيد).
* *
ثم قال: ﴿إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ [وَأَوْلاَدُكُمْ] فِتْنَةٌ﴾
أي: بلاء عليكم في الدنيا.
وروي أن النبي ﷺ رأى الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، وهو يخطب، فنزل رسول الله ﷺ، أخذهما فرفعهما ووضعهما في حجره ثم قال: صدق الله ﴿إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ رأيت هذين فلم أصبر، ثم أخذ في خطبته
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
أي: ثواب عظيم إذا أنتم خالفتم الأزواج والأولاد في طاعة الله.
قال قتادة: ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: الجنة.
* *
ثم قال: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾
هذا نزل بعد قوله تعالى: ﴿ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] تخفيفاً عن الخلق، فقيل: إن هذا ناسخ لذلك، وقيل: "هو تخفيف، ولا بد من التقى. ومعنى ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يطاع فلا يعصى.
وكانوا يبايعون النبي ﷺ على السمع والطاعة، فيقول: فيما استطعتم.
قال ابن مسعود ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ﴾
أي: اسمعوا لرسول الله وأطيعوه فيما أمركم به ونهاكم عنه.
* *
- ﴿وَأَنْفِقُواْ خَيْراً لأَنفُسِكُمْ﴾
أي: أنفقوا مالاً لأنفسكم، فالخير هنا مفعول لِ "أَنفقوا"، والخير: المال، كما قال: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] يعني: المال.
وقيل: "خَيْرَاً" هنا بمعنى: أفعل، أي: وأنفقوا في سبيل الله يكن خيرا لكم.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.
أي: ومن يقه الله شح نفسه. وذلك اتباع هواها فيما نهى الله عنه.
قال ابن عباس: "شُحَّ نَفْسِهِ": "هوى نفسه...".
قال ابن مسعود: "هو أن يَعْمَدَ إلى مال غيره فيأكله".
وقال سفيان بن عيينة: هو الظلم، وليس هو البخل.
* *
﴿فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.
أي: هم الباقون في النعيم المقيم.
قال الحسن: نظرك إلى المرأة لا تملكها من الشح.
وقال ابن عباس: ليس الشح أن يمنع الإنسان ماله، إنما الشح أن [تطمح] عين الرجل إلى ما ليس له.
قال ابن مسعود: إنما الشح الذي ذكر الله تعالى أن يأكل الرجل مال أخيه، وحَبْسُ المال [عن] الصدقة هو البخل.
وقال طاوس: إنما الشح أن تشحّ على ما في [أيدي] الناس.
[قال علي: من أدى زكاته فقد وُقِي شح نفسه].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِن تُقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ (وَيَغْفِرْ لَكُمْ)﴾.
أي: إن تنفقوا في سبيل الله في الدنيا احتساباً للأجر والثواب يُضَاعِف أَجْرَ ذلك لَكُمْ رَبُّكُمْ من واحد إلى سبعمائة ضعف إلى أكثر ويستر عليكم ذنوبكم مع تضعيفه لنفقاتكم.
* *
﴿وَٱللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾.
أي: ذو شكر لأهل الإنفاق في سبيله، حليم عن أهل معاصيه، يترك معاجلتهم بعقوبته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾.
أي: هو عالم ما غاب عن الأبصار وما ظهر في السماوات والأرضين، وهو الشديد في انتقامه ممن كفر به، الحكيم في تدبيره خلقه.
التغابن 64:4
[قوله تعالى]: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَ[مَا فِي] ٱلأَرْضِ...﴾ إلى آخر السورة.
معناه: يصلي لله ويسجد جميع من في السماوات السبع والأرض من الخلق طوعا وكرها "ويسبح": للحال.
- وقيل: معناه [ينزه الله] ويُبَرِّئُهُ من السوء كل من في السماوات والأرض.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ﴾
أي: له ملك السماوات والأرض وسلطان ذلك، وله حمد [ما] فيهما من الخلق.
* *
- ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
أي: ذو قدرة على كل شيء، يفعل ما يريد، لا يُعْجِزُهُ شيء أراده.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ﴾
[أي: خلقكم على علمه فيكم من قبل أن يخلقكم، فمنكم من كفر، ومنكم من آمن على ما سبق من علمه بكم]، أي: الله الذي خلقكم - أيها الناس - فمنكم من يكفر بخالقه ويجحده، ومنكم من يُؤْمِنُ بخالقه ويُقِرُّ بِهِ.
* *
- ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
أي: والله الذي خلقكم بصير بأعمالكم، لا يخفى عليه منها شيء، فيجازيكم بها، فاتقوه فيما أمركم به وما نهاكم عنه.
وعن أبي ذر أنه قال: إن المني إذا مكث في الرحم أربعين ليلة أتى مَلَكُ النفوس فعرج به إلى الجبار في راحته فقال: يا رب عبدك: ذكر أو أنثى؟ فيقضي الله جل ثناؤه ما هو قاض. ثم يقول: أي رب، شقي أو سعيد؟ فيكتب ما هو [لاَقٍ].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ (وَصَوَّرَكُمْ) فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ...ُ﴾.
أي: خلق السماوات والأرض بالعدل [والإنصاف] ومثّلكم فأحسن تمثيلكم.
وروي أنه [عنى] به تصوير آدم وخلقه إياه.
(وقال ابن عباس: يعني آدَمَ، خلقه بيده.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِير﴾.
أي: المرجع يوم القيامة).
* *
- ثم قال: ﴿(يَعْلَمُ) مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾
أي: يعلم كل ما في السماوات السبع والأرض من شيء لا تخفى عليه من ذلك خافية، ويعلم ما يُسِرُّ الخلق من قول وعمل وما يعلنون من ذلك.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾.
أي: ذو علم بضمائر صدور العباد وما تنطوي عليه نفوسهم وهذا: (كله) تحذير من الله جل ذكره (لعباده أن يسروا غير الذي يعلنون).
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ (ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ)﴾.
(هو خطاب لقريش أي: ألم يأتكم خبر الذين كفروا من قبلكم كقوم (نوح) وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط كفروا ﴿فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾)، أي: فمسهم عقاب الله إياهم على كفرهم فتخافوا أنتم أن يحل بكم على كفركم مثل ما حلّ بهم.
* *
- ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
أي: ولهم بعد ما نزل بهم في الدنيا من العذاب عذاب آخر موجع في الآخرة، وهو عذاب في النار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَقَالُوۤاْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ﴾
أي: ذلك (الذي) [نالهم] على كفرهم والذي أعد لهم ربهم من العذاب من أجل أنه ﴿كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾: الآيات الواضحات على حقيقة ما تدعوهم إليه. فيقولون: ﴿[أَبَشَرٌ] يَهْدُونَنَا﴾ استكباراً منهم أن يكون رسل الله (إليهم) بشر مثلهم. وَأَتَى "يَهْدونَنَا" بلفظ الجمع وقَبْلَهُ "بَشَرٌ"، "مُوَحَّد"، لأنه حُمِلَ على المعنى، لأنه عند بعضهم اسْمٌ للجمع.
وحكى [المازني] أن النحويين أجازوا أن يقال: [جاءني] ثلاثة نفر وثلاثة رهط، لأن نفراً ورهطاً لأقل العدد، [وما دون العشرة يضاف لأَقَلِ العدد، فلما وقع موقعه وهو مثْلُه لأقل العدد] جاز، و "بشر" للعدد الكثير، و "قوم" للقليل والكثير، فلما خالف ما يضاف إليه ما دون العشرة (لم يضف إليه كما لا [يضاف] ما دون العشرة) إلى أكثر العدد.
وقال المبرد: إنما لم يضف ما دون العشرة إلى "بشر"، لأنه يقع للواحد والجمع، وما دون العشرة لا يضاف إلى الواحد. هذا معنى قولهما. واستدل على أن "بشرا" يقع للواحد [بقول] الله ﴿مَا هَـٰذَا بَشَراً﴾ [يوسف: ٣١] ثم قال: ﴿فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ...﴾
(أي): فجحدوا رسالات ربهم، وأدبروا عن الإيمان برسلهم ﴿وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ...﴾ عن إيمانهم إذ [لا يزيد] في ملكه إيمانهم، ولا ينقص منه كفرهم.
* *
﴿وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.
أي: ﴿غَنِيٌّ﴾ عن جميع خلقه، محمود عند جميعهم، إذ ما يهم من نعمة فمنه وبفضله.
* *
ثم قال: ﴿زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ﴾
أي: زعم الكفار من قريش أنهم لا يبعثون من قبورهم بعد مماتهم. وقد كره مجاهد وغيره أن يقول الرجل: زعم فلان. "وزعم" عند النحويين على ضربين:
تكون بمعنى قال، وبمعنى تَخَرَّصَ وَتَقَوَّلَ.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾
أي: قل لهم يا محمد مجاوباً [لنفيهم] البعث: بلى وربي، لتبعثن من قبوركم يوم القيامة، ثم لَتُخْبَرُنَّ بما عملتم في الدنيا، ثم [تجازون] على أعمالكم.
* *
﴿وَذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾.
أي: سهل هين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلنّورِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلْنَا﴾
أي: فصدقوا بالله أيها المشركون (به)، وصدقوا برسوله وبالقرآن الذي أنزل عليه ربما فيه من إخبار الله إياكم بالبعث والجزاء والجنة والنار وغير ذلك.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
أي: ذو خبر وعلم بأعمالكم، لا يخفى عليه منها شيء، وهو مجازيكم على جميعها.
* *
﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ﴾
[العامل] في: "يَوْمَ يجْمَعُكُمْ": ["خَبِيرٌ"] والمعنى: والله ذو خبر بأعمالكم يجازيكم عليها في يوم يجمعكم ليوم جمع الخلائق كلهم، ذلك يوم يَغْبَنُ فيه أهلُ الجنة أهلَ النار.
قال مجاهد: (يَوْمَ القيامة يَوْمٌ يَغْبَنُ فيه أهلُ الجنة أهلَ النار).
قال ابن عباس: (غَبَنَ أهلُ الجنة أهلَ النار).
وقيل: العامل في "يوم"... لتنبؤن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾
أي: ومن يصدّق بالله وبما أنزل ويعمل في دنياه عملاً صالحاً نكفر عنه ما مضى من سيئاته ونمحها عنه ونسترها عليه وندخله في الآخرة بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار خالدين فيها أبداً لا يموتون ولا يخرجون منها.
* *
- ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾.
أي: ذلك [النجاء] العظيم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَآ (أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ)﴾.
أي: والذين جحدوا توحيد الله وكذبوا بأدلته تعالى وجحدوا كتابه، أولئك أصحاب النار هم فيها ماكثون أبداً لا يموتون ولا يخرجون منها.
* *
﴿وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾.
أي: وبئس الشيء الذي يصار إليه نارُ جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ (وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾.
أي: لم تصب أحداً من الخلق مصيبة إلا بقضاء الله وتقديره ذلك عليه.
وقال الفراء: معناه: إلا بأمر الله).
قال علقمة: هو الرجل تصيبه [المصيبة] فيعلم أنها من قبل الله فيسلم لها ويرضى عن الله، فذلك قوله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، أي: ومن يصدق بالله وبتوحيده يَهْدِ قلبه إلى الإيمان ويُوَفِّقُهُ إلى الطريق المستقيم، فيعلم أنه لا تصيبه إلا بإذن الله فيسلم لأمر (الله) ويرضى بقضائه.
قال ابن عباس: يهدي قلبه لليقين فيعلم أن كُلاًّ من عند الله، وما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
وقيل: يهدي قلبه إلى التسليم لأمر الله إذا أصيب وإلى الشكر إذا أنعم عليه وإلى الغفران إذا ظلم .
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ فَإِن تَولَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ﴾.
أي: أطيعوا الله في أمره ونهيه والإيمان به وبرسوله وأطيعوا رسوله، فإن أعرضتم عن الإيمان بذلك فليس على محمد إلا أن يبلغكم ما أرسل [به] إليكم بلاغا ظاهراً، والمحاسبةُ والمجازاةُ على الله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾.
أي: الله معبودكم، لا معبود تصلح العبادة إلا له، وعلى الله فليتوكل المصدقون بوحدانيته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ..﴾ الآية.
روي أن هذه الآية نزلت في قوم أرادوا الإسلام والهجرة، وأسلموا في بلدانهم وأرادوا الهجرة فثبطهم عن ذلك أزواجهم وأولادهم وأبوا أن يَدَعُوهُمْ يخرجون، ثم هاجروا بعد ذلك بأهليهم وأولادهم. فلما قدموا المدينة، وجدوا الناس قد فقهوا وتعلموا القرآن، فَهَمُّوا [عقوبة] أزواجهم وأولادهم، فأنزل الله هذه الآية. ولذلك قال: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. فاعلموا أن من الأزواج والأولاد من هو عدو، ولا عَدُوَّ أَعْظَمُ ممن مَنَعَ من الهجرة. هذا معنى قول ابن عباس.
فكان الرجل يضرب أهله إذا ثبطوه عن الهجرة، وَيُقْسِمُ ليفعلن بهم وليعاقبنهم على ذلك، فقال الله: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. قال عطاء: نزلت [هذه الثلاث آيات] (في عوف بن مالك الأشجعي، كان ذا أهل وولد، فكان إذا أراد الغزو [بكوا] إليه ووقفوه، وقالوا: إلى من تدعنا؟ فَيَرِقُّ ويقيم فنزلت هذه الآيات (فيه)).
قال قتادة: من الأزواج والأولاد من لا يأمر بطاعة الله، ولا ينهي عن معصيته.
وكبرت تلك عداوة للمرء أن يكون صاحبه (لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر).
وأكثر المفسرين على أنهن نزلن في من كان [يسلم] ويمنعه أهله وولده من الهجرة. وهو قول الضحاك (وابن زيد).
* *
ثم قال: ﴿إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ [وَأَوْلاَدُكُمْ] فِتْنَةٌ﴾
أي: بلاء عليكم في الدنيا.
وروي أن النبي ﷺ رأى الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، وهو يخطب، فنزل رسول الله ﷺ، أخذهما فرفعهما ووضعهما في حجره ثم قال: صدق الله ﴿إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ رأيت هذين فلم أصبر، ثم أخذ في خطبته
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
أي: ثواب عظيم إذا أنتم خالفتم الأزواج والأولاد في طاعة الله.
قال قتادة: ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: الجنة.
* *
ثم قال: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾
هذا نزل بعد قوله تعالى: ﴿ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] تخفيفاً عن الخلق، فقيل: إن هذا ناسخ لذلك، وقيل: "هو تخفيف، ولا بد من التقى. ومعنى ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يطاع فلا يعصى.
وكانوا يبايعون النبي ﷺ على السمع والطاعة، فيقول: فيما استطعتم.
قال ابن مسعود ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ﴾
أي: اسمعوا لرسول الله وأطيعوه فيما أمركم به ونهاكم عنه.
* *
- ﴿وَأَنْفِقُواْ خَيْراً لأَنفُسِكُمْ﴾
أي: أنفقوا مالاً لأنفسكم، فالخير هنا مفعول لِ "أَنفقوا"، والخير: المال، كما قال: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] يعني: المال.
وقيل: "خَيْرَاً" هنا بمعنى: أفعل، أي: وأنفقوا في سبيل الله يكن خيرا لكم.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.
أي: ومن يقه الله شح نفسه. وذلك اتباع هواها فيما نهى الله عنه.
قال ابن عباس: "شُحَّ نَفْسِهِ": "هوى نفسه...".
قال ابن مسعود: "هو أن يَعْمَدَ إلى مال غيره فيأكله".
وقال سفيان بن عيينة: هو الظلم، وليس هو البخل.
* *
﴿فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.
أي: هم الباقون في النعيم المقيم.
قال الحسن: نظرك إلى المرأة لا تملكها من الشح.
وقال ابن عباس: ليس الشح أن يمنع الإنسان ماله، إنما الشح أن [تطمح] عين الرجل إلى ما ليس له.
قال ابن مسعود: إنما الشح الذي ذكر الله تعالى أن يأكل الرجل مال أخيه، وحَبْسُ المال [عن] الصدقة هو البخل.
وقال طاوس: إنما الشح أن تشحّ على ما في [أيدي] الناس.
[قال علي: من أدى زكاته فقد وُقِي شح نفسه].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِن تُقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ (وَيَغْفِرْ لَكُمْ)﴾.
أي: إن تنفقوا في سبيل الله في الدنيا احتساباً للأجر والثواب يُضَاعِف أَجْرَ ذلك لَكُمْ رَبُّكُمْ من واحد إلى سبعمائة ضعف إلى أكثر ويستر عليكم ذنوبكم مع تضعيفه لنفقاتكم.
* *
﴿وَٱللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾.
أي: ذو شكر لأهل الإنفاق في سبيله، حليم عن أهل معاصيه، يترك معاجلتهم بعقوبته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾.
أي: هو عالم ما غاب عن الأبصار وما ظهر في السماوات والأرضين، وهو الشديد في انتقامه ممن كفر به، الحكيم في تدبيره خلقه.
التغابن 64:5
[قوله تعالى]: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَ[مَا فِي] ٱلأَرْضِ...﴾ إلى آخر السورة.
معناه: يصلي لله ويسجد جميع من في السماوات السبع والأرض من الخلق طوعا وكرها "ويسبح": للحال.
- وقيل: معناه [ينزه الله] ويُبَرِّئُهُ من السوء كل من في السماوات والأرض.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ﴾
أي: له ملك السماوات والأرض وسلطان ذلك، وله حمد [ما] فيهما من الخلق.
* *
- ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
أي: ذو قدرة على كل شيء، يفعل ما يريد، لا يُعْجِزُهُ شيء أراده.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ﴾
[أي: خلقكم على علمه فيكم من قبل أن يخلقكم، فمنكم من كفر، ومنكم من آمن على ما سبق من علمه بكم]، أي: الله الذي خلقكم - أيها الناس - فمنكم من يكفر بخالقه ويجحده، ومنكم من يُؤْمِنُ بخالقه ويُقِرُّ بِهِ.
* *
- ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
أي: والله الذي خلقكم بصير بأعمالكم، لا يخفى عليه منها شيء، فيجازيكم بها، فاتقوه فيما أمركم به وما نهاكم عنه.
وعن أبي ذر أنه قال: إن المني إذا مكث في الرحم أربعين ليلة أتى مَلَكُ النفوس فعرج به إلى الجبار في راحته فقال: يا رب عبدك: ذكر أو أنثى؟ فيقضي الله جل ثناؤه ما هو قاض. ثم يقول: أي رب، شقي أو سعيد؟ فيكتب ما هو [لاَقٍ].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ (وَصَوَّرَكُمْ) فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ...ُ﴾.
أي: خلق السماوات والأرض بالعدل [والإنصاف] ومثّلكم فأحسن تمثيلكم.
وروي أنه [عنى] به تصوير آدم وخلقه إياه.
(وقال ابن عباس: يعني آدَمَ، خلقه بيده.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِير﴾.
أي: المرجع يوم القيامة).
* *
- ثم قال: ﴿(يَعْلَمُ) مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾
أي: يعلم كل ما في السماوات السبع والأرض من شيء لا تخفى عليه من ذلك خافية، ويعلم ما يُسِرُّ الخلق من قول وعمل وما يعلنون من ذلك.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾.
أي: ذو علم بضمائر صدور العباد وما تنطوي عليه نفوسهم وهذا: (كله) تحذير من الله جل ذكره (لعباده أن يسروا غير الذي يعلنون).
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ (ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ)﴾.
(هو خطاب لقريش أي: ألم يأتكم خبر الذين كفروا من قبلكم كقوم (نوح) وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط كفروا ﴿فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾)، أي: فمسهم عقاب الله إياهم على كفرهم فتخافوا أنتم أن يحل بكم على كفركم مثل ما حلّ بهم.
* *
- ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
أي: ولهم بعد ما نزل بهم في الدنيا من العذاب عذاب آخر موجع في الآخرة، وهو عذاب في النار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَقَالُوۤاْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ﴾
أي: ذلك (الذي) [نالهم] على كفرهم والذي أعد لهم ربهم من العذاب من أجل أنه ﴿كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾: الآيات الواضحات على حقيقة ما تدعوهم إليه. فيقولون: ﴿[أَبَشَرٌ] يَهْدُونَنَا﴾ استكباراً منهم أن يكون رسل الله (إليهم) بشر مثلهم. وَأَتَى "يَهْدونَنَا" بلفظ الجمع وقَبْلَهُ "بَشَرٌ"، "مُوَحَّد"، لأنه حُمِلَ على المعنى، لأنه عند بعضهم اسْمٌ للجمع.
وحكى [المازني] أن النحويين أجازوا أن يقال: [جاءني] ثلاثة نفر وثلاثة رهط، لأن نفراً ورهطاً لأقل العدد، [وما دون العشرة يضاف لأَقَلِ العدد، فلما وقع موقعه وهو مثْلُه لأقل العدد] جاز، و "بشر" للعدد الكثير، و "قوم" للقليل والكثير، فلما خالف ما يضاف إليه ما دون العشرة (لم يضف إليه كما لا [يضاف] ما دون العشرة) إلى أكثر العدد.
وقال المبرد: إنما لم يضف ما دون العشرة إلى "بشر"، لأنه يقع للواحد والجمع، وما دون العشرة لا يضاف إلى الواحد. هذا معنى قولهما. واستدل على أن "بشرا" يقع للواحد [بقول] الله ﴿مَا هَـٰذَا بَشَراً﴾ [يوسف: ٣١] ثم قال: ﴿فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ...﴾
(أي): فجحدوا رسالات ربهم، وأدبروا عن الإيمان برسلهم ﴿وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ...﴾ عن إيمانهم إذ [لا يزيد] في ملكه إيمانهم، ولا ينقص منه كفرهم.
* *
﴿وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.
أي: ﴿غَنِيٌّ﴾ عن جميع خلقه، محمود عند جميعهم، إذ ما يهم من نعمة فمنه وبفضله.
* *
ثم قال: ﴿زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ﴾
أي: زعم الكفار من قريش أنهم لا يبعثون من قبورهم بعد مماتهم. وقد كره مجاهد وغيره أن يقول الرجل: زعم فلان. "وزعم" عند النحويين على ضربين:
تكون بمعنى قال، وبمعنى تَخَرَّصَ وَتَقَوَّلَ.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾
أي: قل لهم يا محمد مجاوباً [لنفيهم] البعث: بلى وربي، لتبعثن من قبوركم يوم القيامة، ثم لَتُخْبَرُنَّ بما عملتم في الدنيا، ثم [تجازون] على أعمالكم.
* *
﴿وَذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾.
أي: سهل هين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلنّورِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلْنَا﴾
أي: فصدقوا بالله أيها المشركون (به)، وصدقوا برسوله وبالقرآن الذي أنزل عليه ربما فيه من إخبار الله إياكم بالبعث والجزاء والجنة والنار وغير ذلك.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
أي: ذو خبر وعلم بأعمالكم، لا يخفى عليه منها شيء، وهو مجازيكم على جميعها.
* *
﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ﴾
[العامل] في: "يَوْمَ يجْمَعُكُمْ": ["خَبِيرٌ"] والمعنى: والله ذو خبر بأعمالكم يجازيكم عليها في يوم يجمعكم ليوم جمع الخلائق كلهم، ذلك يوم يَغْبَنُ فيه أهلُ الجنة أهلَ النار.
قال مجاهد: (يَوْمَ القيامة يَوْمٌ يَغْبَنُ فيه أهلُ الجنة أهلَ النار).
قال ابن عباس: (غَبَنَ أهلُ الجنة أهلَ النار).
وقيل: العامل في "يوم"... لتنبؤن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾
أي: ومن يصدّق بالله وبما أنزل ويعمل في دنياه عملاً صالحاً نكفر عنه ما مضى من سيئاته ونمحها عنه ونسترها عليه وندخله في الآخرة بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار خالدين فيها أبداً لا يموتون ولا يخرجون منها.
* *
- ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾.
أي: ذلك [النجاء] العظيم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَآ (أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ)﴾.
أي: والذين جحدوا توحيد الله وكذبوا بأدلته تعالى وجحدوا كتابه، أولئك أصحاب النار هم فيها ماكثون أبداً لا يموتون ولا يخرجون منها.
* *
﴿وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾.
أي: وبئس الشيء الذي يصار إليه نارُ جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ (وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾.
أي: لم تصب أحداً من الخلق مصيبة إلا بقضاء الله وتقديره ذلك عليه.
وقال الفراء: معناه: إلا بأمر الله).
قال علقمة: هو الرجل تصيبه [المصيبة] فيعلم أنها من قبل الله فيسلم لها ويرضى عن الله، فذلك قوله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، أي: ومن يصدق بالله وبتوحيده يَهْدِ قلبه إلى الإيمان ويُوَفِّقُهُ إلى الطريق المستقيم، فيعلم أنه لا تصيبه إلا بإذن الله فيسلم لأمر (الله) ويرضى بقضائه.
قال ابن عباس: يهدي قلبه لليقين فيعلم أن كُلاًّ من عند الله، وما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
وقيل: يهدي قلبه إلى التسليم لأمر الله إذا أصيب وإلى الشكر إذا أنعم عليه وإلى الغفران إذا ظلم .
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ فَإِن تَولَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ﴾.
أي: أطيعوا الله في أمره ونهيه والإيمان به وبرسوله وأطيعوا رسوله، فإن أعرضتم عن الإيمان بذلك فليس على محمد إلا أن يبلغكم ما أرسل [به] إليكم بلاغا ظاهراً، والمحاسبةُ والمجازاةُ على الله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾.
أي: الله معبودكم، لا معبود تصلح العبادة إلا له، وعلى الله فليتوكل المصدقون بوحدانيته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ..﴾ الآية.
