Lafzullah

Tafsir Makhi — القلم 68:1 – القلم 68:52

المؤلف / المصدر: Tafsir Makhi

المحتويات
  1. القلم 68:1
  2. القلم 68:2
  3. القلم 68:3
  4. القلم 68:4
  5. القلم 68:5
  6. القلم 68:6
  7. القلم 68:7
  8. القلم 68:8
  9. القلم 68:9
  10. القلم 68:10
  11. القلم 68:11
  12. القلم 68:12
  13. القلم 68:13
  14. القلم 68:14
  15. القلم 68:15
  16. القلم 68:16
  17. القلم 68:17
  18. القلم 68:18
  19. القلم 68:19
  20. القلم 68:20
  21. القلم 68:21
  22. القلم 68:22
  23. القلم 68:23
  24. القلم 68:24
  25. القلم 68:25
  26. القلم 68:26
  27. القلم 68:27
  28. القلم 68:28
  29. القلم 68:29
  30. القلم 68:30
  31. القلم 68:31
  32. القلم 68:32
  33. القلم 68:33
  34. القلم 68:34
  35. القلم 68:35
  36. القلم 68:36
  37. القلم 68:37
  38. القلم 68:38
  39. القلم 68:39
  40. القلم 68:40
  41. القلم 68:41
  42. القلم 68:42
  43. القلم 68:43
  44. القلم 68:44
  45. القلم 68:45
  46. القلم 68:46
  47. القلم 68:47
  48. القلم 68:48
  49. القلم 68:49
  50. القلم 68:50
  51. القلم 68:51
  52. القلم 68:52

القلم 68:1

قوله تعالى: ﴿[نۤ] وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ﴾ الآيات. قال ابن عباس: "ن هو الحوت. قال: أول ما خلق الله جل ذكره القلم فجرى بما هو كائن، ثم رفع بخار الماء فخلقت منه السماوات، ثم خلق الحوت، فبسط الأرض على ظهر النون، فتحركت النون فمادت الأرض فأثبتت بالجبال، وإن الجبال لتفخر على الأرض. وهو قول مجاهد. وقال أبو هريرة: الأرضون على نون، ونون على الماء، والماء على الصخرة، والصخرة لها أربعة أركان، على كل ركن منها ملك قائم في الماء. وعن ابن عباس أيضاً من رواية عكرمة عنه: ""ن" حرف من حروف الرحمن. وروى معاوية بن قرة عن أبيه رفعه الى النبي ﷺ أن نون لوح من نور". وروى ثابت البناني عن ابن عباس أيضاً أن نون: الدواة والقلم: هو القلم المعروف. قال: خلق الله النون - وهي الدواة - وخلق القلم فقال: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل معمول بر أو فجور، ورزق مقسوم حلال أو حرام، قال: ثم ألزم كل شيء من ذلك شأنه دخوله في الدنيا ومقامه فيها كم، وخروجه منها كيف، ثم جعل على العباد حفظة، وجعل للكتاب خزانا، والحفظة ينسخون كل يوم من الخزان عمل ذلك اليوم. يريد: قبل أن يعمله العبد، [فيعمل العبد] في ذلك اليوم على ما [نسخته] الحفظة من عند الخزان لا يزيد ولا ينقص. هذا التفسير ليس من كلام ابن عباس، وهو معنى قوله "وقد تقدم نحوه في "الجاثية". قال ابن عباس: فإذا فني الرزق وانقطع الأمر [وانقضى] الأجل، أتت الحفظة الخزنة فيطلبون عمل ذلك اليوم، فتقول لهم الخزنة: ما نجد لصاحبكم عندنا شيئاً، فيرجع الحفظة فيجدونه قد مات. ثم قال ابن عباس: ألستم قوماً عرباً تستمعون الحفظة؟! يقولون: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩]. وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل؟!. وروى معمر عن الحسن وقتادة أن نون هو الدواة. وروى ابن جبير عن قتادة أن ﴿[نۤ] وَٱلْقَلَمِ﴾: قسم، (قال): يقسم ربنا بما شاء، وهو قول ابن زيد. وقيل: هو اسم من أسماء السورة. وقيل: هو تنبيه. وقيل: التقدير: ورب نون. والقلم هو المعروف، لكن أقسم ربنا بالقلم الذي جرى بأمره [بما] هو كائن إلى يوم القيامة. وقال زياد بن الصلق لابنه لما حضرته الوفاة: أي بني، اتق الله، واعلم أنك لم تتق الله ولم تبلغ العلم حتى تؤمن بالله وحده، والقدر خيره وشره [حلوه ومره]، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ عز وجل: القَلَمُ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، فقال: وما أكتب يا رب؟ قال: اكْتُب الْقَدَرَ. قال: فَجَرى القلمُ في تلك الساعة بما كان (وبما هو [كائن]) إلى الأبد وروى ابن جبير عن ابن عباس أنه قال: إن مما خلق الله لوحاً من لؤلؤة [أو درة] بيضاء دَفَّتاه من [ياقوته] حمراء، قلمه وكتابه نور ينظر فيه ستين وثلاث مائة نظرة، في كل نظرة منها يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء. * * وقوله: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾. معناه: والذي يخطون، يعني: يكتبون، كأنه تعالى أقسم بأفعال الخلق هذا على أن تكون "ما" بمعنى "الذي"، فإن جعلتها والفعل مصدراً كان القسم بالكتاب. وقال قتادة: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾: يخطون. وقال ابن عباس: يكتبون، وكذلك قال مجاهد. وقيل المعنى: وما تكتب الحفظة من أعمال بني آدم. وروى أحمد بن صالح عن ورش: [يصطرون] بالصاد لأجل [الطاء]، والأصل (السين). * * - ثم قال تعالى: ﴿مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾. "ما" جواب القسم. وهي نفي للجنون عن النبي ﷺ، لأن المشركين ر(موه) بالجنون مرة، وبالسحر مرة، وبالكهانة (مرة). والجنون ستر العقل. ومنه قيل: جن عليه الليل وأجنه إذا ستره. ومنه: الجنين، لأنه كان مستوراً في البطن، ومنه قيل للقبر: جَنَنْ. ومنه سمي الجن جناً لاستتارهم عن أعين الناس. وسمع من العرب على غير قياس: أجن فهو مجنون. والقياس: مجن. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾. أي: إن لك، يا محمد، على صبرك على أذاهم لك لَثَوَاباً عظيماً ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾، أي: غير منقوص ولا مقطوع، ومنه قيل حبل منين، أي: ضعيف. وقيل: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي: لا يمن به عليك. وقال مجاهد: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي: غير محسوب. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. أي: لعلى أدب عظيم. وذلك أدب القرآن الذي أدبه الله (به)، وهو الإسلام وشرائعه. وقال ابن عباس: ﴿لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، أي: لعلى دين عظيم، وهو الإسلام. قال قتادة: سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله، فقالت: كان خلقه القرآن. وقال علي رضي الله عنه: ﴿خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾: أدب القرآن. وعن النبي ﷺ أنه قال: "أكملُ الناسِ إيماناً أحسنُهم خلقاً"، تأوله قوم: أحسنهم ديناً وطريقة على ما تأول ابن عباس الآية. وقيل: الخلق العظيم هو ما كان من البشاشة والسعي في قضاء حوائج الناس وإكرامهم والرفق بهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ ﴿بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ﴾. [أي: فسترى يا محمد ويرى المشركون بأيكم المجنون، وهذا تأويل مجاهد. وقيل: المعنى: "بأيكم الجنون]، فيكون المفعول وقع [موقع] المصدر، كما يقال: ما له معقول، أي: عقل وهو قول ابن عباس والضحاك. وقيل الباء زائدة، والمعنى: [فسترى] ويرون أيكم المجنون. وقيل: المعنى: بأيكم فتنة المفتون، قاله المبرد. وقال مجاهد: ﴿بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ﴾ أي: الشيطان. وقيل: المعنى: أيكم أولى بالشيطان، فالباء (أيضاً زائدة على هذا القول. روي ذلك عن قتادة. وقيل: الباء بمعنى "في"، والتقدير: في أيكم فتن المفتون). وقال المازني: التمام: فستبصر ويبصرون، وهذا على زيادة الباء، والتقدير: فستبصر ويبصرون يوم القيامة، ثم ابتدأ: أيكم المفتون. وقال الأخفش: المفتون بمعنى الفتنة. والتقدير: بأيكم الفتنة، وهذا التمام [عنده]. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾ أي: إن ربك يا محمد هو أعلم بمن جار عن طريق الحق، وهو أعلم بمن اهتدى، فاتبع الحق. وهذا من معاريض الكلام، والمعنى: إن ربك يا محمد هو أعلم بك وأنك المهتدي، وأن قومك هم الضالون. وهو مثل قوله: ﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ أي ود المشركون لو تكفر بالله فيتمادون على كفرهم، قاله ابن عباس والضحاك وسفيان. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "وَدّ المشركون لو ترخص لهم فيرخصون". وقال مجاهد: معناه: ود المشركون لو تركن إلى آلهتهم وتترك ما أنت عليه من الحق (فيمالئوك). قال الفراء: الادهان: التليين [لمن لا ينبغي التليين] له. فالتقدير: وَدّ المشركون لو تلين لهم في دينك بإجابتك إياهم إلى الركون إلى آلهتهم فيلينون لك في عبادة إلهك، وهو قوله: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٤]، وهو مأخوذ من الدهن، شبَّه التليين في القول بتليين الدهن. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ﴾. (أي: لا تطع يا محمد كل ذي إكثار للحلف بالباطل ﴿مَّهِينٍ﴾: أي: ضعيف. قاله الحسن. وقال ابن عباس: المهين: الكذاب. وقال مجاهد: الضعيف القلب. وقال قتادة: هو المكثار في الشر. وقيل: معناه: مهين عند الله وعند المؤمنين أي: حقير. وقيل: مهين بمعنى: مهان، و "فعيل" يأتي بمعنى "مُفعَل". وروي أنها نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي، ثم هي في كل من كان مثله. * * - ثم قال تعالى: ﴿هَمَّازٍ﴾. أي: يهمز الناس - وأصله الغمز - أي: يعيبهم. وقال ابن زيد: هو الذي [يغمز] الناس بيده [ويضربهم] وليس باللسان. واللماز: الذي يذكرهم من ورائهم. (وقيل: هما جميعاً [لمن] يذكر الناس من ورائهم). قال قتادة: ﴿هَمَّازٍ﴾ (أي) "يأكل لحوم المسلمين". قال أبو عبيدة: "بعد ذلك" أي: مع ذلك. وقال: والزنيم (هو) المعلق بالقوم [وليس] منهم. وعن ابن عباس أيضاً أن الزنيم: [الظَّلُوم]. وقال شهر بن حوشب: "هو [الجِلْفُ] الجافي الأكول الشروب من [الحرام]. وقال عكرمة: "الزنيم: الذي يعرف باللوم كما تعرف الشاة بزنمتها. وقال أبو رزين: هو الفاجر. وقيل: نَزَلَتْ في الوليد بن المغيرة. وسئل ابن عباس عن الزنيم، فقال هو "[الدعي]". واشتقاقه: الزنمة التي في حلق الشاة. كما يقال لمن يدخل في قوم وليس. منهم: زِعْنَفَة. والزِّعْنِفَة: الجناحُ من أجنحة [السَّمَكِ]. ذكره المبرد بفتح [الزاي]، وذكره غَيْرَهُ بالكسر. وعن ابن عباس أيضاً أن الزنيم هو رجل من قريش كانت له زنمة مثل زنمة الشاة. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ ما عرفناه حتى قال ﴿زَنِيمٍ﴾ فعرفناه، وكانت له زنمتان [كزنمتي] الشاة. وروى عنه ابن جبير أن الزنيم الذي يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها، وهو قول الشعبي. العتل: الجافي الشديد في كفره. وكل قوي شديد [جاف] فالعرب تسميه عتلا. وقال الفراء: العتل هنا: الشديد الخصومة بالباطل. قال الشعبي: نزلت في [الأخنس بن شريق]. وقال مجاهد: نزلت في الأسود بن عبد يغوث أو عبد الرحمن بن الأسود. * * - ثم قال تعالى: ﴿مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ﴾. أي: يسعى بالنمائم بين الناس. قال ابن عباس: "بنميم: ينقل الكذب. يقال: نميم ونميمة". وقال قتادة: بنميم: "بنقل الأحاديث من بعض الناس إلى بعض". وقال النبي ﷺ: "لا يدخل الجنة قتات"، وهو النمام.

القلم 68:2

قوله تعالى: ﴿[نۤ] وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ﴾ الآيات. قال ابن عباس: "ن هو الحوت. قال: أول ما خلق الله جل ذكره القلم فجرى بما هو كائن، ثم رفع بخار الماء فخلقت منه السماوات، ثم خلق الحوت، فبسط الأرض على ظهر النون، فتحركت النون فمادت الأرض فأثبتت بالجبال، وإن الجبال لتفخر على الأرض. وهو قول مجاهد. وقال أبو هريرة: الأرضون على نون، ونون على الماء، والماء على الصخرة، والصخرة لها أربعة أركان، على كل ركن منها ملك قائم في الماء. وعن ابن عباس أيضاً من رواية عكرمة عنه: ""ن" حرف من حروف الرحمن. وروى معاوية بن قرة عن أبيه رفعه الى النبي ﷺ أن نون لوح من نور". وروى ثابت البناني عن ابن عباس أيضاً أن نون: الدواة والقلم: هو القلم المعروف. قال: خلق الله النون - وهي الدواة - وخلق القلم فقال: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل معمول بر أو فجور، ورزق مقسوم حلال أو حرام، قال: ثم ألزم كل شيء من ذلك شأنه دخوله في الدنيا ومقامه فيها كم، وخروجه منها كيف، ثم جعل على العباد حفظة، وجعل للكتاب خزانا، والحفظة ينسخون كل يوم من الخزان عمل ذلك اليوم. يريد: قبل أن يعمله العبد، [فيعمل العبد] في ذلك اليوم على ما [نسخته] الحفظة من عند الخزان لا يزيد ولا ينقص. هذا التفسير ليس من كلام ابن عباس، وهو معنى قوله "وقد تقدم نحوه في "الجاثية". قال ابن عباس: فإذا فني الرزق وانقطع الأمر [وانقضى] الأجل، أتت الحفظة الخزنة فيطلبون عمل ذلك اليوم، فتقول لهم الخزنة: ما نجد لصاحبكم عندنا شيئاً، فيرجع الحفظة فيجدونه قد مات. ثم قال ابن عباس: ألستم قوماً عرباً تستمعون الحفظة؟! يقولون: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩]. وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل؟!. وروى معمر عن الحسن وقتادة أن نون هو الدواة. وروى ابن جبير عن قتادة أن ﴿[نۤ] وَٱلْقَلَمِ﴾: قسم، (قال): يقسم ربنا بما شاء، وهو قول ابن زيد. وقيل: هو اسم من أسماء السورة. وقيل: هو تنبيه. وقيل: التقدير: ورب نون. والقلم هو المعروف، لكن أقسم ربنا بالقلم الذي جرى بأمره [بما] هو كائن إلى يوم القيامة. وقال زياد بن الصلق لابنه لما حضرته الوفاة: أي بني، اتق الله، واعلم أنك لم تتق الله ولم تبلغ العلم حتى تؤمن بالله وحده، والقدر خيره وشره [حلوه ومره]، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ عز وجل: القَلَمُ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، فقال: وما أكتب يا رب؟ قال: اكْتُب الْقَدَرَ. قال: فَجَرى القلمُ في تلك الساعة بما كان (وبما هو [كائن]) إلى الأبد وروى ابن جبير عن ابن عباس أنه قال: إن مما خلق الله لوحاً من لؤلؤة [أو درة] بيضاء دَفَّتاه من [ياقوته] حمراء، قلمه وكتابه نور ينظر فيه ستين وثلاث مائة نظرة، في كل نظرة منها يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء. * * وقوله: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾. معناه: والذي يخطون، يعني: يكتبون، كأنه تعالى أقسم بأفعال الخلق هذا على أن تكون "ما" بمعنى "الذي"، فإن جعلتها والفعل مصدراً كان القسم بالكتاب. وقال قتادة: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾: يخطون. وقال ابن عباس: يكتبون، وكذلك قال مجاهد. وقيل المعنى: وما تكتب الحفظة من أعمال بني آدم. وروى أحمد بن صالح عن ورش: [يصطرون] بالصاد لأجل [الطاء]، والأصل (السين). * * - ثم قال تعالى: ﴿مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾. "ما" جواب القسم. وهي نفي للجنون عن النبي ﷺ، لأن المشركين ر(موه) بالجنون مرة، وبالسحر مرة، وبالكهانة (مرة). والجنون ستر العقل. ومنه قيل: جن عليه الليل وأجنه إذا ستره. ومنه: الجنين، لأنه كان مستوراً في البطن، ومنه قيل للقبر: جَنَنْ. ومنه سمي الجن جناً لاستتارهم عن أعين الناس. وسمع من العرب على غير قياس: أجن فهو مجنون. والقياس: مجن. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾. أي: إن لك، يا محمد، على صبرك على أذاهم لك لَثَوَاباً عظيماً ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾، أي: غير منقوص ولا مقطوع، ومنه قيل حبل منين، أي: ضعيف. وقيل: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي: لا يمن به عليك. وقال مجاهد: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي: غير محسوب. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. أي: لعلى أدب عظيم. وذلك أدب القرآن الذي أدبه الله (به)، وهو الإسلام وشرائعه. وقال ابن عباس: ﴿لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، أي: لعلى دين عظيم، وهو الإسلام. قال قتادة: سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله، فقالت: كان خلقه القرآن. وقال علي رضي الله عنه: ﴿خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾: أدب القرآن. وعن النبي ﷺ أنه قال: "أكملُ الناسِ إيماناً أحسنُهم خلقاً"، تأوله قوم: أحسنهم ديناً وطريقة على ما تأول ابن عباس الآية. وقيل: الخلق العظيم هو ما كان من البشاشة والسعي في قضاء حوائج الناس وإكرامهم والرفق بهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ ﴿بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ﴾. [أي: فسترى يا محمد ويرى المشركون بأيكم المجنون، وهذا تأويل مجاهد. وقيل: المعنى: "بأيكم الجنون]، فيكون المفعول وقع [موقع] المصدر، كما يقال: ما له معقول، أي: عقل وهو قول ابن عباس والضحاك. وقيل الباء زائدة، والمعنى: [فسترى] ويرون أيكم المجنون. وقيل: المعنى: بأيكم فتنة المفتون، قاله المبرد. وقال مجاهد: ﴿بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ﴾ أي: الشيطان. وقيل: المعنى: أيكم أولى بالشيطان، فالباء (أيضاً زائدة على هذا القول. روي ذلك عن قتادة. وقيل: الباء بمعنى "في"، والتقدير: في أيكم فتن المفتون). وقال المازني: التمام: فستبصر ويبصرون، وهذا على زيادة الباء، والتقدير: فستبصر ويبصرون يوم القيامة، ثم ابتدأ: أيكم المفتون. وقال الأخفش: المفتون بمعنى الفتنة. والتقدير: بأيكم الفتنة، وهذا التمام [عنده]. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾ أي: إن ربك يا محمد هو أعلم بمن جار عن طريق الحق، وهو أعلم بمن اهتدى، فاتبع الحق. وهذا من معاريض الكلام، والمعنى: إن ربك يا محمد هو أعلم بك وأنك المهتدي، وأن قومك هم الضالون. وهو مثل قوله: ﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ أي ود المشركون لو تكفر بالله فيتمادون على كفرهم، قاله ابن عباس والضحاك وسفيان. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "وَدّ المشركون لو ترخص لهم فيرخصون". وقال مجاهد: معناه: ود المشركون لو تركن إلى آلهتهم وتترك ما أنت عليه من الحق (فيمالئوك). قال الفراء: الادهان: التليين [لمن لا ينبغي التليين] له. فالتقدير: وَدّ المشركون لو تلين لهم في دينك بإجابتك إياهم إلى الركون إلى آلهتهم فيلينون لك في عبادة إلهك، وهو قوله: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٤]، وهو مأخوذ من الدهن، شبَّه التليين في القول بتليين الدهن. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ﴾. (أي: لا تطع يا محمد كل ذي إكثار للحلف بالباطل ﴿مَّهِينٍ﴾: أي: ضعيف. قاله الحسن. وقال ابن عباس: المهين: الكذاب. وقال مجاهد: الضعيف القلب. وقال قتادة: هو المكثار في الشر. وقيل: معناه: مهين عند الله وعند المؤمنين أي: حقير. وقيل: مهين بمعنى: مهان، و "فعيل" يأتي بمعنى "مُفعَل". وروي أنها نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي، ثم هي في كل من كان مثله. * * - ثم قال تعالى: ﴿هَمَّازٍ﴾. أي: يهمز الناس - وأصله الغمز - أي: يعيبهم. وقال ابن زيد: هو الذي [يغمز] الناس بيده [ويضربهم] وليس باللسان. واللماز: الذي يذكرهم من ورائهم. (وقيل: هما جميعاً [لمن] يذكر الناس من ورائهم). قال قتادة: ﴿هَمَّازٍ﴾ (أي) "يأكل لحوم المسلمين". قال أبو عبيدة: "بعد ذلك" أي: مع ذلك. وقال: والزنيم (هو) المعلق بالقوم [وليس] منهم. وعن ابن عباس أيضاً أن الزنيم: [الظَّلُوم]. وقال شهر بن حوشب: "هو [الجِلْفُ] الجافي الأكول الشروب من [الحرام]. وقال عكرمة: "الزنيم: الذي يعرف باللوم كما تعرف الشاة بزنمتها. وقال أبو رزين: هو الفاجر. وقيل: نَزَلَتْ في الوليد بن المغيرة. وسئل ابن عباس عن الزنيم، فقال هو "[الدعي]". واشتقاقه: الزنمة التي في حلق الشاة. كما يقال لمن يدخل في قوم وليس. منهم: زِعْنَفَة. والزِّعْنِفَة: الجناحُ من أجنحة [السَّمَكِ]. ذكره المبرد بفتح [الزاي]، وذكره غَيْرَهُ بالكسر. وعن ابن عباس أيضاً أن الزنيم هو رجل من قريش كانت له زنمة مثل زنمة الشاة. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ ما عرفناه حتى قال ﴿زَنِيمٍ﴾ فعرفناه، وكانت له زنمتان [كزنمتي] الشاة. وروى عنه ابن جبير أن الزنيم الذي يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها، وهو قول الشعبي. العتل: الجافي الشديد في كفره. وكل قوي شديد [جاف] فالعرب تسميه عتلا. وقال الفراء: العتل هنا: الشديد الخصومة بالباطل. قال الشعبي: نزلت في [الأخنس بن شريق]. وقال مجاهد: نزلت في الأسود بن عبد يغوث أو عبد الرحمن بن الأسود. * * - ثم قال تعالى: ﴿مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ﴾. أي: يسعى بالنمائم بين الناس. قال ابن عباس: "بنميم: ينقل الكذب. يقال: نميم ونميمة". وقال قتادة: بنميم: "بنقل الأحاديث من بعض الناس إلى بعض". وقال النبي ﷺ: "لا يدخل الجنة قتات"، وهو النمام.

القلم 68:3

قوله تعالى: ﴿[نۤ] وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ﴾ الآيات. قال ابن عباس: "ن هو الحوت. قال: أول ما خلق الله جل ذكره القلم فجرى بما هو كائن، ثم رفع بخار الماء فخلقت منه السماوات، ثم خلق الحوت، فبسط الأرض على ظهر النون، فتحركت النون فمادت الأرض فأثبتت بالجبال، وإن الجبال لتفخر على الأرض. وهو قول مجاهد. وقال أبو هريرة: الأرضون على نون، ونون على الماء، والماء على الصخرة، والصخرة لها أربعة أركان، على كل ركن منها ملك قائم في الماء. وعن ابن عباس أيضاً من رواية عكرمة عنه: ""ن" حرف من حروف الرحمن. وروى معاوية بن قرة عن أبيه رفعه الى النبي ﷺ أن نون لوح من نور". وروى ثابت البناني عن ابن عباس أيضاً أن نون: الدواة والقلم: هو القلم المعروف. قال: خلق الله النون - وهي الدواة - وخلق القلم فقال: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل معمول بر أو فجور، ورزق مقسوم حلال أو حرام، قال: ثم ألزم كل شيء من ذلك شأنه دخوله في الدنيا ومقامه فيها كم، وخروجه منها كيف، ثم جعل على العباد حفظة، وجعل للكتاب خزانا، والحفظة ينسخون كل يوم من الخزان عمل ذلك اليوم. يريد: قبل أن يعمله العبد، [فيعمل العبد] في ذلك اليوم على ما [نسخته] الحفظة من عند الخزان لا يزيد ولا ينقص. هذا التفسير ليس من كلام ابن عباس، وهو معنى قوله "وقد تقدم نحوه في "الجاثية". قال ابن عباس: فإذا فني الرزق وانقطع الأمر [وانقضى] الأجل، أتت الحفظة الخزنة فيطلبون عمل ذلك اليوم، فتقول لهم الخزنة: ما نجد لصاحبكم عندنا شيئاً، فيرجع الحفظة فيجدونه قد مات. ثم قال ابن عباس: ألستم قوماً عرباً تستمعون الحفظة؟! يقولون: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩]. وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل؟!. وروى معمر عن الحسن وقتادة أن نون هو الدواة. وروى ابن جبير عن قتادة أن ﴿[نۤ] وَٱلْقَلَمِ﴾: قسم، (قال): يقسم ربنا بما شاء، وهو قول ابن زيد. وقيل: هو اسم من أسماء السورة. وقيل: هو تنبيه. وقيل: التقدير: ورب نون. والقلم هو المعروف، لكن أقسم ربنا بالقلم الذي جرى بأمره [بما] هو كائن إلى يوم القيامة. وقال زياد بن الصلق لابنه لما حضرته الوفاة: أي بني، اتق الله، واعلم أنك لم تتق الله ولم تبلغ العلم حتى تؤمن بالله وحده، والقدر خيره وشره [حلوه ومره]، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ عز وجل: القَلَمُ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، فقال: وما أكتب يا رب؟ قال: اكْتُب الْقَدَرَ. قال: فَجَرى القلمُ في تلك الساعة بما كان (وبما هو [كائن]) إلى الأبد وروى ابن جبير عن ابن عباس أنه قال: إن مما خلق الله لوحاً من لؤلؤة [أو درة] بيضاء دَفَّتاه من [ياقوته] حمراء، قلمه وكتابه نور ينظر فيه ستين وثلاث مائة نظرة، في كل نظرة منها يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء. * * وقوله: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾. معناه: والذي يخطون، يعني: يكتبون، كأنه تعالى أقسم بأفعال الخلق هذا على أن تكون "ما" بمعنى "الذي"، فإن جعلتها والفعل مصدراً كان القسم بالكتاب. وقال قتادة: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾: يخطون. وقال ابن عباس: يكتبون، وكذلك قال مجاهد. وقيل المعنى: وما تكتب الحفظة من أعمال بني آدم. وروى أحمد بن صالح عن ورش: [يصطرون] بالصاد لأجل [الطاء]، والأصل (السين). * * - ثم قال تعالى: ﴿مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾. "ما" جواب القسم. وهي نفي للجنون عن النبي ﷺ، لأن المشركين ر(موه) بالجنون مرة، وبالسحر مرة، وبالكهانة (مرة). والجنون ستر العقل. ومنه قيل: جن عليه الليل وأجنه إذا ستره. ومنه: الجنين، لأنه كان مستوراً في البطن، ومنه قيل للقبر: جَنَنْ. ومنه سمي الجن جناً لاستتارهم عن أعين الناس. وسمع من العرب على غير قياس: أجن فهو مجنون. والقياس: مجن. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾. أي: إن لك، يا محمد، على صبرك على أذاهم لك لَثَوَاباً عظيماً ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾، أي: غير منقوص ولا مقطوع، ومنه قيل حبل منين، أي: ضعيف. وقيل: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي: لا يمن به عليك. وقال مجاهد: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي: غير محسوب. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. أي: لعلى أدب عظيم. وذلك أدب القرآن الذي أدبه الله (به)، وهو الإسلام وشرائعه. وقال ابن عباس: ﴿لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، أي: لعلى دين عظيم، وهو الإسلام. قال قتادة: سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله، فقالت: كان خلقه القرآن. وقال علي رضي الله عنه: ﴿خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾: أدب القرآن. وعن النبي ﷺ أنه قال: "أكملُ الناسِ إيماناً أحسنُهم خلقاً"، تأوله قوم: أحسنهم ديناً وطريقة على ما تأول ابن عباس الآية. وقيل: الخلق العظيم هو ما كان من البشاشة والسعي في قضاء حوائج الناس وإكرامهم والرفق بهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ ﴿بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ﴾. [أي: فسترى يا محمد ويرى المشركون بأيكم المجنون، وهذا تأويل مجاهد. وقيل: المعنى: "بأيكم الجنون]، فيكون المفعول وقع [موقع] المصدر، كما يقال: ما له معقول، أي: عقل وهو قول ابن عباس والضحاك. وقيل الباء زائدة، والمعنى: [فسترى] ويرون أيكم المجنون. وقيل: المعنى: بأيكم فتنة المفتون، قاله المبرد. وقال مجاهد: ﴿بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ﴾ أي: الشيطان. وقيل: المعنى: أيكم أولى بالشيطان، فالباء (أيضاً زائدة على هذا القول. روي ذلك عن قتادة. وقيل: الباء بمعنى "في"، والتقدير: في أيكم فتن المفتون). وقال المازني: التمام: فستبصر ويبصرون، وهذا على زيادة الباء، والتقدير: فستبصر ويبصرون يوم القيامة، ثم ابتدأ: أيكم المفتون. وقال الأخفش: المفتون بمعنى الفتنة. والتقدير: بأيكم الفتنة، وهذا التمام [عنده]. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾ أي: إن ربك يا محمد هو أعلم بمن جار عن طريق الحق، وهو أعلم بمن اهتدى، فاتبع الحق. وهذا من معاريض الكلام، والمعنى: إن ربك يا محمد هو أعلم بك وأنك المهتدي، وأن قومك هم الضالون. وهو مثل قوله: ﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ أي ود المشركون لو تكفر بالله فيتمادون على كفرهم، قاله ابن عباس والضحاك وسفيان. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "وَدّ المشركون لو ترخص لهم فيرخصون". وقال مجاهد: معناه: ود المشركون لو تركن إلى آلهتهم وتترك ما أنت عليه من الحق (فيمالئوك). قال الفراء: الادهان: التليين [لمن لا ينبغي التليين] له. فالتقدير: وَدّ المشركون لو تلين لهم في دينك بإجابتك إياهم إلى الركون إلى آلهتهم فيلينون لك في عبادة إلهك، وهو قوله: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٤]، وهو مأخوذ من الدهن، شبَّه التليين في القول بتليين الدهن. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ﴾. (أي: لا تطع يا محمد كل ذي إكثار للحلف بالباطل ﴿مَّهِينٍ﴾: أي: ضعيف. قاله الحسن. وقال ابن عباس: المهين: الكذاب. وقال مجاهد: الضعيف القلب. وقال قتادة: هو المكثار في الشر. وقيل: معناه: مهين عند الله وعند المؤمنين أي: حقير. وقيل: مهين بمعنى: مهان، و "فعيل" يأتي بمعنى "مُفعَل". وروي أنها نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي، ثم هي في كل من كان مثله. * * - ثم قال تعالى: ﴿هَمَّازٍ﴾. أي: يهمز الناس - وأصله الغمز - أي: يعيبهم. وقال ابن زيد: هو الذي [يغمز] الناس بيده [ويضربهم] وليس باللسان. واللماز: الذي يذكرهم من ورائهم. (وقيل: هما جميعاً [لمن] يذكر الناس من ورائهم). قال