Lafzullah

Tafsir Makhi — الطلاق 65:1 – الملك 67:30

المؤلف / المصدر: Tafsir Makhi

المحتويات
  1. الطلاق 65:1
  2. الطلاق 65:2
  3. الطلاق 65:3
  4. الطلاق 65:4
  5. الطلاق 65:5
  6. الطلاق 65:6
  7. الطلاق 65:7
  8. الطلاق 65:8
  9. الطلاق 65:9
  10. الطلاق 65:10
  11. الطلاق 65:11
  12. الطلاق 65:12
  13. التحريم 66:1
  14. التحريم 66:2
  15. التحريم 66:3
  16. التحريم 66:4
  17. التحريم 66:5
  18. التحريم 66:6
  19. التحريم 66:7
  20. التحريم 66:8
  21. التحريم 66:9
  22. التحريم 66:10
  23. التحريم 66:11
  24. التحريم 66:12
  25. الملك 67:1
  26. الملك 67:2
  27. الملك 67:3
  28. الملك 67:4
  29. الملك 67:5
  30. الملك 67:6
  31. الملك 67:7
  32. الملك 67:8
  33. الملك 67:9
  34. الملك 67:10
  35. الملك 67:11
  36. الملك 67:12
  37. الملك 67:13
  38. الملك 67:14
  39. الملك 67:15
  40. الملك 67:16
  41. الملك 67:17
  42. الملك 67:18
  43. الملك 67:19
  44. الملك 67:20
  45. الملك 67:21
  46. الملك 67:22
  47. الملك 67:23
  48. الملك 67:24
  49. الملك 67:25
  50. الملك 67:26
  51. الملك 67:27
  52. الملك 67:28
  53. الملك 67:29
  54. الملك 67:30

الطلاق 65:1

قوله تعالى: ﴿يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ...﴾ إلى قوله: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ ويراد به أمته [ودل] على ذلك قوله - بعد ذلك: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾. وقيل: إن هذا من الانتقال من المخاطبة، كما قال: ﴿حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ﴾ [يونس: ٢٢] ثم قال: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ [يونس: ٢٢]. وقيل: التقدير: يا أيها النبي قل لهم: إذا طلقتم. وقيل: إنه كله مخاطبة للنبي، لكن خوطب بلفظ الجمع على التعظيم والإجلال، كما يقال للرجل الجليل: أنتم فعلتم. والمعنى: إذا طلقتم نساءكم المدخول بهن، أي: إذا أردتم طلاقهن ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي: لطهرهن [الذي يحصينه من عدتهن ويعتددن به طاهرات من غير جماع كان منكم في ذلك الطهر، ولا تطلقوهن لحيضهن] الذي لا يعتددن به من أقرائهن. ("فاللام" بمعنى) "في": أي: [فطلقوهن] في عدتهن. أي: في الطهر (الذي) [يعتددن] به، وهو الطهر [الذي] لم تقرب فيه. [وهذا هو مذهب] مالك وغيره. وكون اللاَّمِ بمعنى "في": [مستعمل]، قال الله جل ذكره عن قول الكافر في الآخرة: ﴿يٰلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: ٢٤]، أي: في حياتي، أي: يا ليتني قدمت عملاً (صالحاً) في حياتي في الدنيا. فطلاق السنة الذي ثبت عن النبي ﷺ هو أن يطلق الرجل امرأته وهي طاهر من غير جماع كان منه في ذلك الطهر. دل على ذلك قوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي: في عدتهن، أي: في الطهر الذي يعتددن به ويجعلنه قُرْءاً إذا مضى. وسأل رجل ابن عباس فقال: إنه طلق امرأته مائة، فقال له ابن عباس: عصيت ربك، وبانت منك امرأتك، ولم تتق الله فيجعل لك مخرجاً، وقرأ: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾ [الطلاق: ٢]، وقرأ: (يأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن من قبل عدتهن) هكذا روي أنه قرأ على التفسير. وَرَوَى مالك أن ابن عمر "طلق امرأته وهي حائض، فسأل عمرُ عن ذلك رسول الله ﷺ، فقال له: مُرْهُ يُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ (ثُمَّ) إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ الله أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ". فهذا طلاق السنة، يطلقها في طهر لم يمسها فيه طلقة، ويدعها [تمضي] في عدتها، فإن بدا له أن يرتجعها (ارتجعها) شاءت أم أبت قبل أن تمضي عدتها، فإن لم يرتجعها حتى مضت عدتها حلَّت للأَزواج غيرِه وملكت نفسها، وصار خاطباً من الخطاب. وهذا قول ابن عباس وابن مسعود وعطاء وطاوس وابن المسيب وعمرو بن دينار وقتادة وربيعة ومالك وأهل المدينة، وبه قال الشافعي وأصحابه وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وأصحاب الرأي، ومُضِيُّ عدتها عند مالك وأصحابه: أن ترى الدم من الحيضة الثالثة، لأن الأَقراء عنده الأطهار، وعند غيره: الحِيَضُ. وأصل [القرء] في اللغة: الوقت. فهو يصلح للطهر والحيض وقد مضى الكلام على الأقراء في سورة البقرة [بأشبع] من هذا. وقال أبو حنيفة: طلاق السنة أن يطلق في كل طهر طلقة. قال مجاهد والحسن وابن سيرين: ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾: (أي): لطهرهن، أي: إذا طهرت من حيض ولم تجامع - وهو [قول] السدي - ومن طلق ثلاثاً لزمه، وبئس ما صنع لمخالفته السنة. (روي) أن علياً - رضي الله عنه - كان يعاقب من طلق البتة، وكان يقول: ما طلق رجل طلاق السنة فندم. وروى أنس أن [عمر] كان يؤدب من طلق ثلاثاً وينهى عنه. وروي أن هذا الحكم نزل في سبب طلاق النبي حفصة بنت عمر، طلقها تطليقة، فقيل له: راجعها، فإنها صوامة قوامة، وإنها من نسائك في الجنة. * * - وقوله: ﴿وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ﴾ أي: احفظوها لتعلموا متى تحل للأزواج وتملك نفسها، ومتى يبقى لكم عليها حكم بالمراجعة. * * - ثم قال: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ أي: خافوه أن تتعدوا حدوده ولا تُخرجوا من طلقتم من نسائكم لعدتهن من بيوتهن اللاتي كنتم أسكنتموهن فيما قبل الطلاق حتى تنقضي العدة. قال ابن عباس: هي المطلقة في الطهر طَلْقَةً لا تَخْرُج من بيتها ما دام لزوجها عليها الرجعة وعليه النفقة، وذلك ما كانت (في) العدة. وقال قتادة: لا يخرجها إذا طلقها واحدة أو اثنتين حتى تتم العدة، فإن طلقها ثلاثاً لم يكن لها سكنى. هذا معنى قوله. والسكنى واجب عند مالك لكل مطلقة دخل بها طلقة ثلاثا أو واحدة. وقال الضحاك: إن خرجت هي فلا سكنى لها ولا نفقة. * * - ثم قال: ﴿إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ قال قتادة: هي الزنا، إذا زنت في عدتها أخرجها لإقامة الحد عليها. وهو قول الحسن ومجاهد وابن زيد. قال ابن عباس: الفاحشة هنا: [البَذَاءُ] على أهله. وقال قتادة: [الفاحشة] هنا: النشوز، وذلك أن يطلقها على النشوز، فلها أن تتحول من بيت زوجها. وقال السدي: الفاحشة هنا: خروجها من بيتها في العدة. وقال ابن عمر: "خروجها قبل انقضاء العدة فاحشة". وعن ابن عباس أنه قال: الفاحشة هنا: كل معصية مثل الزنا والسرقة والبذاء على الأهل، وهو اختيار الطبري. وللرجل أن يطلق الحامل متى شاء عند مالك تطليقة واحدة. [وكذلك يطلق الآيسة من المحيض واللائي لم يحضن متى شاء تطليقة واحدة، ولا يتبعها] طلاقاً حتى تحل. * * - ثم قال: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ [وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ] فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾. (أي): وتلك الأمور التي بينت لكم (في الطلاق) حدود الله [لكم] وفرائضه عليكم، ومن يتعد حدود الله فيطلق في غير طهر ويخرج من طلق من بيتها قبل انقضاء العدة ويتجاوز [ما أمره الله به] فقد ظلم نفسه بما ألزمها من الذنوب والعقوبات في آخرته. * * - ثم قال: ﴿لاَ تَدْرِى لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ (أَمْراً)﴾. أي: لعلكم تندمون بعد طلاقكم فتراجعون، فإذا تجاوزتم حدود الله في الطلاق فطلقتم ثلاثاً ثم ندمتم لم تكن لكم رجعة أبداً، إنما تكونون خطاباً لها بعد زوج. وهذا قول جميع المفسرين.

الطلاق 65:2

قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾. أي: فإذا بلغ المطلقات اللواتي في العدة آخر عدتهن، فأمسكوهن برجعة ترجعونهن إن أردتم ذلك. ومعنى: ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ أي: راجعوهن بمعروف، وذلك إعطاؤها الحقوق التي أوجب الله لها عليهم من النفقة والكسوة والسكنى وحسن الصحبة. * * - ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ﴾ أي: اتركوهن حتى تنقضي عدتهن فيملكن أنفسهن. * * ومعنى ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ (أي) ": [بإيفائها ما لها] من بقية الصداق والمتعة. قال الضحاك: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾: إذا انقضت عدتها قبل أن تغتسل من الحيضة الثالثة، أو ثلاثة أشهر، إن لم يكن يحضن، فراجع إن شئت قبل أن تنقضي العدة ([وأمسكها] بمعروف، أي: بحسن الصحبة والقيام عليها ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ﴾ أي: دعوهن حتى تنقضي العدة) بالطهر الثالث أو تمام الثلاثة أشهر ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ (أن) يعطيها مهرها إن كان لها. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ أي: أشهدوا - إذا راجعتموهن - ذوي عدل. وهما من يُرضى دينه وأمانته. قال ابن عباس: يشهد عدلين عند الطلاق وعند المراجعة، وقاله السدي. والإشهاد عند [أكثر] الفقهاء على الندب، وكذلك أكثر ما جاء في القرآن من الأمر بالإشهاد. قال ابن المسيب: ﴿[ذَوَىْ] عَدْلٍ﴾: [ذوي] عقل وفهم. * * - ثم قال: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ أي: اشهدوا بالحق. وإذا جامع أو [قَبَّل] يريد به الرجعة فهو رجعة عند مالك. وكذلك إن [تكلم] بالرجعة ونِيَّتُه الرجعة فهي رجعة. * * - ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ﴾ أي: هذا (الذي) عرفتكم به من أمر الطلاق عظة لمن يؤمن بالله واليوم الآخر فيتبعه ويعمل به. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾. أي: ومن يخف الله فيعمل بما أمره به ويجتنب ما نهاه عنه يجعل له من أمره مخرجاً، وذلك أنه [يُعَرِّفُهُ] أن ما قضاه عليه فلا بد أن يكون. وقيل: المعنى: ومن يتق الله فيما أمره به (من هذا الطلاق، يجعل له مخرجاً إن ابتغت نفسه رد المطلقة بعد انقضاء العدة فيحل له أن يخطبها ويتزوجها. ومن لم يتق الله فيما أمره به) ويطلق ثلاثاً، لا يجعل له مخرجاً إن ابتغتها نفسه، فلا يحل له أن يخطبها، ولا يتزوجها إلا بعد زوج، هذا قول علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - والشعبي. وقيل: هو على العموم، (أي: و) من يتق الله في أمره ونهيه يجعل له مخرجاً في كل أموره فيرزقه من حيث لا يحتسب، (أي): [ويسبب] له أسباب الرزق من حيث لا يشعر ولا يعلم. وعن ابن عباس: ﴿يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾: ينجيه (من كل كرب) في الدنيا والآخرة. قال الربيع: ﴿يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾ من كل أمر ضاق على الناس. وروي أن هذه الآية نزلت في عوف بن مالك الأشجعي، كان له ابن قد أسره المشركون، فكان يشكو إلى النبي ﷺ مكان ابنه وحاله وحاجته، فكان النبي يأمره بالصبر [ويقول له: إن الله سيجعل له مخرجاً]. فلم يلبث بعد ذلك إلا يسيراً حتى [انفلت] ابنه من [أيدي] المشركين، [فمر بغنم] من أغنام العدو، [فاسْتاقها] [وجاء بها] إليه، فنزلت: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ﴾ الآية. قال ابن مسعود: [المخرج] أن يعلم أن الله هو الذي يعطيه ويمنعه. * * - ثم قال تعالى ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ أي: فهو كافيه. قال مسروق: [القضاء] جار على من توكل وعلى من لم يتوكل. قال بعض الصالحين: المتوكل تعجل البركة والأجر. * * - ثم قال تعالى ﴿إِنَّ ٱللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ قال مسروق: الله بالغ أمره بكل حال، [توكل] عليه أو لم يتوكل (عليه)، أي: مُنْفِذٌ قضاءه بكل حال، غير أن المتوكل عليه يكفّرُ عنه سيآتِه ويعظم له أجراً. قال ابن مسعود: إن أكثر آية تفويضاً في القرآن ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. * * - ثم قال تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾. قال مسروق: "أي: لكل شيء أجلاً ومنتهى". وقال السدي: هو قدر الحيض في الأجل والعدة. وقيل: هو عام. والمعنى: قد جعل الله [لكل شيء من الطلاق] والعدة وغير ذلك حداً وأجلاً وقدراً ينتهي إليه. ولا اختلاف بين العلماء أن المطلقة واحدةً أو اثنتين لها النفقة والسكنى وكذلك المطلقة الحامل. وفي المطلقة ثلاثاً اختلاف، فأكثر العلماء على أن لا نفقة (لها) ولا سكنى. وقد روي ذلك [عن النبي ﷺ]. وقال الحسن وعكرمة والشعبي: لها متاع بالمعروف وسكنى. وهو قول جابر. وقال الثوري وأصحاب الرأي: (لها النفقة) والسكنى. وهو قول مروي عن عمر وابن مسعود، وبه قال شريح. والقول الأول قول ابن عباس. وقال مالك والشافعي والأوزاعي وابن أبي ليلى وأبو عبيد: لها السكنى ولا نفقة (لها) وهو قول ابن المسيب وسليمان بن يسار والحسن وعطاء والشعبي وابن مهدي. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ وَٱللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ أي: والنساء اللائي ارتفع طمثهن فلا يرجون أن يحضن فعدتهن ثلاثة أشهر، (وكذلك عدة النساء اللائي لم يحضن أيضا. وقوله: ﴿إِنِ ٱرْتَبْتُمْ﴾ قيل: معناه: إن ارتبتم بالدم الذي [يظهر] منها في كبرها أمن الحيض هو أم من الاستحاضة؟ فعدتهن ثلاثة أشهر). وقال مجاهد: معناه: إن لم تعلموا عدة التي قعدت عن الحيضة أو اللائي لم يحضن، فعدتهن ثلاثة أشهر. وقال الزهري: "إن ارتبتم في كبرها أن يكون ذلك من الكبر، فإنها تعتد حين ترتاب ثلاثة أشهر. فأما إذا ارتفعت حيضة المرأة وهي شابة، فإنها [يُتَأَنَّى] بها حتى يُنظر أهي [حامل] أم غير حامل؟ فإن استبان حملها فحتى تضع حملها، وإن لم يستبن حملها فحتى يستبرئها، وأقصى ذلك سنة، تسعة للاستبراء وثلاثة للعدة، وهو مذهب مالك. وقال ابن زيد: إن ارتبتم أنها لا تحيض وقد ارتفعت حيضتها وارتاب الرجل وقالت المرأة: تركتني الحيضة، فعدتها ثلاثة أشهر إن ارتاب فخاف أن تكون حيضتها قد انقطعت. وقيل: المعنى: إن ارتبتم [بحكمهن] فلم تدروا ما الحكم في عدتهن، فإن عدتهن ثلاثة أشهر. وقال عكرمة: من [الريبة]: المرأة المستحاضة والتي لا تستقيم لها الحِيَضُ: تحيض في الشهر مرات، وفي الأشهر مرة، فعدتها ثلاثة أشهر، وهو قول قتادة. وقيل: هذا متصل بأول السورة، والتقدير: لا تخرجوهن من بيوتهن إن ارتبتم في انقضاء العدة ولا يخرجن. والاختيار (عند) الطبري أن يكون المعنى على قول من قال: إن ارتبتم فلم تدروا ما الحكم في عدتهن. قال: ولو كان الارتياب إنما هو في الدم، لا يُدرى دم حيض أم دم استحاضة؟ لكان اللفظ: إن ارتبتن. لأنهن إذا أشكل الدم عليهن فهن المُرتابات بدماء أنفسهن، [لا غيرهن]، فكون [الخطاب] للرجال دليل على أن المعنى: إن ارتبتم في الحكم في عدتهن. وأيضاً فإن بعده ﴿(وَٱللاَّئِي) لَمْ يَحِضْنَ﴾ ومحال أن [يُرتاب] في دم من لم تحض، وإنما [يرتاب] في حكمها في العدة. قال الضحاك ﴿وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ﴾ من القواعد من النساء ﴿وَٱللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ من الصغار، لم يبلغن وقد مُسِسْنَ فعدتهن ثلاثةُ أشهر. وهو قول قتادة. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ أي: والنساء الحوامل إذا طُلقن، فانقضاء عدتهن أن يضعن حملهن. وهذا إجماع. فأما المتوفى عنها زوجها (وهي حامل، فأكثر العلماء على أن وضع حمْلها انقضاء عدتها ولو كان بعد موْت زوجها). وقد روي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وابن عباس - رضي الله عنه - أن انقضاء عدتها آخر الأجلين. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ [يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً].﴾. أي: ومن يتق الله فيتبع في طلاقه ما أمره الله به يجعل له من طلاقه ذلك يسراً. وهو أن يسهل عليه إن أراد الرجعة فيجعل الأمر بيده يرتجعها متى شاء ما كانت في العدة، ويحل له التزويج بعد انقضاء العدة. ومن لا يتق الله - فيطلق ثلاثاً بخلاف ما أمره الله - لا يسهل عليه رجعة في عدة ولا في غيرها، ولا يسهل عليه تزويجها بعد العدة ما لم [تتزوج] غيره.

الطلاق 65:3

قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾. أي: فإذا بلغ المطلقات اللواتي في العدة آخر عدتهن، فأمسكوهن برجعة ترجعونهن إن أردتم ذلك. ومعنى: ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ أي: راجعوهن بمعروف، وذلك إعطاؤها الحقوق التي أوجب الله لها عليهم من النفقة والكسوة والسكنى وحسن الصحبة. * * - ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ﴾ أي: اتركوهن حتى تنقضي عدتهن فيملكن أنفسهن. * * ومعنى ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ (أي) ": [بإيفائها ما لها] من بقية الصداق والمتعة. قال الضحاك: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾: إذا انقضت عدتها قبل أن تغتسل من الحيضة الثالثة، أو ثلاثة أشهر، إن لم يكن يحضن، فراجع إن شئت قبل أن تنقضي العدة ([وأمسكها] بمعروف، أي: بحسن الصحبة والقيام عليها ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ﴾ أي: دعوهن حتى تنقضي العدة) بالطهر الثالث أو تمام الثلاثة أشهر ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ (أن) يعطيها مهرها إن كان لها. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ أي: أشهدوا - إذا راجعتموهن - ذوي عدل. وهما من يُرضى دينه وأمانته. قال ابن عباس: يشهد عدلين عند الطلاق وعند المراجعة، وقاله السدي. والإشهاد عند [أكثر] الفقهاء على الندب، وكذلك أكثر ما جاء في القرآن من الأمر بالإشهاد. قال ابن المسيب: ﴿[ذَوَىْ] عَدْلٍ﴾: [ذوي] عقل وفهم. * * - ثم قال: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ أي: اشهدوا بالحق. وإذا جامع أو [قَبَّل] يريد به الرجعة فهو رجعة عند مالك. وكذلك إن [تكلم] بالرجعة ونِيَّتُه الرجعة فهي رجعة. * * - ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ﴾ أي: هذا (الذي) عرفتكم به من أمر الطلاق عظة لمن يؤمن بالله واليوم الآخر فيتبعه ويعمل به. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾. أي: ومن يخف الله فيعمل بما أمره به ويجتنب ما نهاه عنه يجعل له من أمره مخرجاً، وذلك أنه [يُعَرِّفُهُ] أن ما قضاه عليه فلا بد أن يكون. وقيل: المعنى: ومن يتق الله فيما أمره به (من هذا الطلاق، يجعل له مخرجاً إن ابتغت نفسه رد المطلقة بعد انقضاء العدة فيحل له أن يخطبها ويتزوجها. ومن لم يتق الله فيما أمره به) ويطلق ثلاثاً، لا يجعل له مخرجاً إن ابتغتها نفسه، فلا يحل له أن يخطبها، ولا يتزوجها إلا بعد زوج، هذا قول علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - والشعبي. وقيل: هو على العموم، (أي: و) من يتق الله في أمره ونهيه يجعل له مخرجاً في كل أموره فيرزقه من حيث لا يحتسب، (أي): [ويسبب] له أسباب الرزق من حيث لا يشعر ولا يعلم. وعن ابن عباس: ﴿يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾: ينجيه (من كل كرب) في الدنيا والآخرة. قال الربيع: ﴿يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾ من كل أمر ضاق على الناس. وروي أن هذه الآية نزلت في عوف بن مالك الأشجعي، كان له ابن قد أسره المشركون، فكان يشكو إلى النبي ﷺ مكان ابنه وحاله وحاجته، فكان النبي يأمره بالصبر [ويقول له: إن الله سيجعل له مخرجاً]. فلم يلبث بعد ذلك إلا يسيراً حتى [انفلت] ابنه من [أيدي] المشركين، [فمر بغنم] من أغنام العدو، [فاسْتاقها] [وجاء بها] إليه، فنزلت: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ﴾ الآية. قال ابن مسعود: [المخرج] أن يعلم أن الله هو الذي يعطيه ويمنعه. * * - ثم قال تعالى ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ أي: فهو كافيه. قال مسروق: [القضاء] جار على من توكل وعلى من لم يتوكل. قال بعض الصالحين: المتوكل تعجل البركة والأجر. * * - ثم قال تعالى ﴿إِنَّ ٱللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ قال مسروق: الله بالغ أمره بكل حال، [توكل] عليه أو لم يتوكل (عليه)، أي: مُنْفِذٌ قضاءه بكل حال، غير أن المتوكل عليه يكفّرُ عنه سيآتِه ويعظم له أجراً. قال ابن مسعود: إن أكثر آية تفويضاً في القرآن ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. * * - ثم قال تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾. قال مسروق: "أي: لكل شيء أجلاً ومنتهى". وقال السدي: هو قدر الحيض في الأجل والعدة. وقيل: هو عام. والمعنى: قد جعل الله [لكل شيء من الطلاق] والعدة وغير ذلك حداً وأجلاً وقدراً ينتهي إليه. ولا اختلاف بين العلماء أن المطلقة واحدةً أو اثنتين لها النفقة والسكنى وكذلك المطلقة الحامل. وفي المطلقة ثلاثاً اختلاف، فأكثر العلماء على أن لا نفقة (لها) ولا سكنى. وقد روي ذلك [عن النبي ﷺ]. وقال الحسن وعكرمة والشعبي: لها متاع بالمعروف وسكنى. وهو قول جابر. وقال الثوري وأصحاب الرأي: (لها النفقة) والسكنى. وهو قول مروي عن عمر وابن مسعود، وبه قال شريح. والقول الأول قول ابن عباس. وقال مالك والشافعي والأوزاعي وابن أبي ليلى وأبو عبيد: لها السكنى ولا نفقة (لها) وهو قول ابن المسيب وسليمان بن يسار والحسن وعطاء والشعبي وابن مهدي. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ وَٱللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ أي: والنساء اللائي ارتفع طمثهن فلا يرجون أن يحضن فعدتهن ثلاثة أشهر، (وكذلك عدة النساء اللائي لم يحضن أيضا. وقوله: ﴿إِنِ ٱرْتَبْتُمْ﴾ قيل: معناه: إن ارتبتم بالدم الذي [يظهر] منها في كبرها أمن الحيض هو أم من الاستحاضة؟ فعدتهن ثلاثة أشهر). وقال مجاهد: معناه: إن لم تعلموا عدة التي قعدت عن الحيضة أو اللائي لم يحضن، فعدتهن ثلاثة أشهر. وقال الزهري: "إن ارتبتم في كبرها أن يكون ذلك من الكبر، فإنها تعتد حين ترتاب ثلاثة أشهر. فأما إذا ارتفعت حيضة المرأة وهي شابة، فإنها [يُتَأَنَّى] بها حتى يُنظر أهي [حامل] أم غير حامل؟ فإن استبان حملها فحتى تضع حملها، وإن لم يستبن حملها فحتى يستبرئها، وأقصى ذلك سنة، تسعة للاستبراء وثلاثة للعدة، وهو مذهب مالك. وقال ابن زيد: إن ارتبتم أنها لا تحيض وقد ارتفعت حيضتها وارتاب الرجل وقالت المرأة: تركتني الحيضة، فعدتها ثلاثة أشهر إن ارتاب فخاف أن تكون حيضتها قد انقطعت. وقيل: المعنى: إن ارتبتم [بحكمهن] فلم تدروا ما الحكم في عدتهن، فإن عدتهن ثلاثة أشهر. وقال عكرمة: من [الريبة]: المرأة المستحاضة والتي لا تستقيم لها الحِيَضُ: تحيض في الشهر مرات، وفي الأشهر مرة، فعدتها ثلاثة أشهر، وهو قول قتادة. وقيل: هذا متصل بأول السورة، والتقدير: لا تخرجوهن من بيوتهن إن ارتبتم في انقضاء العدة ولا يخرجن. والاختيار (عند) الطبري أن يكون المعنى على قول من قال: إن ارتبتم فلم تدروا ما الحكم في عدتهن. قال: ولو كان الارتياب إنما هو في الدم، لا يُدرى دم حيض أم دم استحاضة؟ لكان اللفظ: إن ارتبتن. لأنهن إذا أشكل الدم عليهن فهن المُرتابات بدماء أنفسهن، [لا غيرهن]، فكون [الخطاب] للرجال دليل على أن المعنى: إن ارتبتم في الحكم في عدتهن. وأيضاً فإن بعده ﴿(وَٱللاَّئِي) لَمْ يَحِضْنَ﴾ ومحال أن [يُرتاب] في دم من لم تحض، وإنما [يرتاب] في حكمها في العدة. قال الضحاك ﴿وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ﴾ من القواعد من النساء ﴿وَٱللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ من الصغار، لم يبلغن وقد مُسِسْنَ فعدتهن ثلاثةُ أشهر. وهو قول قتادة. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ أي: والنساء الحوامل إذا طُلقن، فانقضاء عدتهن أن يضعن حملهن. وهذا إجماع. فأما المتوفى عنها زوجها (وهي حامل، فأكثر العلماء على أن وضع حمْلها انقضاء عدتها ولو كان بعد موْت زوجها). وقد روي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وابن عباس - رضي الله عنه - أن انقضاء عدتها آخر الأجلين. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ [يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً].﴾. أي: ومن يتق الله فيتبع في طلاقه ما أمره الله به يجعل له من طلاقه ذلك يسراً. وهو أن يسهل عليه إن أراد الرجعة فيجعل الأمر بيده يرتجعها متى شاء ما كانت في العدة، ويحل له التزويج بعد انقضاء العدة. ومن لا يتق الله - فيطلق ثلاثاً بخلاف ما أمره الله - لا يسهل عليه رجعة في عدة ولا في غيرها، ولا يسهل عليه تزويجها بعد العدة ما لم [تتزوج] غيره.

الطلاق 65:4

قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾. أي: فإذا بلغ المطلقات اللواتي في العدة آخر عدتهن، فأمسكوهن برجعة ترجعونهن إن أردتم ذلك. ومعنى: ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ أي: راجعوهن بمعروف، وذلك إعطاؤها الحقوق التي أوجب الله لها عليهم من النفقة والكسوة والسكنى وحسن الصحبة. * * - ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ﴾ أي: اتركوهن حتى تنقضي عدتهن فيملكن أنفسهن. * * ومعنى ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ (أي) ": [بإيفائها ما لها] من بقية الصداق والمتعة. قال الضحاك: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾: إذا انقضت عدتها قبل أن تغتسل من الحيضة الثالثة، أو ثلاثة أشهر، إن لم يكن يحضن، فراجع إن شئت قبل أن تنقضي العدة ([وأمسكها] بمعروف، أي: بحسن الصحبة والقيام عليها ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ﴾ أي: دعوهن حتى تنقضي العدة) بالطهر الثالث أو تمام الثلاثة أشهر ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ (أن) يعطيها مهرها إن كان لها. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ أي: أشهدوا - إذا راجعتموهن - ذوي عدل. وهما من يُرضى دينه وأمانته. قال ابن عباس: يشهد عدلين عند الطلاق وعند المراجعة، وقاله السدي. والإشهاد عند [أكثر] الفقهاء على الندب، وكذلك أكثر ما جاء في القرآن من الأمر بالإشهاد. قال ابن المسيب: ﴿[ذَوَىْ] عَدْلٍ﴾: [ذوي] عقل وفهم. * * - ثم قال: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ أي: اشهدوا بالحق. وإذا جامع أو [قَبَّل] يريد به الرجعة فهو رجعة عند مالك. وكذلك إن [تكلم] بالرجعة ونِيَّتُه الرجعة فهي رجعة. * * - ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ﴾ أي: هذا (الذي) عرفتكم به من أمر الطلاق عظة لمن يؤمن بالله واليوم الآخر فيتبعه ويعمل به. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾. أي: ومن يخف الله فيعمل بما أمره به ويجتنب ما نهاه عنه يجعل له من أمره مخرجاً، وذلك أنه [يُعَرِّفُهُ] أن ما قضاه عليه فلا بد أن يكون. وقيل: المعنى: ومن يتق الله فيما أمره به (من هذا الطلاق، يجعل له مخرجاً إن ابتغت نفسه رد المطلقة بعد انقضاء العدة فيحل له أن يخطبها ويتزوجها. ومن لم يتق الله فيما أمره به) ويطلق ثلاثاً، لا يجعل له مخرجاً إن ابتغتها نفسه، فلا يحل له أن يخطبها، ولا يتزوجها إلا بعد زوج، هذا قول علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - والشعبي. وقيل: هو على العموم، (أي: و) من يتق الله في أمره ونهيه يجعل له مخرجاً في كل أموره فيرزقه من حيث لا يحتسب، (أي): [ويسبب] له أسباب الرزق من حيث لا يشعر ولا يعلم. وعن ابن عباس: ﴿يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾: ينجيه (من كل كرب) في الدنيا والآخرة. قال الربيع: ﴿يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾ من كل أمر ضاق على الناس. وروي أن هذه الآية نزلت في عوف بن مالك الأشجعي، كان له ابن قد أسره المشركون، فكان يشكو إلى النبي ﷺ مكان ابنه وحاله وحاجته، فكان النبي يأمره بالصبر [ويقول له: إن الله سيجعل له مخرجاً]. فلم يلبث بعد ذلك إلا يسيراً حتى [انفلت] ابنه من [أيدي] المشركين، [فمر بغنم] من أغنام العدو، [فاسْتاقها] [وجاء بها] إليه، فنزلت: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ﴾ الآية. قال ابن مسعود: [المخرج] أن يعلم أن الله هو الذي يعطيه ويمنعه. * * - ثم قال تعالى ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ أي: فهو كافيه. قال مسروق: [القضاء] جار على من توكل وعلى من لم يتوكل. قال بعض الصالحين: المتوكل تعجل البركة والأجر. * * - ثم قال تعالى ﴿إِنَّ ٱللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ قال مسروق: الله بالغ أمره بكل حال، [توكل] عليه أو لم يتوكل (عليه)، أي: مُنْفِذٌ قضاءه بكل حال، غير أن المتوكل عليه يكفّرُ عنه سيآتِه ويعظم له أجراً. قال ابن مسعود: إن أكثر آية تفويضاً في القرآن ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. * * - ثم قال تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾. قال مسروق: "أي: لكل شيء أجلاً ومنتهى". وقال السدي: هو قدر الحيض في الأجل والعدة. وقيل: هو عام. والمعنى: قد جعل الله [لكل شيء من الطلاق] والعدة وغير ذلك حداً وأجلاً وقدراً ينتهي إليه. ولا اختلاف بين العلماء أن المطلقة واحدةً أو اثنتين لها النفقة والسكنى وكذلك المطلقة الحامل. وفي المطلقة ثلاثاً اختلاف، فأكثر العلماء على أن لا نفقة (لها) ولا سكنى. وقد روي ذلك [عن النبي ﷺ]. وقال الحسن وعكرمة والشعبي: لها متاع بالمعروف وسكنى. وهو قول جابر. وقال الثوري وأصحاب الرأي: (لها النفقة) والسكنى. وهو قول مروي عن عمر وابن مسعود، وبه قال شريح. والقول الأول قول ابن عباس. وقال مالك والشافعي والأوزاعي وابن أبي ليلى وأبو عبيد: لها السكنى ولا نفقة (لها) وهو قول ابن المسيب وسليمان بن يسار والحسن وعطاء والشعبي وابن مهدي. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ وَٱللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ أي: والنساء اللائي ارتفع طمثهن فلا يرجون أن يحضن فعدتهن ثلاثة أشهر، (وكذلك عدة النساء اللائي لم يحضن أيضا. وقوله: ﴿إِنِ ٱرْتَبْتُمْ﴾ قيل: معناه: إن ارتبتم بالدم الذي [يظهر] منها في كبرها أمن الحيض هو أم من الاستحاضة؟ فعدتهن ثلاثة أشهر). وقال مجاهد: معناه: إن لم تعلموا عدة التي قعدت عن الحيضة أو اللائي لم يحضن، فعدتهن ثلاثة أشهر. وقال الزهري: "إن ارتبتم في كبرها أن يكون ذلك من الكبر، فإنها تعتد حين ترتاب ثلاثة أشهر. فأما إذا ارتفعت حيضة المرأة وهي شابة، فإنها [يُتَأَنَّى] بها حتى يُنظر أهي [حامل] أم غير حامل؟ فإن استبان حملها فحتى تضع حملها، وإن لم يستبن حملها فحتى يستبرئها، وأقصى ذلك سنة، تسعة للاستبراء وثلاثة للعدة، وهو مذهب مالك. وقال ابن زيد: إن ارتبتم أنها لا تحيض وقد ارتفعت حيضتها وارتاب الرجل وقالت المرأة: تركتني الحيضة، فعدتها ثلاثة أشهر إن ارتاب فخاف أن تكون حيضتها قد انقطعت. وقيل: المعنى: إن ارتبتم [بحكمهن] فلم تدروا ما الحكم في عدتهن، فإن عدتهن ثلاثة أشهر. وقال عكرمة: من [الريبة]: المرأة المستحاضة والتي لا تستقيم لها الحِيَضُ: تحيض في الشهر مرات، وفي الأشهر مرة، فعدتها ثلاثة أشهر، وهو قول قتادة. وقيل: هذا متصل بأول السورة، والتقدير: لا تخرجوهن من بيوتهن إن ارتبتم في انقضاء العدة ولا يخرجن. والاختيار (عند) الطبري أن يكون المعنى على قول من قال: إن ارتبتم فلم تدروا ما الحكم في عدتهن. قال: ولو كان الارتياب إنما هو في الدم، لا يُدرى دم حيض أم دم استحاضة؟ لكان اللفظ: إن ارتبتن. لأنهن إذا أشكل الدم عليهن فهن المُرتابات بدماء أنفسهن، [لا غيرهن]، فكون [الخطاب] للرجال دليل على أن المعنى: إن ارتبتم في الحكم في عدتهن. وأيضاً فإن بعده ﴿(وَٱللاَّئِي) لَمْ يَحِضْنَ﴾ ومحال أن [يُرتاب] في دم من لم تحض، وإنما [يرتاب] في حكمها في العدة. قال الضحاك ﴿وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ﴾ من القواعد من النساء ﴿وَٱللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ من الصغار، لم يبلغن وقد مُسِسْنَ فعدتهن ثلاثةُ أشهر. وهو قول قتادة. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ أي: والنساء الحوامل إذا طُلقن، فانقضاء عدتهن أن يضعن حملهن. وهذا إجماع. فأما المتوفى عنها زوجها (وهي حامل، فأكثر العلماء على أن وضع حمْلها انقضاء عدتها ولو كان بعد موْت زوجها). وقد روي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وابن عباس - رضي الله عنه - أن انقضاء عدتها آخر الأجلين. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ [يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً].﴾. أي: ومن يتق الله فيتبع في طلاقه ما أمره الله به يجعل له من طلاقه ذلك يسراً. وهو أن يسهل عليه إن أراد الرجعة فيجعل الأمر بيده يرتجعها متى شاء ما كانت في العدة، ويحل له التزويج بعد انقضاء العدة. ومن لا يتق الله - فيطلق ثلاثاً بخلاف ما أمره الله - لا يسهل عليه رجعة في عدة ولا في غيرها، ولا يسهل عليه تزويجها بعد العدة ما لم [تتزوج] غيره.

الطلاق 65:5

قوله ﴿ذَلِكَ أَمْرُ ٱللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ...﴾ إلى آخر السورة. أي: ذلك الذي بينه لكم من حكم الطلاق والرجعة والعدة أَمْرُ الله الذي أمركم به، أنزله عليكم لتأتمروا به وتعملوا به. * * ثم قال: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾. أي: ومن (يخف الله) ويتقه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، يمح عنه ذنوبه ويعظم له أجراً يوم القيامة على عمله. * * ثم قال تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم﴾ أي: أسكنوا مطلقات نسائكم من المواضع التي سكنتم من وجدكم، (أي): من سعتكم. يقال: وجدت في المال وُجْداً، ووجدت على الرجل وَجْداً ومَوْجِدَةً، وَوَجَدْتُ الضَّالَّةَ وَجْداناً. وروي أن الأعمش قرأ بفتح الواو. وهو غلط؛ لأن الوَجْد بالفتح إنما هو في الغضب. وقرأ يعقوب الحضرمي بكسر الواو لغة فيه. أمر الله الرجال أن يُسْكِنُوا المطلقات مما يجدون حتى يقضين عدتهن. قال السدي: ﴿مِّن وُجْدِكُمْ﴾: من ملككم ومقدرتكم. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنَّ... ﴾. أي: لا تضاروهن في المسكن الذي [تسكنوهن] فيه وأنتم تجدون سعة من المنازل تطلبون التضييق عليهن. * * - ثم قال: ﴿وَإِن كُنَّ أُوْلاَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ أي: أنفقوا على المطلقة الحامل حتى تضع الحمل، وإن أرضعت فحتى تفطم. وهو قوله: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ...﴾، فلها أجرة الرضاع إن أرضعت وهي أحق بما يأخذ غيرها، وإن أبت أن ترضع اسْتَرْضَعَتْ له أخرى. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ قال السدي: معناه: "اصنعوا المعروف فيما بينكم". وقيل: المعنى: هموا بالمعروف واعزموا عليه. وقد قيل: [وَاتَمِرُوا: تشاوروا، وليس بشيء]. * * - ثم قال: ﴿وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ﴾. أي: إن امتنعت المرأة من الرضاع فلا سبيل له عليها، ولكن يستأجر للصبي مرضعاً غير أمه، قاله السدي وغيره. وقال: إذا رضيت الأم من أجرة الرضاع بما يرضي به غيرها فهي أحق. * * - ثم قال تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ ٱللَّهُ﴾ أي: لينفق الذي بانت منه امرأته إن كان ذا سعة من المال الذي بيده على امرأته لرضاعها ولده. ومن ضيق عليه في رزقه فلم يكن ذا سعة من المال فلينفق مما أعطاه الله على قدر ما يجد. وقيل: معناه: إن كان له ما يبيعه من متاع البيت باعه فأنفقه. * * - ثم قال تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَآ آتَاهَا﴾ أي: لا يكلف الله أحداً من النفقة على من تلزمه نفقته إلا ما أعطاه، أن كان ذا سعة فمن سعته، وإن كان مقدوراً عليه (رزقه) فمما رزقه الله. لا يُكَلَّفُ الفقير مثل نفقة الغني. قال ابن زيد: معناه: لا يكلفه أن يتصدق وليس عنده ما يتصدق به. * * - ثم قال تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾. أي: سيجعل الله للمقل بعد شدة رخاء، وبعد فقر غنى. وقيل: [اليسر] الذي يجعله الله له إما في الدنيا وإما في الآخرة. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ﴾ أي: وكثير من أهل القرى عتوا عن أمر ربهم وخالفوه وعصوا رسله. * * - ﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً﴾ أي: حاسبنا أهلها على النعم التي أسديت إليهم والشكر عليها حساباً شديداً، أي حساباً ليس فيه عفو عن شيء. * * - ﴿وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً﴾. أي: منكراً، وهو عذاب جهنم. وقال الفراء: في الكلام تقديم وتأخير. والتقدير: فعذبناها عذاباً نكراً في الدنيا، وحاسبناها حساباً شديداً في الآخرة). والعُتُوُّ في اللغة: التجاوز في المخالفة والطغيان. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾ أي: عقوبة عملها. الوبال: العاقبة. قال ابن عباس ومجاهد: "﴿وَبَالَ أَمْرِهَا﴾": جزاء أمرها. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً﴾. أي: غبناً، لأنهم باعوا نعيم الآخرة بخسيس الدنيا وقليله. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾ (أي): في الآخرة، يعني عذاب النار. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ أي: اتقوا الله في أمره ونهيه يا أصحاب العقول الذي آمنوا. * * - ثم قال تعالى: ﴿قَدْ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً...﴾ ﴿رَّسُولاً﴾ قال السدي: "الذكر: القرآن، والرسول محمد" فيكون (التقدير على قوله: ذِكْراً ذَا رَسُول. فيكون نعتاً للذكر، قد حذف المضاف) وأقيم المضاف إليه مقامه مثل ﴿(وَسْئَلِ) ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] (وقيل: الرسول نصب "بذكر" كأنه قال: "أن تذكروا رسولاً"، فهو مفعول به). وقيل: الرسول نصب بإضمار "أعني". وقيل: الرسول ترجمة عن الذكر كأنه بدل منه، ولذلك نصب، فيكون - على هذا القول - الرسولُ بمعنى الرسالة. وقيل: رسولاً منصوب بإضمار فعل، كأنه قال: أرسلنا رسولاً. * * - ثم قال تعالى: ﴿يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ﴾ أي: يتلو الرسول عليكم آيات الله واضحات، كي يخرج الذين آمنوا بالآيات من الظلمات إلى النور، أي: من الكفر إلى الإيمان. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ﴾ أي: يصدق به. * * - ﴿وَيَعْمَلْ صَالِحاً﴾ أي: يعمل بطاعة الله. * * - ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾ أي: من تحت أشجارها. * * - ﴿خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً﴾ أي: (لا يخرجون منها أبداً) ولا يموتون. * * - ثم قال تعالى: ﴿قَدْ أَحْسَنَ ٱللَّهُ لَهُ رِزْقاً﴾. أي: قد وسع الله له في الجنات رزقاً. * * - ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ أي: الله (الذي) خلق ذلك، لا (ما) يعبده المشركون من الأوثان والأصنام التي لا تقدر على شيء، وخَلَقَ من الأرض مثلهن (أي): سبعاً. وعن ابن عباس أنه قال: في كل أرض من الأرضين السبع نحو ما على هذه الأرض من الخلق. ولذلك قال: ﴿وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ لأن في كل سماء خلقاً لله. وعن ابن مسعود أنه [قال]: خلق الله سبع سماوات، غِلَظُ كل واحدة مسيرة خمسمائة عام، وبين كل واحدة منهن والأخرى مسيرة خمسمائة عام، وفوق السماوات السبع [الماءُ]، والله - جل ذكره - فوق الماء لا يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم، والأرضُ سَبْعٌ، بين كل أَرْضَيْنِ مسيرة خمسمائة عام. وغِلَظُ كل أرض خمسمائة عام. [وقال] مجاهد: هذه الأرض إلى تلك الأرض مثل الفسطاط ضربته بأرض فلاة. وهذه السماء إلى تلك السماء مثل حلقة رميت (بها) في أرض فلاة. وقال الربيع بن أنس: "السماء أولها موج مكفوف، والثانية صخرة، والثالثة حديد، والرابعة نحاس، والخامسة فضة، والسادسة ذهب، والسابعة ياقوتة". وقال مجاهد: (هذا) البيت الكعبة رابع أربعة عشر بيتاً، في كل سماء بيت، كل بيت منها [حَذْوَ] صاحبه، لَوْ وَقَعَ وَقَعَ عَلَيْهِ. وإن هذا الحَرَمَ حَرَمٌ مثله في السماوات السبع والأرضين السبع. قال أبو عثمان [النهدي]: كنت عند عمر جالسا إذ جاء رجل فقال: يا أمير المؤمنين، إن لي ابنا إذا سجد قال: سبحان ربي الأعلى الأعلى الأعلى، فيكثر من ذلك، فلا أدري أَيَّ شَيْءٍ يريد به. قال: جئني (به)، فجاء الفتى، فقال عمر: ماذا يقول أبوك؟ قال: وما يقول؟ قال: يقول إنك إذا سجدت أكثرت من سبحان ربي الأعلى الأعلى الأعلى، قال: يا أمير المؤمنين، شيء أجراه الله على لساني. قال: وكعب جالس إلى جنبه، فقال كعب: صدق، يا أمير المؤمنين. قال عمر: وكيف ذاك؟ قال كعب: إذاً أخبرك، فإن الله خلق الأرضين سبعاً، (وجعل غلظ كل أرض خمسمائة عام، وما بين كل أرض إلى أرض خمسمائة عام، وجعل السماوات سبعاً)، وجعل غلظ كل سماء خمسمائة عام، وما بين كل سماء إلى سماء مثل ذلك، ولله عز وجل ملائكة يحملون العرش قياماً في ماء، غِلَظُ ذلك الماء غلظ السماوات السبع والأرضين السبع، لا يبلغ ذلك الماء أعناقهم، فهو جل وعز الأعلى الأعلى الأعلى. قال (قتادة): خلق الله سبع سماوات وسبع أرضين، في كل سماء من سمائه وأرض من أرضه خلق من خلقه، وأمر من أمره، وقضاء من قضائه جل ثناؤه. وذكر قتادة قال: التقى أربعة أملاك من الملائكة بين السماء والأرض، فقال بعضهم لبعض: من أين [جئت]؟ فقال أحدهم: أرسلني ربي من المشرق وتركته، (ثم) قال الآخر: أرسلني ربي من الأرض السابعة وتركته، (ثم) قال الآخر: أرسلني ربي من المغرب وتركته. * * - ثم قال تعالى: ﴿يَتَنَزَّلُ ٱلأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ أي: يتنزل الوحي بين السماء السابعة والأرض السابعة. قاله مجاهد. * * - ثم قال تعالى: ﴿لِّتَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: يتنزل قضاء الله وأمره بين ذلك كي تعلموا أيها الناس كُنْهَ قدرته وسلطانه، وأنه قادر على كل شيء، لا يتعذر عليه شيء أراده، ولا يمتنع عليه شيء شاءه. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾. أي: ولتعلموا أن الله بكل شيء (مِنْ) خلقه محيط علماً، لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، فخافوه وأطيعوه تنجوا من عقوبته وتدخلُوا جنته. وأعاد الاسم بالإظهار وقد تقدم إظهاره للتفخيم والتعظيم. و ﴿عِلْماً﴾ نصب [على التمييز]. أو (على) المصدر، كأنه قال: علم كل شيء علماً.

الطلاق 65:6

قوله ﴿ذَلِكَ أَمْرُ ٱللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ...﴾ إلى آخر السورة. أي: ذلك الذي بينه لكم من حكم الطلاق والرجعة والعدة أَمْرُ الله الذي أمركم به، أنزله عليكم لتأتمروا به وتعملوا به. * * ثم قال: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾. أي: ومن (يخف الله) ويتقه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، يمح عنه ذنوبه ويعظم له أجراً يوم القيامة على عمله. * * ثم قال تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم﴾ أي: أسكنوا مطلقات نسائكم من المواضع التي سكنتم من وجدكم، (أي): من سعتكم. يقال: وجدت في المال وُجْداً، ووجدت على الرجل وَجْداً ومَوْجِدَةً، وَوَجَدْتُ الضَّالَّةَ وَجْداناً. وروي أن الأعمش قرأ بفتح الواو. وهو غلط؛ لأن الوَجْد بالفتح إنما هو في الغضب. وقرأ يعقوب الحضرمي بكسر الواو لغة فيه. أمر الله الرجال أن يُسْكِنُوا المطلقات مما يجدون حتى يقضين عدتهن. قال السدي: ﴿مِّن وُجْدِكُمْ﴾: من ملككم ومقدرتكم. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنَّ... ﴾. أي: لا تضاروهن في المسكن الذي [تسكنوهن] فيه وأنتم تجدون سعة من المنازل تطلبون التضييق عليهن. * * - ثم قال: ﴿وَإِن كُنَّ أُوْلاَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ أي: أنفقوا على المطلقة الحامل حتى تضع الحمل، وإن أرضعت فحتى تفطم. وهو قوله: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ...﴾، فلها أجرة الرضاع إن أرضعت وهي أحق بما يأخذ غيرها، وإن أبت أن ترضع اسْتَرْضَعَتْ له أخرى. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ قال السدي: معناه: "اصنعوا المعروف فيما بينكم". وقيل: المعنى: هموا بالمعروف واعزموا عليه. وقد قيل: [وَاتَمِرُوا: تشاوروا، وليس بشيء]. * * - ثم قال: ﴿وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ﴾. أي: إن امتنعت المرأة من الرضاع فلا سبيل له عليها، ولكن يستأجر للصبي مرضعاً غير أمه، قاله السدي وغيره. وقال: إذا رضيت الأم من أجرة الرضاع بما يرضي به غيرها فهي أحق. * * - ثم قال تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ ٱللَّهُ﴾ أي: لينفق الذي بانت منه امرأته إن كان ذا سعة من المال الذي بيده على امرأته لرضاعها ولده. ومن ضيق عليه في رزقه فلم يكن ذا سعة من المال فلينفق مما أعطاه الله على قدر ما يجد. وقيل: معناه: إن كان له ما يبيعه من متاع البيت باعه فأنفقه. * * - ثم قال تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَآ آتَاهَا﴾ أي: لا يكلف الله أحداً من النفقة على من تلزمه نفقته إلا ما أعطاه، أن كان ذا سعة فمن سعته، وإن كان مقدوراً عليه (رزقه) فمما رزقه الله. لا يُكَلَّفُ الفقير مثل نفقة الغني. قال ابن زيد: معناه: لا يكلفه أن يتصدق وليس عنده ما يتصدق به. * * - ثم قال تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾. أي: سيجعل الله للمقل بعد شدة رخاء، وبعد فقر غنى. وقيل: [اليسر] الذي يجعله الله له إما في الدنيا وإما في الآخرة. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ﴾ أي: وكثير من أهل القرى عتوا عن أمر ربهم وخالفوه وعصوا رسله. * * - ﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً﴾ أي: حاسبنا أهلها على النعم التي أسديت إليهم والشكر عليها حساباً شديداً، أي حساباً ليس فيه عفو عن شيء. * * - ﴿وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً﴾. أي: منكراً، وهو عذاب جهنم. وقال الفراء: في الكلام تقديم وتأخير. والتقدير: فعذبناها عذاباً نكراً في الدنيا، وحاسبناها حساباً شديداً في الآخرة). والعُتُوُّ في اللغة: التجاوز في المخالفة والطغيان. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾ أي: عقوبة عملها. الوبال: العاقبة. قال ابن عباس ومجاهد: "﴿وَبَالَ أَمْرِهَا﴾": جزاء أمرها. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً﴾. أي: غبناً، لأنهم باعوا نعيم الآخرة بخسيس الدنيا وقليله. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾ (أي): في الآخرة، يعني عذاب النار. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ أي: اتقوا الله في أمره ونهيه يا أصحاب العقول الذي آمنوا. * * - ثم قال تعالى: ﴿قَدْ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً...﴾ ﴿رَّسُولاً﴾ قال السدي: "الذكر: القرآن، والرسول محمد" فيكون (التقدير على قوله: ذِكْراً ذَا رَسُول. فيكون نعتاً للذكر، قد حذف المضاف) وأقيم المضاف إليه مقامه مثل ﴿(وَسْئَلِ) ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] (وقيل: الرسول نصب "بذكر" كأنه قال: "أن تذكروا رسولاً"، فهو مفعول به). وقيل: الرسول نصب بإضمار "أعني". وقيل: الرسول ترجمة عن الذكر كأنه بدل منه، ولذلك نصب، فيكون - على هذا القول - الرسولُ بمعنى الرسالة. وقيل: رسولاً منصوب بإضمار فعل، كأنه قال: أرسلنا رسولاً. * * - ثم قال تعالى: ﴿يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ﴾ أي: يتلو الرسول عليكم آيات الله واضحات، كي يخرج الذين آمنوا بالآيات من الظلمات إلى النور، أي: من الكفر إلى الإيمان. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ﴾ أي: يصدق به. * * - ﴿وَيَعْمَلْ صَالِحاً﴾ أي: يعمل بطاعة الله. * * - ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾ أي: من تحت أشجارها. * * - ﴿خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً﴾ أي: (لا يخرجون منها أبداً) ولا يموتون. * * - ثم قال تعالى: ﴿قَدْ أَحْسَنَ ٱللَّهُ لَهُ رِزْقاً﴾. أي: قد وسع الله له في الجنات رزقاً. * * - ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ أي: الله (الذي) خلق ذلك، لا (ما) يعبده المشركون من الأوثان والأصنام التي لا تقدر على شيء، وخَلَقَ من الأرض مثلهن (أي): سبعاً. وعن ابن عباس أنه قال: في كل أرض من الأرضين السبع نحو ما على هذه الأرض من الخلق. ولذلك قال: ﴿وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ لأن في كل سماء خلقاً لله. وعن ابن مسعود أنه [قال]: خلق الله سبع سماوات، غِلَظُ كل واحدة مسيرة خمسمائة عام، وبين كل واحدة منهن والأخرى مسيرة خمسمائة عام، وفوق السماوات السبع [الماءُ]، والله - جل ذكره - فوق الماء لا يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم، والأرضُ سَبْعٌ، بين كل أَرْضَيْنِ مسيرة خمسمائة عام. وغِلَظُ كل أرض خمسمائة عام. [وقال] مجاهد: هذه الأرض إلى تلك الأرض مثل الفسطاط ضربته بأرض فلاة. وهذه السماء إلى تلك السماء مثل حلقة رميت (بها) في أرض فلاة. وقال الربيع بن أنس: "السماء أولها موج مكفوف، والثانية صخرة، والثالثة حديد، والرابعة نحاس، والخامسة فضة، والسادسة ذهب، والسابعة ياقوتة". وقال مجاهد: (هذا) البيت الكعبة رابع أربعة عشر بيتاً، في كل سماء بيت، كل بيت منها [حَذْوَ] صاحبه، لَوْ وَقَعَ وَقَعَ عَلَيْهِ. وإن هذا الحَرَمَ حَرَمٌ مثله في السماوات السبع والأرضين السبع. قال أبو عثمان [النهدي]: كنت عند عمر جالسا إذ جاء رجل فقال: يا أمير المؤمنين، إن لي ابنا إذا سجد قال: سبحان ربي الأعلى الأعلى الأعلى، فيكثر من ذلك، فلا أدري أَيَّ شَيْءٍ يريد به. قال: جئني (به)، فجاء الفتى، فقال عمر: ماذا يقول أبوك؟ قال: وما يقول؟ قال: يقول إنك إذا سجدت أكثرت من سبحان ربي الأعلى الأعلى الأعلى، قال: يا أمير المؤمنين، شيء أجراه الله على لساني. قال: وكعب جالس إلى جنبه، فقال كعب: صدق، يا أمير المؤمنين. قال عمر: وكيف ذاك؟ قال كعب: إذاً أخبرك، فإن الله خلق الأرضين سبعاً، (وجعل غلظ كل أرض خمسمائة عام، وما بين كل أرض إلى أرض خمسمائة عام، وجعل السماوات سبعاً)، وجعل غلظ كل سماء خمسمائة عام، وما بين كل سماء إلى سماء مثل ذلك، ولله عز وجل ملائكة يحملون العرش قياماً في ماء، غِلَظُ ذلك الماء غلظ السماوات السبع والأرضين السبع، لا يبلغ ذلك الماء أعناقهم، فهو جل وعز الأعلى الأعلى الأعلى. قال (قتادة): خلق الله سبع سماوات وسبع أرضين، في كل سماء من سمائه وأرض من أرضه خلق من خلقه، وأمر من أمره، وقضاء من قضائه جل ثناؤه. وذكر قتادة قال: التقى أربعة أملاك من الملائكة بين السماء والأرض، فقال بعضهم لبعض: من أين [جئت]؟ فقال أحدهم: أرسلني ربي من المشرق وتركته، (ثم) قال الآخر: أرسلني ربي من الأرض السابعة وتركته، (ثم) قال الآخر: أرسلني ربي من المغرب وتركته. * * - ثم قال تعالى: ﴿يَتَنَزَّلُ ٱلأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ أي: يتنزل الوحي بين السماء السابعة والأرض السابعة. قاله مجاهد. * * - ثم قال تعالى: ﴿لِّتَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: يتنزل قضاء الله وأمره بين ذلك كي تعلموا أيها الناس كُنْهَ قدرته وسلطانه، وأنه قادر على كل شيء، لا يتعذر عليه شيء أراده، ولا يمتنع عليه شيء شاءه. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾. أي: ولتعلموا أن الله بكل شيء (مِنْ) خلقه محيط علماً، لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، فخافوه وأطيعوه تنجوا من عقوبته وتدخلُوا جنته. وأعاد الاسم بالإظهار وقد تقدم إظهاره للتفخيم والتعظيم. و ﴿عِلْماً﴾ نصب [على التمييز]. أو (على) المصدر، كأنه قال: علم كل شيء علماً.