روي أن هذه الآية نزلت في قوم أرادوا الإسلام والهجرة، وأسلموا في بلدانهم وأرادوا الهجرة فثبطهم عن ذلك أزواجهم وأولادهم وأبوا أن يَدَعُوهُمْ يخرجون، ثم هاجروا بعد ذلك بأهليهم وأولادهم. فلما قدموا المدينة، وجدوا الناس قد فقهوا وتعلموا القرآن، فَهَمُّوا [عقوبة] أزواجهم وأولادهم، فأنزل الله هذه الآية. ولذلك قال: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. فاعلموا أن من الأزواج والأولاد من هو عدو، ولا عَدُوَّ أَعْظَمُ ممن مَنَعَ من الهجرة. هذا معنى قول ابن عباس.
فكان الرجل يضرب أهله إذا ثبطوه عن الهجرة، وَيُقْسِمُ ليفعلن بهم وليعاقبنهم على ذلك، فقال الله: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. قال عطاء: نزلت [هذه الثلاث آيات] (في عوف بن مالك الأشجعي، كان ذا أهل وولد، فكان إذا أراد الغزو [بكوا] إليه ووقفوه، وقالوا: إلى من تدعنا؟ فَيَرِقُّ ويقيم فنزلت هذه الآيات (فيه)).
قال قتادة: من الأزواج والأولاد من لا يأمر بطاعة الله، ولا ينهي عن معصيته.
وكبرت تلك عداوة للمرء أن يكون صاحبه (لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر).
وأكثر المفسرين على أنهن نزلن في من كان [يسلم] ويمنعه أهله وولده من الهجرة. وهو قول الضحاك (وابن زيد).
* *
ثم قال: ﴿إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ [وَأَوْلاَدُكُمْ] فِتْنَةٌ﴾
أي: بلاء عليكم في الدنيا.
وروي أن النبي ﷺ رأى الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، وهو يخطب، فنزل رسول الله ﷺ، أخذهما فرفعهما ووضعهما في حجره ثم قال: صدق الله ﴿إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ رأيت هذين فلم أصبر، ثم أخذ في خطبته
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
أي: ثواب عظيم إذا أنتم خالفتم الأزواج والأولاد في طاعة الله.
قال قتادة: ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: الجنة.
* *
ثم قال: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾
هذا نزل بعد قوله تعالى: ﴿ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] تخفيفاً عن الخلق، فقيل: إن هذا ناسخ لذلك، وقيل: "هو تخفيف، ولا بد من التقى. ومعنى ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يطاع فلا يعصى.
وكانوا يبايعون النبي ﷺ على السمع والطاعة، فيقول: فيما استطعتم.
قال ابن مسعود ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ﴾
أي: اسمعوا لرسول الله وأطيعوه فيما أمركم به ونهاكم عنه.
* *
- ﴿وَأَنْفِقُواْ خَيْراً لأَنفُسِكُمْ﴾
أي: أنفقوا مالاً لأنفسكم، فالخير هنا مفعول لِ "أَنفقوا"، والخير: المال، كما قال: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] يعني: المال.
وقيل: "خَيْرَاً" هنا بمعنى: أفعل، أي: وأنفقوا في سبيل الله يكن خيرا لكم.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.
أي: ومن يقه الله شح نفسه. وذلك اتباع هواها فيما نهى الله عنه.
قال ابن عباس: "شُحَّ نَفْسِهِ": "هوى نفسه...".
قال ابن مسعود: "هو أن يَعْمَدَ إلى مال غيره فيأكله".
وقال سفيان بن عيينة: هو الظلم، وليس هو البخل.
* *
﴿فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.
أي: هم الباقون في النعيم المقيم.
قال الحسن: نظرك إلى المرأة لا تملكها من الشح.
وقال ابن عباس: ليس الشح أن يمنع الإنسان ماله، إنما الشح أن [تطمح] عين الرجل إلى ما ليس له.
قال ابن مسعود: إنما الشح الذي ذكر الله تعالى أن يأكل الرجل مال أخيه، وحَبْسُ المال [عن] الصدقة هو البخل.
وقال طاوس: إنما الشح أن تشحّ على ما في [أيدي] الناس.
[قال علي: من أدى زكاته فقد وُقِي شح نفسه].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِن تُقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ (وَيَغْفِرْ لَكُمْ)﴾.
أي: إن تنفقوا في سبيل الله في الدنيا احتساباً للأجر والثواب يُضَاعِف أَجْرَ ذلك لَكُمْ رَبُّكُمْ من واحد إلى سبعمائة ضعف إلى أكثر ويستر عليكم ذنوبكم مع تضعيفه لنفقاتكم.
* *
﴿وَٱللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾.
أي: ذو شكر لأهل الإنفاق في سبيله، حليم عن أهل معاصيه، يترك معاجلتهم بعقوبته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾.
أي: هو عالم ما غاب عن الأبصار وما ظهر في السماوات والأرضين، وهو الشديد في انتقامه ممن كفر به، الحكيم في تدبيره خلقه.
التغابن 64:6
[قوله تعالى]: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَ[مَا فِي] ٱلأَرْضِ...﴾ إلى آخر السورة.
معناه: يصلي لله ويسجد جميع من في السماوات السبع والأرض من الخلق طوعا وكرها "ويسبح": للحال.
- وقيل: معناه [ينزه الله] ويُبَرِّئُهُ من السوء كل من في السماوات والأرض.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ﴾
أي: له ملك السماوات والأرض وسلطان ذلك، وله حمد [ما] فيهما من الخلق.
* *
- ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
أي: ذو قدرة على كل شيء، يفعل ما يريد، لا يُعْجِزُهُ شيء أراده.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ﴾
[أي: خلقكم على علمه فيكم من قبل أن يخلقكم، فمنكم من كفر، ومنكم من آمن على ما سبق من علمه بكم]، أي: الله الذي خلقكم - أيها الناس - فمنكم من يكفر بخالقه ويجحده، ومنكم من يُؤْمِنُ بخالقه ويُقِرُّ بِهِ.
* *
- ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
أي: والله الذي خلقكم بصير بأعمالكم، لا يخفى عليه منها شيء، فيجازيكم بها، فاتقوه فيما أمركم به وما نهاكم عنه.
وعن أبي ذر أنه قال: إن المني إذا مكث في الرحم أربعين ليلة أتى مَلَكُ النفوس فعرج به إلى الجبار في راحته فقال: يا رب عبدك: ذكر أو أنثى؟ فيقضي الله جل ثناؤه ما هو قاض. ثم يقول: أي رب، شقي أو سعيد؟ فيكتب ما هو [لاَقٍ].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ (وَصَوَّرَكُمْ) فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ...ُ﴾.
أي: خلق السماوات والأرض بالعدل [والإنصاف] ومثّلكم فأحسن تمثيلكم.
وروي أنه [عنى] به تصوير آدم وخلقه إياه.
(وقال ابن عباس: يعني آدَمَ، خلقه بيده.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِير﴾.
أي: المرجع يوم القيامة).
* *
- ثم قال: ﴿(يَعْلَمُ) مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾
أي: يعلم كل ما في السماوات السبع والأرض من شيء لا تخفى عليه من ذلك خافية، ويعلم ما يُسِرُّ الخلق من قول وعمل وما يعلنون من ذلك.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾.
أي: ذو علم بضمائر صدور العباد وما تنطوي عليه نفوسهم وهذا: (كله) تحذير من الله جل ذكره (لعباده أن يسروا غير الذي يعلنون).
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ (ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ)﴾.
(هو خطاب لقريش أي: ألم يأتكم خبر الذين كفروا من قبلكم كقوم (نوح) وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط كفروا ﴿فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾)، أي: فمسهم عقاب الله إياهم على كفرهم فتخافوا أنتم أن يحل بكم على كفركم مثل ما حلّ بهم.
* *
- ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
أي: ولهم بعد ما نزل بهم في الدنيا من العذاب عذاب آخر موجع في الآخرة، وهو عذاب في النار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَقَالُوۤاْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ﴾
أي: ذلك (الذي) [نالهم] على كفرهم والذي أعد لهم ربهم من العذاب من أجل أنه ﴿كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾: الآيات الواضحات على حقيقة ما تدعوهم إليه. فيقولون: ﴿[أَبَشَرٌ] يَهْدُونَنَا﴾ استكباراً منهم أن يكون رسل الله (إليهم) بشر مثلهم. وَأَتَى "يَهْدونَنَا" بلفظ الجمع وقَبْلَهُ "بَشَرٌ"، "مُوَحَّد"، لأنه حُمِلَ على المعنى، لأنه عند بعضهم اسْمٌ للجمع.
وحكى [المازني] أن النحويين أجازوا أن يقال: [جاءني] ثلاثة نفر وثلاثة رهط، لأن نفراً ورهطاً لأقل العدد، [وما دون العشرة يضاف لأَقَلِ العدد، فلما وقع موقعه وهو مثْلُه لأقل العدد] جاز، و "بشر" للعدد الكثير، و "قوم" للقليل والكثير، فلما خالف ما يضاف إليه ما دون العشرة (لم يضف إليه كما لا [يضاف] ما دون العشرة) إلى أكثر العدد.
وقال المبرد: إنما لم يضف ما دون العشرة إلى "بشر"، لأنه يقع للواحد والجمع، وما دون العشرة لا يضاف إلى الواحد. هذا معنى قولهما. واستدل على أن "بشرا" يقع للواحد [بقول] الله ﴿مَا هَـٰذَا بَشَراً﴾ [يوسف: ٣١] ثم قال: ﴿فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ...﴾
(أي): فجحدوا رسالات ربهم، وأدبروا عن الإيمان برسلهم ﴿وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ...﴾ عن إيمانهم إذ [لا يزيد] في ملكه إيمانهم، ولا ينقص منه كفرهم.
* *
﴿وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.
أي: ﴿غَنِيٌّ﴾ عن جميع خلقه، محمود عند جميعهم، إذ ما يهم من نعمة فمنه وبفضله.
* *
ثم قال: ﴿زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ﴾
أي: زعم الكفار من قريش أنهم لا يبعثون من قبورهم بعد مماتهم. وقد كره مجاهد وغيره أن يقول الرجل: زعم فلان. "وزعم" عند النحويين على ضربين:
تكون بمعنى قال، وبمعنى تَخَرَّصَ وَتَقَوَّلَ.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾
أي: قل لهم يا محمد مجاوباً [لنفيهم] البعث: بلى وربي، لتبعثن من قبوركم يوم القيامة، ثم لَتُخْبَرُنَّ بما عملتم في الدنيا، ثم [تجازون] على أعمالكم.
* *
﴿وَذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾.
أي: سهل هين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلنّورِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلْنَا﴾
أي: فصدقوا بالله أيها المشركون (به)، وصدقوا برسوله وبالقرآن الذي أنزل عليه ربما فيه من إخبار الله إياكم بالبعث والجزاء والجنة والنار وغير ذلك.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
أي: ذو خبر وعلم بأعمالكم، لا يخفى عليه منها شيء، وهو مجازيكم على جميعها.
* *
﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ﴾
[العامل] في: "يَوْمَ يجْمَعُكُمْ": ["خَبِيرٌ"] والمعنى: والله ذو خبر بأعمالكم يجازيكم عليها في يوم يجمعكم ليوم جمع الخلائق كلهم، ذلك يوم يَغْبَنُ فيه أهلُ الجنة أهلَ النار.
قال مجاهد: (يَوْمَ القيامة يَوْمٌ يَغْبَنُ فيه أهلُ الجنة أهلَ النار).
قال ابن عباس: (غَبَنَ أهلُ الجنة أهلَ النار).
وقيل: العامل في "يوم"... لتنبؤن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾
أي: ومن يصدّق بالله وبما أنزل ويعمل في دنياه عملاً صالحاً نكفر عنه ما مضى من سيئاته ونمحها عنه ونسترها عليه وندخله في الآخرة بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار خالدين فيها أبداً لا يموتون ولا يخرجون منها.
* *
- ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾.
أي: ذلك [النجاء] العظيم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَآ (أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ)﴾.
أي: والذين جحدوا توحيد الله وكذبوا بأدلته تعالى وجحدوا كتابه، أولئك أصحاب النار هم فيها ماكثون أبداً لا يموتون ولا يخرجون منها.
* *
﴿وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾.
أي: وبئس الشيء الذي يصار إليه نارُ جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ (وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾.
أي: لم تصب أحداً من الخلق مصيبة إلا بقضاء الله وتقديره ذلك عليه.
وقال الفراء: معناه: إلا بأمر الله).
قال علقمة: هو الرجل تصيبه [المصيبة] فيعلم أنها من قبل الله فيسلم لها ويرضى عن الله، فذلك قوله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، أي: ومن يصدق بالله وبتوحيده يَهْدِ قلبه إلى الإيمان ويُوَفِّقُهُ إلى الطريق المستقيم، فيعلم أنه لا تصيبه إلا بإذن الله فيسلم لأمر (الله) ويرضى بقضائه.
قال ابن عباس: يهدي قلبه لليقين فيعلم أن كُلاًّ من عند الله، وما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
وقيل: يهدي قلبه إلى التسليم لأمر الله إذا أصيب وإلى الشكر إذا أنعم عليه وإلى الغفران إذا ظلم .
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ فَإِن تَولَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ﴾.
أي: أطيعوا الله في أمره ونهيه والإيمان به وبرسوله وأطيعوا رسوله، فإن أعرضتم عن الإيمان بذلك فليس على محمد إلا أن يبلغكم ما أرسل [به] إليكم بلاغا ظاهراً، والمحاسبةُ والمجازاةُ على الله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾.
أي: الله معبودكم، لا معبود تصلح العبادة إلا له، وعلى الله فليتوكل المصدقون بوحدانيته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ..﴾ الآية.
روي أن هذه الآية نزلت في قوم أرادوا الإسلام والهجرة، وأسلموا في بلدانهم وأرادوا الهجرة فثبطهم عن ذلك أزواجهم وأولادهم وأبوا أن يَدَعُوهُمْ يخرجون، ثم هاجروا بعد ذلك بأهليهم وأولادهم. فلما قدموا المدينة، وجدوا الناس قد فقهوا وتعلموا القرآن، فَهَمُّوا [عقوبة] أزواجهم وأولادهم، فأنزل الله هذه الآية. ولذلك قال: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. فاعلموا أن من الأزواج والأولاد من هو عدو، ولا عَدُوَّ أَعْظَمُ ممن مَنَعَ من الهجرة. هذا معنى قول ابن عباس.
فكان الرجل يضرب أهله إذا ثبطوه عن الهجرة، وَيُقْسِمُ ليفعلن بهم وليعاقبنهم على ذلك، فقال الله: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. قال عطاء: نزلت [هذه الثلاث آيات] (في عوف بن مالك الأشجعي، كان ذا أهل وولد، فكان إذا أراد الغزو [بكوا] إليه ووقفوه، وقالوا: إلى من تدعنا؟ فَيَرِقُّ ويقيم فنزلت هذه الآيات (فيه)).
قال قتادة: من الأزواج والأولاد من لا يأمر بطاعة الله، ولا ينهي عن معصيته.
وكبرت تلك عداوة للمرء أن يكون صاحبه (لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر).
وأكثر المفسرين على أنهن نزلن في من كان [يسلم] ويمنعه أهله وولده من الهجرة. وهو قول الضحاك (وابن زيد).
* *
ثم قال: ﴿إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ [وَأَوْلاَدُكُمْ] فِتْنَةٌ﴾
أي: بلاء عليكم في الدنيا.
وروي أن النبي ﷺ رأى الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، وهو يخطب، فنزل رسول الله ﷺ، أخذهما فرفعهما ووضعهما في حجره ثم قال: صدق الله ﴿إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ رأيت هذين فلم أصبر، ثم أخذ في خطبته
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
أي: ثواب عظيم إذا أنتم خالفتم الأزواج والأولاد في طاعة الله.
قال قتادة: ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: الجنة.
* *
ثم قال: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾
هذا نزل بعد قوله تعالى: ﴿ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] تخفيفاً عن الخلق، فقيل: إن هذا ناسخ لذلك، وقيل: "هو تخفيف، ولا بد من التقى. ومعنى ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يطاع فلا يعصى.
وكانوا يبايعون النبي ﷺ على السمع والطاعة، فيقول: فيما استطعتم.
قال ابن مسعود ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ﴾
أي: اسمعوا لرسول الله وأطيعوه فيما أمركم به ونهاكم عنه.
* *
- ﴿وَأَنْفِقُواْ خَيْراً لأَنفُسِكُمْ﴾
أي: أنفقوا مالاً لأنفسكم، فالخير هنا مفعول لِ "أَنفقوا"، والخير: المال، كما قال: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] يعني: المال.
وقيل: "خَيْرَاً" هنا بمعنى: أفعل، أي: وأنفقوا في سبيل الله يكن خيرا لكم.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.
أي: ومن يقه الله شح نفسه. وذلك اتباع هواها فيما نهى الله عنه.
قال ابن عباس: "شُحَّ نَفْسِهِ": "هوى نفسه...".
قال ابن مسعود: "هو أن يَعْمَدَ إلى مال غيره فيأكله".
وقال سفيان بن عيينة: هو الظلم، وليس هو البخل.
* *
﴿فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.
أي: هم الباقون في النعيم المقيم.
قال الحسن: نظرك إلى المرأة لا تملكها من الشح.
وقال ابن عباس: ليس الشح أن يمنع الإنسان ماله، إنما الشح أن [تطمح] عين الرجل إلى ما ليس له.
قال ابن مسعود: إنما الشح الذي ذكر الله تعالى أن يأكل الرجل مال أخيه، وحَبْسُ المال [عن] الصدقة هو البخل.
وقال طاوس: إنما الشح أن تشحّ على ما في [أيدي] الناس.
[قال علي: من أدى زكاته فقد وُقِي شح نفسه].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِن تُقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ (وَيَغْفِرْ لَكُمْ)﴾.
أي: إن تنفقوا في سبيل الله في الدنيا احتساباً للأجر والثواب يُضَاعِف أَجْرَ ذلك لَكُمْ رَبُّكُمْ من واحد إلى سبعمائة ضعف إلى أكثر ويستر عليكم ذنوبكم مع تضعيفه لنفقاتكم.
* *
﴿وَٱللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾.
أي: ذو شكر لأهل الإنفاق في سبيله، حليم عن أهل معاصيه، يترك معاجلتهم بعقوبته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾.
أي: هو عالم ما غاب عن الأبصار وما ظهر في السماوات والأرضين، وهو الشديد في انتقامه ممن كفر به، الحكيم في تدبيره خلقه.
التغابن 64:7
[قوله تعالى]: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَ[مَا فِي] ٱلأَرْضِ...﴾ إلى آخر السورة.
معناه: يصلي لله ويسجد جميع من في السماوات السبع والأرض من الخلق طوعا وكرها "ويسبح": للحال.
- وقيل: معناه [ينزه الله] ويُبَرِّئُهُ من السوء كل من في السماوات والأرض.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ﴾
أي: له ملك السماوات والأرض وسلطان ذلك، وله حمد [ما] فيهما من الخلق.
* *
- ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
أي: ذو قدرة على كل شيء، يفعل ما يريد، لا يُعْجِزُهُ شيء أراده.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ﴾
[أي: خلقكم على علمه فيكم من قبل أن يخلقكم، فمنكم من كفر، ومنكم من آمن على ما سبق من علمه بكم]، أي: الله الذي خلقكم - أيها الناس - فمنكم من يكفر بخالقه ويجحده، ومنكم من يُؤْمِنُ بخالقه ويُقِرُّ بِهِ.
* *
- ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
أي: والله الذي خلقكم بصير بأعمالكم، لا يخفى عليه منها شيء، فيجازيكم بها، فاتقوه فيما أمركم به وما نهاكم عنه.
وعن أبي ذر أنه قال: إن المني إذا مكث في الرحم أربعين ليلة أتى مَلَكُ النفوس فعرج به إلى الجبار في راحته فقال: يا رب عبدك: ذكر أو أنثى؟ فيقضي الله جل ثناؤه ما هو قاض. ثم يقول: أي رب، شقي أو سعيد؟ فيكتب ما هو [لاَقٍ].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ (وَصَوَّرَكُمْ) فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ...ُ﴾.
أي: خلق السماوات والأرض بالعدل [والإنصاف] ومثّلكم فأحسن تمثيلكم.
وروي أنه [عنى] به تصوير آدم وخلقه إياه.
(وقال ابن عباس: يعني آدَمَ، خلقه بيده.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِير﴾.
أي: المرجع يوم القيامة).
* *
- ثم قال: ﴿(يَعْلَمُ) مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾
أي: يعلم كل ما في السماوات السبع والأرض من شيء لا تخفى عليه من ذلك خافية، ويعلم ما يُسِرُّ الخلق من قول وعمل وما يعلنون من ذلك.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾.
أي: ذو علم بضمائر صدور العباد وما تنطوي عليه نفوسهم وهذا: (كله) تحذير من الله جل ذكره (لعباده أن يسروا غير الذي يعلنون).
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ (ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ)﴾.
(هو خطاب لقريش أي: ألم يأتكم خبر الذين كفروا من قبلكم كقوم (نوح) وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط كفروا ﴿فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾)، أي: فمسهم عقاب الله إياهم على كفرهم فتخافوا أنتم أن يحل بكم على كفركم مثل ما حلّ بهم.
* *
- ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
أي: ولهم بعد ما نزل بهم في الدنيا من العذاب عذاب آخر موجع في الآخرة، وهو عذاب في النار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَقَالُوۤاْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ﴾
أي: ذلك (الذي) [نالهم] على كفرهم والذي أعد لهم ربهم من العذاب من أجل أنه ﴿كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾: الآيات الواضحات على حقيقة ما تدعوهم إليه. فيقولون: ﴿[أَبَشَرٌ] يَهْدُونَنَا﴾ استكباراً منهم أن يكون رسل الله (إليهم) بشر مثلهم. وَأَتَى "يَهْدونَنَا" بلفظ الجمع وقَبْلَهُ "بَشَرٌ"، "مُوَحَّد"، لأنه حُمِلَ على المعنى، لأنه عند بعضهم اسْمٌ للجمع.
وحكى [المازني] أن النحويين أجازوا أن يقال: [جاءني] ثلاثة نفر وثلاثة رهط، لأن نفراً ورهطاً لأقل العدد، [وما دون العشرة يضاف لأَقَلِ العدد، فلما وقع موقعه وهو مثْلُه لأقل العدد] جاز، و "بشر" للعدد الكثير، و "قوم" للقليل والكثير، فلما خالف ما يضاف إليه ما دون العشرة (لم يضف إليه كما لا [يضاف] ما دون العشرة) إلى أكثر العدد.
وقال المبرد: إنما لم يضف ما دون العشرة إلى "بشر"، لأنه يقع للواحد والجمع، وما دون العشرة لا يضاف إلى الواحد. هذا معنى قولهما. واستدل على أن "بشرا" يقع للواحد [بقول] الله ﴿مَا هَـٰذَا بَشَراً﴾ [يوسف: ٣١] ثم قال: ﴿فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ...﴾
(أي): فجحدوا رسالات ربهم، وأدبروا عن الإيمان برسلهم ﴿وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ...﴾ عن إيمانهم إذ [لا يزيد] في ملكه إيمانهم، ولا ينقص منه كفرهم.
* *
﴿وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.
أي: ﴿غَنِيٌّ﴾ عن جميع خلقه، محمود عند جميعهم، إذ ما يهم من نعمة فمنه وبفضله.
* *
ثم قال: ﴿زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ﴾
أي: زعم الكفار من قريش أنهم لا يبعثون من قبورهم بعد مماتهم. وقد كره مجاهد وغيره أن يقول الرجل: زعم فلان. "وزعم" عند النحويين على ضربين:
تكون بمعنى قال، وبمعنى تَخَرَّصَ وَتَقَوَّلَ.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾
أي: قل لهم يا محمد مجاوباً [لنفيهم] البعث: بلى وربي، لتبعثن من قبوركم يوم القيامة، ثم لَتُخْبَرُنَّ بما عملتم في الدنيا، ثم [تجازون] على أعمالكم.
* *
﴿وَذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾.
أي: سهل هين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلنّورِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلْنَا﴾
أي: فصدقوا بالله أيها المشركون (به)، وصدقوا برسوله وبالقرآن الذي أنزل عليه ربما فيه من إخبار الله إياكم بالبعث والجزاء والجنة والنار وغير ذلك.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
أي: ذو خبر وعلم بأعمالكم، لا يخفى عليه منها شيء، وهو مجازيكم على جميعها.
* *
﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ﴾
[العامل] في: "يَوْمَ يجْمَعُكُمْ": ["خَبِيرٌ"] والمعنى: والله ذو خبر بأعمالكم يجازيكم عليها في يوم يجمعكم ليوم جمع الخلائق كلهم، ذلك يوم يَغْبَنُ فيه أهلُ الجنة أهلَ النار.
قال مجاهد: (يَوْمَ القيامة يَوْمٌ يَغْبَنُ فيه أهلُ الجنة أهلَ النار).
قال ابن عباس: (غَبَنَ أهلُ الجنة أهلَ النار).
وقيل: العامل في "يوم"... لتنبؤن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾
أي: ومن يصدّق بالله وبما أنزل ويعمل في دنياه عملاً صالحاً نكفر عنه ما مضى من سيئاته ونمحها عنه ونسترها عليه وندخله في الآخرة بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار خالدين فيها أبداً لا يموتون ولا يخرجون منها.
* *
- ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾.
أي: ذلك [النجاء] العظيم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَآ (أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ)﴾.
أي: والذين جحدوا توحيد الله وكذبوا بأدلته تعالى وجحدوا كتابه، أولئك أصحاب النار هم فيها ماكثون أبداً لا يموتون ولا يخرجون منها.
* *
﴿وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾.
أي: وبئس الشيء الذي يصار إليه نارُ جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ (وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾.
أي: لم تصب أحداً من الخلق مصيبة إلا بقضاء الله وتقديره ذلك عليه.
وقال الفراء: معناه: إلا بأمر الله).
قال علقمة: هو الرجل تصيبه [المصيبة] فيعلم أنها من قبل الله فيسلم لها ويرضى عن الله، فذلك قوله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، أي: ومن يصدق بالله وبتوحيده يَهْدِ قلبه إلى الإيمان ويُوَفِّقُهُ إلى الطريق المستقيم، فيعلم أنه لا تصيبه إلا بإذن الله فيسلم لأمر (الله) ويرضى بقضائه.
قال ابن عباس: يهدي قلبه لليقين فيعلم أن كُلاًّ من عند الله، وما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
وقيل: يهدي قلبه إلى التسليم لأمر الله إذا أصيب وإلى الشكر إذا أنعم عليه وإلى الغفران إذا ظلم .
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ فَإِن تَولَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ﴾.
أي: أطيعوا الله في أمره ونهيه والإيمان به وبرسوله وأطيعوا رسوله، فإن أعرضتم عن الإيمان بذلك فليس على محمد إلا أن يبلغكم ما أرسل [به] إليكم بلاغا ظاهراً، والمحاسبةُ والمجازاةُ على الله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾.
أي: الله معبودكم، لا معبود تصلح العبادة إلا له، وعلى الله فليتوكل المصدقون بوحدانيته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ..﴾ الآية.
روي أن هذه الآية نزلت في قوم أرادوا الإسلام والهجرة، وأسلموا في بلدانهم وأرادوا الهجرة فثبطهم عن ذلك أزواجهم وأولادهم وأبوا أن يَدَعُوهُمْ يخرجون، ثم هاجروا بعد ذلك بأهليهم وأولادهم. فلما قدموا المدينة، وجدوا الناس قد فقهوا وتعلموا القرآن، فَهَمُّوا [عقوبة] أزواجهم وأولادهم، فأنزل الله هذه الآية. ولذلك قال: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. فاعلموا أن من الأزواج والأولاد من هو عدو، ولا عَدُوَّ أَعْظَمُ ممن مَنَعَ من الهجرة. هذا معنى قول ابن عباس.
فكان الرجل يضرب أهله إذا ثبطوه عن الهجرة، وَيُقْسِمُ ليفعلن بهم وليعاقبنهم على ذلك، فقال الله: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. قال عطاء: نزلت [هذه الثلاث آيات] (في عوف بن مالك الأشجعي، كان ذا أهل وولد، فكان إذا أراد الغزو [بكوا] إليه ووقفوه، وقالوا: إلى من تدعنا؟ فَيَرِقُّ ويقيم فنزلت هذه الآيات (فيه)).
قال قتادة: من الأزواج والأولاد من لا يأمر بطاعة الله، ولا ينهي عن معصيته.
وكبرت تلك عداوة للمرء أن يكون صاحبه (لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر).
وأكثر المفسرين على أنهن نزلن في من كان [يسلم] ويمنعه أهله وولده من الهجرة. وهو قول الضحاك (وابن زيد).
* *
ثم قال: ﴿إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ [وَأَوْلاَدُكُمْ] فِتْنَةٌ﴾
أي: بلاء عليكم في الدنيا.
وروي أن النبي ﷺ رأى الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، وهو يخطب، فنزل رسول الله ﷺ، أخذهما فرفعهما ووضعهما في حجره ثم قال: صدق الله ﴿إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ رأيت هذين فلم أصبر، ثم أخذ في خطبته
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
أي: ثواب عظيم إذا أنتم خالفتم الأزواج والأولاد في طاعة الله.
قال قتادة: ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: الجنة.
* *
ثم قال: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾
هذا نزل بعد قوله تعالى: ﴿ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] تخفيفاً عن الخلق، فقيل: إن هذا ناسخ لذلك، وقيل: "هو تخفيف، ولا بد من التقى. ومعنى ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يطاع فلا يعصى.
وكانوا يبايعون النبي ﷺ على السمع والطاعة، فيقول: فيما استطعتم.
قال ابن مسعود ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ﴾
أي: اسمعوا لرسول الله وأطيعوه فيما أمركم به ونهاكم عنه.
* *
- ﴿وَأَنْفِقُواْ خَيْراً لأَنفُسِكُمْ﴾
أي: أنفقوا مالاً لأنفسكم، فالخير هنا مفعول لِ "أَنفقوا"، والخير: المال، كما قال: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] يعني: المال.
وقيل: "خَيْرَاً" هنا بمعنى: أفعل، أي: وأنفقوا في سبيل الله يكن خيرا لكم.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.
أي: ومن يقه الله شح نفسه. وذلك اتباع هواها فيما نهى الله عنه.
قال ابن عباس: "شُحَّ نَفْسِهِ": "هوى نفسه...".
قال ابن مسعود: "هو أن يَعْمَدَ إلى مال غيره فيأكله".
وقال سفيان بن عيينة: هو الظلم، وليس هو البخل.
* *
﴿فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.
أي: هم الباقون في النعيم المقيم.
قال الحسن: نظرك إلى المرأة لا تملكها من الشح.
وقال ابن عباس: ليس الشح أن يمنع الإنسان ماله، إنما الشح أن [تطمح] عين الرجل إلى ما ليس له.
قال ابن مسعود: إنما الشح الذي ذكر الله تعالى أن يأكل الرجل مال أخيه، وحَبْسُ المال [عن] الصدقة هو البخل.
وقال طاوس: إنما الشح أن تشحّ على ما في [أيدي] الناس.
[قال علي: من أدى زكاته فقد وُقِي شح نفسه].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِن تُقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ (وَيَغْفِرْ لَكُمْ)﴾.
أي: إن تنفقوا في سبيل الله في الدنيا احتساباً للأجر والثواب يُضَاعِف أَجْرَ ذلك لَكُمْ رَبُّكُمْ من واحد إلى سبعمائة ضعف إلى أكثر ويستر عليكم ذنوبكم مع تضعيفه لنفقاتكم.
* *
﴿وَٱللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾.
أي: ذو شكر لأهل الإنفاق في سبيله، حليم عن أهل معاصيه، يترك معاجلتهم بعقوبته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾.
أي: هو عالم ما غاب عن الأبصار وما ظهر في السماوات والأرضين، وهو الشديد في انتقامه ممن كفر به، الحكيم في تدبيره خلقه.
التغابن 64:8
[قوله تعالى]: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَ[مَا فِي] ٱلأَرْضِ...﴾ إلى آخر السورة.
معناه: يصلي لله ويسجد جميع من في السماوات السبع والأرض من الخلق طوعا وكرها "ويسبح": للحال.
- وقيل: معناه [ينزه الله] ويُبَرِّئُهُ من السوء كل من في السماوات والأرض.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ﴾
أي: له ملك السماوات والأرض وسلطان ذلك، وله حمد [ما] فيهما من الخلق.
* *
- ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
أي: ذو قدرة على كل شيء، يفعل ما يريد، لا يُعْجِزُهُ شيء أراده.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ﴾
[أي: خلقكم على علمه فيكم من قبل أن يخلقكم، فمنكم من كفر، ومنكم من آمن على ما سبق من علمه بكم]، أي: الله الذي خلقكم - أيها الناس - فمنكم من يكفر بخالقه ويجحده، ومنكم من يُؤْمِنُ بخالقه ويُقِرُّ بِهِ.
* *
- ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
أي: والله الذي خلقكم بصير بأعمالكم، لا يخفى عليه منها شيء، فيجازيكم بها، فاتقوه فيما أمركم به وما نهاكم عنه.
وعن أبي ذر أنه قال: إن المني إذا مكث في الرحم أربعين ليلة أتى مَلَكُ النفوس فعرج به إلى الجبار في راحته فقال: يا رب عبدك: ذكر أو أنثى؟ فيقضي الله جل ثناؤه ما هو قاض. ثم يقول: أي رب، شقي أو سعيد؟ فيكتب ما هو [لاَقٍ].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ (وَصَوَّرَكُمْ) فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ...ُ﴾.
أي: خلق السماوات والأرض بالعدل [والإنصاف] ومثّلكم فأحسن تمثيلكم.
وروي أنه [عنى] به تصوير آدم وخلقه إياه.
(وقال ابن عباس: يعني آدَمَ، خلقه بيده.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِير﴾.
أي: المرجع يوم القيامة).
* *
- ثم قال: ﴿(يَعْلَمُ) مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾
أي: يعلم كل ما في السماوات السبع والأرض من شيء لا تخفى عليه من ذلك خافية، ويعلم ما يُسِرُّ الخلق من قول وعمل وما يعلنون من ذلك.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾.
أي: ذو علم بضمائر صدور العباد وما تنطوي عليه نفوسهم وهذا: (كله) تحذير من الله جل ذكره (لعباده أن يسروا غير الذي يعلنون).
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ (ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ)﴾.
(هو خطاب لقريش أي: ألم يأتكم خبر الذين كفروا من قبلكم كقوم (نوح) وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط كفروا ﴿فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾)، أي: فمسهم عقاب الله إياهم على كفرهم فتخافوا أنتم أن يحل بكم على كفركم مثل ما حلّ بهم.
* *
- ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
أي: ولهم بعد ما نزل بهم في الدنيا من العذاب عذاب آخر موجع في الآخرة، وهو عذاب في النار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَقَالُوۤاْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ﴾
أي: ذلك (الذي) [نالهم] على كفرهم والذي أعد لهم ربهم من العذاب من أجل أنه ﴿كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾: الآيات الواضحات على حقيقة ما تدعوهم إليه. فيقولون: ﴿[أَبَشَرٌ] يَهْدُونَنَا﴾ استكباراً منهم أن يكون رسل الله (إليهم) بشر مثلهم. وَأَتَى "يَهْدونَنَا" بلفظ الجمع وقَبْلَهُ "بَشَرٌ"، "مُوَحَّد"، لأنه حُمِلَ على المعنى، لأنه عند بعضهم اسْمٌ للجمع.
وحكى [المازني] أن النحويين أجازوا أن يقال: [جاءني] ثلاثة نفر وثلاثة رهط، لأن نفراً ورهطاً لأقل العدد، [وما دون العشرة يضاف لأَقَلِ العدد، فلما وقع موقعه وهو مثْلُه لأقل العدد] جاز، و "بشر" للعدد الكثير، و "قوم" للقليل والكثير، فلما خالف ما يضاف إليه ما دون العشرة (لم يضف إليه كما لا [يضاف] ما دون العشرة) إلى أكثر العدد.
وقال المبرد: إنما لم يضف ما دون العشرة إلى "بشر"، لأنه يقع للواحد والجمع، وما دون العشرة لا يضاف إلى الواحد. هذا معنى قولهما. واستدل على أن "بشرا" يقع للواحد [بقول] الله ﴿مَا هَـٰذَا بَشَراً﴾ [يوسف: ٣١] ثم قال: ﴿فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ...﴾
(أي): فجحدوا رسالات ربهم، وأدبروا عن الإيمان برسلهم ﴿وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ...﴾ عن إيمانهم إذ [لا يزيد] في ملكه إيمانهم، ولا ينقص منه كفرهم.
* *
﴿وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.
أي: ﴿غَنِيٌّ﴾ عن جميع خلقه، محمود عند جميعهم، إذ ما يهم من نعمة فمنه وبفضله.
* *
ثم قال: ﴿زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ﴾
أي: زعم الكفار من قريش أنهم لا يبعثون من قبورهم بعد مماتهم. وقد كره مجاهد وغيره أن يقول الرجل: زعم فلان. "وزعم" عند النحويين على ضربين:
تكون بمعنى قال، وبمعنى تَخَرَّصَ وَتَقَوَّلَ.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾
أي: قل لهم يا محمد مجاوباً [لنفيهم] البعث: بلى وربي، لتبعثن من قبوركم يوم القيامة، ثم لَتُخْبَرُنَّ بما عملتم في الدنيا، ثم [تجازون] على أعمالكم.
* *
﴿وَذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾.
أي: سهل هين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلنّورِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلْنَا﴾
أي: فصدقوا بالله أيها المشركون (به)، وصدقوا برسوله وبالقرآن الذي أنزل عليه ربما فيه من إخبار الله إياكم بالبعث والجزاء والجنة والنار وغير ذلك.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
أي: ذو خبر وعلم بأعمالكم، لا يخفى عليه منها شيء، وهو مجازيكم على جميعها.
* *
﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ﴾
[العامل] في: "يَوْمَ يجْمَعُكُمْ": ["خَبِيرٌ"] والمعنى: والله ذو خبر بأعمالكم يجازيكم عليها في يوم يجمعكم ليوم جمع الخلائق كلهم، ذلك يوم يَغْبَنُ فيه أهلُ الجنة أهلَ النار.
قال مجاهد: (يَوْمَ القيامة يَوْمٌ يَغْبَنُ فيه أهلُ الجنة أهلَ النار).
قال ابن عباس: (غَبَنَ أهلُ الجنة أهلَ النار).
وقيل: العامل في "يوم"... لتنبؤن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾
أي: ومن يصدّق بالله وبما أنزل ويعمل في دنياه عملاً صالحاً نكفر عنه ما مضى من سيئاته ونمحها عنه ونسترها عليه وندخله في الآخرة بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار خالدين فيها أبداً لا يموتون ولا يخرجون منها.
* *
- ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾.
أي: ذلك [النجاء] العظيم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَآ (أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ)﴾.
أي: والذين جحدوا توحيد الله وكذبوا بأدلته تعالى وجحدوا كتابه، أولئك أصحاب النار هم فيها ماكثون أبداً لا يموتون ولا يخرجون منها.
* *
﴿وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾.
أي: وبئس الشيء الذي يصار إليه نارُ جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ (وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾.
أي: لم تصب أحداً من الخلق مصيبة إلا بقضاء الله وتقديره ذلك عليه.
وقال الفراء: معناه: إلا بأمر الله).
قال علقمة: هو الرجل تصيبه [المصيبة] فيعلم أنها من قبل الله فيسلم لها ويرضى عن الله، فذلك قوله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، أي: ومن يصدق بالله وبتوحيده يَهْدِ قلبه إلى الإيمان ويُوَفِّقُهُ إلى الطريق المستقيم، فيعلم أنه لا تصيبه إلا بإذن الله فيسلم لأمر (الله) ويرضى بقضائه.
قال ابن عباس: يهدي قلبه لليقين فيعلم أن كُلاًّ من عند الله، وما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
وقيل: يهدي قلبه إلى التسليم لأمر الله إذا أصيب وإلى الشكر إذا أنعم عليه وإلى الغفران إذا ظلم .
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ فَإِن تَولَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ﴾.
أي: أطيعوا الله في أمره ونهيه والإيمان به وبرسوله وأطيعوا رسوله، فإن أعرضتم عن الإيمان بذلك فليس على محمد إلا أن يبلغكم ما أرسل [به] إليكم بلاغا ظاهراً، والمحاسبةُ والمجازاةُ على الله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾.
أي: الله معبودكم، لا معبود تصلح العبادة إلا له، وعلى الله فليتوكل المصدقون بوحدانيته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ..﴾ الآية.
روي أن هذه الآية نزلت في قوم أرادوا الإسلام والهجرة، وأسلموا في بلدانهم وأرادوا الهجرة فثبطهم عن ذلك أزواجهم وأولادهم وأبوا أن يَدَعُوهُمْ يخرجون، ثم هاجروا بعد ذلك بأهليهم وأولادهم. فلما قدموا المدينة، وجدوا الناس قد فقهوا وتعلموا القرآن، فَهَمُّوا [عقوبة] أزواجهم وأولادهم، فأنزل الله هذه الآية. ولذلك قال: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. فاعلموا أن من الأزواج والأولاد من هو عدو، ولا عَدُوَّ أَعْظَمُ ممن مَنَعَ من الهجرة. هذا معنى قول ابن عباس.
فكان الرجل يضرب أهله إذا ثبطوه عن الهجرة، وَيُقْسِمُ ليفعلن بهم وليعاقبنهم على ذلك، فقال الله: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. قال عطاء: نزلت [هذه الثلاث آيات] (في عوف بن مالك الأشجعي، كان ذا أهل وولد، فكان إذا أراد الغزو [بكوا] إليه ووقفوه، وقالوا: إلى من تدعنا؟ فَيَرِقُّ ويقيم فنزلت هذه الآيات (فيه)).
قال قتادة: من الأزواج والأولاد من لا يأمر بطاعة الله، ولا ينهي عن معصيته.
وكبرت تلك عداوة للمرء أن يكون صاحبه (لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر).
وأكثر المفسرين على أنهن نزلن في من كان [يسلم] ويمنعه أهله وولده من الهجرة. وهو قول الضحاك (وابن زيد).
* *
ثم قال: ﴿إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ [وَأَوْلاَدُكُمْ] فِتْنَةٌ﴾
أي: بلاء عليكم في الدنيا.
وروي أن النبي ﷺ رأى الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، وهو يخطب، فنزل رسول الله ﷺ، أخذهما فرفعهما ووضعهما في حجره ثم قال: صدق الله ﴿إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ رأيت هذين فلم أصبر، ثم أخذ في خطبته
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
أي: ثواب عظيم إذا أنتم خالفتم الأزواج والأولاد في طاعة الله.
قال قتادة: ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: الجنة.
* *
ثم قال: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾
هذا نزل بعد قوله تعالى: ﴿ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] تخفيفاً عن الخلق، فقيل: إن هذا ناسخ لذلك، وقيل: "هو تخفيف، ولا بد من التقى. ومعنى ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يطاع فلا يعصى.
وكانوا يبايعون النبي ﷺ على السمع والطاعة، فيقول: فيما استطعتم.
قال ابن مسعود ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ﴾
أي: اسمعوا لرسول الله وأطيعوه فيما أمركم به ونهاكم عنه.
* *
- ﴿وَأَنْفِقُواْ خَيْراً لأَنفُسِكُمْ﴾
أي: أنفقوا مالاً لأنفسكم، فالخير هنا مفعول لِ "أَنفقوا"، والخير: المال، كما قال: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] يعني: المال.
وقيل: "خَيْرَاً" هنا بمعنى: أفعل، أي: وأنفقوا في سبيل الله يكن خيرا لكم.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.
أي: ومن يقه الله شح نفسه. وذلك اتباع هواها فيما نهى الله عنه.
قال ابن عباس: "شُحَّ نَفْسِهِ": "هوى نفسه...".
قال ابن مسعود: "هو أن يَعْمَدَ إلى مال غيره فيأكله".
وقال سفيان بن عيينة: هو الظلم، وليس هو البخل.
* *
﴿فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.
أي: هم الباقون في النعيم المقيم.
قال الحسن: نظرك إلى المرأة لا تملكها من الشح.
وقال ابن عباس: ليس الشح أن يمنع الإنسان ماله، إنما الشح أن [تطمح] عين الرجل إلى ما ليس له.
قال ابن مسعود: إنما الشح الذي ذكر الله تعالى أن يأكل الرجل مال أخيه، وحَبْسُ المال [عن] الصدقة هو البخل.
وقال طاوس: إنما الشح أن تشحّ على ما في [أيدي] الناس.
[قال علي: من أدى زكاته فقد وُقِي شح نفسه].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِن تُقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ (وَيَغْفِرْ لَكُمْ)﴾.
أي: إن تنفقوا في سبيل الله في الدنيا احتساباً للأجر والثواب يُضَاعِف أَجْرَ ذلك لَكُمْ رَبُّكُمْ من واحد إلى سبعمائة ضعف إلى أكثر ويستر عليكم ذنوبكم مع تضعيفه لنفقاتكم.
* *
﴿وَٱللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾.
أي: ذو شكر لأهل الإنفاق في سبيله، حليم عن أهل معاصيه، يترك معاجلتهم بعقوبته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾.
أي: هو عالم ما غاب عن الأبصار وما ظهر في السماوات والأرضين، وهو الشديد في انتقامه ممن كفر به، الحكيم في تدبيره خلقه.
التغابن 64:9
[قوله تعالى]: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَ[مَا فِي] ٱلأَرْضِ...﴾ إلى آخر السورة.
معناه: يصلي لله ويسجد جميع من في السماوات السبع والأرض من الخلق طوعا وكرها "ويسبح": للحال.
- وقيل: معناه [ينزه الله] ويُبَرِّئُهُ من السوء كل من في السماوات والأرض.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ﴾
أي: له ملك السماوات والأرض وسلطان ذلك، وله حمد [ما] فيهما من الخلق.
* *
- ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
أي: ذو قدرة على كل شيء، يفعل ما يريد، لا يُعْجِزُهُ شيء أراده.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ﴾
[أي: خلقكم على علمه فيكم من قبل أن يخلقكم، فمنكم من كفر، ومنكم من آمن على ما سبق من علمه بكم]، أي: الله الذي خلقكم - أيها الناس - فمنكم من يكفر بخالقه ويجحده، ومنكم من يُؤْمِنُ بخالقه ويُقِرُّ بِهِ.
* *
- ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
أي: والله الذي خلقكم بصير بأعمالكم، لا يخفى عليه منها شيء، فيجازيكم بها، فاتقوه فيما أمركم به وما نهاكم عنه.
وعن أبي ذر أنه قال: إن المني إذا مكث في الرحم أربعين ليلة أتى مَلَكُ النفوس فعرج به إلى الجبار في راحته فقال: يا رب عبدك: ذكر أو أنثى؟ فيقضي الله جل ثناؤه ما هو قاض. ثم يقول: أي رب، شقي أو سعيد؟ فيكتب ما هو [لاَقٍ].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ (وَصَوَّرَكُمْ) فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ...ُ﴾.
أي: خلق السماوات والأرض بالعدل [والإنصاف] ومثّلكم فأحسن تمثيلكم.
وروي أنه [عنى] به تصوير آدم وخلقه إياه.
(وقال ابن عباس: يعني آدَمَ، خلقه بيده.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِير﴾.
أي: المرجع يوم القيامة).
* *
- ثم قال: ﴿(يَعْلَمُ) مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾
أي: يعلم كل ما في السماوات السبع والأرض من شيء لا تخفى عليه من ذلك خافية، ويعلم ما يُسِرُّ الخلق من قول وعمل وما يعلنون من ذلك.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾.
أي: ذو علم بضمائر صدور العباد وما تنطوي عليه نفوسهم وهذا: (كله) تحذير من الله جل ذكره (لعباده أن يسروا غير الذي يعلنون).
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ (ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ)﴾.
(هو خطاب لقريش أي: ألم يأتكم خبر الذين كفروا من قبلكم كقوم (نوح) وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط كفروا ﴿فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾)، أي: فمسهم عقاب الله إياهم على كفرهم فتخافوا أنتم أن يحل بكم على كفركم مثل ما حلّ بهم.
* *
- ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
أي: ولهم بعد ما نزل بهم في الدنيا من العذاب عذاب آخر موجع في الآخرة، وهو عذاب في النار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَقَالُوۤاْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ﴾
أي: ذلك (الذي) [نالهم] على كفرهم والذي أعد لهم ربهم من العذاب من أجل أنه ﴿كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾: الآيات الواضحات على حقيقة ما تدعوهم إليه. فيقولون: ﴿[أَبَشَرٌ] يَهْدُونَنَا﴾ استكباراً منهم أن يكون رسل الله (إليهم) بشر مثلهم. وَأَتَى "يَهْدونَنَا" بلفظ الجمع وقَبْلَهُ "بَشَرٌ"، "مُوَحَّد"، لأنه حُمِلَ على المعنى، لأنه عند بعضهم اسْمٌ للجمع.
وحكى [المازني] أن النحويين أجازوا أن يقال: [جاءني] ثلاثة نفر وثلاثة رهط، لأن نفراً ورهطاً لأقل العدد، [وما دون العشرة يضاف لأَقَلِ العدد، فلما وقع موقعه وهو مثْلُه لأقل العدد] جاز، و "بشر" للعدد الكثير، و "قوم" للقليل والكثير، فلما خالف ما يضاف إليه ما دون العشرة (لم يضف إليه كما لا [يضاف] ما دون العشرة) إلى أكثر العدد.
وقال المبرد: إنما لم يضف ما دون العشرة إلى "بشر"، لأنه يقع للواحد والجمع، وما دون العشرة لا يضاف إلى الواحد. هذا معنى قولهما. واستدل على أن "بشرا" يقع للواحد [بقول] الله ﴿مَا هَـٰذَا بَشَراً﴾ [يوسف: ٣١] ثم قال: ﴿فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ...﴾
(أي): فجحدوا رسالات ربهم، وأدبروا عن الإيمان برسلهم ﴿وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ...﴾ عن إيمانهم إذ [لا يزيد] في ملكه إيمانهم، ولا ينقص منه كفرهم.
* *
﴿وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.
أي: ﴿غَنِيٌّ﴾ عن جميع خلقه، محمود عند جميعهم، إذ ما يهم من نعمة فمنه وبفضله.
* *
ثم قال: ﴿زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ﴾
أي: زعم الكفار من قريش أنهم لا يبعثون من قبورهم بعد مماتهم. وقد كره مجاهد وغيره أن يقول الرجل: زعم فلان. "وزعم" عند النحويين على ضربين:
تكون بمعنى قال، وبمعنى تَخَرَّصَ وَتَقَوَّلَ.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾
أي: قل لهم يا محمد مجاوباً [لنفيهم] البعث: بلى وربي، لتبعثن من قبوركم يوم القيامة، ثم لَتُخْبَرُنَّ بما عملتم في الدنيا، ثم [تجازون] على أعمالكم.
* *
﴿وَذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾.
أي: سهل هين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلنّورِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلْنَا﴾
أي: فصدقوا بالله أيها المشركون (به)، وصدقوا برسوله وبالقرآن الذي أنزل عليه ربما فيه من إخبار الله إياكم بالبعث والجزاء والجنة والنار وغير ذلك.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
أي: ذو خبر وعلم بأعمالكم، لا يخفى عليه منها شيء، وهو مجازيكم على جميعها.
* *
﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ﴾
[العامل] في: "يَوْمَ يجْمَعُكُمْ": ["خَبِيرٌ"] والمعنى: والله ذو خبر بأعمالكم يجازيكم عليها في يوم يجمعكم ليوم جمع الخلائق كلهم، ذلك يوم يَغْبَنُ فيه أهلُ الجنة أهلَ النار.
قال مجاهد: (يَوْمَ القيامة يَوْمٌ يَغْبَنُ فيه أهلُ الجنة أهلَ النار).