الطلاق 65:7

قوله ﴿ذَلِكَ أَمْرُ ٱللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ...﴾ إلى آخر السورة. أي: ذلك الذي بينه لكم من حكم الطلاق والرجعة والعدة أَمْرُ الله الذي أمركم به، أنزله عليكم لتأتمروا به وتعملوا به. * * ثم قال: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾. أي: ومن (يخف الله) ويتقه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، يمح عنه ذنوبه ويعظم له أجراً يوم القيامة على عمله. * * ثم قال تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم﴾ أي: أسكنوا مطلقات نسائكم من المواضع التي سكنتم من وجدكم، (أي): من سعتكم. يقال: وجدت في المال وُجْداً، ووجدت على الرجل وَجْداً ومَوْجِدَةً، وَوَجَدْتُ الضَّالَّةَ وَجْداناً. وروي أن الأعمش قرأ بفتح الواو. وهو غلط؛ لأن الوَجْد بالفتح إنما هو في الغضب. وقرأ يعقوب الحضرمي بكسر الواو لغة فيه. أمر الله الرجال أن يُسْكِنُوا المطلقات مما يجدون حتى يقضين عدتهن. قال السدي: ﴿مِّن وُجْدِكُمْ﴾: من ملككم ومقدرتكم. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنَّ... ﴾. أي: لا تضاروهن في المسكن الذي [تسكنوهن] فيه وأنتم تجدون سعة من المنازل تطلبون التضييق عليهن. * * - ثم قال: ﴿وَإِن كُنَّ أُوْلاَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ أي: أنفقوا على المطلقة الحامل حتى تضع الحمل، وإن أرضعت فحتى تفطم. وهو قوله: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ...﴾، فلها أجرة الرضاع إن أرضعت وهي أحق بما يأخذ غيرها، وإن أبت أن ترضع اسْتَرْضَعَتْ له أخرى. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ قال السدي: معناه: "اصنعوا المعروف فيما بينكم". وقيل: المعنى: هموا بالمعروف واعزموا عليه. وقد قيل: [وَاتَمِرُوا: تشاوروا، وليس بشيء]. * * - ثم قال: ﴿وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ﴾. أي: إن امتنعت المرأة من الرضاع فلا سبيل له عليها، ولكن يستأجر للصبي مرضعاً غير أمه، قاله السدي وغيره. وقال: إذا رضيت الأم من أجرة الرضاع بما يرضي به غيرها فهي أحق. * * - ثم قال تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ ٱللَّهُ﴾ أي: لينفق الذي بانت منه امرأته إن كان ذا سعة من المال الذي بيده على امرأته لرضاعها ولده. ومن ضيق عليه في رزقه فلم يكن ذا سعة من المال فلينفق مما أعطاه الله على قدر ما يجد. وقيل: معناه: إن كان له ما يبيعه من متاع البيت باعه فأنفقه. * * - ثم قال تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَآ آتَاهَا﴾ أي: لا يكلف الله أحداً من النفقة على من تلزمه نفقته إلا ما أعطاه، أن كان ذا سعة فمن سعته، وإن كان مقدوراً عليه (رزقه) فمما رزقه الله. لا يُكَلَّفُ الفقير مثل نفقة الغني. قال ابن زيد: معناه: لا يكلفه أن يتصدق وليس عنده ما يتصدق به. * * - ثم قال تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾. أي: سيجعل الله للمقل بعد شدة رخاء، وبعد فقر غنى. وقيل: [اليسر] الذي يجعله الله له إما في الدنيا وإما في الآخرة. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ﴾ أي: وكثير من أهل القرى عتوا عن أمر ربهم وخالفوه وعصوا رسله. * * - ﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً﴾ أي: حاسبنا أهلها على النعم التي أسديت إليهم والشكر عليها حساباً شديداً، أي حساباً ليس فيه عفو عن شيء. * * - ﴿وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً﴾. أي: منكراً، وهو عذاب جهنم. وقال الفراء: في الكلام تقديم وتأخير. والتقدير: فعذبناها عذاباً نكراً في الدنيا، وحاسبناها حساباً شديداً في الآخرة). والعُتُوُّ في اللغة: التجاوز في المخالفة والطغيان. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾ أي: عقوبة عملها. الوبال: العاقبة. قال ابن عباس ومجاهد: "﴿وَبَالَ أَمْرِهَا﴾": جزاء أمرها. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً﴾. أي: غبناً، لأنهم باعوا نعيم الآخرة بخسيس الدنيا وقليله. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾ (أي): في الآخرة، يعني عذاب النار. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ أي: اتقوا الله في أمره ونهيه يا أصحاب العقول الذي آمنوا. * * - ثم قال تعالى: ﴿قَدْ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً...﴾ ﴿رَّسُولاً﴾ قال السدي: "الذكر: القرآن، والرسول محمد" فيكون (التقدير على قوله: ذِكْراً ذَا رَسُول. فيكون نعتاً للذكر، قد حذف المضاف) وأقيم المضاف إليه مقامه مثل ﴿(وَسْئَلِ) ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] (وقيل: الرسول نصب "بذكر" كأنه قال: "أن تذكروا رسولاً"، فهو مفعول به). وقيل: الرسول نصب بإضمار "أعني". وقيل: الرسول ترجمة عن الذكر كأنه بدل منه، ولذلك نصب، فيكون - على هذا القول - الرسولُ بمعنى الرسالة. وقيل: رسولاً منصوب بإضمار فعل، كأنه قال: أرسلنا رسولاً. * * - ثم قال تعالى: ﴿يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ﴾ أي: يتلو الرسول عليكم آيات الله واضحات، كي يخرج الذين آمنوا بالآيات من الظلمات إلى النور، أي: من الكفر إلى الإيمان. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ﴾ أي: يصدق به. * * - ﴿وَيَعْمَلْ صَالِحاً﴾ أي: يعمل بطاعة الله. * * - ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾ أي: من تحت أشجارها. * * - ﴿خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً﴾ أي: (لا يخرجون منها أبداً) ولا يموتون. * * - ثم قال تعالى: ﴿قَدْ أَحْسَنَ ٱللَّهُ لَهُ رِزْقاً﴾. أي: قد وسع الله له في الجنات رزقاً. * * - ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ أي: الله (الذي) خلق ذلك، لا (ما) يعبده المشركون من الأوثان والأصنام التي لا تقدر على شيء، وخَلَقَ من الأرض مثلهن (أي): سبعاً. وعن ابن عباس أنه قال: في كل أرض من الأرضين السبع نحو ما على هذه الأرض من الخلق. ولذلك قال: ﴿وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ لأن في كل سماء خلقاً لله. وعن ابن مسعود أنه [قال]: خلق الله سبع سماوات، غِلَظُ كل واحدة مسيرة خمسمائة عام، وبين كل واحدة منهن والأخرى مسيرة خمسمائة عام، وفوق السماوات السبع [الماءُ]، والله - جل ذكره - فوق الماء لا يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم، والأرضُ سَبْعٌ، بين كل أَرْضَيْنِ مسيرة خمسمائة عام. وغِلَظُ كل أرض خمسمائة عام. [وقال] مجاهد: هذه الأرض إلى تلك الأرض مثل الفسطاط ضربته بأرض فلاة. وهذه السماء إلى تلك السماء مثل حلقة رميت (بها) في أرض فلاة. وقال الربيع بن أنس: "السماء أولها موج مكفوف، والثانية صخرة، والثالثة حديد، والرابعة نحاس، والخامسة فضة، والسادسة ذهب، والسابعة ياقوتة". وقال مجاهد: (هذا) البيت الكعبة رابع أربعة عشر بيتاً، في كل سماء بيت، كل بيت منها [حَذْوَ] صاحبه، لَوْ وَقَعَ وَقَعَ عَلَيْهِ. وإن هذا الحَرَمَ حَرَمٌ مثله في السماوات السبع والأرضين السبع. قال أبو عثمان [النهدي]: كنت عند عمر جالسا إذ جاء رجل فقال: يا أمير المؤمنين، إن لي ابنا إذا سجد قال: سبحان ربي الأعلى الأعلى الأعلى، فيكثر من ذلك، فلا أدري أَيَّ شَيْءٍ يريد به. قال: جئني (به)، فجاء الفتى، فقال عمر: ماذا يقول أبوك؟ قال: وما يقول؟ قال: يقول إنك إذا سجدت أكثرت من سبحان ربي الأعلى الأعلى الأعلى، قال: يا أمير المؤمنين، شيء أجراه الله على لساني. قال: وكعب جالس إلى جنبه، فقال كعب: صدق، يا أمير المؤمنين. قال عمر: وكيف ذاك؟ قال كعب: إذاً أخبرك، فإن الله خلق الأرضين سبعاً، (وجعل غلظ كل أرض خمسمائة عام، وما بين كل أرض إلى أرض خمسمائة عام، وجعل السماوات سبعاً)، وجعل غلظ كل سماء خمسمائة عام، وما بين كل سماء إلى سماء مثل ذلك، ولله عز وجل ملائكة يحملون العرش قياماً في ماء، غِلَظُ ذلك الماء غلظ السماوات السبع والأرضين السبع، لا يبلغ ذلك الماء أعناقهم، فهو جل وعز الأعلى الأعلى الأعلى. قال (قتادة): خلق الله سبع سماوات وسبع أرضين، في كل سماء من سمائه وأرض من أرضه خلق من خلقه، وأمر من أمره، وقضاء من قضائه جل ثناؤه. وذكر قتادة قال: التقى أربعة أملاك من الملائكة بين السماء والأرض، فقال بعضهم لبعض: من أين [جئت]؟ فقال أحدهم: أرسلني ربي من المشرق وتركته، (ثم) قال الآخر: أرسلني ربي من الأرض السابعة وتركته، (ثم) قال الآخر: أرسلني ربي من المغرب وتركته. * * - ثم قال تعالى: ﴿يَتَنَزَّلُ ٱلأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ أي: يتنزل الوحي بين السماء السابعة والأرض السابعة. قاله مجاهد. * * - ثم قال تعالى: ﴿لِّتَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: يتنزل قضاء الله وأمره بين ذلك كي تعلموا أيها الناس كُنْهَ قدرته وسلطانه، وأنه قادر على كل شيء، لا يتعذر عليه شيء أراده، ولا يمتنع عليه شيء شاءه. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾. أي: ولتعلموا أن الله بكل شيء (مِنْ) خلقه محيط علماً، لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، فخافوه وأطيعوه تنجوا من عقوبته وتدخلُوا جنته. وأعاد الاسم بالإظهار وقد تقدم إظهاره للتفخيم والتعظيم. و ﴿عِلْماً﴾ نصب [على التمييز]. أو (على) المصدر، كأنه قال: علم كل شيء علماً.

الطلاق 65:8

قوله ﴿ذَلِكَ أَمْرُ ٱللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ...﴾ إلى آخر السورة. أي: ذلك الذي بينه لكم من حكم الطلاق والرجعة والعدة أَمْرُ الله الذي أمركم به، أنزله عليكم لتأتمروا به وتعملوا به. * * ثم قال: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾. أي: ومن (يخف الله) ويتقه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، يمح عنه ذنوبه ويعظم له أجراً يوم القيامة على عمله. * * ثم قال تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم﴾ أي: أسكنوا مطلقات نسائكم من المواضع التي سكنتم من وجدكم، (أي): من سعتكم. يقال: وجدت في المال وُجْداً، ووجدت على الرجل وَجْداً ومَوْجِدَةً، وَوَجَدْتُ الضَّالَّةَ وَجْداناً. وروي أن الأعمش قرأ بفتح الواو. وهو غلط؛ لأن الوَجْد بالفتح إنما هو في الغضب. وقرأ يعقوب الحضرمي بكسر الواو لغة فيه. أمر الله الرجال أن يُسْكِنُوا المطلقات مما يجدون حتى يقضين عدتهن. قال السدي: ﴿مِّن وُجْدِكُمْ﴾: من ملككم ومقدرتكم. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنَّ... ﴾. أي: لا تضاروهن في المسكن الذي [تسكنوهن] فيه وأنتم تجدون سعة من المنازل تطلبون التضييق عليهن. * * - ثم قال: ﴿وَإِن كُنَّ أُوْلاَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ أي: أنفقوا على المطلقة الحامل حتى تضع الحمل، وإن أرضعت فحتى تفطم. وهو قوله: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ...﴾، فلها أجرة الرضاع إن أرضعت وهي أحق بما يأخذ غيرها، وإن أبت أن ترضع اسْتَرْضَعَتْ له أخرى. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ قال السدي: معناه: "اصنعوا المعروف فيما بينكم". وقيل: المعنى: هموا بالمعروف واعزموا عليه. وقد قيل: [وَاتَمِرُوا: تشاوروا، وليس بشيء]. * * - ثم قال: ﴿وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ﴾. أي: إن امتنعت المرأة من الرضاع فلا سبيل له عليها، ولكن يستأجر للصبي مرضعاً غير أمه، قاله السدي وغيره. وقال: إذا رضيت الأم من أجرة الرضاع بما يرضي به غيرها فهي أحق. * * - ثم قال تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ ٱللَّهُ﴾ أي: لينفق الذي بانت منه امرأته إن كان ذا سعة من المال الذي بيده على امرأته لرضاعها ولده. ومن ضيق عليه في رزقه فلم يكن ذا سعة من المال فلينفق مما أعطاه الله على قدر ما يجد. وقيل: معناه: إن كان له ما يبيعه من متاع البيت باعه فأنفقه. * * - ثم قال تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَآ آتَاهَا﴾ أي: لا يكلف الله أحداً من النفقة على من تلزمه نفقته إلا ما أعطاه، أن كان ذا سعة فمن سعته، وإن كان مقدوراً عليه (رزقه) فمما رزقه الله. لا يُكَلَّفُ الفقير مثل نفقة الغني. قال ابن زيد: معناه: لا يكلفه أن يتصدق وليس عنده ما يتصدق به. * * - ثم قال تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾. أي: سيجعل الله للمقل بعد شدة رخاء، وبعد فقر غنى. وقيل: [اليسر] الذي يجعله الله له إما في الدنيا وإما في الآخرة. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ﴾ أي: وكثير من أهل القرى عتوا عن أمر ربهم وخالفوه وعصوا رسله. * * - ﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً﴾ أي: حاسبنا أهلها على النعم التي أسديت إليهم والشكر عليها حساباً شديداً، أي حساباً ليس فيه عفو عن شيء. * * - ﴿وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً﴾. أي: منكراً، وهو عذاب جهنم. وقال الفراء: في الكلام تقديم وتأخير. والتقدير: فعذبناها عذاباً نكراً في الدنيا، وحاسبناها حساباً شديداً في الآخرة). والعُتُوُّ في اللغة: التجاوز في المخالفة والطغيان. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾ أي: عقوبة عملها. الوبال: العاقبة. قال ابن عباس ومجاهد: "﴿وَبَالَ أَمْرِهَا﴾": جزاء أمرها. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً﴾. أي: غبناً، لأنهم باعوا نعيم الآخرة بخسيس الدنيا وقليله. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾ (أي): في الآخرة، يعني عذاب النار. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ أي: اتقوا الله في أمره ونهيه يا أصحاب العقول الذي آمنوا. * * - ثم قال تعالى: ﴿قَدْ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً...﴾ ﴿رَّسُولاً﴾ قال السدي: "الذكر: القرآن، والرسول محمد" فيكون (التقدير على قوله: ذِكْراً ذَا رَسُول. فيكون نعتاً للذكر، قد حذف المضاف) وأقيم المضاف إليه مقامه مثل ﴿(وَسْئَلِ) ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] (وقيل: الرسول نصب "بذكر" كأنه قال: "أن تذكروا رسولاً"، فهو مفعول به). وقيل: الرسول نصب بإضمار "أعني". وقيل: الرسول ترجمة عن الذكر كأنه بدل منه، ولذلك نصب، فيكون - على هذا القول - الرسولُ بمعنى الرسالة. وقيل: رسولاً منصوب بإضمار فعل، كأنه قال: أرسلنا رسولاً. * * - ثم قال تعالى: ﴿يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ﴾ أي: يتلو الرسول عليكم آيات الله واضحات، كي يخرج الذين آمنوا بالآيات من الظلمات إلى النور، أي: من الكفر إلى الإيمان. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ﴾ أي: يصدق به. * * - ﴿وَيَعْمَلْ صَالِحاً﴾ أي: يعمل بطاعة الله. * * - ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾ أي: من تحت أشجارها. * * - ﴿خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً﴾ أي: (لا يخرجون منها أبداً) ولا يموتون. * * - ثم قال تعالى: ﴿قَدْ أَحْسَنَ ٱللَّهُ لَهُ رِزْقاً﴾. أي: قد وسع الله له في الجنات رزقاً. * * - ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ أي: الله (الذي) خلق ذلك، لا (ما) يعبده المشركون من الأوثان والأصنام التي لا تقدر على شيء، وخَلَقَ من الأرض مثلهن (أي): سبعاً. وعن ابن عباس أنه قال: في كل أرض من الأرضين السبع نحو ما على هذه الأرض من الخلق. ولذلك قال: ﴿وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ لأن في كل سماء خلقاً لله. وعن ابن مسعود أنه [قال]: خلق الله سبع سماوات، غِلَظُ كل واحدة مسيرة خمسمائة عام، وبين كل واحدة منهن والأخرى مسيرة خمسمائة عام، وفوق السماوات السبع [الماءُ]، والله - جل ذكره - فوق الماء لا يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم، والأرضُ سَبْعٌ، بين كل أَرْضَيْنِ مسيرة خمسمائة عام. وغِلَظُ كل أرض خمسمائة عام. [وقال] مجاهد: هذه الأرض إلى تلك الأرض مثل الفسطاط ضربته بأرض فلاة. وهذه السماء إلى تلك السماء مثل حلقة رميت (بها) في أرض فلاة. وقال الربيع بن أنس: "السماء أولها موج مكفوف، والثانية صخرة، والثالثة حديد، والرابعة نحاس، والخامسة فضة، والسادسة ذهب، والسابعة ياقوتة". وقال مجاهد: (هذا) البيت الكعبة رابع أربعة عشر بيتاً، في كل سماء بيت، كل بيت منها [حَذْوَ] صاحبه، لَوْ وَقَعَ وَقَعَ عَلَيْهِ. وإن هذا الحَرَمَ حَرَمٌ مثله في السماوات السبع والأرضين السبع. قال أبو عثمان [النهدي]: كنت عند عمر جالسا إذ جاء رجل فقال: يا أمير المؤمنين، إن لي ابنا إذا سجد قال: سبحان ربي الأعلى الأعلى الأعلى، فيكثر من ذلك، فلا أدري أَيَّ شَيْءٍ يريد به. قال: جئني (به)، فجاء الفتى، فقال عمر: ماذا يقول أبوك؟ قال: وما يقول؟ قال: يقول إنك إذا سجدت أكثرت من سبحان ربي الأعلى الأعلى الأعلى، قال: يا أمير المؤمنين، شيء أجراه الله على لساني. قال: وكعب جالس إلى جنبه، فقال كعب: صدق، يا أمير المؤمنين. قال عمر: وكيف ذاك؟ قال كعب: إذاً أخبرك، فإن الله خلق الأرضين سبعاً، (وجعل غلظ كل أرض خمسمائة عام، وما بين كل أرض إلى أرض خمسمائة عام، وجعل السماوات سبعاً)، وجعل غلظ كل سماء خمسمائة عام، وما بين كل سماء إلى سماء مثل ذلك، ولله عز وجل ملائكة يحملون العرش قياماً في ماء، غِلَظُ ذلك الماء غلظ السماوات السبع والأرضين السبع، لا يبلغ ذلك الماء أعناقهم، فهو جل وعز الأعلى الأعلى الأعلى. قال (قتادة): خلق الله سبع سماوات وسبع أرضين، في كل سماء من سمائه وأرض من أرضه خلق من خلقه، وأمر من أمره، وقضاء من قضائه جل ثناؤه. وذكر قتادة قال: التقى أربعة أملاك من الملائكة بين السماء والأرض، فقال بعضهم لبعض: من أين [جئت]؟ فقال أحدهم: أرسلني ربي من المشرق وتركته، (ثم) قال الآخر: أرسلني ربي من الأرض السابعة وتركته، (ثم) قال الآخر: أرسلني ربي من المغرب وتركته. * * - ثم قال تعالى: ﴿يَتَنَزَّلُ ٱلأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ أي: يتنزل الوحي بين السماء السابعة والأرض السابعة. قاله مجاهد. * * - ثم قال تعالى: ﴿لِّتَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: يتنزل قضاء الله وأمره بين ذلك كي تعلموا أيها الناس كُنْهَ قدرته وسلطانه، وأنه قادر على كل شيء، لا يتعذر عليه شيء أراده، ولا يمتنع عليه شيء شاءه. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾. أي: ولتعلموا أن الله بكل شيء (مِنْ) خلقه محيط علماً، لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، فخافوه وأطيعوه تنجوا من عقوبته وتدخلُوا جنته. وأعاد الاسم بالإظهار وقد تقدم إظهاره للتفخيم والتعظيم. و ﴿عِلْماً﴾ نصب [على التمييز]. أو (على) المصدر، كأنه قال: علم كل شيء علماً.

الطلاق 65:9

قوله ﴿ذَلِكَ أَمْرُ ٱللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ...﴾ إلى آخر السورة. أي: ذلك الذي بينه لكم من حكم الطلاق والرجعة والعدة أَمْرُ الله الذي أمركم به، أنزله عليكم لتأتمروا به وتعملوا به. * * ثم قال: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾. أي: ومن (يخف الله) ويتقه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، يمح عنه ذنوبه ويعظم له أجراً يوم القيامة على عمله. * * ثم قال تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم﴾ أي: أسكنوا مطلقات نسائكم من المواضع التي سكنتم من وجدكم، (أي): من سعتكم. يقال: وجدت في المال وُجْداً، ووجدت على الرجل وَجْداً ومَوْجِدَةً، وَوَجَدْتُ الضَّالَّةَ وَجْداناً. وروي أن الأعمش قرأ بفتح الواو. وهو غلط؛ لأن الوَجْد بالفتح إنما هو في الغضب. وقرأ يعقوب الحضرمي بكسر الواو لغة فيه. أمر الله الرجال أن يُسْكِنُوا المطلقات مما يجدون حتى يقضين عدتهن. قال السدي: ﴿مِّن وُجْدِكُمْ﴾: من ملككم ومقدرتكم. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنَّ... ﴾. أي: لا تضاروهن في المسكن الذي [تسكنوهن] فيه وأنتم تجدون سعة من المنازل تطلبون التضييق عليهن. * * - ثم قال: ﴿وَإِن كُنَّ أُوْلاَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ أي: أنفقوا على المطلقة الحامل حتى تضع الحمل، وإن أرضعت فحتى تفطم. وهو قوله: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ...﴾، فلها أجرة الرضاع إن أرضعت وهي أحق بما يأخذ غيرها، وإن أبت أن ترضع اسْتَرْضَعَتْ له أخرى. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ قال السدي: معناه: "اصنعوا المعروف فيما بينكم". وقيل: المعنى: هموا بالمعروف واعزموا عليه. وقد قيل: [وَاتَمِرُوا: تشاوروا، وليس بشيء]. * * - ثم قال: ﴿وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ﴾. أي: إن امتنعت المرأة من الرضاع فلا سبيل له عليها، ولكن يستأجر للصبي مرضعاً غير أمه، قاله السدي وغيره. وقال: إذا رضيت الأم من أجرة الرضاع بما يرضي به غيرها فهي أحق. * * - ثم قال تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ ٱللَّهُ﴾ أي: لينفق الذي بانت منه امرأته إن كان ذا سعة من المال الذي بيده على امرأته لرضاعها ولده. ومن ضيق عليه في رزقه فلم يكن ذا سعة من المال فلينفق مما أعطاه الله على قدر ما يجد. وقيل: معناه: إن كان له ما يبيعه من متاع البيت باعه فأنفقه. * * - ثم قال تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَآ آتَاهَا﴾ أي: لا يكلف الله أحداً من النفقة على من تلزمه نفقته إلا ما أعطاه، أن كان ذا سعة فمن سعته، وإن كان مقدوراً عليه (رزقه) فمما رزقه الله. لا يُكَلَّفُ الفقير مثل نفقة الغني. قال ابن زيد: معناه: لا يكلفه أن يتصدق وليس عنده ما يتصدق به. * * - ثم قال تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾. أي: سيجعل الله للمقل بعد شدة رخاء، وبعد فقر غنى. وقيل: [اليسر] الذي يجعله الله له إما في الدنيا وإما في الآخرة. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ﴾ أي: وكثير من أهل القرى عتوا عن أمر ربهم وخالفوه وعصوا رسله. * * - ﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً﴾ أي: حاسبنا أهلها على النعم التي أسديت إليهم والشكر عليها حساباً شديداً، أي حساباً ليس فيه عفو عن شيء. * * - ﴿وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً﴾. أي: منكراً، وهو عذاب جهنم. وقال الفراء: في الكلام تقديم وتأخير. والتقدير: فعذبناها عذاباً نكراً في الدنيا، وحاسبناها حساباً شديداً في الآخرة). والعُتُوُّ في اللغة: التجاوز في المخالفة والطغيان. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾ أي: عقوبة عملها. الوبال: العاقبة. قال ابن عباس ومجاهد: "﴿وَبَالَ أَمْرِهَا﴾": جزاء أمرها. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً﴾. أي: غبناً، لأنهم باعوا نعيم الآخرة بخسيس الدنيا وقليله. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾ (أي): في الآخرة، يعني عذاب النار. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ أي: اتقوا الله في أمره ونهيه يا أصحاب العقول الذي آمنوا. * * - ثم قال تعالى: ﴿قَدْ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً...﴾ ﴿رَّسُولاً﴾ قال السدي: "الذكر: القرآن، والرسول محمد" فيكون (التقدير على قوله: ذِكْراً ذَا رَسُول. فيكون نعتاً للذكر، قد حذف المضاف) وأقيم المضاف إليه مقامه مثل ﴿(وَسْئَلِ) ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] (وقيل: الرسول نصب "بذكر" كأنه قال: "أن تذكروا رسولاً"، فهو مفعول به). وقيل: الرسول نصب بإضمار "أعني". وقيل: الرسول ترجمة عن الذكر كأنه بدل منه، ولذلك نصب، فيكون - على هذا القول - الرسولُ بمعنى الرسالة. وقيل: رسولاً منصوب بإضمار فعل، كأنه قال: أرسلنا رسولاً. * * - ثم قال تعالى: ﴿يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ﴾ أي: يتلو الرسول عليكم آيات الله واضحات، كي يخرج الذين آمنوا بالآيات من الظلمات إلى النور، أي: من الكفر إلى الإيمان. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ﴾ أي: يصدق به. * * - ﴿وَيَعْمَلْ صَالِحاً﴾ أي: يعمل بطاعة الله. * * - ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾ أي: من تحت أشجارها. * * - ﴿خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً﴾ أي: (لا يخرجون منها أبداً) ولا يموتون. * * - ثم قال تعالى: ﴿قَدْ أَحْسَنَ ٱللَّهُ لَهُ رِزْقاً﴾. أي: قد وسع الله له في الجنات رزقاً. * * - ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ أي: الله (الذي) خلق ذلك، لا (ما) يعبده المشركون من الأوثان والأصنام التي لا تقدر على شيء، وخَلَقَ من الأرض مثلهن (أي): سبعاً. وعن ابن عباس أنه قال: في كل أرض من الأرضين السبع نحو ما على هذه الأرض من الخلق. ولذلك قال: ﴿وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ لأن في كل سماء خلقاً لله. وعن ابن مسعود أنه [قال]: خلق الله سبع سماوات، غِلَظُ كل واحدة مسيرة خمسمائة عام، وبين كل واحدة منهن والأخرى مسيرة خمسمائة عام، وفوق السماوات السبع [الماءُ]، والله - جل ذكره - فوق الماء لا يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم، والأرضُ سَبْعٌ، بين كل أَرْضَيْنِ مسيرة خمسمائة عام. وغِلَظُ كل أرض خمسمائة عام. [وقال] مجاهد: هذه الأرض إلى تلك الأرض مثل الفسطاط ضربته بأرض فلاة. وهذه السماء إلى تلك السماء مثل حلقة رميت (بها) في أرض فلاة. وقال الربيع بن أنس: "السماء أولها موج مكفوف، والثانية صخرة، والثالثة حديد، والرابعة نحاس، والخامسة فضة، والسادسة ذهب، والسابعة ياقوتة". وقال مجاهد: (هذا) البيت الكعبة رابع أربعة عشر بيتاً، في كل سماء بيت، كل بيت منها [حَذْوَ] صاحبه، لَوْ وَقَعَ وَقَعَ عَلَيْهِ. وإن هذا الحَرَمَ حَرَمٌ مثله في السماوات السبع والأرضين السبع. قال أبو عثمان [النهدي]: كنت عند عمر جالسا إذ جاء رجل فقال: يا أمير المؤمنين، إن لي ابنا إذا سجد قال: سبحان ربي الأعلى الأعلى الأعلى، فيكثر من ذلك، فلا أدري أَيَّ شَيْءٍ يريد به. قال: جئني (به)، فجاء الفتى، فقال عمر: ماذا يقول أبوك؟ قال: وما يقول؟ قال: يقول إنك إذا سجدت أكثرت من سبحان ربي الأعلى الأعلى الأعلى، قال: يا أمير المؤمنين، شيء أجراه الله على لساني. قال: وكعب جالس إلى جنبه، فقال كعب: صدق، يا أمير المؤمنين. قال عمر: وكيف ذاك؟ قال كعب: إذاً أخبرك، فإن الله خلق الأرضين سبعاً، (وجعل غلظ كل أرض خمسمائة عام، وما بين كل أرض إلى أرض خمسمائة عام، وجعل السماوات سبعاً)، وجعل غلظ كل سماء خمسمائة عام، وما بين كل سماء إلى سماء مثل ذلك، ولله عز وجل ملائكة يحملون العرش قياماً في ماء، غِلَظُ ذلك الماء غلظ السماوات السبع والأرضين السبع، لا يبلغ ذلك الماء أعناقهم، فهو جل وعز الأعلى الأعلى الأعلى. قال (قتادة): خلق الله سبع سماوات وسبع أرضين، في كل سماء من سمائه وأرض من أرضه خلق من خلقه، وأمر من أمره، وقضاء من قضائه جل ثناؤه. وذكر قتادة قال: التقى أربعة أملاك من الملائكة بين السماء والأرض، فقال بعضهم لبعض: من أين [جئت]؟ فقال أحدهم: أرسلني ربي من المشرق وتركته، (ثم) قال الآخر: أرسلني ربي من الأرض السابعة وتركته، (ثم) قال الآخر: أرسلني ربي من المغرب وتركته. * * - ثم قال تعالى: ﴿يَتَنَزَّلُ ٱلأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ أي: يتنزل الوحي بين السماء السابعة والأرض السابعة. قاله مجاهد. * * - ثم قال تعالى: ﴿لِّتَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: يتنزل قضاء الله وأمره بين ذلك كي تعلموا أيها الناس كُنْهَ قدرته وسلطانه، وأنه قادر على كل شيء، لا يتعذر عليه شيء أراده، ولا يمتنع عليه شيء شاءه. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾. أي: ولتعلموا أن الله بكل شيء (مِنْ) خلقه محيط علماً، لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، فخافوه وأطيعوه تنجوا من عقوبته وتدخلُوا جنته. وأعاد الاسم بالإظهار وقد تقدم إظهاره للتفخيم والتعظيم. و ﴿عِلْماً﴾ نصب [على التمييز]. أو (على) المصدر، كأنه قال: علم كل شيء علماً.

الطلاق 65:10

قوله ﴿ذَلِكَ أَمْرُ ٱللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ...﴾ إلى آخر السورة. أي: ذلك الذي بينه لكم من حكم الطلاق والرجعة والعدة أَمْرُ الله الذي أمركم به، أنزله عليكم لتأتمروا به وتعملوا به. * * ثم قال: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾. أي: ومن (يخف الله) ويتقه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، يمح عنه ذنوبه ويعظم له أجراً يوم القيامة على عمله. * * ثم قال تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم﴾ أي: أسكنوا مطلقات نسائكم من المواضع التي سكنتم من وجدكم، (أي): من سعتكم. يقال: وجدت في المال وُجْداً، ووجدت على الرجل وَجْداً ومَوْجِدَةً، وَوَجَدْتُ الضَّالَّةَ وَجْداناً. وروي أن الأعمش قرأ بفتح الواو. وهو غلط؛ لأن الوَجْد بالفتح إنما هو في الغضب. وقرأ يعقوب الحضرمي بكسر الواو لغة فيه. أمر الله الرجال أن يُسْكِنُوا المطلقات مما يجدون حتى يقضين عدتهن. قال السدي: ﴿مِّن وُجْدِكُمْ﴾: من ملككم ومقدرتكم. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنَّ... ﴾. أي: لا تضاروهن في المسكن الذي [تسكنوهن] فيه وأنتم تجدون سعة من المنازل تطلبون التضييق عليهن. * * - ثم قال: ﴿وَإِن كُنَّ أُوْلاَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ أي: أنفقوا على المطلقة الحامل حتى تضع الحمل، وإن أرضعت فحتى تفطم. وهو قوله: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ...﴾، فلها أجرة الرضاع إن أرضعت وهي أحق بما يأخذ غيرها، وإن أبت أن ترضع اسْتَرْضَعَتْ له أخرى. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ قال السدي: معناه: "اصنعوا المعروف فيما بينكم". وقيل: المعنى: هموا بالمعروف واعزموا عليه. وقد قيل: [وَاتَمِرُوا: تشاوروا، وليس بشيء]. * * - ثم قال: ﴿وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ﴾. أي: إن امتنعت المرأة من الرضاع فلا سبيل له عليها، ولكن يستأجر للصبي مرضعاً غير أمه، قاله السدي وغيره. وقال: إذا رضيت الأم من أجرة الرضاع بما يرضي به غيرها فهي أحق. * * - ثم قال تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ ٱللَّهُ﴾ أي: لينفق الذي بانت منه امرأته إن كان ذا سعة من المال الذي بيده على امرأته لرضاعها ولده. ومن ضيق عليه في رزقه فلم يكن ذا سعة من المال فلينفق مما أعطاه الله على قدر ما يجد. وقيل: معناه: إن كان له ما يبيعه من متاع البيت باعه فأنفقه. * * - ثم قال تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَآ آتَاهَا﴾ أي: لا يكلف الله أحداً من النفقة على من تلزمه نفقته إلا ما أعطاه، أن كان ذا سعة فمن سعته، وإن كان مقدوراً عليه (رزقه) فمما رزقه الله. لا يُكَلَّفُ الفقير مثل نفقة الغني. قال ابن زيد: معناه: لا يكلفه أن يتصدق وليس عنده ما يتصدق به. * * - ثم قال تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾. أي: سيجعل الله للمقل بعد شدة رخاء، وبعد فقر غنى. وقيل: [اليسر] الذي يجعله الله له إما في الدنيا وإما في الآخرة. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ﴾ أي: وكثير من أهل القرى عتوا عن أمر ربهم وخالفوه وعصوا رسله. * * - ﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً﴾ أي: حاسبنا أهلها على النعم التي أسديت إليهم والشكر عليها حساباً شديداً، أي حساباً ليس فيه عفو عن شيء. * * - ﴿وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً﴾. أي: منكراً، وهو عذاب جهنم. وقال الفراء: في الكلام تقديم وتأخير. والتقدير: فعذبناها عذاباً نكراً في الدنيا، وحاسبناها حساباً شديداً في الآخرة). والعُتُوُّ في اللغة: التجاوز في المخالفة والطغيان. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾ أي: عقوبة عملها. الوبال: العاقبة. قال ابن عباس ومجاهد: "﴿وَبَالَ أَمْرِهَا﴾": جزاء أمرها. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً﴾. أي: غبناً، لأنهم باعوا نعيم الآخرة بخسيس الدنيا وقليله. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾ (أي): في الآخرة، يعني عذاب النار. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ أي: اتقوا الله في أمره ونهيه يا أصحاب العقول الذي آمنوا. * * - ثم قال تعالى: ﴿قَدْ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً...﴾ ﴿رَّسُولاً﴾ قال السدي: "الذكر: القرآن، والرسول محمد" فيكون (التقدير على قوله: ذِكْراً ذَا رَسُول. فيكون نعتاً للذكر، قد حذف المضاف) وأقيم المضاف إليه مقامه مثل ﴿(وَسْئَلِ) ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] (وقيل: الرسول نصب "بذكر" كأنه قال: "أن تذكروا رسولاً"، فهو مفعول به). وقيل: الرسول نصب بإضمار "أعني". وقيل: الرسول ترجمة عن الذكر كأنه بدل منه، ولذلك نصب، فيكون - على هذا القول - الرسولُ بمعنى الرسالة. وقيل: رسولاً منصوب بإضمار فعل، كأنه قال: أرسلنا رسولاً. * * - ثم قال تعالى: ﴿يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ﴾ أي: يتلو الرسول عليكم آيات الله واضحات، كي يخرج الذين آمنوا بالآيات من الظلمات إلى النور، أي: من الكفر إلى الإيمان. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ﴾ أي: يصدق به. * * - ﴿وَيَعْمَلْ صَالِحاً﴾ أي: يعمل بطاعة الله. * * - ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾ أي: من تحت أشجارها. * * - ﴿خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً﴾ أي: (لا يخرجون منها أبداً) ولا يموتون. * * - ثم قال تعالى: ﴿قَدْ أَحْسَنَ ٱللَّهُ لَهُ رِزْقاً﴾. أي: قد وسع الله له في الجنات رزقاً. * * - ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ أي: الله (الذي) خلق ذلك، لا (ما) يعبده المشركون من الأوثان والأصنام التي لا تقدر على شيء، وخَلَقَ من الأرض مثلهن (أي): سبعاً. وعن ابن عباس أنه قال: في كل أرض من الأرضين السبع نحو ما على هذه الأرض من الخلق. ولذلك قال: ﴿وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ لأن في كل سماء خلقاً لله. وعن ابن مسعود أنه [قال]: خلق الله سبع سماوات، غِلَظُ كل واحدة مسيرة خمسمائة عام، وبين كل واحدة منهن والأخرى مسيرة خمسمائة عام، وفوق السماوات السبع [الماءُ]، والله - جل ذكره - فوق الماء لا يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم، والأرضُ سَبْعٌ، بين كل أَرْضَيْنِ مسيرة خمسمائة عام. وغِلَظُ كل أرض خمسمائة عام. [وقال] مجاهد: هذه الأرض إلى تلك الأرض مثل الفسطاط ضربته بأرض فلاة. وهذه السماء إلى تلك السماء مثل حلقة رميت (بها) في أرض فلاة. وقال الربيع بن أنس: "السماء أولها موج مكفوف، والثانية صخرة، والثالثة حديد، والرابعة نحاس، والخامسة فضة، والسادسة ذهب، والسابعة ياقوتة". وقال مجاهد: (هذا) البيت الكعبة رابع أربعة عشر بيتاً، في كل سماء بيت، كل بيت منها [حَذْوَ] صاحبه، لَوْ وَقَعَ وَقَعَ عَلَيْهِ. وإن هذا الحَرَمَ حَرَمٌ مثله في السماوات السبع والأرضين السبع. قال أبو عثمان [النهدي]: كنت عند عمر جالسا إذ جاء رجل فقال: يا أمير المؤمنين، إن لي ابنا إذا سجد قال: سبحان ربي الأعلى الأعلى الأعلى، فيكثر من ذلك، فلا أدري أَيَّ شَيْءٍ يريد به. قال: جئني (به)، فجاء الفتى، فقال عمر: ماذا يقول أبوك؟ قال: وما يقول؟ قال: يقول إنك إذا سجدت أكثرت من سبحان ربي الأعلى الأعلى الأعلى، قال: يا أمير المؤمنين، شيء أجراه الله على لساني. قال: وكعب جالس إلى جنبه، فقال كعب: صدق، يا أمير المؤمنين. قال عمر: وكيف ذاك؟ قال كعب: إذاً أخبرك، فإن الله خلق الأرضين سبعاً، (وجعل غلظ كل أرض خمسمائة عام، وما بين كل أرض إلى أرض خمسمائة عام، وجعل السماوات سبعاً)، وجعل غلظ كل سماء خمسمائة عام، وما بين كل سماء إلى سماء مثل ذلك، ولله عز وجل ملائكة يحملون العرش قياماً في ماء، غِلَظُ ذلك الماء غلظ السماوات السبع والأرضين السبع، لا يبلغ ذلك الماء أعناقهم، فهو جل وعز الأعلى الأعلى الأعلى. قال (قتادة): خلق الله سبع سماوات وسبع أرضين، في كل سماء من سمائه وأرض من أرضه خلق من خلقه، وأمر من أمره، وقضاء من قضائه جل ثناؤه. وذكر قتادة قال: التقى أربعة أملاك من الملائكة بين السماء والأرض، فقال بعضهم لبعض: من أين [جئت]؟ فقال أحدهم: أرسلني ربي من المشرق وتركته، (ثم) قال الآخر: أرسلني ربي من الأرض السابعة وتركته، (ثم) قال الآخر: أرسلني ربي من المغرب وتركته. * * - ثم قال تعالى: ﴿يَتَنَزَّلُ ٱلأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ أي: يتنزل الوحي بين السماء السابعة والأرض السابعة. قاله مجاهد. * * - ثم قال تعالى: ﴿لِّتَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: يتنزل قضاء الله وأمره بين ذلك كي تعلموا أيها الناس كُنْهَ قدرته وسلطانه، وأنه قادر على كل شيء، لا يتعذر عليه شيء أراده، ولا يمتنع عليه شيء شاءه. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾. أي: ولتعلموا أن الله بكل شيء (مِنْ) خلقه محيط علماً، لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، فخافوه وأطيعوه تنجوا من عقوبته وتدخلُوا جنته. وأعاد الاسم بالإظهار وقد تقدم إظهاره للتفخيم والتعظيم. و ﴿عِلْماً﴾ نصب [على التمييز]. أو (على) المصدر، كأنه قال: علم كل شيء علماً.

الطلاق 65:11

قوله ﴿ذَلِكَ أَمْرُ ٱللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ...﴾ إلى آخر السورة. أي: ذلك الذي بينه لكم من حكم الطلاق والرجعة والعدة أَمْرُ الله الذي أمركم به، أنزله عليكم لتأتمروا به وتعملوا به. * * ثم قال: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾. أي: ومن (يخف الله) ويتقه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، يمح عنه ذنوبه ويعظم له أجراً يوم القيامة على عمله. * * ثم قال تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم﴾ أي: أسكنوا مطلقات نسائكم من المواضع التي سكنتم من وجدكم، (أي): من سعتكم. يقال: وجدت في المال وُجْداً، ووجدت على الرجل وَجْداً ومَوْجِدَةً، وَوَجَدْتُ الضَّالَّةَ وَجْداناً. وروي أن الأعمش قرأ بفتح الواو. وهو غلط؛ لأن الوَجْد بالفتح إنما هو في الغضب. وقرأ يعقوب الحضرمي بكسر الواو لغة فيه. أمر الله الرجال أن يُسْكِنُوا المطلقات مما يجدون حتى يقضين عدتهن. قال السدي: ﴿مِّن وُجْدِكُمْ﴾: من ملككم ومقدرتكم. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنَّ... ﴾. أي: لا تضاروهن في المسكن الذي [تسكنوهن] فيه وأنتم تجدون سعة من المنازل تطلبون التضييق عليهن. * * - ثم قال: ﴿وَإِن كُنَّ أُوْلاَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ أي: أنفقوا على المطلقة الحامل حتى تضع الحمل، وإن أرضعت فحتى تفطم. وهو قوله: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ...﴾، فلها أجرة الرضاع إن أرضعت وهي أحق بما يأخذ غيرها، وإن أبت أن ترضع اسْتَرْضَعَتْ له أخرى. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ قال السدي: معناه: "اصنعوا المعروف فيما بينكم". وقيل: المعنى: هموا بالمعروف واعزموا عليه. وقد قيل: [وَاتَمِرُوا: تشاوروا، وليس بشيء]. * * - ثم قال: ﴿وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ﴾. أي: إن امتنعت المرأة من الرضاع فلا سبيل له عليها، ولكن يستأجر للصبي مرضعاً غير أمه، قاله السدي وغيره. وقال: إذا رضيت الأم من أجرة الرضاع بما يرضي به غيرها فهي أحق. * * - ثم قال تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ ٱللَّهُ﴾ أي: لينفق الذي بانت منه امرأته إن كان ذا سعة من المال الذي بيده على امرأته لرضاعها ولده. ومن ضيق عليه في رزقه فلم يكن ذا سعة من المال فلينفق مما أعطاه الله على قدر ما يجد. وقيل: معناه: إن كان له ما يبيعه من متاع البيت باعه فأنفقه. * * - ثم قال تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَآ آتَاهَا﴾ أي: لا يكلف الله أحداً من النفقة على من تلزمه نفقته إلا ما أعطاه، أن كان ذا سعة فمن سعته، وإن كان مقدوراً عليه (رزقه) فمما رزقه الله. لا يُكَلَّفُ الفقير مثل نفقة الغني. قال ابن زيد: معناه: لا يكلفه أن يتصدق وليس عنده ما يتصدق به. * * - ثم قال تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾. أي: سيجعل الله للمقل بعد شدة رخاء، وبعد فقر غنى. وقيل: [اليسر] الذي يجعله الله له إما في الدنيا وإما في الآخرة. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ﴾ أي: وكثير من أهل القرى عتوا عن أمر ربهم وخالفوه وعصوا رسله. * * - ﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً﴾ أي: حاسبنا أهلها على النعم التي أسديت إليهم والشكر عليها حساباً شديداً، أي حساباً ليس فيه عفو عن شيء. * * - ﴿وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً﴾. أي: منكراً، وهو عذاب جهنم. وقال الفراء: في الكلام تقديم وتأخير. والتقدير: فعذبناها عذاباً نكراً في الدنيا، وحاسبناها حساباً شديداً في الآخرة). والعُتُوُّ في اللغة: التجاوز في المخالفة والطغيان. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾ أي: عقوبة عملها. الوبال: العاقبة. قال ابن عباس ومجاهد: "﴿وَبَالَ أَمْرِهَا﴾": جزاء أمرها. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً﴾. أي: غبناً، لأنهم باعوا نعيم الآخرة بخسيس الدنيا وقليله. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾ (أي): في الآخرة، يعني عذاب النار. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ أي: اتقوا الله في أمره ونهيه يا أصحاب العقول الذي آمنوا. * * - ثم قال تعالى: ﴿قَدْ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً...﴾ ﴿رَّسُولاً﴾ قال السدي: "الذكر: القرآن، والرسول محمد" فيكون (التقدير على قوله: ذِكْراً ذَا رَسُول. فيكون نعتاً للذكر، قد حذف المضاف) وأقيم المضاف إليه مقامه مثل ﴿(وَسْئَلِ) ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] (وقيل: الرسول نصب "بذكر" كأنه قال: "أن تذكروا رسولاً"، فهو مفعول به). وقيل: الرسول نصب بإضمار "أعني". وقيل: الرسول ترجمة عن الذكر كأنه بدل منه، ولذلك نصب، فيكون - على هذا القول - الرسولُ بمعنى الرسالة. وقيل: رسولاً منصوب بإضمار فعل، كأنه قال: أرسلنا رسولاً. * * - ثم قال تعالى: ﴿يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ﴾ أي: يتلو الرسول عليكم آيات الله واضحات، كي يخرج الذين آمنوا بالآيات من الظلمات إلى النور، أي: من الكفر إلى الإيمان. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ﴾ أي: يصدق به. * * - ﴿وَيَعْمَلْ صَالِحاً﴾ أي: يعمل بطاعة الله. * * - ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾ أي: من تحت أشجارها. * * - ﴿خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً﴾ أي: (لا يخرجون منها أبداً) ولا يموتون. * * - ثم قال تعالى: ﴿قَدْ أَحْسَنَ ٱللَّهُ لَهُ رِزْقاً﴾. أي: قد وسع الله له في الجنات رزقاً. * * - ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ أي: الله (الذي) خلق ذلك، لا (ما) يعبده المشركون من الأوثان والأصنام التي لا تقدر على شيء، وخَلَقَ من الأرض مثلهن (أي): سبعاً. وعن ابن عباس أنه قال: في كل أرض من الأرضين السبع نحو ما على هذه الأرض من الخلق. ولذلك قال: ﴿وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ لأن في كل سماء خلقاً لله. وعن ابن مسعود أنه [قال]: خلق الله سبع سماوات، غِلَظُ كل واحدة مسيرة خمسمائة عام، وبين كل واحدة منهن والأخرى مسيرة خمسمائة عام، وفوق السماوات السبع [الماءُ]، والله - جل ذكره - فوق الماء لا يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم، والأرضُ سَبْعٌ، بين كل أَرْضَيْنِ مسيرة خمسمائة عام. وغِلَظُ كل أرض خمسمائة عام. [وقال] مجاهد: هذه الأرض إلى تلك الأرض مثل الفسطاط ضربته بأرض فلاة. وهذه السماء إلى تلك السماء مثل حلقة رميت (بها) في أرض فلاة. وقال الربيع بن أنس: "السماء أولها موج مكفوف، والثانية صخرة، والثالثة حديد، والرابعة نحاس، والخامسة فضة، والسادسة ذهب، والسابعة ياقوتة". وقال مجاهد: (هذا) البيت الكعبة رابع أربعة عشر بيتاً، في كل سماء بيت، كل بيت منها [حَذْوَ] صاحبه، لَوْ وَقَعَ وَقَعَ عَلَيْهِ. وإن هذا الحَرَمَ حَرَمٌ مثله في السماوات السبع والأرضين السبع. قال أبو عثمان [النهدي]: كنت عند عمر جالسا إذ جاء رجل فقال: يا أمير المؤمنين، إن لي ابنا إذا سجد قال: سبحان ربي الأعلى الأعلى الأعلى، فيكثر من ذلك، فلا أدري أَيَّ شَيْءٍ يريد به. قال: جئني (به)، فجاء الفتى، فقال عمر: ماذا يقول أبوك؟ قال: وما يقول؟ قال: يقول إنك إذا سجدت أكثرت من سبحان ربي الأعلى الأعلى الأعلى، قال: يا أمير المؤمنين، شيء أجراه الله على لساني. قال: وكعب جالس إلى جنبه، فقال كعب: صدق، يا أمير المؤمنين. قال عمر: وكيف ذاك؟ قال كعب: إذاً أخبرك، فإن الله خلق الأرضين سبعاً، (وجعل غلظ كل أرض خمسمائة عام، وما بين كل أرض إلى أرض خمسمائة عام، وجعل السماوات سبعاً)، وجعل غلظ كل سماء خمسمائة عام، وما بين كل سماء إلى سماء مثل ذلك، ولله عز وجل ملائكة يحملون العرش قياماً في ماء، غِلَظُ ذلك الماء غلظ السماوات السبع والأرضين السبع، لا يبلغ ذلك الماء أعناقهم، فهو جل وعز الأعلى الأعلى الأعلى. قال (قتادة): خلق الله سبع سماوات وسبع أرضين، في كل سماء من سمائه وأرض من أرضه خلق من خلقه، وأمر من أمره، وقضاء من قضائه جل ثناؤه. وذكر قتادة قال: التقى أربعة أملاك من الملائكة بين السماء والأرض، فقال بعضهم لبعض: من أين [جئت]؟ فقال أحدهم: أرسلني ربي من المشرق وتركته، (ثم) قال الآخر: أرسلني ربي من الأرض السابعة وتركته، (ثم) قال الآخر: أرسلني ربي من المغرب وتركته. * * - ثم قال تعالى: ﴿يَتَنَزَّلُ ٱلأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ أي: يتنزل الوحي بين السماء السابعة والأرض السابعة. قاله مجاهد. * * - ثم قال تعالى: ﴿لِّتَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: يتنزل قضاء الله وأمره بين ذلك كي تعلموا أيها الناس كُنْهَ قدرته وسلطانه، وأنه قادر على كل شيء، لا يتعذر عليه شيء أراده، ولا يمتنع عليه شيء شاءه. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾. أي: ولتعلموا أن الله بكل شيء (مِنْ) خلقه محيط علماً، لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، فخافوه وأطيعوه تنجوا من عقوبته وتدخلُوا جنته. وأعاد الاسم بالإظهار وقد تقدم إظهاره للتفخيم والتعظيم. و ﴿عِلْماً﴾ نصب [على التمييز]. أو (على) المصدر، كأنه قال: علم كل شيء علماً.

الطلاق 65:12

قوله ﴿ذَلِكَ أَمْرُ ٱللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ...﴾ إلى آخر السورة. أي: ذلك الذي بينه لكم من حكم الطلاق والرجعة والعدة أَمْرُ الله الذي أمركم به، أنزله عليكم لتأتمروا به وتعملوا به. * * ثم قال: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾. أي: ومن (يخف الله) ويتقه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، يمح عنه ذنوبه ويعظم له أجراً يوم القيامة على عمله. * * ثم قال تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم﴾ أي: أسكنوا مطلقات نسائكم من المواضع التي سكنتم من وجدكم، (أي): من سعتكم. يقال: وجدت في المال وُجْداً، ووجدت على الرجل وَجْداً ومَوْجِدَةً، وَوَجَدْتُ الضَّالَّةَ وَجْداناً. وروي أن الأعمش قرأ بفتح الواو. وهو غلط؛ لأن الوَجْد بالفتح إنما هو في الغضب. وقرأ يعقوب الحضرمي بكسر الواو لغة فيه. أمر الله الرجال أن يُسْكِنُوا المطلقات مما يجدون حتى يقضين عدتهن. قال السدي: ﴿مِّن وُجْدِكُمْ﴾: من ملككم ومقدرتكم. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنَّ... ﴾. أي: لا تضاروهن في المسكن الذي [تسكنوهن] فيه وأنتم تجدون سعة من المنازل تطلبون التضييق عليهن. * * - ثم قال: ﴿وَإِن كُنَّ أُوْلاَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ أي: أنفقوا على المطلقة الحامل حتى تضع الحمل، وإن أرضعت فحتى تفطم. وهو قوله: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ...﴾، فلها أجرة الرضاع إن أرضعت وهي أحق بما يأخذ غيرها، وإن أبت أن ترضع اسْتَرْضَعَتْ له أخرى. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ قال السدي: معناه: "اصنعوا المعروف فيما بينكم". وقيل: المعنى: هموا بالمعروف واعزموا عليه. وقد قيل: [وَاتَمِرُوا: تشاوروا، وليس بشيء]. * * - ثم قال: ﴿وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ﴾. أي: إن امتنعت المرأة من الرضاع فلا سبيل له عليها، ولكن يستأجر للصبي مرضعاً غير أمه، قاله السدي وغيره. وقال: إذا رضيت الأم من أجرة الرضاع بما يرضي به غيرها فهي أحق. * * - ثم قال تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ ٱللَّهُ﴾ أي: لينفق الذي بانت منه امرأته إن كان ذا سعة من المال الذي بيده على امرأته لرضاعها ولده. ومن ضيق عليه في رزقه فلم يكن ذا سعة من المال فلينفق مما أعطاه الله على قدر ما يجد. وقيل: معناه: إن كان له ما يبيعه من متاع البيت باعه فأنفقه. * * - ثم قال تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَآ آتَاهَا﴾ أي: لا يكلف الله أحداً من النفقة على من تلزمه نفقته إلا ما أعطاه، أن كان ذا سعة فمن سعته، وإن كان مقدوراً عليه (رزقه) فمما رزقه الله. لا يُكَلَّفُ الفقير مثل نفقة الغني. قال ابن زيد: معناه: لا يكلفه أن يتصدق وليس عنده ما يتصدق به. * * - ثم قال تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾. أي: سيجعل الله للمقل بعد شدة رخاء، وبعد فقر غنى. وقيل: [اليسر] الذي يجعله الله له إما في الدنيا وإما في الآخرة. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ﴾ أي: وكثير من أهل القرى عتوا عن أمر ربهم وخالفوه وعصوا رسله. * * - ﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً﴾ أي: حاسبنا أهلها على النعم التي أسديت إليهم والشكر عليها حساباً شديداً، أي حساباً ليس فيه عفو عن شيء. * * - ﴿وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً﴾. أي: منكراً، وهو عذاب جهنم. وقال الفراء: في الكلام تقديم وتأخير. والتقدير: فعذبناها عذاباً نكراً في الدنيا، وحاسبناها حساباً شديداً في الآخرة). والعُتُوُّ في اللغة: التجاوز في المخالفة والطغيان. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾ أي: عقوبة عملها. الوبال: العاقبة. قال ابن عباس ومجاهد: "﴿وَبَالَ أَمْرِهَا﴾": جزاء أمرها. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً﴾. أي: غبناً، لأنهم باعوا نعيم الآخرة بخسيس الدنيا وقليله. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾ (أي): في الآخرة، يعني عذاب النار. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ أي: اتقوا الله في أمره ونهيه يا أصحاب العقول الذي آمنوا. * * - ثم قال تعالى: ﴿قَدْ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً...﴾ ﴿رَّسُولاً﴾ قال السدي: "الذكر: القرآن، والرسول محمد" فيكون (التقدير على قوله: ذِكْراً ذَا رَسُول. فيكون نعتاً للذكر، قد حذف المضاف) وأقيم المضاف إليه مقامه مثل ﴿(وَسْئَلِ) ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] (وقيل: الرسول نصب "بذكر" كأنه قال: "أن تذكروا رسولاً"، فهو مفعول به). وقيل: الرسول نصب بإضمار "أعني". وقيل: الرسول ترجمة عن الذكر كأنه بدل منه، ولذلك نصب، فيكون - على هذا القول - الرسولُ بمعنى الرسالة. وقيل: رسولاً منصوب بإضمار فعل، كأنه قال: أرسلنا رسولاً. * * - ثم قال تعالى: ﴿يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ﴾ أي: يتلو الرسول عليكم آيات الله واضحات، كي يخرج الذين آمنوا بالآيات من الظلمات إلى النور، أي: من الكفر إلى الإيمان. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ﴾ أي: يصدق به. * * - ﴿وَيَعْمَلْ صَالِحاً﴾ أي: يعمل بطاعة الله. * * - ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾ أي: من تحت أشجارها. * * - ﴿خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً﴾ أي: (لا يخرجون منها أبداً) ولا يموتون. * * - ثم قال تعالى: ﴿قَدْ أَحْسَنَ ٱللَّهُ لَهُ رِزْقاً﴾. أي: قد وسع الله له في الجنات رزقاً. * * - ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ أي: الله (الذي) خلق ذلك، لا (ما) يعبده المشركون من الأوثان والأصنام التي لا تقدر على شيء، وخَلَقَ من الأرض مثلهن (أي): سبعاً. وعن ابن عباس أنه قال: في كل أرض من الأرضين السبع نحو ما على هذه الأرض من الخلق. ولذلك قال: ﴿وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ لأن في كل سماء خلقاً لله. وعن ابن مسعود أنه [قال]: خلق الله سبع سماوات، غِلَظُ كل واحدة مسيرة خمسمائة عام، وبين كل واحدة منهن والأخرى مسيرة خمسمائة عام، وفوق السماوات السبع [الماءُ]، والله - جل ذكره - فوق الماء لا يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم، والأرضُ سَبْعٌ، بين كل أَرْضَيْنِ مسيرة خمسمائة عام. وغِلَظُ كل أرض خمسمائة عام. [وقال] مجاهد: هذه الأرض إلى تلك الأرض مثل الفسطاط ضربته بأرض فلاة. وهذه السماء إلى تلك السماء مثل حلقة رميت (بها) في أرض فلاة. وقال الربيع بن أنس: "السماء أولها موج مكفوف، والثانية صخرة، والثالثة حديد، والرابعة نحاس، والخامسة فضة، والسادسة ذهب، والسابعة ياقوتة". وقال مجاهد: (هذا) البيت الكعبة رابع أربعة عشر بيتاً، في كل سماء بيت، كل بيت منها [حَذْوَ] صاحبه، لَوْ وَقَعَ وَقَعَ عَلَيْهِ. وإن هذا الحَرَمَ حَرَمٌ مثله في السماوات السبع والأرضين السبع. قال أبو عثمان [النهدي]: كنت عند عمر جالسا إذ جاء رجل فقال: يا أمير المؤمنين، إن لي ابنا إذا سجد قال: سبحان ربي الأعلى الأعلى الأعلى، فيكثر من ذلك، فلا أدري أَيَّ شَيْءٍ يريد به. قال: جئني (به)، فجاء الفتى، فقال عمر: ماذا يقول أبوك؟ قال: وما يقول؟ قال: يقول إنك إذا سجدت أكثرت من سبحان ربي الأعلى الأعلى الأعلى، قال: يا أمير المؤمنين، شيء أجراه الله على لساني. قال: وكعب جالس إلى جنبه، فقال كعب: صدق، يا أمير المؤمنين. قال عمر: وكيف ذاك؟ قال كعب: إذاً أخبرك، فإن الله خلق الأرضين سبعاً، (وجعل غلظ كل أرض خمسمائة عام، وما بين كل أرض إلى أرض خمسمائة عام، وجعل السماوات سبعاً)، وجعل غلظ كل سماء خمسمائة عام، وما بين كل سماء إلى سماء مثل ذلك، ولله عز وجل ملائكة يحملون العرش قياماً في ماء، غِلَظُ ذلك الماء غلظ السماوات السبع والأرضين السبع، لا يبلغ ذلك الماء أعناقهم، فهو جل وعز الأعلى الأعلى الأعلى. قال (قتادة): خلق الله سبع سماوات وسبع أرضين، في كل سماء من سمائه وأرض من أرضه خلق من خلقه، وأمر من أمره، وقضاء من قضائه جل ثناؤه. وذكر قتادة قال: التقى أربعة أملاك من الملائكة بين السماء والأرض، فقال بعضهم لبعض: من أين [جئت]؟ فقال أحدهم: أرسلني ربي من المشرق وتركته، (ثم) قال الآخر: أرسلني ربي من الأرض السابعة وتركته، (ثم) قال الآخر: أرسلني ربي من المغرب وتركته. * * - ثم قال تعالى: ﴿يَتَنَزَّلُ ٱلأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ أي: يتنزل الوحي بين السماء السابعة والأرض السابعة. قاله مجاهد. * * - ثم قال تعالى: ﴿لِّتَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: يتنزل قضاء الله وأمره بين ذلك كي تعلموا أيها الناس كُنْهَ قدرته وسلطانه، وأنه قادر على كل شيء، لا يتعذر عليه شيء أراده، ولا يمتنع عليه شيء شاءه. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾. أي: ولتعلموا أن الله بكل شيء (مِنْ) خلقه محيط علماً، لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، فخافوه وأطيعوه تنجوا من عقوبته وتدخلُوا جنته. وأعاد الاسم بالإظهار وقد تقدم إظهاره للتفخيم والتعظيم. و ﴿عِلْماً﴾ نصب [على التمييز]. أو (على) المصدر، كأنه قال: علم كل شيء علماً.