قال ابن عباس: (غَبَنَ أهلُ الجنة أهلَ النار).
وقيل: العامل في "يوم"... لتنبؤن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾
أي: ومن يصدّق بالله وبما أنزل ويعمل في دنياه عملاً صالحاً نكفر عنه ما مضى من سيئاته ونمحها عنه ونسترها عليه وندخله في الآخرة بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار خالدين فيها أبداً لا يموتون ولا يخرجون منها.
* *
- ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾.
أي: ذلك [النجاء] العظيم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَآ (أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ)﴾.
أي: والذين جحدوا توحيد الله وكذبوا بأدلته تعالى وجحدوا كتابه، أولئك أصحاب النار هم فيها ماكثون أبداً لا يموتون ولا يخرجون منها.
* *
﴿وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾.
أي: وبئس الشيء الذي يصار إليه نارُ جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ (وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾.
أي: لم تصب أحداً من الخلق مصيبة إلا بقضاء الله وتقديره ذلك عليه.
وقال الفراء: معناه: إلا بأمر الله).
قال علقمة: هو الرجل تصيبه [المصيبة] فيعلم أنها من قبل الله فيسلم لها ويرضى عن الله، فذلك قوله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، أي: ومن يصدق بالله وبتوحيده يَهْدِ قلبه إلى الإيمان ويُوَفِّقُهُ إلى الطريق المستقيم، فيعلم أنه لا تصيبه إلا بإذن الله فيسلم لأمر (الله) ويرضى بقضائه.
قال ابن عباس: يهدي قلبه لليقين فيعلم أن كُلاًّ من عند الله، وما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
وقيل: يهدي قلبه إلى التسليم لأمر الله إذا أصيب وإلى الشكر إذا أنعم عليه وإلى الغفران إذا ظلم .
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ فَإِن تَولَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ﴾.
أي: أطيعوا الله في أمره ونهيه والإيمان به وبرسوله وأطيعوا رسوله، فإن أعرضتم عن الإيمان بذلك فليس على محمد إلا أن يبلغكم ما أرسل [به] إليكم بلاغا ظاهراً، والمحاسبةُ والمجازاةُ على الله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾.
أي: الله معبودكم، لا معبود تصلح العبادة إلا له، وعلى الله فليتوكل المصدقون بوحدانيته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ..﴾ الآية.
روي أن هذه الآية نزلت في قوم أرادوا الإسلام والهجرة، وأسلموا في بلدانهم وأرادوا الهجرة فثبطهم عن ذلك أزواجهم وأولادهم وأبوا أن يَدَعُوهُمْ يخرجون، ثم هاجروا بعد ذلك بأهليهم وأولادهم. فلما قدموا المدينة، وجدوا الناس قد فقهوا وتعلموا القرآن، فَهَمُّوا [عقوبة] أزواجهم وأولادهم، فأنزل الله هذه الآية. ولذلك قال: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. فاعلموا أن من الأزواج والأولاد من هو عدو، ولا عَدُوَّ أَعْظَمُ ممن مَنَعَ من الهجرة. هذا معنى قول ابن عباس.
فكان الرجل يضرب أهله إذا ثبطوه عن الهجرة، وَيُقْسِمُ ليفعلن بهم وليعاقبنهم على ذلك، فقال الله: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. قال عطاء: نزلت [هذه الثلاث آيات] (في عوف بن مالك الأشجعي، كان ذا أهل وولد، فكان إذا أراد الغزو [بكوا] إليه ووقفوه، وقالوا: إلى من تدعنا؟ فَيَرِقُّ ويقيم فنزلت هذه الآيات (فيه)).
قال قتادة: من الأزواج والأولاد من لا يأمر بطاعة الله، ولا ينهي عن معصيته.
وكبرت تلك عداوة للمرء أن يكون صاحبه (لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر).
وأكثر المفسرين على أنهن نزلن في من كان [يسلم] ويمنعه أهله وولده من الهجرة. وهو قول الضحاك (وابن زيد).
* *
ثم قال: ﴿إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ [وَأَوْلاَدُكُمْ] فِتْنَةٌ﴾
أي: بلاء عليكم في الدنيا.
وروي أن النبي ﷺ رأى الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، وهو يخطب، فنزل رسول الله ﷺ، أخذهما فرفعهما ووضعهما في حجره ثم قال: صدق الله ﴿إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ رأيت هذين فلم أصبر، ثم أخذ في خطبته
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
أي: ثواب عظيم إذا أنتم خالفتم الأزواج والأولاد في طاعة الله.
قال قتادة: ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: الجنة.
* *
ثم قال: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾
هذا نزل بعد قوله تعالى: ﴿ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] تخفيفاً عن الخلق، فقيل: إن هذا ناسخ لذلك، وقيل: "هو تخفيف، ولا بد من التقى. ومعنى ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يطاع فلا يعصى.
وكانوا يبايعون النبي ﷺ على السمع والطاعة، فيقول: فيما استطعتم.
قال ابن مسعود ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ﴾
أي: اسمعوا لرسول الله وأطيعوه فيما أمركم به ونهاكم عنه.
* *
- ﴿وَأَنْفِقُواْ خَيْراً لأَنفُسِكُمْ﴾
أي: أنفقوا مالاً لأنفسكم، فالخير هنا مفعول لِ "أَنفقوا"، والخير: المال، كما قال: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] يعني: المال.
وقيل: "خَيْرَاً" هنا بمعنى: أفعل، أي: وأنفقوا في سبيل الله يكن خيرا لكم.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.
أي: ومن يقه الله شح نفسه. وذلك اتباع هواها فيما نهى الله عنه.
قال ابن عباس: "شُحَّ نَفْسِهِ": "هوى نفسه...".
قال ابن مسعود: "هو أن يَعْمَدَ إلى مال غيره فيأكله".
وقال سفيان بن عيينة: هو الظلم، وليس هو البخل.
* *
﴿فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.
أي: هم الباقون في النعيم المقيم.
قال الحسن: نظرك إلى المرأة لا تملكها من الشح.
وقال ابن عباس: ليس الشح أن يمنع الإنسان ماله، إنما الشح أن [تطمح] عين الرجل إلى ما ليس له.
قال ابن مسعود: إنما الشح الذي ذكر الله تعالى أن يأكل الرجل مال أخيه، وحَبْسُ المال [عن] الصدقة هو البخل.
وقال طاوس: إنما الشح أن تشحّ على ما في [أيدي] الناس.
[قال علي: من أدى زكاته فقد وُقِي شح نفسه].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِن تُقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ (وَيَغْفِرْ لَكُمْ)﴾.
أي: إن تنفقوا في سبيل الله في الدنيا احتساباً للأجر والثواب يُضَاعِف أَجْرَ ذلك لَكُمْ رَبُّكُمْ من واحد إلى سبعمائة ضعف إلى أكثر ويستر عليكم ذنوبكم مع تضعيفه لنفقاتكم.
* *
﴿وَٱللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾.
أي: ذو شكر لأهل الإنفاق في سبيله، حليم عن أهل معاصيه، يترك معاجلتهم بعقوبته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾.
أي: هو عالم ما غاب عن الأبصار وما ظهر في السماوات والأرضين، وهو الشديد في انتقامه ممن كفر به، الحكيم في تدبيره خلقه.
التغابن 64:10
[قوله تعالى]: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَ[مَا فِي] ٱلأَرْضِ...﴾ إلى آخر السورة.
معناه: يصلي لله ويسجد جميع من في السماوات السبع والأرض من الخلق طوعا وكرها "ويسبح": للحال.
- وقيل: معناه [ينزه الله] ويُبَرِّئُهُ من السوء كل من في السماوات والأرض.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ﴾
أي: له ملك السماوات والأرض وسلطان ذلك، وله حمد [ما] فيهما من الخلق.
* *
- ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
أي: ذو قدرة على كل شيء، يفعل ما يريد، لا يُعْجِزُهُ شيء أراده.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ﴾
[أي: خلقكم على علمه فيكم من قبل أن يخلقكم، فمنكم من كفر، ومنكم من آمن على ما سبق من علمه بكم]، أي: الله الذي خلقكم - أيها الناس - فمنكم من يكفر بخالقه ويجحده، ومنكم من يُؤْمِنُ بخالقه ويُقِرُّ بِهِ.
* *
- ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
أي: والله الذي خلقكم بصير بأعمالكم، لا يخفى عليه منها شيء، فيجازيكم بها، فاتقوه فيما أمركم به وما نهاكم عنه.
وعن أبي ذر أنه قال: إن المني إذا مكث في الرحم أربعين ليلة أتى مَلَكُ النفوس فعرج به إلى الجبار في راحته فقال: يا رب عبدك: ذكر أو أنثى؟ فيقضي الله جل ثناؤه ما هو قاض. ثم يقول: أي رب، شقي أو سعيد؟ فيكتب ما هو [لاَقٍ].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ (وَصَوَّرَكُمْ) فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ...ُ﴾.
أي: خلق السماوات والأرض بالعدل [والإنصاف] ومثّلكم فأحسن تمثيلكم.
وروي أنه [عنى] به تصوير آدم وخلقه إياه.
(وقال ابن عباس: يعني آدَمَ، خلقه بيده.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِير﴾.
أي: المرجع يوم القيامة).
* *
- ثم قال: ﴿(يَعْلَمُ) مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾
أي: يعلم كل ما في السماوات السبع والأرض من شيء لا تخفى عليه من ذلك خافية، ويعلم ما يُسِرُّ الخلق من قول وعمل وما يعلنون من ذلك.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾.
أي: ذو علم بضمائر صدور العباد وما تنطوي عليه نفوسهم وهذا: (كله) تحذير من الله جل ذكره (لعباده أن يسروا غير الذي يعلنون).
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ (ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ)﴾.
(هو خطاب لقريش أي: ألم يأتكم خبر الذين كفروا من قبلكم كقوم (نوح) وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط كفروا ﴿فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾)، أي: فمسهم عقاب الله إياهم على كفرهم فتخافوا أنتم أن يحل بكم على كفركم مثل ما حلّ بهم.
* *
- ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
أي: ولهم بعد ما نزل بهم في الدنيا من العذاب عذاب آخر موجع في الآخرة، وهو عذاب في النار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَقَالُوۤاْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ﴾
أي: ذلك (الذي) [نالهم] على كفرهم والذي أعد لهم ربهم من العذاب من أجل أنه ﴿كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾: الآيات الواضحات على حقيقة ما تدعوهم إليه. فيقولون: ﴿[أَبَشَرٌ] يَهْدُونَنَا﴾ استكباراً منهم أن يكون رسل الله (إليهم) بشر مثلهم. وَأَتَى "يَهْدونَنَا" بلفظ الجمع وقَبْلَهُ "بَشَرٌ"، "مُوَحَّد"، لأنه حُمِلَ على المعنى، لأنه عند بعضهم اسْمٌ للجمع.
وحكى [المازني] أن النحويين أجازوا أن يقال: [جاءني] ثلاثة نفر وثلاثة رهط، لأن نفراً ورهطاً لأقل العدد، [وما دون العشرة يضاف لأَقَلِ العدد، فلما وقع موقعه وهو مثْلُه لأقل العدد] جاز، و "بشر" للعدد الكثير، و "قوم" للقليل والكثير، فلما خالف ما يضاف إليه ما دون العشرة (لم يضف إليه كما لا [يضاف] ما دون العشرة) إلى أكثر العدد.
وقال المبرد: إنما لم يضف ما دون العشرة إلى "بشر"، لأنه يقع للواحد والجمع، وما دون العشرة لا يضاف إلى الواحد. هذا معنى قولهما. واستدل على أن "بشرا" يقع للواحد [بقول] الله ﴿مَا هَـٰذَا بَشَراً﴾ [يوسف: ٣١] ثم قال: ﴿فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ...﴾
(أي): فجحدوا رسالات ربهم، وأدبروا عن الإيمان برسلهم ﴿وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ...﴾ عن إيمانهم إذ [لا يزيد] في ملكه إيمانهم، ولا ينقص منه كفرهم.
* *
﴿وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.
أي: ﴿غَنِيٌّ﴾ عن جميع خلقه، محمود عند جميعهم، إذ ما يهم من نعمة فمنه وبفضله.
* *
ثم قال: ﴿زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ﴾
أي: زعم الكفار من قريش أنهم لا يبعثون من قبورهم بعد مماتهم. وقد كره مجاهد وغيره أن يقول الرجل: زعم فلان. "وزعم" عند النحويين على ضربين:
تكون بمعنى قال، وبمعنى تَخَرَّصَ وَتَقَوَّلَ.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾
أي: قل لهم يا محمد مجاوباً [لنفيهم] البعث: بلى وربي، لتبعثن من قبوركم يوم القيامة، ثم لَتُخْبَرُنَّ بما عملتم في الدنيا، ثم [تجازون] على أعمالكم.
* *
﴿وَذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾.
أي: سهل هين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلنّورِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلْنَا﴾
أي: فصدقوا بالله أيها المشركون (به)، وصدقوا برسوله وبالقرآن الذي أنزل عليه ربما فيه من إخبار الله إياكم بالبعث والجزاء والجنة والنار وغير ذلك.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
أي: ذو خبر وعلم بأعمالكم، لا يخفى عليه منها شيء، وهو مجازيكم على جميعها.
* *
﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ﴾
[العامل] في: "يَوْمَ يجْمَعُكُمْ": ["خَبِيرٌ"] والمعنى: والله ذو خبر بأعمالكم يجازيكم عليها في يوم يجمعكم ليوم جمع الخلائق كلهم، ذلك يوم يَغْبَنُ فيه أهلُ الجنة أهلَ النار.
قال مجاهد: (يَوْمَ القيامة يَوْمٌ يَغْبَنُ فيه أهلُ الجنة أهلَ النار).
قال ابن عباس: (غَبَنَ أهلُ الجنة أهلَ النار).
وقيل: العامل في "يوم"... لتنبؤن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾
أي: ومن يصدّق بالله وبما أنزل ويعمل في دنياه عملاً صالحاً نكفر عنه ما مضى من سيئاته ونمحها عنه ونسترها عليه وندخله في الآخرة بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار خالدين فيها أبداً لا يموتون ولا يخرجون منها.
* *
- ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾.
أي: ذلك [النجاء] العظيم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَآ (أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ)﴾.
أي: والذين جحدوا توحيد الله وكذبوا بأدلته تعالى وجحدوا كتابه، أولئك أصحاب النار هم فيها ماكثون أبداً لا يموتون ولا يخرجون منها.
* *
﴿وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾.
أي: وبئس الشيء الذي يصار إليه نارُ جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ (وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾.
أي: لم تصب أحداً من الخلق مصيبة إلا بقضاء الله وتقديره ذلك عليه.
وقال الفراء: معناه: إلا بأمر الله).
قال علقمة: هو الرجل تصيبه [المصيبة] فيعلم أنها من قبل الله فيسلم لها ويرضى عن الله، فذلك قوله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، أي: ومن يصدق بالله وبتوحيده يَهْدِ قلبه إلى الإيمان ويُوَفِّقُهُ إلى الطريق المستقيم، فيعلم أنه لا تصيبه إلا بإذن الله فيسلم لأمر (الله) ويرضى بقضائه.
قال ابن عباس: يهدي قلبه لليقين فيعلم أن كُلاًّ من عند الله، وما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
وقيل: يهدي قلبه إلى التسليم لأمر الله إذا أصيب وإلى الشكر إذا أنعم عليه وإلى الغفران إذا ظلم .
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ فَإِن تَولَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ﴾.
أي: أطيعوا الله في أمره ونهيه والإيمان به وبرسوله وأطيعوا رسوله، فإن أعرضتم عن الإيمان بذلك فليس على محمد إلا أن يبلغكم ما أرسل [به] إليكم بلاغا ظاهراً، والمحاسبةُ والمجازاةُ على الله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾.
أي: الله معبودكم، لا معبود تصلح العبادة إلا له، وعلى الله فليتوكل المصدقون بوحدانيته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ..﴾ الآية.
روي أن هذه الآية نزلت في قوم أرادوا الإسلام والهجرة، وأسلموا في بلدانهم وأرادوا الهجرة فثبطهم عن ذلك أزواجهم وأولادهم وأبوا أن يَدَعُوهُمْ يخرجون، ثم هاجروا بعد ذلك بأهليهم وأولادهم. فلما قدموا المدينة، وجدوا الناس قد فقهوا وتعلموا القرآن، فَهَمُّوا [عقوبة] أزواجهم وأولادهم، فأنزل الله هذه الآية. ولذلك قال: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. فاعلموا أن من الأزواج والأولاد من هو عدو، ولا عَدُوَّ أَعْظَمُ ممن مَنَعَ من الهجرة. هذا معنى قول ابن عباس.
فكان الرجل يضرب أهله إذا ثبطوه عن الهجرة، وَيُقْسِمُ ليفعلن بهم وليعاقبنهم على ذلك، فقال الله: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. قال عطاء: نزلت [هذه الثلاث آيات] (في عوف بن مالك الأشجعي، كان ذا أهل وولد، فكان إذا أراد الغزو [بكوا] إليه ووقفوه، وقالوا: إلى من تدعنا؟ فَيَرِقُّ ويقيم فنزلت هذه الآيات (فيه)).
قال قتادة: من الأزواج والأولاد من لا يأمر بطاعة الله، ولا ينهي عن معصيته.
وكبرت تلك عداوة للمرء أن يكون صاحبه (لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر).
وأكثر المفسرين على أنهن نزلن في من كان [يسلم] ويمنعه أهله وولده من الهجرة. وهو قول الضحاك (وابن زيد).
* *
ثم قال: ﴿إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ [وَأَوْلاَدُكُمْ] فِتْنَةٌ﴾
أي: بلاء عليكم في الدنيا.
وروي أن النبي ﷺ رأى الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، وهو يخطب، فنزل رسول الله ﷺ، أخذهما فرفعهما ووضعهما في حجره ثم قال: صدق الله ﴿إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ رأيت هذين فلم أصبر، ثم أخذ في خطبته
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
أي: ثواب عظيم إذا أنتم خالفتم الأزواج والأولاد في طاعة الله.
قال قتادة: ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: الجنة.
* *
ثم قال: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾
هذا نزل بعد قوله تعالى: ﴿ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] تخفيفاً عن الخلق، فقيل: إن هذا ناسخ لذلك، وقيل: "هو تخفيف، ولا بد من التقى. ومعنى ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يطاع فلا يعصى.
وكانوا يبايعون النبي ﷺ على السمع والطاعة، فيقول: فيما استطعتم.
قال ابن مسعود ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ﴾
أي: اسمعوا لرسول الله وأطيعوه فيما أمركم به ونهاكم عنه.
* *
- ﴿وَأَنْفِقُواْ خَيْراً لأَنفُسِكُمْ﴾
أي: أنفقوا مالاً لأنفسكم، فالخير هنا مفعول لِ "أَنفقوا"، والخير: المال، كما قال: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] يعني: المال.
وقيل: "خَيْرَاً" هنا بمعنى: أفعل، أي: وأنفقوا في سبيل الله يكن خيرا لكم.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.
أي: ومن يقه الله شح نفسه. وذلك اتباع هواها فيما نهى الله عنه.
قال ابن عباس: "شُحَّ نَفْسِهِ": "هوى نفسه...".
قال ابن مسعود: "هو أن يَعْمَدَ إلى مال غيره فيأكله".
وقال سفيان بن عيينة: هو الظلم، وليس هو البخل.
* *
﴿فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.
أي: هم الباقون في النعيم المقيم.
قال الحسن: نظرك إلى المرأة لا تملكها من الشح.
وقال ابن عباس: ليس الشح أن يمنع الإنسان ماله، إنما الشح أن [تطمح] عين الرجل إلى ما ليس له.
قال ابن مسعود: إنما الشح الذي ذكر الله تعالى أن يأكل الرجل مال أخيه، وحَبْسُ المال [عن] الصدقة هو البخل.
وقال طاوس: إنما الشح أن تشحّ على ما في [أيدي] الناس.
[قال علي: من أدى زكاته فقد وُقِي شح نفسه].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِن تُقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ (وَيَغْفِرْ لَكُمْ)﴾.
أي: إن تنفقوا في سبيل الله في الدنيا احتساباً للأجر والثواب يُضَاعِف أَجْرَ ذلك لَكُمْ رَبُّكُمْ من واحد إلى سبعمائة ضعف إلى أكثر ويستر عليكم ذنوبكم مع تضعيفه لنفقاتكم.
* *
﴿وَٱللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾.
أي: ذو شكر لأهل الإنفاق في سبيله، حليم عن أهل معاصيه، يترك معاجلتهم بعقوبته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾.
أي: هو عالم ما غاب عن الأبصار وما ظهر في السماوات والأرضين، وهو الشديد في انتقامه ممن كفر به، الحكيم في تدبيره خلقه.
التغابن 64:11
[قوله تعالى]: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَ[مَا فِي] ٱلأَرْضِ...﴾ إلى آخر السورة.
معناه: يصلي لله ويسجد جميع من في السماوات السبع والأرض من الخلق طوعا وكرها "ويسبح": للحال.
- وقيل: معناه [ينزه الله] ويُبَرِّئُهُ من السوء كل من في السماوات والأرض.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ﴾
أي: له ملك السماوات والأرض وسلطان ذلك، وله حمد [ما] فيهما من الخلق.
* *
- ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
أي: ذو قدرة على كل شيء، يفعل ما يريد، لا يُعْجِزُهُ شيء أراده.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ﴾
[أي: خلقكم على علمه فيكم من قبل أن يخلقكم، فمنكم من كفر، ومنكم من آمن على ما سبق من علمه بكم]، أي: الله الذي خلقكم - أيها الناس - فمنكم من يكفر بخالقه ويجحده، ومنكم من يُؤْمِنُ بخالقه ويُقِرُّ بِهِ.
* *
- ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
أي: والله الذي خلقكم بصير بأعمالكم، لا يخفى عليه منها شيء، فيجازيكم بها، فاتقوه فيما أمركم به وما نهاكم عنه.
وعن أبي ذر أنه قال: إن المني إذا مكث في الرحم أربعين ليلة أتى مَلَكُ النفوس فعرج به إلى الجبار في راحته فقال: يا رب عبدك: ذكر أو أنثى؟ فيقضي الله جل ثناؤه ما هو قاض. ثم يقول: أي رب، شقي أو سعيد؟ فيكتب ما هو [لاَقٍ].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ (وَصَوَّرَكُمْ) فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ...ُ﴾.
أي: خلق السماوات والأرض بالعدل [والإنصاف] ومثّلكم فأحسن تمثيلكم.
وروي أنه [عنى] به تصوير آدم وخلقه إياه.
(وقال ابن عباس: يعني آدَمَ، خلقه بيده.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِير﴾.
أي: المرجع يوم القيامة).
* *
- ثم قال: ﴿(يَعْلَمُ) مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾
أي: يعلم كل ما في السماوات السبع والأرض من شيء لا تخفى عليه من ذلك خافية، ويعلم ما يُسِرُّ الخلق من قول وعمل وما يعلنون من ذلك.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾.
أي: ذو علم بضمائر صدور العباد وما تنطوي عليه نفوسهم وهذا: (كله) تحذير من الله جل ذكره (لعباده أن يسروا غير الذي يعلنون).
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ (ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ)﴾.
(هو خطاب لقريش أي: ألم يأتكم خبر الذين كفروا من قبلكم كقوم (نوح) وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط كفروا ﴿فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾)، أي: فمسهم عقاب الله إياهم على كفرهم فتخافوا أنتم أن يحل بكم على كفركم مثل ما حلّ بهم.
* *
- ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
أي: ولهم بعد ما نزل بهم في الدنيا من العذاب عذاب آخر موجع في الآخرة، وهو عذاب في النار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَقَالُوۤاْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ﴾
أي: ذلك (الذي) [نالهم] على كفرهم والذي أعد لهم ربهم من العذاب من أجل أنه ﴿كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾: الآيات الواضحات على حقيقة ما تدعوهم إليه. فيقولون: ﴿[أَبَشَرٌ] يَهْدُونَنَا﴾ استكباراً منهم أن يكون رسل الله (إليهم) بشر مثلهم. وَأَتَى "يَهْدونَنَا" بلفظ الجمع وقَبْلَهُ "بَشَرٌ"، "مُوَحَّد"، لأنه حُمِلَ على المعنى، لأنه عند بعضهم اسْمٌ للجمع.
وحكى [المازني] أن النحويين أجازوا أن يقال: [جاءني] ثلاثة نفر وثلاثة رهط، لأن نفراً ورهطاً لأقل العدد، [وما دون العشرة يضاف لأَقَلِ العدد، فلما وقع موقعه وهو مثْلُه لأقل العدد] جاز، و "بشر" للعدد الكثير، و "قوم" للقليل والكثير، فلما خالف ما يضاف إليه ما دون العشرة (لم يضف إليه كما لا [يضاف] ما دون العشرة) إلى أكثر العدد.
وقال المبرد: إنما لم يضف ما دون العشرة إلى "بشر"، لأنه يقع للواحد والجمع، وما دون العشرة لا يضاف إلى الواحد. هذا معنى قولهما. واستدل على أن "بشرا" يقع للواحد [بقول] الله ﴿مَا هَـٰذَا بَشَراً﴾ [يوسف: ٣١] ثم قال: ﴿فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ...﴾
(أي): فجحدوا رسالات ربهم، وأدبروا عن الإيمان برسلهم ﴿وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ...﴾ عن إيمانهم إذ [لا يزيد] في ملكه إيمانهم، ولا ينقص منه كفرهم.
* *
﴿وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.
أي: ﴿غَنِيٌّ﴾ عن جميع خلقه، محمود عند جميعهم، إذ ما يهم من نعمة فمنه وبفضله.
* *
ثم قال: ﴿زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ﴾
أي: زعم الكفار من قريش أنهم لا يبعثون من قبورهم بعد مماتهم. وقد كره مجاهد وغيره أن يقول الرجل: زعم فلان. "وزعم" عند النحويين على ضربين:
تكون بمعنى قال، وبمعنى تَخَرَّصَ وَتَقَوَّلَ.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾
أي: قل لهم يا محمد مجاوباً [لنفيهم] البعث: بلى وربي، لتبعثن من قبوركم يوم القيامة، ثم لَتُخْبَرُنَّ بما عملتم في الدنيا، ثم [تجازون] على أعمالكم.
* *
﴿وَذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾.
أي: سهل هين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلنّورِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلْنَا﴾
أي: فصدقوا بالله أيها المشركون (به)، وصدقوا برسوله وبالقرآن الذي أنزل عليه ربما فيه من إخبار الله إياكم بالبعث والجزاء والجنة والنار وغير ذلك.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
أي: ذو خبر وعلم بأعمالكم، لا يخفى عليه منها شيء، وهو مجازيكم على جميعها.
* *
﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ﴾
[العامل] في: "يَوْمَ يجْمَعُكُمْ": ["خَبِيرٌ"] والمعنى: والله ذو خبر بأعمالكم يجازيكم عليها في يوم يجمعكم ليوم جمع الخلائق كلهم، ذلك يوم يَغْبَنُ فيه أهلُ الجنة أهلَ النار.
قال مجاهد: (يَوْمَ القيامة يَوْمٌ يَغْبَنُ فيه أهلُ الجنة أهلَ النار).
قال ابن عباس: (غَبَنَ أهلُ الجنة أهلَ النار).
وقيل: العامل في "يوم"... لتنبؤن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾
أي: ومن يصدّق بالله وبما أنزل ويعمل في دنياه عملاً صالحاً نكفر عنه ما مضى من سيئاته ونمحها عنه ونسترها عليه وندخله في الآخرة بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار خالدين فيها أبداً لا يموتون ولا يخرجون منها.
* *
- ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾.
أي: ذلك [النجاء] العظيم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَآ (أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ)﴾.
أي: والذين جحدوا توحيد الله وكذبوا بأدلته تعالى وجحدوا كتابه، أولئك أصحاب النار هم فيها ماكثون أبداً لا يموتون ولا يخرجون منها.
* *
﴿وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾.
أي: وبئس الشيء الذي يصار إليه نارُ جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ (وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾.
أي: لم تصب أحداً من الخلق مصيبة إلا بقضاء الله وتقديره ذلك عليه.
وقال الفراء: معناه: إلا بأمر الله).
قال علقمة: هو الرجل تصيبه [المصيبة] فيعلم أنها من قبل الله فيسلم لها ويرضى عن الله، فذلك قوله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، أي: ومن يصدق بالله وبتوحيده يَهْدِ قلبه إلى الإيمان ويُوَفِّقُهُ إلى الطريق المستقيم، فيعلم أنه لا تصيبه إلا بإذن الله فيسلم لأمر (الله) ويرضى بقضائه.
قال ابن عباس: يهدي قلبه لليقين فيعلم أن كُلاًّ من عند الله، وما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
وقيل: يهدي قلبه إلى التسليم لأمر الله إذا أصيب وإلى الشكر إذا أنعم عليه وإلى الغفران إذا ظلم .
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ فَإِن تَولَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ﴾.
أي: أطيعوا الله في أمره ونهيه والإيمان به وبرسوله وأطيعوا رسوله، فإن أعرضتم عن الإيمان بذلك فليس على محمد إلا أن يبلغكم ما أرسل [به] إليكم بلاغا ظاهراً، والمحاسبةُ والمجازاةُ على الله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾.
أي: الله معبودكم، لا معبود تصلح العبادة إلا له، وعلى الله فليتوكل المصدقون بوحدانيته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ..﴾ الآية.
روي أن هذه الآية نزلت في قوم أرادوا الإسلام والهجرة، وأسلموا في بلدانهم وأرادوا الهجرة فثبطهم عن ذلك أزواجهم وأولادهم وأبوا أن يَدَعُوهُمْ يخرجون، ثم هاجروا بعد ذلك بأهليهم وأولادهم. فلما قدموا المدينة، وجدوا الناس قد فقهوا وتعلموا القرآن، فَهَمُّوا [عقوبة] أزواجهم وأولادهم، فأنزل الله هذه الآية. ولذلك قال: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. فاعلموا أن من الأزواج والأولاد من هو عدو، ولا عَدُوَّ أَعْظَمُ ممن مَنَعَ من الهجرة. هذا معنى قول ابن عباس.
فكان الرجل يضرب أهله إذا ثبطوه عن الهجرة، وَيُقْسِمُ ليفعلن بهم وليعاقبنهم على ذلك، فقال الله: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. قال عطاء: نزلت [هذه الثلاث آيات] (في عوف بن مالك الأشجعي، كان ذا أهل وولد، فكان إذا أراد الغزو [بكوا] إليه ووقفوه، وقالوا: إلى من تدعنا؟ فَيَرِقُّ ويقيم فنزلت هذه الآيات (فيه)).
قال قتادة: من الأزواج والأولاد من لا يأمر بطاعة الله، ولا ينهي عن معصيته.
وكبرت تلك عداوة للمرء أن يكون صاحبه (لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر).
وأكثر المفسرين على أنهن نزلن في من كان [يسلم] ويمنعه أهله وولده من الهجرة. وهو قول الضحاك (وابن زيد).
* *
ثم قال: ﴿إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ [وَأَوْلاَدُكُمْ] فِتْنَةٌ﴾
أي: بلاء عليكم في الدنيا.
وروي أن النبي ﷺ رأى الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، وهو يخطب، فنزل رسول الله ﷺ، أخذهما فرفعهما ووضعهما في حجره ثم قال: صدق الله ﴿إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ رأيت هذين فلم أصبر، ثم أخذ في خطبته
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
أي: ثواب عظيم إذا أنتم خالفتم الأزواج والأولاد في طاعة الله.
قال قتادة: ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: الجنة.
* *
ثم قال: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾
هذا نزل بعد قوله تعالى: ﴿ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] تخفيفاً عن الخلق، فقيل: إن هذا ناسخ لذلك، وقيل: "هو تخفيف، ولا بد من التقى. ومعنى ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يطاع فلا يعصى.
وكانوا يبايعون النبي ﷺ على السمع والطاعة، فيقول: فيما استطعتم.
قال ابن مسعود ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ﴾
أي: اسمعوا لرسول الله وأطيعوه فيما أمركم به ونهاكم عنه.
* *
- ﴿وَأَنْفِقُواْ خَيْراً لأَنفُسِكُمْ﴾
أي: أنفقوا مالاً لأنفسكم، فالخير هنا مفعول لِ "أَنفقوا"، والخير: المال، كما قال: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] يعني: المال.
وقيل: "خَيْرَاً" هنا بمعنى: أفعل، أي: وأنفقوا في سبيل الله يكن خيرا لكم.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.
أي: ومن يقه الله شح نفسه. وذلك اتباع هواها فيما نهى الله عنه.
قال ابن عباس: "شُحَّ نَفْسِهِ": "هوى نفسه...".
قال ابن مسعود: "هو أن يَعْمَدَ إلى مال غيره فيأكله".
وقال سفيان بن عيينة: هو الظلم، وليس هو البخل.
* *
﴿فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.
أي: هم الباقون في النعيم المقيم.
قال الحسن: نظرك إلى المرأة لا تملكها من الشح.
وقال ابن عباس: ليس الشح أن يمنع الإنسان ماله، إنما الشح أن [تطمح] عين الرجل إلى ما ليس له.
قال ابن مسعود: إنما الشح الذي ذكر الله تعالى أن يأكل الرجل مال أخيه، وحَبْسُ المال [عن] الصدقة هو البخل.
وقال طاوس: إنما الشح أن تشحّ على ما في [أيدي] الناس.
[قال علي: من أدى زكاته فقد وُقِي شح نفسه].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِن تُقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ (وَيَغْفِرْ لَكُمْ)﴾.
أي: إن تنفقوا في سبيل الله في الدنيا احتساباً للأجر والثواب يُضَاعِف أَجْرَ ذلك لَكُمْ رَبُّكُمْ من واحد إلى سبعمائة ضعف إلى أكثر ويستر عليكم ذنوبكم مع تضعيفه لنفقاتكم.
* *
﴿وَٱللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾.
أي: ذو شكر لأهل الإنفاق في سبيله، حليم عن أهل معاصيه، يترك معاجلتهم بعقوبته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾.
أي: هو عالم ما غاب عن الأبصار وما ظهر في السماوات والأرضين، وهو الشديد في انتقامه ممن كفر به، الحكيم في تدبيره خلقه.
التغابن 64:12
[قوله تعالى]: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَ[مَا فِي] ٱلأَرْضِ...﴾ إلى آخر السورة.
معناه: يصلي لله ويسجد جميع من في السماوات السبع والأرض من الخلق طوعا وكرها "ويسبح": للحال.
- وقيل: معناه [ينزه الله] ويُبَرِّئُهُ من السوء كل من في السماوات والأرض.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ﴾
أي: له ملك السماوات والأرض وسلطان ذلك، وله حمد [ما] فيهما من الخلق.
* *
- ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
أي: ذو قدرة على كل شيء، يفعل ما يريد، لا يُعْجِزُهُ شيء أراده.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ﴾
[أي: خلقكم على علمه فيكم من قبل أن يخلقكم، فمنكم من كفر، ومنكم من آمن على ما سبق من علمه بكم]، أي: الله الذي خلقكم - أيها الناس - فمنكم من يكفر بخالقه ويجحده، ومنكم من يُؤْمِنُ بخالقه ويُقِرُّ بِهِ.
* *
- ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
أي: والله الذي خلقكم بصير بأعمالكم، لا يخفى عليه منها شيء، فيجازيكم بها، فاتقوه فيما أمركم به وما نهاكم عنه.
وعن أبي ذر أنه قال: إن المني إذا مكث في الرحم أربعين ليلة أتى مَلَكُ النفوس فعرج به إلى الجبار في راحته فقال: يا رب عبدك: ذكر أو أنثى؟ فيقضي الله جل ثناؤه ما هو قاض. ثم يقول: أي رب، شقي أو سعيد؟ فيكتب ما هو [لاَقٍ].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ (وَصَوَّرَكُمْ) فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ...ُ﴾.
أي: خلق السماوات والأرض بالعدل [والإنصاف] ومثّلكم فأحسن تمثيلكم.
وروي أنه [عنى] به تصوير آدم وخلقه إياه.
(وقال ابن عباس: يعني آدَمَ، خلقه بيده.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِير﴾.
أي: المرجع يوم القيامة).
* *
- ثم قال: ﴿(يَعْلَمُ) مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾
أي: يعلم كل ما في السماوات السبع والأرض من شيء لا تخفى عليه من ذلك خافية، ويعلم ما يُسِرُّ الخلق من قول وعمل وما يعلنون من ذلك.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾.
أي: ذو علم بضمائر صدور العباد وما تنطوي عليه نفوسهم وهذا: (كله) تحذير من الله جل ذكره (لعباده أن يسروا غير الذي يعلنون).
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ (ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ)﴾.
(هو خطاب لقريش أي: ألم يأتكم خبر الذين كفروا من قبلكم كقوم (نوح) وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط كفروا ﴿فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾)، أي: فمسهم عقاب الله إياهم على كفرهم فتخافوا أنتم أن يحل بكم على كفركم مثل ما حلّ بهم.
* *
- ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
أي: ولهم بعد ما نزل بهم في الدنيا من العذاب عذاب آخر موجع في الآخرة، وهو عذاب في النار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَقَالُوۤاْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ﴾
أي: ذلك (الذي) [نالهم] على كفرهم والذي أعد لهم ربهم من العذاب من أجل أنه ﴿كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾: الآيات الواضحات على حقيقة ما تدعوهم إليه. فيقولون: ﴿[أَبَشَرٌ] يَهْدُونَنَا﴾ استكباراً منهم أن يكون رسل الله (إليهم) بشر مثلهم. وَأَتَى "يَهْدونَنَا" بلفظ الجمع وقَبْلَهُ "بَشَرٌ"، "مُوَحَّد"، لأنه حُمِلَ على المعنى، لأنه عند بعضهم اسْمٌ للجمع.
وحكى [المازني] أن النحويين أجازوا أن يقال: [جاءني] ثلاثة نفر وثلاثة رهط، لأن نفراً ورهطاً لأقل العدد، [وما دون العشرة يضاف لأَقَلِ العدد، فلما وقع موقعه وهو مثْلُه لأقل العدد] جاز، و "بشر" للعدد الكثير، و "قوم" للقليل والكثير، فلما خالف ما يضاف إليه ما دون العشرة (لم يضف إليه كما لا [يضاف] ما دون العشرة) إلى أكثر العدد.
وقال المبرد: إنما لم يضف ما دون العشرة إلى "بشر"، لأنه يقع للواحد والجمع، وما دون العشرة لا يضاف إلى الواحد. هذا معنى قولهما. واستدل على أن "بشرا" يقع للواحد [بقول] الله ﴿مَا هَـٰذَا بَشَراً﴾ [يوسف: ٣١] ثم قال: ﴿فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ...﴾
(أي): فجحدوا رسالات ربهم، وأدبروا عن الإيمان برسلهم ﴿وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ...﴾ عن إيمانهم إذ [لا يزيد] في ملكه إيمانهم، ولا ينقص منه كفرهم.
* *
﴿وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.
أي: ﴿غَنِيٌّ﴾ عن جميع خلقه، محمود عند جميعهم، إذ ما يهم من نعمة فمنه وبفضله.
* *
ثم قال: ﴿زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ﴾
أي: زعم الكفار من قريش أنهم لا يبعثون من قبورهم بعد مماتهم. وقد كره مجاهد وغيره أن يقول الرجل: زعم فلان. "وزعم" عند النحويين على ضربين:
تكون بمعنى قال، وبمعنى تَخَرَّصَ وَتَقَوَّلَ.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾
أي: قل لهم يا محمد مجاوباً [لنفيهم] البعث: بلى وربي، لتبعثن من قبوركم يوم القيامة، ثم لَتُخْبَرُنَّ بما عملتم في الدنيا، ثم [تجازون] على أعمالكم.
* *
﴿وَذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾.
أي: سهل هين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلنّورِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلْنَا﴾
أي: فصدقوا بالله أيها المشركون (به)، وصدقوا برسوله وبالقرآن الذي أنزل عليه ربما فيه من إخبار الله إياكم بالبعث والجزاء والجنة والنار وغير ذلك.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
أي: ذو خبر وعلم بأعمالكم، لا يخفى عليه منها شيء، وهو مجازيكم على جميعها.
* *
﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ﴾
[العامل] في: "يَوْمَ يجْمَعُكُمْ": ["خَبِيرٌ"] والمعنى: والله ذو خبر بأعمالكم يجازيكم عليها في يوم يجمعكم ليوم جمع الخلائق كلهم، ذلك يوم يَغْبَنُ فيه أهلُ الجنة أهلَ النار.
قال مجاهد: (يَوْمَ القيامة يَوْمٌ يَغْبَنُ فيه أهلُ الجنة أهلَ النار).
قال ابن عباس: (غَبَنَ أهلُ الجنة أهلَ النار).
وقيل: العامل في "يوم"... لتنبؤن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾
أي: ومن يصدّق بالله وبما أنزل ويعمل في دنياه عملاً صالحاً نكفر عنه ما مضى من سيئاته ونمحها عنه ونسترها عليه وندخله في الآخرة بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار خالدين فيها أبداً لا يموتون ولا يخرجون منها.
* *
- ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾.
أي: ذلك [النجاء] العظيم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَآ (أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ)﴾.
أي: والذين جحدوا توحيد الله وكذبوا بأدلته تعالى وجحدوا كتابه، أولئك أصحاب النار هم فيها ماكثون أبداً لا يموتون ولا يخرجون منها.
* *
﴿وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾.
أي: وبئس الشيء الذي يصار إليه نارُ جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ (وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾.
أي: لم تصب أحداً من الخلق مصيبة إلا بقضاء الله وتقديره ذلك عليه.
وقال الفراء: معناه: إلا بأمر الله).
قال علقمة: هو الرجل تصيبه [المصيبة] فيعلم أنها من قبل الله فيسلم لها ويرضى عن الله، فذلك قوله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، أي: ومن يصدق بالله وبتوحيده يَهْدِ قلبه إلى الإيمان ويُوَفِّقُهُ إلى الطريق المستقيم، فيعلم أنه لا تصيبه إلا بإذن الله فيسلم لأمر (الله) ويرضى بقضائه.
قال ابن عباس: يهدي قلبه لليقين فيعلم أن كُلاًّ من عند الله، وما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
وقيل: يهدي قلبه إلى التسليم لأمر الله إذا أصيب وإلى الشكر إذا أنعم عليه وإلى الغفران إذا ظلم .
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ فَإِن تَولَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ﴾.
أي: أطيعوا الله في أمره ونهيه والإيمان به وبرسوله وأطيعوا رسوله، فإن أعرضتم عن الإيمان بذلك فليس على محمد إلا أن يبلغكم ما أرسل [به] إليكم بلاغا ظاهراً، والمحاسبةُ والمجازاةُ على الله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾.
أي: الله معبودكم، لا معبود تصلح العبادة إلا له، وعلى الله فليتوكل المصدقون بوحدانيته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ..﴾ الآية.
روي أن هذه الآية نزلت في قوم أرادوا الإسلام والهجرة، وأسلموا في بلدانهم وأرادوا الهجرة فثبطهم عن ذلك أزواجهم وأولادهم وأبوا أن يَدَعُوهُمْ يخرجون، ثم هاجروا بعد ذلك بأهليهم وأولادهم. فلما قدموا المدينة، وجدوا الناس قد فقهوا وتعلموا القرآن، فَهَمُّوا [عقوبة] أزواجهم وأولادهم، فأنزل الله هذه الآية. ولذلك قال: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. فاعلموا أن من الأزواج والأولاد من هو عدو، ولا عَدُوَّ أَعْظَمُ ممن مَنَعَ من الهجرة. هذا معنى قول ابن عباس.
فكان الرجل يضرب أهله إذا ثبطوه عن الهجرة، وَيُقْسِمُ ليفعلن بهم وليعاقبنهم على ذلك، فقال الله: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. قال عطاء: نزلت [هذه الثلاث آيات] (في عوف بن مالك الأشجعي، كان ذا أهل وولد، فكان إذا أراد الغزو [بكوا] إليه ووقفوه، وقالوا: إلى من تدعنا؟ فَيَرِقُّ ويقيم فنزلت هذه الآيات (فيه)).
قال قتادة: من الأزواج والأولاد من لا يأمر بطاعة الله، ولا ينهي عن معصيته.
وكبرت تلك عداوة للمرء أن يكون صاحبه (لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر).
وأكثر المفسرين على أنهن نزلن في من كان [يسلم] ويمنعه أهله وولده من الهجرة. وهو قول الضحاك (وابن زيد).
* *
ثم قال: ﴿إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ [وَأَوْلاَدُكُمْ] فِتْنَةٌ﴾
أي: بلاء عليكم في الدنيا.
وروي أن النبي ﷺ رأى الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، وهو يخطب، فنزل رسول الله ﷺ، أخذهما فرفعهما ووضعهما في حجره ثم قال: صدق الله ﴿إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ رأيت هذين فلم أصبر، ثم أخذ في خطبته
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
أي: ثواب عظيم إذا أنتم خالفتم الأزواج والأولاد في طاعة الله.
قال قتادة: ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: الجنة.
* *
ثم قال: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾
هذا نزل بعد قوله تعالى: ﴿ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] تخفيفاً عن الخلق، فقيل: إن هذا ناسخ لذلك، وقيل: "هو تخفيف، ولا بد من التقى. ومعنى ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يطاع فلا يعصى.
وكانوا يبايعون النبي ﷺ على السمع والطاعة، فيقول: فيما استطعتم.
قال ابن مسعود ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ﴾
أي: اسمعوا لرسول الله وأطيعوه فيما أمركم به ونهاكم عنه.
* *
- ﴿وَأَنْفِقُواْ خَيْراً لأَنفُسِكُمْ﴾
أي: أنفقوا مالاً لأنفسكم، فالخير هنا مفعول لِ "أَنفقوا"، والخير: المال، كما قال: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] يعني: المال.
وقيل: "خَيْرَاً" هنا بمعنى: أفعل، أي: وأنفقوا في سبيل الله يكن خيرا لكم.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.
أي: ومن يقه الله شح نفسه. وذلك اتباع هواها فيما نهى الله عنه.
قال ابن عباس: "شُحَّ نَفْسِهِ": "هوى نفسه...".
قال ابن مسعود: "هو أن يَعْمَدَ إلى مال غيره فيأكله".
وقال سفيان بن عيينة: هو الظلم، وليس هو البخل.
* *
﴿فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.
أي: هم الباقون في النعيم المقيم.
قال الحسن: نظرك إلى المرأة لا تملكها من الشح.
وقال ابن عباس: ليس الشح أن يمنع الإنسان ماله، إنما الشح أن [تطمح] عين الرجل إلى ما ليس له.
قال ابن مسعود: إنما الشح الذي ذكر الله تعالى أن يأكل الرجل مال أخيه، وحَبْسُ المال [عن] الصدقة هو البخل.
وقال طاوس: إنما الشح أن تشحّ على ما في [أيدي] الناس.
[قال علي: من أدى زكاته فقد وُقِي شح نفسه].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِن تُقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ (وَيَغْفِرْ لَكُمْ)﴾.
أي: إن تنفقوا في سبيل الله في الدنيا احتساباً للأجر والثواب يُضَاعِف أَجْرَ ذلك لَكُمْ رَبُّكُمْ من واحد إلى سبعمائة ضعف إلى أكثر ويستر عليكم ذنوبكم مع تضعيفه لنفقاتكم.
* *
﴿وَٱللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾.
أي: ذو شكر لأهل الإنفاق في سبيله، حليم عن أهل معاصيه، يترك معاجلتهم بعقوبته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾.
أي: هو عالم ما غاب عن الأبصار وما ظهر في السماوات والأرضين، وهو الشديد في انتقامه ممن كفر به، الحكيم في تدبيره خلقه.
التغابن 64:13
[قوله تعالى]: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَ[مَا فِي] ٱلأَرْضِ...﴾ إلى آخر السورة.
معناه: يصلي لله ويسجد جميع من في السماوات السبع والأرض من الخلق طوعا وكرها "ويسبح": للحال.
- وقيل: معناه [ينزه الله] ويُبَرِّئُهُ من السوء كل من في السماوات والأرض.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ﴾
أي: له ملك السماوات والأرض وسلطان ذلك، وله حمد [ما] فيهما من الخلق.
* *
- ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
أي: ذو قدرة على كل شيء، يفعل ما يريد، لا يُعْجِزُهُ شيء أراده.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ﴾
[أي: خلقكم على علمه فيكم من قبل أن يخلقكم، فمنكم من كفر، ومنكم من آمن على ما سبق من علمه بكم]، أي: الله الذي خلقكم - أيها الناس - فمنكم من يكفر بخالقه ويجحده، ومنكم من يُؤْمِنُ بخالقه ويُقِرُّ بِهِ.
* *
- ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
أي: والله الذي خلقكم بصير بأعمالكم، لا يخفى عليه منها شيء، فيجازيكم بها، فاتقوه فيما أمركم به وما نهاكم عنه.
وعن أبي ذر أنه قال: إن المني إذا مكث في الرحم أربعين ليلة أتى مَلَكُ النفوس فعرج به إلى الجبار في راحته فقال: يا رب عبدك: ذكر أو أنثى؟ فيقضي الله جل ثناؤه ما هو قاض. ثم يقول: أي رب، شقي أو سعيد؟ فيكتب ما هو [لاَقٍ].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ (وَصَوَّرَكُمْ) فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ...ُ﴾.
أي: خلق السماوات والأرض بالعدل [والإنصاف] ومثّلكم فأحسن تمثيلكم.
وروي أنه [عنى] به تصوير آدم وخلقه إياه.
(وقال ابن عباس: يعني آدَمَ، خلقه بيده.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِير﴾.
أي: المرجع يوم القيامة).
* *
- ثم قال: ﴿(يَعْلَمُ) مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾
أي: يعلم كل ما في السماوات السبع والأرض من شيء لا تخفى عليه من ذلك خافية، ويعلم ما يُسِرُّ الخلق من قول وعمل وما يعلنون من ذلك.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾.
أي: ذو علم بضمائر صدور العباد وما تنطوي عليه نفوسهم وهذا: (كله) تحذير من الله جل ذكره (لعباده أن يسروا غير الذي يعلنون).
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ (ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ)﴾.
(هو خطاب لقريش أي: ألم يأتكم خبر الذين كفروا من قبلكم كقوم (نوح) وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط كفروا ﴿فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾)، أي: فمسهم عقاب الله إياهم على كفرهم فتخافوا أنتم أن يحل بكم على كفركم مثل ما حلّ بهم.
* *
- ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
أي: ولهم بعد ما نزل بهم في الدنيا من العذاب عذاب آخر موجع في الآخرة، وهو عذاب في النار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَقَالُوۤاْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ﴾
أي: ذلك (الذي) [نالهم] على كفرهم والذي أعد لهم ربهم من العذاب من أجل أنه ﴿كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾: الآيات الواضحات على حقيقة ما تدعوهم إليه. فيقولون: ﴿[أَبَشَرٌ] يَهْدُونَنَا﴾ استكباراً منهم أن يكون رسل الله (إليهم) بشر مثلهم. وَأَتَى "يَهْدونَنَا" بلفظ الجمع وقَبْلَهُ "بَشَرٌ"، "مُوَحَّد"، لأنه حُمِلَ على المعنى، لأنه عند بعضهم اسْمٌ للجمع.
وحكى [المازني] أن النحويين أجازوا أن يقال: [جاءني] ثلاثة نفر وثلاثة رهط، لأن نفراً ورهطاً لأقل العدد، [وما دون العشرة يضاف لأَقَلِ العدد، فلما وقع موقعه وهو مثْلُه لأقل العدد] جاز، و "بشر" للعدد الكثير، و "قوم" للقليل والكثير، فلما خالف ما يضاف إليه ما دون العشرة (لم يضف إليه كما لا [يضاف] ما دون العشرة) إلى أكثر العدد.