التحريم 66:1

قوله تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ (مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ)...﴾، إلى قوله: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً﴾. نزلت هذه الآية في سبب مارية القبطية أم ولده إبراهيم، سَرِيَّةِ النبي ﷺ، كان النبي قد أصابها في بيت حفصة في يومها، فغارت لذلك حفصة فحرمها النبي على نفسه بيمين أنه لا يقربها طلباً لرضاء حفصة، فعوتب النبي ﷺ ونُبه على أن ليمينه مخرجاً. قال زيد بن أسلم: "أَصَابَ النَّبِيُّ ﷺ أُمَّ إِبْرَاهِيمَ فِي بَيْتِ بَعْضِ نِسَائِهِ. فَقَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فِي بَيْتِي وَعَلَى فِرَاشِي! فَجَعَلَهَا عَلَيْهِ حَرَاماً. فقالت: يا رسول الله، كَيْفَ تُحَرِّمُ عليك الحلالَ؟! فَحَلَفَ لها بالله لاَ يُصِيبُهَا، فأنزلَ الله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ...﴾ الآية". قال زيد بن أسلم: "قال لها: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، وَاللهِ لاَ أَطَؤُكِ". قال الشعبي: حرمها وحلف ألا يقربها فعوتب [في] التحريم، وجاءت الكفارة في اليمين. قال الضحاك: كانت لرسول الله ﷺ فتاة فغشيها، فبصرت [به] حفصة، وكان اليوم يوم عائشة [وكانتا] مُتَعَاوِنَتَيْنِ، فقال رسول الله ﷺ لحفصة: اكْتُمِي عَلَيَّ وَلاَ تَذْكُرِي لعائشة ما رأيتِ، فَذَكَرَتْ حفصةُ لِعائشةَ الخَبَرَ، فغضبت عائشة، فلم يَزَلْ نَبِيُّ اللهِ حتى حلف لاَ يَقْرَبُها، فأنزل الله الآية، وأمره بكفارة يمينه. قال ابن عباس: "أمر الله النبي والمؤمنين إذا حرموا شيئاً على أنفسهم مما أحل الله لهم أن يكفروا بإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، ولا يدخل في ذلك طلاق"، فإنما حرم النبي ﷺ على نفسه جاريته ولم يحلف. وروى عبيد بن عمير عن عائشة أنها قالت: كان النبي ﷺ يمكث عند زينب بنت جحش [يشرب] عندها عسلا، فتواصيت أنا وحفصة أينا جاءها النبي [فلتقل] له إني أجد منك ريح مغافير، فجاء إلى إحداهما فقالت له ذلك، فقال: بل شربت عسلا، ولن [أعود]، فأنزل الله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ﴾ وأنزل ﴿إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ﴾ يعني عائشة وحفصة ويروى أن النبي - ﷺ - أصاب جاريته مارية في بيت عائشة وهي غائبة وفي يومها، فاطلعت على ذلك حفصة، فقال لها النبي: لا تخبري عائشة بذلك، فأخبرتها، فغضبت عائشة وقالت: في بيتي وفي يومي! فأرضاها النبي ﷺ بأن حلف لها ألا يطأها بعد ذلك وحرمها على نفسه، فأنزل الله السورة في ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ﴾ أي: قد بين الله لكم تَحِلَّةَ أَيْمَانكم وَحَدَّهَا (لكم)، ﴿وَٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ﴾ أي: يتولاكم بنصره وهدايته - أيها المؤمنون - وهو العليم بمصالحكم، الحكيم في تدبيره خلقه. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ﴾ أي: واذكروا أيها المؤمنون (إذ أ)سر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً، وهو (على) قول ابن عباس وزيد بن أسلم ما أسر لحفصة من تحريمه لمارية وقوله لها: لا تذكري ما رأيت لعائشة. وقال منصور بن مهران: أَسَرَّ إلى حفصة أن أبا بكر خليفتي بعدي. وقيل: هو قوله: بل شربت عسلاً، على ما مضى من الخبر. وقيل: هو ما كان من خلوته بمارية في بيت عائشة. * * - ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾ أي: أخبرت حفصةُ بذلك عائشة. * * - ﴿وَأَظْهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيْهِ﴾ أي: وأطلع الله نبيه على إعلام حفصةَ لعائشةَ بِسِرِّ النبي. * * - ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ﴾ (أي: عرف النبي حفصةَ بعض ما أخبرت به عائشة ووبخها عليه وأعرض عن بعض) فلم يوبخها عليه. قال المفسرون: أخبر النبي عليه السلام حفصة ببعض ما أخبره الله عنها أنها قالته لعائشة. ومن قرأ بالتخفيف في ﴿عَرَّفَ﴾، فمعناه أن النبي عَرَفَ لحفصةَ ما فعلته، [يعني] غضب على ذلك وجازاها عليه بالطلاق. وقيل: معنى التشديد أنه مأخوذ من قولك للرجل يَجْنِي عليك: لأُعَرِّفَنَّكَ فِعْلَكَ، على طريق التوعد والتهديد. * * ثم قال: ﴿فَلَمَّا [نَبَّأَهَا] بِهِ﴾ أي: أخبر حفصة بأن الله أَطْلَعَهُ على [إفشائها سِرَّهُ] إلى عائشة. * * - ﴿قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَـٰذَا﴾ أي: من أخبرك هذا؟! (قال): خَبَّرَنِي به العليم بكل شيء، الخبير بالسرائر والعلانية. ويُروى أن [السِّرَّ] الذي أَسَرَّهُ النبي عليه السلام هو أنه أسرَّ إلى حفصة (أن الخليفة) بعده أبو بكر، وبعده عمر، وأمرها أن تكتم ذلك، فأفشته إلى عائشة، فَأَعْلَمَ اللهُ نبيه ذلك. و ﴿نَبَّأَنِيَ﴾ تُعَدَّى إلى مفعول واحد، و ﴿أَنبَأَكَ هَـٰذَا﴾ تُعدى إلى مفعولين. [وقد أصل] النحويون أنه يتعدى إلى ثلاثة، لا يقتصر على اثنين دون الثالث. (وتفسير ذلك أن "نَبَّأَ" و "أَنْبَأَ" بمعنىً في التَّعدِي، وهما يجريان في الكلام على ضربين: أحدهما: أن [يدخلا] على الابتداء والخبر، فهناك لا يقتصر على (اثنين) دون الثالث)، كما لا يقتصر على الابتداء دون الخبر، لأن الثالث هو خبر الابتداء في الأصل. والموضع الثاني: [ألا] يدخلا على الابتداء والخبر نحو الآية، فهناك يكتفى باثنين وبواحد. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [أي: إن تتوبا إلى الله مما فعلتما فقد مالت قلوبكما إلى ما كرهه رسول الله ﷺ] من تحريمه جاريته على نفسه. قال ابن عباس ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾: زاغت، أي: أثمت. قال مجاهد: "كنا نرى أن قوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ شيء (هين) حتى سمعت قراءة ابن مسعود "فَقَدْ زَاغَتْ قُلُوبُكُمَا". * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ يعني حفصة وعائشة، أي: وإن تتعاونا على النبي. * * - ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ﴾ أي: وليه وناصره عليكما وعلى كل (من) بغاه بسوء، وجبريلُ أيضاً وَليُّهُ، وصالحُ المؤمنين أيضاً أولياؤه، يعني خيارهم. وقال الضحاك وغيره: "هم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما". فيجب أن يكون أصلُ ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ على هذين القولين بالواو، وحذفت من الخط على اللفظ. وقال مجاهد: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عمر، وعنه: هو علي، فيكون لا أصل للواو فيه. وقال قتادة: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾: الأنبياء. فيكون أيضاً أصله الواو. وهو قول سفيان. وقد ذهب أبو حاتم إلى [أن] الوقف (وصالحو) بالواو مثل ﴿سَنَدْعُ﴾ [العلق: ١٨] ﴿وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ﴾ [الإسراء: ١١]. وفي هذا مخالفة للسواد. والأحسن ألا يوقف عليه، فإن وقف عليه [واقف] (وقف) بغير واو، على قول مجاهد أنه عمر أو علي رضي الله عنهما فَيَتِمُّ له موافقةُ المعنى وموافقة الخط. وكان الطبري يقول إن ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ اسم "للجنس: كقوله: ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] ونظير ذلك قول الرجل: لا يقربني إلا قارىء القرآن. فهو بلفظ الواحد ومعناه الجنس، فكذلك هذا، فيكون الوقف أيضاً بغير واو اتباعاً للخط والمعنى. * * - ثم قال: ﴿وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾. أي: والملائكة مع جبريل وصالح المؤمنين عوين على نصرة محمد. "وظهير" لفظ واحد، ومعناه جمع. ولو أتى على اللفظ لقال: "ظُهَرَاً". * * - ثم قال تعالى: ﴿عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ﴾ أي: عسى رب محمد إن طلقكن يا أزواج محمد أن يبدله منكن أزواجاً خيراً منكن. وهذا تحذير من الله لنساء نبيه لما اجتمعن عليه في الغيرة. روى أنس بن مالك أن عمر - رضي الله عنه - قال: "اجْتَمَعَ عَلَى رَسولِ الله ﷺ نِسَاؤُهُ فِي الغِيرَةِ، فَقُلْتُ لَهُنَّ: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن، فنزلت كذلك". قال عمر: "فَاسْتَقْرَيْتُهُنَّ امرأةً (امرأةً) أعظها وأَنْهَاهَا عن أَذَى رَسولِ اللهِ وأقول: إِنْ أَبَيْتُنَّ أَبْدَلَهُ (اللهُ خيراً منكن، حتى أَتَيْتُ على زينبَ فقالت: يا ابن الخطاب، أما في رسول الله ما يَعِظُ نِسَاءَهُ حَتَى تَعِظَهُنَّ أَنْتَ؟! فَأَمْسَكْتُ. فأنزل الله عز وجل ﴿عَسَىٰ رَبُّهُ﴾ الآية". * * - وقوله: ﴿مُسْلِمَاتٍ﴾، أي: خاضعات لله بالطاعة ﴿مُّؤْمِنَاتٍ﴾ أي: مصدقات بالله ورسوله ﴿قَانِتَاتٍ﴾ أي: مطيعات لله. ﴿تَائِبَاتٍ﴾ [أي]: راجعات إلى ما يحبه الله ورسوله. ﴿عَابِدَاتٍ﴾ أي: [متذللات] لله بالطاعة. ﴿سَائِحَاتٍ﴾ (أي): صائمات. قاله ابن عباس وأبو هريرة وقتادة والضحاك، وقال زيد بن أسلم: ﴿سَائِحَاتٍ﴾: مهاجرات، وهو قول ابن زيد. ((وقال) ابن زيد): "ليس في (القرآن) ولا في أمه محمد سياحة إلا الهجرة". وقيل للصائم سائح لأنه لا ينال شيئاً بمنزلة السائح في [القفر] لا زاد معه. وقيل: معناه: ذاهبات في طاعة الله. من: ساح الماء، إذا ذهب. * * - وقوله: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً﴾. أي: نساءً كباراً قد تزوجن غيره، (ونساءً صغاراً) لم يتزوجن.

التحريم 66:2

قوله تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ (مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ)...﴾، إلى قوله: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً﴾. نزلت هذه الآية في سبب مارية القبطية أم ولده إبراهيم، سَرِيَّةِ النبي ﷺ، كان النبي قد أصابها في بيت حفصة في يومها، فغارت لذلك حفصة فحرمها النبي على نفسه بيمين أنه لا يقربها طلباً لرضاء حفصة، فعوتب النبي ﷺ ونُبه على أن ليمينه مخرجاً. قال زيد بن أسلم: "أَصَابَ النَّبِيُّ ﷺ أُمَّ إِبْرَاهِيمَ فِي بَيْتِ بَعْضِ نِسَائِهِ. فَقَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فِي بَيْتِي وَعَلَى فِرَاشِي! فَجَعَلَهَا عَلَيْهِ حَرَاماً. فقالت: يا رسول الله، كَيْفَ تُحَرِّمُ عليك الحلالَ؟! فَحَلَفَ لها بالله لاَ يُصِيبُهَا، فأنزلَ الله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ...﴾ الآية". قال زيد بن أسلم: "قال لها: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، وَاللهِ لاَ أَطَؤُكِ". قال الشعبي: حرمها وحلف ألا يقربها فعوتب [في] التحريم، وجاءت الكفارة في اليمين. قال الضحاك: كانت لرسول الله ﷺ فتاة فغشيها، فبصرت [به] حفصة، وكان اليوم يوم عائشة [وكانتا] مُتَعَاوِنَتَيْنِ، فقال رسول الله ﷺ لحفصة: اكْتُمِي عَلَيَّ وَلاَ تَذْكُرِي لعائشة ما رأيتِ، فَذَكَرَتْ حفصةُ لِعائشةَ الخَبَرَ، فغضبت عائشة، فلم يَزَلْ نَبِيُّ اللهِ حتى حلف لاَ يَقْرَبُها، فأنزل الله الآية، وأمره بكفارة يمينه. قال ابن عباس: "أمر الله النبي والمؤمنين إذا حرموا شيئاً على أنفسهم مما أحل الله لهم أن يكفروا بإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، ولا يدخل في ذلك طلاق"، فإنما حرم النبي ﷺ على نفسه جاريته ولم يحلف. وروى عبيد بن عمير عن عائشة أنها قالت: كان النبي ﷺ يمكث عند زينب بنت جحش [يشرب] عندها عسلا، فتواصيت أنا وحفصة أينا جاءها النبي [فلتقل] له إني أجد منك ريح مغافير، فجاء إلى إحداهما فقالت له ذلك، فقال: بل شربت عسلا، ولن [أعود]، فأنزل الله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ﴾ وأنزل ﴿إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ﴾ يعني عائشة وحفصة ويروى أن النبي - ﷺ - أصاب جاريته مارية في بيت عائشة وهي غائبة وفي يومها، فاطلعت على ذلك حفصة، فقال لها النبي: لا تخبري عائشة بذلك، فأخبرتها، فغضبت عائشة وقالت: في بيتي وفي يومي! فأرضاها النبي ﷺ بأن حلف لها ألا يطأها بعد ذلك وحرمها على نفسه، فأنزل الله السورة في ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ﴾ أي: قد بين الله لكم تَحِلَّةَ أَيْمَانكم وَحَدَّهَا (لكم)، ﴿وَٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ﴾ أي: يتولاكم بنصره وهدايته - أيها المؤمنون - وهو العليم بمصالحكم، الحكيم في تدبيره خلقه. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ﴾ أي: واذكروا أيها المؤمنون (إذ أ)سر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً، وهو (على) قول ابن عباس وزيد بن أسلم ما أسر لحفصة من تحريمه لمارية وقوله لها: لا تذكري ما رأيت لعائشة. وقال منصور بن مهران: أَسَرَّ إلى حفصة أن أبا بكر خليفتي بعدي. وقيل: هو قوله: بل شربت عسلاً، على ما مضى من الخبر. وقيل: هو ما كان من خلوته بمارية في بيت عائشة. * * - ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾ أي: أخبرت حفصةُ بذلك عائشة. * * - ﴿وَأَظْهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيْهِ﴾ أي: وأطلع الله نبيه على إعلام حفصةَ لعائشةَ بِسِرِّ النبي. * * - ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ﴾ (أي: عرف النبي حفصةَ بعض ما أخبرت به عائشة ووبخها عليه وأعرض عن بعض) فلم يوبخها عليه. قال المفسرون: أخبر النبي عليه السلام حفصة ببعض ما أخبره الله عنها أنها قالته لعائشة. ومن قرأ بالتخفيف في ﴿عَرَّفَ﴾، فمعناه أن النبي عَرَفَ لحفصةَ ما فعلته، [يعني] غضب على ذلك وجازاها عليه بالطلاق. وقيل: معنى التشديد أنه مأخوذ من قولك للرجل يَجْنِي عليك: لأُعَرِّفَنَّكَ فِعْلَكَ، على طريق التوعد والتهديد. * * ثم قال: ﴿فَلَمَّا [نَبَّأَهَا] بِهِ﴾ أي: أخبر حفصة بأن الله أَطْلَعَهُ على [إفشائها سِرَّهُ] إلى عائشة. * * - ﴿قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَـٰذَا﴾ أي: من أخبرك هذا؟! (قال): خَبَّرَنِي به العليم بكل شيء، الخبير بالسرائر والعلانية. ويُروى أن [السِّرَّ] الذي أَسَرَّهُ النبي عليه السلام هو أنه أسرَّ إلى حفصة (أن الخليفة) بعده أبو بكر، وبعده عمر، وأمرها أن تكتم ذلك، فأفشته إلى عائشة، فَأَعْلَمَ اللهُ نبيه ذلك. و ﴿نَبَّأَنِيَ﴾ تُعَدَّى إلى مفعول واحد، و ﴿أَنبَأَكَ هَـٰذَا﴾ تُعدى إلى مفعولين. [وقد أصل] النحويون أنه يتعدى إلى ثلاثة، لا يقتصر على اثنين دون الثالث. (وتفسير ذلك أن "نَبَّأَ" و "أَنْبَأَ" بمعنىً في التَّعدِي، وهما يجريان في الكلام على ضربين: أحدهما: أن [يدخلا] على الابتداء والخبر، فهناك لا يقتصر على (اثنين) دون الثالث)، كما لا يقتصر على الابتداء دون الخبر، لأن الثالث هو خبر الابتداء في الأصل. والموضع الثاني: [ألا] يدخلا على الابتداء والخبر نحو الآية، فهناك يكتفى باثنين وبواحد. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [أي: إن تتوبا إلى الله مما فعلتما فقد مالت قلوبكما إلى ما كرهه رسول الله ﷺ] من تحريمه جاريته على نفسه. قال ابن عباس ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾: زاغت، أي: أثمت. قال مجاهد: "كنا نرى أن قوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ شيء (هين) حتى سمعت قراءة ابن مسعود "فَقَدْ زَاغَتْ قُلُوبُكُمَا". * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ يعني حفصة وعائشة، أي: وإن تتعاونا على النبي. * * - ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ﴾ أي: وليه وناصره عليكما وعلى كل (من) بغاه بسوء، وجبريلُ أيضاً وَليُّهُ، وصالحُ المؤمنين أيضاً أولياؤه، يعني خيارهم. وقال الضحاك وغيره: "هم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما". فيجب أن يكون أصلُ ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ على هذين القولين بالواو، وحذفت من الخط على اللفظ. وقال مجاهد: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عمر، وعنه: هو علي، فيكون لا أصل للواو فيه. وقال قتادة: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾: الأنبياء. فيكون أيضاً أصله الواو. وهو قول سفيان. وقد ذهب أبو حاتم إلى [أن] الوقف (وصالحو) بالواو مثل ﴿سَنَدْعُ﴾ [العلق: ١٨] ﴿وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ﴾ [الإسراء: ١١]. وفي هذا مخالفة للسواد. والأحسن ألا يوقف عليه، فإن وقف عليه [واقف] (وقف) بغير واو، على قول مجاهد أنه عمر أو علي رضي الله عنهما فَيَتِمُّ له موافقةُ المعنى وموافقة الخط. وكان الطبري يقول إن ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ اسم "للجنس: كقوله: ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] ونظير ذلك قول الرجل: لا يقربني إلا قارىء القرآن. فهو بلفظ الواحد ومعناه الجنس، فكذلك هذا، فيكون الوقف أيضاً بغير واو اتباعاً للخط والمعنى. * * - ثم قال: ﴿وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾. أي: والملائكة مع جبريل وصالح المؤمنين عوين على نصرة محمد. "وظهير" لفظ واحد، ومعناه جمع. ولو أتى على اللفظ لقال: "ظُهَرَاً". * * - ثم قال تعالى: ﴿عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ﴾ أي: عسى رب محمد إن طلقكن يا أزواج محمد أن يبدله منكن أزواجاً خيراً منكن. وهذا تحذير من الله لنساء نبيه لما اجتمعن عليه في الغيرة. روى أنس بن مالك أن عمر - رضي الله عنه - قال: "اجْتَمَعَ عَلَى رَسولِ الله ﷺ نِسَاؤُهُ فِي الغِيرَةِ، فَقُلْتُ لَهُنَّ: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن، فنزلت كذلك". قال عمر: "فَاسْتَقْرَيْتُهُنَّ امرأةً (امرأةً) أعظها وأَنْهَاهَا عن أَذَى رَسولِ اللهِ وأقول: إِنْ أَبَيْتُنَّ أَبْدَلَهُ (اللهُ خيراً منكن، حتى أَتَيْتُ على زينبَ فقالت: يا ابن الخطاب، أما في رسول الله ما يَعِظُ نِسَاءَهُ حَتَى تَعِظَهُنَّ أَنْتَ؟! فَأَمْسَكْتُ. فأنزل الله عز وجل ﴿عَسَىٰ رَبُّهُ﴾ الآية". * * - وقوله: ﴿مُسْلِمَاتٍ﴾، أي: خاضعات لله بالطاعة ﴿مُّؤْمِنَاتٍ﴾ أي: مصدقات بالله ورسوله ﴿قَانِتَاتٍ﴾ أي: مطيعات لله. ﴿تَائِبَاتٍ﴾ [أي]: راجعات إلى ما يحبه الله ورسوله. ﴿عَابِدَاتٍ﴾ أي: [متذللات] لله بالطاعة. ﴿سَائِحَاتٍ﴾ (أي): صائمات. قاله ابن عباس وأبو هريرة وقتادة والضحاك، وقال زيد بن أسلم: ﴿سَائِحَاتٍ﴾: مهاجرات، وهو قول ابن زيد. ((وقال) ابن زيد): "ليس في (القرآن) ولا في أمه محمد سياحة إلا الهجرة". وقيل للصائم سائح لأنه لا ينال شيئاً بمنزلة السائح في [القفر] لا زاد معه. وقيل: معناه: ذاهبات في طاعة الله. من: ساح الماء، إذا ذهب. * * - وقوله: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً﴾. أي: نساءً كباراً قد تزوجن غيره، (ونساءً صغاراً) لم يتزوجن.

التحريم 66:3

قوله تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ (مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ)...﴾، إلى قوله: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً﴾. نزلت هذه الآية في سبب مارية القبطية أم ولده إبراهيم، سَرِيَّةِ النبي ﷺ، كان النبي قد أصابها في بيت حفصة في يومها، فغارت لذلك حفصة فحرمها النبي على نفسه بيمين أنه لا يقربها طلباً لرضاء حفصة، فعوتب النبي ﷺ ونُبه على أن ليمينه مخرجاً. قال زيد بن أسلم: "أَصَابَ النَّبِيُّ ﷺ أُمَّ إِبْرَاهِيمَ فِي بَيْتِ بَعْضِ نِسَائِهِ. فَقَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فِي بَيْتِي وَعَلَى فِرَاشِي! فَجَعَلَهَا عَلَيْهِ حَرَاماً. فقالت: يا رسول الله، كَيْفَ تُحَرِّمُ عليك الحلالَ؟! فَحَلَفَ لها بالله لاَ يُصِيبُهَا، فأنزلَ الله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ...﴾ الآية". قال زيد بن أسلم: "قال لها: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، وَاللهِ لاَ أَطَؤُكِ". قال الشعبي: حرمها وحلف ألا يقربها فعوتب [في] التحريم، وجاءت الكفارة في اليمين. قال الضحاك: كانت لرسول الله ﷺ فتاة فغشيها، فبصرت [به] حفصة، وكان اليوم يوم عائشة [وكانتا] مُتَعَاوِنَتَيْنِ، فقال رسول الله ﷺ لحفصة: اكْتُمِي عَلَيَّ وَلاَ تَذْكُرِي لعائشة ما رأيتِ، فَذَكَرَتْ حفصةُ لِعائشةَ الخَبَرَ، فغضبت عائشة، فلم يَزَلْ نَبِيُّ اللهِ حتى حلف لاَ يَقْرَبُها، فأنزل الله الآية، وأمره بكفارة يمينه. قال ابن عباس: "أمر الله النبي والمؤمنين إذا حرموا شيئاً على أنفسهم مما أحل الله لهم أن يكفروا بإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، ولا يدخل في ذلك طلاق"، فإنما حرم النبي ﷺ على نفسه جاريته ولم يحلف. وروى عبيد بن عمير عن عائشة أنها قالت: كان النبي ﷺ يمكث عند زينب بنت جحش [يشرب] عندها عسلا، فتواصيت أنا وحفصة أينا جاءها النبي [فلتقل] له إني أجد منك ريح مغافير، فجاء إلى إحداهما فقالت له ذلك، فقال: بل شربت عسلا، ولن [أعود]، فأنزل الله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ﴾ وأنزل ﴿إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ﴾ يعني عائشة وحفصة ويروى أن النبي - ﷺ - أصاب جاريته مارية في بيت عائشة وهي غائبة وفي يومها، فاطلعت على ذلك حفصة، فقال لها النبي: لا تخبري عائشة بذلك، فأخبرتها، فغضبت عائشة وقالت: في بيتي وفي يومي! فأرضاها النبي ﷺ بأن حلف لها ألا يطأها بعد ذلك وحرمها على نفسه، فأنزل الله السورة في ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ﴾ أي: قد بين الله لكم تَحِلَّةَ أَيْمَانكم وَحَدَّهَا (لكم)، ﴿وَٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ﴾ أي: يتولاكم بنصره وهدايته - أيها المؤمنون - وهو العليم بمصالحكم، الحكيم في تدبيره خلقه. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ﴾ أي: واذكروا أيها المؤمنون (إذ أ)سر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً، وهو (على) قول ابن عباس وزيد بن أسلم ما أسر لحفصة من تحريمه لمارية وقوله لها: لا تذكري ما رأيت لعائشة. وقال منصور بن مهران: أَسَرَّ إلى حفصة أن أبا بكر خليفتي بعدي. وقيل: هو قوله: بل شربت عسلاً، على ما مضى من الخبر. وقيل: هو ما كان من خلوته بمارية في بيت عائشة. * * - ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾ أي: أخبرت حفصةُ بذلك عائشة. * * - ﴿وَأَظْهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيْهِ﴾ أي: وأطلع الله نبيه على إعلام حفصةَ لعائشةَ بِسِرِّ النبي. * * - ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ﴾ (أي: عرف النبي حفصةَ بعض ما أخبرت به عائشة ووبخها عليه وأعرض عن بعض) فلم يوبخها عليه. قال المفسرون: أخبر النبي عليه السلام حفصة ببعض ما أخبره الله عنها أنها قالته لعائشة. ومن قرأ بالتخفيف في ﴿عَرَّفَ﴾، فمعناه أن النبي عَرَفَ لحفصةَ ما فعلته، [يعني] غضب على ذلك وجازاها عليه بالطلاق. وقيل: معنى التشديد أنه مأخوذ من قولك للرجل يَجْنِي عليك: لأُعَرِّفَنَّكَ فِعْلَكَ، على طريق التوعد والتهديد. * * ثم قال: ﴿فَلَمَّا [نَبَّأَهَا] بِهِ﴾ أي: أخبر حفصة بأن الله أَطْلَعَهُ على [إفشائها سِرَّهُ] إلى عائشة. * * - ﴿قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَـٰذَا﴾ أي: من أخبرك هذا؟! (قال): خَبَّرَنِي به العليم بكل شيء، الخبير بالسرائر والعلانية. ويُروى أن [السِّرَّ] الذي أَسَرَّهُ النبي عليه السلام هو أنه أسرَّ إلى حفصة (أن الخليفة) بعده أبو بكر، وبعده عمر، وأمرها أن تكتم ذلك، فأفشته إلى عائشة، فَأَعْلَمَ اللهُ نبيه ذلك. و ﴿نَبَّأَنِيَ﴾ تُعَدَّى إلى مفعول واحد، و ﴿أَنبَأَكَ هَـٰذَا﴾ تُعدى إلى مفعولين. [وقد أصل] النحويون أنه يتعدى إلى ثلاثة، لا يقتصر على اثنين دون الثالث. (وتفسير ذلك أن "نَبَّأَ" و "أَنْبَأَ" بمعنىً في التَّعدِي، وهما يجريان في الكلام على ضربين: أحدهما: أن [يدخلا] على الابتداء والخبر، فهناك لا يقتصر على (اثنين) دون الثالث)، كما لا يقتصر على الابتداء دون الخبر، لأن الثالث هو خبر الابتداء في الأصل. والموضع الثاني: [ألا] يدخلا على الابتداء والخبر نحو الآية، فهناك يكتفى باثنين وبواحد. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [أي: إن تتوبا إلى الله مما فعلتما فقد مالت قلوبكما إلى ما كرهه رسول الله ﷺ] من تحريمه جاريته على نفسه. قال ابن عباس ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾: زاغت، أي: أثمت. قال مجاهد: "كنا نرى أن قوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ شيء (هين) حتى سمعت قراءة ابن مسعود "فَقَدْ زَاغَتْ قُلُوبُكُمَا". * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ يعني حفصة وعائشة، أي: وإن تتعاونا على النبي. * * - ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ﴾ أي: وليه وناصره عليكما وعلى كل (من) بغاه بسوء، وجبريلُ أيضاً وَليُّهُ، وصالحُ المؤمنين أيضاً أولياؤه، يعني خيارهم. وقال الضحاك وغيره: "هم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما". فيجب أن يكون أصلُ ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ على هذين القولين بالواو، وحذفت من الخط على اللفظ. وقال مجاهد: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عمر، وعنه: هو علي، فيكون لا أصل للواو فيه. وقال قتادة: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾: الأنبياء. فيكون أيضاً أصله الواو. وهو قول سفيان. وقد ذهب أبو حاتم إلى [أن] الوقف (وصالحو) بالواو مثل ﴿سَنَدْعُ﴾ [العلق: ١٨] ﴿وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ﴾ [الإسراء: ١١]. وفي هذا مخالفة للسواد. والأحسن ألا يوقف عليه، فإن وقف عليه [واقف] (وقف) بغير واو، على قول مجاهد أنه عمر أو علي رضي الله عنهما فَيَتِمُّ له موافقةُ المعنى وموافقة الخط. وكان الطبري يقول إن ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ اسم "للجنس: كقوله: ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] ونظير ذلك قول الرجل: لا يقربني إلا قارىء القرآن. فهو بلفظ الواحد ومعناه الجنس، فكذلك هذا، فيكون الوقف أيضاً بغير واو اتباعاً للخط والمعنى. * * - ثم قال: ﴿وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾. أي: والملائكة مع جبريل وصالح المؤمنين عوين على نصرة محمد. "وظهير" لفظ واحد، ومعناه جمع. ولو أتى على اللفظ لقال: "ظُهَرَاً". * * - ثم قال تعالى: ﴿عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ﴾ أي: عسى رب محمد إن طلقكن يا أزواج محمد أن يبدله منكن أزواجاً خيراً منكن. وهذا تحذير من الله لنساء نبيه لما اجتمعن عليه في الغيرة. روى أنس بن مالك أن عمر - رضي الله عنه - قال: "اجْتَمَعَ عَلَى رَسولِ الله ﷺ نِسَاؤُهُ فِي الغِيرَةِ، فَقُلْتُ لَهُنَّ: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن، فنزلت كذلك". قال عمر: "فَاسْتَقْرَيْتُهُنَّ امرأةً (امرأةً) أعظها وأَنْهَاهَا عن أَذَى رَسولِ اللهِ وأقول: إِنْ أَبَيْتُنَّ أَبْدَلَهُ (اللهُ خيراً منكن، حتى أَتَيْتُ على زينبَ فقالت: يا ابن الخطاب، أما في رسول الله ما يَعِظُ نِسَاءَهُ حَتَى تَعِظَهُنَّ أَنْتَ؟! فَأَمْسَكْتُ. فأنزل الله عز وجل ﴿عَسَىٰ رَبُّهُ﴾ الآية". * * - وقوله: ﴿مُسْلِمَاتٍ﴾، أي: خاضعات لله بالطاعة ﴿مُّؤْمِنَاتٍ﴾ أي: مصدقات بالله ورسوله ﴿قَانِتَاتٍ﴾ أي: مطيعات لله. ﴿تَائِبَاتٍ﴾ [أي]: راجعات إلى ما يحبه الله ورسوله. ﴿عَابِدَاتٍ﴾ أي: [متذللات] لله بالطاعة. ﴿سَائِحَاتٍ﴾ (أي): صائمات. قاله ابن عباس وأبو هريرة وقتادة والضحاك، وقال زيد بن أسلم: ﴿سَائِحَاتٍ﴾: مهاجرات، وهو قول ابن زيد. ((وقال) ابن زيد): "ليس في (القرآن) ولا في أمه محمد سياحة إلا الهجرة". وقيل للصائم سائح لأنه لا ينال شيئاً بمنزلة السائح في [القفر] لا زاد معه. وقيل: معناه: ذاهبات في طاعة الله. من: ساح الماء، إذا ذهب. * * - وقوله: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً﴾. أي: نساءً كباراً قد تزوجن غيره، (ونساءً صغاراً) لم يتزوجن.

التحريم 66:4

قوله تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ (مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ)...﴾، إلى قوله: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً﴾. نزلت هذه الآية في سبب مارية القبطية أم ولده إبراهيم، سَرِيَّةِ النبي ﷺ، كان النبي قد أصابها في بيت حفصة في يومها، فغارت لذلك حفصة فحرمها النبي على نفسه بيمين أنه لا يقربها طلباً لرضاء حفصة، فعوتب النبي ﷺ ونُبه على أن ليمينه مخرجاً. قال زيد بن أسلم: "أَصَابَ النَّبِيُّ ﷺ أُمَّ إِبْرَاهِيمَ فِي بَيْتِ بَعْضِ نِسَائِهِ. فَقَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فِي بَيْتِي وَعَلَى فِرَاشِي! فَجَعَلَهَا عَلَيْهِ حَرَاماً. فقالت: يا رسول الله، كَيْفَ تُحَرِّمُ عليك الحلالَ؟! فَحَلَفَ لها بالله لاَ يُصِيبُهَا، فأنزلَ الله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ...﴾ الآية". قال زيد بن أسلم: "قال لها: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، وَاللهِ لاَ أَطَؤُكِ". قال الشعبي: حرمها وحلف ألا يقربها فعوتب [في] التحريم، وجاءت الكفارة في اليمين. قال الضحاك: كانت لرسول الله ﷺ فتاة فغشيها، فبصرت [به] حفصة، وكان اليوم يوم عائشة [وكانتا] مُتَعَاوِنَتَيْنِ، فقال رسول الله ﷺ لحفصة: اكْتُمِي عَلَيَّ وَلاَ تَذْكُرِي لعائشة ما رأيتِ، فَذَكَرَتْ حفصةُ لِعائشةَ الخَبَرَ، فغضبت عائشة، فلم يَزَلْ نَبِيُّ اللهِ حتى حلف لاَ يَقْرَبُها، فأنزل الله الآية، وأمره بكفارة يمينه. قال ابن عباس: "أمر الله النبي والمؤمنين إذا حرموا شيئاً على أنفسهم مما أحل الله لهم أن يكفروا بإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، ولا يدخل في ذلك طلاق"، فإنما حرم النبي ﷺ على نفسه جاريته ولم يحلف. وروى عبيد بن عمير عن عائشة أنها قالت: كان النبي ﷺ يمكث عند زينب بنت جحش [يشرب] عندها عسلا، فتواصيت أنا وحفصة أينا جاءها النبي [فلتقل] له إني أجد منك ريح مغافير، فجاء إلى إحداهما فقالت له ذلك، فقال: بل شربت عسلا، ولن [أعود]، فأنزل الله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ﴾ وأنزل ﴿إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ﴾ يعني عائشة وحفصة ويروى أن النبي - ﷺ - أصاب جاريته مارية في بيت عائشة وهي غائبة وفي يومها، فاطلعت على ذلك حفصة، فقال لها النبي: لا تخبري عائشة بذلك، فأخبرتها، فغضبت عائشة وقالت: في بيتي وفي يومي! فأرضاها النبي ﷺ بأن حلف لها ألا يطأها بعد ذلك وحرمها على نفسه، فأنزل الله السورة في ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ﴾ أي: قد بين الله لكم تَحِلَّةَ أَيْمَانكم وَحَدَّهَا (لكم)، ﴿وَٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ﴾ أي: يتولاكم بنصره وهدايته - أيها المؤمنون - وهو العليم بمصالحكم، الحكيم في تدبيره خلقه. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ﴾ أي: واذكروا أيها المؤمنون (إذ أ)سر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً، وهو (على) قول ابن عباس وزيد بن أسلم ما أسر لحفصة من تحريمه لمارية وقوله لها: لا تذكري ما رأيت لعائشة. وقال منصور بن مهران: أَسَرَّ إلى حفصة أن أبا بكر خليفتي بعدي. وقيل: هو قوله: بل شربت عسلاً، على ما مضى من الخبر. وقيل: هو ما كان من خلوته بمارية في بيت عائشة. * * - ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾ أي: أخبرت حفصةُ بذلك عائشة. * * - ﴿وَأَظْهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيْهِ﴾ أي: وأطلع الله نبيه على إعلام حفصةَ لعائشةَ بِسِرِّ النبي. * * - ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ﴾ (أي: عرف النبي حفصةَ بعض ما أخبرت به عائشة ووبخها عليه وأعرض عن بعض) فلم يوبخها عليه. قال المفسرون: أخبر النبي عليه السلام حفصة ببعض ما أخبره الله عنها أنها قالته لعائشة. ومن قرأ بالتخفيف في ﴿عَرَّفَ﴾، فمعناه أن النبي عَرَفَ لحفصةَ ما فعلته، [يعني] غضب على ذلك وجازاها عليه بالطلاق. وقيل: معنى التشديد أنه مأخوذ من قولك للرجل يَجْنِي عليك: لأُعَرِّفَنَّكَ فِعْلَكَ، على طريق التوعد والتهديد. * * ثم قال: ﴿فَلَمَّا [نَبَّأَهَا] بِهِ﴾ أي: أخبر حفصة بأن الله أَطْلَعَهُ على [إفشائها سِرَّهُ] إلى عائشة. * * - ﴿قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَـٰذَا﴾ أي: من أخبرك هذا؟! (قال): خَبَّرَنِي به العليم بكل شيء، الخبير بالسرائر والعلانية. ويُروى أن [السِّرَّ] الذي أَسَرَّهُ النبي عليه السلام هو أنه أسرَّ إلى حفصة (أن الخليفة) بعده أبو بكر، وبعده عمر، وأمرها أن تكتم ذلك، فأفشته إلى عائشة، فَأَعْلَمَ اللهُ نبيه ذلك. و ﴿نَبَّأَنِيَ﴾ تُعَدَّى إلى مفعول واحد، و ﴿أَنبَأَكَ هَـٰذَا﴾ تُعدى إلى مفعولين. [وقد أصل] النحويون أنه يتعدى إلى ثلاثة، لا يقتصر على اثنين دون الثالث. (وتفسير ذلك أن "نَبَّأَ" و "أَنْبَأَ" بمعنىً في التَّعدِي، وهما يجريان في الكلام على ضربين: أحدهما: أن [يدخلا] على الابتداء والخبر، فهناك لا يقتصر على (اثنين) دون الثالث)، كما لا يقتصر على الابتداء دون الخبر، لأن الثالث هو خبر الابتداء في الأصل. والموضع الثاني: [ألا] يدخلا على الابتداء والخبر نحو الآية، فهناك يكتفى باثنين وبواحد. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [أي: إن تتوبا إلى الله مما فعلتما فقد مالت قلوبكما إلى ما كرهه رسول الله ﷺ] من تحريمه جاريته على نفسه. قال ابن عباس ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾: زاغت، أي: أثمت. قال مجاهد: "كنا نرى أن قوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ شيء (هين) حتى سمعت قراءة ابن مسعود "فَقَدْ زَاغَتْ قُلُوبُكُمَا". * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ يعني حفصة وعائشة، أي: وإن تتعاونا على النبي. * * - ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ﴾ أي: وليه وناصره عليكما وعلى كل (من) بغاه بسوء، وجبريلُ أيضاً وَليُّهُ، وصالحُ المؤمنين أيضاً أولياؤه، يعني خيارهم. وقال الضحاك وغيره: "هم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما". فيجب أن يكون أصلُ ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ على هذين القولين بالواو، وحذفت من الخط على اللفظ. وقال مجاهد: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عمر، وعنه: هو علي، فيكون لا أصل للواو فيه. وقال قتادة: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾: الأنبياء. فيكون أيضاً أصله الواو. وهو قول سفيان. وقد ذهب أبو حاتم إلى [أن] الوقف (وصالحو) بالواو مثل ﴿سَنَدْعُ﴾ [العلق: ١٨] ﴿وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ﴾ [الإسراء: ١١]. وفي هذا مخالفة للسواد. والأحسن ألا يوقف عليه، فإن وقف عليه [واقف] (وقف) بغير واو، على قول مجاهد أنه عمر أو علي رضي الله عنهما فَيَتِمُّ له موافقةُ المعنى وموافقة الخط. وكان الطبري يقول إن ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ اسم "للجنس: كقوله: ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] ونظير ذلك قول الرجل: لا يقربني إلا قارىء القرآن. فهو بلفظ الواحد ومعناه الجنس، فكذلك هذا، فيكون الوقف أيضاً بغير واو اتباعاً للخط والمعنى. * * - ثم قال: ﴿وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾. أي: والملائكة مع جبريل وصالح المؤمنين عوين على نصرة محمد. "وظهير" لفظ واحد، ومعناه جمع. ولو أتى على اللفظ لقال: "ظُهَرَاً". * * - ثم قال تعالى: ﴿عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ﴾ أي: عسى رب محمد إن طلقكن يا أزواج محمد أن يبدله منكن أزواجاً خيراً منكن. وهذا تحذير من الله لنساء نبيه لما اجتمعن عليه في الغيرة. روى أنس بن مالك أن عمر - رضي الله عنه - قال: "اجْتَمَعَ عَلَى رَسولِ الله ﷺ نِسَاؤُهُ فِي الغِيرَةِ، فَقُلْتُ لَهُنَّ: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن، فنزلت كذلك". قال عمر: "فَاسْتَقْرَيْتُهُنَّ امرأةً (امرأةً) أعظها وأَنْهَاهَا عن أَذَى رَسولِ اللهِ وأقول: إِنْ أَبَيْتُنَّ أَبْدَلَهُ (اللهُ خيراً منكن، حتى أَتَيْتُ على زينبَ فقالت: يا ابن الخطاب، أما في رسول الله ما يَعِظُ نِسَاءَهُ حَتَى تَعِظَهُنَّ أَنْتَ؟! فَأَمْسَكْتُ. فأنزل الله عز وجل ﴿عَسَىٰ رَبُّهُ﴾ الآية". * * - وقوله: ﴿مُسْلِمَاتٍ﴾، أي: خاضعات لله بالطاعة ﴿مُّؤْمِنَاتٍ﴾ أي: مصدقات بالله ورسوله ﴿قَانِتَاتٍ﴾ أي: مطيعات لله. ﴿تَائِبَاتٍ﴾ [أي]: راجعات إلى ما يحبه الله ورسوله. ﴿عَابِدَاتٍ﴾ أي: [متذللات] لله بالطاعة. ﴿سَائِحَاتٍ﴾ (أي): صائمات. قاله ابن عباس وأبو هريرة وقتادة والضحاك، وقال زيد بن أسلم: ﴿سَائِحَاتٍ﴾: مهاجرات، وهو قول ابن زيد. ((وقال) ابن زيد): "ليس في (القرآن) ولا في أمه محمد سياحة إلا الهجرة". وقيل للصائم سائح لأنه لا ينال شيئاً بمنزلة السائح في [القفر] لا زاد معه. وقيل: معناه: ذاهبات في طاعة الله. من: ساح الماء، إذا ذهب. * * - وقوله: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً﴾. أي: نساءً كباراً قد تزوجن غيره، (ونساءً صغاراً) لم يتزوجن.

التحريم 66:5

قوله تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ (مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ)...﴾، إلى قوله: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً﴾. نزلت هذه الآية في سبب مارية القبطية أم ولده إبراهيم، سَرِيَّةِ النبي ﷺ، كان النبي قد أصابها في بيت حفصة في يومها، فغارت لذلك حفصة فحرمها النبي على نفسه بيمين أنه لا يقربها طلباً لرضاء حفصة، فعوتب النبي ﷺ ونُبه على أن ليمينه مخرجاً. قال زيد بن أسلم: "أَصَابَ النَّبِيُّ ﷺ أُمَّ إِبْرَاهِيمَ فِي بَيْتِ بَعْضِ نِسَائِهِ. فَقَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فِي بَيْتِي وَعَلَى فِرَاشِي! فَجَعَلَهَا عَلَيْهِ حَرَاماً. فقالت: يا رسول الله، كَيْفَ تُحَرِّمُ عليك الحلالَ؟! فَحَلَفَ لها بالله لاَ يُصِيبُهَا، فأنزلَ الله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ...﴾ الآية". قال زيد بن أسلم: "قال لها: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، وَاللهِ لاَ أَطَؤُكِ". قال الشعبي: حرمها وحلف ألا يقربها فعوتب [في] التحريم، وجاءت الكفارة في اليمين. قال الضحاك: كانت لرسول الله ﷺ فتاة فغشيها، فبصرت [به] حفصة، وكان اليوم يوم عائشة [وكانتا] مُتَعَاوِنَتَيْنِ، فقال رسول الله ﷺ لحفصة: اكْتُمِي عَلَيَّ وَلاَ تَذْكُرِي لعائشة ما رأيتِ، فَذَكَرَتْ حفصةُ لِعائشةَ الخَبَرَ، فغضبت عائشة، فلم يَزَلْ نَبِيُّ اللهِ حتى حلف لاَ يَقْرَبُها، فأنزل الله الآية، وأمره بكفارة يمينه. قال ابن عباس: "أمر الله النبي والمؤمنين إذا حرموا شيئاً على أنفسهم مما أحل الله لهم أن يكفروا بإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، ولا يدخل في ذلك طلاق"، فإنما حرم النبي ﷺ على نفسه جاريته ولم يحلف. وروى عبيد بن عمير عن عائشة أنها قالت: كان النبي ﷺ يمكث عند زينب بنت جحش [يشرب] عندها عسلا، فتواصيت أنا وحفصة أينا جاءها النبي [فلتقل] له إني أجد منك ريح مغافير، فجاء إلى إحداهما فقالت له ذلك، فقال: بل شربت عسلا، ولن [أعود]، فأنزل الله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ﴾ وأنزل ﴿إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ﴾ يعني عائشة وحفصة ويروى أن النبي - ﷺ - أصاب جاريته مارية في بيت عائشة وهي غائبة وفي يومها، فاطلعت على ذلك حفصة، فقال لها النبي: لا تخبري عائشة بذلك، فأخبرتها، فغضبت عائشة وقالت: في بيتي وفي يومي! فأرضاها النبي ﷺ بأن حلف لها ألا يطأها بعد ذلك وحرمها على نفسه، فأنزل الله السورة في ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ﴾ أي: قد بين الله لكم تَحِلَّةَ أَيْمَانكم وَحَدَّهَا (لكم)، ﴿وَٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ﴾ أي: يتولاكم بنصره وهدايته - أيها المؤمنون - وهو العليم بمصالحكم، الحكيم في تدبيره خلقه. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ﴾ أي: واذكروا أيها المؤمنون (إذ أ)سر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً، وهو (على) قول ابن عباس وزيد بن أسلم ما أسر لحفصة من تحريمه لمارية وقوله لها: لا تذكري ما رأيت لعائشة. وقال منصور بن مهران: أَسَرَّ إلى حفصة أن أبا بكر خليفتي بعدي. وقيل: هو قوله: بل شربت عسلاً، على ما مضى من الخبر. وقيل: هو ما كان من خلوته بمارية في بيت عائشة. * * - ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾ أي: أخبرت حفصةُ بذلك عائشة. * * - ﴿وَأَظْهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيْهِ﴾ أي: وأطلع الله نبيه على إعلام حفصةَ لعائشةَ بِسِرِّ النبي. * * - ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ﴾ (أي: عرف النبي حفصةَ بعض ما أخبرت به عائشة ووبخها عليه وأعرض عن بعض) فلم يوبخها عليه. قال المفسرون: أخبر النبي عليه السلام حفصة ببعض ما أخبره الله عنها أنها قالته لعائشة. ومن قرأ بالتخفيف في ﴿عَرَّفَ﴾، فمعناه أن النبي عَرَفَ لحفصةَ ما فعلته، [يعني] غضب على ذلك وجازاها عليه بالطلاق. وقيل: معنى التشديد أنه مأخوذ من قولك للرجل يَجْنِي عليك: لأُعَرِّفَنَّكَ فِعْلَكَ، على طريق التوعد والتهديد. * * ثم قال: ﴿فَلَمَّا [نَبَّأَهَا] بِهِ﴾ أي: أخبر حفصة بأن الله أَطْلَعَهُ على [إفشائها سِرَّهُ] إلى عائشة. * * - ﴿قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَـٰذَا﴾ أي: من أخبرك هذا؟! (قال): خَبَّرَنِي به العليم بكل شيء، الخبير بالسرائر والعلانية. ويُروى أن [السِّرَّ] الذي أَسَرَّهُ النبي عليه السلام هو أنه أسرَّ إلى حفصة (أن الخليفة) بعده أبو بكر، وبعده عمر، وأمرها أن تكتم ذلك، فأفشته إلى عائشة، فَأَعْلَمَ اللهُ نبيه ذلك. و ﴿نَبَّأَنِيَ﴾ تُعَدَّى إلى مفعول واحد، و ﴿أَنبَأَكَ هَـٰذَا﴾ تُعدى إلى مفعولين. [وقد أصل] النحويون أنه يتعدى إلى ثلاثة، لا يقتصر على اثنين دون الثالث. (وتفسير ذلك أن "نَبَّأَ" و "أَنْبَأَ" بمعنىً في التَّعدِي، وهما يجريان في الكلام على ضربين: أحدهما: أن [يدخلا] على الابتداء والخبر، فهناك لا يقتصر على (اثنين) دون الثالث)، كما لا يقتصر على الابتداء دون الخبر، لأن الثالث هو خبر الابتداء في الأصل. والموضع الثاني: [ألا] يدخلا على الابتداء والخبر نحو الآية، فهناك يكتفى باثنين وبواحد. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [أي: إن تتوبا إلى الله مما فعلتما فقد مالت قلوبكما إلى ما كرهه رسول الله ﷺ] من تحريمه جاريته على نفسه. قال ابن عباس ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾: زاغت، أي: أثمت. قال مجاهد: "كنا نرى أن قوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ شيء (هين) حتى سمعت قراءة ابن مسعود "فَقَدْ زَاغَتْ قُلُوبُكُمَا". * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ يعني حفصة وعائشة، أي: وإن تتعاونا على النبي. * * - ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ﴾ أي: وليه وناصره عليكما وعلى كل (من) بغاه بسوء، وجبريلُ أيضاً وَليُّهُ، وصالحُ المؤمنين أيضاً أولياؤه، يعني خيارهم. وقال الضحاك وغيره: "هم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما". فيجب أن يكون أصلُ ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ على هذين القولين بالواو، وحذفت من الخط على اللفظ. وقال مجاهد: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عمر، وعنه: هو علي، فيكون لا أصل للواو فيه. وقال قتادة: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾: الأنبياء. فيكون أيضاً أصله الواو. وهو قول سفيان. وقد ذهب أبو حاتم إلى [أن] الوقف (وصالحو) بالواو مثل ﴿سَنَدْعُ﴾ [العلق: ١٨] ﴿وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ﴾ [الإسراء: ١١]. وفي هذا مخالفة للسواد. والأحسن ألا يوقف عليه، فإن وقف عليه [واقف] (وقف) بغير واو، على قول مجاهد أنه عمر أو علي رضي الله عنهما فَيَتِمُّ له موافقةُ المعنى وموافقة الخط. وكان الطبري يقول إن ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ اسم "للجنس: كقوله: ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] ونظير ذلك قول الرجل: لا يقربني إلا قارىء القرآن. فهو بلفظ الواحد ومعناه الجنس، فكذلك هذا، فيكون الوقف أيضاً بغير واو اتباعاً للخط والمعنى. * * - ثم قال: ﴿وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾. أي: والملائكة مع جبريل وصالح المؤمنين عوين على نصرة محمد. "وظهير" لفظ واحد، ومعناه جمع. ولو أتى على اللفظ لقال: "ظُهَرَاً". * * - ثم قال تعالى: ﴿عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ﴾ أي: عسى رب محمد إن طلقكن يا أزواج محمد أن يبدله منكن أزواجاً خيراً منكن. وهذا تحذير من الله لنساء نبيه لما اجتمعن عليه في الغيرة. روى أنس بن مالك أن عمر - رضي الله عنه - قال: "اجْتَمَعَ عَلَى رَسولِ الله ﷺ نِسَاؤُهُ فِي الغِيرَةِ، فَقُلْتُ لَهُنَّ: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن، فنزلت كذلك". قال عمر: "فَاسْتَقْرَيْتُهُنَّ امرأةً (امرأةً) أعظها وأَنْهَاهَا عن أَذَى رَسولِ اللهِ وأقول: إِنْ أَبَيْتُنَّ أَبْدَلَهُ (اللهُ خيراً منكن، حتى أَتَيْتُ على زينبَ فقالت: يا ابن الخطاب، أما في رسول الله ما يَعِظُ نِسَاءَهُ حَتَى تَعِظَهُنَّ أَنْتَ؟! فَأَمْسَكْتُ. فأنزل الله عز وجل ﴿عَسَىٰ رَبُّهُ﴾ الآية". * * - وقوله: ﴿مُسْلِمَاتٍ﴾، أي: خاضعات لله بالطاعة ﴿مُّؤْمِنَاتٍ﴾ أي: مصدقات بالله ورسوله ﴿قَانِتَاتٍ﴾ أي: مطيعات لله. ﴿تَائِبَاتٍ﴾ [أي]: راجعات إلى ما يحبه الله ورسوله. ﴿عَابِدَاتٍ﴾ أي: [متذللات] لله بالطاعة. ﴿سَائِحَاتٍ﴾ (أي): صائمات. قاله ابن عباس وأبو هريرة وقتادة والضحاك، وقال زيد بن أسلم: ﴿سَائِحَاتٍ﴾: مهاجرات، وهو قول ابن زيد. ((وقال) ابن زيد): "ليس في (القرآن) ولا في أمه محمد سياحة إلا الهجرة". وقيل للصائم سائح لأنه لا ينال شيئاً بمنزلة السائح في [القفر] لا زاد معه. وقيل: معناه: ذاهبات في طاعة الله. من: ساح الماء، إذا ذهب. * * - وقوله: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً﴾. أي: نساءً كباراً قد تزوجن غيره، (ونساءً صغاراً) لم يتزوجن.

التحريم 66:6

قوله تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ (وَأَهْلِيكُمْ)...﴾. إلى آخر الآية. (أي): يا أيها الذين آمنوا اعملوا عملاً [صالحاً] تقون به أنفسكم من النار، ولْيُعَلِّمَ [بَعْضُكُمْ] بَعْضَاً ما تقون به من تُعَلِّمُونَهُ من النار، وعَلِّمُوا أهليكم من العمل ما يقون به أنفسهم من النار. قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في [قوله]: ﴿قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ أي: علموهم وأدبوهم. قال ابن عباس: معناه: "اعملوا بطاعة الله، واتقوا معاصيه، ومُرُوا أهليكم بالذكر ينجيكم الله من النار". وقال مجاهد: "واتقوا الله، وأوصوا أهليكم بتقوى الله". وقال قتادة: مروهم بطاعة الله، وانهوهم عن [معصيته]. وقيل: المعنى: لا تعصوا فيعصي أهلوكم. وفي الحديث: "لا تزن [فيزني] أهلك". * * وقوله: ﴿وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ﴾ أي: حطبها بنو آدم وحجارة الكبريت. * * ﴿عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ﴾ (أي): على هذه النار ملائكة غلاظ على أهل النار، شِدَادٌ عليهم. وقيل: ﴿شِدَادٌ﴾ بمعنى: أقوياء. * * ﴿لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ﴾ أي: لا يخالفون الله فيما أمرهم به من عذاب الكفار وغيره. * * ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. أي: ينتهون إلى ما أمرهم الله به. * * - ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَعْتَذِرُواْ ٱلْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. (أي): يا أيها الذين جحدوا وحدانية الله، لا تعتذروا عن كفركم يوم القيامة بما لا ينفعكم، إنما تثابون جزاءً على أعمالكم. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ تُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً﴾ أي: يا أيها الذين صدقوا الله، ارجعوا من ذنوبكم إلى طاعة الله وإلى ما يرضيه عنكم رِجْعَةً نَصُوحاً، أي: لا تعودون معها أبداً. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: التوبة النصوح أن يتوب الرجل من العمل السيء ثم لا يعود فيه أبداً ولا يريد أن يعود فيه. وهو قول الضحاك. وقاله ابن مسعود. وقال قتادة: التوبة النصوح "هي الصادقة الناصحة". ومن ضم النون، فيجوز أن يكون جمع نُصْحٍ. ويجوز أن يكون مصدراً، كرجل عدل، (أي): صاحب عدالة. وقال ابن زيد: النصوح: الصادقة، ويعلم أنها صدق بندامته على خطيئته وحب الرجوع إلى طاعة الله. - (ثم قال تعالى: ﴿عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أي: يمحوها عنكم. و "عسى" من الله) واجبة. * * ﴿وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ يَوْمَ لاَ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ (مَعَهُ)﴾ أي: ويدخلكم بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار في يوم [لا يخزي] الله فيه النبي، أي: لا يبعده من إِفْضَالِهِ وإِنْعَامِهِ، ولا يُبْعِدُ الذين آمنوا معه من ذلك. * * - ثم قال: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ قال ابن عباس: يأخذون كتابهم فيه البشرى. * * ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ أي: يسألون ربهم أن يُبْقِيَ لهم نُورَهُمْ حتى يَجُوزُوا الصراط، وذلك حين يطفئُ نور المنافقين وقت يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا: انظرونا نقتبس من نوركم. قاله مجاهد وغيره. وقال الحسن: "ليس أحد إلا يعطى نورا يوم القيامة فيُطفئُ نور المنافقين، فيخشى المؤمن أن يُطْفِئَ نوره. فذلك قوله ﴿رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾". * * ﴿وَٱغْفِرْ لَنَآ﴾ أي: واستر علينا ذنوبنا. * * ﴿إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: إنك على إتمام نورنا وغفران ذنوبنا وغير ذلك من الأشياء قدير. * * - ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: جاهد الكفار بالسيف، والمنافقين بالوعيد والتهدد. قال قتادة: "أمر الله نبيه أن يجاهد الكفار بالسيف [ويغلظ على المنافقين بالحدود]". * * ومعنى ﴿وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: اشدد عليهم في ذات الله ولا تلن. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: ومسكنهم في الآخرة جهنم، وبئس الموضع الذي يصيرون إليه. * * ثم قال تعالى: ﴿ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمْرَأَتَ نُوحٍ وَٱمْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ (فَخَانَتَاهُمَا)﴾ أي مثل الله للذين كفروا هاتين المرأتين، كانتا تحت ﴿عَبْدَيْنِ (مِنْ عِبَادِنَا) صَالِحَيْنِ﴾، وهما لوط ونوح [﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾]. قيل: إن خيانة امرأة نوح لنوح أنها كانت كافرة، وكانت تقول للناس إنه مجنون، وخيانة امرأة لوط (له) أنها كانت [تدل قومها] على أضيافه. وكان هو يسترهم. وقيل: كانت توقد ناراً إذا نزل بلوط ضيف فيعرف قومه أن عنده ضيفاً، فيأتون لأذاه. قال ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط، وإنما كانت إحداهما تقول إنه مجنون، والأخرى تدل على أضيافه. قال عكرمة: "كانت خيانتهما أنهما كانتا مشركتين"، وقاله الضحاك. فلم يغن صلاح زوجيهما عنهما شيئاً، بل قيل لهما: أدخلا النار مع من دخلها بِخِيَانَتِكُما. كذلك من كان كافرا وابنُه أَوْ زوجُه أو قريبُه مؤمنٌ، لا يغني عنه إيمان قريبه شيئاً من عذاب الله. فالفائدة في هذا أن أحداً لا ينفعه إيمان غيره. وقيل: ﴿مَعَ ٱلدَّاخِلِينَ﴾ يريد: مع القوم الداخلين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾. وهي آسية، آمنت وهي تحت عدو الله فلم يضرها كفره، إذ لا تزر وازرة وزر أخرى. فدعت الله أن [يبني] لها بيتاً في الجنة ففعل، [وسألته] أن ينجيها من فرعون وعمله وعمل قومه ففعل، فماتت مسلمة. قال القاسم بن أبي بزة: "كانت امراة فرعون تقول، تسأل من غلب، فيقال: غلب موسى وهارون، فتقول: آمنت برب موسى وهارون، فأرسَل إليها فرعون، فقال: أنظروا أعظم صخرة تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها، وإن رجعت عن قولها فهي [امرأتي]. فلما أتوها رفعت بصرها الى السماء فأبصَرَت بيتها في الجنة فمضت على قولها، فانتزع الله روحها وألقيت الصخرة على جسدها ليس فيه روح". قال قتادة: "كان أعتى أهل الأرض (على الله) وأبعده من الله، فوالله ما ضرَّ امرأتَه كُفرُ زوجها حين أطاعت ربها لتعلموا أن الله حَكَمٌ عَدلٌ لا يؤاخذ أحداً إلا بذنبه". * * - ثم قال: ﴿وَمَرْيَمَ ٱبْنَتَ عِمْرَانَ ٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ أي: وضرب الله مثلاً للذين آمنوا مريم التي منعت جَيْبَ درعها جِبرِيل، وَكُلَّ ما كان في الدرع من فَتق أو خَرْقٍ فإنه يسمى فرجاً (وكذلك كل) [صَدع] أو شق في حائط أو سقف فهو فرج. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا﴾ (أي): فنفخنا في جيب درعها من جبريل عليه السلام. وقيل: معناه: فجعلنا في الجيب من الروح الذي لنا أي: الذي نملكه. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا﴾ [أي: وآمنت] بعيسى وهو كلمة الله، وبالكتاب الذي أنزل عليه وقبله، وهي كلمة الله، وهي التوراة والإنجيل. * * ثم قال: ﴿وَكَانَتْ مِنَ ٱلْقَانِتِينَ﴾. أي: من المطيعين، أي: من القوم المطيعين. (داود بن إسحاق).

التحريم 66:7

قوله تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ (وَأَهْلِيكُمْ)...﴾. إلى آخر الآية. (أي): يا أيها الذين آمنوا اعملوا عملاً [صالحاً] تقون به أنفسكم من النار، ولْيُعَلِّمَ [بَعْضُكُمْ] بَعْضَاً ما تقون به من تُعَلِّمُونَهُ من النار، وعَلِّمُوا أهليكم من العمل ما يقون به أنفسهم من النار. قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في [قوله]: ﴿قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ أي: علموهم وأدبوهم. قال ابن عباس: معناه: "اعملوا بطاعة الله، واتقوا معاصيه، ومُرُوا أهليكم بالذكر ينجيكم الله من النار". وقال مجاهد: "واتقوا الله، وأوصوا أهليكم بتقوى الله". وقال قتادة: مروهم بطاعة الله، وانهوهم عن [معصيته]. وقيل: المعنى: لا تعصوا فيعصي أهلوكم. وفي الحديث: "لا تزن [فيزني] أهلك". * * وقوله: ﴿وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ﴾ أي: حطبها بنو آدم وحجارة الكبريت. * * ﴿عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ﴾ (أي): على هذه النار ملائكة غلاظ على أهل النار، شِدَادٌ عليهم. وقيل: ﴿شِدَادٌ﴾ بمعنى: أقوياء. * * ﴿لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ﴾ أي: لا يخالفون الله فيما أمرهم به من عذاب الكفار وغيره. * * ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. أي: ينتهون إلى ما أمرهم الله به. * * - ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَعْتَذِرُواْ ٱلْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. (أي): يا أيها الذين جحدوا وحدانية الله، لا تعتذروا عن كفركم يوم القيامة بما لا ينفعكم، إنما تثابون جزاءً على أعمالكم. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ تُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً﴾ أي: يا أيها الذين صدقوا الله، ارجعوا من ذنوبكم إلى طاعة الله وإلى ما يرضيه عنكم رِجْعَةً نَصُوحاً، أي: لا تعودون معها أبداً. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: التوبة النصوح أن يتوب الرجل من العمل السيء ثم لا يعود فيه أبداً ولا يريد أن يعود فيه. وهو قول الضحاك. وقاله ابن مسعود. وقال قتادة: التوبة النصوح "هي الصادقة الناصحة". ومن ضم النون، فيجوز أن يكون جمع نُصْحٍ. ويجوز أن يكون مصدراً، كرجل عدل، (أي): صاحب عدالة. وقال ابن زيد: النصوح: الصادقة، ويعلم أنها صدق بندامته على خطيئته وحب الرجوع إلى طاعة الله. - (ثم قال تعالى: ﴿عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أي: يمحوها عنكم. و "عسى" من الله) واجبة. * * ﴿وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ يَوْمَ لاَ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ (مَعَهُ)﴾ أي: ويدخلكم بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار في يوم [لا يخزي] الله فيه النبي، أي: لا يبعده من إِفْضَالِهِ وإِنْعَامِهِ، ولا يُبْعِدُ الذين آمنوا معه من ذلك. * * - ثم قال: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ قال ابن عباس: يأخذون كتابهم فيه البشرى. * * ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ أي: يسألون ربهم أن يُبْقِيَ لهم نُورَهُمْ حتى يَجُوزُوا الصراط، وذلك حين يطفئُ نور المنافقين وقت يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا: انظرونا نقتبس من نوركم. قاله مجاهد وغيره. وقال الحسن: "ليس أحد إلا يعطى نورا يوم القيامة فيُطفئُ نور المنافقين، فيخشى المؤمن أن يُطْفِئَ نوره. فذلك قوله ﴿رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾". * * ﴿وَٱغْفِرْ لَنَآ﴾ أي: واستر علينا ذنوبنا. * * ﴿إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: إنك على إتمام نورنا وغفران ذنوبنا وغير ذلك من الأشياء قدير. * * - ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: جاهد الكفار بالسيف، والمنافقين بالوعيد والتهدد. قال قتادة: "أمر الله نبيه أن يجاهد الكفار بالسيف [ويغلظ على المنافقين بالحدود]". * * ومعنى ﴿وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: اشدد عليهم في ذات الله ولا تلن. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: ومسكنهم في الآخرة جهنم، وبئس الموضع الذي يصيرون إليه. * * ثم قال تعالى: ﴿ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمْرَأَتَ نُوحٍ وَٱمْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ (فَخَانَتَاهُمَا)﴾ أي مثل الله للذين كفروا هاتين المرأتين، كانتا تحت ﴿عَبْدَيْنِ (مِنْ عِبَادِنَا) صَالِحَيْنِ﴾، وهما لوط ونوح [﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾]. قيل: إن خيانة امرأة نوح لنوح أنها كانت كافرة، وكانت تقول للناس إنه مجنون، وخيانة امرأة لوط (له) أنها كانت [تدل قومها] على أضيافه. وكان هو يسترهم. وقيل: كانت توقد ناراً إذا نزل بلوط ضيف فيعرف قومه أن عنده ضيفاً، فيأتون لأذاه. قال ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط، وإنما كانت إحداهما تقول إنه مجنون، والأخرى تدل على أضيافه. قال عكرمة: "كانت خيانتهما أنهما كانتا مشركتين"، وقاله الضحاك. فلم يغن صلاح زوجيهما عنهما شيئاً، بل قيل لهما: أدخلا النار مع من دخلها بِخِيَانَتِكُما. كذلك من كان كافرا وابنُه أَوْ زوجُه أو قريبُه مؤمنٌ، لا يغني عنه إيمان قريبه شيئاً من عذاب الله. فالفائدة في هذا أن أحداً لا ينفعه إيمان غيره. وقيل: ﴿مَعَ ٱلدَّاخِلِينَ﴾ يريد: مع القوم الداخلين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾. وهي آسية، آمنت وهي تحت عدو الله فلم يضرها كفره، إذ لا تزر وازرة وزر أخرى. فدعت الله أن [يبني] لها بيتاً في الجنة ففعل، [وسألته] أن ينجيها من فرعون وعمله وعمل قومه ففعل، فماتت مسلمة. قال القاسم بن أبي بزة: "كانت امراة فرعون تقول، تسأل من غلب، فيقال: غلب موسى وهارون، فتقول: آمنت برب موسى وهارون، فأرسَل إليها فرعون، فقال: أنظروا أعظم صخرة تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها، وإن رجعت عن قولها فهي [امرأتي]. فلما أتوها رفعت بصرها الى السماء فأبصَرَت بيتها في الجنة فمضت على قولها، فانتزع الله روحها وألقيت الصخرة على جسدها ليس فيه روح". قال قتادة: "كان أعتى أهل الأرض (على الله) وأبعده من الله، فوالله ما ضرَّ امرأتَه كُفرُ زوجها حين أطاعت ربها لتعلموا أن الله حَكَمٌ عَدلٌ لا يؤاخذ أحداً إلا بذنبه". * * - ثم قال: ﴿وَمَرْيَمَ ٱبْنَتَ عِمْرَانَ ٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ أي: وضرب الله مثلاً للذين آمنوا مريم التي منعت جَيْبَ درعها جِبرِيل، وَكُلَّ ما كان في الدرع من فَتق أو خَرْقٍ فإنه يسمى فرجاً (وكذلك كل) [صَدع] أو شق في حائط أو سقف فهو فرج. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا﴾ (أي): فنفخنا في جيب درعها من جبريل عليه السلام. وقيل: معناه: فجعلنا في الجيب من الروح الذي لنا أي: الذي نملكه. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا﴾ [أي: وآمنت] بعيسى وهو كلمة الله، وبالكتاب الذي أنزل عليه وقبله، وهي كلمة الله، وهي التوراة والإنجيل. * * ثم قال: ﴿وَكَانَتْ مِنَ ٱلْقَانِتِينَ﴾. أي: من المطيعين، أي: من القوم المطيعين. (داود بن إسحاق).

التحريم 66:8

قوله تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ (وَأَهْلِيكُمْ)...﴾. إلى آخر الآية. (أي): يا أيها الذين آمنوا اعملوا عملاً [صالحاً] تقون به أنفسكم من النار، ولْيُعَلِّمَ [بَعْضُكُمْ] بَعْضَاً ما تقون به من تُعَلِّمُونَهُ من النار، وعَلِّمُوا أهليكم من العمل ما يقون به أنفسهم من النار. قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في [قوله]: ﴿قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ أي: علموهم وأدبوهم. قال ابن عباس: معناه: "اعملوا بطاعة الله، واتقوا معاصيه، ومُرُوا أهليكم بالذكر ينجيكم الله من النار". وقال مجاهد: "واتقوا الله، وأوصوا أهليكم بتقوى الله". وقال قتادة: مروهم بطاعة الله، وانهوهم عن [معصيته]. وقيل: المعنى: لا تعصوا فيعصي أهلوكم. وفي الحديث: "لا تزن [فيزني] أهلك". * * وقوله: ﴿وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ﴾ أي: حطبها بنو آدم وحجارة الكبريت. * * ﴿عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ﴾ (أي): على هذه النار ملائكة غلاظ على أهل النار، شِدَادٌ عليهم. وقيل: ﴿شِدَادٌ﴾ بمعنى: أقوياء. * * ﴿لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ﴾ أي: لا يخالفون الله فيما أمرهم به من عذاب الكفار وغيره. * * ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. أي: ينتهون إلى ما أمرهم الله به. * * - ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَعْتَذِرُواْ ٱلْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. (أي): يا أيها الذين جحدوا وحدانية الله، لا تعتذروا عن كفركم يوم القيامة بما لا ينفعكم، إنما تثابون جزاءً على أعمالكم. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ تُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً﴾ أي: يا أيها الذين صدقوا الله، ارجعوا من ذنوبكم إلى طاعة الله وإلى ما يرضيه عنكم رِجْعَةً نَصُوحاً، أي: لا تعودون معها أبداً. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: التوبة النصوح أن يتوب الرجل من العمل السيء ثم لا يعود فيه أبداً ولا يريد أن يعود فيه. وهو قول الضحاك. وقاله ابن مسعود. وقال قتادة: التوبة النصوح "هي الصادقة الناصحة". ومن ضم النون، فيجوز أن يكون جمع نُصْحٍ. ويجوز أن يكون مصدراً، كرجل عدل، (أي): صاحب عدالة. وقال ابن زيد: النصوح: الصادقة، ويعلم أنها صدق بندامته على خطيئته وحب الرجوع إلى طاعة الله. - (ثم قال تعالى: ﴿عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أي: يمحوها عنكم. و "عسى" من الله) واجبة. * * ﴿وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ يَوْمَ لاَ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ (مَعَهُ)﴾ أي: ويدخلكم بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار في يوم [لا يخزي] الله فيه النبي، أي: لا يبعده من إِفْضَالِهِ وإِنْعَامِهِ، ولا يُبْعِدُ الذين آمنوا معه من ذلك. * * - ثم قال: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ قال ابن عباس: يأخذون كتابهم فيه البشرى. * * ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ أي: يسألون ربهم أن يُبْقِيَ لهم نُورَهُمْ حتى يَجُوزُوا الصراط، وذلك حين يطفئُ نور المنافقين وقت يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا: انظرونا نقتبس من نوركم. قاله مجاهد وغيره. وقال الحسن: "ليس أحد إلا يعطى نورا يوم القيامة فيُطفئُ نور المنافقين، فيخشى المؤمن أن يُطْفِئَ نوره. فذلك قوله ﴿رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾". * * ﴿وَٱغْفِرْ لَنَآ﴾ أي: واستر علينا ذنوبنا. * * ﴿إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: إنك على إتمام نورنا وغفران ذنوبنا وغير ذلك من الأشياء قدير. * * - ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: جاهد الكفار بالسيف، والمنافقين بالوعيد والتهدد. قال قتادة: "أمر الله نبيه أن يجاهد الكفار بالسيف [ويغلظ على المنافقين بالحدود]". * * ومعنى ﴿وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: اشدد عليهم في ذات الله ولا تلن. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: ومسكنهم في الآخرة جهنم، وبئس الموضع الذي يصيرون إليه. * * ثم قال تعالى: ﴿ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمْرَأَتَ نُوحٍ وَٱمْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ (فَخَانَتَاهُمَا)﴾ أي مثل الله للذين كفروا هاتين المرأتين، كانتا تحت ﴿عَبْدَيْنِ (مِنْ عِبَادِنَا) صَالِحَيْنِ﴾، وهما لوط ونوح [﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾]. قيل: إن خيانة امرأة نوح لنوح أنها كانت كافرة، وكانت تقول للناس إنه مجنون، وخيانة امرأة لوط (له) أنها كانت [تدل قومها] على أضيافه. وكان هو يسترهم. وقيل: كانت توقد ناراً إذا نزل بلوط ضيف فيعرف قومه أن عنده ضيفاً، فيأتون لأذاه. قال ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط، وإنما كانت إحداهما تقول إنه مجنون، والأخرى تدل على أضيافه. قال عكرمة: "كانت خيانتهما أنهما كانتا مشركتين"، وقاله الضحاك. فلم يغن صلاح زوجيهما عنهما شيئاً، بل قيل لهما: أدخلا النار مع من دخلها بِخِيَانَتِكُما. كذلك من كان كافرا وابنُه أَوْ زوجُه أو قريبُه مؤمنٌ، لا يغني عنه إيمان قريبه شيئاً من عذاب الله. فالفائدة في هذا أن أحداً لا ينفعه إيمان غيره. وقيل: ﴿مَعَ ٱلدَّاخِلِينَ﴾ يريد: مع القوم الداخلين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾. وهي آسية، آمنت وهي تحت عدو الله فلم يضرها كفره، إذ لا تزر وازرة وزر أخرى. فدعت الله أن [يبني] لها بيتاً في الجنة ففعل، [وسألته] أن ينجيها من فرعون وعمله وعمل قومه ففعل، فماتت مسلمة. قال القاسم بن أبي بزة: "كانت امراة فرعون تقول، تسأل من غلب، فيقال: غلب موسى وهارون، فتقول: آمنت برب موسى وهارون، فأرسَل إليها فرعون، فقال: أنظروا أعظم صخرة تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها، وإن رجعت عن قولها فهي [امرأتي]. فلما أتوها رفعت بصرها الى السماء فأبصَرَت بيتها في الجنة فمضت على قولها، فانتزع الله روحها وألقيت الصخرة على جسدها ليس فيه روح". قال قتادة: "كان أعتى أهل الأرض (على الله) وأبعده من الله، فوالله ما ضرَّ امرأتَه كُفرُ زوجها حين أطاعت ربها لتعلموا أن الله حَكَمٌ عَدلٌ لا يؤاخذ أحداً إلا بذنبه". * * - ثم قال: ﴿وَمَرْيَمَ ٱبْنَتَ عِمْرَانَ ٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ أي: وضرب الله مثلاً للذين آمنوا مريم التي منعت جَيْبَ درعها جِبرِيل، وَكُلَّ ما كان في الدرع من فَتق أو خَرْقٍ فإنه يسمى فرجاً (وكذلك كل) [صَدع] أو شق في حائط أو سقف فهو فرج. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا﴾ (أي): فنفخنا في جيب درعها من جبريل عليه السلام. وقيل: معناه: فجعلنا في الجيب من الروح الذي لنا أي: الذي نملكه. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا﴾ [أي: وآمنت] بعيسى وهو كلمة الله، وبالكتاب الذي أنزل عليه وقبله، وهي كلمة الله، وهي التوراة والإنجيل. * * ثم قال: ﴿وَكَانَتْ مِنَ ٱلْقَانِتِينَ﴾. أي: من المطيعين، أي: من القوم المطيعين. (داود بن إسحاق).

التحريم 66:9

قوله تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ (وَأَهْلِيكُمْ)...﴾. إلى آخر الآية. (أي): يا أيها الذين آمنوا اعملوا عملاً [صالحاً] تقون به أنفسكم من النار، ولْيُعَلِّمَ [بَعْضُكُمْ] بَعْضَاً ما تقون به من تُعَلِّمُونَهُ من النار، وعَلِّمُوا أهليكم من العمل ما يقون به أنفسهم من النار. قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في [قوله]: ﴿قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ أي: علموهم وأدبوهم. قال ابن عباس: معناه: "اعملوا بطاعة الله، واتقوا معاصيه، ومُرُوا أهليكم بالذكر ينجيكم الله من النار". وقال مجاهد: "واتقوا الله، وأوصوا أهليكم بتقوى الله". وقال قتادة: مروهم بطاعة الله، وانهوهم عن [معصيته]. وقيل: المعنى: لا تعصوا فيعصي أهلوكم. وفي الحديث: "لا تزن [فيزني] أهلك". * * وقوله: ﴿وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ﴾ أي: حطبها بنو آدم وحجارة الكبريت. * * ﴿عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ﴾ (أي): على هذه النار ملائكة غلاظ على أهل النار، شِدَادٌ عليهم. وقيل: ﴿شِدَادٌ﴾ بمعنى: أقوياء. * * ﴿لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ﴾ أي: لا يخالفون الله فيما أمرهم به من عذاب الكفار وغيره. * * ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. أي: ينتهون إلى ما أمرهم الله به. * * - ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَعْتَذِرُواْ ٱلْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. (أي): يا أيها الذين جحدوا وحدانية الله، لا تعتذروا عن كفركم يوم القيامة بما لا ينفعكم، إنما تثابون جزاءً على أعمالكم. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ تُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً﴾ أي: يا أيها الذين صدقوا الله، ارجعوا من ذنوبكم إلى طاعة الله وإلى ما يرضيه عنكم رِجْعَةً نَصُوحاً، أي: لا تعودون معها أبداً. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: التوبة النصوح أن يتوب الرجل من العمل السيء ثم لا يعود فيه أبداً ولا يريد أن يعود فيه. وهو قول الضحاك. وقاله ابن مسعود. وقال قتادة: التوبة النصوح "هي الصادقة الناصحة". ومن ضم النون، فيجوز أن يكون جمع نُصْحٍ. ويجوز أن يكون مصدراً، كرجل عدل، (أي): صاحب عدالة. وقال ابن زيد: النصوح: الصادقة، ويعلم أنها صدق بندامته على خطيئته وحب الرجوع إلى طاعة الله. - (ثم قال تعالى: ﴿عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أي: يمحوها عنكم. و "عسى" من الله) واجبة. * * ﴿وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ يَوْمَ لاَ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ (مَعَهُ)﴾ أي: ويدخلكم بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار في يوم [لا يخزي] الله فيه النبي، أي: لا يبعده من إِفْضَالِهِ وإِنْعَامِهِ، ولا يُبْعِدُ الذين آمنوا معه من ذلك. * * - ثم قال: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ قال ابن عباس: يأخذون كتابهم فيه البشرى. * * ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ أي: يسألون ربهم أن يُبْقِيَ لهم نُورَهُمْ حتى يَجُوزُوا الصراط، وذلك حين يطفئُ نور المنافقين وقت يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا: انظرونا نقتبس من نوركم. قاله مجاهد وغيره. وقال الحسن: "ليس أحد إلا يعطى نورا يوم القيامة فيُطفئُ نور المنافقين، فيخشى المؤمن أن يُطْفِئَ نوره. فذلك قوله ﴿رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾". * * ﴿وَٱغْفِرْ لَنَآ﴾ أي: واستر علينا ذنوبنا. * * ﴿إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: إنك على إتمام نورنا وغفران ذنوبنا وغير ذلك من الأشياء قدير. * * - ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: جاهد الكفار بالسيف، والمنافقين بالوعيد والتهدد. قال قتادة: "أمر الله نبيه أن يجاهد الكفار بالسيف [ويغلظ على المنافقين بالحدود]". * * ومعنى ﴿وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: اشدد عليهم في ذات الله ولا تلن. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: ومسكنهم في الآخرة جهنم، وبئس الموضع الذي يصيرون إليه. * * ثم قال تعالى: ﴿ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمْرَأَتَ نُوحٍ وَٱمْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ (فَخَانَتَاهُمَا)﴾ أي مثل الله للذين كفروا هاتين المرأتين، كانتا تحت ﴿عَبْدَيْنِ (مِنْ عِبَادِنَا) صَالِحَيْنِ﴾، وهما لوط ونوح [﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾]. قيل: إن خيانة امرأة نوح لنوح أنها كانت كافرة، وكانت تقول للناس إنه مجنون، وخيانة امرأة لوط (له) أنها كانت [تدل قومها] على أضيافه. وكان هو يسترهم. وقيل: كانت توقد ناراً إذا نزل بلوط ضيف فيعرف قومه أن عنده ضيفاً، فيأتون لأذاه. قال ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط، وإنما كانت إحداهما تقول إنه مجنون، والأخرى تدل على أضيافه. قال عكرمة: "كانت خيانتهما أنهما كانتا مشركتين"، وقاله الضحاك. فلم يغن صلاح زوجيهما عنهما شيئاً، بل قيل لهما: أدخلا النار مع من دخلها بِخِيَانَتِكُما. كذلك من كان كافرا وابنُه أَوْ زوجُه أو قريبُه مؤمنٌ، لا يغني عنه إيمان قريبه شيئاً من عذاب الله. فالفائدة في هذا أن أحداً لا ينفعه إيمان غيره. وقيل: ﴿مَعَ ٱلدَّاخِلِينَ﴾ يريد: مع القوم الداخلين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾. وهي آسية، آمنت وهي تحت عدو الله فلم يضرها كفره، إذ لا تزر وازرة وزر أخرى. فدعت الله أن [يبني] لها بيتاً في الجنة ففعل، [وسألته] أن ينجيها من فرعون وعمله وعمل قومه ففعل، فماتت مسلمة. قال القاسم بن أبي بزة: "كانت امراة فرعون تقول، تسأل من غلب، فيقال: غلب موسى وهارون، فتقول: آمنت برب موسى وهارون، فأرسَل إليها فرعون، فقال: أنظروا أعظم صخرة تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها، وإن رجعت عن قولها فهي [امرأتي]. فلما أتوها رفعت بصرها الى السماء فأبصَرَت بيتها في الجنة فمضت على قولها، فانتزع الله روحها وألقيت الصخرة على جسدها ليس فيه روح". قال قتادة: "كان أعتى أهل الأرض (على الله) وأبعده من الله، فوالله ما ضرَّ امرأتَه كُفرُ زوجها حين أطاعت ربها لتعلموا أن الله حَكَمٌ عَدلٌ لا يؤاخذ أحداً إلا بذنبه". * * - ثم قال: ﴿وَمَرْيَمَ ٱبْنَتَ عِمْرَانَ ٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ أي: وضرب الله مثلاً للذين آمنوا مريم التي منعت جَيْبَ درعها جِبرِيل، وَكُلَّ ما كان في الدرع من فَتق أو خَرْقٍ فإنه يسمى فرجاً (وكذلك كل) [صَدع] أو شق في حائط أو سقف فهو فرج. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا﴾ (أي): فنفخنا في جيب درعها من جبريل عليه السلام. وقيل: معناه: فجعلنا في الجيب من الروح الذي لنا أي: الذي نملكه. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا﴾ [أي: وآمنت] بعيسى وهو كلمة الله، وبالكتاب الذي أنزل عليه وقبله، وهي كلمة الله، وهي التوراة والإنجيل. * * ثم قال: ﴿وَكَانَتْ مِنَ ٱلْقَانِتِينَ﴾. أي: من المطيعين، أي: من القوم المطيعين. (داود بن إسحاق).

التحريم 66:10

قوله تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ (وَأَهْلِيكُمْ)...﴾. إلى آخر الآية. (أي): يا أيها الذين آمنوا اعملوا عملاً [صالحاً] تقون به أنفسكم من النار، ولْيُعَلِّمَ [بَعْضُكُمْ] بَعْضَاً ما تقون به من تُعَلِّمُونَهُ من النار، وعَلِّمُوا أهليكم من العمل ما يقون به أنفسهم من النار. قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في [قوله]: ﴿قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ أي: علموهم وأدبوهم. قال ابن عباس: معناه: "اعملوا بطاعة الله، واتقوا معاصيه، ومُرُوا أهليكم بالذكر ينجيكم الله من النار". وقال مجاهد: "واتقوا الله، وأوصوا أهليكم بتقوى الله". وقال قتادة: مروهم بطاعة الله، وانهوهم عن [معصيته]. وقيل: المعنى: لا تعصوا فيعصي أهلوكم. وفي الحديث: "لا تزن [فيزني] أهلك". * * وقوله: ﴿وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ﴾ أي: حطبها بنو آدم وحجارة الكبريت. * * ﴿عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ﴾ (أي): على هذه النار ملائكة غلاظ على أهل النار، شِدَادٌ عليهم. وقيل: ﴿شِدَادٌ﴾ بمعنى: أقوياء. * * ﴿لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ﴾ أي: لا يخالفون الله فيما أمرهم به من عذاب الكفار وغيره. * * ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. أي: ينتهون إلى ما أمرهم الله به. * * - ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَعْتَذِرُواْ ٱلْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. (أي): يا أيها الذين جحدوا وحدانية الله، لا تعتذروا عن كفركم يوم القيامة بما لا ينفعكم، إنما تثابون جزاءً على أعمالكم. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ تُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً﴾ أي: يا أيها الذين صدقوا الله، ارجعوا من ذنوبكم إلى طاعة الله وإلى ما يرضيه عنكم رِجْعَةً نَصُوحاً، أي: لا تعودون معها أبداً. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: التوبة النصوح أن يتوب الرجل من العمل السيء ثم لا يعود فيه أبداً ولا يريد أن يعود فيه. وهو قول الضحاك. وقاله ابن مسعود. وقال قتادة: التوبة النصوح "هي الصادقة الناصحة". ومن ضم النون، فيجوز أن يكون جمع نُصْحٍ. ويجوز أن يكون مصدراً، كرجل عدل، (أي): صاحب عدالة. وقال ابن زيد: النصوح: الصادقة، ويعلم أنها صدق بندامته على خطيئته وحب الرجوع إلى طاعة الله. - (ثم قال تعالى: ﴿عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أي: يمحوها عنكم. و "عسى" من الله) واجبة. * * ﴿وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ يَوْمَ لاَ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ (مَعَهُ)﴾ أي: ويدخلكم بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار في يوم [لا يخزي] الله فيه النبي، أي: لا يبعده من إِفْضَالِهِ وإِنْعَامِهِ، ولا يُبْعِدُ الذين آمنوا معه من ذلك. * * - ثم قال: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ قال ابن عباس: يأخذون كتابهم فيه البشرى. * * ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ أي: يسألون ربهم أن يُبْقِيَ لهم نُورَهُمْ حتى يَجُوزُوا الصراط، وذلك حين يطفئُ نور المنافقين وقت يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا: انظرونا نقتبس من نوركم. قاله مجاهد وغيره. وقال الحسن: "ليس أحد إلا يعطى نورا يوم القيامة فيُطفئُ نور المنافقين، فيخشى المؤمن أن يُطْفِئَ نوره. فذلك قوله ﴿رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾". * * ﴿وَٱغْفِرْ لَنَآ﴾ أي: واستر علينا ذنوبنا. * * ﴿إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: إنك على إتمام نورنا وغفران ذنوبنا وغير ذلك من الأشياء قدير. * * - ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: جاهد الكفار بالسيف، والمنافقين بالوعيد والتهدد. قال قتادة: "أمر الله نبيه أن يجاهد الكفار بالسيف [ويغلظ على المنافقين بالحدود]". * * ومعنى ﴿وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: اشدد عليهم في ذات الله ولا تلن. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: ومسكنهم في الآخرة جهنم، وبئس الموضع الذي يصيرون إليه. * * ثم قال تعالى: ﴿ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمْرَأَتَ نُوحٍ وَٱمْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ (فَخَانَتَاهُمَا)﴾ أي مثل الله للذين كفروا هاتين المرأتين، كانتا تحت ﴿عَبْدَيْنِ (مِنْ عِبَادِنَا) صَالِحَيْنِ﴾، وهما لوط ونوح [﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾]. قيل: إن خيانة امرأة نوح لنوح أنها كانت كافرة، وكانت تقول للناس إنه مجنون، وخيانة امرأة لوط (له) أنها كانت [تدل قومها] على أضيافه. وكان هو يسترهم. وقيل: كانت توقد ناراً إذا نزل بلوط ضيف فيعرف قومه أن عنده ضيفاً، فيأتون لأذاه. قال ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط، وإنما كانت إحداهما تقول إنه مجنون، والأخرى تدل على أضيافه. قال عكرمة: "كانت خيانتهما أنهما كانتا مشركتين"، وقاله الضحاك. فلم يغن صلاح زوجيهما عنهما شيئاً، بل قيل لهما: أدخلا النار مع من دخلها بِخِيَانَتِكُما. كذلك من كان كافرا وابنُه أَوْ زوجُه أو قريبُه مؤمنٌ، لا يغني عنه إيمان قريبه شيئاً من عذاب الله. فالفائدة في هذا أن أحداً لا ينفعه إيمان غيره. وقيل: ﴿مَعَ ٱلدَّاخِلِينَ﴾ يريد: مع القوم الداخلين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾. وهي آسية، آمنت وهي تحت عدو الله فلم يضرها كفره، إذ لا تزر وازرة وزر أخرى. فدعت الله أن [يبني] لها بيتاً في الجنة ففعل، [وسألته] أن ينجيها من فرعون وعمله وعمل قومه ففعل، فماتت مسلمة. قال القاسم بن أبي بزة: "كانت امراة فرعون تقول، تسأل من غلب، فيقال: غلب موسى وهارون، فتقول: آمنت برب موسى وهارون، فأرسَل إليها فرعون، فقال: أنظروا أعظم صخرة تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها، وإن رجعت عن قولها فهي [امرأتي]. فلما أتوها رفعت بصرها الى السماء فأبصَرَت بيتها في الجنة فمضت على قولها، فانتزع الله روحها وألقيت الصخرة على جسدها ليس فيه روح". قال قتادة: "كان أعتى أهل الأرض (على الله) وأبعده من الله، فوالله ما ضرَّ امرأتَه كُفرُ زوجها حين أطاعت ربها لتعلموا أن الله حَكَمٌ عَدلٌ لا يؤاخذ أحداً إلا بذنبه". * * - ثم قال: ﴿وَمَرْيَمَ ٱبْنَتَ عِمْرَانَ ٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ أي: وضرب الله مثلاً للذين آمنوا مريم التي منعت جَيْبَ درعها جِبرِيل، وَكُلَّ ما كان في الدرع من فَتق أو خَرْقٍ فإنه يسمى فرجاً (وكذلك كل) [صَدع] أو شق في حائط أو سقف فهو فرج. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا﴾ (أي): فنفخنا في جيب درعها من جبريل عليه السلام. وقيل: معناه: فجعلنا في الجيب من الروح الذي لنا أي: الذي نملكه. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا﴾ [أي: وآمنت] بعيسى وهو كلمة الله، وبالكتاب الذي أنزل عليه وقبله، وهي كلمة الله، وهي التوراة والإنجيل. * * ثم قال: ﴿وَكَانَتْ مِنَ ٱلْقَانِتِينَ﴾. أي: من المطيعين، أي: من القوم المطيعين. (داود بن إسحاق).

التحريم 66:11

قوله تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ (وَأَهْلِيكُمْ)...﴾. إلى آخر الآية. (أي): يا أيها الذين آمنوا اعملوا عملاً [صالحاً] تقون به أنفسكم من النار، ولْيُعَلِّمَ [بَعْضُكُمْ] بَعْضَاً ما تقون به من تُعَلِّمُونَهُ من النار، وعَلِّمُوا أهليكم من العمل ما يقون به أنفسهم من النار. قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في [قوله]: ﴿قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ أي: علموهم وأدبوهم. قال ابن عباس: معناه: "اعملوا بطاعة الله، واتقوا معاصيه، ومُرُوا أهليكم بالذكر ينجيكم الله من النار". وقال مجاهد: "واتقوا الله، وأوصوا أهليكم بتقوى الله". وقال قتادة: مروهم بطاعة الله، وانهوهم عن [معصيته]. وقيل: المعنى: لا تعصوا فيعصي أهلوكم. وفي الحديث: "لا تزن [فيزني] أهلك". * * وقوله: ﴿وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ﴾ أي: حطبها بنو آدم وحجارة الكبريت. * * ﴿عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ﴾ (أي): على هذه النار ملائكة غلاظ على أهل النار، شِدَادٌ عليهم. وقيل: ﴿شِدَادٌ﴾ بمعنى: أقوياء. * * ﴿لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ﴾ أي: لا يخالفون الله فيما أمرهم به من عذاب الكفار وغيره. * * ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. أي: ينتهون إلى ما أمرهم الله به. * * - ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَعْتَذِرُواْ ٱلْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. (أي): يا أيها الذين جحدوا وحدانية الله، لا تعتذروا عن كفركم يوم القيامة بما لا ينفعكم، إنما تثابون جزاءً على أعمالكم. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ تُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً﴾ أي: يا أيها الذين صدقوا الله، ارجعوا من ذنوبكم إلى طاعة الله وإلى ما يرضيه عنكم رِجْعَةً نَصُوحاً، أي: لا تعودون معها أبداً. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: التوبة النصوح أن يتوب الرجل من العمل السيء ثم لا يعود فيه أبداً ولا يريد أن يعود فيه. وهو قول الضحاك. وقاله ابن مسعود. وقال قتادة: التوبة النصوح "هي الصادقة الناصحة". ومن ضم النون، فيجوز أن يكون جمع نُصْحٍ. ويجوز أن يكون مصدراً، كرجل عدل، (أي): صاحب عدالة. وقال ابن زيد: النصوح: الصادقة، ويعلم أنها صدق بندامته على خطيئته وحب الرجوع إلى طاعة الله. - (ثم قال تعالى: ﴿عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أي: يمحوها عنكم. و "عسى" من الله) واجبة. * * ﴿وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ يَوْمَ لاَ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ (مَعَهُ)﴾ أي: ويدخلكم بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار في يوم [لا يخزي] الله فيه النبي، أي: لا يبعده من إِفْضَالِهِ وإِنْعَامِهِ، ولا يُبْعِدُ الذين آمنوا معه من ذلك. * * - ثم قال: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ قال ابن عباس: يأخذون كتابهم فيه البشرى. * * ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ أي: يسألون ربهم أن يُبْقِيَ لهم نُورَهُمْ حتى يَجُوزُوا الصراط، وذلك حين يطفئُ نور المنافقين وقت يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا: انظرونا نقتبس من نوركم. قاله مجاهد وغيره. وقال الحسن: "ليس أحد إلا يعطى نورا يوم القيامة فيُطفئُ نور المنافقين، فيخشى المؤمن أن يُطْفِئَ نوره. فذلك قوله ﴿رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾". * * ﴿وَٱغْفِرْ لَنَآ﴾ أي: واستر علينا ذنوبنا. * * ﴿إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: إنك على إتمام نورنا وغفران ذنوبنا وغير ذلك من الأشياء قدير. * * - ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: جاهد الكفار بالسيف، والمنافقين بالوعيد والتهدد. قال قتادة: "أمر الله نبيه أن يجاهد الكفار بالسيف [ويغلظ على المنافقين بالحدود]". * * ومعنى ﴿وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: اشدد عليهم في ذات الله ولا تلن. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: ومسكنهم في الآخرة جهنم، وبئس الموضع الذي يصيرون إليه. * * ثم قال تعالى: ﴿ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمْرَأَتَ نُوحٍ وَٱمْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ (فَخَانَتَاهُمَا)﴾ أي مثل الله للذين كفروا هاتين المرأتين، كانتا تحت ﴿عَبْدَيْنِ (مِنْ عِبَادِنَا) صَالِحَيْنِ﴾، وهما لوط ونوح [﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾]. قيل: إن خيانة امرأة نوح لنوح أنها كانت كافرة، وكانت تقول للناس إنه مجنون، وخيانة امرأة لوط (له) أنها كانت [تدل قومها] على أضيافه. وكان هو يسترهم. وقيل: كانت توقد ناراً إذا نزل بلوط ضيف فيعرف قومه أن عنده ضيفاً، فيأتون لأذاه. قال ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط، وإنما كانت إحداهما تقول إنه مجنون، والأخرى تدل على أضيافه. قال عكرمة: "كانت خيانتهما أنهما كانتا مشركتين"، وقاله الضحاك. فلم يغن صلاح زوجيهما عنهما شيئاً، بل قيل لهما: أدخلا النار مع من دخلها بِخِيَانَتِكُما. كذلك من كان كافرا وابنُه أَوْ زوجُه أو قريبُه مؤمنٌ، لا يغني عنه إيمان قريبه شيئاً من عذاب الله. فالفائدة في هذا أن أحداً لا ينفعه إيمان غيره. وقيل: ﴿مَعَ ٱلدَّاخِلِينَ﴾ يريد: مع القوم الداخلين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾. وهي آسية، آمنت وهي تحت عدو الله فلم يضرها كفره، إذ لا تزر وازرة وزر أخرى. فدعت الله أن [يبني] لها بيتاً في الجنة ففعل، [وسألته] أن ينجيها من فرعون وعمله وعمل قومه ففعل، فماتت مسلمة. قال القاسم بن أبي بزة: "كانت امراة فرعون تقول، تسأل من غلب، فيقال: غلب موسى وهارون، فتقول: آمنت برب موسى وهارون، فأرسَل إليها فرعون، فقال: أنظروا أعظم صخرة تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها، وإن رجعت عن قولها فهي [امرأتي]. فلما أتوها رفعت بصرها الى السماء فأبصَرَت بيتها في الجنة فمضت على قولها، فانتزع الله روحها وألقيت الصخرة على جسدها ليس فيه روح". قال قتادة: "كان أعتى أهل الأرض (على الله) وأبعده من الله، فوالله ما ضرَّ امرأتَه كُفرُ زوجها حين أطاعت ربها لتعلموا أن الله حَكَمٌ عَدلٌ لا يؤاخذ أحداً إلا بذنبه". * * - ثم قال: ﴿وَمَرْيَمَ ٱبْنَتَ عِمْرَانَ ٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ أي: وضرب الله مثلاً للذين آمنوا مريم التي منعت جَيْبَ درعها جِبرِيل، وَكُلَّ ما كان في الدرع من فَتق أو خَرْقٍ فإنه يسمى فرجاً (وكذلك كل) [صَدع] أو شق في حائط أو سقف فهو فرج. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا﴾ (أي): فنفخنا في جيب درعها من جبريل عليه السلام. وقيل: معناه: فجعلنا في الجيب من الروح الذي لنا أي: الذي نملكه. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا﴾ [أي: وآمنت] بعيسى وهو كلمة الله، وبالكتاب الذي أنزل عليه وقبله، وهي كلمة الله، وهي التوراة والإنجيل. * * ثم قال: ﴿وَكَانَتْ مِنَ ٱلْقَانِتِينَ﴾. أي: من المطيعين، أي: من القوم المطيعين. (داود بن إسحاق).

التحريم 66:12

قوله تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ (وَأَهْلِيكُمْ)...﴾. إلى آخر الآية. (أي): يا أيها الذين آمنوا اعملوا عملاً [صالحاً] تقون به أنفسكم من النار، ولْيُعَلِّمَ [بَعْضُكُمْ] بَعْضَاً ما تقون به من تُعَلِّمُونَهُ من النار، وعَلِّمُوا أهليكم من العمل ما يقون به أنفسهم من النار. قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في [قوله]: ﴿قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ أي: علموهم وأدبوهم. قال ابن عباس: معناه: "اعملوا بطاعة الله، واتقوا معاصيه، ومُرُوا أهليكم بالذكر ينجيكم الله من النار". وقال مجاهد: "واتقوا الله، وأوصوا أهليكم بتقوى الله". وقال قتادة: مروهم بطاعة الله، وانهوهم عن [معصيته]. وقيل: المعنى: لا تعصوا فيعصي أهلوكم. وفي الحديث: "لا تزن [فيزني] أهلك". * * وقوله: ﴿وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ﴾ أي: حطبها بنو آدم وحجارة الكبريت. * * ﴿عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ﴾ (أي): على هذه النار ملائكة غلاظ على أهل النار، شِدَادٌ عليهم. وقيل: ﴿شِدَادٌ﴾ بمعنى: أقوياء. * * ﴿لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ﴾ أي: لا يخالفون الله فيما أمرهم به من عذاب الكفار وغيره. * * ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. أي: ينتهون إلى ما أمرهم الله به. * * - ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَعْتَذِرُواْ ٱلْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. (أي): يا أيها الذين جحدوا وحدانية الله، لا تعتذروا عن كفركم يوم القيامة بما لا ينفعكم، إنما تثابون جزاءً على أعمالكم. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ تُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً﴾ أي: يا أيها الذين صدقوا الله، ارجعوا من ذنوبكم إلى طاعة الله وإلى ما يرضيه عنكم رِجْعَةً نَصُوحاً، أي: لا تعودون معها أبداً. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: التوبة النصوح أن يتوب الرجل من العمل السيء ثم لا يعود فيه أبداً ولا يريد أن يعود فيه. وهو قول الضحاك. وقاله ابن مسعود. وقال قتادة: التوبة النصوح "هي الصادقة الناصحة". ومن ضم النون، فيجوز أن يكون جمع نُصْحٍ. ويجوز أن يكون مصدراً، كرجل عدل، (أي): صاحب عدالة. وقال ابن زيد: النصوح: الصادقة، ويعلم أنها صدق بندامته على خطيئته وحب الرجوع إلى طاعة الله. - (ثم قال تعالى: ﴿عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أي: يمحوها عنكم. و "عسى" من الله) واجبة. * * ﴿وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ يَوْمَ لاَ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ (مَعَهُ)﴾ أي: ويدخلكم بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار في يوم [لا يخزي] الله فيه النبي، أي: لا يبعده من إِفْضَالِهِ وإِنْعَامِهِ، ولا يُبْعِدُ الذين آمنوا معه من ذلك. * * - ثم قال: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ قال ابن عباس: يأخذون كتابهم فيه البشرى. * * ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ أي: يسألون ربهم أن يُبْقِيَ لهم نُورَهُمْ حتى يَجُوزُوا الصراط، وذلك حين يطفئُ نور المنافقين وقت يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا: انظرونا نقتبس من نوركم. قاله مجاهد وغيره. وقال الحسن: "ليس أحد إلا يعطى نورا يوم القيامة فيُطفئُ نور المنافقين، فيخشى المؤمن أن يُطْفِئَ نوره. فذلك قوله ﴿رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾". * * ﴿وَٱغْفِرْ لَنَآ﴾ أي: واستر علينا ذنوبنا. * * ﴿إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: إنك على إتمام نورنا وغفران ذنوبنا وغير ذلك من الأشياء قدير. * * - ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: جاهد الكفار بالسيف، والمنافقين بالوعيد والتهدد. قال قتادة: "أمر الله نبيه أن يجاهد الكفار بالسيف [ويغلظ على المنافقين بالحدود]". * * ومعنى ﴿وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: اشدد عليهم في ذات الله ولا تلن. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: ومسكنهم في الآخرة جهنم، وبئس الموضع الذي يصيرون إليه. * * ثم قال تعالى: ﴿ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمْرَأَتَ نُوحٍ وَٱمْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ (فَخَانَتَاهُمَا)﴾ أي مثل الله للذين كفروا هاتين المرأتين، كانتا تحت ﴿عَبْدَيْنِ (مِنْ عِبَادِنَا) صَالِحَيْنِ﴾، وهما لوط ونوح [﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾]. قيل: إن خيانة امرأة نوح لنوح أنها كانت كافرة، وكانت تقول للناس إنه مجنون، وخيانة امرأة لوط (له) أنها كانت [تدل قومها] على أضيافه. وكان هو يسترهم. وقيل: كانت توقد ناراً إذا نزل بلوط ضيف فيعرف قومه أن عنده ضيفاً، فيأتون لأذاه. قال ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط، وإنما كانت إحداهما تقول إنه مجنون، والأخرى تدل على أضيافه. قال عكرمة: "كانت خيانتهما أنهما كانتا مشركتين"، وقاله الضحاك. فلم يغن صلاح زوجيهما عنهما شيئاً، بل قيل لهما: أدخلا النار مع من دخلها بِخِيَانَتِكُما. كذلك من كان كافرا وابنُه أَوْ زوجُه أو قريبُه مؤمنٌ، لا يغني عنه إيمان قريبه شيئاً من عذاب الله. فالفائدة في هذا أن أحداً لا ينفعه إيمان غيره. وقيل: ﴿مَعَ ٱلدَّاخِلِينَ﴾ يريد: مع القوم الداخلين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾. وهي آسية، آمنت وهي تحت عدو الله فلم يضرها كفره، إذ لا تزر وازرة وزر أخرى. فدعت الله أن [يبني] لها بيتاً في الجنة ففعل، [وسألته] أن ينجيها من فرعون وعمله وعمل قومه ففعل، فماتت مسلمة. قال القاسم بن أبي بزة: "كانت امراة فرعون تقول، تسأل من غلب، فيقال: غلب موسى وهارون، فتقول: آمنت برب موسى وهارون، فأرسَل إليها فرعون، فقال: أنظروا أعظم صخرة تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها، وإن رجعت عن قولها فهي [امرأتي]. فلما أتوها رفعت بصرها الى السماء فأبصَرَت بيتها في الجنة فمضت على قولها، فانتزع الله روحها وألقيت الصخرة على جسدها ليس فيه روح". قال قتادة: "كان أعتى أهل الأرض (على الله) وأبعده من الله، فوالله ما ضرَّ امرأتَه كُفرُ زوجها حين أطاعت ربها لتعلموا أن الله حَكَمٌ عَدلٌ لا يؤاخذ أحداً إلا بذنبه". * * - ثم قال: ﴿وَمَرْيَمَ ٱبْنَتَ عِمْرَانَ ٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ أي: وضرب الله مثلاً للذين آمنوا مريم التي منعت جَيْبَ درعها جِبرِيل، وَكُلَّ ما كان في الدرع من فَتق أو خَرْقٍ فإنه يسمى فرجاً (وكذلك كل) [صَدع] أو شق في حائط أو سقف فهو فرج. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا﴾ (أي): فنفخنا في جيب درعها من جبريل عليه السلام. وقيل: معناه: فجعلنا في الجيب من الروح الذي لنا أي: الذي نملكه. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا﴾ [أي: وآمنت] بعيسى وهو كلمة الله، وبالكتاب الذي أنزل عليه وقبله، وهي كلمة الله، وهي التوراة والإنجيل. * * ثم قال: ﴿وَكَانَتْ مِنَ ٱلْقَانِتِينَ﴾. أي: من المطيعين، أي: من القوم المطيعين. (داود بن إسحاق).

الملك 67:1

قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، إلى قوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. تبارك: تفاعل من البركة، ولا يقال منه مستقبل ولا اسم فاعل. ومعناه: تعاظم وتعالى الرب الذي بيده ملك الدنيا والآخرة [وسلطانهما]، نافذ فيهما أمره وقضاؤه. * * ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: وهو ذو قدرة على فعل كل شيء أراده [﴿قَدِيرٌ﴾]: لا يمنعه مما أراد شيء. وقيل: معناه: الذي بيده الملك، يعطيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء. * * - ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾. أي: خلق الموت ليميت الأحياء، وخلق الحياة ليحيي الموتى. وفعل ذلك ليختبركم في حياتكم وطول إقامتكم في الدنيا، أيكم أحسن عملاً فيجازيه على ذلك في الآخرة. وقد علم تعالى كل ما هم عاملون، وعلم الطائع والعاصي قبل خلقهم، لكن المجازاة إنما تقع بعد ظهور الأعمال، [لا يجازى] أحد (بعلم الله فيه دون ظهور عمله). فالمعنى: ليختبر وقوع ذلك (منكم) على ما سبق في علمه وقضائه. وتقديره: من خير وشر احتساباً منكم. قال قتادة: أذل الله ابن آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة ودار فناء، وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء. * * - ثم قال: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً﴾ أي: اخترع ذلك طبقا فوق طبق. * * ﴿مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾ أي: من اختلاف، يعني في خلق السماوات، وقيل: في كل ما خلق، فكله محكم دال على قادر بارئ حكيم في تدبيره ولطفه. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ﴾. أي: هل ترى يا ابن آدم من شقوق أو وَهْيٍ؟ - (ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾). أي: ثم رد البصر يا ابن آدم مرتين مرة بعد أخرى، هل ترى من شقوق، أو وَهْيٍ في الخلق أو تفاوت؟! ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: يرجع إليك البصر صاغراً متبعداً عن أن يجد تفاوتاً أو شقوقاً. من قولهم للكلب: "اخسأ" إذا طردوه، أي: أبعد صاغراً. يقال: خسأته فخسأ. * * وقوله: ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: معي. (وقال ابن عباس: "﴿خَاسِئاً﴾: ذليلاً ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: مرجف. وقال قتادة: معناه: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾، أي: معي)، وعنه قول ابن عباس. يقال: حسير ومحسور للرجل إذا بلغ غاية الإعياء. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ وَجَعَلْنَٰهَا رُجُوماً لِّلشَّيَٰطِينِ﴾ أي: زينا السماء بنجوم ترجم الشياطين بها إذا [أتوا لاستراق] السمع. قال قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاث: خلقها للزينة، وترجم الشياطين (بها)، وعلامات يهتدوا بها. و "رجوم" مصدر على قول من قال: إنما يرجم من [النجوم] بالشهب، ولا تبرح النجوم (بنفسها). ومن قال: بل يرجم بها نفسها قال: رجوم جمع رجم. * * - ثم قال: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: وأعتدنا للشياطين في الآخرة عذاباً يسعر عليهم. * * - ثم قال: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾. أي: وللذين جحدوا توحيد ربهم في الآخرة عذاب جهنم، وبئس المصير عذاب جهنم. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ﴾. أي: إذا [ألقي] الكافرون في جهنم سمعوا لجهنم شهيقاً، أي صوت الشهيق. والشهيق: الصوت الذي يخرج من الجوف بشدة كصوت الحمار. ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾: تغلي بهم كما تغلي القدر. * * - ثم قال تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ (أي: تكاد جهنم تتفرق وتتقطع من الغيظ على الكفار). * * ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾. أي: كلما ألقي في جهنم جماعة سألهم خزنة جهنم فيقولون لهم: ألم يأتكم نذير في الدنيا ينذركم هذا العذاب الذي حل بكم؟ [فيجيبهم] المشركون: ﴿بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ...﴾، فيقول لهم [الخزنة]. * * ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾. أي: في ضلال عن الحق بعيد. "ونذير": بمعنى منذر. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: وقال الفوج لخزنة جهنم: لو كنا نسمع من النذير ما جاءنا به من الحق سماع قبول، أو نعقل عنه ما يدعونا اليه فنفهمه فهم قبول ما كنا اليوم في أصحاب النار. وقيل: ﴿[نَسْمَعُ﴾ بمعنى]: نقبل منهم ما يقولون لنا. ومنه قولهم: سمع الله لمن حمده: أي قبل منه. والقول الأول هو بمنزلة قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] لم يكونوا كذلك، ولكن لما لم ينتفعوا بهذه الجوارح في عاقبة أمرهم كانوا بمنزلة الصم والبكم والعمي. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: فأقروا بذنبهم، فبعدا لهم. قاله ابن عباس. وقال ابن جبير: ﴿فَسُحْقاً﴾: هو واد في جهنم. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. أي: إن الذين يخافون ربهم ولم يروه وقيل: معناه: يخافون ربهم إذا غابوا عن أعين الناس، فمن خاف الله في الخلاء فهو أحرى أن يخافه بحضرة الناس. * * ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾. أي: ستر على ذنوبهم وصفح عنها. * * ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. أي: وثواب عظيم، وهو "الجنة". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ﴾ أي: وأخفوا كلامكم إن شئتم أو أعلنوه إن شئتم، فإنه لا يخفى على الله منه شيء. * * ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾. أي: عليم بضمائر الصدور. فمن كان لا يخفى عليه ضمائر الصدور كيف يخفى عليه القول سراً كان أو جهراً.؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾. "من": في موضع رفع اسم الله جل ذكره. ويقبح أن تكون في موضع نصب لأنه يلزم أن يقال: "ألا يعلم ما خلق"، لأنه راجع إلى (ذات الصدور). فالمعنى: ألا يعلم من خلق الصدور سرها وعلانيتها، كيف يخفى عليه خلقه وهو اللطيف بعباده، الخبير بأعمالهم؟! وإذا جعلت "من" بمعنى "ما" في موضع نصب، كان فيه دليل قوي) على أن الله خالق ما تكن الصدور من خير وشر. ففيه حجة [قوية] على القدرية الذين يدعون أنهم يخلقون الشر وأن الله لم يخلقه ولا قدره، تعالى أن يكون في ملكه ما لم يخلقه وما لم يقدره، بل لا خالق لكل شيء إلا الله، ولو كان الشر لم يخلقه الله فمن خلق إبليس؟! ومن خلق الأصنام التي تعبد من دون الله؟! ومن خلق نطفة الزاني وولد الزانية؟! ومن خلق قوة الزاني والسارق وقاطع الطريق؟! وهو كله شر من خلق الله كما قال تعالى: ﴿يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ [فاطر: ٨]. وقال: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢]، فكلٌّ بمشيئته كان، لا شريك له، يفعل ما يشاء، لا معقب لحكمه. وكذلك يكون المعنى إذا جعلت "من" في موضع رفع اسم الله جل ذكره [ويكون التقدير: ألا] يعلم الخالق خلقه وهو (ما) في الصدور (من خير وشر فيهم ذلك أن الخلق كله لله: ما في الصدور) وغيره. وقل أهل الزيغ: "من" في موضع نصب يراد به الخلق دون ما في الصدور، فهو يدل على خلق أصحاب الأفعال دون الأفعال، وهو خطأ ظاهر على ما قدمنا. * * - ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً﴾ أي: سهلاً سهلها لكم. * * ﴿فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا﴾. قال ابن عباس: في جبالها، وقاله قتادة، وعن ابن عباس أيضاً: ﴿مَنَاكِبِهَا﴾: أطرافها، وقيل: نواحيها، وقيل: معناه في جوانبها [المذللة] الممهدة. وقال مجاهد: "طرقها وفجاجها". * * ﴿وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ﴾ (أي: من رزقه) الذي أخرجه لكم من الأرض. * * ﴿وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ﴾. أي: وإليه نشوركم من قبوركم. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَءَمِنتُمْ مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلأَرْضَ﴾ أي: أأمنتم - أيها الكافرون - الله الذي في السماء أن يخسف بكم الأرض عقوبة على كفركم به؟! * * ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾. أي: تضطرب. ﴿أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ (وهو الله). * * ﴿أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ وهو التراب فيه الحصباء الصغار فيهلككم بذلك على كفركم. أي: لم تأمنوا [من ذلك]، فما بالكم مقيمين على كفركم؟! * * ثم قال: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾. أي: كيف عاقبة نذيري لكم إذ كذبتموه. ولا يعمل ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ "في ﴿كَيْفَ﴾ لأنها استفهام، وهي خبر "نذير". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ﴾. أي: ولقد كذّب الذين كانوا قبل هؤلاء المشركين رسلهم، فكيف كان إنكاري لتكذيبهم؟! ألم نهلكهم بضروب من النقمات؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَـٰفَّـٰتٍ﴾ أي: أو لم ير هؤلاء المشركون قدرة الله في الطير فوقهم في الهواء صافات أجنحتهن أحياناً ويقبضنها أحياناً؟!. ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾، فيكون لهم بذلك مذكر على قدرة الله وأنه لا يقدر على إمساك الطير على تلك الحال أحد إلا الله. * * ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾. أي: إن الله ذو بصر وخبر بكل شيء، لا يدخل في تدبيره خلل ولا في خلقه تفاوت. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ﴾. أي: من ينقذكم من عذاب الرحمن إذا نزل بكم على كفركم؟! ما ﴿ٱلْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ﴾ من ظنهم أن آلهتهم تقربهم إلى الله زلفى وأنها تنفع أو تضر. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ أي: من يرزقكم أيها المشركون إن أمسك الرحمن رزقه عنكم. أي: من يأتي بالمطر إن أمسكه عنكم الرحمن. * * ثم قال تعالى: ﴿بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾. ([أي]: بل تمادوا في طغيان ونفور) [من] الحق استكباراً. * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. أي: أفمن يمشي في الضلالة أهدى أمن يمشي في الهدى؟! يعني الكافر والمؤمن، فهو مثل ضربه الله لهما في الدنيا. هذا معنى قول مجاهد والضحاك وابن عباس. قال قتادة: هذا في الآخرة، أفمن يمشي مكبا على وجهه وهو الكافر، أكب في الدنيا على [المعاصي] فحشره الله يوم القيامة على وجهه. - [رواه] عن النبي ﷺ -، قال: فقيل: يا رسول الله كيف يحشر الكافر على وجهه فقال: إن الذي أمشاه على رجليه لقادر أن يحشره يوم القيامة على وجهه وقيل: الذي يمشي مكباً على وجهه: أبو جهل، والذي هو على صراط مستقيم: حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، ثم هو في كل من كان مثلهما.

الملك 67:2

قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، إلى قوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. تبارك: تفاعل من البركة، ولا يقال منه مستقبل ولا اسم فاعل. ومعناه: تعاظم وتعالى الرب الذي بيده ملك الدنيا والآخرة [وسلطانهما]، نافذ فيهما أمره وقضاؤه. * * ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: وهو ذو قدرة على فعل كل شيء أراده [﴿قَدِيرٌ﴾]: لا يمنعه مما أراد شيء. وقيل: معناه: الذي بيده الملك، يعطيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء. * * - ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾. أي: خلق الموت ليميت الأحياء، وخلق الحياة ليحيي الموتى. وفعل ذلك ليختبركم في حياتكم وطول إقامتكم في الدنيا، أيكم أحسن عملاً فيجازيه على ذلك في الآخرة. وقد علم تعالى كل ما هم عاملون، وعلم الطائع والعاصي قبل خلقهم، لكن المجازاة إنما تقع بعد ظهور الأعمال، [لا يجازى] أحد (بعلم الله فيه دون ظهور عمله). فالمعنى: ليختبر وقوع ذلك (منكم) على ما سبق في علمه وقضائه. وتقديره: من خير وشر احتساباً منكم. قال قتادة: أذل الله ابن آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة ودار فناء، وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء. * * - ثم قال: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً﴾ أي: اخترع ذلك طبقا فوق طبق. * * ﴿مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾ أي: من اختلاف، يعني في خلق السماوات، وقيل: في كل ما خلق، فكله محكم دال على قادر بارئ حكيم في تدبيره ولطفه. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ﴾. أي: هل ترى يا ابن آدم من شقوق أو وَهْيٍ؟ - (ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾). أي: ثم رد البصر يا ابن آدم مرتين مرة بعد أخرى، هل ترى من شقوق، أو وَهْيٍ في الخلق أو تفاوت؟! ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: يرجع إليك البصر صاغراً متبعداً عن أن يجد تفاوتاً أو شقوقاً. من قولهم للكلب: "اخسأ" إذا طردوه، أي: أبعد صاغراً. يقال: خسأته فخسأ. * * وقوله: ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: معي. (وقال ابن عباس: "﴿خَاسِئاً﴾: ذليلاً ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: مرجف. وقال قتادة: معناه: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾، أي: معي)، وعنه قول ابن عباس. يقال: حسير ومحسور للرجل إذا بلغ غاية الإعياء. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ وَجَعَلْنَٰهَا رُجُوماً لِّلشَّيَٰطِينِ﴾ أي: زينا السماء بنجوم ترجم الشياطين بها إذا [أتوا لاستراق] السمع. قال قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاث: خلقها للزينة، وترجم الشياطين (بها)، وعلامات يهتدوا بها. و "رجوم" مصدر على قول من قال: إنما يرجم من [النجوم] بالشهب، ولا تبرح النجوم (بنفسها). ومن قال: بل يرجم بها نفسها قال: رجوم جمع رجم. * * - ثم قال: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: وأعتدنا للشياطين في الآخرة عذاباً يسعر عليهم. * * - ثم قال: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾. أي: وللذين جحدوا توحيد ربهم في الآخرة عذاب جهنم، وبئس المصير عذاب جهنم. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ﴾. أي: إذا [ألقي] الكافرون في جهنم سمعوا لجهنم شهيقاً، أي صوت الشهيق. والشهيق: الصوت الذي يخرج من الجوف بشدة كصوت الحمار. ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾: تغلي بهم كما تغلي القدر. * * - ثم قال تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ (أي: تكاد جهنم تتفرق وتتقطع من الغيظ على الكفار). * * ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾. أي: كلما ألقي في جهنم جماعة سألهم خزنة جهنم فيقولون لهم: ألم يأتكم نذير في الدنيا ينذركم هذا العذاب الذي حل بكم؟ [فيجيبهم] المشركون: ﴿بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ...﴾، فيقول لهم [الخزنة]. * * ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾. أي: في ضلال عن الحق بعيد. "ونذير": بمعنى منذر. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: وقال الفوج لخزنة جهنم: لو كنا نسمع من النذير ما جاءنا به من الحق سماع قبول، أو نعقل عنه ما يدعونا اليه فنفهمه فهم قبول ما كنا اليوم في أصحاب النار. وقيل: ﴿[نَسْمَعُ﴾ بمعنى]: نقبل منهم ما يقولون لنا. ومنه قولهم: سمع الله لمن حمده: أي قبل منه. والقول الأول هو بمنزلة قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] لم يكونوا كذلك، ولكن لما لم ينتفعوا بهذه الجوارح في عاقبة أمرهم كانوا بمنزلة الصم والبكم والعمي. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: فأقروا بذنبهم، فبعدا لهم. قاله ابن عباس. وقال ابن جبير: ﴿فَسُحْقاً﴾: هو واد في جهنم. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. أي: إن الذين يخافون ربهم ولم يروه وقيل: معناه: يخافون ربهم إذا غابوا عن أعين الناس، فمن خاف الله في الخلاء فهو أحرى أن يخافه بحضرة الناس. * * ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾. أي: ستر على ذنوبهم وصفح عنها. * * ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. أي: وثواب عظيم، وهو "الجنة". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ﴾ أي: وأخفوا كلامكم إن شئتم أو أعلنوه إن شئتم، فإنه لا يخفى على الله منه شيء. * * ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾. أي: عليم بضمائر الصدور. فمن كان لا يخفى عليه ضمائر الصدور كيف يخفى عليه القول سراً كان أو جهراً.؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾. "من": في موضع رفع اسم الله جل ذكره. ويقبح أن تكون في موضع نصب لأنه يلزم أن يقال: "ألا يعلم ما خلق"، لأنه راجع إلى (ذات الصدور). فالمعنى: ألا يعلم من خلق الصدور سرها وعلانيتها، كيف يخفى عليه خلقه وهو اللطيف بعباده، الخبير بأعمالهم؟! وإذا جعلت "من" بمعنى "ما" في موضع نصب، كان فيه دليل قوي) على أن الله خالق ما تكن الصدور من خير وشر. ففيه حجة [قوية] على القدرية الذين يدعون أنهم يخلقون الشر وأن الله لم يخلقه ولا قدره، تعالى أن يكون في ملكه ما لم يخلقه وما لم يقدره، بل لا خالق لكل شيء إلا الله، ولو كان الشر لم يخلقه الله فمن خلق إبليس؟! ومن خلق الأصنام التي تعبد من دون الله؟! ومن خلق نطفة الزاني وولد الزانية؟! ومن خلق قوة الزاني والسارق وقاطع الطريق؟! وهو كله شر من خلق الله كما قال تعالى: ﴿يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ [فاطر: ٨]. وقال: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢]، فكلٌّ بمشيئته كان، لا شريك له، يفعل ما يشاء، لا معقب لحكمه. وكذلك يكون المعنى إذا جعلت "من" في موضع رفع اسم الله جل ذكره [ويكون التقدير: ألا] يعلم الخالق خلقه وهو (ما) في الصدور (من خير وشر فيهم ذلك أن الخلق كله لله: ما في الصدور) وغيره. وقل أهل الزيغ: "من" في موضع نصب يراد به الخلق دون ما في الصدور، فهو يدل على خلق أصحاب الأفعال دون الأفعال، وهو خطأ ظاهر على ما قدمنا. * * - ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً﴾ أي: سهلاً سهلها لكم. * * ﴿فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا﴾. قال ابن عباس: في جبالها، وقاله قتادة، وعن ابن عباس أيضاً: ﴿مَنَاكِبِهَا﴾: أطرافها، وقيل: نواحيها، وقيل: معناه في جوانبها [المذللة] الممهدة. وقال مجاهد: "طرقها وفجاجها". * * ﴿وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ﴾ (أي: من رزقه) الذي أخرجه لكم من الأرض. * * ﴿وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ﴾. أي: وإليه نشوركم من قبوركم. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَءَمِنتُمْ مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلأَرْضَ﴾ أي: أأمنتم - أيها الكافرون - الله الذي في السماء أن يخسف بكم الأرض عقوبة على كفركم به؟! * * ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾. أي: تضطرب. ﴿أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ (وهو الله). * * ﴿أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ وهو التراب فيه الحصباء الصغار فيهلككم بذلك على كفركم. أي: لم تأمنوا [من ذلك]، فما بالكم مقيمين على كفركم؟! * * ثم قال: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾. أي: كيف عاقبة نذيري لكم إذ كذبتموه. ولا يعمل ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ "في ﴿كَيْفَ﴾ لأنها استفهام، وهي خبر "نذير". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ﴾. أي: ولقد كذّب الذين كانوا قبل هؤلاء المشركين رسلهم، فكيف كان إنكاري لتكذيبهم؟! ألم نهلكهم بضروب من النقمات؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَـٰفَّـٰتٍ﴾ أي: أو لم ير هؤلاء المشركون قدرة الله في الطير فوقهم في الهواء صافات أجنحتهن أحياناً ويقبضنها أحياناً؟!. ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾، فيكون لهم بذلك مذكر على قدرة الله وأنه لا يقدر على إمساك الطير على تلك الحال أحد إلا الله. * * ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾. أي: إن الله ذو بصر وخبر بكل شيء، لا يدخل في تدبيره خلل ولا في خلقه تفاوت. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ﴾. أي: من ينقذكم من عذاب الرحمن إذا نزل بكم على كفركم؟! ما ﴿ٱلْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ﴾ من ظنهم أن آلهتهم تقربهم إلى الله زلفى وأنها تنفع أو تضر. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ أي: من يرزقكم أيها المشركون إن أمسك الرحمن رزقه عنكم. أي: من يأتي بالمطر إن أمسكه عنكم الرحمن. * * ثم قال تعالى: ﴿بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾. ([أي]: بل تمادوا في طغيان ونفور) [من] الحق استكباراً. * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. أي: أفمن يمشي في الضلالة أهدى أمن يمشي في الهدى؟! يعني الكافر والمؤمن، فهو مثل ضربه الله لهما في الدنيا. هذا معنى قول مجاهد والضحاك وابن عباس. قال قتادة: هذا في الآخرة، أفمن يمشي مكبا على وجهه وهو الكافر، أكب في الدنيا على [المعاصي] فحشره الله يوم القيامة على وجهه. - [رواه] عن النبي ﷺ -، قال: فقيل: يا رسول الله كيف يحشر الكافر على وجهه فقال: إن الذي أمشاه على رجليه لقادر أن يحشره يوم القيامة على وجهه وقيل: الذي يمشي مكباً على وجهه: أبو جهل، والذي هو على صراط مستقيم: حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، ثم هو في كل من كان مثلهما.