وقال المبرد: إنما لم يضف ما دون العشرة إلى "بشر"، لأنه يقع للواحد والجمع، وما دون العشرة لا يضاف إلى الواحد. هذا معنى قولهما. واستدل على أن "بشرا" يقع للواحد [بقول] الله ﴿مَا هَـٰذَا بَشَراً﴾ [يوسف: ٣١] ثم قال: ﴿فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ...﴾
(أي): فجحدوا رسالات ربهم، وأدبروا عن الإيمان برسلهم ﴿وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ...﴾ عن إيمانهم إذ [لا يزيد] في ملكه إيمانهم، ولا ينقص منه كفرهم.
* *
﴿وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.
أي: ﴿غَنِيٌّ﴾ عن جميع خلقه، محمود عند جميعهم، إذ ما يهم من نعمة فمنه وبفضله.
* *
ثم قال: ﴿زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ﴾
أي: زعم الكفار من قريش أنهم لا يبعثون من قبورهم بعد مماتهم. وقد كره مجاهد وغيره أن يقول الرجل: زعم فلان. "وزعم" عند النحويين على ضربين:
تكون بمعنى قال، وبمعنى تَخَرَّصَ وَتَقَوَّلَ.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾
أي: قل لهم يا محمد مجاوباً [لنفيهم] البعث: بلى وربي، لتبعثن من قبوركم يوم القيامة، ثم لَتُخْبَرُنَّ بما عملتم في الدنيا، ثم [تجازون] على أعمالكم.
* *
﴿وَذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾.
أي: سهل هين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلنّورِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلْنَا﴾
أي: فصدقوا بالله أيها المشركون (به)، وصدقوا برسوله وبالقرآن الذي أنزل عليه ربما فيه من إخبار الله إياكم بالبعث والجزاء والجنة والنار وغير ذلك.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
أي: ذو خبر وعلم بأعمالكم، لا يخفى عليه منها شيء، وهو مجازيكم على جميعها.
* *
﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ﴾
[العامل] في: "يَوْمَ يجْمَعُكُمْ": ["خَبِيرٌ"] والمعنى: والله ذو خبر بأعمالكم يجازيكم عليها في يوم يجمعكم ليوم جمع الخلائق كلهم، ذلك يوم يَغْبَنُ فيه أهلُ الجنة أهلَ النار.
قال مجاهد: (يَوْمَ القيامة يَوْمٌ يَغْبَنُ فيه أهلُ الجنة أهلَ النار).
قال ابن عباس: (غَبَنَ أهلُ الجنة أهلَ النار).
وقيل: العامل في "يوم"... لتنبؤن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾
أي: ومن يصدّق بالله وبما أنزل ويعمل في دنياه عملاً صالحاً نكفر عنه ما مضى من سيئاته ونمحها عنه ونسترها عليه وندخله في الآخرة بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار خالدين فيها أبداً لا يموتون ولا يخرجون منها.
* *
- ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾.
أي: ذلك [النجاء] العظيم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَآ (أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ)﴾.
أي: والذين جحدوا توحيد الله وكذبوا بأدلته تعالى وجحدوا كتابه، أولئك أصحاب النار هم فيها ماكثون أبداً لا يموتون ولا يخرجون منها.
* *
﴿وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾.
أي: وبئس الشيء الذي يصار إليه نارُ جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ (وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾.
أي: لم تصب أحداً من الخلق مصيبة إلا بقضاء الله وتقديره ذلك عليه.
وقال الفراء: معناه: إلا بأمر الله).
قال علقمة: هو الرجل تصيبه [المصيبة] فيعلم أنها من قبل الله فيسلم لها ويرضى عن الله، فذلك قوله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، أي: ومن يصدق بالله وبتوحيده يَهْدِ قلبه إلى الإيمان ويُوَفِّقُهُ إلى الطريق المستقيم، فيعلم أنه لا تصيبه إلا بإذن الله فيسلم لأمر (الله) ويرضى بقضائه.
قال ابن عباس: يهدي قلبه لليقين فيعلم أن كُلاًّ من عند الله، وما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
وقيل: يهدي قلبه إلى التسليم لأمر الله إذا أصيب وإلى الشكر إذا أنعم عليه وإلى الغفران إذا ظلم .
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ فَإِن تَولَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ﴾.
أي: أطيعوا الله في أمره ونهيه والإيمان به وبرسوله وأطيعوا رسوله، فإن أعرضتم عن الإيمان بذلك فليس على محمد إلا أن يبلغكم ما أرسل [به] إليكم بلاغا ظاهراً، والمحاسبةُ والمجازاةُ على الله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾.
أي: الله معبودكم، لا معبود تصلح العبادة إلا له، وعلى الله فليتوكل المصدقون بوحدانيته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ..﴾ الآية.
روي أن هذه الآية نزلت في قوم أرادوا الإسلام والهجرة، وأسلموا في بلدانهم وأرادوا الهجرة فثبطهم عن ذلك أزواجهم وأولادهم وأبوا أن يَدَعُوهُمْ يخرجون، ثم هاجروا بعد ذلك بأهليهم وأولادهم. فلما قدموا المدينة، وجدوا الناس قد فقهوا وتعلموا القرآن، فَهَمُّوا [عقوبة] أزواجهم وأولادهم، فأنزل الله هذه الآية. ولذلك قال: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. فاعلموا أن من الأزواج والأولاد من هو عدو، ولا عَدُوَّ أَعْظَمُ ممن مَنَعَ من الهجرة. هذا معنى قول ابن عباس.
فكان الرجل يضرب أهله إذا ثبطوه عن الهجرة، وَيُقْسِمُ ليفعلن بهم وليعاقبنهم على ذلك، فقال الله: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. قال عطاء: نزلت [هذه الثلاث آيات] (في عوف بن مالك الأشجعي، كان ذا أهل وولد، فكان إذا أراد الغزو [بكوا] إليه ووقفوه، وقالوا: إلى من تدعنا؟ فَيَرِقُّ ويقيم فنزلت هذه الآيات (فيه)).
قال قتادة: من الأزواج والأولاد من لا يأمر بطاعة الله، ولا ينهي عن معصيته.
وكبرت تلك عداوة للمرء أن يكون صاحبه (لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر).
وأكثر المفسرين على أنهن نزلن في من كان [يسلم] ويمنعه أهله وولده من الهجرة. وهو قول الضحاك (وابن زيد).
* *
ثم قال: ﴿إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ [وَأَوْلاَدُكُمْ] فِتْنَةٌ﴾
أي: بلاء عليكم في الدنيا.
وروي أن النبي ﷺ رأى الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، وهو يخطب، فنزل رسول الله ﷺ، أخذهما فرفعهما ووضعهما في حجره ثم قال: صدق الله ﴿إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ رأيت هذين فلم أصبر، ثم أخذ في خطبته
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
أي: ثواب عظيم إذا أنتم خالفتم الأزواج والأولاد في طاعة الله.
قال قتادة: ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: الجنة.
* *
ثم قال: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾
هذا نزل بعد قوله تعالى: ﴿ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] تخفيفاً عن الخلق، فقيل: إن هذا ناسخ لذلك، وقيل: "هو تخفيف، ولا بد من التقى. ومعنى ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يطاع فلا يعصى.
وكانوا يبايعون النبي ﷺ على السمع والطاعة، فيقول: فيما استطعتم.
قال ابن مسعود ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ﴾
أي: اسمعوا لرسول الله وأطيعوه فيما أمركم به ونهاكم عنه.
* *
- ﴿وَأَنْفِقُواْ خَيْراً لأَنفُسِكُمْ﴾
أي: أنفقوا مالاً لأنفسكم، فالخير هنا مفعول لِ "أَنفقوا"، والخير: المال، كما قال: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] يعني: المال.
وقيل: "خَيْرَاً" هنا بمعنى: أفعل، أي: وأنفقوا في سبيل الله يكن خيرا لكم.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.
أي: ومن يقه الله شح نفسه. وذلك اتباع هواها فيما نهى الله عنه.
قال ابن عباس: "شُحَّ نَفْسِهِ": "هوى نفسه...".
قال ابن مسعود: "هو أن يَعْمَدَ إلى مال غيره فيأكله".
وقال سفيان بن عيينة: هو الظلم، وليس هو البخل.
* *
﴿فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.
أي: هم الباقون في النعيم المقيم.
قال الحسن: نظرك إلى المرأة لا تملكها من الشح.
وقال ابن عباس: ليس الشح أن يمنع الإنسان ماله، إنما الشح أن [تطمح] عين الرجل إلى ما ليس له.
قال ابن مسعود: إنما الشح الذي ذكر الله تعالى أن يأكل الرجل مال أخيه، وحَبْسُ المال [عن] الصدقة هو البخل.
وقال طاوس: إنما الشح أن تشحّ على ما في [أيدي] الناس.
[قال علي: من أدى زكاته فقد وُقِي شح نفسه].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِن تُقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ (وَيَغْفِرْ لَكُمْ)﴾.
أي: إن تنفقوا في سبيل الله في الدنيا احتساباً للأجر والثواب يُضَاعِف أَجْرَ ذلك لَكُمْ رَبُّكُمْ من واحد إلى سبعمائة ضعف إلى أكثر ويستر عليكم ذنوبكم مع تضعيفه لنفقاتكم.
* *
﴿وَٱللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾.
أي: ذو شكر لأهل الإنفاق في سبيله، حليم عن أهل معاصيه، يترك معاجلتهم بعقوبته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾.
أي: هو عالم ما غاب عن الأبصار وما ظهر في السماوات والأرضين، وهو الشديد في انتقامه ممن كفر به، الحكيم في تدبيره خلقه.
التغابن 64:14
[قوله تعالى]: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَ[مَا فِي] ٱلأَرْضِ...﴾ إلى آخر السورة.
معناه: يصلي لله ويسجد جميع من في السماوات السبع والأرض من الخلق طوعا وكرها "ويسبح": للحال.
- وقيل: معناه [ينزه الله] ويُبَرِّئُهُ من السوء كل من في السماوات والأرض.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ﴾
أي: له ملك السماوات والأرض وسلطان ذلك، وله حمد [ما] فيهما من الخلق.
* *
- ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
أي: ذو قدرة على كل شيء، يفعل ما يريد، لا يُعْجِزُهُ شيء أراده.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ﴾
[أي: خلقكم على علمه فيكم من قبل أن يخلقكم، فمنكم من كفر، ومنكم من آمن على ما سبق من علمه بكم]، أي: الله الذي خلقكم - أيها الناس - فمنكم من يكفر بخالقه ويجحده، ومنكم من يُؤْمِنُ بخالقه ويُقِرُّ بِهِ.
* *
- ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
أي: والله الذي خلقكم بصير بأعمالكم، لا يخفى عليه منها شيء، فيجازيكم بها، فاتقوه فيما أمركم به وما نهاكم عنه.
وعن أبي ذر أنه قال: إن المني إذا مكث في الرحم أربعين ليلة أتى مَلَكُ النفوس فعرج به إلى الجبار في راحته فقال: يا رب عبدك: ذكر أو أنثى؟ فيقضي الله جل ثناؤه ما هو قاض. ثم يقول: أي رب، شقي أو سعيد؟ فيكتب ما هو [لاَقٍ].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ (وَصَوَّرَكُمْ) فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ...ُ﴾.
أي: خلق السماوات والأرض بالعدل [والإنصاف] ومثّلكم فأحسن تمثيلكم.
وروي أنه [عنى] به تصوير آدم وخلقه إياه.
(وقال ابن عباس: يعني آدَمَ، خلقه بيده.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِير﴾.
أي: المرجع يوم القيامة).
* *
- ثم قال: ﴿(يَعْلَمُ) مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾
أي: يعلم كل ما في السماوات السبع والأرض من شيء لا تخفى عليه من ذلك خافية، ويعلم ما يُسِرُّ الخلق من قول وعمل وما يعلنون من ذلك.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾.
أي: ذو علم بضمائر صدور العباد وما تنطوي عليه نفوسهم وهذا: (كله) تحذير من الله جل ذكره (لعباده أن يسروا غير الذي يعلنون).
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ (ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ)﴾.
(هو خطاب لقريش أي: ألم يأتكم خبر الذين كفروا من قبلكم كقوم (نوح) وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط كفروا ﴿فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾)، أي: فمسهم عقاب الله إياهم على كفرهم فتخافوا أنتم أن يحل بكم على كفركم مثل ما حلّ بهم.
* *
- ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
أي: ولهم بعد ما نزل بهم في الدنيا من العذاب عذاب آخر موجع في الآخرة، وهو عذاب في النار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَقَالُوۤاْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ﴾
أي: ذلك (الذي) [نالهم] على كفرهم والذي أعد لهم ربهم من العذاب من أجل أنه ﴿كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾: الآيات الواضحات على حقيقة ما تدعوهم إليه. فيقولون: ﴿[أَبَشَرٌ] يَهْدُونَنَا﴾ استكباراً منهم أن يكون رسل الله (إليهم) بشر مثلهم. وَأَتَى "يَهْدونَنَا" بلفظ الجمع وقَبْلَهُ "بَشَرٌ"، "مُوَحَّد"، لأنه حُمِلَ على المعنى، لأنه عند بعضهم اسْمٌ للجمع.
وحكى [المازني] أن النحويين أجازوا أن يقال: [جاءني] ثلاثة نفر وثلاثة رهط، لأن نفراً ورهطاً لأقل العدد، [وما دون العشرة يضاف لأَقَلِ العدد، فلما وقع موقعه وهو مثْلُه لأقل العدد] جاز، و "بشر" للعدد الكثير، و "قوم" للقليل والكثير، فلما خالف ما يضاف إليه ما دون العشرة (لم يضف إليه كما لا [يضاف] ما دون العشرة) إلى أكثر العدد.
وقال المبرد: إنما لم يضف ما دون العشرة إلى "بشر"، لأنه يقع للواحد والجمع، وما دون العشرة لا يضاف إلى الواحد. هذا معنى قولهما. واستدل على أن "بشرا" يقع للواحد [بقول] الله ﴿مَا هَـٰذَا بَشَراً﴾ [يوسف: ٣١] ثم قال: ﴿فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ...﴾
(أي): فجحدوا رسالات ربهم، وأدبروا عن الإيمان برسلهم ﴿وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ...﴾ عن إيمانهم إذ [لا يزيد] في ملكه إيمانهم، ولا ينقص منه كفرهم.
* *
﴿وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.
أي: ﴿غَنِيٌّ﴾ عن جميع خلقه، محمود عند جميعهم، إذ ما يهم من نعمة فمنه وبفضله.
* *
ثم قال: ﴿زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ﴾
أي: زعم الكفار من قريش أنهم لا يبعثون من قبورهم بعد مماتهم. وقد كره مجاهد وغيره أن يقول الرجل: زعم فلان. "وزعم" عند النحويين على ضربين:
تكون بمعنى قال، وبمعنى تَخَرَّصَ وَتَقَوَّلَ.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾
أي: قل لهم يا محمد مجاوباً [لنفيهم] البعث: بلى وربي، لتبعثن من قبوركم يوم القيامة، ثم لَتُخْبَرُنَّ بما عملتم في الدنيا، ثم [تجازون] على أعمالكم.
* *
﴿وَذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾.
أي: سهل هين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلنّورِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلْنَا﴾
أي: فصدقوا بالله أيها المشركون (به)، وصدقوا برسوله وبالقرآن الذي أنزل عليه ربما فيه من إخبار الله إياكم بالبعث والجزاء والجنة والنار وغير ذلك.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
أي: ذو خبر وعلم بأعمالكم، لا يخفى عليه منها شيء، وهو مجازيكم على جميعها.
* *
﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ﴾
[العامل] في: "يَوْمَ يجْمَعُكُمْ": ["خَبِيرٌ"] والمعنى: والله ذو خبر بأعمالكم يجازيكم عليها في يوم يجمعكم ليوم جمع الخلائق كلهم، ذلك يوم يَغْبَنُ فيه أهلُ الجنة أهلَ النار.
قال مجاهد: (يَوْمَ القيامة يَوْمٌ يَغْبَنُ فيه أهلُ الجنة أهلَ النار).
قال ابن عباس: (غَبَنَ أهلُ الجنة أهلَ النار).
وقيل: العامل في "يوم"... لتنبؤن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾
أي: ومن يصدّق بالله وبما أنزل ويعمل في دنياه عملاً صالحاً نكفر عنه ما مضى من سيئاته ونمحها عنه ونسترها عليه وندخله في الآخرة بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار خالدين فيها أبداً لا يموتون ولا يخرجون منها.
* *
- ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾.
أي: ذلك [النجاء] العظيم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَآ (أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ)﴾.
أي: والذين جحدوا توحيد الله وكذبوا بأدلته تعالى وجحدوا كتابه، أولئك أصحاب النار هم فيها ماكثون أبداً لا يموتون ولا يخرجون منها.
* *
﴿وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾.
أي: وبئس الشيء الذي يصار إليه نارُ جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ (وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾.
أي: لم تصب أحداً من الخلق مصيبة إلا بقضاء الله وتقديره ذلك عليه.
وقال الفراء: معناه: إلا بأمر الله).
قال علقمة: هو الرجل تصيبه [المصيبة] فيعلم أنها من قبل الله فيسلم لها ويرضى عن الله، فذلك قوله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، أي: ومن يصدق بالله وبتوحيده يَهْدِ قلبه إلى الإيمان ويُوَفِّقُهُ إلى الطريق المستقيم، فيعلم أنه لا تصيبه إلا بإذن الله فيسلم لأمر (الله) ويرضى بقضائه.
قال ابن عباس: يهدي قلبه لليقين فيعلم أن كُلاًّ من عند الله، وما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
وقيل: يهدي قلبه إلى التسليم لأمر الله إذا أصيب وإلى الشكر إذا أنعم عليه وإلى الغفران إذا ظلم .
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ فَإِن تَولَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ﴾.
أي: أطيعوا الله في أمره ونهيه والإيمان به وبرسوله وأطيعوا رسوله، فإن أعرضتم عن الإيمان بذلك فليس على محمد إلا أن يبلغكم ما أرسل [به] إليكم بلاغا ظاهراً، والمحاسبةُ والمجازاةُ على الله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾.
أي: الله معبودكم، لا معبود تصلح العبادة إلا له، وعلى الله فليتوكل المصدقون بوحدانيته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ..﴾ الآية.
روي أن هذه الآية نزلت في قوم أرادوا الإسلام والهجرة، وأسلموا في بلدانهم وأرادوا الهجرة فثبطهم عن ذلك أزواجهم وأولادهم وأبوا أن يَدَعُوهُمْ يخرجون، ثم هاجروا بعد ذلك بأهليهم وأولادهم. فلما قدموا المدينة، وجدوا الناس قد فقهوا وتعلموا القرآن، فَهَمُّوا [عقوبة] أزواجهم وأولادهم، فأنزل الله هذه الآية. ولذلك قال: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. فاعلموا أن من الأزواج والأولاد من هو عدو، ولا عَدُوَّ أَعْظَمُ ممن مَنَعَ من الهجرة. هذا معنى قول ابن عباس.
فكان الرجل يضرب أهله إذا ثبطوه عن الهجرة، وَيُقْسِمُ ليفعلن بهم وليعاقبنهم على ذلك، فقال الله: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. قال عطاء: نزلت [هذه الثلاث آيات] (في عوف بن مالك الأشجعي، كان ذا أهل وولد، فكان إذا أراد الغزو [بكوا] إليه ووقفوه، وقالوا: إلى من تدعنا؟ فَيَرِقُّ ويقيم فنزلت هذه الآيات (فيه)).
قال قتادة: من الأزواج والأولاد من لا يأمر بطاعة الله، ولا ينهي عن معصيته.
وكبرت تلك عداوة للمرء أن يكون صاحبه (لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر).
وأكثر المفسرين على أنهن نزلن في من كان [يسلم] ويمنعه أهله وولده من الهجرة. وهو قول الضحاك (وابن زيد).
* *
ثم قال: ﴿إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ [وَأَوْلاَدُكُمْ] فِتْنَةٌ﴾
أي: بلاء عليكم في الدنيا.
وروي أن النبي ﷺ رأى الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، وهو يخطب، فنزل رسول الله ﷺ، أخذهما فرفعهما ووضعهما في حجره ثم قال: صدق الله ﴿إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ رأيت هذين فلم أصبر، ثم أخذ في خطبته
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
أي: ثواب عظيم إذا أنتم خالفتم الأزواج والأولاد في طاعة الله.
قال قتادة: ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: الجنة.
* *
ثم قال: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾
هذا نزل بعد قوله تعالى: ﴿ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] تخفيفاً عن الخلق، فقيل: إن هذا ناسخ لذلك، وقيل: "هو تخفيف، ولا بد من التقى. ومعنى ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يطاع فلا يعصى.
وكانوا يبايعون النبي ﷺ على السمع والطاعة، فيقول: فيما استطعتم.
قال ابن مسعود ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ﴾
أي: اسمعوا لرسول الله وأطيعوه فيما أمركم به ونهاكم عنه.
* *
- ﴿وَأَنْفِقُواْ خَيْراً لأَنفُسِكُمْ﴾
أي: أنفقوا مالاً لأنفسكم، فالخير هنا مفعول لِ "أَنفقوا"، والخير: المال، كما قال: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] يعني: المال.
وقيل: "خَيْرَاً" هنا بمعنى: أفعل، أي: وأنفقوا في سبيل الله يكن خيرا لكم.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.
أي: ومن يقه الله شح نفسه. وذلك اتباع هواها فيما نهى الله عنه.
قال ابن عباس: "شُحَّ نَفْسِهِ": "هوى نفسه...".
قال ابن مسعود: "هو أن يَعْمَدَ إلى مال غيره فيأكله".
وقال سفيان بن عيينة: هو الظلم، وليس هو البخل.
* *
﴿فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.
أي: هم الباقون في النعيم المقيم.
قال الحسن: نظرك إلى المرأة لا تملكها من الشح.
وقال ابن عباس: ليس الشح أن يمنع الإنسان ماله، إنما الشح أن [تطمح] عين الرجل إلى ما ليس له.
قال ابن مسعود: إنما الشح الذي ذكر الله تعالى أن يأكل الرجل مال أخيه، وحَبْسُ المال [عن] الصدقة هو البخل.
وقال طاوس: إنما الشح أن تشحّ على ما في [أيدي] الناس.
[قال علي: من أدى زكاته فقد وُقِي شح نفسه].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِن تُقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ (وَيَغْفِرْ لَكُمْ)﴾.
أي: إن تنفقوا في سبيل الله في الدنيا احتساباً للأجر والثواب يُضَاعِف أَجْرَ ذلك لَكُمْ رَبُّكُمْ من واحد إلى سبعمائة ضعف إلى أكثر ويستر عليكم ذنوبكم مع تضعيفه لنفقاتكم.
* *
﴿وَٱللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾.
أي: ذو شكر لأهل الإنفاق في سبيله، حليم عن أهل معاصيه، يترك معاجلتهم بعقوبته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾.
أي: هو عالم ما غاب عن الأبصار وما ظهر في السماوات والأرضين، وهو الشديد في انتقامه ممن كفر به، الحكيم في تدبيره خلقه.
التغابن 64:15
[قوله تعالى]: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَ[مَا فِي] ٱلأَرْضِ...﴾ إلى آخر السورة.
معناه: يصلي لله ويسجد جميع من في السماوات السبع والأرض من الخلق طوعا وكرها "ويسبح": للحال.
- وقيل: معناه [ينزه الله] ويُبَرِّئُهُ من السوء كل من في السماوات والأرض.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ﴾
أي: له ملك السماوات والأرض وسلطان ذلك، وله حمد [ما] فيهما من الخلق.
* *
- ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
أي: ذو قدرة على كل شيء، يفعل ما يريد، لا يُعْجِزُهُ شيء أراده.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ﴾
[أي: خلقكم على علمه فيكم من قبل أن يخلقكم، فمنكم من كفر، ومنكم من آمن على ما سبق من علمه بكم]، أي: الله الذي خلقكم - أيها الناس - فمنكم من يكفر بخالقه ويجحده، ومنكم من يُؤْمِنُ بخالقه ويُقِرُّ بِهِ.
* *
- ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
أي: والله الذي خلقكم بصير بأعمالكم، لا يخفى عليه منها شيء، فيجازيكم بها، فاتقوه فيما أمركم به وما نهاكم عنه.
وعن أبي ذر أنه قال: إن المني إذا مكث في الرحم أربعين ليلة أتى مَلَكُ النفوس فعرج به إلى الجبار في راحته فقال: يا رب عبدك: ذكر أو أنثى؟ فيقضي الله جل ثناؤه ما هو قاض. ثم يقول: أي رب، شقي أو سعيد؟ فيكتب ما هو [لاَقٍ].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ (وَصَوَّرَكُمْ) فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ...ُ﴾.
أي: خلق السماوات والأرض بالعدل [والإنصاف] ومثّلكم فأحسن تمثيلكم.
وروي أنه [عنى] به تصوير آدم وخلقه إياه.
(وقال ابن عباس: يعني آدَمَ، خلقه بيده.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِير﴾.
أي: المرجع يوم القيامة).
* *
- ثم قال: ﴿(يَعْلَمُ) مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾
أي: يعلم كل ما في السماوات السبع والأرض من شيء لا تخفى عليه من ذلك خافية، ويعلم ما يُسِرُّ الخلق من قول وعمل وما يعلنون من ذلك.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾.
أي: ذو علم بضمائر صدور العباد وما تنطوي عليه نفوسهم وهذا: (كله) تحذير من الله جل ذكره (لعباده أن يسروا غير الذي يعلنون).
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ (ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ)﴾.
(هو خطاب لقريش أي: ألم يأتكم خبر الذين كفروا من قبلكم كقوم (نوح) وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط كفروا ﴿فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾)، أي: فمسهم عقاب الله إياهم على كفرهم فتخافوا أنتم أن يحل بكم على كفركم مثل ما حلّ بهم.