الملك 67:3

قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، إلى قوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. تبارك: تفاعل من البركة، ولا يقال منه مستقبل ولا اسم فاعل. ومعناه: تعاظم وتعالى الرب الذي بيده ملك الدنيا والآخرة [وسلطانهما]، نافذ فيهما أمره وقضاؤه. * * ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: وهو ذو قدرة على فعل كل شيء أراده [﴿قَدِيرٌ﴾]: لا يمنعه مما أراد شيء. وقيل: معناه: الذي بيده الملك، يعطيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء. * * - ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾. أي: خلق الموت ليميت الأحياء، وخلق الحياة ليحيي الموتى. وفعل ذلك ليختبركم في حياتكم وطول إقامتكم في الدنيا، أيكم أحسن عملاً فيجازيه على ذلك في الآخرة. وقد علم تعالى كل ما هم عاملون، وعلم الطائع والعاصي قبل خلقهم، لكن المجازاة إنما تقع بعد ظهور الأعمال، [لا يجازى] أحد (بعلم الله فيه دون ظهور عمله). فالمعنى: ليختبر وقوع ذلك (منكم) على ما سبق في علمه وقضائه. وتقديره: من خير وشر احتساباً منكم. قال قتادة: أذل الله ابن آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة ودار فناء، وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء. * * - ثم قال: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً﴾ أي: اخترع ذلك طبقا فوق طبق. * * ﴿مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾ أي: من اختلاف، يعني في خلق السماوات، وقيل: في كل ما خلق، فكله محكم دال على قادر بارئ حكيم في تدبيره ولطفه. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ﴾. أي: هل ترى يا ابن آدم من شقوق أو وَهْيٍ؟ - (ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾). أي: ثم رد البصر يا ابن آدم مرتين مرة بعد أخرى، هل ترى من شقوق، أو وَهْيٍ في الخلق أو تفاوت؟! ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: يرجع إليك البصر صاغراً متبعداً عن أن يجد تفاوتاً أو شقوقاً. من قولهم للكلب: "اخسأ" إذا طردوه، أي: أبعد صاغراً. يقال: خسأته فخسأ. * * وقوله: ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: معي. (وقال ابن عباس: "﴿خَاسِئاً﴾: ذليلاً ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: مرجف. وقال قتادة: معناه: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾، أي: معي)، وعنه قول ابن عباس. يقال: حسير ومحسور للرجل إذا بلغ غاية الإعياء. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ وَجَعَلْنَٰهَا رُجُوماً لِّلشَّيَٰطِينِ﴾ أي: زينا السماء بنجوم ترجم الشياطين بها إذا [أتوا لاستراق] السمع. قال قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاث: خلقها للزينة، وترجم الشياطين (بها)، وعلامات يهتدوا بها. و "رجوم" مصدر على قول من قال: إنما يرجم من [النجوم] بالشهب، ولا تبرح النجوم (بنفسها). ومن قال: بل يرجم بها نفسها قال: رجوم جمع رجم. * * - ثم قال: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: وأعتدنا للشياطين في الآخرة عذاباً يسعر عليهم. * * - ثم قال: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾. أي: وللذين جحدوا توحيد ربهم في الآخرة عذاب جهنم، وبئس المصير عذاب جهنم. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ﴾. أي: إذا [ألقي] الكافرون في جهنم سمعوا لجهنم شهيقاً، أي صوت الشهيق. والشهيق: الصوت الذي يخرج من الجوف بشدة كصوت الحمار. ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾: تغلي بهم كما تغلي القدر. * * - ثم قال تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ (أي: تكاد جهنم تتفرق وتتقطع من الغيظ على الكفار). * * ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾. أي: كلما ألقي في جهنم جماعة سألهم خزنة جهنم فيقولون لهم: ألم يأتكم نذير في الدنيا ينذركم هذا العذاب الذي حل بكم؟ [فيجيبهم] المشركون: ﴿بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ...﴾، فيقول لهم [الخزنة]. * * ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾. أي: في ضلال عن الحق بعيد. "ونذير": بمعنى منذر. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: وقال الفوج لخزنة جهنم: لو كنا نسمع من النذير ما جاءنا به من الحق سماع قبول، أو نعقل عنه ما يدعونا اليه فنفهمه فهم قبول ما كنا اليوم في أصحاب النار. وقيل: ﴿[نَسْمَعُ﴾ بمعنى]: نقبل منهم ما يقولون لنا. ومنه قولهم: سمع الله لمن حمده: أي قبل منه. والقول الأول هو بمنزلة قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] لم يكونوا كذلك، ولكن لما لم ينتفعوا بهذه الجوارح في عاقبة أمرهم كانوا بمنزلة الصم والبكم والعمي. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: فأقروا بذنبهم، فبعدا لهم. قاله ابن عباس. وقال ابن جبير: ﴿فَسُحْقاً﴾: هو واد في جهنم. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. أي: إن الذين يخافون ربهم ولم يروه وقيل: معناه: يخافون ربهم إذا غابوا عن أعين الناس، فمن خاف الله في الخلاء فهو أحرى أن يخافه بحضرة الناس. * * ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾. أي: ستر على ذنوبهم وصفح عنها. * * ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. أي: وثواب عظيم، وهو "الجنة". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ﴾ أي: وأخفوا كلامكم إن شئتم أو أعلنوه إن شئتم، فإنه لا يخفى على الله منه شيء. * * ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾. أي: عليم بضمائر الصدور. فمن كان لا يخفى عليه ضمائر الصدور كيف يخفى عليه القول سراً كان أو جهراً.؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾. "من": في موضع رفع اسم الله جل ذكره. ويقبح أن تكون في موضع نصب لأنه يلزم أن يقال: "ألا يعلم ما خلق"، لأنه راجع إلى (ذات الصدور). فالمعنى: ألا يعلم من خلق الصدور سرها وعلانيتها، كيف يخفى عليه خلقه وهو اللطيف بعباده، الخبير بأعمالهم؟! وإذا جعلت "من" بمعنى "ما" في موضع نصب، كان فيه دليل قوي) على أن الله خالق ما تكن الصدور من خير وشر. ففيه حجة [قوية] على القدرية الذين يدعون أنهم يخلقون الشر وأن الله لم يخلقه ولا قدره، تعالى أن يكون في ملكه ما لم يخلقه وما لم يقدره، بل لا خالق لكل شيء إلا الله، ولو كان الشر لم يخلقه الله فمن خلق إبليس؟! ومن خلق الأصنام التي تعبد من دون الله؟! ومن خلق نطفة الزاني وولد الزانية؟! ومن خلق قوة الزاني والسارق وقاطع الطريق؟! وهو كله شر من خلق الله كما قال تعالى: ﴿يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ [فاطر: ٨]. وقال: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢]، فكلٌّ بمشيئته كان، لا شريك له، يفعل ما يشاء، لا معقب لحكمه. وكذلك يكون المعنى إذا جعلت "من" في موضع رفع اسم الله جل ذكره [ويكون التقدير: ألا] يعلم الخالق خلقه وهو (ما) في الصدور (من خير وشر فيهم ذلك أن الخلق كله لله: ما في الصدور) وغيره. وقل أهل الزيغ: "من" في موضع نصب يراد به الخلق دون ما في الصدور، فهو يدل على خلق أصحاب الأفعال دون الأفعال، وهو خطأ ظاهر على ما قدمنا. * * - ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً﴾ أي: سهلاً سهلها لكم. * * ﴿فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا﴾. قال ابن عباس: في جبالها، وقاله قتادة، وعن ابن عباس أيضاً: ﴿مَنَاكِبِهَا﴾: أطرافها، وقيل: نواحيها، وقيل: معناه في جوانبها [المذللة] الممهدة. وقال مجاهد: "طرقها وفجاجها". * * ﴿وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ﴾ (أي: من رزقه) الذي أخرجه لكم من الأرض. * * ﴿وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ﴾. أي: وإليه نشوركم من قبوركم. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَءَمِنتُمْ مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلأَرْضَ﴾ أي: أأمنتم - أيها الكافرون - الله الذي في السماء أن يخسف بكم الأرض عقوبة على كفركم به؟! * * ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾. أي: تضطرب. ﴿أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ (وهو الله). * * ﴿أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ وهو التراب فيه الحصباء الصغار فيهلككم بذلك على كفركم. أي: لم تأمنوا [من ذلك]، فما بالكم مقيمين على كفركم؟! * * ثم قال: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾. أي: كيف عاقبة نذيري لكم إذ كذبتموه. ولا يعمل ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ "في ﴿كَيْفَ﴾ لأنها استفهام، وهي خبر "نذير". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ﴾. أي: ولقد كذّب الذين كانوا قبل هؤلاء المشركين رسلهم، فكيف كان إنكاري لتكذيبهم؟! ألم نهلكهم بضروب من النقمات؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَـٰفَّـٰتٍ﴾ أي: أو لم ير هؤلاء المشركون قدرة الله في الطير فوقهم في الهواء صافات أجنحتهن أحياناً ويقبضنها أحياناً؟!. ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾، فيكون لهم بذلك مذكر على قدرة الله وأنه لا يقدر على إمساك الطير على تلك الحال أحد إلا الله. * * ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾. أي: إن الله ذو بصر وخبر بكل شيء، لا يدخل في تدبيره خلل ولا في خلقه تفاوت. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ﴾. أي: من ينقذكم من عذاب الرحمن إذا نزل بكم على كفركم؟! ما ﴿ٱلْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ﴾ من ظنهم أن آلهتهم تقربهم إلى الله زلفى وأنها تنفع أو تضر. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ أي: من يرزقكم أيها المشركون إن أمسك الرحمن رزقه عنكم. أي: من يأتي بالمطر إن أمسكه عنكم الرحمن. * * ثم قال تعالى: ﴿بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾. ([أي]: بل تمادوا في طغيان ونفور) [من] الحق استكباراً. * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. أي: أفمن يمشي في الضلالة أهدى أمن يمشي في الهدى؟! يعني الكافر والمؤمن، فهو مثل ضربه الله لهما في الدنيا. هذا معنى قول مجاهد والضحاك وابن عباس. قال قتادة: هذا في الآخرة، أفمن يمشي مكبا على وجهه وهو الكافر، أكب في الدنيا على [المعاصي] فحشره الله يوم القيامة على وجهه. - [رواه] عن النبي ﷺ -، قال: فقيل: يا رسول الله كيف يحشر الكافر على وجهه فقال: إن الذي أمشاه على رجليه لقادر أن يحشره يوم القيامة على وجهه وقيل: الذي يمشي مكباً على وجهه: أبو جهل، والذي هو على صراط مستقيم: حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، ثم هو في كل من كان مثلهما.

الملك 67:4

قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، إلى قوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. تبارك: تفاعل من البركة، ولا يقال منه مستقبل ولا اسم فاعل. ومعناه: تعاظم وتعالى الرب الذي بيده ملك الدنيا والآخرة [وسلطانهما]، نافذ فيهما أمره وقضاؤه. * * ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: وهو ذو قدرة على فعل كل شيء أراده [﴿قَدِيرٌ﴾]: لا يمنعه مما أراد شيء. وقيل: معناه: الذي بيده الملك، يعطيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء. * * - ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾. أي: خلق الموت ليميت الأحياء، وخلق الحياة ليحيي الموتى. وفعل ذلك ليختبركم في حياتكم وطول إقامتكم في الدنيا، أيكم أحسن عملاً فيجازيه على ذلك في الآخرة. وقد علم تعالى كل ما هم عاملون، وعلم الطائع والعاصي قبل خلقهم، لكن المجازاة إنما تقع بعد ظهور الأعمال، [لا يجازى] أحد (بعلم الله فيه دون ظهور عمله). فالمعنى: ليختبر وقوع ذلك (منكم) على ما سبق في علمه وقضائه. وتقديره: من خير وشر احتساباً منكم. قال قتادة: أذل الله ابن آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة ودار فناء، وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء. * * - ثم قال: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً﴾ أي: اخترع ذلك طبقا فوق طبق. * * ﴿مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾ أي: من اختلاف، يعني في خلق السماوات، وقيل: في كل ما خلق، فكله محكم دال على قادر بارئ حكيم في تدبيره ولطفه. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ﴾. أي: هل ترى يا ابن آدم من شقوق أو وَهْيٍ؟ - (ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾). أي: ثم رد البصر يا ابن آدم مرتين مرة بعد أخرى، هل ترى من شقوق، أو وَهْيٍ في الخلق أو تفاوت؟! ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: يرجع إليك البصر صاغراً متبعداً عن أن يجد تفاوتاً أو شقوقاً. من قولهم للكلب: "اخسأ" إذا طردوه، أي: أبعد صاغراً. يقال: خسأته فخسأ. * * وقوله: ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: معي. (وقال ابن عباس: "﴿خَاسِئاً﴾: ذليلاً ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: مرجف. وقال قتادة: معناه: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾، أي: معي)، وعنه قول ابن عباس. يقال: حسير ومحسور للرجل إذا بلغ غاية الإعياء. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ وَجَعَلْنَٰهَا رُجُوماً لِّلشَّيَٰطِينِ﴾ أي: زينا السماء بنجوم ترجم الشياطين بها إذا [أتوا لاستراق] السمع. قال قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاث: خلقها للزينة، وترجم الشياطين (بها)، وعلامات يهتدوا بها. و "رجوم" مصدر على قول من قال: إنما يرجم من [النجوم] بالشهب، ولا تبرح النجوم (بنفسها). ومن قال: بل يرجم بها نفسها قال: رجوم جمع رجم. * * - ثم قال: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: وأعتدنا للشياطين في الآخرة عذاباً يسعر عليهم. * * - ثم قال: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾. أي: وللذين جحدوا توحيد ربهم في الآخرة عذاب جهنم، وبئس المصير عذاب جهنم. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ﴾. أي: إذا [ألقي] الكافرون في جهنم سمعوا لجهنم شهيقاً، أي صوت الشهيق. والشهيق: الصوت الذي يخرج من الجوف بشدة كصوت الحمار. ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾: تغلي بهم كما تغلي القدر. * * - ثم قال تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ (أي: تكاد جهنم تتفرق وتتقطع من الغيظ على الكفار). * * ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾. أي: كلما ألقي في جهنم جماعة سألهم خزنة جهنم فيقولون لهم: ألم يأتكم نذير في الدنيا ينذركم هذا العذاب الذي حل بكم؟ [فيجيبهم] المشركون: ﴿بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ...﴾، فيقول لهم [الخزنة]. * * ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾. أي: في ضلال عن الحق بعيد. "ونذير": بمعنى منذر. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: وقال الفوج لخزنة جهنم: لو كنا نسمع من النذير ما جاءنا به من الحق سماع قبول، أو نعقل عنه ما يدعونا اليه فنفهمه فهم قبول ما كنا اليوم في أصحاب النار. وقيل: ﴿[نَسْمَعُ﴾ بمعنى]: نقبل منهم ما يقولون لنا. ومنه قولهم: سمع الله لمن حمده: أي قبل منه. والقول الأول هو بمنزلة قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] لم يكونوا كذلك، ولكن لما لم ينتفعوا بهذه الجوارح في عاقبة أمرهم كانوا بمنزلة الصم والبكم والعمي. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: فأقروا بذنبهم، فبعدا لهم. قاله ابن عباس. وقال ابن جبير: ﴿فَسُحْقاً﴾: هو واد في جهنم. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. أي: إن الذين يخافون ربهم ولم يروه وقيل: معناه: يخافون ربهم إذا غابوا عن أعين الناس، فمن خاف الله في الخلاء فهو أحرى أن يخافه بحضرة الناس. * * ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾. أي: ستر على ذنوبهم وصفح عنها. * * ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. أي: وثواب عظيم، وهو "الجنة". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ﴾ أي: وأخفوا كلامكم إن شئتم أو أعلنوه إن شئتم، فإنه لا يخفى على الله منه شيء. * * ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾. أي: عليم بضمائر الصدور. فمن كان لا يخفى عليه ضمائر الصدور كيف يخفى عليه القول سراً كان أو جهراً.؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾. "من": في موضع رفع اسم الله جل ذكره. ويقبح أن تكون في موضع نصب لأنه يلزم أن يقال: "ألا يعلم ما خلق"، لأنه راجع إلى (ذات الصدور). فالمعنى: ألا يعلم من خلق الصدور سرها وعلانيتها، كيف يخفى عليه خلقه وهو اللطيف بعباده، الخبير بأعمالهم؟! وإذا جعلت "من" بمعنى "ما" في موضع نصب، كان فيه دليل قوي) على أن الله خالق ما تكن الصدور من خير وشر. ففيه حجة [قوية] على القدرية الذين يدعون أنهم يخلقون الشر وأن الله لم يخلقه ولا قدره، تعالى أن يكون في ملكه ما لم يخلقه وما لم يقدره، بل لا خالق لكل شيء إلا الله، ولو كان الشر لم يخلقه الله فمن خلق إبليس؟! ومن خلق الأصنام التي تعبد من دون الله؟! ومن خلق نطفة الزاني وولد الزانية؟! ومن خلق قوة الزاني والسارق وقاطع الطريق؟! وهو كله شر من خلق الله كما قال تعالى: ﴿يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ [فاطر: ٨]. وقال: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢]، فكلٌّ بمشيئته كان، لا شريك له، يفعل ما يشاء، لا معقب لحكمه. وكذلك يكون المعنى إذا جعلت "من" في موضع رفع اسم الله جل ذكره [ويكون التقدير: ألا] يعلم الخالق خلقه وهو (ما) في الصدور (من خير وشر فيهم ذلك أن الخلق كله لله: ما في الصدور) وغيره. وقل أهل الزيغ: "من" في موضع نصب يراد به الخلق دون ما في الصدور، فهو يدل على خلق أصحاب الأفعال دون الأفعال، وهو خطأ ظاهر على ما قدمنا. * * - ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً﴾ أي: سهلاً سهلها لكم. * * ﴿فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا﴾. قال ابن عباس: في جبالها، وقاله قتادة، وعن ابن عباس أيضاً: ﴿مَنَاكِبِهَا﴾: أطرافها، وقيل: نواحيها، وقيل: معناه في جوانبها [المذللة] الممهدة. وقال مجاهد: "طرقها وفجاجها". * * ﴿وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ﴾ (أي: من رزقه) الذي أخرجه لكم من الأرض. * * ﴿وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ﴾. أي: وإليه نشوركم من قبوركم. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَءَمِنتُمْ مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلأَرْضَ﴾ أي: أأمنتم - أيها الكافرون - الله الذي في السماء أن يخسف بكم الأرض عقوبة على كفركم به؟! * * ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾. أي: تضطرب. ﴿أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ (وهو الله). * * ﴿أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ وهو التراب فيه الحصباء الصغار فيهلككم بذلك على كفركم. أي: لم تأمنوا [من ذلك]، فما بالكم مقيمين على كفركم؟! * * ثم قال: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾. أي: كيف عاقبة نذيري لكم إذ كذبتموه. ولا يعمل ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ "في ﴿كَيْفَ﴾ لأنها استفهام، وهي خبر "نذير". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ﴾. أي: ولقد كذّب الذين كانوا قبل هؤلاء المشركين رسلهم، فكيف كان إنكاري لتكذيبهم؟! ألم نهلكهم بضروب من النقمات؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَـٰفَّـٰتٍ﴾ أي: أو لم ير هؤلاء المشركون قدرة الله في الطير فوقهم في الهواء صافات أجنحتهن أحياناً ويقبضنها أحياناً؟!. ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾، فيكون لهم بذلك مذكر على قدرة الله وأنه لا يقدر على إمساك الطير على تلك الحال أحد إلا الله. * * ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾. أي: إن الله ذو بصر وخبر بكل شيء، لا يدخل في تدبيره خلل ولا في خلقه تفاوت. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ﴾. أي: من ينقذكم من عذاب الرحمن إذا نزل بكم على كفركم؟! ما ﴿ٱلْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ﴾ من ظنهم أن آلهتهم تقربهم إلى الله زلفى وأنها تنفع أو تضر. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ أي: من يرزقكم أيها المشركون إن أمسك الرحمن رزقه عنكم. أي: من يأتي بالمطر إن أمسكه عنكم الرحمن. * * ثم قال تعالى: ﴿بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾. ([أي]: بل تمادوا في طغيان ونفور) [من] الحق استكباراً. * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. أي: أفمن يمشي في الضلالة أهدى أمن يمشي في الهدى؟! يعني الكافر والمؤمن، فهو مثل ضربه الله لهما في الدنيا. هذا معنى قول مجاهد والضحاك وابن عباس. قال قتادة: هذا في الآخرة، أفمن يمشي مكبا على وجهه وهو الكافر، أكب في الدنيا على [المعاصي] فحشره الله يوم القيامة على وجهه. - [رواه] عن النبي ﷺ -، قال: فقيل: يا رسول الله كيف يحشر الكافر على وجهه فقال: إن الذي أمشاه على رجليه لقادر أن يحشره يوم القيامة على وجهه وقيل: الذي يمشي مكباً على وجهه: أبو جهل، والذي هو على صراط مستقيم: حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، ثم هو في كل من كان مثلهما.

الملك 67:5

قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، إلى قوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. تبارك: تفاعل من البركة، ولا يقال منه مستقبل ولا اسم فاعل. ومعناه: تعاظم وتعالى الرب الذي بيده ملك الدنيا والآخرة [وسلطانهما]، نافذ فيهما أمره وقضاؤه. * * ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: وهو ذو قدرة على فعل كل شيء أراده [﴿قَدِيرٌ﴾]: لا يمنعه مما أراد شيء. وقيل: معناه: الذي بيده الملك، يعطيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء. * * - ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾. أي: خلق الموت ليميت الأحياء، وخلق الحياة ليحيي الموتى. وفعل ذلك ليختبركم في حياتكم وطول إقامتكم في الدنيا، أيكم أحسن عملاً فيجازيه على ذلك في الآخرة. وقد علم تعالى كل ما هم عاملون، وعلم الطائع والعاصي قبل خلقهم، لكن المجازاة إنما تقع بعد ظهور الأعمال، [لا يجازى] أحد (بعلم الله فيه دون ظهور عمله). فالمعنى: ليختبر وقوع ذلك (منكم) على ما سبق في علمه وقضائه. وتقديره: من خير وشر احتساباً منكم. قال قتادة: أذل الله ابن آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة ودار فناء، وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء. * * - ثم قال: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً﴾ أي: اخترع ذلك طبقا فوق طبق. * * ﴿مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾ أي: من اختلاف، يعني في خلق السماوات، وقيل: في كل ما خلق، فكله محكم دال على قادر بارئ حكيم في تدبيره ولطفه. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ﴾. أي: هل ترى يا ابن آدم من شقوق أو وَهْيٍ؟ - (ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾). أي: ثم رد البصر يا ابن آدم مرتين مرة بعد أخرى، هل ترى من شقوق، أو وَهْيٍ في الخلق أو تفاوت؟! ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: يرجع إليك البصر صاغراً متبعداً عن أن يجد تفاوتاً أو شقوقاً. من قولهم للكلب: "اخسأ" إذا طردوه، أي: أبعد صاغراً. يقال: خسأته فخسأ. * * وقوله: ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: معي. (وقال ابن عباس: "﴿خَاسِئاً﴾: ذليلاً ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: مرجف. وقال قتادة: معناه: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾، أي: معي)، وعنه قول ابن عباس. يقال: حسير ومحسور للرجل إذا بلغ غاية الإعياء. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ وَجَعَلْنَٰهَا رُجُوماً لِّلشَّيَٰطِينِ﴾ أي: زينا السماء بنجوم ترجم الشياطين بها إذا [أتوا لاستراق] السمع. قال قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاث: خلقها للزينة، وترجم الشياطين (بها)، وعلامات يهتدوا بها. و "رجوم" مصدر على قول من قال: إنما يرجم من [النجوم] بالشهب، ولا تبرح النجوم (بنفسها). ومن قال: بل يرجم بها نفسها قال: رجوم جمع رجم. * * - ثم قال: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: وأعتدنا للشياطين في الآخرة عذاباً يسعر عليهم. * * - ثم قال: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾. أي: وللذين جحدوا توحيد ربهم في الآخرة عذاب جهنم، وبئس المصير عذاب جهنم. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ﴾. أي: إذا [ألقي] الكافرون في جهنم سمعوا لجهنم شهيقاً، أي صوت الشهيق. والشهيق: الصوت الذي يخرج من الجوف بشدة كصوت الحمار. ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾: تغلي بهم كما تغلي القدر. * * - ثم قال تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ (أي: تكاد جهنم تتفرق وتتقطع من الغيظ على الكفار). * * ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾. أي: كلما ألقي في جهنم جماعة سألهم خزنة جهنم فيقولون لهم: ألم يأتكم نذير في الدنيا ينذركم هذا العذاب الذي حل بكم؟ [فيجيبهم] المشركون: ﴿بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ...﴾، فيقول لهم [الخزنة]. * * ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾. أي: في ضلال عن الحق بعيد. "ونذير": بمعنى منذر. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: وقال الفوج لخزنة جهنم: لو كنا نسمع من النذير ما جاءنا به من الحق سماع قبول، أو نعقل عنه ما يدعونا اليه فنفهمه فهم قبول ما كنا اليوم في أصحاب النار. وقيل: ﴿[نَسْمَعُ﴾ بمعنى]: نقبل منهم ما يقولون لنا. ومنه قولهم: سمع الله لمن حمده: أي قبل منه. والقول الأول هو بمنزلة قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] لم يكونوا كذلك، ولكن لما لم ينتفعوا بهذه الجوارح في عاقبة أمرهم كانوا بمنزلة الصم والبكم والعمي. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: فأقروا بذنبهم، فبعدا لهم. قاله ابن عباس. وقال ابن جبير: ﴿فَسُحْقاً﴾: هو واد في جهنم. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. أي: إن الذين يخافون ربهم ولم يروه وقيل: معناه: يخافون ربهم إذا غابوا عن أعين الناس، فمن خاف الله في الخلاء فهو أحرى أن يخافه بحضرة الناس. * * ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾. أي: ستر على ذنوبهم وصفح عنها. * * ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. أي: وثواب عظيم، وهو "الجنة". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ﴾ أي: وأخفوا كلامكم إن شئتم أو أعلنوه إن شئتم، فإنه لا يخفى على الله منه شيء. * * ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾. أي: عليم بضمائر الصدور. فمن كان لا يخفى عليه ضمائر الصدور كيف يخفى عليه القول سراً كان أو جهراً.؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾. "من": في موضع رفع اسم الله جل ذكره. ويقبح أن تكون في موضع نصب لأنه يلزم أن يقال: "ألا يعلم ما خلق"، لأنه راجع إلى (ذات الصدور). فالمعنى: ألا يعلم من خلق الصدور سرها وعلانيتها، كيف يخفى عليه خلقه وهو اللطيف بعباده، الخبير بأعمالهم؟! وإذا جعلت "من" بمعنى "ما" في موضع نصب، كان فيه دليل قوي) على أن الله خالق ما تكن الصدور من خير وشر. ففيه حجة [قوية] على القدرية الذين يدعون أنهم يخلقون الشر وأن الله لم يخلقه ولا قدره، تعالى أن يكون في ملكه ما لم يخلقه وما لم يقدره، بل لا خالق لكل شيء إلا الله، ولو كان الشر لم يخلقه الله فمن خلق إبليس؟! ومن خلق الأصنام التي تعبد من دون الله؟! ومن خلق نطفة الزاني وولد الزانية؟! ومن خلق قوة الزاني والسارق وقاطع الطريق؟! وهو كله شر من خلق الله كما قال تعالى: ﴿يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ [فاطر: ٨]. وقال: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢]، فكلٌّ بمشيئته كان، لا شريك له، يفعل ما يشاء، لا معقب لحكمه. وكذلك يكون المعنى إذا جعلت "من" في موضع رفع اسم الله جل ذكره [ويكون التقدير: ألا] يعلم الخالق خلقه وهو (ما) في الصدور (من خير وشر فيهم ذلك أن الخلق كله لله: ما في الصدور) وغيره. وقل أهل الزيغ: "من" في موضع نصب يراد به الخلق دون ما في الصدور، فهو يدل على خلق أصحاب الأفعال دون الأفعال، وهو خطأ ظاهر على ما قدمنا. * * - ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً﴾ أي: سهلاً سهلها لكم. * * ﴿فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا﴾. قال ابن عباس: في جبالها، وقاله قتادة، وعن ابن عباس أيضاً: ﴿مَنَاكِبِهَا﴾: أطرافها، وقيل: نواحيها، وقيل: معناه في جوانبها [المذللة] الممهدة. وقال مجاهد: "طرقها وفجاجها". * * ﴿وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ﴾ (أي: من رزقه) الذي أخرجه لكم من الأرض. * * ﴿وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ﴾. أي: وإليه نشوركم من قبوركم. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَءَمِنتُمْ مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلأَرْضَ﴾ أي: أأمنتم - أيها الكافرون - الله الذي في السماء أن يخسف بكم الأرض عقوبة على كفركم به؟! * * ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾. أي: تضطرب. ﴿أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ (وهو الله). * * ﴿أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ وهو التراب فيه الحصباء الصغار فيهلككم بذلك على كفركم. أي: لم تأمنوا [من ذلك]، فما بالكم مقيمين على كفركم؟! * * ثم قال: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾. أي: كيف عاقبة نذيري لكم إذ كذبتموه. ولا يعمل ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ "في ﴿كَيْفَ﴾ لأنها استفهام، وهي خبر "نذير". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ﴾. أي: ولقد كذّب الذين كانوا قبل هؤلاء المشركين رسلهم، فكيف كان إنكاري لتكذيبهم؟! ألم نهلكهم بضروب من النقمات؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَـٰفَّـٰتٍ﴾ أي: أو لم ير هؤلاء المشركون قدرة الله في الطير فوقهم في الهواء صافات أجنحتهن أحياناً ويقبضنها أحياناً؟!. ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾، فيكون لهم بذلك مذكر على قدرة الله وأنه لا يقدر على إمساك الطير على تلك الحال أحد إلا الله. * * ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾. أي: إن الله ذو بصر وخبر بكل شيء، لا يدخل في تدبيره خلل ولا في خلقه تفاوت. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ﴾. أي: من ينقذكم من عذاب الرحمن إذا نزل بكم على كفركم؟! ما ﴿ٱلْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ﴾ من ظنهم أن آلهتهم تقربهم إلى الله زلفى وأنها تنفع أو تضر. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ أي: من يرزقكم أيها المشركون إن أمسك الرحمن رزقه عنكم. أي: من يأتي بالمطر إن أمسكه عنكم الرحمن. * * ثم قال تعالى: ﴿بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾. ([أي]: بل تمادوا في طغيان ونفور) [من] الحق استكباراً. * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. أي: أفمن يمشي في الضلالة أهدى أمن يمشي في الهدى؟! يعني الكافر والمؤمن، فهو مثل ضربه الله لهما في الدنيا. هذا معنى قول مجاهد والضحاك وابن عباس. قال قتادة: هذا في الآخرة، أفمن يمشي مكبا على وجهه وهو الكافر، أكب في الدنيا على [المعاصي] فحشره الله يوم القيامة على وجهه. - [رواه] عن النبي ﷺ -، قال: فقيل: يا رسول الله كيف يحشر الكافر على وجهه فقال: إن الذي أمشاه على رجليه لقادر أن يحشره يوم القيامة على وجهه وقيل: الذي يمشي مكباً على وجهه: أبو جهل، والذي هو على صراط مستقيم: حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، ثم هو في كل من كان مثلهما.

الملك 67:6

قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، إلى قوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. تبارك: تفاعل من البركة، ولا يقال منه مستقبل ولا اسم فاعل. ومعناه: تعاظم وتعالى الرب الذي بيده ملك الدنيا والآخرة [وسلطانهما]، نافذ فيهما أمره وقضاؤه. * * ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: وهو ذو قدرة على فعل كل شيء أراده [﴿قَدِيرٌ﴾]: لا يمنعه مما أراد شيء. وقيل: معناه: الذي بيده الملك، يعطيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء. * * - ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾. أي: خلق الموت ليميت الأحياء، وخلق الحياة ليحيي الموتى. وفعل ذلك ليختبركم في حياتكم وطول إقامتكم في الدنيا، أيكم أحسن عملاً فيجازيه على ذلك في الآخرة. وقد علم تعالى كل ما هم عاملون، وعلم الطائع والعاصي قبل خلقهم، لكن المجازاة إنما تقع بعد ظهور الأعمال، [لا يجازى] أحد (بعلم الله فيه دون ظهور عمله). فالمعنى: ليختبر وقوع ذلك (منكم) على ما سبق في علمه وقضائه. وتقديره: من خير وشر احتساباً منكم. قال قتادة: أذل الله ابن آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة ودار فناء، وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء. * * - ثم قال: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً﴾ أي: اخترع ذلك طبقا فوق طبق. * * ﴿مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾ أي: من اختلاف، يعني في خلق السماوات، وقيل: في كل ما خلق، فكله محكم دال على قادر بارئ حكيم في تدبيره ولطفه. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ﴾. أي: هل ترى يا ابن آدم من شقوق أو وَهْيٍ؟ - (ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾). أي: ثم رد البصر يا ابن آدم مرتين مرة بعد أخرى، هل ترى من شقوق، أو وَهْيٍ في الخلق أو تفاوت؟! ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: يرجع إليك البصر صاغراً متبعداً عن أن يجد تفاوتاً أو شقوقاً. من قولهم للكلب: "اخسأ" إذا طردوه، أي: أبعد صاغراً. يقال: خسأته فخسأ. * * وقوله: ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: معي. (وقال ابن عباس: "﴿خَاسِئاً﴾: ذليلاً ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: مرجف. وقال قتادة: معناه: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾، أي: معي)، وعنه قول ابن عباس. يقال: حسير ومحسور للرجل إذا بلغ غاية الإعياء. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ وَجَعَلْنَٰهَا رُجُوماً لِّلشَّيَٰطِينِ﴾ أي: زينا السماء بنجوم ترجم الشياطين بها إذا [أتوا لاستراق] السمع. قال قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاث: خلقها للزينة، وترجم الشياطين (بها)، وعلامات يهتدوا بها. و "رجوم" مصدر على قول من قال: إنما يرجم من [النجوم] بالشهب، ولا تبرح النجوم (بنفسها). ومن قال: بل يرجم بها نفسها قال: رجوم جمع رجم. * * - ثم قال: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: وأعتدنا للشياطين في الآخرة عذاباً يسعر عليهم. * * - ثم قال: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾. أي: وللذين جحدوا توحيد ربهم في الآخرة عذاب جهنم، وبئس المصير عذاب جهنم. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ﴾. أي: إذا [ألقي] الكافرون في جهنم سمعوا لجهنم شهيقاً، أي صوت الشهيق. والشهيق: الصوت الذي يخرج من الجوف بشدة كصوت الحمار. ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾: تغلي بهم كما تغلي القدر. * * - ثم قال تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ (أي: تكاد جهنم تتفرق وتتقطع من الغيظ على الكفار). * * ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾. أي: كلما ألقي في جهنم جماعة سألهم خزنة جهنم فيقولون لهم: ألم يأتكم نذير في الدنيا ينذركم هذا العذاب الذي حل بكم؟ [فيجيبهم] المشركون: ﴿بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ...﴾، فيقول لهم [الخزنة]. * * ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾. أي: في ضلال عن الحق بعيد. "ونذير": بمعنى منذر. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: وقال الفوج لخزنة جهنم: لو كنا نسمع من النذير ما جاءنا به من الحق سماع قبول، أو نعقل عنه ما يدعونا اليه فنفهمه فهم قبول ما كنا اليوم في أصحاب النار. وقيل: ﴿[نَسْمَعُ﴾ بمعنى]: نقبل منهم ما يقولون لنا. ومنه قولهم: سمع الله لمن حمده: أي قبل منه. والقول الأول هو بمنزلة قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] لم يكونوا كذلك، ولكن لما لم ينتفعوا بهذه الجوارح في عاقبة أمرهم كانوا بمنزلة الصم والبكم والعمي. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: فأقروا بذنبهم، فبعدا لهم. قاله ابن عباس. وقال ابن جبير: ﴿فَسُحْقاً﴾: هو واد في جهنم. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. أي: إن الذين يخافون ربهم ولم يروه وقيل: معناه: يخافون ربهم إذا غابوا عن أعين الناس، فمن خاف الله في الخلاء فهو أحرى أن يخافه بحضرة الناس. * * ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾. أي: ستر على ذنوبهم وصفح عنها. * * ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. أي: وثواب عظيم، وهو "الجنة". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ﴾ أي: وأخفوا كلامكم إن شئتم أو أعلنوه إن شئتم، فإنه لا يخفى على الله منه شيء. * * ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾. أي: عليم بضمائر الصدور. فمن كان لا يخفى عليه ضمائر الصدور كيف يخفى عليه القول سراً كان أو جهراً.؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾. "من": في موضع رفع اسم الله جل ذكره. ويقبح أن تكون في موضع نصب لأنه يلزم أن يقال: "ألا يعلم ما خلق"، لأنه راجع إلى (ذات الصدور). فالمعنى: ألا يعلم من خلق الصدور سرها وعلانيتها، كيف يخفى عليه خلقه وهو اللطيف بعباده، الخبير بأعمالهم؟! وإذا جعلت "من" بمعنى "ما" في موضع نصب، كان فيه دليل قوي) على أن الله خالق ما تكن الصدور من خير وشر. ففيه حجة [قوية] على القدرية الذين يدعون أنهم يخلقون الشر وأن الله لم يخلقه ولا قدره، تعالى أن يكون في ملكه ما لم يخلقه وما لم يقدره، بل لا خالق لكل شيء إلا الله، ولو كان الشر لم يخلقه الله فمن خلق إبليس؟! ومن خلق الأصنام التي تعبد من دون الله؟! ومن خلق نطفة الزاني وولد الزانية؟! ومن خلق قوة الزاني والسارق وقاطع الطريق؟! وهو كله شر من خلق الله كما قال تعالى: ﴿يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ [فاطر: ٨]. وقال: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢]، فكلٌّ بمشيئته كان، لا شريك له، يفعل ما يشاء، لا معقب لحكمه. وكذلك يكون المعنى إذا جعلت "من" في موضع رفع اسم الله جل ذكره [ويكون التقدير: ألا] يعلم الخالق خلقه وهو (ما) في الصدور (من خير وشر فيهم ذلك أن الخلق كله لله: ما في الصدور) وغيره. وقل أهل الزيغ: "من" في موضع نصب يراد به الخلق دون ما في الصدور، فهو يدل على خلق أصحاب الأفعال دون الأفعال، وهو خطأ ظاهر على ما قدمنا. * * - ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً﴾ أي: سهلاً سهلها لكم. * * ﴿فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا﴾. قال ابن عباس: في جبالها، وقاله قتادة، وعن ابن عباس أيضاً: ﴿مَنَاكِبِهَا﴾: أطرافها، وقيل: نواحيها، وقيل: معناه في جوانبها [المذللة] الممهدة. وقال مجاهد: "طرقها وفجاجها". * * ﴿وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ﴾ (أي: من رزقه) الذي أخرجه لكم من الأرض. * * ﴿وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ﴾. أي: وإليه نشوركم من قبوركم. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَءَمِنتُمْ مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلأَرْضَ﴾ أي: أأمنتم - أيها الكافرون - الله الذي في السماء أن يخسف بكم الأرض عقوبة على كفركم به؟! * * ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾. أي: تضطرب. ﴿أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ (وهو الله). * * ﴿أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ وهو التراب فيه الحصباء الصغار فيهلككم بذلك على كفركم. أي: لم تأمنوا [من ذلك]، فما بالكم مقيمين على كفركم؟! * * ثم قال: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾. أي: كيف عاقبة نذيري لكم إذ كذبتموه. ولا يعمل ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ "في ﴿كَيْفَ﴾ لأنها استفهام، وهي خبر "نذير". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ﴾. أي: ولقد كذّب الذين كانوا قبل هؤلاء المشركين رسلهم، فكيف كان إنكاري لتكذيبهم؟! ألم نهلكهم بضروب من النقمات؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَـٰفَّـٰتٍ﴾ أي: أو لم ير هؤلاء المشركون قدرة الله في الطير فوقهم في الهواء صافات أجنحتهن أحياناً ويقبضنها أحياناً؟!. ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾، فيكون لهم بذلك مذكر على قدرة الله وأنه لا يقدر على إمساك الطير على تلك الحال أحد إلا الله. * * ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾. أي: إن الله ذو بصر وخبر بكل شيء، لا يدخل في تدبيره خلل ولا في خلقه تفاوت. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ﴾. أي: من ينقذكم من عذاب الرحمن إذا نزل بكم على كفركم؟! ما ﴿ٱلْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ﴾ من ظنهم أن آلهتهم تقربهم إلى الله زلفى وأنها تنفع أو تضر. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ أي: من يرزقكم أيها المشركون إن أمسك الرحمن رزقه عنكم. أي: من يأتي بالمطر إن أمسكه عنكم الرحمن. * * ثم قال تعالى: ﴿بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾. ([أي]: بل تمادوا في طغيان ونفور) [من] الحق استكباراً. * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. أي: أفمن يمشي في الضلالة أهدى أمن يمشي في الهدى؟! يعني الكافر والمؤمن، فهو مثل ضربه الله لهما في الدنيا. هذا معنى قول مجاهد والضحاك وابن عباس. قال قتادة: هذا في الآخرة، أفمن يمشي مكبا على وجهه وهو الكافر، أكب في الدنيا على [المعاصي] فحشره الله يوم القيامة على وجهه. - [رواه] عن النبي ﷺ -، قال: فقيل: يا رسول الله كيف يحشر الكافر على وجهه فقال: إن الذي أمشاه على رجليه لقادر أن يحشره يوم القيامة على وجهه وقيل: الذي يمشي مكباً على وجهه: أبو جهل، والذي هو على صراط مستقيم: حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، ثم هو في كل من كان مثلهما.

الملك 67:7

قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، إلى قوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. تبارك: تفاعل من البركة، ولا يقال منه مستقبل ولا اسم فاعل. ومعناه: تعاظم وتعالى الرب الذي بيده ملك الدنيا والآخرة [وسلطانهما]، نافذ فيهما أمره وقضاؤه. * * ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: وهو ذو قدرة على فعل كل شيء أراده [﴿قَدِيرٌ﴾]: لا يمنعه مما أراد شيء. وقيل: معناه: الذي بيده الملك، يعطيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء. * * - ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾. أي: خلق الموت ليميت الأحياء، وخلق الحياة ليحيي الموتى. وفعل ذلك ليختبركم في حياتكم وطول إقامتكم في الدنيا، أيكم أحسن عملاً فيجازيه على ذلك في الآخرة. وقد علم تعالى كل ما هم عاملون، وعلم الطائع والعاصي قبل خلقهم، لكن المجازاة إنما تقع بعد ظهور الأعمال، [لا يجازى] أحد (بعلم الله فيه دون ظهور عمله). فالمعنى: ليختبر وقوع ذلك (منكم) على ما سبق في علمه وقضائه. وتقديره: من خير وشر احتساباً منكم. قال قتادة: أذل الله ابن آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة ودار فناء، وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء. * * - ثم قال: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً﴾ أي: اخترع ذلك طبقا فوق طبق. * * ﴿مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾ أي: من اختلاف، يعني في خلق السماوات، وقيل: في كل ما خلق، فكله محكم دال على قادر بارئ حكيم في تدبيره ولطفه. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ﴾. أي: هل ترى يا ابن آدم من شقوق أو وَهْيٍ؟ - (ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾). أي: ثم رد البصر يا ابن آدم مرتين مرة بعد أخرى، هل ترى من شقوق، أو وَهْيٍ في الخلق أو تفاوت؟! ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: يرجع إليك البصر صاغراً متبعداً عن أن يجد تفاوتاً أو شقوقاً. من قولهم للكلب: "اخسأ" إذا طردوه، أي: أبعد صاغراً. يقال: خسأته فخسأ. * * وقوله: ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: معي. (وقال ابن عباس: "﴿خَاسِئاً﴾: ذليلاً ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: مرجف. وقال قتادة: معناه: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾، أي: معي)، وعنه قول ابن عباس. يقال: حسير ومحسور للرجل إذا بلغ غاية الإعياء. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ وَجَعَلْنَٰهَا رُجُوماً لِّلشَّيَٰطِينِ﴾ أي: زينا السماء بنجوم ترجم الشياطين بها إذا [أتوا لاستراق] السمع. قال قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاث: خلقها للزينة، وترجم الشياطين (بها)، وعلامات يهتدوا بها. و "رجوم" مصدر على قول من قال: إنما يرجم من [النجوم] بالشهب، ولا تبرح النجوم (بنفسها). ومن قال: بل يرجم بها نفسها قال: رجوم جمع رجم. * * - ثم قال: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: وأعتدنا للشياطين في الآخرة عذاباً يسعر عليهم. * * - ثم قال: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾. أي: وللذين جحدوا توحيد ربهم في الآخرة عذاب جهنم، وبئس المصير عذاب جهنم. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ﴾. أي: إذا [ألقي] الكافرون في جهنم سمعوا لجهنم شهيقاً، أي صوت الشهيق. والشهيق: الصوت الذي يخرج من الجوف بشدة كصوت الحمار. ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾: تغلي بهم كما تغلي القدر. * * - ثم قال تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ (أي: تكاد جهنم تتفرق وتتقطع من الغيظ على الكفار). * * ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾. أي: كلما ألقي في جهنم جماعة سألهم خزنة جهنم فيقولون لهم: ألم يأتكم نذير في الدنيا ينذركم هذا العذاب الذي حل بكم؟ [فيجيبهم] المشركون: ﴿بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ...﴾، فيقول لهم [الخزنة]. * * ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾. أي: في ضلال عن الحق بعيد. "ونذير": بمعنى منذر. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: وقال الفوج لخزنة جهنم: لو كنا نسمع من النذير ما جاءنا به من الحق سماع قبول، أو نعقل عنه ما يدعونا اليه فنفهمه فهم قبول ما كنا اليوم في أصحاب النار. وقيل: ﴿[نَسْمَعُ﴾ بمعنى]: نقبل منهم ما يقولون لنا. ومنه قولهم: سمع الله لمن حمده: أي قبل منه. والقول الأول هو بمنزلة قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] لم يكونوا كذلك، ولكن لما لم ينتفعوا بهذه الجوارح في عاقبة أمرهم كانوا بمنزلة الصم والبكم والعمي. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: فأقروا بذنبهم، فبعدا لهم. قاله ابن عباس. وقال ابن جبير: ﴿فَسُحْقاً﴾: هو واد في جهنم. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. أي: إن الذين يخافون ربهم ولم يروه وقيل: معناه: يخافون ربهم إذا غابوا عن أعين الناس، فمن خاف الله في الخلاء فهو أحرى أن يخافه بحضرة الناس. * * ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾. أي: ستر على ذنوبهم وصفح عنها. * * ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. أي: وثواب عظيم، وهو "الجنة". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ﴾ أي: وأخفوا كلامكم إن شئتم أو أعلنوه إن شئتم، فإنه لا يخفى على الله منه شيء. * * ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾. أي: عليم بضمائر الصدور. فمن كان لا يخفى عليه ضمائر الصدور كيف يخفى عليه القول سراً كان أو جهراً.؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾. "من": في موضع رفع اسم الله جل ذكره. ويقبح أن تكون في موضع نصب لأنه يلزم أن يقال: "ألا يعلم ما خلق"، لأنه راجع إلى (ذات الصدور). فالمعنى: ألا يعلم من خلق الصدور سرها وعلانيتها، كيف يخفى عليه خلقه وهو اللطيف بعباده، الخبير بأعمالهم؟! وإذا جعلت "من" بمعنى "ما" في موضع نصب، كان فيه دليل قوي) على أن الله خالق ما تكن الصدور من خير وشر. ففيه حجة [قوية] على القدرية الذين يدعون أنهم يخلقون الشر وأن الله لم يخلقه ولا قدره، تعالى أن يكون في ملكه ما لم يخلقه وما لم يقدره، بل لا خالق لكل شيء إلا الله، ولو كان الشر لم يخلقه الله فمن خلق إبليس؟! ومن خلق الأصنام التي تعبد من دون الله؟! ومن خلق نطفة الزاني وولد الزانية؟! ومن خلق قوة الزاني والسارق وقاطع الطريق؟! وهو كله شر من خلق الله كما قال تعالى: ﴿يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ [فاطر: ٨]. وقال: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢]، فكلٌّ بمشيئته كان، لا شريك له، يفعل ما يشاء، لا معقب لحكمه. وكذلك يكون المعنى إذا جعلت "من" في موضع رفع اسم الله جل ذكره [ويكون التقدير: ألا] يعلم الخالق خلقه وهو (ما) في الصدور (من خير وشر فيهم ذلك أن الخلق كله لله: ما في الصدور) وغيره. وقل أهل الزيغ: "من" في موضع نصب يراد به الخلق دون ما في الصدور، فهو يدل على خلق أصحاب الأفعال دون الأفعال، وهو خطأ ظاهر على ما قدمنا. * * - ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً﴾ أي: سهلاً سهلها لكم. * * ﴿فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا﴾. قال ابن عباس: في جبالها، وقاله قتادة، وعن ابن عباس أيضاً: ﴿مَنَاكِبِهَا﴾: أطرافها، وقيل: نواحيها، وقيل: معناه في جوانبها [المذللة] الممهدة. وقال مجاهد: "طرقها وفجاجها". * * ﴿وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ﴾ (أي: من رزقه) الذي أخرجه لكم من الأرض. * * ﴿وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ﴾. أي: وإليه نشوركم من قبوركم. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَءَمِنتُمْ مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلأَرْضَ﴾ أي: أأمنتم - أيها الكافرون - الله الذي في السماء أن يخسف بكم الأرض عقوبة على كفركم به؟! * * ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾. أي: تضطرب. ﴿أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ (وهو الله). * * ﴿أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ وهو التراب فيه الحصباء الصغار فيهلككم بذلك على كفركم. أي: لم تأمنوا [من ذلك]، فما بالكم مقيمين على كفركم؟! * * ثم قال: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾. أي: كيف عاقبة نذيري لكم إذ كذبتموه. ولا يعمل ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ "في ﴿كَيْفَ﴾ لأنها استفهام، وهي خبر "نذير". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ﴾. أي: ولقد كذّب الذين كانوا قبل هؤلاء المشركين رسلهم، فكيف كان إنكاري لتكذيبهم؟! ألم نهلكهم بضروب من النقمات؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَـٰفَّـٰتٍ﴾ أي: أو لم ير هؤلاء المشركون قدرة الله في الطير فوقهم في الهواء صافات أجنحتهن أحياناً ويقبضنها أحياناً؟!. ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾، فيكون لهم بذلك مذكر على قدرة الله وأنه لا يقدر على إمساك الطير على تلك الحال أحد إلا الله. * * ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾. أي: إن الله ذو بصر وخبر بكل شيء، لا يدخل في تدبيره خلل ولا في خلقه تفاوت. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ﴾. أي: من ينقذكم من عذاب الرحمن إذا نزل بكم على كفركم؟! ما ﴿ٱلْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ﴾ من ظنهم أن آلهتهم تقربهم إلى الله زلفى وأنها تنفع أو تضر. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ أي: من يرزقكم أيها المشركون إن أمسك الرحمن رزقه عنكم. أي: من يأتي بالمطر إن أمسكه عنكم الرحمن. * * ثم قال تعالى: ﴿بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾. ([أي]: بل تمادوا في طغيان ونفور) [من] الحق استكباراً. * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. أي: أفمن يمشي في الضلالة أهدى أمن يمشي في الهدى؟! يعني الكافر والمؤمن، فهو مثل ضربه الله لهما في الدنيا. هذا معنى قول مجاهد والضحاك وابن عباس. قال قتادة: هذا في الآخرة، أفمن يمشي مكبا على وجهه وهو الكافر، أكب في الدنيا على [المعاصي] فحشره الله يوم القيامة على وجهه. - [رواه] عن النبي ﷺ -، قال: فقيل: يا رسول الله كيف يحشر الكافر على وجهه فقال: إن الذي أمشاه على رجليه لقادر أن يحشره يوم القيامة على وجهه وقيل: الذي يمشي مكباً على وجهه: أبو جهل، والذي هو على صراط مستقيم: حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، ثم هو في كل من كان مثلهما.