* *
- ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
أي: ولهم بعد ما نزل بهم في الدنيا من العذاب عذاب آخر موجع في الآخرة، وهو عذاب في النار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَقَالُوۤاْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ﴾
أي: ذلك (الذي) [نالهم] على كفرهم والذي أعد لهم ربهم من العذاب من أجل أنه ﴿كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾: الآيات الواضحات على حقيقة ما تدعوهم إليه. فيقولون: ﴿[أَبَشَرٌ] يَهْدُونَنَا﴾ استكباراً منهم أن يكون رسل الله (إليهم) بشر مثلهم. وَأَتَى "يَهْدونَنَا" بلفظ الجمع وقَبْلَهُ "بَشَرٌ"، "مُوَحَّد"، لأنه حُمِلَ على المعنى، لأنه عند بعضهم اسْمٌ للجمع.
وحكى [المازني] أن النحويين أجازوا أن يقال: [جاءني] ثلاثة نفر وثلاثة رهط، لأن نفراً ورهطاً لأقل العدد، [وما دون العشرة يضاف لأَقَلِ العدد، فلما وقع موقعه وهو مثْلُه لأقل العدد] جاز، و "بشر" للعدد الكثير، و "قوم" للقليل والكثير، فلما خالف ما يضاف إليه ما دون العشرة (لم يضف إليه كما لا [يضاف] ما دون العشرة) إلى أكثر العدد.
وقال المبرد: إنما لم يضف ما دون العشرة إلى "بشر"، لأنه يقع للواحد والجمع، وما دون العشرة لا يضاف إلى الواحد. هذا معنى قولهما. واستدل على أن "بشرا" يقع للواحد [بقول] الله ﴿مَا هَـٰذَا بَشَراً﴾ [يوسف: ٣١] ثم قال: ﴿فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ...﴾
(أي): فجحدوا رسالات ربهم، وأدبروا عن الإيمان برسلهم ﴿وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ...﴾ عن إيمانهم إذ [لا يزيد] في ملكه إيمانهم، ولا ينقص منه كفرهم.
* *
﴿وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.
أي: ﴿غَنِيٌّ﴾ عن جميع خلقه، محمود عند جميعهم، إذ ما يهم من نعمة فمنه وبفضله.
* *
ثم قال: ﴿زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ﴾
أي: زعم الكفار من قريش أنهم لا يبعثون من قبورهم بعد مماتهم. وقد كره مجاهد وغيره أن يقول الرجل: زعم فلان. "وزعم" عند النحويين على ضربين:
تكون بمعنى قال، وبمعنى تَخَرَّصَ وَتَقَوَّلَ.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾
أي: قل لهم يا محمد مجاوباً [لنفيهم] البعث: بلى وربي، لتبعثن من قبوركم يوم القيامة، ثم لَتُخْبَرُنَّ بما عملتم في الدنيا، ثم [تجازون] على أعمالكم.
* *
﴿وَذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾.
أي: سهل هين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلنّورِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلْنَا﴾
أي: فصدقوا بالله أيها المشركون (به)، وصدقوا برسوله وبالقرآن الذي أنزل عليه ربما فيه من إخبار الله إياكم بالبعث والجزاء والجنة والنار وغير ذلك.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
أي: ذو خبر وعلم بأعمالكم، لا يخفى عليه منها شيء، وهو مجازيكم على جميعها.
* *
﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ﴾
[العامل] في: "يَوْمَ يجْمَعُكُمْ": ["خَبِيرٌ"] والمعنى: والله ذو خبر بأعمالكم يجازيكم عليها في يوم يجمعكم ليوم جمع الخلائق كلهم، ذلك يوم يَغْبَنُ فيه أهلُ الجنة أهلَ النار.
قال مجاهد: (يَوْمَ القيامة يَوْمٌ يَغْبَنُ فيه أهلُ الجنة أهلَ النار).
قال ابن عباس: (غَبَنَ أهلُ الجنة أهلَ النار).
وقيل: العامل في "يوم"... لتنبؤن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾
أي: ومن يصدّق بالله وبما أنزل ويعمل في دنياه عملاً صالحاً نكفر عنه ما مضى من سيئاته ونمحها عنه ونسترها عليه وندخله في الآخرة بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار خالدين فيها أبداً لا يموتون ولا يخرجون منها.
* *
- ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾.
أي: ذلك [النجاء] العظيم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَآ (أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ)﴾.
أي: والذين جحدوا توحيد الله وكذبوا بأدلته تعالى وجحدوا كتابه، أولئك أصحاب النار هم فيها ماكثون أبداً لا يموتون ولا يخرجون منها.
* *
﴿وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾.
أي: وبئس الشيء الذي يصار إليه نارُ جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ (وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾.
أي: لم تصب أحداً من الخلق مصيبة إلا بقضاء الله وتقديره ذلك عليه.
وقال الفراء: معناه: إلا بأمر الله).
قال علقمة: هو الرجل تصيبه [المصيبة] فيعلم أنها من قبل الله فيسلم لها ويرضى عن الله، فذلك قوله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، أي: ومن يصدق بالله وبتوحيده يَهْدِ قلبه إلى الإيمان ويُوَفِّقُهُ إلى الطريق المستقيم، فيعلم أنه لا تصيبه إلا بإذن الله فيسلم لأمر (الله) ويرضى بقضائه.
قال ابن عباس: يهدي قلبه لليقين فيعلم أن كُلاًّ من عند الله، وما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
وقيل: يهدي قلبه إلى التسليم لأمر الله إذا أصيب وإلى الشكر إذا أنعم عليه وإلى الغفران إذا ظلم .
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ فَإِن تَولَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ﴾.
أي: أطيعوا الله في أمره ونهيه والإيمان به وبرسوله وأطيعوا رسوله، فإن أعرضتم عن الإيمان بذلك فليس على محمد إلا أن يبلغكم ما أرسل [به] إليكم بلاغا ظاهراً، والمحاسبةُ والمجازاةُ على الله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾.
أي: الله معبودكم، لا معبود تصلح العبادة إلا له، وعلى الله فليتوكل المصدقون بوحدانيته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ..﴾ الآية.
روي أن هذه الآية نزلت في قوم أرادوا الإسلام والهجرة، وأسلموا في بلدانهم وأرادوا الهجرة فثبطهم عن ذلك أزواجهم وأولادهم وأبوا أن يَدَعُوهُمْ يخرجون، ثم هاجروا بعد ذلك بأهليهم وأولادهم. فلما قدموا المدينة، وجدوا الناس قد فقهوا وتعلموا القرآن، فَهَمُّوا [عقوبة] أزواجهم وأولادهم، فأنزل الله هذه الآية. ولذلك قال: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. فاعلموا أن من الأزواج والأولاد من هو عدو، ولا عَدُوَّ أَعْظَمُ ممن مَنَعَ من الهجرة. هذا معنى قول ابن عباس.
فكان الرجل يضرب أهله إذا ثبطوه عن الهجرة، وَيُقْسِمُ ليفعلن بهم وليعاقبنهم على ذلك، فقال الله: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. قال عطاء: نزلت [هذه الثلاث آيات] (في عوف بن مالك الأشجعي، كان ذا أهل وولد، فكان إذا أراد الغزو [بكوا] إليه ووقفوه، وقالوا: إلى من تدعنا؟ فَيَرِقُّ ويقيم فنزلت هذه الآيات (فيه)).
قال قتادة: من الأزواج والأولاد من لا يأمر بطاعة الله، ولا ينهي عن معصيته.
وكبرت تلك عداوة للمرء أن يكون صاحبه (لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر).
وأكثر المفسرين على أنهن نزلن في من كان [يسلم] ويمنعه أهله وولده من الهجرة. وهو قول الضحاك (وابن زيد).
* *
ثم قال: ﴿إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ [وَأَوْلاَدُكُمْ] فِتْنَةٌ﴾
أي: بلاء عليكم في الدنيا.
وروي أن النبي ﷺ رأى الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، وهو يخطب، فنزل رسول الله ﷺ، أخذهما فرفعهما ووضعهما في حجره ثم قال: صدق الله ﴿إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ رأيت هذين فلم أصبر، ثم أخذ في خطبته
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
أي: ثواب عظيم إذا أنتم خالفتم الأزواج والأولاد في طاعة الله.
قال قتادة: ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: الجنة.
* *
ثم قال: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾
هذا نزل بعد قوله تعالى: ﴿ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] تخفيفاً عن الخلق، فقيل: إن هذا ناسخ لذلك، وقيل: "هو تخفيف، ولا بد من التقى. ومعنى ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يطاع فلا يعصى.
وكانوا يبايعون النبي ﷺ على السمع والطاعة، فيقول: فيما استطعتم.
قال ابن مسعود ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ﴾
أي: اسمعوا لرسول الله وأطيعوه فيما أمركم به ونهاكم عنه.
* *
- ﴿وَأَنْفِقُواْ خَيْراً لأَنفُسِكُمْ﴾
أي: أنفقوا مالاً لأنفسكم، فالخير هنا مفعول لِ "أَنفقوا"، والخير: المال، كما قال: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] يعني: المال.
وقيل: "خَيْرَاً" هنا بمعنى: أفعل، أي: وأنفقوا في سبيل الله يكن خيرا لكم.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.
أي: ومن يقه الله شح نفسه. وذلك اتباع هواها فيما نهى الله عنه.
قال ابن عباس: "شُحَّ نَفْسِهِ": "هوى نفسه...".
قال ابن مسعود: "هو أن يَعْمَدَ إلى مال غيره فيأكله".
وقال سفيان بن عيينة: هو الظلم، وليس هو البخل.
* *
﴿فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.
أي: هم الباقون في النعيم المقيم.
قال الحسن: نظرك إلى المرأة لا تملكها من الشح.
وقال ابن عباس: ليس الشح أن يمنع الإنسان ماله، إنما الشح أن [تطمح] عين الرجل إلى ما ليس له.
قال ابن مسعود: إنما الشح الذي ذكر الله تعالى أن يأكل الرجل مال أخيه، وحَبْسُ المال [عن] الصدقة هو البخل.
وقال طاوس: إنما الشح أن تشحّ على ما في [أيدي] الناس.
[قال علي: من أدى زكاته فقد وُقِي شح نفسه].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِن تُقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ (وَيَغْفِرْ لَكُمْ)﴾.
أي: إن تنفقوا في سبيل الله في الدنيا احتساباً للأجر والثواب يُضَاعِف أَجْرَ ذلك لَكُمْ رَبُّكُمْ من واحد إلى سبعمائة ضعف إلى أكثر ويستر عليكم ذنوبكم مع تضعيفه لنفقاتكم.
* *
﴿وَٱللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾.
أي: ذو شكر لأهل الإنفاق في سبيله، حليم عن أهل معاصيه، يترك معاجلتهم بعقوبته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾.
أي: هو عالم ما غاب عن الأبصار وما ظهر في السماوات والأرضين، وهو الشديد في انتقامه ممن كفر به، الحكيم في تدبيره خلقه.
التغابن 64:16
[قوله تعالى]: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَ[مَا فِي] ٱلأَرْضِ...﴾ إلى آخر السورة.
معناه: يصلي لله ويسجد جميع من في السماوات السبع والأرض من الخلق طوعا وكرها "ويسبح": للحال.
- وقيل: معناه [ينزه الله] ويُبَرِّئُهُ من السوء كل من في السماوات والأرض.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ﴾
أي: له ملك السماوات والأرض وسلطان ذلك، وله حمد [ما] فيهما من الخلق.
* *
- ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
أي: ذو قدرة على كل شيء، يفعل ما يريد، لا يُعْجِزُهُ شيء أراده.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ﴾
[أي: خلقكم على علمه فيكم من قبل أن يخلقكم، فمنكم من كفر، ومنكم من آمن على ما سبق من علمه بكم]، أي: الله الذي خلقكم - أيها الناس - فمنكم من يكفر بخالقه ويجحده، ومنكم من يُؤْمِنُ بخالقه ويُقِرُّ بِهِ.
* *
- ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
أي: والله الذي خلقكم بصير بأعمالكم، لا يخفى عليه منها شيء، فيجازيكم بها، فاتقوه فيما أمركم به وما نهاكم عنه.
وعن أبي ذر أنه قال: إن المني إذا مكث في الرحم أربعين ليلة أتى مَلَكُ النفوس فعرج به إلى الجبار في راحته فقال: يا رب عبدك: ذكر أو أنثى؟ فيقضي الله جل ثناؤه ما هو قاض. ثم يقول: أي رب، شقي أو سعيد؟ فيكتب ما هو [لاَقٍ].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ (وَصَوَّرَكُمْ) فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ...ُ﴾.
أي: خلق السماوات والأرض بالعدل [والإنصاف] ومثّلكم فأحسن تمثيلكم.
وروي أنه [عنى] به تصوير آدم وخلقه إياه.
(وقال ابن عباس: يعني آدَمَ، خلقه بيده.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِير﴾.
أي: المرجع يوم القيامة).
* *
- ثم قال: ﴿(يَعْلَمُ) مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾
أي: يعلم كل ما في السماوات السبع والأرض من شيء لا تخفى عليه من ذلك خافية، ويعلم ما يُسِرُّ الخلق من قول وعمل وما يعلنون من ذلك.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾.
أي: ذو علم بضمائر صدور العباد وما تنطوي عليه نفوسهم وهذا: (كله) تحذير من الله جل ذكره (لعباده أن يسروا غير الذي يعلنون).
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ (ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ)﴾.
(هو خطاب لقريش أي: ألم يأتكم خبر الذين كفروا من قبلكم كقوم (نوح) وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط كفروا ﴿فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾)، أي: فمسهم عقاب الله إياهم على كفرهم فتخافوا أنتم أن يحل بكم على كفركم مثل ما حلّ بهم.
* *
- ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
أي: ولهم بعد ما نزل بهم في الدنيا من العذاب عذاب آخر موجع في الآخرة، وهو عذاب في النار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَقَالُوۤاْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ﴾
أي: ذلك (الذي) [نالهم] على كفرهم والذي أعد لهم ربهم من العذاب من أجل أنه ﴿كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾: الآيات الواضحات على حقيقة ما تدعوهم إليه. فيقولون: ﴿[أَبَشَرٌ] يَهْدُونَنَا﴾ استكباراً منهم أن يكون رسل الله (إليهم) بشر مثلهم. وَأَتَى "يَهْدونَنَا" بلفظ الجمع وقَبْلَهُ "بَشَرٌ"، "مُوَحَّد"، لأنه حُمِلَ على المعنى، لأنه عند بعضهم اسْمٌ للجمع.
وحكى [المازني] أن النحويين أجازوا أن يقال: [جاءني] ثلاثة نفر وثلاثة رهط، لأن نفراً ورهطاً لأقل العدد، [وما دون العشرة يضاف لأَقَلِ العدد، فلما وقع موقعه وهو مثْلُه لأقل العدد] جاز، و "بشر" للعدد الكثير، و "قوم" للقليل والكثير، فلما خالف ما يضاف إليه ما دون العشرة (لم يضف إليه كما لا [يضاف] ما دون العشرة) إلى أكثر العدد.
وقال المبرد: إنما لم يضف ما دون العشرة إلى "بشر"، لأنه يقع للواحد والجمع، وما دون العشرة لا يضاف إلى الواحد. هذا معنى قولهما. واستدل على أن "بشرا" يقع للواحد [بقول] الله ﴿مَا هَـٰذَا بَشَراً﴾ [يوسف: ٣١] ثم قال: ﴿فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ...﴾
(أي): فجحدوا رسالات ربهم، وأدبروا عن الإيمان برسلهم ﴿وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ...﴾ عن إيمانهم إذ [لا يزيد] في ملكه إيمانهم، ولا ينقص منه كفرهم.
* *
﴿وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.
أي: ﴿غَنِيٌّ﴾ عن جميع خلقه، محمود عند جميعهم، إذ ما يهم من نعمة فمنه وبفضله.
* *
ثم قال: ﴿زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ﴾
أي: زعم الكفار من قريش أنهم لا يبعثون من قبورهم بعد مماتهم. وقد كره مجاهد وغيره أن يقول الرجل: زعم فلان. "وزعم" عند النحويين على ضربين:
تكون بمعنى قال، وبمعنى تَخَرَّصَ وَتَقَوَّلَ.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾
أي: قل لهم يا محمد مجاوباً [لنفيهم] البعث: بلى وربي، لتبعثن من قبوركم يوم القيامة، ثم لَتُخْبَرُنَّ بما عملتم في الدنيا، ثم [تجازون] على أعمالكم.
* *
﴿وَذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾.
أي: سهل هين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلنّورِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلْنَا﴾
أي: فصدقوا بالله أيها المشركون (به)، وصدقوا برسوله وبالقرآن الذي أنزل عليه ربما فيه من إخبار الله إياكم بالبعث والجزاء والجنة والنار وغير ذلك.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
أي: ذو خبر وعلم بأعمالكم، لا يخفى عليه منها شيء، وهو مجازيكم على جميعها.
* *
﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ﴾
[العامل] في: "يَوْمَ يجْمَعُكُمْ": ["خَبِيرٌ"] والمعنى: والله ذو خبر بأعمالكم يجازيكم عليها في يوم يجمعكم ليوم جمع الخلائق كلهم، ذلك يوم يَغْبَنُ فيه أهلُ الجنة أهلَ النار.
قال مجاهد: (يَوْمَ القيامة يَوْمٌ يَغْبَنُ فيه أهلُ الجنة أهلَ النار).
قال ابن عباس: (غَبَنَ أهلُ الجنة أهلَ النار).
وقيل: العامل في "يوم"... لتنبؤن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾
أي: ومن يصدّق بالله وبما أنزل ويعمل في دنياه عملاً صالحاً نكفر عنه ما مضى من سيئاته ونمحها عنه ونسترها عليه وندخله في الآخرة بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار خالدين فيها أبداً لا يموتون ولا يخرجون منها.
* *
- ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾.
أي: ذلك [النجاء] العظيم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَآ (أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ)﴾.
أي: والذين جحدوا توحيد الله وكذبوا بأدلته تعالى وجحدوا كتابه، أولئك أصحاب النار هم فيها ماكثون أبداً لا يموتون ولا يخرجون منها.
* *
﴿وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾.
أي: وبئس الشيء الذي يصار إليه نارُ جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ (وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾.
أي: لم تصب أحداً من الخلق مصيبة إلا بقضاء الله وتقديره ذلك عليه.
وقال الفراء: معناه: إلا بأمر الله).
قال علقمة: هو الرجل تصيبه [المصيبة] فيعلم أنها من قبل الله فيسلم لها ويرضى عن الله، فذلك قوله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، أي: ومن يصدق بالله وبتوحيده يَهْدِ قلبه إلى الإيمان ويُوَفِّقُهُ إلى الطريق المستقيم، فيعلم أنه لا تصيبه إلا بإذن الله فيسلم لأمر (الله) ويرضى بقضائه.
قال ابن عباس: يهدي قلبه لليقين فيعلم أن كُلاًّ من عند الله، وما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
وقيل: يهدي قلبه إلى التسليم لأمر الله إذا أصيب وإلى الشكر إذا أنعم عليه وإلى الغفران إذا ظلم .
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ فَإِن تَولَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ﴾.
أي: أطيعوا الله في أمره ونهيه والإيمان به وبرسوله وأطيعوا رسوله، فإن أعرضتم عن الإيمان بذلك فليس على محمد إلا أن يبلغكم ما أرسل [به] إليكم بلاغا ظاهراً، والمحاسبةُ والمجازاةُ على الله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾.
أي: الله معبودكم، لا معبود تصلح العبادة إلا له، وعلى الله فليتوكل المصدقون بوحدانيته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ..﴾ الآية.
روي أن هذه الآية نزلت في قوم أرادوا الإسلام والهجرة، وأسلموا في بلدانهم وأرادوا الهجرة فثبطهم عن ذلك أزواجهم وأولادهم وأبوا أن يَدَعُوهُمْ يخرجون، ثم هاجروا بعد ذلك بأهليهم وأولادهم. فلما قدموا المدينة، وجدوا الناس قد فقهوا وتعلموا القرآن، فَهَمُّوا [عقوبة] أزواجهم وأولادهم، فأنزل الله هذه الآية. ولذلك قال: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. فاعلموا أن من الأزواج والأولاد من هو عدو، ولا عَدُوَّ أَعْظَمُ ممن مَنَعَ من الهجرة. هذا معنى قول ابن عباس.
فكان الرجل يضرب أهله إذا ثبطوه عن الهجرة، وَيُقْسِمُ ليفعلن بهم وليعاقبنهم على ذلك، فقال الله: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. قال عطاء: نزلت [هذه الثلاث آيات] (في عوف بن مالك الأشجعي، كان ذا أهل وولد، فكان إذا أراد الغزو [بكوا] إليه ووقفوه، وقالوا: إلى من تدعنا؟ فَيَرِقُّ ويقيم فنزلت هذه الآيات (فيه)).
قال قتادة: من الأزواج والأولاد من لا يأمر بطاعة الله، ولا ينهي عن معصيته.
وكبرت تلك عداوة للمرء أن يكون صاحبه (لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر).
وأكثر المفسرين على أنهن نزلن في من كان [يسلم] ويمنعه أهله وولده من الهجرة. وهو قول الضحاك (وابن زيد).
* *
ثم قال: ﴿إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ [وَأَوْلاَدُكُمْ] فِتْنَةٌ﴾
أي: بلاء عليكم في الدنيا.
وروي أن النبي ﷺ رأى الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، وهو يخطب، فنزل رسول الله ﷺ، أخذهما فرفعهما ووضعهما في حجره ثم قال: صدق الله ﴿إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ رأيت هذين فلم أصبر، ثم أخذ في خطبته
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
أي: ثواب عظيم إذا أنتم خالفتم الأزواج والأولاد في طاعة الله.
قال قتادة: ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: الجنة.
* *
ثم قال: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾
هذا نزل بعد قوله تعالى: ﴿ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] تخفيفاً عن الخلق، فقيل: إن هذا ناسخ لذلك، وقيل: "هو تخفيف، ولا بد من التقى. ومعنى ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يطاع فلا يعصى.
وكانوا يبايعون النبي ﷺ على السمع والطاعة، فيقول: فيما استطعتم.
قال ابن مسعود ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ﴾
أي: اسمعوا لرسول الله وأطيعوه فيما أمركم به ونهاكم عنه.
* *
- ﴿وَأَنْفِقُواْ خَيْراً لأَنفُسِكُمْ﴾
أي: أنفقوا مالاً لأنفسكم، فالخير هنا مفعول لِ "أَنفقوا"، والخير: المال، كما قال: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] يعني: المال.
وقيل: "خَيْرَاً" هنا بمعنى: أفعل، أي: وأنفقوا في سبيل الله يكن خيرا لكم.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.
أي: ومن يقه الله شح نفسه. وذلك اتباع هواها فيما نهى الله عنه.
قال ابن عباس: "شُحَّ نَفْسِهِ": "هوى نفسه...".
قال ابن مسعود: "هو أن يَعْمَدَ إلى مال غيره فيأكله".
وقال سفيان بن عيينة: هو الظلم، وليس هو البخل.
* *
﴿فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.
أي: هم الباقون في النعيم المقيم.
قال الحسن: نظرك إلى المرأة لا تملكها من الشح.
وقال ابن عباس: ليس الشح أن يمنع الإنسان ماله، إنما الشح أن [تطمح] عين الرجل إلى ما ليس له.
قال ابن مسعود: إنما الشح الذي ذكر الله تعالى أن يأكل الرجل مال أخيه، وحَبْسُ المال [عن] الصدقة هو البخل.
وقال طاوس: إنما الشح أن تشحّ على ما في [أيدي] الناس.
[قال علي: من أدى زكاته فقد وُقِي شح نفسه].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِن تُقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ (وَيَغْفِرْ لَكُمْ)﴾.
أي: إن تنفقوا في سبيل الله في الدنيا احتساباً للأجر والثواب يُضَاعِف أَجْرَ ذلك لَكُمْ رَبُّكُمْ من واحد إلى سبعمائة ضعف إلى أكثر ويستر عليكم ذنوبكم مع تضعيفه لنفقاتكم.
* *
﴿وَٱللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾.
أي: ذو شكر لأهل الإنفاق في سبيله، حليم عن أهل معاصيه، يترك معاجلتهم بعقوبته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾.
أي: هو عالم ما غاب عن الأبصار وما ظهر في السماوات والأرضين، وهو الشديد في انتقامه ممن كفر به، الحكيم في تدبيره خلقه.
التغابن 64:17
[قوله تعالى]: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَ[مَا فِي] ٱلأَرْضِ...﴾ إلى آخر السورة.
معناه: يصلي لله ويسجد جميع من في السماوات السبع والأرض من الخلق طوعا وكرها "ويسبح": للحال.
- وقيل: معناه [ينزه الله] ويُبَرِّئُهُ من السوء كل من في السماوات والأرض.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ﴾
أي: له ملك السماوات والأرض وسلطان ذلك، وله حمد [ما] فيهما من الخلق.
* *
- ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
أي: ذو قدرة على كل شيء، يفعل ما يريد، لا يُعْجِزُهُ شيء أراده.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ﴾
[أي: خلقكم على علمه فيكم من قبل أن يخلقكم، فمنكم من كفر، ومنكم من آمن على ما سبق من علمه بكم]، أي: الله الذي خلقكم - أيها الناس - فمنكم من يكفر بخالقه ويجحده، ومنكم من يُؤْمِنُ بخالقه ويُقِرُّ بِهِ.
* *
- ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
أي: والله الذي خلقكم بصير بأعمالكم، لا يخفى عليه منها شيء، فيجازيكم بها، فاتقوه فيما أمركم به وما نهاكم عنه.