الملك 67:8

قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، إلى قوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. تبارك: تفاعل من البركة، ولا يقال منه مستقبل ولا اسم فاعل. ومعناه: تعاظم وتعالى الرب الذي بيده ملك الدنيا والآخرة [وسلطانهما]، نافذ فيهما أمره وقضاؤه. * * ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: وهو ذو قدرة على فعل كل شيء أراده [﴿قَدِيرٌ﴾]: لا يمنعه مما أراد شيء. وقيل: معناه: الذي بيده الملك، يعطيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء. * * - ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾. أي: خلق الموت ليميت الأحياء، وخلق الحياة ليحيي الموتى. وفعل ذلك ليختبركم في حياتكم وطول إقامتكم في الدنيا، أيكم أحسن عملاً فيجازيه على ذلك في الآخرة. وقد علم تعالى كل ما هم عاملون، وعلم الطائع والعاصي قبل خلقهم، لكن المجازاة إنما تقع بعد ظهور الأعمال، [لا يجازى] أحد (بعلم الله فيه دون ظهور عمله). فالمعنى: ليختبر وقوع ذلك (منكم) على ما سبق في علمه وقضائه. وتقديره: من خير وشر احتساباً منكم. قال قتادة: أذل الله ابن آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة ودار فناء، وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء. * * - ثم قال: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً﴾ أي: اخترع ذلك طبقا فوق طبق. * * ﴿مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾ أي: من اختلاف، يعني في خلق السماوات، وقيل: في كل ما خلق، فكله محكم دال على قادر بارئ حكيم في تدبيره ولطفه. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ﴾. أي: هل ترى يا ابن آدم من شقوق أو وَهْيٍ؟ - (ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾). أي: ثم رد البصر يا ابن آدم مرتين مرة بعد أخرى، هل ترى من شقوق، أو وَهْيٍ في الخلق أو تفاوت؟! ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: يرجع إليك البصر صاغراً متبعداً عن أن يجد تفاوتاً أو شقوقاً. من قولهم للكلب: "اخسأ" إذا طردوه، أي: أبعد صاغراً. يقال: خسأته فخسأ. * * وقوله: ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: معي. (وقال ابن عباس: "﴿خَاسِئاً﴾: ذليلاً ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: مرجف. وقال قتادة: معناه: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾، أي: معي)، وعنه قول ابن عباس. يقال: حسير ومحسور للرجل إذا بلغ غاية الإعياء. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ وَجَعَلْنَٰهَا رُجُوماً لِّلشَّيَٰطِينِ﴾ أي: زينا السماء بنجوم ترجم الشياطين بها إذا [أتوا لاستراق] السمع. قال قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاث: خلقها للزينة، وترجم الشياطين (بها)، وعلامات يهتدوا بها. و "رجوم" مصدر على قول من قال: إنما يرجم من [النجوم] بالشهب، ولا تبرح النجوم (بنفسها). ومن قال: بل يرجم بها نفسها قال: رجوم جمع رجم. * * - ثم قال: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: وأعتدنا للشياطين في الآخرة عذاباً يسعر عليهم. * * - ثم قال: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾. أي: وللذين جحدوا توحيد ربهم في الآخرة عذاب جهنم، وبئس المصير عذاب جهنم. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ﴾. أي: إذا [ألقي] الكافرون في جهنم سمعوا لجهنم شهيقاً، أي صوت الشهيق. والشهيق: الصوت الذي يخرج من الجوف بشدة كصوت الحمار. ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾: تغلي بهم كما تغلي القدر. * * - ثم قال تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ (أي: تكاد جهنم تتفرق وتتقطع من الغيظ على الكفار). * * ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾. أي: كلما ألقي في جهنم جماعة سألهم خزنة جهنم فيقولون لهم: ألم يأتكم نذير في الدنيا ينذركم هذا العذاب الذي حل بكم؟ [فيجيبهم] المشركون: ﴿بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ...﴾، فيقول لهم [الخزنة]. * * ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾. أي: في ضلال عن الحق بعيد. "ونذير": بمعنى منذر. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: وقال الفوج لخزنة جهنم: لو كنا نسمع من النذير ما جاءنا به من الحق سماع قبول، أو نعقل عنه ما يدعونا اليه فنفهمه فهم قبول ما كنا اليوم في أصحاب النار. وقيل: ﴿[نَسْمَعُ﴾ بمعنى]: نقبل منهم ما يقولون لنا. ومنه قولهم: سمع الله لمن حمده: أي قبل منه. والقول الأول هو بمنزلة قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] لم يكونوا كذلك، ولكن لما لم ينتفعوا بهذه الجوارح في عاقبة أمرهم كانوا بمنزلة الصم والبكم والعمي. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: فأقروا بذنبهم، فبعدا لهم. قاله ابن عباس. وقال ابن جبير: ﴿فَسُحْقاً﴾: هو واد في جهنم. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. أي: إن الذين يخافون ربهم ولم يروه وقيل: معناه: يخافون ربهم إذا غابوا عن أعين الناس، فمن خاف الله في الخلاء فهو أحرى أن يخافه بحضرة الناس. * * ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾. أي: ستر على ذنوبهم وصفح عنها. * * ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. أي: وثواب عظيم، وهو "الجنة". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ﴾ أي: وأخفوا كلامكم إن شئتم أو أعلنوه إن شئتم، فإنه لا يخفى على الله منه شيء. * * ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾. أي: عليم بضمائر الصدور. فمن كان لا يخفى عليه ضمائر الصدور كيف يخفى عليه القول سراً كان أو جهراً.؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾. "من": في موضع رفع اسم الله جل ذكره. ويقبح أن تكون في موضع نصب لأنه يلزم أن يقال: "ألا يعلم ما خلق"، لأنه راجع إلى (ذات الصدور). فالمعنى: ألا يعلم من خلق الصدور سرها وعلانيتها، كيف يخفى عليه خلقه وهو اللطيف بعباده، الخبير بأعمالهم؟! وإذا جعلت "من" بمعنى "ما" في موضع نصب، كان فيه دليل قوي) على أن الله خالق ما تكن الصدور من خير وشر. ففيه حجة [قوية] على القدرية الذين يدعون أنهم يخلقون الشر وأن الله لم يخلقه ولا قدره، تعالى أن يكون في ملكه ما لم يخلقه وما لم يقدره، بل لا خالق لكل شيء إلا الله، ولو كان الشر لم يخلقه الله فمن خلق إبليس؟! ومن خلق الأصنام التي تعبد من دون الله؟! ومن خلق نطفة الزاني وولد الزانية؟! ومن خلق قوة الزاني والسارق وقاطع الطريق؟! وهو كله شر من خلق الله كما قال تعالى: ﴿يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ [فاطر: ٨]. وقال: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢]، فكلٌّ بمشيئته كان، لا شريك له، يفعل ما يشاء، لا معقب لحكمه. وكذلك يكون المعنى إذا جعلت "من" في موضع رفع اسم الله جل ذكره [ويكون التقدير: ألا] يعلم الخالق خلقه وهو (ما) في الصدور (من خير وشر فيهم ذلك أن الخلق كله لله: ما في الصدور) وغيره. وقل أهل الزيغ: "من" في موضع نصب يراد به الخلق دون ما في الصدور، فهو يدل على خلق أصحاب الأفعال دون الأفعال، وهو خطأ ظاهر على ما قدمنا. * * - ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً﴾ أي: سهلاً سهلها لكم. * * ﴿فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا﴾. قال ابن عباس: في جبالها، وقاله قتادة، وعن ابن عباس أيضاً: ﴿مَنَاكِبِهَا﴾: أطرافها، وقيل: نواحيها، وقيل: معناه في جوانبها [المذللة] الممهدة. وقال مجاهد: "طرقها وفجاجها". * * ﴿وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ﴾ (أي: من رزقه) الذي أخرجه لكم من الأرض. * * ﴿وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ﴾. أي: وإليه نشوركم من قبوركم. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَءَمِنتُمْ مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلأَرْضَ﴾ أي: أأمنتم - أيها الكافرون - الله الذي في السماء أن يخسف بكم الأرض عقوبة على كفركم به؟! * * ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾. أي: تضطرب. ﴿أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ (وهو الله). * * ﴿أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ وهو التراب فيه الحصباء الصغار فيهلككم بذلك على كفركم. أي: لم تأمنوا [من ذلك]، فما بالكم مقيمين على كفركم؟! * * ثم قال: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾. أي: كيف عاقبة نذيري لكم إذ كذبتموه. ولا يعمل ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ "في ﴿كَيْفَ﴾ لأنها استفهام، وهي خبر "نذير". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ﴾. أي: ولقد كذّب الذين كانوا قبل هؤلاء المشركين رسلهم، فكيف كان إنكاري لتكذيبهم؟! ألم نهلكهم بضروب من النقمات؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَـٰفَّـٰتٍ﴾ أي: أو لم ير هؤلاء المشركون قدرة الله في الطير فوقهم في الهواء صافات أجنحتهن أحياناً ويقبضنها أحياناً؟!. ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾، فيكون لهم بذلك مذكر على قدرة الله وأنه لا يقدر على إمساك الطير على تلك الحال أحد إلا الله. * * ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾. أي: إن الله ذو بصر وخبر بكل شيء، لا يدخل في تدبيره خلل ولا في خلقه تفاوت. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ﴾. أي: من ينقذكم من عذاب الرحمن إذا نزل بكم على كفركم؟! ما ﴿ٱلْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ﴾ من ظنهم أن آلهتهم تقربهم إلى الله زلفى وأنها تنفع أو تضر. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ أي: من يرزقكم أيها المشركون إن أمسك الرحمن رزقه عنكم. أي: من يأتي بالمطر إن أمسكه عنكم الرحمن. * * ثم قال تعالى: ﴿بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾. ([أي]: بل تمادوا في طغيان ونفور) [من] الحق استكباراً. * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. أي: أفمن يمشي في الضلالة أهدى أمن يمشي في الهدى؟! يعني الكافر والمؤمن، فهو مثل ضربه الله لهما في الدنيا. هذا معنى قول مجاهد والضحاك وابن عباس. قال قتادة: هذا في الآخرة، أفمن يمشي مكبا على وجهه وهو الكافر، أكب في الدنيا على [المعاصي] فحشره الله يوم القيامة على وجهه. - [رواه] عن النبي ﷺ -، قال: فقيل: يا رسول الله كيف يحشر الكافر على وجهه فقال: إن الذي أمشاه على رجليه لقادر أن يحشره يوم القيامة على وجهه وقيل: الذي يمشي مكباً على وجهه: أبو جهل، والذي هو على صراط مستقيم: حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، ثم هو في كل من كان مثلهما.

الملك 67:9

قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، إلى قوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. تبارك: تفاعل من البركة، ولا يقال منه مستقبل ولا اسم فاعل. ومعناه: تعاظم وتعالى الرب الذي بيده ملك الدنيا والآخرة [وسلطانهما]، نافذ فيهما أمره وقضاؤه. * * ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: وهو ذو قدرة على فعل كل شيء أراده [﴿قَدِيرٌ﴾]: لا يمنعه مما أراد شيء. وقيل: معناه: الذي بيده الملك، يعطيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء. * * - ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾. أي: خلق الموت ليميت الأحياء، وخلق الحياة ليحيي الموتى. وفعل ذلك ليختبركم في حياتكم وطول إقامتكم في الدنيا، أيكم أحسن عملاً فيجازيه على ذلك في الآخرة. وقد علم تعالى كل ما هم عاملون، وعلم الطائع والعاصي قبل خلقهم، لكن المجازاة إنما تقع بعد ظهور الأعمال، [لا يجازى] أحد (بعلم الله فيه دون ظهور عمله). فالمعنى: ليختبر وقوع ذلك (منكم) على ما سبق في علمه وقضائه. وتقديره: من خير وشر احتساباً منكم. قال قتادة: أذل الله ابن آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة ودار فناء، وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء. * * - ثم قال: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً﴾ أي: اخترع ذلك طبقا فوق طبق. * * ﴿مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾ أي: من اختلاف، يعني في خلق السماوات، وقيل: في كل ما خلق، فكله محكم دال على قادر بارئ حكيم في تدبيره ولطفه. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ﴾. أي: هل ترى يا ابن آدم من شقوق أو وَهْيٍ؟ - (ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾). أي: ثم رد البصر يا ابن آدم مرتين مرة بعد أخرى، هل ترى من شقوق، أو وَهْيٍ في الخلق أو تفاوت؟! ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: يرجع إليك البصر صاغراً متبعداً عن أن يجد تفاوتاً أو شقوقاً. من قولهم للكلب: "اخسأ" إذا طردوه، أي: أبعد صاغراً. يقال: خسأته فخسأ. * * وقوله: ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: معي. (وقال ابن عباس: "﴿خَاسِئاً﴾: ذليلاً ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: مرجف. وقال قتادة: معناه: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾، أي: معي)، وعنه قول ابن عباس. يقال: حسير ومحسور للرجل إذا بلغ غاية الإعياء. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ وَجَعَلْنَٰهَا رُجُوماً لِّلشَّيَٰطِينِ﴾ أي: زينا السماء بنجوم ترجم الشياطين بها إذا [أتوا لاستراق] السمع. قال قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاث: خلقها للزينة، وترجم الشياطين (بها)، وعلامات يهتدوا بها. و "رجوم" مصدر على قول من قال: إنما يرجم من [النجوم] بالشهب، ولا تبرح النجوم (بنفسها). ومن قال: بل يرجم بها نفسها قال: رجوم جمع رجم. * * - ثم قال: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: وأعتدنا للشياطين في الآخرة عذاباً يسعر عليهم. * * - ثم قال: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾. أي: وللذين جحدوا توحيد ربهم في الآخرة عذاب جهنم، وبئس المصير عذاب جهنم. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ﴾. أي: إذا [ألقي] الكافرون في جهنم سمعوا لجهنم شهيقاً، أي صوت الشهيق. والشهيق: الصوت الذي يخرج من الجوف بشدة كصوت الحمار. ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾: تغلي بهم كما تغلي القدر. * * - ثم قال تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ (أي: تكاد جهنم تتفرق وتتقطع من الغيظ على الكفار). * * ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾. أي: كلما ألقي في جهنم جماعة سألهم خزنة جهنم فيقولون لهم: ألم يأتكم نذير في الدنيا ينذركم هذا العذاب الذي حل بكم؟ [فيجيبهم] المشركون: ﴿بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ...﴾، فيقول لهم [الخزنة]. * * ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾. أي: في ضلال عن الحق بعيد. "ونذير": بمعنى منذر. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: وقال الفوج لخزنة جهنم: لو كنا نسمع من النذير ما جاءنا به من الحق سماع قبول، أو نعقل عنه ما يدعونا اليه فنفهمه فهم قبول ما كنا اليوم في أصحاب النار. وقيل: ﴿[نَسْمَعُ﴾ بمعنى]: نقبل منهم ما يقولون لنا. ومنه قولهم: سمع الله لمن حمده: أي قبل منه. والقول الأول هو بمنزلة قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] لم يكونوا كذلك، ولكن لما لم ينتفعوا بهذه الجوارح في عاقبة أمرهم كانوا بمنزلة الصم والبكم والعمي. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: فأقروا بذنبهم، فبعدا لهم. قاله ابن عباس. وقال ابن جبير: ﴿فَسُحْقاً﴾: هو واد في جهنم. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. أي: إن الذين يخافون ربهم ولم يروه وقيل: معناه: يخافون ربهم إذا غابوا عن أعين الناس، فمن خاف الله في الخلاء فهو أحرى أن يخافه بحضرة الناس. * * ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾. أي: ستر على ذنوبهم وصفح عنها. * * ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. أي: وثواب عظيم، وهو "الجنة". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ﴾ أي: وأخفوا كلامكم إن شئتم أو أعلنوه إن شئتم، فإنه لا يخفى على الله منه شيء. * * ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾. أي: عليم بضمائر الصدور. فمن كان لا يخفى عليه ضمائر الصدور كيف يخفى عليه القول سراً كان أو جهراً.؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾. "من": في موضع رفع اسم الله جل ذكره. ويقبح أن تكون في موضع نصب لأنه يلزم أن يقال: "ألا يعلم ما خلق"، لأنه راجع إلى (ذات الصدور). فالمعنى: ألا يعلم من خلق الصدور سرها وعلانيتها، كيف يخفى عليه خلقه وهو اللطيف بعباده، الخبير بأعمالهم؟! وإذا جعلت "من" بمعنى "ما" في موضع نصب، كان فيه دليل قوي) على أن الله خالق ما تكن الصدور من خير وشر. ففيه حجة [قوية] على القدرية الذين يدعون أنهم يخلقون الشر وأن الله لم يخلقه ولا قدره، تعالى أن يكون في ملكه ما لم يخلقه وما لم يقدره، بل لا خالق لكل شيء إلا الله، ولو كان الشر لم يخلقه الله فمن خلق إبليس؟! ومن خلق الأصنام التي تعبد من دون الله؟! ومن خلق نطفة الزاني وولد الزانية؟! ومن خلق قوة الزاني والسارق وقاطع الطريق؟! وهو كله شر من خلق الله كما قال تعالى: ﴿يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ [فاطر: ٨]. وقال: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢]، فكلٌّ بمشيئته كان، لا شريك له، يفعل ما يشاء، لا معقب لحكمه. وكذلك يكون المعنى إذا جعلت "من" في موضع رفع اسم الله جل ذكره [ويكون التقدير: ألا] يعلم الخالق خلقه وهو (ما) في الصدور (من خير وشر فيهم ذلك أن الخلق كله لله: ما في الصدور) وغيره. وقل أهل الزيغ: "من" في موضع نصب يراد به الخلق دون ما في الصدور، فهو يدل على خلق أصحاب الأفعال دون الأفعال، وهو خطأ ظاهر على ما قدمنا. * * - ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً﴾ أي: سهلاً سهلها لكم. * * ﴿فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا﴾. قال ابن عباس: في جبالها، وقاله قتادة، وعن ابن عباس أيضاً: ﴿مَنَاكِبِهَا﴾: أطرافها، وقيل: نواحيها، وقيل: معناه في جوانبها [المذللة] الممهدة. وقال مجاهد: "طرقها وفجاجها". * * ﴿وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ﴾ (أي: من رزقه) الذي أخرجه لكم من الأرض. * * ﴿وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ﴾. أي: وإليه نشوركم من قبوركم. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَءَمِنتُمْ مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلأَرْضَ﴾ أي: أأمنتم - أيها الكافرون - الله الذي في السماء أن يخسف بكم الأرض عقوبة على كفركم به؟! * * ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾. أي: تضطرب. ﴿أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ (وهو الله). * * ﴿أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ وهو التراب فيه الحصباء الصغار فيهلككم بذلك على كفركم. أي: لم تأمنوا [من ذلك]، فما بالكم مقيمين على كفركم؟! * * ثم قال: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾. أي: كيف عاقبة نذيري لكم إذ كذبتموه. ولا يعمل ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ "في ﴿كَيْفَ﴾ لأنها استفهام، وهي خبر "نذير". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ﴾. أي: ولقد كذّب الذين كانوا قبل هؤلاء المشركين رسلهم، فكيف كان إنكاري لتكذيبهم؟! ألم نهلكهم بضروب من النقمات؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَـٰفَّـٰتٍ﴾ أي: أو لم ير هؤلاء المشركون قدرة الله في الطير فوقهم في الهواء صافات أجنحتهن أحياناً ويقبضنها أحياناً؟!. ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾، فيكون لهم بذلك مذكر على قدرة الله وأنه لا يقدر على إمساك الطير على تلك الحال أحد إلا الله. * * ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾. أي: إن الله ذو بصر وخبر بكل شيء، لا يدخل في تدبيره خلل ولا في خلقه تفاوت. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ﴾. أي: من ينقذكم من عذاب الرحمن إذا نزل بكم على كفركم؟! ما ﴿ٱلْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ﴾ من ظنهم أن آلهتهم تقربهم إلى الله زلفى وأنها تنفع أو تضر. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ أي: من يرزقكم أيها المشركون إن أمسك الرحمن رزقه عنكم. أي: من يأتي بالمطر إن أمسكه عنكم الرحمن. * * ثم قال تعالى: ﴿بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾. ([أي]: بل تمادوا في طغيان ونفور) [من] الحق استكباراً. * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. أي: أفمن يمشي في الضلالة أهدى أمن يمشي في الهدى؟! يعني الكافر والمؤمن، فهو مثل ضربه الله لهما في الدنيا. هذا معنى قول مجاهد والضحاك وابن عباس. قال قتادة: هذا في الآخرة، أفمن يمشي مكبا على وجهه وهو الكافر، أكب في الدنيا على [المعاصي] فحشره الله يوم القيامة على وجهه. - [رواه] عن النبي ﷺ -، قال: فقيل: يا رسول الله كيف يحشر الكافر على وجهه فقال: إن الذي أمشاه على رجليه لقادر أن يحشره يوم القيامة على وجهه وقيل: الذي يمشي مكباً على وجهه: أبو جهل، والذي هو على صراط مستقيم: حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، ثم هو في كل من كان مثلهما.

الملك 67:10

قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، إلى قوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. تبارك: تفاعل من البركة، ولا يقال منه مستقبل ولا اسم فاعل. ومعناه: تعاظم وتعالى الرب الذي بيده ملك الدنيا والآخرة [وسلطانهما]، نافذ فيهما أمره وقضاؤه. * * ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: وهو ذو قدرة على فعل كل شيء أراده [﴿قَدِيرٌ﴾]: لا يمنعه مما أراد شيء. وقيل: معناه: الذي بيده الملك، يعطيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء. * * - ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾. أي: خلق الموت ليميت الأحياء، وخلق الحياة ليحيي الموتى. وفعل ذلك ليختبركم في حياتكم وطول إقامتكم في الدنيا، أيكم أحسن عملاً فيجازيه على ذلك في الآخرة. وقد علم تعالى كل ما هم عاملون، وعلم الطائع والعاصي قبل خلقهم، لكن المجازاة إنما تقع بعد ظهور الأعمال، [لا يجازى] أحد (بعلم الله فيه دون ظهور عمله). فالمعنى: ليختبر وقوع ذلك (منكم) على ما سبق في علمه وقضائه. وتقديره: من خير وشر احتساباً منكم. قال قتادة: أذل الله ابن آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة ودار فناء، وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء. * * - ثم قال: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً﴾ أي: اخترع ذلك طبقا فوق طبق. * * ﴿مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾ أي: من اختلاف، يعني في خلق السماوات، وقيل: في كل ما خلق، فكله محكم دال على قادر بارئ حكيم في تدبيره ولطفه. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ﴾. أي: هل ترى يا ابن آدم من شقوق أو وَهْيٍ؟ - (ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾). أي: ثم رد البصر يا ابن آدم مرتين مرة بعد أخرى، هل ترى من شقوق، أو وَهْيٍ في الخلق أو تفاوت؟! ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: يرجع إليك البصر صاغراً متبعداً عن أن يجد تفاوتاً أو شقوقاً. من قولهم للكلب: "اخسأ" إذا طردوه، أي: أبعد صاغراً. يقال: خسأته فخسأ. * * وقوله: ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: معي. (وقال ابن عباس: "﴿خَاسِئاً﴾: ذليلاً ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: مرجف. وقال قتادة: معناه: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾، أي: معي)، وعنه قول ابن عباس. يقال: حسير ومحسور للرجل إذا بلغ غاية الإعياء. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ وَجَعَلْنَٰهَا رُجُوماً لِّلشَّيَٰطِينِ﴾ أي: زينا السماء بنجوم ترجم الشياطين بها إذا [أتوا لاستراق] السمع. قال قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاث: خلقها للزينة، وترجم الشياطين (بها)، وعلامات يهتدوا بها. و "رجوم" مصدر على قول من قال: إنما يرجم من [النجوم] بالشهب، ولا تبرح النجوم (بنفسها). ومن قال: بل يرجم بها نفسها قال: رجوم جمع رجم. * * - ثم قال: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: وأعتدنا للشياطين في الآخرة عذاباً يسعر عليهم. * * - ثم قال: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾. أي: وللذين جحدوا توحيد ربهم في الآخرة عذاب جهنم، وبئس المصير عذاب جهنم. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ﴾. أي: إذا [ألقي] الكافرون في جهنم سمعوا لجهنم شهيقاً، أي صوت الشهيق. والشهيق: الصوت الذي يخرج من الجوف بشدة كصوت الحمار. ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾: تغلي بهم كما تغلي القدر. * * - ثم قال تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ (أي: تكاد جهنم تتفرق وتتقطع من الغيظ على الكفار). * * ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾. أي: كلما ألقي في جهنم جماعة سألهم خزنة جهنم فيقولون لهم: ألم يأتكم نذير في الدنيا ينذركم هذا العذاب الذي حل بكم؟ [فيجيبهم] المشركون: ﴿بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ...﴾، فيقول لهم [الخزنة]. * * ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾. أي: في ضلال عن الحق بعيد. "ونذير": بمعنى منذر. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: وقال الفوج لخزنة جهنم: لو كنا نسمع من النذير ما جاءنا به من الحق سماع قبول، أو نعقل عنه ما يدعونا اليه فنفهمه فهم قبول ما كنا اليوم في أصحاب النار. وقيل: ﴿[نَسْمَعُ﴾ بمعنى]: نقبل منهم ما يقولون لنا. ومنه قولهم: سمع الله لمن حمده: أي قبل منه. والقول الأول هو بمنزلة قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] لم يكونوا كذلك، ولكن لما لم ينتفعوا بهذه الجوارح في عاقبة أمرهم كانوا بمنزلة الصم والبكم والعمي. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: فأقروا بذنبهم، فبعدا لهم. قاله ابن عباس. وقال ابن جبير: ﴿فَسُحْقاً﴾: هو واد في جهنم. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. أي: إن الذين يخافون ربهم ولم يروه وقيل: معناه: يخافون ربهم إذا غابوا عن أعين الناس، فمن خاف الله في الخلاء فهو أحرى أن يخافه بحضرة الناس. * * ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾. أي: ستر على ذنوبهم وصفح عنها. * * ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. أي: وثواب عظيم، وهو "الجنة". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ﴾ أي: وأخفوا كلامكم إن شئتم أو أعلنوه إن شئتم، فإنه لا يخفى على الله منه شيء. * * ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾. أي: عليم بضمائر الصدور. فمن كان لا يخفى عليه ضمائر الصدور كيف يخفى عليه القول سراً كان أو جهراً.؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾. "من": في موضع رفع اسم الله جل ذكره. ويقبح أن تكون في موضع نصب لأنه يلزم أن يقال: "ألا يعلم ما خلق"، لأنه راجع إلى (ذات الصدور). فالمعنى: ألا يعلم من خلق الصدور سرها وعلانيتها، كيف يخفى عليه خلقه وهو اللطيف بعباده، الخبير بأعمالهم؟! وإذا جعلت "من" بمعنى "ما" في موضع نصب، كان فيه دليل قوي) على أن الله خالق ما تكن الصدور من خير وشر. ففيه حجة [قوية] على القدرية الذين يدعون أنهم يخلقون الشر وأن الله لم يخلقه ولا قدره، تعالى أن يكون في ملكه ما لم يخلقه وما لم يقدره، بل لا خالق لكل شيء إلا الله، ولو كان الشر لم يخلقه الله فمن خلق إبليس؟! ومن خلق الأصنام التي تعبد من دون الله؟! ومن خلق نطفة الزاني وولد الزانية؟! ومن خلق قوة الزاني والسارق وقاطع الطريق؟! وهو كله شر من خلق الله كما قال تعالى: ﴿يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ [فاطر: ٨]. وقال: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢]، فكلٌّ بمشيئته كان، لا شريك له، يفعل ما يشاء، لا معقب لحكمه. وكذلك يكون المعنى إذا جعلت "من" في موضع رفع اسم الله جل ذكره [ويكون التقدير: ألا] يعلم الخالق خلقه وهو (ما) في الصدور (من خير وشر فيهم ذلك أن الخلق كله لله: ما في الصدور) وغيره. وقل أهل الزيغ: "من" في موضع نصب يراد به الخلق دون ما في الصدور، فهو يدل على خلق أصحاب الأفعال دون الأفعال، وهو خطأ ظاهر على ما قدمنا. * * - ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً﴾ أي: سهلاً سهلها لكم. * * ﴿فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا﴾. قال ابن عباس: في جبالها، وقاله قتادة، وعن ابن عباس أيضاً: ﴿مَنَاكِبِهَا﴾: أطرافها، وقيل: نواحيها، وقيل: معناه في جوانبها [المذللة] الممهدة. وقال مجاهد: "طرقها وفجاجها". * * ﴿وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ﴾ (أي: من رزقه) الذي أخرجه لكم من الأرض. * * ﴿وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ﴾. أي: وإليه نشوركم من قبوركم. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَءَمِنتُمْ مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلأَرْضَ﴾ أي: أأمنتم - أيها الكافرون - الله الذي في السماء أن يخسف بكم الأرض عقوبة على كفركم به؟! * * ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾. أي: تضطرب. ﴿أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ (وهو الله). * * ﴿أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ وهو التراب فيه الحصباء الصغار فيهلككم بذلك على كفركم. أي: لم تأمنوا [من ذلك]، فما بالكم مقيمين على كفركم؟! * * ثم قال: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾. أي: كيف عاقبة نذيري لكم إذ كذبتموه. ولا يعمل ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ "في ﴿كَيْفَ﴾ لأنها استفهام، وهي خبر "نذير". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ﴾. أي: ولقد كذّب الذين كانوا قبل هؤلاء المشركين رسلهم، فكيف كان إنكاري لتكذيبهم؟! ألم نهلكهم بضروب من النقمات؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَـٰفَّـٰتٍ﴾ أي: أو لم ير هؤلاء المشركون قدرة الله في الطير فوقهم في الهواء صافات أجنحتهن أحياناً ويقبضنها أحياناً؟!. ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾، فيكون لهم بذلك مذكر على قدرة الله وأنه لا يقدر على إمساك الطير على تلك الحال أحد إلا الله. * * ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾. أي: إن الله ذو بصر وخبر بكل شيء، لا يدخل في تدبيره خلل ولا في خلقه تفاوت. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ﴾. أي: من ينقذكم من عذاب الرحمن إذا نزل بكم على كفركم؟! ما ﴿ٱلْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ﴾ من ظنهم أن آلهتهم تقربهم إلى الله زلفى وأنها تنفع أو تضر. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ أي: من يرزقكم أيها المشركون إن أمسك الرحمن رزقه عنكم. أي: من يأتي بالمطر إن أمسكه عنكم الرحمن. * * ثم قال تعالى: ﴿بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾. ([أي]: بل تمادوا في طغيان ونفور) [من] الحق استكباراً. * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. أي: أفمن يمشي في الضلالة أهدى أمن يمشي في الهدى؟! يعني الكافر والمؤمن، فهو مثل ضربه الله لهما في الدنيا. هذا معنى قول مجاهد والضحاك وابن عباس. قال قتادة: هذا في الآخرة، أفمن يمشي مكبا على وجهه وهو الكافر، أكب في الدنيا على [المعاصي] فحشره الله يوم القيامة على وجهه. - [رواه] عن النبي ﷺ -، قال: فقيل: يا رسول الله كيف يحشر الكافر على وجهه فقال: إن الذي أمشاه على رجليه لقادر أن يحشره يوم القيامة على وجهه وقيل: الذي يمشي مكباً على وجهه: أبو جهل، والذي هو على صراط مستقيم: حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، ثم هو في كل من كان مثلهما.

الملك 67:11

قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، إلى قوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. تبارك: تفاعل من البركة، ولا يقال منه مستقبل ولا اسم فاعل. ومعناه: تعاظم وتعالى الرب الذي بيده ملك الدنيا والآخرة [وسلطانهما]، نافذ فيهما أمره وقضاؤه. * * ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: وهو ذو قدرة على فعل كل شيء أراده [﴿قَدِيرٌ﴾]: لا يمنعه مما أراد شيء. وقيل: معناه: الذي بيده الملك، يعطيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء. * * - ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾. أي: خلق الموت ليميت الأحياء، وخلق الحياة ليحيي الموتى. وفعل ذلك ليختبركم في حياتكم وطول إقامتكم في الدنيا، أيكم أحسن عملاً فيجازيه على ذلك في الآخرة. وقد علم تعالى كل ما هم عاملون، وعلم الطائع والعاصي قبل خلقهم، لكن المجازاة إنما تقع بعد ظهور الأعمال، [لا يجازى] أحد (بعلم الله فيه دون ظهور عمله). فالمعنى: ليختبر وقوع ذلك (منكم) على ما سبق في علمه وقضائه. وتقديره: من خير وشر احتساباً منكم. قال قتادة: أذل الله ابن آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة ودار فناء، وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء. * * - ثم قال: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً﴾ أي: اخترع ذلك طبقا فوق طبق. * * ﴿مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾ أي: من اختلاف، يعني في خلق السماوات، وقيل: في كل ما خلق، فكله محكم دال على قادر بارئ حكيم في تدبيره ولطفه. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ﴾. أي: هل ترى يا ابن آدم من شقوق أو وَهْيٍ؟ - (ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾). أي: ثم رد البصر يا ابن آدم مرتين مرة بعد أخرى، هل ترى من شقوق، أو وَهْيٍ في الخلق أو تفاوت؟! ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: يرجع إليك البصر صاغراً متبعداً عن أن يجد تفاوتاً أو شقوقاً. من قولهم للكلب: "اخسأ" إذا طردوه، أي: أبعد صاغراً. يقال: خسأته فخسأ. * * وقوله: ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: معي. (وقال ابن عباس: "﴿خَاسِئاً﴾: ذليلاً ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: مرجف. وقال قتادة: معناه: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾، أي: معي)، وعنه قول ابن عباس. يقال: حسير ومحسور للرجل إذا بلغ غاية الإعياء. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ وَجَعَلْنَٰهَا رُجُوماً لِّلشَّيَٰطِينِ﴾ أي: زينا السماء بنجوم ترجم الشياطين بها إذا [أتوا لاستراق] السمع. قال قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاث: خلقها للزينة، وترجم الشياطين (بها)، وعلامات يهتدوا بها. و "رجوم" مصدر على قول من قال: إنما يرجم من [النجوم] بالشهب، ولا تبرح النجوم (بنفسها). ومن قال: بل يرجم بها نفسها قال: رجوم جمع رجم. * * - ثم قال: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: وأعتدنا للشياطين في الآخرة عذاباً يسعر عليهم. * * - ثم قال: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾. أي: وللذين جحدوا توحيد ربهم في الآخرة عذاب جهنم، وبئس المصير عذاب جهنم. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ﴾. أي: إذا [ألقي] الكافرون في جهنم سمعوا لجهنم شهيقاً، أي صوت الشهيق. والشهيق: الصوت الذي يخرج من الجوف بشدة كصوت الحمار. ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾: تغلي بهم كما تغلي القدر. * * - ثم قال تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ (أي: تكاد جهنم تتفرق وتتقطع من الغيظ على الكفار). * * ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾. أي: كلما ألقي في جهنم جماعة سألهم خزنة جهنم فيقولون لهم: ألم يأتكم نذير في الدنيا ينذركم هذا العذاب الذي حل بكم؟ [فيجيبهم] المشركون: ﴿بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ...﴾، فيقول لهم [الخزنة]. * * ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾. أي: في ضلال عن الحق بعيد. "ونذير": بمعنى منذر. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: وقال الفوج لخزنة جهنم: لو كنا نسمع من النذير ما جاءنا به من الحق سماع قبول، أو نعقل عنه ما يدعونا اليه فنفهمه فهم قبول ما كنا اليوم في أصحاب النار. وقيل: ﴿[نَسْمَعُ﴾ بمعنى]: نقبل منهم ما يقولون لنا. ومنه قولهم: سمع الله لمن حمده: أي قبل منه. والقول الأول هو بمنزلة قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] لم يكونوا كذلك، ولكن لما لم ينتفعوا بهذه الجوارح في عاقبة أمرهم كانوا بمنزلة الصم والبكم والعمي. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: فأقروا بذنبهم، فبعدا لهم. قاله ابن عباس. وقال ابن جبير: ﴿فَسُحْقاً﴾: هو واد في جهنم. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. أي: إن الذين يخافون ربهم ولم يروه وقيل: معناه: يخافون ربهم إذا غابوا عن أعين الناس، فمن خاف الله في الخلاء فهو أحرى أن يخافه بحضرة الناس. * * ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾. أي: ستر على ذنوبهم وصفح عنها. * * ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. أي: وثواب عظيم، وهو "الجنة". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ﴾ أي: وأخفوا كلامكم إن شئتم أو أعلنوه إن شئتم، فإنه لا يخفى على الله منه شيء. * * ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾. أي: عليم بضمائر الصدور. فمن كان لا يخفى عليه ضمائر الصدور كيف يخفى عليه القول سراً كان أو جهراً.؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾. "من": في موضع رفع اسم الله جل ذكره. ويقبح أن تكون في موضع نصب لأنه يلزم أن يقال: "ألا يعلم ما خلق"، لأنه راجع إلى (ذات الصدور). فالمعنى: ألا يعلم من خلق الصدور سرها وعلانيتها، كيف يخفى عليه خلقه وهو اللطيف بعباده، الخبير بأعمالهم؟! وإذا جعلت "من" بمعنى "ما" في موضع نصب، كان فيه دليل قوي) على أن الله خالق ما تكن الصدور من خير وشر. ففيه حجة [قوية] على القدرية الذين يدعون أنهم يخلقون الشر وأن الله لم يخلقه ولا قدره، تعالى أن يكون في ملكه ما لم يخلقه وما لم يقدره، بل لا خالق لكل شيء إلا الله، ولو كان الشر لم يخلقه الله فمن خلق إبليس؟! ومن خلق الأصنام التي تعبد من دون الله؟! ومن خلق نطفة الزاني وولد الزانية؟! ومن خلق قوة الزاني والسارق وقاطع الطريق؟! وهو كله شر من خلق الله كما قال تعالى: ﴿يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ [فاطر: ٨]. وقال: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢]، فكلٌّ بمشيئته كان، لا شريك له، يفعل ما يشاء، لا معقب لحكمه. وكذلك يكون المعنى إذا جعلت "من" في موضع رفع اسم الله جل ذكره [ويكون التقدير: ألا] يعلم الخالق خلقه وهو (ما) في الصدور (من خير وشر فيهم ذلك أن الخلق كله لله: ما في الصدور) وغيره. وقل أهل الزيغ: "من" في موضع نصب يراد به الخلق دون ما في الصدور، فهو يدل على خلق أصحاب الأفعال دون الأفعال، وهو خطأ ظاهر على ما قدمنا. * * - ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً﴾ أي: سهلاً سهلها لكم. * * ﴿فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا﴾. قال ابن عباس: في جبالها، وقاله قتادة، وعن ابن عباس أيضاً: ﴿مَنَاكِبِهَا﴾: أطرافها، وقيل: نواحيها، وقيل: معناه في جوانبها [المذللة] الممهدة. وقال مجاهد: "طرقها وفجاجها". * * ﴿وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ﴾ (أي: من رزقه) الذي أخرجه لكم من الأرض. * * ﴿وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ﴾. أي: وإليه نشوركم من قبوركم. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَءَمِنتُمْ مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلأَرْضَ﴾ أي: أأمنتم - أيها الكافرون - الله الذي في السماء أن يخسف بكم الأرض عقوبة على كفركم به؟! * * ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾. أي: تضطرب. ﴿أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ (وهو الله). * * ﴿أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ وهو التراب فيه الحصباء الصغار فيهلككم بذلك على كفركم. أي: لم تأمنوا [من ذلك]، فما بالكم مقيمين على كفركم؟! * * ثم قال: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾. أي: كيف عاقبة نذيري لكم إذ كذبتموه. ولا يعمل ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ "في ﴿كَيْفَ﴾ لأنها استفهام، وهي خبر "نذير". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ﴾. أي: ولقد كذّب الذين كانوا قبل هؤلاء المشركين رسلهم، فكيف كان إنكاري لتكذيبهم؟! ألم نهلكهم بضروب من النقمات؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَـٰفَّـٰتٍ﴾ أي: أو لم ير هؤلاء المشركون قدرة الله في الطير فوقهم في الهواء صافات أجنحتهن أحياناً ويقبضنها أحياناً؟!. ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾، فيكون لهم بذلك مذكر على قدرة الله وأنه لا يقدر على إمساك الطير على تلك الحال أحد إلا الله. * * ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾. أي: إن الله ذو بصر وخبر بكل شيء، لا يدخل في تدبيره خلل ولا في خلقه تفاوت. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ﴾. أي: من ينقذكم من عذاب الرحمن إذا نزل بكم على كفركم؟! ما ﴿ٱلْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ﴾ من ظنهم أن آلهتهم تقربهم إلى الله زلفى وأنها تنفع أو تضر. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ أي: من يرزقكم أيها المشركون إن أمسك الرحمن رزقه عنكم. أي: من يأتي بالمطر إن أمسكه عنكم الرحمن. * * ثم قال تعالى: ﴿بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾. ([أي]: بل تمادوا في طغيان ونفور) [من] الحق استكباراً. * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. أي: أفمن يمشي في الضلالة أهدى أمن يمشي في الهدى؟! يعني الكافر والمؤمن، فهو مثل ضربه الله لهما في الدنيا. هذا معنى قول مجاهد والضحاك وابن عباس. قال قتادة: هذا في الآخرة، أفمن يمشي مكبا على وجهه وهو الكافر، أكب في الدنيا على [المعاصي] فحشره الله يوم القيامة على وجهه. - [رواه] عن النبي ﷺ -، قال: فقيل: يا رسول الله كيف يحشر الكافر على وجهه فقال: إن الذي أمشاه على رجليه لقادر أن يحشره يوم القيامة على وجهه وقيل: الذي يمشي مكباً على وجهه: أبو جهل، والذي هو على صراط مستقيم: حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، ثم هو في كل من كان مثلهما.

الملك 67:12

قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، إلى قوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. تبارك: تفاعل من البركة، ولا يقال منه مستقبل ولا اسم فاعل. ومعناه: تعاظم وتعالى الرب الذي بيده ملك الدنيا والآخرة [وسلطانهما]، نافذ فيهما أمره وقضاؤه. * * ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: وهو ذو قدرة على فعل كل شيء أراده [﴿قَدِيرٌ﴾]: لا يمنعه مما أراد شيء. وقيل: معناه: الذي بيده الملك، يعطيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء. * * - ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾. أي: خلق الموت ليميت الأحياء، وخلق الحياة ليحيي الموتى. وفعل ذلك ليختبركم في حياتكم وطول إقامتكم في الدنيا، أيكم أحسن عملاً فيجازيه على ذلك في الآخرة. وقد علم تعالى كل ما هم عاملون، وعلم الطائع والعاصي قبل خلقهم، لكن المجازاة إنما تقع بعد ظهور الأعمال، [لا يجازى] أحد (بعلم الله فيه دون ظهور عمله). فالمعنى: ليختبر وقوع ذلك (منكم) على ما سبق في علمه وقضائه. وتقديره: من خير وشر احتساباً منكم. قال قتادة: أذل الله ابن آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة ودار فناء، وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء. * * - ثم قال: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً﴾ أي: اخترع ذلك طبقا فوق طبق. * * ﴿مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾ أي: من اختلاف، يعني في خلق السماوات، وقيل: في كل ما خلق، فكله محكم دال على قادر بارئ حكيم في تدبيره ولطفه. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ﴾. أي: هل ترى يا ابن آدم من شقوق أو وَهْيٍ؟ - (ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾). أي: ثم رد البصر يا ابن آدم مرتين مرة بعد أخرى، هل ترى من شقوق، أو وَهْيٍ في الخلق أو تفاوت؟! ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: يرجع إليك البصر صاغراً متبعداً عن أن يجد تفاوتاً أو شقوقاً. من قولهم للكلب: "اخسأ" إذا طردوه، أي: أبعد صاغراً. يقال: خسأته فخسأ. * * وقوله: ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: معي. (وقال ابن عباس: "﴿خَاسِئاً﴾: ذليلاً ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: مرجف. وقال قتادة: معناه: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾، أي: معي)، وعنه قول ابن عباس. يقال: حسير ومحسور للرجل إذا بلغ غاية الإعياء. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ وَجَعَلْنَٰهَا رُجُوماً لِّلشَّيَٰطِينِ﴾ أي: زينا السماء بنجوم ترجم الشياطين بها إذا [أتوا لاستراق] السمع. قال قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاث: خلقها للزينة، وترجم الشياطين (بها)، وعلامات يهتدوا بها. و "رجوم" مصدر على قول من قال: إنما يرجم من [النجوم] بالشهب، ولا تبرح النجوم (بنفسها). ومن قال: بل يرجم بها نفسها قال: رجوم جمع رجم. * * - ثم قال: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: وأعتدنا للشياطين في الآخرة عذاباً يسعر عليهم. * * - ثم قال: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾. أي: وللذين جحدوا توحيد ربهم في الآخرة عذاب جهنم، وبئس المصير عذاب جهنم. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ﴾. أي: إذا [ألقي] الكافرون في جهنم سمعوا لجهنم شهيقاً، أي صوت الشهيق. والشهيق: الصوت الذي يخرج من الجوف بشدة كصوت الحمار. ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾: تغلي بهم كما تغلي القدر. * * - ثم قال تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ (أي: تكاد جهنم تتفرق وتتقطع من الغيظ على الكفار). * * ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾. أي: كلما ألقي في جهنم جماعة سألهم خزنة جهنم فيقولون لهم: ألم يأتكم نذير في الدنيا ينذركم هذا العذاب الذي حل بكم؟ [فيجيبهم] المشركون: ﴿بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ...﴾، فيقول لهم [الخزنة]. * * ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾. أي: في ضلال عن الحق بعيد. "ونذير": بمعنى منذر. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: وقال الفوج لخزنة جهنم: لو كنا نسمع من النذير ما جاءنا به من الحق سماع قبول، أو نعقل عنه ما يدعونا اليه فنفهمه فهم قبول ما كنا اليوم في أصحاب النار. وقيل: ﴿[نَسْمَعُ﴾ بمعنى]: نقبل منهم ما يقولون لنا. ومنه قولهم: سمع الله لمن حمده: أي قبل منه. والقول الأول هو بمنزلة قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] لم يكونوا كذلك، ولكن لما لم ينتفعوا بهذه الجوارح في عاقبة أمرهم كانوا بمنزلة الصم والبكم والعمي. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: فأقروا بذنبهم، فبعدا لهم. قاله ابن عباس. وقال ابن جبير: ﴿فَسُحْقاً﴾: هو واد في جهنم. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. أي: إن الذين يخافون ربهم ولم يروه وقيل: معناه: يخافون ربهم إذا غابوا عن أعين الناس، فمن خاف الله في الخلاء فهو أحرى أن يخافه بحضرة الناس. * * ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾. أي: ستر على ذنوبهم وصفح عنها. * * ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. أي: وثواب عظيم، وهو "الجنة". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ﴾ أي: وأخفوا كلامكم إن شئتم أو أعلنوه إن شئتم، فإنه لا يخفى على الله منه شيء. * * ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾. أي: عليم بضمائر الصدور. فمن كان لا يخفى عليه ضمائر الصدور كيف يخفى عليه القول سراً كان أو جهراً.؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾. "من": في موضع رفع اسم الله جل ذكره. ويقبح أن تكون في موضع نصب لأنه يلزم أن يقال: "ألا يعلم ما خلق"، لأنه راجع إلى (ذات الصدور). فالمعنى: ألا يعلم من خلق الصدور سرها وعلانيتها، كيف يخفى عليه خلقه وهو اللطيف بعباده، الخبير بأعمالهم؟! وإذا جعلت "من" بمعنى "ما" في موضع نصب، كان فيه دليل قوي) على أن الله خالق ما تكن الصدور من خير وشر. ففيه حجة [قوية] على القدرية الذين يدعون أنهم يخلقون الشر وأن الله لم يخلقه ولا قدره، تعالى أن يكون في ملكه ما لم يخلقه وما لم يقدره، بل لا خالق لكل شيء إلا الله، ولو كان الشر لم يخلقه الله فمن خلق إبليس؟! ومن خلق الأصنام التي تعبد من دون الله؟! ومن خلق نطفة الزاني وولد الزانية؟! ومن خلق قوة الزاني والسارق وقاطع الطريق؟! وهو كله شر من خلق الله كما قال تعالى: ﴿يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ [فاطر: ٨]. وقال: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢]، فكلٌّ بمشيئته كان، لا شريك له، يفعل ما يشاء، لا معقب لحكمه. وكذلك يكون المعنى إذا جعلت "من" في موضع رفع اسم الله جل ذكره [ويكون التقدير: ألا] يعلم الخالق خلقه وهو (ما) في الصدور (من خير وشر فيهم ذلك أن الخلق كله لله: ما في الصدور) وغيره. وقل أهل الزيغ: "من" في موضع نصب يراد به الخلق دون ما في الصدور، فهو يدل على خلق أصحاب الأفعال دون الأفعال، وهو خطأ ظاهر على ما قدمنا. * * - ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً﴾ أي: سهلاً سهلها لكم. * * ﴿فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا﴾. قال ابن عباس: في جبالها، وقاله قتادة، وعن ابن عباس أيضاً: ﴿مَنَاكِبِهَا﴾: أطرافها، وقيل: نواحيها، وقيل: معناه في جوانبها [المذللة] الممهدة. وقال مجاهد: "طرقها وفجاجها". * * ﴿وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ﴾ (أي: من رزقه) الذي أخرجه لكم من الأرض. * * ﴿وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ﴾. أي: وإليه نشوركم من قبوركم. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَءَمِنتُمْ مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلأَرْضَ﴾ أي: أأمنتم - أيها الكافرون - الله الذي في السماء أن يخسف بكم الأرض عقوبة على كفركم به؟! * * ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾. أي: تضطرب. ﴿أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ (وهو الله). * * ﴿أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ وهو التراب فيه الحصباء الصغار فيهلككم بذلك على كفركم. أي: لم تأمنوا [من ذلك]، فما بالكم مقيمين على كفركم؟! * * ثم قال: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾. أي: كيف عاقبة نذيري لكم إذ كذبتموه. ولا يعمل ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ "في ﴿كَيْفَ﴾ لأنها استفهام، وهي خبر "نذير". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ﴾. أي: ولقد كذّب الذين كانوا قبل هؤلاء المشركين رسلهم، فكيف كان إنكاري لتكذيبهم؟! ألم نهلكهم بضروب من النقمات؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَـٰفَّـٰتٍ﴾ أي: أو لم ير هؤلاء المشركون قدرة الله في الطير فوقهم في الهواء صافات أجنحتهن أحياناً ويقبضنها أحياناً؟!. ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾، فيكون لهم بذلك مذكر على قدرة الله وأنه لا يقدر على إمساك الطير على تلك الحال أحد إلا الله. * * ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾. أي: إن الله ذو بصر وخبر بكل شيء، لا يدخل في تدبيره خلل ولا في خلقه تفاوت. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ﴾. أي: من ينقذكم من عذاب الرحمن إذا نزل بكم على كفركم؟! ما ﴿ٱلْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ﴾ من ظنهم أن آلهتهم تقربهم إلى الله زلفى وأنها تنفع أو تضر. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ أي: من يرزقكم أيها المشركون إن أمسك الرحمن رزقه عنكم. أي: من يأتي بالمطر إن أمسكه عنكم الرحمن. * * ثم قال تعالى: ﴿بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾. ([أي]: بل تمادوا في طغيان ونفور) [من] الحق استكباراً. * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. أي: أفمن يمشي في الضلالة أهدى أمن يمشي في الهدى؟! يعني الكافر والمؤمن، فهو مثل ضربه الله لهما في الدنيا. هذا معنى قول مجاهد والضحاك وابن عباس. قال قتادة: هذا في الآخرة، أفمن يمشي مكبا على وجهه وهو الكافر، أكب في الدنيا على [المعاصي] فحشره الله يوم القيامة على وجهه. - [رواه] عن النبي ﷺ -، قال: فقيل: يا رسول الله كيف يحشر الكافر على وجهه فقال: إن الذي أمشاه على رجليه لقادر أن يحشره يوم القيامة على وجهه وقيل: الذي يمشي مكباً على وجهه: أبو جهل، والذي هو على صراط مستقيم: حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، ثم هو في كل من كان مثلهما.

الملك 67:13

قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، إلى قوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. تبارك: تفاعل من البركة، ولا يقال منه مستقبل ولا اسم فاعل. ومعناه: تعاظم وتعالى الرب الذي بيده ملك الدنيا والآخرة [وسلطانهما]، نافذ فيهما أمره وقضاؤه. * * ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: وهو ذو قدرة على فعل كل شيء أراده [﴿قَدِيرٌ﴾]: لا يمنعه مما أراد شيء. وقيل: معناه: الذي بيده الملك، يعطيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء. * * - ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾. أي: خلق الموت ليميت الأحياء، وخلق الحياة ليحيي الموتى. وفعل ذلك ليختبركم في حياتكم وطول إقامتكم في الدنيا، أيكم أحسن عملاً فيجازيه على ذلك في الآخرة. وقد علم تعالى كل ما هم عاملون، وعلم الطائع والعاصي قبل خلقهم، لكن المجازاة إنما تقع بعد ظهور الأعمال، [لا يجازى] أحد (بعلم الله فيه دون ظهور عمله). فالمعنى: ليختبر وقوع ذلك (منكم) على ما سبق في علمه وقضائه. وتقديره: من خير وشر احتساباً منكم. قال قتادة: أذل الله ابن آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة ودار فناء، وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء. * * - ثم قال: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً﴾ أي: اخترع ذلك طبقا فوق طبق. * * ﴿مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾ أي: من اختلاف، يعني في خلق السماوات، وقيل: في كل ما خلق، فكله محكم دال على قادر بارئ حكيم في تدبيره ولطفه. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ﴾. أي: هل ترى يا ابن آدم من شقوق أو وَهْيٍ؟ - (ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾). أي: ثم رد البصر يا ابن آدم مرتين مرة بعد أخرى، هل ترى من شقوق، أو وَهْيٍ في الخلق أو تفاوت؟! ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: يرجع إليك البصر صاغراً متبعداً عن أن يجد تفاوتاً أو شقوقاً. من قولهم للكلب: "اخسأ" إذا طردوه، أي: أبعد صاغراً. يقال: خسأته فخسأ. * * وقوله: ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: معي. (وقال ابن عباس: "﴿خَاسِئاً﴾: ذليلاً ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: مرجف. وقال قتادة: معناه: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾، أي: معي)، وعنه قول ابن عباس. يقال: حسير ومحسور للرجل إذا بلغ غاية الإعياء. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ وَجَعَلْنَٰهَا رُجُوماً لِّلشَّيَٰطِينِ﴾ أي: زينا السماء بنجوم ترجم الشياطين بها إذا [أتوا لاستراق] السمع. قال قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاث: خلقها للزينة، وترجم الشياطين (بها)، وعلامات يهتدوا بها. و "رجوم" مصدر على قول من قال: إنما يرجم من [النجوم] بالشهب، ولا تبرح النجوم (بنفسها). ومن قال: بل يرجم بها نفسها قال: رجوم جمع رجم. * * - ثم قال: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: وأعتدنا للشياطين في الآخرة عذاباً يسعر عليهم. * * - ثم قال: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾. أي: وللذين جحدوا توحيد ربهم في الآخرة عذاب جهنم، وبئس المصير عذاب جهنم. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ﴾. أي: إذا [ألقي] الكافرون في جهنم سمعوا لجهنم شهيقاً، أي صوت الشهيق. والشهيق: الصوت الذي يخرج من الجوف بشدة كصوت الحمار. ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾: تغلي بهم كما تغلي القدر. * * - ثم قال تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ (أي: تكاد جهنم تتفرق وتتقطع من الغيظ على الكفار). * * ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾. أي: كلما ألقي في جهنم جماعة سألهم خزنة جهنم فيقولون لهم: ألم يأتكم نذير في الدنيا ينذركم هذا العذاب الذي حل بكم؟ [فيجيبهم] المشركون: ﴿بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ...﴾، فيقول لهم [الخزنة]. * * ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾. أي: في ضلال عن الحق بعيد. "ونذير": بمعنى منذر. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: وقال الفوج لخزنة جهنم: لو كنا نسمع من النذير ما جاءنا به من الحق سماع قبول، أو نعقل عنه ما يدعونا اليه فنفهمه فهم قبول ما كنا اليوم في أصحاب النار. وقيل: ﴿[نَسْمَعُ﴾ بمعنى]: نقبل منهم ما يقولون لنا. ومنه قولهم: سمع الله لمن حمده: أي قبل منه. والقول الأول هو بمنزلة قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] لم يكونوا كذلك، ولكن لما لم ينتفعوا بهذه الجوارح في عاقبة أمرهم كانوا بمنزلة الصم والبكم والعمي. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: فأقروا بذنبهم، فبعدا لهم. قاله ابن عباس. وقال ابن جبير: ﴿فَسُحْقاً﴾: هو واد في جهنم. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. أي: إن الذين يخافون ربهم ولم يروه وقيل: معناه: يخافون ربهم إذا غابوا عن أعين الناس، فمن خاف الله في الخلاء فهو أحرى أن يخافه بحضرة الناس. * * ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾. أي: ستر على ذنوبهم وصفح عنها. * * ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. أي: وثواب عظيم، وهو "الجنة". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ﴾ أي: وأخفوا كلامكم إن شئتم أو أعلنوه إن شئتم، فإنه لا يخفى على الله منه شيء. * * ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾. أي: عليم بضمائر الصدور. فمن كان لا يخفى عليه ضمائر الصدور كيف يخفى عليه القول سراً كان أو جهراً.؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾. "من": في موضع رفع اسم الله جل ذكره. ويقبح أن تكون في موضع نصب لأنه يلزم أن يقال: "ألا يعلم ما خلق"، لأنه راجع إلى (ذات الصدور). فالمعنى: ألا يعلم من خلق الصدور سرها وعلانيتها، كيف يخفى عليه خلقه وهو اللطيف بعباده، الخبير بأعمالهم؟! وإذا جعلت "من" بمعنى "ما" في موضع نصب، كان فيه دليل قوي) على أن الله خالق ما تكن الصدور من خير وشر. ففيه حجة [قوية] على القدرية الذين يدعون أنهم يخلقون الشر وأن الله لم يخلقه ولا قدره، تعالى أن يكون في ملكه ما لم يخلقه وما لم يقدره، بل لا خالق لكل شيء إلا الله، ولو كان الشر لم يخلقه الله فمن خلق إبليس؟! ومن خلق الأصنام التي تعبد من دون الله؟! ومن خلق نطفة الزاني وولد الزانية؟! ومن خلق قوة الزاني والسارق وقاطع الطريق؟! وهو كله شر من خلق الله كما قال تعالى: ﴿يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ [فاطر: ٨]. وقال: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢]، فكلٌّ بمشيئته كان، لا شريك له، يفعل ما يشاء، لا معقب لحكمه. وكذلك يكون المعنى إذا جعلت "من" في موضع رفع اسم الله جل ذكره [ويكون التقدير: ألا] يعلم الخالق خلقه وهو (ما) في الصدور (من خير وشر فيهم ذلك أن الخلق كله لله: ما في الصدور) وغيره. وقل أهل الزيغ: "من" في موضع نصب يراد به الخلق دون ما في الصدور، فهو يدل على خلق أصحاب الأفعال دون الأفعال، وهو خطأ ظاهر على ما قدمنا. * * - ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً﴾ أي: سهلاً سهلها لكم. * * ﴿فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا﴾. قال ابن عباس: في جبالها، وقاله قتادة، وعن ابن عباس أيضاً: ﴿مَنَاكِبِهَا﴾: أطرافها، وقيل: نواحيها، وقيل: معناه في جوانبها [المذللة] الممهدة. وقال مجاهد: "طرقها وفجاجها". * * ﴿وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ﴾ (أي: من رزقه) الذي أخرجه لكم من الأرض. * * ﴿وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ﴾. أي: وإليه نشوركم من قبوركم. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَءَمِنتُمْ مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلأَرْضَ﴾ أي: أأمنتم - أيها الكافرون - الله الذي في السماء أن يخسف بكم الأرض عقوبة على كفركم به؟! * * ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾. أي: تضطرب. ﴿أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ (وهو الله). * * ﴿أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ وهو التراب فيه الحصباء الصغار فيهلككم بذلك على كفركم. أي: لم تأمنوا [من ذلك]، فما بالكم مقيمين على كفركم؟! * * ثم قال: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾. أي: كيف عاقبة نذيري لكم إذ كذبتموه. ولا يعمل ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ "في ﴿كَيْفَ﴾ لأنها استفهام، وهي خبر "نذير". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ﴾. أي: ولقد كذّب الذين كانوا قبل هؤلاء المشركين رسلهم، فكيف كان إنكاري لتكذيبهم؟! ألم نهلكهم بضروب من النقمات؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَـٰفَّـٰتٍ﴾ أي: أو لم ير هؤلاء المشركون قدرة الله في الطير فوقهم في الهواء صافات أجنحتهن أحياناً ويقبضنها أحياناً؟!. ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾، فيكون لهم بذلك مذكر على قدرة الله وأنه لا يقدر على إمساك الطير على تلك الحال أحد إلا الله. * * ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾. أي: إن الله ذو بصر وخبر بكل شيء، لا يدخل في تدبيره خلل ولا في خلقه تفاوت. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ﴾. أي: من ينقذكم من عذاب الرحمن إذا نزل بكم على كفركم؟! ما ﴿ٱلْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ﴾ من ظنهم أن آلهتهم تقربهم إلى الله زلفى وأنها تنفع أو تضر. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ أي: من يرزقكم أيها المشركون إن أمسك الرحمن رزقه عنكم. أي: من يأتي بالمطر إن أمسكه عنكم الرحمن. * * ثم قال تعالى: ﴿بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾. ([أي]: بل تمادوا في طغيان ونفور) [من] الحق استكباراً. * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. أي: أفمن يمشي في الضلالة أهدى أمن يمشي في الهدى؟! يعني الكافر والمؤمن، فهو مثل ضربه الله لهما في الدنيا. هذا معنى قول مجاهد والضحاك وابن عباس. قال قتادة: هذا في الآخرة، أفمن يمشي مكبا على وجهه وهو الكافر، أكب في الدنيا على [المعاصي] فحشره الله يوم القيامة على وجهه. - [رواه] عن النبي ﷺ -، قال: فقيل: يا رسول الله كيف يحشر الكافر على وجهه فقال: إن الذي أمشاه على رجليه لقادر أن يحشره يوم القيامة على وجهه وقيل: الذي يمشي مكباً على وجهه: أبو جهل، والذي هو على صراط مستقيم: حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، ثم هو في كل من كان مثلهما.