وعن أبي ذر أنه قال: إن المني إذا مكث في الرحم أربعين ليلة أتى مَلَكُ النفوس فعرج به إلى الجبار في راحته فقال: يا رب عبدك: ذكر أو أنثى؟ فيقضي الله جل ثناؤه ما هو قاض. ثم يقول: أي رب، شقي أو سعيد؟ فيكتب ما هو [لاَقٍ].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ (وَصَوَّرَكُمْ) فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ...ُ﴾.
أي: خلق السماوات والأرض بالعدل [والإنصاف] ومثّلكم فأحسن تمثيلكم.
وروي أنه [عنى] به تصوير آدم وخلقه إياه.
(وقال ابن عباس: يعني آدَمَ، خلقه بيده.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِير﴾.
أي: المرجع يوم القيامة).
* *
- ثم قال: ﴿(يَعْلَمُ) مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾
أي: يعلم كل ما في السماوات السبع والأرض من شيء لا تخفى عليه من ذلك خافية، ويعلم ما يُسِرُّ الخلق من قول وعمل وما يعلنون من ذلك.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾.
أي: ذو علم بضمائر صدور العباد وما تنطوي عليه نفوسهم وهذا: (كله) تحذير من الله جل ذكره (لعباده أن يسروا غير الذي يعلنون).
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ (ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ)﴾.
(هو خطاب لقريش أي: ألم يأتكم خبر الذين كفروا من قبلكم كقوم (نوح) وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط كفروا ﴿فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾)، أي: فمسهم عقاب الله إياهم على كفرهم فتخافوا أنتم أن يحل بكم على كفركم مثل ما حلّ بهم.
* *
- ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
أي: ولهم بعد ما نزل بهم في الدنيا من العذاب عذاب آخر موجع في الآخرة، وهو عذاب في النار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَقَالُوۤاْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ﴾
أي: ذلك (الذي) [نالهم] على كفرهم والذي أعد لهم ربهم من العذاب من أجل أنه ﴿كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾: الآيات الواضحات على حقيقة ما تدعوهم إليه. فيقولون: ﴿[أَبَشَرٌ] يَهْدُونَنَا﴾ استكباراً منهم أن يكون رسل الله (إليهم) بشر مثلهم. وَأَتَى "يَهْدونَنَا" بلفظ الجمع وقَبْلَهُ "بَشَرٌ"، "مُوَحَّد"، لأنه حُمِلَ على المعنى، لأنه عند بعضهم اسْمٌ للجمع.
وحكى [المازني] أن النحويين أجازوا أن يقال: [جاءني] ثلاثة نفر وثلاثة رهط، لأن نفراً ورهطاً لأقل العدد، [وما دون العشرة يضاف لأَقَلِ العدد، فلما وقع موقعه وهو مثْلُه لأقل العدد] جاز، و "بشر" للعدد الكثير، و "قوم" للقليل والكثير، فلما خالف ما يضاف إليه ما دون العشرة (لم يضف إليه كما لا [يضاف] ما دون العشرة) إلى أكثر العدد.
وقال المبرد: إنما لم يضف ما دون العشرة إلى "بشر"، لأنه يقع للواحد والجمع، وما دون العشرة لا يضاف إلى الواحد. هذا معنى قولهما. واستدل على أن "بشرا" يقع للواحد [بقول] الله ﴿مَا هَـٰذَا بَشَراً﴾ [يوسف: ٣١] ثم قال: ﴿فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ...﴾
(أي): فجحدوا رسالات ربهم، وأدبروا عن الإيمان برسلهم ﴿وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ...﴾ عن إيمانهم إذ [لا يزيد] في ملكه إيمانهم، ولا ينقص منه كفرهم.
* *
﴿وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.
أي: ﴿غَنِيٌّ﴾ عن جميع خلقه، محمود عند جميعهم، إذ ما يهم من نعمة فمنه وبفضله.
* *
ثم قال: ﴿زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ﴾
أي: زعم الكفار من قريش أنهم لا يبعثون من قبورهم بعد مماتهم. وقد كره مجاهد وغيره أن يقول الرجل: زعم فلان. "وزعم" عند النحويين على ضربين:
تكون بمعنى قال، وبمعنى تَخَرَّصَ وَتَقَوَّلَ.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾
أي: قل لهم يا محمد مجاوباً [لنفيهم] البعث: بلى وربي، لتبعثن من قبوركم يوم القيامة، ثم لَتُخْبَرُنَّ بما عملتم في الدنيا، ثم [تجازون] على أعمالكم.
* *
﴿وَذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾.
أي: سهل هين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلنّورِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلْنَا﴾
أي: فصدقوا بالله أيها المشركون (به)، وصدقوا برسوله وبالقرآن الذي أنزل عليه ربما فيه من إخبار الله إياكم بالبعث والجزاء والجنة والنار وغير ذلك.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
أي: ذو خبر وعلم بأعمالكم، لا يخفى عليه منها شيء، وهو مجازيكم على جميعها.
* *
﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ﴾
[العامل] في: "يَوْمَ يجْمَعُكُمْ": ["خَبِيرٌ"] والمعنى: والله ذو خبر بأعمالكم يجازيكم عليها في يوم يجمعكم ليوم جمع الخلائق كلهم، ذلك يوم يَغْبَنُ فيه أهلُ الجنة أهلَ النار.
قال مجاهد: (يَوْمَ القيامة يَوْمٌ يَغْبَنُ فيه أهلُ الجنة أهلَ النار).
قال ابن عباس: (غَبَنَ أهلُ الجنة أهلَ النار).
وقيل: العامل في "يوم"... لتنبؤن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾
أي: ومن يصدّق بالله وبما أنزل ويعمل في دنياه عملاً صالحاً نكفر عنه ما مضى من سيئاته ونمحها عنه ونسترها عليه وندخله في الآخرة بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار خالدين فيها أبداً لا يموتون ولا يخرجون منها.
* *
- ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾.
أي: ذلك [النجاء] العظيم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَآ (أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ)﴾.
أي: والذين جحدوا توحيد الله وكذبوا بأدلته تعالى وجحدوا كتابه، أولئك أصحاب النار هم فيها ماكثون أبداً لا يموتون ولا يخرجون منها.
* *
﴿وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾.
أي: وبئس الشيء الذي يصار إليه نارُ جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ (وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾.
أي: لم تصب أحداً من الخلق مصيبة إلا بقضاء الله وتقديره ذلك عليه.
وقال الفراء: معناه: إلا بأمر الله).
قال علقمة: هو الرجل تصيبه [المصيبة] فيعلم أنها من قبل الله فيسلم لها ويرضى عن الله، فذلك قوله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، أي: ومن يصدق بالله وبتوحيده يَهْدِ قلبه إلى الإيمان ويُوَفِّقُهُ إلى الطريق المستقيم، فيعلم أنه لا تصيبه إلا بإذن الله فيسلم لأمر (الله) ويرضى بقضائه.
قال ابن عباس: يهدي قلبه لليقين فيعلم أن كُلاًّ من عند الله، وما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
وقيل: يهدي قلبه إلى التسليم لأمر الله إذا أصيب وإلى الشكر إذا أنعم عليه وإلى الغفران إذا ظلم .
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ فَإِن تَولَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ﴾.
أي: أطيعوا الله في أمره ونهيه والإيمان به وبرسوله وأطيعوا رسوله، فإن أعرضتم عن الإيمان بذلك فليس على محمد إلا أن يبلغكم ما أرسل [به] إليكم بلاغا ظاهراً، والمحاسبةُ والمجازاةُ على الله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾.
أي: الله معبودكم، لا معبود تصلح العبادة إلا له، وعلى الله فليتوكل المصدقون بوحدانيته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ..﴾ الآية.
روي أن هذه الآية نزلت في قوم أرادوا الإسلام والهجرة، وأسلموا في بلدانهم وأرادوا الهجرة فثبطهم عن ذلك أزواجهم وأولادهم وأبوا أن يَدَعُوهُمْ يخرجون، ثم هاجروا بعد ذلك بأهليهم وأولادهم. فلما قدموا المدينة، وجدوا الناس قد فقهوا وتعلموا القرآن، فَهَمُّوا [عقوبة] أزواجهم وأولادهم، فأنزل الله هذه الآية. ولذلك قال: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. فاعلموا أن من الأزواج والأولاد من هو عدو، ولا عَدُوَّ أَعْظَمُ ممن مَنَعَ من الهجرة. هذا معنى قول ابن عباس.
فكان الرجل يضرب أهله إذا ثبطوه عن الهجرة، وَيُقْسِمُ ليفعلن بهم وليعاقبنهم على ذلك، فقال الله: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. قال عطاء: نزلت [هذه الثلاث آيات] (في عوف بن مالك الأشجعي، كان ذا أهل وولد، فكان إذا أراد الغزو [بكوا] إليه ووقفوه، وقالوا: إلى من تدعنا؟ فَيَرِقُّ ويقيم فنزلت هذه الآيات (فيه)).
قال قتادة: من الأزواج والأولاد من لا يأمر بطاعة الله، ولا ينهي عن معصيته.
وكبرت تلك عداوة للمرء أن يكون صاحبه (لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر).
وأكثر المفسرين على أنهن نزلن في من كان [يسلم] ويمنعه أهله وولده من الهجرة. وهو قول الضحاك (وابن زيد).
* *
ثم قال: ﴿إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ [وَأَوْلاَدُكُمْ] فِتْنَةٌ﴾
أي: بلاء عليكم في الدنيا.
وروي أن النبي ﷺ رأى الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، وهو يخطب، فنزل رسول الله ﷺ، أخذهما فرفعهما ووضعهما في حجره ثم قال: صدق الله ﴿إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ رأيت هذين فلم أصبر، ثم أخذ في خطبته
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
أي: ثواب عظيم إذا أنتم خالفتم الأزواج والأولاد في طاعة الله.
قال قتادة: ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: الجنة.
* *
ثم قال: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾
هذا نزل بعد قوله تعالى: ﴿ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] تخفيفاً عن الخلق، فقيل: إن هذا ناسخ لذلك، وقيل: "هو تخفيف، ولا بد من التقى. ومعنى ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يطاع فلا يعصى.
وكانوا يبايعون النبي ﷺ على السمع والطاعة، فيقول: فيما استطعتم.
قال ابن مسعود ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ﴾
أي: اسمعوا لرسول الله وأطيعوه فيما أمركم به ونهاكم عنه.
* *
- ﴿وَأَنْفِقُواْ خَيْراً لأَنفُسِكُمْ﴾
أي: أنفقوا مالاً لأنفسكم، فالخير هنا مفعول لِ "أَنفقوا"، والخير: المال، كما قال: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] يعني: المال.
وقيل: "خَيْرَاً" هنا بمعنى: أفعل، أي: وأنفقوا في سبيل الله يكن خيرا لكم.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.
أي: ومن يقه الله شح نفسه. وذلك اتباع هواها فيما نهى الله عنه.
قال ابن عباس: "شُحَّ نَفْسِهِ": "هوى نفسه...".
قال ابن مسعود: "هو أن يَعْمَدَ إلى مال غيره فيأكله".
وقال سفيان بن عيينة: هو الظلم، وليس هو البخل.
* *
﴿فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.
أي: هم الباقون في النعيم المقيم.
قال الحسن: نظرك إلى المرأة لا تملكها من الشح.
وقال ابن عباس: ليس الشح أن يمنع الإنسان ماله، إنما الشح أن [تطمح] عين الرجل إلى ما ليس له.
قال ابن مسعود: إنما الشح الذي ذكر الله تعالى أن يأكل الرجل مال أخيه، وحَبْسُ المال [عن] الصدقة هو البخل.
وقال طاوس: إنما الشح أن تشحّ على ما في [أيدي] الناس.
[قال علي: من أدى زكاته فقد وُقِي شح نفسه].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِن تُقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ (وَيَغْفِرْ لَكُمْ)﴾.
أي: إن تنفقوا في سبيل الله في الدنيا احتساباً للأجر والثواب يُضَاعِف أَجْرَ ذلك لَكُمْ رَبُّكُمْ من واحد إلى سبعمائة ضعف إلى أكثر ويستر عليكم ذنوبكم مع تضعيفه لنفقاتكم.
* *
﴿وَٱللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾.
أي: ذو شكر لأهل الإنفاق في سبيله، حليم عن أهل معاصيه، يترك معاجلتهم بعقوبته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾.
أي: هو عالم ما غاب عن الأبصار وما ظهر في السماوات والأرضين، وهو الشديد في انتقامه ممن كفر به، الحكيم في تدبيره خلقه.
التغابن 64:18
[قوله تعالى]: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَ[مَا فِي] ٱلأَرْضِ...﴾ إلى آخر السورة.
معناه: يصلي لله ويسجد جميع من في السماوات السبع والأرض من الخلق طوعا وكرها "ويسبح": للحال.
- وقيل: معناه [ينزه الله] ويُبَرِّئُهُ من السوء كل من في السماوات والأرض.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ﴾
أي: له ملك السماوات والأرض وسلطان ذلك، وله حمد [ما] فيهما من الخلق.
* *
- ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
أي: ذو قدرة على كل شيء، يفعل ما يريد، لا يُعْجِزُهُ شيء أراده.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ﴾
[أي: خلقكم على علمه فيكم من قبل أن يخلقكم، فمنكم من كفر، ومنكم من آمن على ما سبق من علمه بكم]، أي: الله الذي خلقكم - أيها الناس - فمنكم من يكفر بخالقه ويجحده، ومنكم من يُؤْمِنُ بخالقه ويُقِرُّ بِهِ.
* *
- ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
أي: والله الذي خلقكم بصير بأعمالكم، لا يخفى عليه منها شيء، فيجازيكم بها، فاتقوه فيما أمركم به وما نهاكم عنه.
وعن أبي ذر أنه قال: إن المني إذا مكث في الرحم أربعين ليلة أتى مَلَكُ النفوس فعرج به إلى الجبار في راحته فقال: يا رب عبدك: ذكر أو أنثى؟ فيقضي الله جل ثناؤه ما هو قاض. ثم يقول: أي رب، شقي أو سعيد؟ فيكتب ما هو [لاَقٍ].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ (وَصَوَّرَكُمْ) فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ...ُ﴾.
أي: خلق السماوات والأرض بالعدل [والإنصاف] ومثّلكم فأحسن تمثيلكم.
وروي أنه [عنى] به تصوير آدم وخلقه إياه.
(وقال ابن عباس: يعني آدَمَ، خلقه بيده.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِير﴾.
أي: المرجع يوم القيامة).
* *
- ثم قال: ﴿(يَعْلَمُ) مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾
أي: يعلم كل ما في السماوات السبع والأرض من شيء لا تخفى عليه من ذلك خافية، ويعلم ما يُسِرُّ الخلق من قول وعمل وما يعلنون من ذلك.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾.
أي: ذو علم بضمائر صدور العباد وما تنطوي عليه نفوسهم وهذا: (كله) تحذير من الله جل ذكره (لعباده أن يسروا غير الذي يعلنون).
* *
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ (ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ)﴾.
(هو خطاب لقريش أي: ألم يأتكم خبر الذين كفروا من قبلكم كقوم (نوح) وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط كفروا ﴿فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾)، أي: فمسهم عقاب الله إياهم على كفرهم فتخافوا أنتم أن يحل بكم على كفركم مثل ما حلّ بهم.
* *
- ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
أي: ولهم بعد ما نزل بهم في الدنيا من العذاب عذاب آخر موجع في الآخرة، وهو عذاب في النار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَقَالُوۤاْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ﴾
أي: ذلك (الذي) [نالهم] على كفرهم والذي أعد لهم ربهم من العذاب من أجل أنه ﴿كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾: الآيات الواضحات على حقيقة ما تدعوهم إليه. فيقولون: ﴿[أَبَشَرٌ] يَهْدُونَنَا﴾ استكباراً منهم أن يكون رسل الله (إليهم) بشر مثلهم. وَأَتَى "يَهْدونَنَا" بلفظ الجمع وقَبْلَهُ "بَشَرٌ"، "مُوَحَّد"، لأنه حُمِلَ على المعنى، لأنه عند بعضهم اسْمٌ للجمع.
وحكى [المازني] أن النحويين أجازوا أن يقال: [جاءني] ثلاثة نفر وثلاثة رهط، لأن نفراً ورهطاً لأقل العدد، [وما دون العشرة يضاف لأَقَلِ العدد، فلما وقع موقعه وهو مثْلُه لأقل العدد] جاز، و "بشر" للعدد الكثير، و "قوم" للقليل والكثير، فلما خالف ما يضاف إليه ما دون العشرة (لم يضف إليه كما لا [يضاف] ما دون العشرة) إلى أكثر العدد.
وقال المبرد: إنما لم يضف ما دون العشرة إلى "بشر"، لأنه يقع للواحد والجمع، وما دون العشرة لا يضاف إلى الواحد. هذا معنى قولهما. واستدل على أن "بشرا" يقع للواحد [بقول] الله ﴿مَا هَـٰذَا بَشَراً﴾ [يوسف: ٣١] ثم قال: ﴿فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ...﴾
(أي): فجحدوا رسالات ربهم، وأدبروا عن الإيمان برسلهم ﴿وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ...﴾ عن إيمانهم إذ [لا يزيد] في ملكه إيمانهم، ولا ينقص منه كفرهم.
* *
﴿وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.
أي: ﴿غَنِيٌّ﴾ عن جميع خلقه، محمود عند جميعهم، إذ ما يهم من نعمة فمنه وبفضله.
* *
ثم قال: ﴿زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ﴾
أي: زعم الكفار من قريش أنهم لا يبعثون من قبورهم بعد مماتهم. وقد كره مجاهد وغيره أن يقول الرجل: زعم فلان. "وزعم" عند النحويين على ضربين:
تكون بمعنى قال، وبمعنى تَخَرَّصَ وَتَقَوَّلَ.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾
أي: قل لهم يا محمد مجاوباً [لنفيهم] البعث: بلى وربي، لتبعثن من قبوركم يوم القيامة، ثم لَتُخْبَرُنَّ بما عملتم في الدنيا، ثم [تجازون] على أعمالكم.
* *
﴿وَذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾.
أي: سهل هين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلنّورِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلْنَا﴾
أي: فصدقوا بالله أيها المشركون (به)، وصدقوا برسوله وبالقرآن الذي أنزل عليه ربما فيه من إخبار الله إياكم بالبعث والجزاء والجنة والنار وغير ذلك.
* *
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
أي: ذو خبر وعلم بأعمالكم، لا يخفى عليه منها شيء، وهو مجازيكم على جميعها.
* *
﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ﴾
[العامل] في: "يَوْمَ يجْمَعُكُمْ": ["خَبِيرٌ"] والمعنى: والله ذو خبر بأعمالكم يجازيكم عليها في يوم يجمعكم ليوم جمع الخلائق كلهم، ذلك يوم يَغْبَنُ فيه أهلُ الجنة أهلَ النار.
قال مجاهد: (يَوْمَ القيامة يَوْمٌ يَغْبَنُ فيه أهلُ الجنة أهلَ النار).
قال ابن عباس: (غَبَنَ أهلُ الجنة أهلَ النار).
وقيل: العامل في "يوم"... لتنبؤن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾
أي: ومن يصدّق بالله وبما أنزل ويعمل في دنياه عملاً صالحاً نكفر عنه ما مضى من سيئاته ونمحها عنه ونسترها عليه وندخله في الآخرة بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار خالدين فيها أبداً لا يموتون ولا يخرجون منها.
* *
- ﴿ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾.
أي: ذلك [النجاء] العظيم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَآ (أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ)﴾.
أي: والذين جحدوا توحيد الله وكذبوا بأدلته تعالى وجحدوا كتابه، أولئك أصحاب النار هم فيها ماكثون أبداً لا يموتون ولا يخرجون منها.
* *
﴿وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾.
أي: وبئس الشيء الذي يصار إليه نارُ جهنم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ (وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾.
أي: لم تصب أحداً من الخلق مصيبة إلا بقضاء الله وتقديره ذلك عليه.
وقال الفراء: معناه: إلا بأمر الله).
قال علقمة: هو الرجل تصيبه [المصيبة] فيعلم أنها من قبل الله فيسلم لها ويرضى عن الله، فذلك قوله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، أي: ومن يصدق بالله وبتوحيده يَهْدِ قلبه إلى الإيمان ويُوَفِّقُهُ إلى الطريق المستقيم، فيعلم أنه لا تصيبه إلا بإذن الله فيسلم لأمر (الله) ويرضى بقضائه.
قال ابن عباس: يهدي قلبه لليقين فيعلم أن كُلاًّ من عند الله، وما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
وقيل: يهدي قلبه إلى التسليم لأمر الله إذا أصيب وإلى الشكر إذا أنعم عليه وإلى الغفران إذا ظلم .
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ فَإِن تَولَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ﴾.
أي: أطيعوا الله في أمره ونهيه والإيمان به وبرسوله وأطيعوا رسوله، فإن أعرضتم عن الإيمان بذلك فليس على محمد إلا أن يبلغكم ما أرسل [به] إليكم بلاغا ظاهراً، والمحاسبةُ والمجازاةُ على الله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾.
أي: الله معبودكم، لا معبود تصلح العبادة إلا له، وعلى الله فليتوكل المصدقون بوحدانيته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ..﴾ الآية.
روي أن هذه الآية نزلت في قوم أرادوا الإسلام والهجرة، وأسلموا في بلدانهم وأرادوا الهجرة فثبطهم عن ذلك أزواجهم وأولادهم وأبوا أن يَدَعُوهُمْ يخرجون، ثم هاجروا بعد ذلك بأهليهم وأولادهم. فلما قدموا المدينة، وجدوا الناس قد فقهوا وتعلموا القرآن، فَهَمُّوا [عقوبة] أزواجهم وأولادهم، فأنزل الله هذه الآية. ولذلك قال: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. فاعلموا أن من الأزواج والأولاد من هو عدو، ولا عَدُوَّ أَعْظَمُ ممن مَنَعَ من الهجرة. هذا معنى قول ابن عباس.
فكان الرجل يضرب أهله إذا ثبطوه عن الهجرة، وَيُقْسِمُ ليفعلن بهم وليعاقبنهم على ذلك، فقال الله: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. قال عطاء: نزلت [هذه الثلاث آيات] (في عوف بن مالك الأشجعي، كان ذا أهل وولد، فكان إذا أراد الغزو [بكوا] إليه ووقفوه، وقالوا: إلى من تدعنا؟ فَيَرِقُّ ويقيم فنزلت هذه الآيات (فيه)).
قال قتادة: من الأزواج والأولاد من لا يأمر بطاعة الله، ولا ينهي عن معصيته.
وكبرت تلك عداوة للمرء أن يكون صاحبه (لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر).
وأكثر المفسرين على أنهن نزلن في من كان [يسلم] ويمنعه أهله وولده من الهجرة. وهو قول الضحاك (وابن زيد).
* *
ثم قال: ﴿إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ [وَأَوْلاَدُكُمْ] فِتْنَةٌ﴾
أي: بلاء عليكم في الدنيا.
وروي أن النبي ﷺ رأى الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، وهو يخطب، فنزل رسول الله ﷺ، أخذهما فرفعهما ووضعهما في حجره ثم قال: صدق الله ﴿إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ رأيت هذين فلم أصبر، ثم أخذ في خطبته
ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
أي: ثواب عظيم إذا أنتم خالفتم الأزواج والأولاد في طاعة الله.
قال قتادة: ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: الجنة.
* *
ثم قال: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾
هذا نزل بعد قوله تعالى: ﴿ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] تخفيفاً عن الخلق، فقيل: إن هذا ناسخ لذلك، وقيل: "هو تخفيف، ولا بد من التقى. ومعنى ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يطاع فلا يعصى.
وكانوا يبايعون النبي ﷺ على السمع والطاعة، فيقول: فيما استطعتم.
قال ابن مسعود ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى.
* *
- ثم قال: ﴿وَٱسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ﴾
أي: اسمعوا لرسول الله وأطيعوه فيما أمركم به ونهاكم عنه.
* *
- ﴿وَأَنْفِقُواْ خَيْراً لأَنفُسِكُمْ﴾
أي: أنفقوا مالاً لأنفسكم، فالخير هنا مفعول لِ "أَنفقوا"، والخير: المال، كما قال: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] يعني: المال.
وقيل: "خَيْرَاً" هنا بمعنى: أفعل، أي: وأنفقوا في سبيل الله يكن خيرا لكم.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.
أي: ومن يقه الله شح نفسه. وذلك اتباع هواها فيما نهى الله عنه.
قال ابن عباس: "شُحَّ نَفْسِهِ": "هوى نفسه...".
قال ابن مسعود: "هو أن يَعْمَدَ إلى مال غيره فيأكله".
وقال سفيان بن عيينة: هو الظلم، وليس هو البخل.
* *
﴿فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.
أي: هم الباقون في النعيم المقيم.
قال الحسن: نظرك إلى المرأة لا تملكها من الشح.
وقال ابن عباس: ليس الشح أن يمنع الإنسان ماله، إنما الشح أن [تطمح] عين الرجل إلى ما ليس له.
قال ابن مسعود: إنما الشح الذي ذكر الله تعالى أن يأكل الرجل مال أخيه، وحَبْسُ المال [عن] الصدقة هو البخل.
وقال طاوس: إنما الشح أن تشحّ على ما في [أيدي] الناس.
[قال علي: من أدى زكاته فقد وُقِي شح نفسه].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِن تُقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ (وَيَغْفِرْ لَكُمْ)﴾.
أي: إن تنفقوا في سبيل الله في الدنيا احتساباً للأجر والثواب يُضَاعِف أَجْرَ ذلك لَكُمْ رَبُّكُمْ من واحد إلى سبعمائة ضعف إلى أكثر ويستر عليكم ذنوبكم مع تضعيفه لنفقاتكم.
* *
﴿وَٱللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾.
أي: ذو شكر لأهل الإنفاق في سبيله، حليم عن أهل معاصيه، يترك معاجلتهم بعقوبته.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾.
أي: هو عالم ما غاب عن الأبصار وما ظهر في السماوات والأرضين، وهو الشديد في انتقامه ممن كفر به، الحكيم في تدبيره خلقه.