الملك 67:14

قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، إلى قوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. تبارك: تفاعل من البركة، ولا يقال منه مستقبل ولا اسم فاعل. ومعناه: تعاظم وتعالى الرب الذي بيده ملك الدنيا والآخرة [وسلطانهما]، نافذ فيهما أمره وقضاؤه. * * ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: وهو ذو قدرة على فعل كل شيء أراده [﴿قَدِيرٌ﴾]: لا يمنعه مما أراد شيء. وقيل: معناه: الذي بيده الملك، يعطيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء. * * - ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾. أي: خلق الموت ليميت الأحياء، وخلق الحياة ليحيي الموتى. وفعل ذلك ليختبركم في حياتكم وطول إقامتكم في الدنيا، أيكم أحسن عملاً فيجازيه على ذلك في الآخرة. وقد علم تعالى كل ما هم عاملون، وعلم الطائع والعاصي قبل خلقهم، لكن المجازاة إنما تقع بعد ظهور الأعمال، [لا يجازى] أحد (بعلم الله فيه دون ظهور عمله). فالمعنى: ليختبر وقوع ذلك (منكم) على ما سبق في علمه وقضائه. وتقديره: من خير وشر احتساباً منكم. قال قتادة: أذل الله ابن آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة ودار فناء، وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء. * * - ثم قال: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً﴾ أي: اخترع ذلك طبقا فوق طبق. * * ﴿مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾ أي: من اختلاف، يعني في خلق السماوات، وقيل: في كل ما خلق، فكله محكم دال على قادر بارئ حكيم في تدبيره ولطفه. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ﴾. أي: هل ترى يا ابن آدم من شقوق أو وَهْيٍ؟ - (ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾). أي: ثم رد البصر يا ابن آدم مرتين مرة بعد أخرى، هل ترى من شقوق، أو وَهْيٍ في الخلق أو تفاوت؟! ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: يرجع إليك البصر صاغراً متبعداً عن أن يجد تفاوتاً أو شقوقاً. من قولهم للكلب: "اخسأ" إذا طردوه، أي: أبعد صاغراً. يقال: خسأته فخسأ. * * وقوله: ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: معي. (وقال ابن عباس: "﴿خَاسِئاً﴾: ذليلاً ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: مرجف. وقال قتادة: معناه: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾، أي: معي)، وعنه قول ابن عباس. يقال: حسير ومحسور للرجل إذا بلغ غاية الإعياء. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ وَجَعَلْنَٰهَا رُجُوماً لِّلشَّيَٰطِينِ﴾ أي: زينا السماء بنجوم ترجم الشياطين بها إذا [أتوا لاستراق] السمع. قال قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاث: خلقها للزينة، وترجم الشياطين (بها)، وعلامات يهتدوا بها. و "رجوم" مصدر على قول من قال: إنما يرجم من [النجوم] بالشهب، ولا تبرح النجوم (بنفسها). ومن قال: بل يرجم بها نفسها قال: رجوم جمع رجم. * * - ثم قال: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: وأعتدنا للشياطين في الآخرة عذاباً يسعر عليهم. * * - ثم قال: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾. أي: وللذين جحدوا توحيد ربهم في الآخرة عذاب جهنم، وبئس المصير عذاب جهنم. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ﴾. أي: إذا [ألقي] الكافرون في جهنم سمعوا لجهنم شهيقاً، أي صوت الشهيق. والشهيق: الصوت الذي يخرج من الجوف بشدة كصوت الحمار. ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾: تغلي بهم كما تغلي القدر. * * - ثم قال تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ (أي: تكاد جهنم تتفرق وتتقطع من الغيظ على الكفار). * * ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾. أي: كلما ألقي في جهنم جماعة سألهم خزنة جهنم فيقولون لهم: ألم يأتكم نذير في الدنيا ينذركم هذا العذاب الذي حل بكم؟ [فيجيبهم] المشركون: ﴿بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ...﴾، فيقول لهم [الخزنة]. * * ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾. أي: في ضلال عن الحق بعيد. "ونذير": بمعنى منذر. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: وقال الفوج لخزنة جهنم: لو كنا نسمع من النذير ما جاءنا به من الحق سماع قبول، أو نعقل عنه ما يدعونا اليه فنفهمه فهم قبول ما كنا اليوم في أصحاب النار. وقيل: ﴿[نَسْمَعُ﴾ بمعنى]: نقبل منهم ما يقولون لنا. ومنه قولهم: سمع الله لمن حمده: أي قبل منه. والقول الأول هو بمنزلة قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] لم يكونوا كذلك، ولكن لما لم ينتفعوا بهذه الجوارح في عاقبة أمرهم كانوا بمنزلة الصم والبكم والعمي. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: فأقروا بذنبهم، فبعدا لهم. قاله ابن عباس. وقال ابن جبير: ﴿فَسُحْقاً﴾: هو واد في جهنم. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. أي: إن الذين يخافون ربهم ولم يروه وقيل: معناه: يخافون ربهم إذا غابوا عن أعين الناس، فمن خاف الله في الخلاء فهو أحرى أن يخافه بحضرة الناس. * * ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾. أي: ستر على ذنوبهم وصفح عنها. * * ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. أي: وثواب عظيم، وهو "الجنة". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ﴾ أي: وأخفوا كلامكم إن شئتم أو أعلنوه إن شئتم، فإنه لا يخفى على الله منه شيء. * * ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾. أي: عليم بضمائر الصدور. فمن كان لا يخفى عليه ضمائر الصدور كيف يخفى عليه القول سراً كان أو جهراً.؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾. "من": في موضع رفع اسم الله جل ذكره. ويقبح أن تكون في موضع نصب لأنه يلزم أن يقال: "ألا يعلم ما خلق"، لأنه راجع إلى (ذات الصدور). فالمعنى: ألا يعلم من خلق الصدور سرها وعلانيتها، كيف يخفى عليه خلقه وهو اللطيف بعباده، الخبير بأعمالهم؟! وإذا جعلت "من" بمعنى "ما" في موضع نصب، كان فيه دليل قوي) على أن الله خالق ما تكن الصدور من خير وشر. ففيه حجة [قوية] على القدرية الذين يدعون أنهم يخلقون الشر وأن الله لم يخلقه ولا قدره، تعالى أن يكون في ملكه ما لم يخلقه وما لم يقدره، بل لا خالق لكل شيء إلا الله، ولو كان الشر لم يخلقه الله فمن خلق إبليس؟! ومن خلق الأصنام التي تعبد من دون الله؟! ومن خلق نطفة الزاني وولد الزانية؟! ومن خلق قوة الزاني والسارق وقاطع الطريق؟! وهو كله شر من خلق الله كما قال تعالى: ﴿يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ [فاطر: ٨]. وقال: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢]، فكلٌّ بمشيئته كان، لا شريك له، يفعل ما يشاء، لا معقب لحكمه. وكذلك يكون المعنى إذا جعلت "من" في موضع رفع اسم الله جل ذكره [ويكون التقدير: ألا] يعلم الخالق خلقه وهو (ما) في الصدور (من خير وشر فيهم ذلك أن الخلق كله لله: ما في الصدور) وغيره. وقل أهل الزيغ: "من" في موضع نصب يراد به الخلق دون ما في الصدور، فهو يدل على خلق أصحاب الأفعال دون الأفعال، وهو خطأ ظاهر على ما قدمنا. * * - ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً﴾ أي: سهلاً سهلها لكم. * * ﴿فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا﴾. قال ابن عباس: في جبالها، وقاله قتادة، وعن ابن عباس أيضاً: ﴿مَنَاكِبِهَا﴾: أطرافها، وقيل: نواحيها، وقيل: معناه في جوانبها [المذللة] الممهدة. وقال مجاهد: "طرقها وفجاجها". * * ﴿وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ﴾ (أي: من رزقه) الذي أخرجه لكم من الأرض. * * ﴿وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ﴾. أي: وإليه نشوركم من قبوركم. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَءَمِنتُمْ مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلأَرْضَ﴾ أي: أأمنتم - أيها الكافرون - الله الذي في السماء أن يخسف بكم الأرض عقوبة على كفركم به؟! * * ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾. أي: تضطرب. ﴿أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ (وهو الله). * * ﴿أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ وهو التراب فيه الحصباء الصغار فيهلككم بذلك على كفركم. أي: لم تأمنوا [من ذلك]، فما بالكم مقيمين على كفركم؟! * * ثم قال: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾. أي: كيف عاقبة نذيري لكم إذ كذبتموه. ولا يعمل ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ "في ﴿كَيْفَ﴾ لأنها استفهام، وهي خبر "نذير". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ﴾. أي: ولقد كذّب الذين كانوا قبل هؤلاء المشركين رسلهم، فكيف كان إنكاري لتكذيبهم؟! ألم نهلكهم بضروب من النقمات؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَـٰفَّـٰتٍ﴾ أي: أو لم ير هؤلاء المشركون قدرة الله في الطير فوقهم في الهواء صافات أجنحتهن أحياناً ويقبضنها أحياناً؟!. ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾، فيكون لهم بذلك مذكر على قدرة الله وأنه لا يقدر على إمساك الطير على تلك الحال أحد إلا الله. * * ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾. أي: إن الله ذو بصر وخبر بكل شيء، لا يدخل في تدبيره خلل ولا في خلقه تفاوت. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ﴾. أي: من ينقذكم من عذاب الرحمن إذا نزل بكم على كفركم؟! ما ﴿ٱلْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ﴾ من ظنهم أن آلهتهم تقربهم إلى الله زلفى وأنها تنفع أو تضر. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ أي: من يرزقكم أيها المشركون إن أمسك الرحمن رزقه عنكم. أي: من يأتي بالمطر إن أمسكه عنكم الرحمن. * * ثم قال تعالى: ﴿بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾. ([أي]: بل تمادوا في طغيان ونفور) [من] الحق استكباراً. * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. أي: أفمن يمشي في الضلالة أهدى أمن يمشي في الهدى؟! يعني الكافر والمؤمن، فهو مثل ضربه الله لهما في الدنيا. هذا معنى قول مجاهد والضحاك وابن عباس. قال قتادة: هذا في الآخرة، أفمن يمشي مكبا على وجهه وهو الكافر، أكب في الدنيا على [المعاصي] فحشره الله يوم القيامة على وجهه. - [رواه] عن النبي ﷺ -، قال: فقيل: يا رسول الله كيف يحشر الكافر على وجهه فقال: إن الذي أمشاه على رجليه لقادر أن يحشره يوم القيامة على وجهه وقيل: الذي يمشي مكباً على وجهه: أبو جهل، والذي هو على صراط مستقيم: حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، ثم هو في كل من كان مثلهما.

الملك 67:15

قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، إلى قوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. تبارك: تفاعل من البركة، ولا يقال منه مستقبل ولا اسم فاعل. ومعناه: تعاظم وتعالى الرب الذي بيده ملك الدنيا والآخرة [وسلطانهما]، نافذ فيهما أمره وقضاؤه. * * ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: وهو ذو قدرة على فعل كل شيء أراده [﴿قَدِيرٌ﴾]: لا يمنعه مما أراد شيء. وقيل: معناه: الذي بيده الملك، يعطيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء. * * - ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾. أي: خلق الموت ليميت الأحياء، وخلق الحياة ليحيي الموتى. وفعل ذلك ليختبركم في حياتكم وطول إقامتكم في الدنيا، أيكم أحسن عملاً فيجازيه على ذلك في الآخرة. وقد علم تعالى كل ما هم عاملون، وعلم الطائع والعاصي قبل خلقهم، لكن المجازاة إنما تقع بعد ظهور الأعمال، [لا يجازى] أحد (بعلم الله فيه دون ظهور عمله). فالمعنى: ليختبر وقوع ذلك (منكم) على ما سبق في علمه وقضائه. وتقديره: من خير وشر احتساباً منكم. قال قتادة: أذل الله ابن آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة ودار فناء، وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء. * * - ثم قال: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً﴾ أي: اخترع ذلك طبقا فوق طبق. * * ﴿مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾ أي: من اختلاف، يعني في خلق السماوات، وقيل: في كل ما خلق، فكله محكم دال على قادر بارئ حكيم في تدبيره ولطفه. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ﴾. أي: هل ترى يا ابن آدم من شقوق أو وَهْيٍ؟ - (ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾). أي: ثم رد البصر يا ابن آدم مرتين مرة بعد أخرى، هل ترى من شقوق، أو وَهْيٍ في الخلق أو تفاوت؟! ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: يرجع إليك البصر صاغراً متبعداً عن أن يجد تفاوتاً أو شقوقاً. من قولهم للكلب: "اخسأ" إذا طردوه، أي: أبعد صاغراً. يقال: خسأته فخسأ. * * وقوله: ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: معي. (وقال ابن عباس: "﴿خَاسِئاً﴾: ذليلاً ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: مرجف. وقال قتادة: معناه: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾، أي: معي)، وعنه قول ابن عباس. يقال: حسير ومحسور للرجل إذا بلغ غاية الإعياء. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ وَجَعَلْنَٰهَا رُجُوماً لِّلشَّيَٰطِينِ﴾ أي: زينا السماء بنجوم ترجم الشياطين بها إذا [أتوا لاستراق] السمع. قال قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاث: خلقها للزينة، وترجم الشياطين (بها)، وعلامات يهتدوا بها. و "رجوم" مصدر على قول من قال: إنما يرجم من [النجوم] بالشهب، ولا تبرح النجوم (بنفسها). ومن قال: بل يرجم بها نفسها قال: رجوم جمع رجم. * * - ثم قال: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: وأعتدنا للشياطين في الآخرة عذاباً يسعر عليهم. * * - ثم قال: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾. أي: وللذين جحدوا توحيد ربهم في الآخرة عذاب جهنم، وبئس المصير عذاب جهنم. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ﴾. أي: إذا [ألقي] الكافرون في جهنم سمعوا لجهنم شهيقاً، أي صوت الشهيق. والشهيق: الصوت الذي يخرج من الجوف بشدة كصوت الحمار. ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾: تغلي بهم كما تغلي القدر. * * - ثم قال تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ (أي: تكاد جهنم تتفرق وتتقطع من الغيظ على الكفار). * * ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾. أي: كلما ألقي في جهنم جماعة سألهم خزنة جهنم فيقولون لهم: ألم يأتكم نذير في الدنيا ينذركم هذا العذاب الذي حل بكم؟ [فيجيبهم] المشركون: ﴿بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ...﴾، فيقول لهم [الخزنة]. * * ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾. أي: في ضلال عن الحق بعيد. "ونذير": بمعنى منذر. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: وقال الفوج لخزنة جهنم: لو كنا نسمع من النذير ما جاءنا به من الحق سماع قبول، أو نعقل عنه ما يدعونا اليه فنفهمه فهم قبول ما كنا اليوم في أصحاب النار. وقيل: ﴿[نَسْمَعُ﴾ بمعنى]: نقبل منهم ما يقولون لنا. ومنه قولهم: سمع الله لمن حمده: أي قبل منه. والقول الأول هو بمنزلة قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] لم يكونوا كذلك، ولكن لما لم ينتفعوا بهذه الجوارح في عاقبة أمرهم كانوا بمنزلة الصم والبكم والعمي. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: فأقروا بذنبهم، فبعدا لهم. قاله ابن عباس. وقال ابن جبير: ﴿فَسُحْقاً﴾: هو واد في جهنم. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. أي: إن الذين يخافون ربهم ولم يروه وقيل: معناه: يخافون ربهم إذا غابوا عن أعين الناس، فمن خاف الله في الخلاء فهو أحرى أن يخافه بحضرة الناس. * * ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾. أي: ستر على ذنوبهم وصفح عنها. * * ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. أي: وثواب عظيم، وهو "الجنة". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ﴾ أي: وأخفوا كلامكم إن شئتم أو أعلنوه إن شئتم، فإنه لا يخفى على الله منه شيء. * * ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾. أي: عليم بضمائر الصدور. فمن كان لا يخفى عليه ضمائر الصدور كيف يخفى عليه القول سراً كان أو جهراً.؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾. "من": في موضع رفع اسم الله جل ذكره. ويقبح أن تكون في موضع نصب لأنه يلزم أن يقال: "ألا يعلم ما خلق"، لأنه راجع إلى (ذات الصدور). فالمعنى: ألا يعلم من خلق الصدور سرها وعلانيتها، كيف يخفى عليه خلقه وهو اللطيف بعباده، الخبير بأعمالهم؟! وإذا جعلت "من" بمعنى "ما" في موضع نصب، كان فيه دليل قوي) على أن الله خالق ما تكن الصدور من خير وشر. ففيه حجة [قوية] على القدرية الذين يدعون أنهم يخلقون الشر وأن الله لم يخلقه ولا قدره، تعالى أن يكون في ملكه ما لم يخلقه وما لم يقدره، بل لا خالق لكل شيء إلا الله، ولو كان الشر لم يخلقه الله فمن خلق إبليس؟! ومن خلق الأصنام التي تعبد من دون الله؟! ومن خلق نطفة الزاني وولد الزانية؟! ومن خلق قوة الزاني والسارق وقاطع الطريق؟! وهو كله شر من خلق الله كما قال تعالى: ﴿يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ [فاطر: ٨]. وقال: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢]، فكلٌّ بمشيئته كان، لا شريك له، يفعل ما يشاء، لا معقب لحكمه. وكذلك يكون المعنى إذا جعلت "من" في موضع رفع اسم الله جل ذكره [ويكون التقدير: ألا] يعلم الخالق خلقه وهو (ما) في الصدور (من خير وشر فيهم ذلك أن الخلق كله لله: ما في الصدور) وغيره. وقل أهل الزيغ: "من" في موضع نصب يراد به الخلق دون ما في الصدور، فهو يدل على خلق أصحاب الأفعال دون الأفعال، وهو خطأ ظاهر على ما قدمنا. * * - ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً﴾ أي: سهلاً سهلها لكم. * * ﴿فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا﴾. قال ابن عباس: في جبالها، وقاله قتادة، وعن ابن عباس أيضاً: ﴿مَنَاكِبِهَا﴾: أطرافها، وقيل: نواحيها، وقيل: معناه في جوانبها [المذللة] الممهدة. وقال مجاهد: "طرقها وفجاجها". * * ﴿وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ﴾ (أي: من رزقه) الذي أخرجه لكم من الأرض. * * ﴿وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ﴾. أي: وإليه نشوركم من قبوركم. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَءَمِنتُمْ مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلأَرْضَ﴾ أي: أأمنتم - أيها الكافرون - الله الذي في السماء أن يخسف بكم الأرض عقوبة على كفركم به؟! * * ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾. أي: تضطرب. ﴿أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ (وهو الله). * * ﴿أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ وهو التراب فيه الحصباء الصغار فيهلككم بذلك على كفركم. أي: لم تأمنوا [من ذلك]، فما بالكم مقيمين على كفركم؟! * * ثم قال: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾. أي: كيف عاقبة نذيري لكم إذ كذبتموه. ولا يعمل ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ "في ﴿كَيْفَ﴾ لأنها استفهام، وهي خبر "نذير". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ﴾. أي: ولقد كذّب الذين كانوا قبل هؤلاء المشركين رسلهم، فكيف كان إنكاري لتكذيبهم؟! ألم نهلكهم بضروب من النقمات؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَـٰفَّـٰتٍ﴾ أي: أو لم ير هؤلاء المشركون قدرة الله في الطير فوقهم في الهواء صافات أجنحتهن أحياناً ويقبضنها أحياناً؟!. ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾، فيكون لهم بذلك مذكر على قدرة الله وأنه لا يقدر على إمساك الطير على تلك الحال أحد إلا الله. * * ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾. أي: إن الله ذو بصر وخبر بكل شيء، لا يدخل في تدبيره خلل ولا في خلقه تفاوت. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ﴾. أي: من ينقذكم من عذاب الرحمن إذا نزل بكم على كفركم؟! ما ﴿ٱلْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ﴾ من ظنهم أن آلهتهم تقربهم إلى الله زلفى وأنها تنفع أو تضر. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ أي: من يرزقكم أيها المشركون إن أمسك الرحمن رزقه عنكم. أي: من يأتي بالمطر إن أمسكه عنكم الرحمن. * * ثم قال تعالى: ﴿بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾. ([أي]: بل تمادوا في طغيان ونفور) [من] الحق استكباراً. * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. أي: أفمن يمشي في الضلالة أهدى أمن يمشي في الهدى؟! يعني الكافر والمؤمن، فهو مثل ضربه الله لهما في الدنيا. هذا معنى قول مجاهد والضحاك وابن عباس. قال قتادة: هذا في الآخرة، أفمن يمشي مكبا على وجهه وهو الكافر، أكب في الدنيا على [المعاصي] فحشره الله يوم القيامة على وجهه. - [رواه] عن النبي ﷺ -، قال: فقيل: يا رسول الله كيف يحشر الكافر على وجهه فقال: إن الذي أمشاه على رجليه لقادر أن يحشره يوم القيامة على وجهه وقيل: الذي يمشي مكباً على وجهه: أبو جهل، والذي هو على صراط مستقيم: حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، ثم هو في كل من كان مثلهما.

الملك 67:16

قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، إلى قوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. تبارك: تفاعل من البركة، ولا يقال منه مستقبل ولا اسم فاعل. ومعناه: تعاظم وتعالى الرب الذي بيده ملك الدنيا والآخرة [وسلطانهما]، نافذ فيهما أمره وقضاؤه. * * ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: وهو ذو قدرة على فعل كل شيء أراده [﴿قَدِيرٌ﴾]: لا يمنعه مما أراد شيء. وقيل: معناه: الذي بيده الملك، يعطيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء. * * - ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾. أي: خلق الموت ليميت الأحياء، وخلق الحياة ليحيي الموتى. وفعل ذلك ليختبركم في حياتكم وطول إقامتكم في الدنيا، أيكم أحسن عملاً فيجازيه على ذلك في الآخرة. وقد علم تعالى كل ما هم عاملون، وعلم الطائع والعاصي قبل خلقهم، لكن المجازاة إنما تقع بعد ظهور الأعمال، [لا يجازى] أحد (بعلم الله فيه دون ظهور عمله). فالمعنى: ليختبر وقوع ذلك (منكم) على ما سبق في علمه وقضائه. وتقديره: من خير وشر احتساباً منكم. قال قتادة: أذل الله ابن آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة ودار فناء، وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء. * * - ثم قال: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً﴾ أي: اخترع ذلك طبقا فوق طبق. * * ﴿مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾ أي: من اختلاف، يعني في خلق السماوات، وقيل: في كل ما خلق، فكله محكم دال على قادر بارئ حكيم في تدبيره ولطفه. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ﴾. أي: هل ترى يا ابن آدم من شقوق أو وَهْيٍ؟ - (ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾). أي: ثم رد البصر يا ابن آدم مرتين مرة بعد أخرى، هل ترى من شقوق، أو وَهْيٍ في الخلق أو تفاوت؟! ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: يرجع إليك البصر صاغراً متبعداً عن أن يجد تفاوتاً أو شقوقاً. من قولهم للكلب: "اخسأ" إذا طردوه، أي: أبعد صاغراً. يقال: خسأته فخسأ. * * وقوله: ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: معي. (وقال ابن عباس: "﴿خَاسِئاً﴾: ذليلاً ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: مرجف. وقال قتادة: معناه: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾، أي: معي)، وعنه قول ابن عباس. يقال: حسير ومحسور للرجل إذا بلغ غاية الإعياء. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ وَجَعَلْنَٰهَا رُجُوماً لِّلشَّيَٰطِينِ﴾ أي: زينا السماء بنجوم ترجم الشياطين بها إذا [أتوا لاستراق] السمع. قال قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاث: خلقها للزينة، وترجم الشياطين (بها)، وعلامات يهتدوا بها. و "رجوم" مصدر على قول من قال: إنما يرجم من [النجوم] بالشهب، ولا تبرح النجوم (بنفسها). ومن قال: بل يرجم بها نفسها قال: رجوم جمع رجم. * * - ثم قال: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: وأعتدنا للشياطين في الآخرة عذاباً يسعر عليهم. * * - ثم قال: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾. أي: وللذين جحدوا توحيد ربهم في الآخرة عذاب جهنم، وبئس المصير عذاب جهنم. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ﴾. أي: إذا [ألقي] الكافرون في جهنم سمعوا لجهنم شهيقاً، أي صوت الشهيق. والشهيق: الصوت الذي يخرج من الجوف بشدة كصوت الحمار. ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾: تغلي بهم كما تغلي القدر. * * - ثم قال تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ (أي: تكاد جهنم تتفرق وتتقطع من الغيظ على الكفار). * * ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾. أي: كلما ألقي في جهنم جماعة سألهم خزنة جهنم فيقولون لهم: ألم يأتكم نذير في الدنيا ينذركم هذا العذاب الذي حل بكم؟ [فيجيبهم] المشركون: ﴿بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ...﴾، فيقول لهم [الخزنة]. * * ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾. أي: في ضلال عن الحق بعيد. "ونذير": بمعنى منذر. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: وقال الفوج لخزنة جهنم: لو كنا نسمع من النذير ما جاءنا به من الحق سماع قبول، أو نعقل عنه ما يدعونا اليه فنفهمه فهم قبول ما كنا اليوم في أصحاب النار. وقيل: ﴿[نَسْمَعُ﴾ بمعنى]: نقبل منهم ما يقولون لنا. ومنه قولهم: سمع الله لمن حمده: أي قبل منه. والقول الأول هو بمنزلة قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] لم يكونوا كذلك، ولكن لما لم ينتفعوا بهذه الجوارح في عاقبة أمرهم كانوا بمنزلة الصم والبكم والعمي. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: فأقروا بذنبهم، فبعدا لهم. قاله ابن عباس. وقال ابن جبير: ﴿فَسُحْقاً﴾: هو واد في جهنم. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. أي: إن الذين يخافون ربهم ولم يروه وقيل: معناه: يخافون ربهم إذا غابوا عن أعين الناس، فمن خاف الله في الخلاء فهو أحرى أن يخافه بحضرة الناس. * * ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾. أي: ستر على ذنوبهم وصفح عنها. * * ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. أي: وثواب عظيم، وهو "الجنة". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ﴾ أي: وأخفوا كلامكم إن شئتم أو أعلنوه إن شئتم، فإنه لا يخفى على الله منه شيء. * * ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾. أي: عليم بضمائر الصدور. فمن كان لا يخفى عليه ضمائر الصدور كيف يخفى عليه القول سراً كان أو جهراً.؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾. "من": في موضع رفع اسم الله جل ذكره. ويقبح أن تكون في موضع نصب لأنه يلزم أن يقال: "ألا يعلم ما خلق"، لأنه راجع إلى (ذات الصدور). فالمعنى: ألا يعلم من خلق الصدور سرها وعلانيتها، كيف يخفى عليه خلقه وهو اللطيف بعباده، الخبير بأعمالهم؟! وإذا جعلت "من" بمعنى "ما" في موضع نصب، كان فيه دليل قوي) على أن الله خالق ما تكن الصدور من خير وشر. ففيه حجة [قوية] على القدرية الذين يدعون أنهم يخلقون الشر وأن الله لم يخلقه ولا قدره، تعالى أن يكون في ملكه ما لم يخلقه وما لم يقدره، بل لا خالق لكل شيء إلا الله، ولو كان الشر لم يخلقه الله فمن خلق إبليس؟! ومن خلق الأصنام التي تعبد من دون الله؟! ومن خلق نطفة الزاني وولد الزانية؟! ومن خلق قوة الزاني والسارق وقاطع الطريق؟! وهو كله شر من خلق الله كما قال تعالى: ﴿يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ [فاطر: ٨]. وقال: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢]، فكلٌّ بمشيئته كان، لا شريك له، يفعل ما يشاء، لا معقب لحكمه. وكذلك يكون المعنى إذا جعلت "من" في موضع رفع اسم الله جل ذكره [ويكون التقدير: ألا] يعلم الخالق خلقه وهو (ما) في الصدور (من خير وشر فيهم ذلك أن الخلق كله لله: ما في الصدور) وغيره. وقل أهل الزيغ: "من" في موضع نصب يراد به الخلق دون ما في الصدور، فهو يدل على خلق أصحاب الأفعال دون الأفعال، وهو خطأ ظاهر على ما قدمنا. * * - ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً﴾ أي: سهلاً سهلها لكم. * * ﴿فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا﴾. قال ابن عباس: في جبالها، وقاله قتادة، وعن ابن عباس أيضاً: ﴿مَنَاكِبِهَا﴾: أطرافها، وقيل: نواحيها، وقيل: معناه في جوانبها [المذللة] الممهدة. وقال مجاهد: "طرقها وفجاجها". * * ﴿وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ﴾ (أي: من رزقه) الذي أخرجه لكم من الأرض. * * ﴿وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ﴾. أي: وإليه نشوركم من قبوركم. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَءَمِنتُمْ مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلأَرْضَ﴾ أي: أأمنتم - أيها الكافرون - الله الذي في السماء أن يخسف بكم الأرض عقوبة على كفركم به؟! * * ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾. أي: تضطرب. ﴿أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ (وهو الله). * * ﴿أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ وهو التراب فيه الحصباء الصغار فيهلككم بذلك على كفركم. أي: لم تأمنوا [من ذلك]، فما بالكم مقيمين على كفركم؟! * * ثم قال: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾. أي: كيف عاقبة نذيري لكم إذ كذبتموه. ولا يعمل ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ "في ﴿كَيْفَ﴾ لأنها استفهام، وهي خبر "نذير". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ﴾. أي: ولقد كذّب الذين كانوا قبل هؤلاء المشركين رسلهم، فكيف كان إنكاري لتكذيبهم؟! ألم نهلكهم بضروب من النقمات؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَـٰفَّـٰتٍ﴾ أي: أو لم ير هؤلاء المشركون قدرة الله في الطير فوقهم في الهواء صافات أجنحتهن أحياناً ويقبضنها أحياناً؟!. ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾، فيكون لهم بذلك مذكر على قدرة الله وأنه لا يقدر على إمساك الطير على تلك الحال أحد إلا الله. * * ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾. أي: إن الله ذو بصر وخبر بكل شيء، لا يدخل في تدبيره خلل ولا في خلقه تفاوت. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ﴾. أي: من ينقذكم من عذاب الرحمن إذا نزل بكم على كفركم؟! ما ﴿ٱلْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ﴾ من ظنهم أن آلهتهم تقربهم إلى الله زلفى وأنها تنفع أو تضر. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ أي: من يرزقكم أيها المشركون إن أمسك الرحمن رزقه عنكم. أي: من يأتي بالمطر إن أمسكه عنكم الرحمن. * * ثم قال تعالى: ﴿بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾. ([أي]: بل تمادوا في طغيان ونفور) [من] الحق استكباراً. * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. أي: أفمن يمشي في الضلالة أهدى أمن يمشي في الهدى؟! يعني الكافر والمؤمن، فهو مثل ضربه الله لهما في الدنيا. هذا معنى قول مجاهد والضحاك وابن عباس. قال قتادة: هذا في الآخرة، أفمن يمشي مكبا على وجهه وهو الكافر، أكب في الدنيا على [المعاصي] فحشره الله يوم القيامة على وجهه. - [رواه] عن النبي ﷺ -، قال: فقيل: يا رسول الله كيف يحشر الكافر على وجهه فقال: إن الذي أمشاه على رجليه لقادر أن يحشره يوم القيامة على وجهه وقيل: الذي يمشي مكباً على وجهه: أبو جهل، والذي هو على صراط مستقيم: حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، ثم هو في كل من كان مثلهما.

الملك 67:17

قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، إلى قوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. تبارك: تفاعل من البركة، ولا يقال منه مستقبل ولا اسم فاعل. ومعناه: تعاظم وتعالى الرب الذي بيده ملك الدنيا والآخرة [وسلطانهما]، نافذ فيهما أمره وقضاؤه. * * ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: وهو ذو قدرة على فعل كل شيء أراده [﴿قَدِيرٌ﴾]: لا يمنعه مما أراد شيء. وقيل: معناه: الذي بيده الملك، يعطيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء. * * - ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾. أي: خلق الموت ليميت الأحياء، وخلق الحياة ليحيي الموتى. وفعل ذلك ليختبركم في حياتكم وطول إقامتكم في الدنيا، أيكم أحسن عملاً فيجازيه على ذلك في الآخرة. وقد علم تعالى كل ما هم عاملون، وعلم الطائع والعاصي قبل خلقهم، لكن المجازاة إنما تقع بعد ظهور الأعمال، [لا يجازى] أحد (بعلم الله فيه دون ظهور عمله). فالمعنى: ليختبر وقوع ذلك (منكم) على ما سبق في علمه وقضائه. وتقديره: من خير وشر احتساباً منكم. قال قتادة: أذل الله ابن آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة ودار فناء، وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء. * * - ثم قال: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً﴾ أي: اخترع ذلك طبقا فوق طبق. * * ﴿مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾ أي: من اختلاف، يعني في خلق السماوات، وقيل: في كل ما خلق، فكله محكم دال على قادر بارئ حكيم في تدبيره ولطفه. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ﴾. أي: هل ترى يا ابن آدم من شقوق أو وَهْيٍ؟ - (ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾). أي: ثم رد البصر يا ابن آدم مرتين مرة بعد أخرى، هل ترى من شقوق، أو وَهْيٍ في الخلق أو تفاوت؟! ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: يرجع إليك البصر صاغراً متبعداً عن أن يجد تفاوتاً أو شقوقاً. من قولهم للكلب: "اخسأ" إذا طردوه، أي: أبعد صاغراً. يقال: خسأته فخسأ. * * وقوله: ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: معي. (وقال ابن عباس: "﴿خَاسِئاً﴾: ذليلاً ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: مرجف. وقال قتادة: معناه: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾، أي: معي)، وعنه قول ابن عباس. يقال: حسير ومحسور للرجل إذا بلغ غاية الإعياء. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ وَجَعَلْنَٰهَا رُجُوماً لِّلشَّيَٰطِينِ﴾ أي: زينا السماء بنجوم ترجم الشياطين بها إذا [أتوا لاستراق] السمع. قال قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاث: خلقها للزينة، وترجم الشياطين (بها)، وعلامات يهتدوا بها. و "رجوم" مصدر على قول من قال: إنما يرجم من [النجوم] بالشهب، ولا تبرح النجوم (بنفسها). ومن قال: بل يرجم بها نفسها قال: رجوم جمع رجم. * * - ثم قال: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: وأعتدنا للشياطين في الآخرة عذاباً يسعر عليهم. * * - ثم قال: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾. أي: وللذين جحدوا توحيد ربهم في الآخرة عذاب جهنم، وبئس المصير عذاب جهنم. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ﴾. أي: إذا [ألقي] الكافرون في جهنم سمعوا لجهنم شهيقاً، أي صوت الشهيق. والشهيق: الصوت الذي يخرج من الجوف بشدة كصوت الحمار. ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾: تغلي بهم كما تغلي القدر. * * - ثم قال تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ (أي: تكاد جهنم تتفرق وتتقطع من الغيظ على الكفار). * * ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾. أي: كلما ألقي في جهنم جماعة سألهم خزنة جهنم فيقولون لهم: ألم يأتكم نذير في الدنيا ينذركم هذا العذاب الذي حل بكم؟ [فيجيبهم] المشركون: ﴿بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ...﴾، فيقول لهم [الخزنة]. * * ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾. أي: في ضلال عن الحق بعيد. "ونذير": بمعنى منذر. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: وقال الفوج لخزنة جهنم: لو كنا نسمع من النذير ما جاءنا به من الحق سماع قبول، أو نعقل عنه ما يدعونا اليه فنفهمه فهم قبول ما كنا اليوم في أصحاب النار. وقيل: ﴿[نَسْمَعُ﴾ بمعنى]: نقبل منهم ما يقولون لنا. ومنه قولهم: سمع الله لمن حمده: أي قبل منه. والقول الأول هو بمنزلة قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] لم يكونوا كذلك، ولكن لما لم ينتفعوا بهذه الجوارح في عاقبة أمرهم كانوا بمنزلة الصم والبكم والعمي. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: فأقروا بذنبهم، فبعدا لهم. قاله ابن عباس. وقال ابن جبير: ﴿فَسُحْقاً﴾: هو واد في جهنم. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. أي: إن الذين يخافون ربهم ولم يروه وقيل: معناه: يخافون ربهم إذا غابوا عن أعين الناس، فمن خاف الله في الخلاء فهو أحرى أن يخافه بحضرة الناس. * * ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾. أي: ستر على ذنوبهم وصفح عنها. * * ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. أي: وثواب عظيم، وهو "الجنة". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ﴾ أي: وأخفوا كلامكم إن شئتم أو أعلنوه إن شئتم، فإنه لا يخفى على الله منه شيء. * * ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾. أي: عليم بضمائر الصدور. فمن كان لا يخفى عليه ضمائر الصدور كيف يخفى عليه القول سراً كان أو جهراً.؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾. "من": في موضع رفع اسم الله جل ذكره. ويقبح أن تكون في موضع نصب لأنه يلزم أن يقال: "ألا يعلم ما خلق"، لأنه راجع إلى (ذات الصدور). فالمعنى: ألا يعلم من خلق الصدور سرها وعلانيتها، كيف يخفى عليه خلقه وهو اللطيف بعباده، الخبير بأعمالهم؟! وإذا جعلت "من" بمعنى "ما" في موضع نصب، كان فيه دليل قوي) على أن الله خالق ما تكن الصدور من خير وشر. ففيه حجة [قوية] على القدرية الذين يدعون أنهم يخلقون الشر وأن الله لم يخلقه ولا قدره، تعالى أن يكون في ملكه ما لم يخلقه وما لم يقدره، بل لا خالق لكل شيء إلا الله، ولو كان الشر لم يخلقه الله فمن خلق إبليس؟! ومن خلق الأصنام التي تعبد من دون الله؟! ومن خلق نطفة الزاني وولد الزانية؟! ومن خلق قوة الزاني والسارق وقاطع الطريق؟! وهو كله شر من خلق الله كما قال تعالى: ﴿يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ [فاطر: ٨]. وقال: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢]، فكلٌّ بمشيئته كان، لا شريك له، يفعل ما يشاء، لا معقب لحكمه. وكذلك يكون المعنى إذا جعلت "من" في موضع رفع اسم الله جل ذكره [ويكون التقدير: ألا] يعلم الخالق خلقه وهو (ما) في الصدور (من خير وشر فيهم ذلك أن الخلق كله لله: ما في الصدور) وغيره. وقل أهل الزيغ: "من" في موضع نصب يراد به الخلق دون ما في الصدور، فهو يدل على خلق أصحاب الأفعال دون الأفعال، وهو خطأ ظاهر على ما قدمنا. * * - ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً﴾ أي: سهلاً سهلها لكم. * * ﴿فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا﴾. قال ابن عباس: في جبالها، وقاله قتادة، وعن ابن عباس أيضاً: ﴿مَنَاكِبِهَا﴾: أطرافها، وقيل: نواحيها، وقيل: معناه في جوانبها [المذللة] الممهدة. وقال مجاهد: "طرقها وفجاجها". * * ﴿وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ﴾ (أي: من رزقه) الذي أخرجه لكم من الأرض. * * ﴿وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ﴾. أي: وإليه نشوركم من قبوركم. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَءَمِنتُمْ مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلأَرْضَ﴾ أي: أأمنتم - أيها الكافرون - الله الذي في السماء أن يخسف بكم الأرض عقوبة على كفركم به؟! * * ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾. أي: تضطرب. ﴿أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ (وهو الله). * * ﴿أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ وهو التراب فيه الحصباء الصغار فيهلككم بذلك على كفركم. أي: لم تأمنوا [من ذلك]، فما بالكم مقيمين على كفركم؟! * * ثم قال: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾. أي: كيف عاقبة نذيري لكم إذ كذبتموه. ولا يعمل ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ "في ﴿كَيْفَ﴾ لأنها استفهام، وهي خبر "نذير". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ﴾. أي: ولقد كذّب الذين كانوا قبل هؤلاء المشركين رسلهم، فكيف كان إنكاري لتكذيبهم؟! ألم نهلكهم بضروب من النقمات؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَـٰفَّـٰتٍ﴾ أي: أو لم ير هؤلاء المشركون قدرة الله في الطير فوقهم في الهواء صافات أجنحتهن أحياناً ويقبضنها أحياناً؟!. ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾، فيكون لهم بذلك مذكر على قدرة الله وأنه لا يقدر على إمساك الطير على تلك الحال أحد إلا الله. * * ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾. أي: إن الله ذو بصر وخبر بكل شيء، لا يدخل في تدبيره خلل ولا في خلقه تفاوت. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ﴾. أي: من ينقذكم من عذاب الرحمن إذا نزل بكم على كفركم؟! ما ﴿ٱلْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ﴾ من ظنهم أن آلهتهم تقربهم إلى الله زلفى وأنها تنفع أو تضر. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ أي: من يرزقكم أيها المشركون إن أمسك الرحمن رزقه عنكم. أي: من يأتي بالمطر إن أمسكه عنكم الرحمن. * * ثم قال تعالى: ﴿بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾. ([أي]: بل تمادوا في طغيان ونفور) [من] الحق استكباراً. * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. أي: أفمن يمشي في الضلالة أهدى أمن يمشي في الهدى؟! يعني الكافر والمؤمن، فهو مثل ضربه الله لهما في الدنيا. هذا معنى قول مجاهد والضحاك وابن عباس. قال قتادة: هذا في الآخرة، أفمن يمشي مكبا على وجهه وهو الكافر، أكب في الدنيا على [المعاصي] فحشره الله يوم القيامة على وجهه. - [رواه] عن النبي ﷺ -، قال: فقيل: يا رسول الله كيف يحشر الكافر على وجهه فقال: إن الذي أمشاه على رجليه لقادر أن يحشره يوم القيامة على وجهه وقيل: الذي يمشي مكباً على وجهه: أبو جهل، والذي هو على صراط مستقيم: حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، ثم هو في كل من كان مثلهما.

الملك 67:18

قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، إلى قوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. تبارك: تفاعل من البركة، ولا يقال منه مستقبل ولا اسم فاعل. ومعناه: تعاظم وتعالى الرب الذي بيده ملك الدنيا والآخرة [وسلطانهما]، نافذ فيهما أمره وقضاؤه. * * ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: وهو ذو قدرة على فعل كل شيء أراده [﴿قَدِيرٌ﴾]: لا يمنعه مما أراد شيء. وقيل: معناه: الذي بيده الملك، يعطيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء. * * - ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾. أي: خلق الموت ليميت الأحياء، وخلق الحياة ليحيي الموتى. وفعل ذلك ليختبركم في حياتكم وطول إقامتكم في الدنيا، أيكم أحسن عملاً فيجازيه على ذلك في الآخرة. وقد علم تعالى كل ما هم عاملون، وعلم الطائع والعاصي قبل خلقهم، لكن المجازاة إنما تقع بعد ظهور الأعمال، [لا يجازى] أحد (بعلم الله فيه دون ظهور عمله). فالمعنى: ليختبر وقوع ذلك (منكم) على ما سبق في علمه وقضائه. وتقديره: من خير وشر احتساباً منكم. قال قتادة: أذل الله ابن آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة ودار فناء، وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء. * * - ثم قال: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً﴾ أي: اخترع ذلك طبقا فوق طبق. * * ﴿مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾ أي: من اختلاف، يعني في خلق السماوات، وقيل: في كل ما خلق، فكله محكم دال على قادر بارئ حكيم في تدبيره ولطفه. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ﴾. أي: هل ترى يا ابن آدم من شقوق أو وَهْيٍ؟ - (ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾). أي: ثم رد البصر يا ابن آدم مرتين مرة بعد أخرى، هل ترى من شقوق، أو وَهْيٍ في الخلق أو تفاوت؟! ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: يرجع إليك البصر صاغراً متبعداً عن أن يجد تفاوتاً أو شقوقاً. من قولهم للكلب: "اخسأ" إذا طردوه، أي: أبعد صاغراً. يقال: خسأته فخسأ. * * وقوله: ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: معي. (وقال ابن عباس: "﴿خَاسِئاً﴾: ذليلاً ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: مرجف. وقال قتادة: معناه: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾، أي: معي)، وعنه قول ابن عباس. يقال: حسير ومحسور للرجل إذا بلغ غاية الإعياء. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ وَجَعَلْنَٰهَا رُجُوماً لِّلشَّيَٰطِينِ﴾ أي: زينا السماء بنجوم ترجم الشياطين بها إذا [أتوا لاستراق] السمع. قال قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاث: خلقها للزينة، وترجم الشياطين (بها)، وعلامات يهتدوا بها. و "رجوم" مصدر على قول من قال: إنما يرجم من [النجوم] بالشهب، ولا تبرح النجوم (بنفسها). ومن قال: بل يرجم بها نفسها قال: رجوم جمع رجم. * * - ثم قال: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: وأعتدنا للشياطين في الآخرة عذاباً يسعر عليهم. * * - ثم قال: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾. أي: وللذين جحدوا توحيد ربهم في الآخرة عذاب جهنم، وبئس المصير عذاب جهنم. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ﴾. أي: إذا [ألقي] الكافرون في جهنم سمعوا لجهنم شهيقاً، أي صوت الشهيق. والشهيق: الصوت الذي يخرج من الجوف بشدة كصوت الحمار. ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾: تغلي بهم كما تغلي القدر. * * - ثم قال تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ (أي: تكاد جهنم تتفرق وتتقطع من الغيظ على الكفار). * * ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾. أي: كلما ألقي في جهنم جماعة سألهم خزنة جهنم فيقولون لهم: ألم يأتكم نذير في الدنيا ينذركم هذا العذاب الذي حل بكم؟ [فيجيبهم] المشركون: ﴿بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ...﴾، فيقول لهم [الخزنة]. * * ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾. أي: في ضلال عن الحق بعيد. "ونذير": بمعنى منذر. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: وقال الفوج لخزنة جهنم: لو كنا نسمع من النذير ما جاءنا به من الحق سماع قبول، أو نعقل عنه ما يدعونا اليه فنفهمه فهم قبول ما كنا اليوم في أصحاب النار. وقيل: ﴿[نَسْمَعُ﴾ بمعنى]: نقبل منهم ما يقولون لنا. ومنه قولهم: سمع الله لمن حمده: أي قبل منه. والقول الأول هو بمنزلة قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] لم يكونوا كذلك، ولكن لما لم ينتفعوا بهذه الجوارح في عاقبة أمرهم كانوا بمنزلة الصم والبكم والعمي. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: فأقروا بذنبهم، فبعدا لهم. قاله ابن عباس. وقال ابن جبير: ﴿فَسُحْقاً﴾: هو واد في جهنم. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. أي: إن الذين يخافون ربهم ولم يروه وقيل: معناه: يخافون ربهم إذا غابوا عن أعين الناس، فمن خاف الله في الخلاء فهو أحرى أن يخافه بحضرة الناس. * * ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾. أي: ستر على ذنوبهم وصفح عنها. * * ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. أي: وثواب عظيم، وهو "الجنة". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ﴾ أي: وأخفوا كلامكم إن شئتم أو أعلنوه إن شئتم، فإنه لا يخفى على الله منه شيء. * * ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾. أي: عليم بضمائر الصدور. فمن كان لا يخفى عليه ضمائر الصدور كيف يخفى عليه القول سراً كان أو جهراً.؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾. "من": في موضع رفع اسم الله جل ذكره. ويقبح أن تكون في موضع نصب لأنه يلزم أن يقال: "ألا يعلم ما خلق"، لأنه راجع إلى (ذات الصدور). فالمعنى: ألا يعلم من خلق الصدور سرها وعلانيتها، كيف يخفى عليه خلقه وهو اللطيف بعباده، الخبير بأعمالهم؟! وإذا جعلت "من" بمعنى "ما" في موضع نصب، كان فيه دليل قوي) على أن الله خالق ما تكن الصدور من خير وشر. ففيه حجة [قوية] على القدرية الذين يدعون أنهم يخلقون الشر وأن الله لم يخلقه ولا قدره، تعالى أن يكون في ملكه ما لم يخلقه وما لم يقدره، بل لا خالق لكل شيء إلا الله، ولو كان الشر لم يخلقه الله فمن خلق إبليس؟! ومن خلق الأصنام التي تعبد من دون الله؟! ومن خلق نطفة الزاني وولد الزانية؟! ومن خلق قوة الزاني والسارق وقاطع الطريق؟! وهو كله شر من خلق الله كما قال تعالى: ﴿يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ [فاطر: ٨]. وقال: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢]، فكلٌّ بمشيئته كان، لا شريك له، يفعل ما يشاء، لا معقب لحكمه. وكذلك يكون المعنى إذا جعلت "من" في موضع رفع اسم الله جل ذكره [ويكون التقدير: ألا] يعلم الخالق خلقه وهو (ما) في الصدور (من خير وشر فيهم ذلك أن الخلق كله لله: ما في الصدور) وغيره. وقل أهل الزيغ: "من" في موضع نصب يراد به الخلق دون ما في الصدور، فهو يدل على خلق أصحاب الأفعال دون الأفعال، وهو خطأ ظاهر على ما قدمنا. * * - ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً﴾ أي: سهلاً سهلها لكم. * * ﴿فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا﴾. قال ابن عباس: في جبالها، وقاله قتادة، وعن ابن عباس أيضاً: ﴿مَنَاكِبِهَا﴾: أطرافها، وقيل: نواحيها، وقيل: معناه في جوانبها [المذللة] الممهدة. وقال مجاهد: "طرقها وفجاجها". * * ﴿وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ﴾ (أي: من رزقه) الذي أخرجه لكم من الأرض. * * ﴿وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ﴾. أي: وإليه نشوركم من قبوركم. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَءَمِنتُمْ مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلأَرْضَ﴾ أي: أأمنتم - أيها الكافرون - الله الذي في السماء أن يخسف بكم الأرض عقوبة على كفركم به؟! * * ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾. أي: تضطرب. ﴿أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ (وهو الله). * * ﴿أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ وهو التراب فيه الحصباء الصغار فيهلككم بذلك على كفركم. أي: لم تأمنوا [من ذلك]، فما بالكم مقيمين على كفركم؟! * * ثم قال: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾. أي: كيف عاقبة نذيري لكم إذ كذبتموه. ولا يعمل ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ "في ﴿كَيْفَ﴾ لأنها استفهام، وهي خبر "نذير". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ﴾. أي: ولقد كذّب الذين كانوا قبل هؤلاء المشركين رسلهم، فكيف كان إنكاري لتكذيبهم؟! ألم نهلكهم بضروب من النقمات؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَـٰفَّـٰتٍ﴾ أي: أو لم ير هؤلاء المشركون قدرة الله في الطير فوقهم في الهواء صافات أجنحتهن أحياناً ويقبضنها أحياناً؟!. ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾، فيكون لهم بذلك مذكر على قدرة الله وأنه لا يقدر على إمساك الطير على تلك الحال أحد إلا الله. * * ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾. أي: إن الله ذو بصر وخبر بكل شيء، لا يدخل في تدبيره خلل ولا في خلقه تفاوت. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ﴾. أي: من ينقذكم من عذاب الرحمن إذا نزل بكم على كفركم؟! ما ﴿ٱلْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ﴾ من ظنهم أن آلهتهم تقربهم إلى الله زلفى وأنها تنفع أو تضر. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ أي: من يرزقكم أيها المشركون إن أمسك الرحمن رزقه عنكم. أي: من يأتي بالمطر إن أمسكه عنكم الرحمن. * * ثم قال تعالى: ﴿بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾. ([أي]: بل تمادوا في طغيان ونفور) [من] الحق استكباراً. * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. أي: أفمن يمشي في الضلالة أهدى أمن يمشي في الهدى؟! يعني الكافر والمؤمن، فهو مثل ضربه الله لهما في الدنيا. هذا معنى قول مجاهد والضحاك وابن عباس. قال قتادة: هذا في الآخرة، أفمن يمشي مكبا على وجهه وهو الكافر، أكب في الدنيا على [المعاصي] فحشره الله يوم القيامة على وجهه. - [رواه] عن النبي ﷺ -، قال: فقيل: يا رسول الله كيف يحشر الكافر على وجهه فقال: إن الذي أمشاه على رجليه لقادر أن يحشره يوم القيامة على وجهه وقيل: الذي يمشي مكباً على وجهه: أبو جهل، والذي هو على صراط مستقيم: حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، ثم هو في كل من كان مثلهما.

الملك 67:19

قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، إلى قوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. تبارك: تفاعل من البركة، ولا يقال منه مستقبل ولا اسم فاعل. ومعناه: تعاظم وتعالى الرب الذي بيده ملك الدنيا والآخرة [وسلطانهما]، نافذ فيهما أمره وقضاؤه. * * ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: وهو ذو قدرة على فعل كل شيء أراده [﴿قَدِيرٌ﴾]: لا يمنعه مما أراد شيء. وقيل: معناه: الذي بيده الملك، يعطيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء. * * - ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾. أي: خلق الموت ليميت الأحياء، وخلق الحياة ليحيي الموتى. وفعل ذلك ليختبركم في حياتكم وطول إقامتكم في الدنيا، أيكم أحسن عملاً فيجازيه على ذلك في الآخرة. وقد علم تعالى كل ما هم عاملون، وعلم الطائع والعاصي قبل خلقهم، لكن المجازاة إنما تقع بعد ظهور الأعمال، [لا يجازى] أحد (بعلم الله فيه دون ظهور عمله). فالمعنى: ليختبر وقوع ذلك (منكم) على ما سبق في علمه وقضائه. وتقديره: من خير وشر احتساباً منكم. قال قتادة: أذل الله ابن آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة ودار فناء، وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء. * * - ثم قال: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً﴾ أي: اخترع ذلك طبقا فوق طبق. * * ﴿مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾ أي: من اختلاف، يعني في خلق السماوات، وقيل: في كل ما خلق، فكله محكم دال على قادر بارئ حكيم في تدبيره ولطفه. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ﴾. أي: هل ترى يا ابن آدم من شقوق أو وَهْيٍ؟ - (ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾). أي: ثم رد البصر يا ابن آدم مرتين مرة بعد أخرى، هل ترى من شقوق، أو وَهْيٍ في الخلق أو تفاوت؟! ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: يرجع إليك البصر صاغراً متبعداً عن أن يجد تفاوتاً أو شقوقاً. من قولهم للكلب: "اخسأ" إذا طردوه، أي: أبعد صاغراً. يقال: خسأته فخسأ. * * وقوله: ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: معي. (وقال ابن عباس: "﴿خَاسِئاً﴾: ذليلاً ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: مرجف. وقال قتادة: معناه: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾، أي: معي)، وعنه قول ابن عباس. يقال: حسير ومحسور للرجل إذا بلغ غاية الإعياء. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ وَجَعَلْنَٰهَا رُجُوماً لِّلشَّيَٰطِينِ﴾ أي: زينا السماء بنجوم ترجم الشياطين بها إذا [أتوا لاستراق] السمع. قال قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاث: خلقها للزينة، وترجم الشياطين (بها)، وعلامات يهتدوا بها. و "رجوم" مصدر على قول من قال: إنما يرجم من [النجوم] بالشهب، ولا تبرح النجوم (بنفسها). ومن قال: بل يرجم بها نفسها قال: رجوم جمع رجم. * * - ثم قال: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: وأعتدنا للشياطين في الآخرة عذاباً يسعر عليهم. * * - ثم قال: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾. أي: وللذين جحدوا توحيد ربهم في الآخرة عذاب جهنم، وبئس المصير عذاب جهنم. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ﴾. أي: إذا [ألقي] الكافرون في جهنم سمعوا لجهنم شهيقاً، أي صوت الشهيق. والشهيق: الصوت الذي يخرج من الجوف بشدة كصوت الحمار. ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾: تغلي بهم كما تغلي القدر. * * - ثم قال تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ (أي: تكاد جهنم تتفرق وتتقطع من الغيظ على الكفار). * * ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾. أي: كلما ألقي في جهنم جماعة سألهم خزنة جهنم فيقولون لهم: ألم يأتكم نذير في الدنيا ينذركم هذا العذاب الذي حل بكم؟ [فيجيبهم] المشركون: ﴿بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ...﴾، فيقول لهم [الخزنة]. * * ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾. أي: في ضلال عن الحق بعيد. "ونذير": بمعنى منذر. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: وقال الفوج لخزنة جهنم: لو كنا نسمع من النذير ما جاءنا به من الحق سماع قبول، أو نعقل عنه ما يدعونا اليه فنفهمه فهم قبول ما كنا اليوم في أصحاب النار. وقيل: ﴿[نَسْمَعُ﴾ بمعنى]: نقبل منهم ما يقولون لنا. ومنه قولهم: سمع الله لمن حمده: أي قبل منه. والقول الأول هو بمنزلة قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] لم يكونوا كذلك، ولكن لما لم ينتفعوا بهذه الجوارح في عاقبة أمرهم كانوا بمنزلة الصم والبكم والعمي. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: فأقروا بذنبهم، فبعدا لهم. قاله ابن عباس. وقال ابن جبير: ﴿فَسُحْقاً﴾: هو واد في جهنم. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. أي: إن الذين يخافون ربهم ولم يروه وقيل: معناه: يخافون ربهم إذا غابوا عن أعين الناس، فمن خاف الله في الخلاء فهو أحرى أن يخافه بحضرة الناس. * * ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾. أي: ستر على ذنوبهم وصفح عنها. * * ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. أي: وثواب عظيم، وهو "الجنة". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ﴾ أي: وأخفوا كلامكم إن شئتم أو أعلنوه إن شئتم، فإنه لا يخفى على الله منه شيء. * * ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾. أي: عليم بضمائر الصدور. فمن كان لا يخفى عليه ضمائر الصدور كيف يخفى عليه القول سراً كان أو جهراً.؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾. "من": في موضع رفع اسم الله جل ذكره. ويقبح أن تكون في موضع نصب لأنه يلزم أن يقال: "ألا يعلم ما خلق"، لأنه راجع إلى (ذات الصدور). فالمعنى: ألا يعلم من خلق الصدور سرها وعلانيتها، كيف يخفى عليه خلقه وهو اللطيف بعباده، الخبير بأعمالهم؟! وإذا جعلت "من" بمعنى "ما" في موضع نصب، كان فيه دليل قوي) على أن الله خالق ما تكن الصدور من خير وشر. ففيه حجة [قوية] على القدرية الذين يدعون أنهم يخلقون الشر وأن الله لم يخلقه ولا قدره، تعالى أن يكون في ملكه ما لم يخلقه وما لم يقدره، بل لا خالق لكل شيء إلا الله، ولو كان الشر لم يخلقه الله فمن خلق إبليس؟! ومن خلق الأصنام التي تعبد من دون الله؟! ومن خلق نطفة الزاني وولد الزانية؟! ومن خلق قوة الزاني والسارق وقاطع الطريق؟! وهو كله شر من خلق الله كما قال تعالى: ﴿يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ [فاطر: ٨]. وقال: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢]، فكلٌّ بمشيئته كان، لا شريك له، يفعل ما يشاء، لا معقب لحكمه. وكذلك يكون المعنى إذا جعلت "من" في موضع رفع اسم الله جل ذكره [ويكون التقدير: ألا] يعلم الخالق خلقه وهو (ما) في الصدور (من خير وشر فيهم ذلك أن الخلق كله لله: ما في الصدور) وغيره. وقل أهل الزيغ: "من" في موضع نصب يراد به الخلق دون ما في الصدور، فهو يدل على خلق أصحاب الأفعال دون الأفعال، وهو خطأ ظاهر على ما قدمنا. * * - ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً﴾ أي: سهلاً سهلها لكم. * * ﴿فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا﴾. قال ابن عباس: في جبالها، وقاله قتادة، وعن ابن عباس أيضاً: ﴿مَنَاكِبِهَا﴾: أطرافها، وقيل: نواحيها، وقيل: معناه في جوانبها [المذللة] الممهدة. وقال مجاهد: "طرقها وفجاجها". * * ﴿وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ﴾ (أي: من رزقه) الذي أخرجه لكم من الأرض. * * ﴿وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ﴾. أي: وإليه نشوركم من قبوركم. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَءَمِنتُمْ مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلأَرْضَ﴾ أي: أأمنتم - أيها الكافرون - الله الذي في السماء أن يخسف بكم الأرض عقوبة على كفركم به؟! * * ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾. أي: تضطرب. ﴿أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ (وهو الله). * * ﴿أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ وهو التراب فيه الحصباء الصغار فيهلككم بذلك على كفركم. أي: لم تأمنوا [من ذلك]، فما بالكم مقيمين على كفركم؟! * * ثم قال: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾. أي: كيف عاقبة نذيري لكم إذ كذبتموه. ولا يعمل ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ "في ﴿كَيْفَ﴾ لأنها استفهام، وهي خبر "نذير". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ﴾. أي: ولقد كذّب الذين كانوا قبل هؤلاء المشركين رسلهم، فكيف كان إنكاري لتكذيبهم؟! ألم نهلكهم بضروب من النقمات؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَـٰفَّـٰتٍ﴾ أي: أو لم ير هؤلاء المشركون قدرة الله في الطير فوقهم في الهواء صافات أجنحتهن أحياناً ويقبضنها أحياناً؟!. ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾، فيكون لهم بذلك مذكر على قدرة الله وأنه لا يقدر على إمساك الطير على تلك الحال أحد إلا الله. * * ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾. أي: إن الله ذو بصر وخبر بكل شيء، لا يدخل في تدبيره خلل ولا في خلقه تفاوت. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ﴾. أي: من ينقذكم من عذاب الرحمن إذا نزل بكم على كفركم؟! ما ﴿ٱلْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ﴾ من ظنهم أن آلهتهم تقربهم إلى الله زلفى وأنها تنفع أو تضر. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ أي: من يرزقكم أيها المشركون إن أمسك الرحمن رزقه عنكم. أي: من يأتي بالمطر إن أمسكه عنكم الرحمن. * * ثم قال تعالى: ﴿بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾. ([أي]: بل تمادوا في طغيان ونفور) [من] الحق استكباراً. * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. أي: أفمن يمشي في الضلالة أهدى أمن يمشي في الهدى؟! يعني الكافر والمؤمن، فهو مثل ضربه الله لهما في الدنيا. هذا معنى قول مجاهد والضحاك وابن عباس. قال قتادة: هذا في الآخرة، أفمن يمشي مكبا على وجهه وهو الكافر، أكب في الدنيا على [المعاصي] فحشره الله يوم القيامة على وجهه. - [رواه] عن النبي ﷺ -، قال: فقيل: يا رسول الله كيف يحشر الكافر على وجهه فقال: إن الذي أمشاه على رجليه لقادر أن يحشره يوم القيامة على وجهه وقيل: الذي يمشي مكباً على وجهه: أبو جهل، والذي هو على صراط مستقيم: حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، ثم هو في كل من كان مثلهما.

الملك 67:20

قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، إلى قوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. تبارك: تفاعل من البركة، ولا يقال منه مستقبل ولا اسم فاعل. ومعناه: تعاظم وتعالى الرب الذي بيده ملك الدنيا والآخرة [وسلطانهما]، نافذ فيهما أمره وقضاؤه. * * ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: وهو ذو قدرة على فعل كل شيء أراده [﴿قَدِيرٌ﴾]: لا يمنعه مما أراد شيء. وقيل: معناه: الذي بيده الملك، يعطيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء. * * - ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾. أي: خلق الموت ليميت الأحياء، وخلق الحياة ليحيي الموتى. وفعل ذلك ليختبركم في حياتكم وطول إقامتكم في الدنيا، أيكم أحسن عملاً فيجازيه على ذلك في الآخرة. وقد علم تعالى كل ما هم عاملون، وعلم الطائع والعاصي قبل خلقهم، لكن المجازاة إنما تقع بعد ظهور الأعمال، [لا يجازى] أحد (بعلم الله فيه دون ظهور عمله). فالمعنى: ليختبر وقوع ذلك (منكم) على ما سبق في علمه وقضائه. وتقديره: من خير وشر احتساباً منكم. قال قتادة: أذل الله ابن آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة ودار فناء، وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء. * * - ثم قال: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً﴾ أي: اخترع ذلك طبقا فوق طبق. * * ﴿مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾ أي: من اختلاف، يعني في خلق السماوات، وقيل: في كل ما خلق، فكله محكم دال على قادر بارئ حكيم في تدبيره ولطفه. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ﴾. أي: هل ترى يا ابن آدم من شقوق أو وَهْيٍ؟ - (ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾). أي: ثم رد البصر يا ابن آدم مرتين مرة بعد أخرى، هل ترى من شقوق، أو وَهْيٍ في الخلق أو تفاوت؟! ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: يرجع إليك البصر صاغراً متبعداً عن أن يجد تفاوتاً أو شقوقاً. من قولهم للكلب: "اخسأ" إذا طردوه، أي: أبعد صاغراً. يقال: خسأته فخسأ. * * وقوله: ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: معي. (وقال ابن عباس: "﴿خَاسِئاً﴾: ذليلاً ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: مرجف. وقال قتادة: معناه: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾، أي: معي)، وعنه قول ابن عباس. يقال: حسير ومحسور للرجل إذا بلغ غاية الإعياء. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ وَجَعَلْنَٰهَا رُجُوماً لِّلشَّيَٰطِينِ﴾ أي: زينا السماء بنجوم ترجم الشياطين بها إذا [أتوا لاستراق] السمع. قال قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاث: خلقها للزينة، وترجم الشياطين (بها)، وعلامات يهتدوا بها. و "رجوم" مصدر على قول من قال: إنما يرجم من [النجوم] بالشهب، ولا تبرح النجوم (بنفسها). ومن قال: بل يرجم بها نفسها قال: رجوم جمع رجم. * * - ثم قال: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: وأعتدنا للشياطين في الآخرة عذاباً يسعر عليهم. * * - ثم قال: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾. أي: وللذين جحدوا توحيد ربهم في الآخرة عذاب جهنم، وبئس المصير عذاب جهنم. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ﴾. أي: إذا [ألقي] الكافرون في جهنم سمعوا لجهنم شهيقاً، أي صوت الشهيق. والشهيق: الصوت الذي يخرج من الجوف بشدة كصوت الحمار. ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾: تغلي بهم كما تغلي القدر. * * - ثم قال تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ (أي: تكاد جهنم تتفرق وتتقطع من الغيظ على الكفار). * * ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾. أي: كلما ألقي في جهنم جماعة سألهم خزنة جهنم فيقولون لهم: ألم يأتكم نذير في الدنيا ينذركم هذا العذاب الذي حل بكم؟ [فيجيبهم] المشركون: ﴿بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ...﴾، فيقول لهم [الخزنة]. * * ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾. أي: في ضلال عن الحق بعيد. "ونذير": بمعنى منذر. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: وقال الفوج لخزنة جهنم: لو كنا نسمع من النذير ما جاءنا به من الحق سماع قبول، أو نعقل عنه ما يدعونا اليه فنفهمه فهم قبول ما كنا اليوم في أصحاب النار. وقيل: ﴿[نَسْمَعُ﴾ بمعنى]: نقبل منهم ما يقولون لنا. ومنه قولهم: سمع الله لمن حمده: أي قبل منه. والقول الأول هو بمنزلة قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] لم يكونوا كذلك، ولكن لما لم ينتفعوا بهذه الجوارح في عاقبة أمرهم كانوا بمنزلة الصم والبكم والعمي. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: فأقروا بذنبهم، فبعدا لهم. قاله ابن عباس. وقال ابن جبير: ﴿فَسُحْقاً﴾: هو واد في جهنم. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. أي: إن الذين يخافون ربهم ولم يروه وقيل: معناه: يخافون ربهم إذا غابوا عن أعين الناس، فمن خاف الله في الخلاء فهو أحرى أن يخافه بحضرة الناس. * * ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾. أي: ستر على ذنوبهم وصفح عنها. * * ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. أي: وثواب عظيم، وهو "الجنة". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ﴾ أي: وأخفوا كلامكم إن شئتم أو أعلنوه إن شئتم، فإنه لا يخفى على الله منه شيء. * * ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾. أي: عليم بضمائر الصدور. فمن كان لا يخفى عليه ضمائر الصدور كيف يخفى عليه القول سراً كان أو جهراً.؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾. "من": في موضع رفع اسم الله جل ذكره. ويقبح أن تكون في موضع نصب لأنه يلزم أن يقال: "ألا يعلم ما خلق"، لأنه راجع إلى (ذات الصدور). فالمعنى: ألا يعلم من خلق الصدور سرها وعلانيتها، كيف يخفى عليه خلقه وهو اللطيف بعباده، الخبير بأعمالهم؟! وإذا جعلت "من" بمعنى "ما" في موضع نصب، كان فيه دليل قوي) على أن الله خالق ما تكن الصدور من خير وشر. ففيه حجة [قوية] على القدرية الذين يدعون أنهم يخلقون الشر وأن الله لم يخلقه ولا قدره، تعالى أن يكون في ملكه ما لم يخلقه وما لم يقدره، بل لا خالق لكل شيء إلا الله، ولو كان الشر لم يخلقه الله فمن خلق إبليس؟! ومن خلق الأصنام التي تعبد من دون الله؟! ومن خلق نطفة الزاني وولد الزانية؟! ومن خلق قوة الزاني والسارق وقاطع الطريق؟! وهو كله شر من خلق الله كما قال تعالى: ﴿يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ [فاطر: ٨]. وقال: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢]، فكلٌّ بمشيئته كان، لا شريك له، يفعل ما يشاء، لا معقب لحكمه. وكذلك يكون المعنى إذا جعلت "من" في موضع رفع اسم الله جل ذكره [ويكون التقدير: ألا] يعلم الخالق خلقه وهو (ما) في الصدور (من خير وشر فيهم ذلك أن الخلق كله لله: ما في الصدور) وغيره. وقل أهل الزيغ: "من" في موضع نصب يراد به الخلق دون ما في الصدور، فهو يدل على خلق أصحاب الأفعال دون الأفعال، وهو خطأ ظاهر على ما قدمنا. * * - ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً﴾ أي: سهلاً سهلها لكم. * * ﴿فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا﴾. قال ابن عباس: في جبالها، وقاله قتادة، وعن ابن عباس أيضاً: ﴿مَنَاكِبِهَا﴾: أطرافها، وقيل: نواحيها، وقيل: معناه في جوانبها [المذللة] الممهدة. وقال مجاهد: "طرقها وفجاجها". * * ﴿وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ﴾ (أي: من رزقه) الذي أخرجه لكم من الأرض. * * ﴿وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ﴾. أي: وإليه نشوركم من قبوركم. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَءَمِنتُمْ مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلأَرْضَ﴾ أي: أأمنتم - أيها الكافرون - الله الذي في السماء أن يخسف بكم الأرض عقوبة على كفركم به؟! * * ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾. أي: تضطرب. ﴿أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ (وهو الله). * * ﴿أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ وهو التراب فيه الحصباء الصغار فيهلككم بذلك على كفركم. أي: لم تأمنوا [من ذلك]، فما بالكم مقيمين على كفركم؟! * * ثم قال: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾. أي: كيف عاقبة نذيري لكم إذ كذبتموه. ولا يعمل ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ "في ﴿كَيْفَ﴾ لأنها استفهام، وهي خبر "نذير". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ﴾. أي: ولقد كذّب الذين كانوا قبل هؤلاء المشركين رسلهم، فكيف كان إنكاري لتكذيبهم؟! ألم نهلكهم بضروب من النقمات؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَـٰفَّـٰتٍ﴾ أي: أو لم ير هؤلاء المشركون قدرة الله في الطير فوقهم في الهواء صافات أجنحتهن أحياناً ويقبضنها أحياناً؟!. ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾، فيكون لهم بذلك مذكر على قدرة الله وأنه لا يقدر على إمساك الطير على تلك الحال أحد إلا الله. * * ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾. أي: إن الله ذو بصر وخبر بكل شيء، لا يدخل في تدبيره خلل ولا في خلقه تفاوت. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ﴾. أي: من ينقذكم من عذاب الرحمن إذا نزل بكم على كفركم؟! ما ﴿ٱلْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ﴾ من ظنهم أن آلهتهم تقربهم إلى الله زلفى وأنها تنفع أو تضر. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ أي: من يرزقكم أيها المشركون إن أمسك الرحمن رزقه عنكم. أي: من يأتي بالمطر إن أمسكه عنكم الرحمن. * * ثم قال تعالى: ﴿بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾. ([أي]: بل تمادوا في طغيان ونفور) [من] الحق استكباراً. * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. أي: أفمن يمشي في الضلالة أهدى أمن يمشي في الهدى؟! يعني الكافر والمؤمن، فهو مثل ضربه الله لهما في الدنيا. هذا معنى قول مجاهد والضحاك وابن عباس. قال قتادة: هذا في الآخرة، أفمن يمشي مكبا على وجهه وهو الكافر، أكب في الدنيا على [المعاصي] فحشره الله يوم القيامة على وجهه. - [رواه] عن النبي ﷺ -، قال: فقيل: يا رسول الله كيف يحشر الكافر على وجهه فقال: إن الذي أمشاه على رجليه لقادر أن يحشره يوم القيامة على وجهه وقيل: الذي يمشي مكباً على وجهه: أبو جهل، والذي هو على صراط مستقيم: حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، ثم هو في كل من كان مثلهما.

الملك 67:21

قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، إلى قوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. تبارك: تفاعل من البركة، ولا يقال منه مستقبل ولا اسم فاعل. ومعناه: تعاظم وتعالى الرب الذي بيده ملك الدنيا والآخرة [وسلطانهما]، نافذ فيهما أمره وقضاؤه. * * ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: وهو ذو قدرة على فعل كل شيء أراده [﴿قَدِيرٌ﴾]: لا يمنعه مما أراد شيء. وقيل: معناه: الذي بيده الملك، يعطيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء. * * - ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾. أي: خلق الموت ليميت الأحياء، وخلق الحياة ليحيي الموتى. وفعل ذلك ليختبركم في حياتكم وطول إقامتكم في الدنيا، أيكم أحسن عملاً فيجازيه على ذلك في الآخرة. وقد علم تعالى كل ما هم عاملون، وعلم الطائع والعاصي قبل خلقهم، لكن المجازاة إنما تقع بعد ظهور الأعمال، [لا يجازى] أحد (بعلم الله فيه دون ظهور عمله). فالمعنى: ليختبر وقوع ذلك (منكم) على ما سبق في علمه وقضائه. وتقديره: من خير وشر احتساباً منكم. قال قتادة: أذل الله ابن آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة ودار فناء، وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء. * * - ثم قال: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً﴾ أي: اخترع ذلك طبقا فوق طبق. * * ﴿مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾ أي: من اختلاف، يعني في خلق السماوات، وقيل: في كل ما خلق، فكله محكم دال على قادر بارئ حكيم في تدبيره ولطفه. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ﴾. أي: هل ترى يا ابن آدم من شقوق أو وَهْيٍ؟ - (ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾). أي: ثم رد البصر يا ابن آدم مرتين مرة بعد أخرى، هل ترى من شقوق، أو وَهْيٍ في الخلق أو تفاوت؟! ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: يرجع إليك البصر صاغراً متبعداً عن أن يجد تفاوتاً أو شقوقاً. من قولهم للكلب: "اخسأ" إذا طردوه، أي: أبعد صاغراً. يقال: خسأته فخسأ. * * وقوله: ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: معي. (وقال ابن عباس: "﴿خَاسِئاً﴾: ذليلاً ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: مرجف. وقال قتادة: معناه: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾، أي: معي)، وعنه قول ابن عباس. يقال: حسير ومحسور للرجل إذا بلغ غاية الإعياء. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ وَجَعَلْنَٰهَا رُجُوماً لِّلشَّيَٰطِينِ﴾ أي: زينا السماء بنجوم ترجم الشياطين بها إذا [أتوا لاستراق] السمع. قال قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاث: خلقها للزينة، وترجم الشياطين (بها)، وعلامات يهتدوا بها. و "رجوم" مصدر على قول من قال: إنما يرجم من [النجوم] بالشهب، ولا تبرح النجوم (بنفسها). ومن قال: بل يرجم بها نفسها قال: رجوم جمع رجم. * * - ثم قال: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: وأعتدنا للشياطين في الآخرة عذاباً يسعر عليهم. * * - ثم قال: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾. أي: وللذين جحدوا توحيد ربهم في الآخرة عذاب جهنم، وبئس المصير عذاب جهنم. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ﴾. أي: إذا [ألقي] الكافرون في جهنم سمعوا لجهنم شهيقاً، أي صوت الشهيق. والشهيق: الصوت الذي يخرج من الجوف بشدة كصوت الحمار. ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾: تغلي بهم كما تغلي القدر. * * - ثم قال تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ (أي: تكاد جهنم تتفرق وتتقطع من الغيظ على الكفار). * * ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾. أي: كلما ألقي في جهنم جماعة سألهم خزنة جهنم فيقولون لهم: ألم يأتكم نذير في الدنيا ينذركم هذا العذاب الذي حل بكم؟ [فيجيبهم] المشركون: ﴿بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ...﴾، فيقول لهم [الخزنة]. * * ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾. أي: في ضلال عن الحق بعيد. "ونذير": بمعنى منذر. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: وقال الفوج لخزنة جهنم: لو كنا نسمع من النذير ما جاءنا به من الحق سماع قبول، أو نعقل عنه ما يدعونا اليه فنفهمه فهم قبول ما كنا اليوم في أصحاب النار. وقيل: ﴿[نَسْمَعُ﴾ بمعنى]: نقبل منهم ما يقولون لنا. ومنه قولهم: سمع الله لمن حمده: أي قبل منه. والقول الأول هو بمنزلة قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] لم يكونوا كذلك، ولكن لما لم ينتفعوا بهذه الجوارح في عاقبة أمرهم كانوا بمنزلة الصم والبكم والعمي. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: فأقروا بذنبهم، فبعدا لهم. قاله ابن عباس. وقال ابن جبير: ﴿فَسُحْقاً﴾: هو واد في جهنم. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. أي: إن الذين يخافون ربهم ولم يروه وقيل: معناه: يخافون ربهم إذا غابوا عن أعين الناس، فمن خاف الله في الخلاء فهو أحرى أن يخافه بحضرة الناس. * * ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾. أي: ستر على ذنوبهم وصفح عنها. * * ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. أي: وثواب عظيم، وهو "الجنة". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ﴾ أي: وأخفوا كلامكم إن شئتم أو أعلنوه إن شئتم، فإنه لا يخفى على الله منه شيء. * * ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾. أي: عليم بضمائر الصدور. فمن كان لا يخفى عليه ضمائر الصدور كيف يخفى عليه القول سراً كان أو جهراً.؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾. "من": في موضع رفع اسم الله جل ذكره. ويقبح أن تكون في موضع نصب لأنه يلزم أن يقال: "ألا يعلم ما خلق"، لأنه راجع إلى (ذات الصدور). فالمعنى: ألا يعلم من خلق الصدور سرها وعلانيتها، كيف يخفى عليه خلقه وهو اللطيف بعباده، الخبير بأعمالهم؟! وإذا جعلت "من" بمعنى "ما" في موضع نصب، كان فيه دليل قوي) على أن الله خالق ما تكن الصدور من خير وشر. ففيه حجة [قوية] على القدرية الذين يدعون أنهم يخلقون الشر وأن الله لم يخلقه ولا قدره، تعالى أن يكون في ملكه ما لم يخلقه وما لم يقدره، بل لا خالق لكل شيء إلا الله، ولو كان الشر لم يخلقه الله فمن خلق إبليس؟! ومن خلق الأصنام التي تعبد من دون الله؟! ومن خلق نطفة الزاني وولد الزانية؟! ومن خلق قوة الزاني والسارق وقاطع الطريق؟! وهو كله شر من خلق الله كما قال تعالى: ﴿يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ [فاطر: ٨]. وقال: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢]، فكلٌّ بمشيئته كان، لا شريك له، يفعل ما يشاء، لا معقب لحكمه. وكذلك يكون المعنى إذا جعلت "من" في موضع رفع اسم الله جل ذكره [ويكون التقدير: ألا] يعلم الخالق خلقه وهو (ما) في الصدور (من خير وشر فيهم ذلك أن الخلق كله لله: ما في الصدور) وغيره. وقل أهل الزيغ: "من" في موضع نصب يراد به الخلق دون ما في الصدور، فهو يدل على خلق أصحاب الأفعال دون الأفعال، وهو خطأ ظاهر على ما قدمنا. * * - ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً﴾ أي: سهلاً سهلها لكم. * * ﴿فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا﴾. قال ابن عباس: في جبالها، وقاله قتادة، وعن ابن عباس أيضاً: ﴿مَنَاكِبِهَا﴾: أطرافها، وقيل: نواحيها، وقيل: معناه في جوانبها [المذللة] الممهدة. وقال مجاهد: "طرقها وفجاجها". * * ﴿وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ﴾ (أي: من رزقه) الذي أخرجه لكم من الأرض. * * ﴿وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ﴾. أي: وإليه نشوركم من قبوركم. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَءَمِنتُمْ مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلأَرْضَ﴾ أي: أأمنتم - أيها الكافرون - الله الذي في السماء أن يخسف بكم الأرض عقوبة على كفركم به؟! * * ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾. أي: تضطرب. ﴿أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ (وهو الله). * * ﴿أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ وهو التراب فيه الحصباء الصغار فيهلككم بذلك على كفركم. أي: لم تأمنوا [من ذلك]، فما بالكم مقيمين على كفركم؟! * * ثم قال: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾. أي: كيف عاقبة نذيري لكم إذ كذبتموه. ولا يعمل ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ "في ﴿كَيْفَ﴾ لأنها استفهام، وهي خبر "نذير". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ﴾. أي: ولقد كذّب الذين كانوا قبل هؤلاء المشركين رسلهم، فكيف كان إنكاري لتكذيبهم؟! ألم نهلكهم بضروب من النقمات؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَـٰفَّـٰتٍ﴾ أي: أو لم ير هؤلاء المشركون قدرة الله في الطير فوقهم في الهواء صافات أجنحتهن أحياناً ويقبضنها أحياناً؟!. ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾، فيكون لهم بذلك مذكر على قدرة الله وأنه لا يقدر على إمساك الطير على تلك الحال أحد إلا الله. * * ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾. أي: إن الله ذو بصر وخبر بكل شيء، لا يدخل في تدبيره خلل ولا في خلقه تفاوت. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ﴾. أي: من ينقذكم من عذاب الرحمن إذا نزل بكم على كفركم؟! ما ﴿ٱلْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ﴾ من ظنهم أن آلهتهم تقربهم إلى الله زلفى وأنها تنفع أو تضر. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ أي: من يرزقكم أيها المشركون إن أمسك الرحمن رزقه عنكم. أي: من يأتي بالمطر إن أمسكه عنكم الرحمن. * * ثم قال تعالى: ﴿بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾. ([أي]: بل تمادوا في طغيان ونفور) [من] الحق استكباراً. * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. أي: أفمن يمشي في الضلالة أهدى أمن يمشي في الهدى؟! يعني الكافر والمؤمن، فهو مثل ضربه الله لهما في الدنيا. هذا معنى قول مجاهد والضحاك وابن عباس. قال قتادة: هذا في الآخرة، أفمن يمشي مكبا على وجهه وهو الكافر، أكب في الدنيا على [المعاصي] فحشره الله يوم القيامة على وجهه. - [رواه] عن النبي ﷺ -، قال: فقيل: يا رسول الله كيف يحشر الكافر على وجهه فقال: إن الذي أمشاه على رجليه لقادر أن يحشره يوم القيامة على وجهه وقيل: الذي يمشي مكباً على وجهه: أبو جهل، والذي هو على صراط مستقيم: حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، ثم هو في كل من كان مثلهما.

الملك 67:22

قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، إلى قوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. تبارك: تفاعل من البركة، ولا يقال منه مستقبل ولا اسم فاعل. ومعناه: تعاظم وتعالى الرب الذي بيده ملك الدنيا والآخرة [وسلطانهما]، نافذ فيهما أمره وقضاؤه. * * ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: وهو ذو قدرة على فعل كل شيء أراده [﴿قَدِيرٌ﴾]: لا يمنعه مما أراد شيء. وقيل: معناه: الذي بيده الملك، يعطيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء. * * - ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾. أي: خلق الموت ليميت الأحياء، وخلق الحياة ليحيي الموتى. وفعل ذلك ليختبركم في حياتكم وطول إقامتكم في الدنيا، أيكم أحسن عملاً فيجازيه على ذلك في الآخرة. وقد علم تعالى كل ما هم عاملون، وعلم الطائع والعاصي قبل خلقهم، لكن المجازاة إنما تقع بعد ظهور الأعمال، [لا يجازى] أحد (بعلم الله فيه دون ظهور عمله). فالمعنى: ليختبر وقوع ذلك (منكم) على ما سبق في علمه وقضائه. وتقديره: من خير وشر احتساباً منكم. قال قتادة: أذل الله ابن آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة ودار فناء، وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء. * * - ثم قال: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً﴾ أي: اخترع ذلك طبقا فوق طبق. * * ﴿مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾ أي: من اختلاف، يعني في خلق السماوات، وقيل: في كل ما خلق، فكله محكم دال على قادر بارئ حكيم في تدبيره ولطفه. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ﴾. أي: هل ترى يا ابن آدم من شقوق أو وَهْيٍ؟ - (ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾). أي: ثم رد البصر يا ابن آدم مرتين مرة بعد أخرى، هل ترى من شقوق، أو وَهْيٍ في الخلق أو تفاوت؟! ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: يرجع إليك البصر صاغراً متبعداً عن أن يجد تفاوتاً أو شقوقاً. من قولهم للكلب: "اخسأ" إذا طردوه، أي: أبعد صاغراً. يقال: خسأته فخسأ. * * وقوله: ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: معي. (وقال ابن عباس: "﴿خَاسِئاً﴾: ذليلاً ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: مرجف. وقال قتادة: معناه: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾، أي: معي)، وعنه قول ابن عباس. يقال: حسير ومحسور للرجل إذا بلغ غاية الإعياء. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ وَجَعَلْنَٰهَا رُجُوماً لِّلشَّيَٰطِينِ﴾ أي: زينا السماء بنجوم ترجم الشياطين بها إذا [أتوا لاستراق] السمع. قال قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاث: خلقها للزينة، وترجم الشياطين (بها)، وعلامات يهتدوا بها. و "رجوم" مصدر على قول من قال: إنما يرجم من [النجوم] بالشهب، ولا تبرح النجوم (بنفسها). ومن قال: بل يرجم بها نفسها قال: رجوم جمع رجم. * * - ثم قال: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: وأعتدنا للشياطين في الآخرة عذاباً يسعر عليهم. * * - ثم قال: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾. أي: وللذين جحدوا توحيد ربهم في الآخرة عذاب جهنم، وبئس المصير عذاب جهنم. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ﴾. أي: إذا [ألقي] الكافرون في جهنم سمعوا لجهنم شهيقاً، أي صوت الشهيق. والشهيق: الصوت الذي يخرج من الجوف بشدة كصوت الحمار. ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾: تغلي بهم كما تغلي القدر. * * - ثم قال تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ (أي: تكاد جهنم تتفرق وتتقطع من الغيظ على الكفار). * * ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾. أي: كلما ألقي في جهنم جماعة سألهم خزنة جهنم فيقولون لهم: ألم يأتكم نذير في الدنيا ينذركم هذا العذاب الذي حل بكم؟ [فيجيبهم] المشركون: ﴿بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ...﴾، فيقول لهم [الخزنة]. * * ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾. أي: في ضلال عن الحق بعيد. "ونذير": بمعنى منذر. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: وقال الفوج لخزنة جهنم: لو كنا نسمع من النذير ما جاءنا به من الحق سماع قبول، أو نعقل عنه ما يدعونا اليه فنفهمه فهم قبول ما كنا اليوم في أصحاب النار. وقيل: ﴿[نَسْمَعُ﴾ بمعنى]: نقبل منهم ما يقولون لنا. ومنه قولهم: سمع الله لمن حمده: أي قبل منه. والقول الأول هو بمنزلة قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] لم يكونوا كذلك، ولكن لما لم ينتفعوا بهذه الجوارح في عاقبة أمرهم كانوا بمنزلة الصم والبكم والعمي. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾. أي: فأقروا بذنبهم، فبعدا لهم. قاله ابن عباس. وقال ابن جبير: ﴿فَسُحْقاً﴾: هو واد في جهنم. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. أي: إن الذين يخافون ربهم ولم يروه وقيل: معناه: يخافون ربهم إذا غابوا عن أعين الناس، فمن خاف الله في الخلاء فهو أحرى أن يخافه بحضرة الناس. * * ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾. أي: ستر على ذنوبهم وصفح عنها. * * ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. أي: وثواب عظيم، وهو "الجنة". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ﴾ أي: وأخفوا كلامكم إن شئتم أو أعلنوه إن شئتم، فإنه لا يخفى على الله منه شيء. * * ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾. أي: عليم بضمائر الصدور. فمن كان لا يخفى عليه ضمائر الصدور كيف يخفى عليه القول سراً كان أو جهراً.؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾. "من": في موضع رفع اسم الله جل ذكره. ويقبح أن تكون في موضع نصب لأنه يلزم أن يقال: "ألا يعلم ما خلق"، لأنه راجع إلى (ذات الصدور). فالمعنى: ألا يعلم من خلق الصدور سرها وعلانيتها، كيف يخفى عليه خلقه وهو اللطيف بعباده، الخبير بأعمالهم؟! وإذا جعلت "من" بمعنى "ما" في موضع نصب، كان فيه دليل قوي) على أن الله خالق ما تكن الصدور من خير وشر. ففيه حجة [قوية] على القدرية الذين يدعون أنهم يخلقون الشر وأن الله لم يخلقه ولا قدره، تعالى أن يكون في ملكه ما لم يخلقه وما لم يقدره، بل لا خالق لكل شيء إلا الله، ولو كان الشر لم يخلقه الله فمن خلق إبليس؟! ومن خلق الأصنام التي تعبد من دون الله؟! ومن خلق نطفة الزاني وولد الزانية؟! ومن خلق قوة الزاني والسارق وقاطع الطريق؟! وهو كله شر من خلق الله كما قال تعالى: ﴿يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ [فاطر: ٨]. وقال: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢]، فكلٌّ بمشيئته كان، لا شريك له، يفعل ما يشاء، لا معقب لحكمه. وكذلك يكون المعنى إذا جعلت "من" في موضع رفع اسم الله جل ذكره [ويكون التقدير: ألا] يعلم الخالق خلقه وهو (ما) في الصدور (من خير وشر فيهم ذلك أن الخلق كله لله: ما في الصدور) وغيره. وقل أهل الزيغ: "من" في موضع نصب يراد به الخلق دون ما في الصدور، فهو يدل على خلق أصحاب الأفعال دون الأفعال، وهو خطأ ظاهر على ما قدمنا. * * - ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً﴾ أي: سهلاً سهلها لكم. * * ﴿فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا﴾. قال ابن عباس: في جبالها، وقاله قتادة، وعن ابن عباس أيضاً: ﴿مَنَاكِبِهَا﴾: أطرافها، وقيل: نواحيها، وقيل: معناه في جوانبها [المذللة] الممهدة. وقال مجاهد: "طرقها وفجاجها". * * ﴿وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ﴾ (أي: من رزقه) الذي أخرجه لكم من الأرض. * * ﴿وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ﴾. أي: وإليه نشوركم من قبوركم. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَءَمِنتُمْ مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلأَرْضَ﴾ أي: أأمنتم - أيها الكافرون - الله الذي في السماء أن يخسف بكم الأرض عقوبة على كفركم به؟! * * ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾. أي: تضطرب. ﴿أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ (وهو الله). * * ﴿أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ وهو التراب فيه الحصباء الصغار فيهلككم بذلك على كفركم. أي: لم تأمنوا [من ذلك]، فما بالكم مقيمين على كفركم؟! * * ثم قال: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾. أي: كيف عاقبة نذيري لكم إذ كذبتموه. ولا يعمل ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ "في ﴿كَيْفَ﴾ لأنها استفهام، وهي خبر "نذير". * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ﴾. أي: ولقد كذّب الذين كانوا قبل هؤلاء المشركين رسلهم، فكيف كان إنكاري لتكذيبهم؟! ألم نهلكهم بضروب من النقمات؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَـٰفَّـٰتٍ﴾ أي: أو لم ير هؤلاء المشركون قدرة الله في الطير فوقهم في الهواء صافات أجنحتهن أحياناً ويقبضنها أحياناً؟!. ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾، فيكون لهم بذلك مذكر على قدرة الله وأنه لا يقدر على إمساك الطير على تلك الحال أحد إلا الله. * * ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾. أي: إن الله ذو بصر وخبر بكل شيء، لا يدخل في تدبيره خلل ولا في خلقه تفاوت. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ﴾. أي: من ينقذكم من عذاب الرحمن إذا نزل بكم على كفركم؟! ما ﴿ٱلْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ﴾ من ظنهم أن آلهتهم تقربهم إلى الله زلفى وأنها تنفع أو تضر. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ أي: من يرزقكم أيها المشركون إن أمسك الرحمن رزقه عنكم. أي: من يأتي بالمطر إن أمسكه عنكم الرحمن. * * ثم قال تعالى: ﴿بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾. ([أي]: بل تمادوا في طغيان ونفور) [من] الحق استكباراً. * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. أي: أفمن يمشي في الضلالة أهدى أمن يمشي في الهدى؟! يعني الكافر والمؤمن، فهو مثل ضربه الله لهما في الدنيا. هذا معنى قول مجاهد والضحاك وابن عباس. قال قتادة: هذا في الآخرة، أفمن يمشي مكبا على وجهه وهو الكافر، أكب في الدنيا على [المعاصي] فحشره الله يوم القيامة على وجهه. - [رواه] عن النبي ﷺ -، قال: فقيل: يا رسول الله كيف يحشر الكافر على وجهه فقال: إن الذي أمشاه على رجليه لقادر أن يحشره يوم القيامة على وجهه وقيل: الذي يمشي مكباً على وجهه: أبو جهل، والذي هو على صراط مستقيم: حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، ثم هو في كل من كان مثلهما.

الملك 67:23

قوله تعالى: ﴿(قُلْ) هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَكُمْ...﴾ إلى آخر السورة. أي: قل يا محمد للمكذبين بالبعث: الله الذي ابتدأ خلقكم قبل أن لم تكونوا شيئاً. * * - ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ﴾ لتسمعوا وتبصروا وتعقلوا، فكيف تتعذر عليه إعادتكم.. * * ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾. أي: قليلاً شكركم لربكم على هذه النعم التي خولكم. قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي: خلقكم فيها. * * ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. أي: تجمعون يوم القيامة من قبوركم لموقف الحساب. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. أي: ويقول المشركون المنكرون للبعث: متى يكون هذا البعث الذي تعدوننا به إن كنتم صادقين في قولكم أيها المؤمنون؟! * * ﴿قُلْ﴾ يا محمد: ﴿إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِنْدَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾. أي: قل لهم يا محمد إنما علم وقت البعث عند الله، وإنما أنا نذير إليكم، أي: منذر مبين ما أرسلت به إليكم. * * - ثم قال: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: فلما رأى المشركون عذاب الله قريباً وعاينوه، ساء الله وجوه الذين كفروا. قال الحسن: ﴿رَأَوْهُ زُلْفَةً﴾، أي: عاينوه. قال مجاهد: زلفة: "قد اقترب". وقال ابن زيد: زلفة: حاضراً، أي: قد حضرهم العذاب. وقال ابن عباس: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً﴾، أي: فلما رأوا عملهم السيء. وقيل: فلما رأوا الحشر. ودل عليه: "يحشرون". وقيل: الهاء تعود على الوعد لتقدم ذكره. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَقِيلَ هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ﴾. أي: وقال الله لهم عند معاينتهم العذاب: هذا الذي كنتم به تدعون ربكم أن يعجله لكم. وقال الحسن: تدّعون أن لا جنة ولا ناراً. وأصل ﴿تَدَّعُونَ﴾ [تَدْتَعِيون] - على "تَفْتَعِلون" - من الدعاء، ثم أعلي ثم أُدْغِمَ. وقال أبو حاتم: ﴿تَدَّعُونَ﴾: تكذبون. وقيل: ﴿تَدَّعُونَ﴾: يدعو بعضكم بعضاً إلى التكذيب. وقرأ قتادة والضحاك: "تدعون" مخففا، وهما بمعنى، كما يقال: قدر واقتدر، وعدا واعتدى، إلا أن في "افتعل": معنى التكرير، و "فعل" يقع للتكرير ولغير التكرير. * * - ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ ٱللَّهُ وَمَن مَّعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ ٱلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. أي: قل يا محمد للمشركين من قومك: أرأيتم أيها القوم إن أهلكني الله فأماتني ومن معي، أو رحمنا فأخر في آجالنا، فمن يجيركم من عذاب مؤلم (أي: موجع) وهو (عذاب) النار؟! أي: ليس ينجيكم من عذاب الله موتنا ولا حياتنا، فلا حاجة بكم (إلى) أن تستعجلوا قيام الساعة ونزول العذاب، فإن ذلك غير نافعكم بل هو (بلاء) عليكم. * * - ثم قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ آمَنَّا بِهِ (وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا)﴾. أي: قل لهم يا محمد: ربنا الرحمن، صدقنا به وعليه توكلنا، أي: اعتمدنا في جميع [أمورنا]. * * ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾. أي: فستعلمون أيها المشركون من هو في ذهاب عن الحق، نحن أم أنتم. * * - ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: أرأيتم أيها القوم العادلون عن الحق إن أصبح [ماؤكم غائراً] لا تناله الدلاء، فمن ذا الذي يأتيكم بماء معين غير الله؟! أي: بماء تراه العيون ظاهراً. وقال ابن عباس: بماء معين: "بماء عذب". وقال ابن جبير: بماء ظاهر. وقال قتادة: المعين: الجاري، وغوراً: ذاهباً، وكذلك قال الضحاك. وقال بعض النحويين: يجوز أن يكون "معين" فعيلا من معن الماء إذا كثر، ويجوز أن يكون بمعنى مفعول. والأصل فيه معيون، مثل مبيع. فيكون معناه على هذا: بماء يُرى بالأعين.

الملك 67:24

قوله تعالى: ﴿(قُلْ) هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَكُمْ...﴾ إلى آخر السورة. أي: قل يا محمد للمكذبين بالبعث: الله الذي ابتدأ خلقكم قبل أن لم تكونوا شيئاً. * * - ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ﴾ لتسمعوا وتبصروا وتعقلوا، فكيف تتعذر عليه إعادتكم.. * * ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾. أي: قليلاً شكركم لربكم على هذه النعم التي خولكم. قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي: خلقكم فيها. * * ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. أي: تجمعون يوم القيامة من قبوركم لموقف الحساب. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. أي: ويقول المشركون المنكرون للبعث: متى يكون هذا البعث الذي تعدوننا به إن كنتم صادقين في قولكم أيها المؤمنون؟! * * ﴿قُلْ﴾ يا محمد: ﴿إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِنْدَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾. أي: قل لهم يا محمد إنما علم وقت البعث عند الله، وإنما أنا نذير إليكم، أي: منذر مبين ما أرسلت به إليكم. * * - ثم قال: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: فلما رأى المشركون عذاب الله قريباً وعاينوه، ساء الله وجوه الذين كفروا. قال الحسن: ﴿رَأَوْهُ زُلْفَةً﴾، أي: عاينوه. قال مجاهد: زلفة: "قد اقترب". وقال ابن زيد: زلفة: حاضراً، أي: قد حضرهم العذاب. وقال ابن عباس: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً﴾، أي: فلما رأوا عملهم السيء. وقيل: فلما رأوا الحشر. ودل عليه: "يحشرون". وقيل: الهاء تعود على الوعد لتقدم ذكره. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَقِيلَ هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ﴾. أي: وقال الله لهم عند معاينتهم العذاب: هذا الذي كنتم به تدعون ربكم أن يعجله لكم. وقال الحسن: تدّعون أن لا جنة ولا ناراً. وأصل ﴿تَدَّعُونَ﴾ [تَدْتَعِيون] - على "تَفْتَعِلون" - من الدعاء، ثم أعلي ثم أُدْغِمَ. وقال أبو حاتم: ﴿تَدَّعُونَ﴾: تكذبون. وقيل: ﴿تَدَّعُونَ﴾: يدعو بعضكم بعضاً إلى التكذيب. وقرأ قتادة والضحاك: "تدعون" مخففا، وهما بمعنى، كما يقال: قدر واقتدر، وعدا واعتدى، إلا أن في "افتعل": معنى التكرير، و "فعل" يقع للتكرير ولغير التكرير. * * - ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ ٱللَّهُ وَمَن مَّعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ ٱلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. أي: قل يا محمد للمشركين من قومك: أرأيتم أيها القوم إن أهلكني الله فأماتني ومن معي، أو رحمنا فأخر في آجالنا، فمن يجيركم من عذاب مؤلم (أي: موجع) وهو (عذاب) النار؟! أي: ليس ينجيكم من عذاب الله موتنا ولا حياتنا، فلا حاجة بكم (إلى) أن تستعجلوا قيام الساعة ونزول العذاب، فإن ذلك غير نافعكم بل هو (بلاء) عليكم. * * - ثم قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ آمَنَّا بِهِ (وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا)﴾. أي: قل لهم يا محمد: ربنا الرحمن، صدقنا به وعليه توكلنا، أي: اعتمدنا في جميع [أمورنا]. * * ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾. أي: فستعلمون أيها المشركون من هو في ذهاب عن الحق، نحن أم أنتم. * * - ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: أرأيتم أيها القوم العادلون عن الحق إن أصبح [ماؤكم غائراً] لا تناله الدلاء، فمن ذا الذي يأتيكم بماء معين غير الله؟! أي: بماء تراه العيون ظاهراً. وقال ابن عباس: بماء معين: "بماء عذب". وقال ابن جبير: بماء ظاهر. وقال قتادة: المعين: الجاري، وغوراً: ذاهباً، وكذلك قال الضحاك. وقال بعض النحويين: يجوز أن يكون "معين" فعيلا من معن الماء إذا كثر، ويجوز أن يكون بمعنى مفعول. والأصل فيه معيون، مثل مبيع. فيكون معناه على هذا: بماء يُرى بالأعين.

الملك 67:25

قوله تعالى: ﴿(قُلْ) هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَكُمْ...﴾ إلى آخر السورة. أي: قل يا محمد للمكذبين بالبعث: الله الذي ابتدأ خلقكم قبل أن لم تكونوا شيئاً. * * - ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ﴾ لتسمعوا وتبصروا وتعقلوا، فكيف تتعذر عليه إعادتكم.. * * ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾. أي: قليلاً شكركم لربكم على هذه النعم التي خولكم. قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي: خلقكم فيها. * * ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. أي: تجمعون يوم القيامة من قبوركم لموقف الحساب. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. أي: ويقول المشركون المنكرون للبعث: متى يكون هذا البعث الذي تعدوننا به إن كنتم صادقين في قولكم أيها المؤمنون؟! * * ﴿قُلْ﴾ يا محمد: ﴿إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِنْدَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾. أي: قل لهم يا محمد إنما علم وقت البعث عند الله، وإنما أنا نذير إليكم، أي: منذر مبين ما أرسلت به إليكم. * * - ثم قال: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: فلما رأى المشركون عذاب الله قريباً وعاينوه، ساء الله وجوه الذين كفروا. قال الحسن: ﴿رَأَوْهُ زُلْفَةً﴾، أي: عاينوه. قال مجاهد: زلفة: "قد اقترب". وقال ابن زيد: زلفة: حاضراً، أي: قد حضرهم العذاب. وقال ابن عباس: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً﴾، أي: فلما رأوا عملهم السيء. وقيل: فلما رأوا الحشر. ودل عليه: "يحشرون". وقيل: الهاء تعود على الوعد لتقدم ذكره. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَقِيلَ هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ﴾. أي: وقال الله لهم عند معاينتهم العذاب: هذا الذي كنتم به تدعون ربكم أن يعجله لكم. وقال الحسن: تدّعون أن لا جنة ولا ناراً. وأصل ﴿تَدَّعُونَ﴾ [تَدْتَعِيون] - على "تَفْتَعِلون" - من الدعاء، ثم أعلي ثم أُدْغِمَ. وقال أبو حاتم: ﴿تَدَّعُونَ﴾: تكذبون. وقيل: ﴿تَدَّعُونَ﴾: يدعو بعضكم بعضاً إلى التكذيب. وقرأ قتادة والضحاك: "تدعون" مخففا، وهما بمعنى، كما يقال: قدر واقتدر، وعدا واعتدى، إلا أن في "افتعل": معنى التكرير، و "فعل" يقع للتكرير ولغير التكرير. * * - ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ ٱللَّهُ وَمَن مَّعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ ٱلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. أي: قل يا محمد للمشركين من قومك: أرأيتم أيها القوم إن أهلكني الله فأماتني ومن معي، أو رحمنا فأخر في آجالنا، فمن يجيركم من عذاب مؤلم (أي: موجع) وهو (عذاب) النار؟! أي: ليس ينجيكم من عذاب الله موتنا ولا حياتنا، فلا حاجة بكم (إلى) أن تستعجلوا قيام الساعة ونزول العذاب، فإن ذلك غير نافعكم بل هو (بلاء) عليكم. * * - ثم قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ آمَنَّا بِهِ (وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا)﴾. أي: قل لهم يا محمد: ربنا الرحمن، صدقنا به وعليه توكلنا، أي: اعتمدنا في جميع [أمورنا]. * * ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾. أي: فستعلمون أيها المشركون من هو في ذهاب عن الحق، نحن أم أنتم. * * - ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: أرأيتم أيها القوم العادلون عن الحق إن أصبح [ماؤكم غائراً] لا تناله الدلاء، فمن ذا الذي يأتيكم بماء معين غير الله؟! أي: بماء تراه العيون ظاهراً. وقال ابن عباس: بماء معين: "بماء عذب". وقال ابن جبير: بماء ظاهر. وقال قتادة: المعين: الجاري، وغوراً: ذاهباً، وكذلك قال الضحاك. وقال بعض النحويين: يجوز أن يكون "معين" فعيلا من معن الماء إذا كثر، ويجوز أن يكون بمعنى مفعول. والأصل فيه معيون، مثل مبيع. فيكون معناه على هذا: بماء يُرى بالأعين.

الملك 67:26

قوله تعالى: ﴿(قُلْ) هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَكُمْ...﴾ إلى آخر السورة. أي: قل يا محمد للمكذبين بالبعث: الله الذي ابتدأ خلقكم قبل أن لم تكونوا شيئاً. * * - ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ﴾ لتسمعوا وتبصروا وتعقلوا، فكيف تتعذر عليه إعادتكم.. * * ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾. أي: قليلاً شكركم لربكم على هذه النعم التي خولكم. قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي: خلقكم فيها. * * ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. أي: تجمعون يوم القيامة من قبوركم لموقف الحساب. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. أي: ويقول المشركون المنكرون للبعث: متى يكون هذا البعث الذي تعدوننا به إن كنتم صادقين في قولكم أيها المؤمنون؟! * * ﴿قُلْ﴾ يا محمد: ﴿إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِنْدَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾. أي: قل لهم يا محمد إنما علم وقت البعث عند الله، وإنما أنا نذير إليكم، أي: منذر مبين ما أرسلت به إليكم. * * - ثم قال: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: فلما رأى المشركون عذاب الله قريباً وعاينوه، ساء الله وجوه الذين كفروا. قال الحسن: ﴿رَأَوْهُ زُلْفَةً﴾، أي: عاينوه. قال مجاهد: زلفة: "قد اقترب". وقال ابن زيد: زلفة: حاضراً، أي: قد حضرهم العذاب. وقال ابن عباس: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً﴾، أي: فلما رأوا عملهم السيء. وقيل: فلما رأوا الحشر. ودل عليه: "يحشرون". وقيل: الهاء تعود على الوعد لتقدم ذكره. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَقِيلَ هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ﴾. أي: وقال الله لهم عند معاينتهم العذاب: هذا الذي كنتم به تدعون ربكم أن يعجله لكم. وقال الحسن: تدّعون أن لا جنة ولا ناراً. وأصل ﴿تَدَّعُونَ﴾ [تَدْتَعِيون] - على "تَفْتَعِلون" - من الدعاء، ثم أعلي ثم أُدْغِمَ. وقال أبو حاتم: ﴿تَدَّعُونَ﴾: تكذبون. وقيل: ﴿تَدَّعُونَ﴾: يدعو بعضكم بعضاً إلى التكذيب. وقرأ قتادة والضحاك: "تدعون" مخففا، وهما بمعنى، كما يقال: قدر واقتدر، وعدا واعتدى، إلا أن في "افتعل": معنى التكرير، و "فعل" يقع للتكرير ولغير التكرير. * * - ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ ٱللَّهُ وَمَن مَّعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ ٱلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. أي: قل يا محمد للمشركين من قومك: أرأيتم أيها القوم إن أهلكني الله فأماتني ومن معي، أو رحمنا فأخر في آجالنا، فمن يجيركم من عذاب مؤلم (أي: موجع) وهو (عذاب) النار؟! أي: ليس ينجيكم من عذاب الله موتنا ولا حياتنا، فلا حاجة بكم (إلى) أن تستعجلوا قيام الساعة ونزول العذاب، فإن ذلك غير نافعكم بل هو (بلاء) عليكم. * * - ثم قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ آمَنَّا بِهِ (وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا)﴾. أي: قل لهم يا محمد: ربنا الرحمن، صدقنا به وعليه توكلنا، أي: اعتمدنا في جميع [أمورنا]. * * ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾. أي: فستعلمون أيها المشركون من هو في ذهاب عن الحق، نحن أم أنتم. * * - ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: أرأيتم أيها القوم العادلون عن الحق إن أصبح [ماؤكم غائراً] لا تناله الدلاء، فمن ذا الذي يأتيكم بماء معين غير الله؟! أي: بماء تراه العيون ظاهراً. وقال ابن عباس: بماء معين: "بماء عذب". وقال ابن جبير: بماء ظاهر. وقال قتادة: المعين: الجاري، وغوراً: ذاهباً، وكذلك قال الضحاك. وقال بعض النحويين: يجوز أن يكون "معين" فعيلا من معن الماء إذا كثر، ويجوز أن يكون بمعنى مفعول. والأصل فيه معيون، مثل مبيع. فيكون معناه على هذا: بماء يُرى بالأعين.

الملك 67:27

قوله تعالى: ﴿(قُلْ) هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَكُمْ...﴾ إلى آخر السورة. أي: قل يا محمد للمكذبين بالبعث: الله الذي ابتدأ خلقكم قبل أن لم تكونوا شيئاً. * * - ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ﴾ لتسمعوا وتبصروا وتعقلوا، فكيف تتعذر عليه إعادتكم.. * * ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾. أي: قليلاً شكركم لربكم على هذه النعم التي خولكم. قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي: خلقكم فيها. * * ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. أي: تجمعون يوم القيامة من قبوركم لموقف الحساب. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. أي: ويقول المشركون المنكرون للبعث: متى يكون هذا البعث الذي تعدوننا به إن كنتم صادقين في قولكم أيها المؤمنون؟! * * ﴿قُلْ﴾ يا محمد: ﴿إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِنْدَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾. أي: قل لهم يا محمد إنما علم وقت البعث عند الله، وإنما أنا نذير إليكم، أي: منذر مبين ما أرسلت به إليكم. * * - ثم قال: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: فلما رأى المشركون عذاب الله قريباً وعاينوه، ساء الله وجوه الذين كفروا. قال الحسن: ﴿رَأَوْهُ زُلْفَةً﴾، أي: عاينوه. قال مجاهد: زلفة: "قد اقترب". وقال ابن زيد: زلفة: حاضراً، أي: قد حضرهم العذاب. وقال ابن عباس: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً﴾، أي: فلما رأوا عملهم السيء. وقيل: فلما رأوا الحشر. ودل عليه: "يحشرون". وقيل: الهاء تعود على الوعد لتقدم ذكره. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَقِيلَ هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ﴾. أي: وقال الله لهم عند معاينتهم العذاب: هذا الذي كنتم به تدعون ربكم أن يعجله لكم. وقال الحسن: تدّعون أن لا جنة ولا ناراً. وأصل ﴿تَدَّعُونَ﴾ [تَدْتَعِيون] - على "تَفْتَعِلون" - من الدعاء، ثم أعلي ثم أُدْغِمَ. وقال أبو حاتم: ﴿تَدَّعُونَ﴾: تكذبون. وقيل: ﴿تَدَّعُونَ﴾: يدعو بعضكم بعضاً إلى التكذيب. وقرأ قتادة والضحاك: "تدعون" مخففا، وهما بمعنى، كما يقال: قدر واقتدر، وعدا واعتدى، إلا أن في "افتعل": معنى التكرير، و "فعل" يقع للتكرير ولغير التكرير. * * - ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ ٱللَّهُ وَمَن مَّعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ ٱلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. أي: قل يا محمد للمشركين من قومك: أرأيتم أيها القوم إن أهلكني الله فأماتني ومن معي، أو رحمنا فأخر في آجالنا، فمن يجيركم من عذاب مؤلم (أي: موجع) وهو (عذاب) النار؟! أي: ليس ينجيكم من عذاب الله موتنا ولا حياتنا، فلا حاجة بكم (إلى) أن تستعجلوا قيام الساعة ونزول العذاب، فإن ذلك غير نافعكم بل هو (بلاء) عليكم. * * - ثم قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ آمَنَّا بِهِ (وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا)﴾. أي: قل لهم يا محمد: ربنا الرحمن، صدقنا به وعليه توكلنا، أي: اعتمدنا في جميع [أمورنا]. * * ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾. أي: فستعلمون أيها المشركون من هو في ذهاب عن الحق، نحن أم أنتم. * * - ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: أرأيتم أيها القوم العادلون عن الحق إن أصبح [ماؤكم غائراً] لا تناله الدلاء، فمن ذا الذي يأتيكم بماء معين غير الله؟! أي: بماء تراه العيون ظاهراً. وقال ابن عباس: بماء معين: "بماء عذب". وقال ابن جبير: بماء ظاهر. وقال قتادة: المعين: الجاري، وغوراً: ذاهباً، وكذلك قال الضحاك. وقال بعض النحويين: يجوز أن يكون "معين" فعيلا من معن الماء إذا كثر، ويجوز أن يكون بمعنى مفعول. والأصل فيه معيون، مثل مبيع. فيكون معناه على هذا: بماء يُرى بالأعين.

الملك 67:28

قوله تعالى: ﴿(قُلْ) هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَكُمْ...﴾ إلى آخر السورة. أي: قل يا محمد للمكذبين بالبعث: الله الذي ابتدأ خلقكم قبل أن لم تكونوا شيئاً. * * - ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ﴾ لتسمعوا وتبصروا وتعقلوا، فكيف تتعذر عليه إعادتكم.. * * ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾. أي: قليلاً شكركم لربكم على هذه النعم التي خولكم. قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي: خلقكم فيها. * * ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. أي: تجمعون يوم القيامة من قبوركم لموقف الحساب. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. أي: ويقول المشركون المنكرون للبعث: متى يكون هذا البعث الذي تعدوننا به إن كنتم صادقين في قولكم أيها المؤمنون؟! * * ﴿قُلْ﴾ يا محمد: ﴿إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِنْدَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾. أي: قل لهم يا محمد إنما علم وقت البعث عند الله، وإنما أنا نذير إليكم، أي: منذر مبين ما أرسلت به إليكم. * * - ثم قال: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: فلما رأى المشركون عذاب الله قريباً وعاينوه، ساء الله وجوه الذين كفروا. قال الحسن: ﴿رَأَوْهُ زُلْفَةً﴾، أي: عاينوه. قال مجاهد: زلفة: "قد اقترب". وقال ابن زيد: زلفة: حاضراً، أي: قد حضرهم العذاب. وقال ابن عباس: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً﴾، أي: فلما رأوا عملهم السيء. وقيل: فلما رأوا الحشر. ودل عليه: "يحشرون". وقيل: الهاء تعود على الوعد لتقدم ذكره. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَقِيلَ هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ﴾. أي: وقال الله لهم عند معاينتهم العذاب: هذا الذي كنتم به تدعون ربكم أن يعجله لكم. وقال الحسن: تدّعون أن لا جنة ولا ناراً. وأصل ﴿تَدَّعُونَ﴾ [تَدْتَعِيون] - على "تَفْتَعِلون" - من الدعاء، ثم أعلي ثم أُدْغِمَ. وقال أبو حاتم: ﴿تَدَّعُونَ﴾: تكذبون. وقيل: ﴿تَدَّعُونَ﴾: يدعو بعضكم بعضاً إلى التكذيب. وقرأ قتادة والضحاك: "تدعون" مخففا، وهما بمعنى، كما يقال: قدر واقتدر، وعدا واعتدى، إلا أن في "افتعل": معنى التكرير، و "فعل" يقع للتكرير ولغير التكرير. * * - ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ ٱللَّهُ وَمَن مَّعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ ٱلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. أي: قل يا محمد للمشركين من قومك: أرأيتم أيها القوم إن أهلكني الله فأماتني ومن معي، أو رحمنا فأخر في آجالنا، فمن يجيركم من عذاب مؤلم (أي: موجع) وهو (عذاب) النار؟! أي: ليس ينجيكم من عذاب الله موتنا ولا حياتنا، فلا حاجة بكم (إلى) أن تستعجلوا قيام الساعة ونزول العذاب، فإن ذلك غير نافعكم بل هو (بلاء) عليكم. * * - ثم قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ آمَنَّا بِهِ (وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا)﴾. أي: قل لهم يا محمد: ربنا الرحمن، صدقنا به وعليه توكلنا، أي: اعتمدنا في جميع [أمورنا]. * * ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾. أي: فستعلمون أيها المشركون من هو في ذهاب عن الحق، نحن أم أنتم. * * - ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: أرأيتم أيها القوم العادلون عن الحق إن أصبح [ماؤكم غائراً] لا تناله الدلاء، فمن ذا الذي يأتيكم بماء معين غير الله؟! أي: بماء تراه العيون ظاهراً. وقال ابن عباس: بماء معين: "بماء عذب". وقال ابن جبير: بماء ظاهر. وقال قتادة: المعين: الجاري، وغوراً: ذاهباً، وكذلك قال الضحاك. وقال بعض النحويين: يجوز أن يكون "معين" فعيلا من معن الماء إذا كثر، ويجوز أن يكون بمعنى مفعول. والأصل فيه معيون، مثل مبيع. فيكون معناه على هذا: بماء يُرى بالأعين.

الملك 67:29

قوله تعالى: ﴿(قُلْ) هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَكُمْ...﴾ إلى آخر السورة. أي: قل يا محمد للمكذبين بالبعث: الله الذي ابتدأ خلقكم قبل أن لم تكونوا شيئاً. * * - ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ﴾ لتسمعوا وتبصروا وتعقلوا، فكيف تتعذر عليه إعادتكم.. * * ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾. أي: قليلاً شكركم لربكم على هذه النعم التي خولكم. قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي: خلقكم فيها. * * ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. أي: تجمعون يوم القيامة من قبوركم لموقف الحساب. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. أي: ويقول المشركون المنكرون للبعث: متى يكون هذا البعث الذي تعدوننا به إن كنتم صادقين في قولكم أيها المؤمنون؟! * * ﴿قُلْ﴾ يا محمد: ﴿إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِنْدَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾. أي: قل لهم يا محمد إنما علم وقت البعث عند الله، وإنما أنا نذير إليكم، أي: منذر مبين ما أرسلت به إليكم. * * - ثم قال: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: فلما رأى المشركون عذاب الله قريباً وعاينوه، ساء الله وجوه الذين كفروا. قال الحسن: ﴿رَأَوْهُ زُلْفَةً﴾، أي: عاينوه. قال مجاهد: زلفة: "قد اقترب". وقال ابن زيد: زلفة: حاضراً، أي: قد حضرهم العذاب. وقال ابن عباس: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً﴾، أي: فلما رأوا عملهم السيء. وقيل: فلما رأوا الحشر. ودل عليه: "يحشرون". وقيل: الهاء تعود على الوعد لتقدم ذكره. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَقِيلَ هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ﴾. أي: وقال الله لهم عند معاينتهم العذاب: هذا الذي كنتم به تدعون ربكم أن يعجله لكم. وقال الحسن: تدّعون أن لا جنة ولا ناراً. وأصل ﴿تَدَّعُونَ﴾ [تَدْتَعِيون] - على "تَفْتَعِلون" - من الدعاء، ثم أعلي ثم أُدْغِمَ. وقال أبو حاتم: ﴿تَدَّعُونَ﴾: تكذبون. وقيل: ﴿تَدَّعُونَ﴾: يدعو بعضكم بعضاً إلى التكذيب. وقرأ قتادة والضحاك: "تدعون" مخففا، وهما بمعنى، كما يقال: قدر واقتدر، وعدا واعتدى، إلا أن في "افتعل": معنى التكرير، و "فعل" يقع للتكرير ولغير التكرير. * * - ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ ٱللَّهُ وَمَن مَّعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ ٱلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. أي: قل يا محمد للمشركين من قومك: أرأيتم أيها القوم إن أهلكني الله فأماتني ومن معي، أو رحمنا فأخر في آجالنا، فمن يجيركم من عذاب مؤلم (أي: موجع) وهو (عذاب) النار؟! أي: ليس ينجيكم من عذاب الله موتنا ولا حياتنا، فلا حاجة بكم (إلى) أن تستعجلوا قيام الساعة ونزول العذاب، فإن ذلك غير نافعكم بل هو (بلاء) عليكم. * * - ثم قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ آمَنَّا بِهِ (وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا)﴾. أي: قل لهم يا محمد: ربنا الرحمن، صدقنا به وعليه توكلنا، أي: اعتمدنا في جميع [أمورنا]. * * ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾. أي: فستعلمون أيها المشركون من هو في ذهاب عن الحق، نحن أم أنتم. * * - ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: أرأيتم أيها القوم العادلون عن الحق إن أصبح [ماؤكم غائراً] لا تناله الدلاء، فمن ذا الذي يأتيكم بماء معين غير الله؟! أي: بماء تراه العيون ظاهراً. وقال ابن عباس: بماء معين: "بماء عذب". وقال ابن جبير: بماء ظاهر. وقال قتادة: المعين: الجاري، وغوراً: ذاهباً، وكذلك قال الضحاك. وقال بعض النحويين: يجوز أن يكون "معين" فعيلا من معن الماء إذا كثر، ويجوز أن يكون بمعنى مفعول. والأصل فيه معيون، مثل مبيع. فيكون معناه على هذا: بماء يُرى بالأعين.

الملك 67:30

قوله تعالى: ﴿(قُلْ) هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَكُمْ...﴾ إلى آخر السورة. أي: قل يا محمد للمكذبين بالبعث: الله الذي ابتدأ خلقكم قبل أن لم تكونوا شيئاً. * * - ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ﴾ لتسمعوا وتبصروا وتعقلوا، فكيف تتعذر عليه إعادتكم.. * * ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾. أي: قليلاً شكركم لربكم على هذه النعم التي خولكم. قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي: خلقكم فيها. * * ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. أي: تجمعون يوم القيامة من قبوركم لموقف الحساب. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. أي: ويقول المشركون المنكرون للبعث: متى يكون هذا البعث الذي تعدوننا به إن كنتم صادقين في قولكم أيها المؤمنون؟! * * ﴿قُلْ﴾ يا محمد: ﴿إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِنْدَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾. أي: قل لهم يا محمد إنما علم وقت البعث عند الله، وإنما أنا نذير إليكم، أي: منذر مبين ما أرسلت به إليكم. * * - ثم قال: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: فلما رأى المشركون عذاب الله قريباً وعاينوه، ساء الله وجوه الذين كفروا. قال الحسن: ﴿رَأَوْهُ زُلْفَةً﴾، أي: عاينوه. قال مجاهد: زلفة: "قد اقترب". وقال ابن زيد: زلفة: حاضراً، أي: قد حضرهم العذاب. وقال ابن عباس: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً﴾، أي: فلما رأوا عملهم السيء. وقيل: فلما رأوا الحشر. ودل عليه: "يحشرون". وقيل: الهاء تعود على الوعد لتقدم ذكره. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَقِيلَ هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ﴾. أي: وقال الله لهم عند معاينتهم العذاب: هذا الذي كنتم به تدعون ربكم أن يعجله لكم. وقال الحسن: تدّعون أن لا جنة ولا ناراً. وأصل ﴿تَدَّعُونَ﴾ [تَدْتَعِيون] - على "تَفْتَعِلون" - من الدعاء، ثم أعلي ثم أُدْغِمَ. وقال أبو حاتم: ﴿تَدَّعُونَ﴾: تكذبون. وقيل: ﴿تَدَّعُونَ﴾: يدعو بعضكم بعضاً إلى التكذيب. وقرأ قتادة والضحاك: "تدعون" مخففا، وهما بمعنى، كما يقال: قدر واقتدر، وعدا واعتدى، إلا أن في "افتعل": معنى التكرير، و "فعل" يقع للتكرير ولغير التكرير. * * - ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ ٱللَّهُ وَمَن مَّعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ ٱلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. أي: قل يا محمد للمشركين من قومك: أرأيتم أيها القوم إن أهلكني الله فأماتني ومن معي، أو رحمنا فأخر في آجالنا، فمن يجيركم من عذاب مؤلم (أي: موجع) وهو (عذاب) النار؟! أي: ليس ينجيكم من عذاب الله موتنا ولا حياتنا، فلا حاجة بكم (إلى) أن تستعجلوا قيام الساعة ونزول العذاب، فإن ذلك غير نافعكم بل هو (بلاء) عليكم. * * - ثم قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ آمَنَّا بِهِ (وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا)﴾. أي: قل لهم يا محمد: ربنا الرحمن، صدقنا به وعليه توكلنا، أي: اعتمدنا في جميع [أمورنا]. * * ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾. أي: فستعلمون أيها المشركون من هو في ذهاب عن الحق، نحن أم أنتم. * * - ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: أرأيتم أيها القوم العادلون عن الحق إن أصبح [ماؤكم غائراً] لا تناله الدلاء، فمن ذا الذي يأتيكم بماء معين غير الله؟! أي: بماء تراه العيون ظاهراً. وقال ابن عباس: بماء معين: "بماء عذب". وقال ابن جبير: بماء ظاهر. وقال قتادة: المعين: الجاري، وغوراً: ذاهباً، وكذلك قال الضحاك. وقال بعض النحويين: يجوز أن يكون "معين" فعيلا من معن الماء إذا كثر، ويجوز أن يكون بمعنى مفعول. والأصل فيه معيون، مثل مبيع. فيكون معناه على هذا: بماء يُرى بالأعين.