قتادة: ﴿هَمَّازٍ﴾ (أي) "يأكل لحوم المسلمين". قال أبو عبيدة: "بعد ذلك" أي: مع ذلك. وقال: والزنيم (هو) المعلق بالقوم [وليس] منهم. وعن ابن عباس أيضاً أن الزنيم: [الظَّلُوم]. وقال شهر بن حوشب: "هو [الجِلْفُ] الجافي الأكول الشروب من [الحرام]. وقال عكرمة: "الزنيم: الذي يعرف باللوم كما تعرف الشاة بزنمتها. وقال أبو رزين: هو الفاجر. وقيل: نَزَلَتْ في الوليد بن المغيرة. وسئل ابن عباس عن الزنيم، فقال هو "[الدعي]". واشتقاقه: الزنمة التي في حلق الشاة. كما يقال لمن يدخل في قوم وليس. منهم: زِعْنَفَة. والزِّعْنِفَة: الجناحُ من أجنحة [السَّمَكِ]. ذكره المبرد بفتح [الزاي]، وذكره غَيْرَهُ بالكسر. وعن ابن عباس أيضاً أن الزنيم هو رجل من قريش كانت له زنمة مثل زنمة الشاة. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ ما عرفناه حتى قال ﴿زَنِيمٍ﴾ فعرفناه، وكانت له زنمتان [كزنمتي] الشاة. وروى عنه ابن جبير أن الزنيم الذي يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها، وهو قول الشعبي. العتل: الجافي الشديد في كفره. وكل قوي شديد [جاف] فالعرب تسميه عتلا. وقال الفراء: العتل هنا: الشديد الخصومة بالباطل. قال الشعبي: نزلت في [الأخنس بن شريق]. وقال مجاهد: نزلت في الأسود بن عبد يغوث أو عبد الرحمن بن الأسود. * * - ثم قال تعالى: ﴿مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ﴾. أي: يسعى بالنمائم بين الناس. قال ابن عباس: "بنميم: ينقل الكذب. يقال: نميم ونميمة". وقال قتادة: بنميم: "بنقل الأحاديث من بعض الناس إلى بعض". وقال النبي ﷺ: "لا يدخل الجنة قتات"، وهو النمام.

القلم 68:4

قوله تعالى: ﴿[نۤ] وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ﴾ الآيات. قال ابن عباس: "ن هو الحوت. قال: أول ما خلق الله جل ذكره القلم فجرى بما هو كائن، ثم رفع بخار الماء فخلقت منه السماوات، ثم خلق الحوت، فبسط الأرض على ظهر النون، فتحركت النون فمادت الأرض فأثبتت بالجبال، وإن الجبال لتفخر على الأرض. وهو قول مجاهد. وقال أبو هريرة: الأرضون على نون، ونون على الماء، والماء على الصخرة، والصخرة لها أربعة أركان، على كل ركن منها ملك قائم في الماء. وعن ابن عباس أيضاً من رواية عكرمة عنه: ""ن" حرف من حروف الرحمن. وروى معاوية بن قرة عن أبيه رفعه الى النبي ﷺ أن نون لوح من نور". وروى ثابت البناني عن ابن عباس أيضاً أن نون: الدواة والقلم: هو القلم المعروف. قال: خلق الله النون - وهي الدواة - وخلق القلم فقال: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل معمول بر أو فجور، ورزق مقسوم حلال أو حرام، قال: ثم ألزم كل شيء من ذلك شأنه دخوله في الدنيا ومقامه فيها كم، وخروجه منها كيف، ثم جعل على العباد حفظة، وجعل للكتاب خزانا، والحفظة ينسخون كل يوم من الخزان عمل ذلك اليوم. يريد: قبل أن يعمله العبد، [فيعمل العبد] في ذلك اليوم على ما [نسخته] الحفظة من عند الخزان لا يزيد ولا ينقص. هذا التفسير ليس من كلام ابن عباس، وهو معنى قوله "وقد تقدم نحوه في "الجاثية". قال ابن عباس: فإذا فني الرزق وانقطع الأمر [وانقضى] الأجل، أتت الحفظة الخزنة فيطلبون عمل ذلك اليوم، فتقول لهم الخزنة: ما نجد لصاحبكم عندنا شيئاً، فيرجع الحفظة فيجدونه قد مات. ثم قال ابن عباس: ألستم قوماً عرباً تستمعون الحفظة؟! يقولون: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩]. وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل؟!. وروى معمر عن الحسن وقتادة أن نون هو الدواة. وروى ابن جبير عن قتادة أن ﴿[نۤ] وَٱلْقَلَمِ﴾: قسم، (قال): يقسم ربنا بما شاء، وهو قول ابن زيد. وقيل: هو اسم من أسماء السورة. وقيل: هو تنبيه. وقيل: التقدير: ورب نون. والقلم هو المعروف، لكن أقسم ربنا بالقلم الذي جرى بأمره [بما] هو كائن إلى يوم القيامة. وقال زياد بن الصلق لابنه لما حضرته الوفاة: أي بني، اتق الله، واعلم أنك لم تتق الله ولم تبلغ العلم حتى تؤمن بالله وحده، والقدر خيره وشره [حلوه ومره]، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ عز وجل: القَلَمُ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، فقال: وما أكتب يا رب؟ قال: اكْتُب الْقَدَرَ. قال: فَجَرى القلمُ في تلك الساعة بما كان (وبما هو [كائن]) إلى الأبد وروى ابن جبير عن ابن عباس أنه قال: إن مما خلق الله لوحاً من لؤلؤة [أو درة] بيضاء دَفَّتاه من [ياقوته] حمراء، قلمه وكتابه نور ينظر فيه ستين وثلاث مائة نظرة، في كل نظرة منها يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء. * * وقوله: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾. معناه: والذي يخطون، يعني: يكتبون، كأنه تعالى أقسم بأفعال الخلق هذا على أن تكون "ما" بمعنى "الذي"، فإن جعلتها والفعل مصدراً كان القسم بالكتاب. وقال قتادة: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾: يخطون. وقال ابن عباس: يكتبون، وكذلك قال مجاهد. وقيل المعنى: وما تكتب الحفظة من أعمال بني آدم. وروى أحمد بن صالح عن ورش: [يصطرون] بالصاد لأجل [الطاء]، والأصل (السين). * * - ثم قال تعالى: ﴿مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾. "ما" جواب القسم. وهي نفي للجنون عن النبي ﷺ، لأن المشركين ر(موه) بالجنون مرة، وبالسحر مرة، وبالكهانة (مرة). والجنون ستر العقل. ومنه قيل: جن عليه الليل وأجنه إذا ستره. ومنه: الجنين، لأنه كان مستوراً في البطن، ومنه قيل للقبر: جَنَنْ. ومنه سمي الجن جناً لاستتارهم عن أعين الناس. وسمع من العرب على غير قياس: أجن فهو مجنون. والقياس: مجن. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾. أي: إن لك، يا محمد، على صبرك على أذاهم لك لَثَوَاباً عظيماً ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾، أي: غير منقوص ولا مقطوع، ومنه قيل حبل منين، أي: ضعيف. وقيل: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي: لا يمن به عليك. وقال مجاهد: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي: غير محسوب. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. أي: لعلى أدب عظيم. وذلك أدب القرآن الذي أدبه الله (به)، وهو الإسلام وشرائعه. وقال ابن عباس: ﴿لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، أي: لعلى دين عظيم، وهو الإسلام. قال قتادة: سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله، فقالت: كان خلقه القرآن. وقال علي رضي الله عنه: ﴿خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾: أدب القرآن. وعن النبي ﷺ أنه قال: "أكملُ الناسِ إيماناً أحسنُهم خلقاً"، تأوله قوم: أحسنهم ديناً وطريقة على ما تأول ابن عباس الآية. وقيل: الخلق العظيم هو ما كان من البشاشة والسعي في قضاء حوائج الناس وإكرامهم والرفق بهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ ﴿بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ﴾. [أي: فسترى يا محمد ويرى المشركون بأيكم المجنون، وهذا تأويل مجاهد. وقيل: المعنى: "بأيكم الجنون]، فيكون المفعول وقع [موقع] المصدر، كما يقال: ما له معقول، أي: عقل وهو قول ابن عباس والضحاك. وقيل الباء زائدة، والمعنى: [فسترى] ويرون أيكم المجنون. وقيل: المعنى: بأيكم فتنة المفتون، قاله المبرد. وقال مجاهد: ﴿بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ﴾ أي: الشيطان. وقيل: المعنى: أيكم أولى بالشيطان، فالباء (أيضاً زائدة على هذا القول. روي ذلك عن قتادة. وقيل: الباء بمعنى "في"، والتقدير: في أيكم فتن المفتون). وقال المازني: التمام: فستبصر ويبصرون، وهذا على زيادة الباء، والتقدير: فستبصر ويبصرون يوم القيامة، ثم ابتدأ: أيكم المفتون. وقال الأخفش: المفتون بمعنى الفتنة. والتقدير: بأيكم الفتنة، وهذا التمام [عنده]. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾ أي: إن ربك يا محمد هو أعلم بمن جار عن طريق الحق، وهو أعلم بمن اهتدى، فاتبع الحق. وهذا من معاريض الكلام، والمعنى: إن ربك يا محمد هو أعلم بك وأنك المهتدي، وأن قومك هم الضالون. وهو مثل قوله: ﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ أي ود المشركون لو تكفر بالله فيتمادون على كفرهم، قاله ابن عباس والضحاك وسفيان. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "وَدّ المشركون لو ترخص لهم فيرخصون". وقال مجاهد: معناه: ود المشركون لو تركن إلى آلهتهم وتترك ما أنت عليه من الحق (فيمالئوك). قال الفراء: الادهان: التليين [لمن لا ينبغي التليين] له. فالتقدير: وَدّ المشركون لو تلين لهم في دينك بإجابتك إياهم إلى الركون إلى آلهتهم فيلينون لك في عبادة إلهك، وهو قوله: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٤]، وهو مأخوذ من الدهن، شبَّه التليين في القول بتليين الدهن. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ﴾. (أي: لا تطع يا محمد كل ذي إكثار للحلف بالباطل ﴿مَّهِينٍ﴾: أي: ضعيف. قاله الحسن. وقال ابن عباس: المهين: الكذاب. وقال مجاهد: الضعيف القلب. وقال قتادة: هو المكثار في الشر. وقيل: معناه: مهين عند الله وعند المؤمنين أي: حقير. وقيل: مهين بمعنى: مهان، و "فعيل" يأتي بمعنى "مُفعَل". وروي أنها نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي، ثم هي في كل من كان مثله. * * - ثم قال تعالى: ﴿هَمَّازٍ﴾. أي: يهمز الناس - وأصله الغمز - أي: يعيبهم. وقال ابن زيد: هو الذي [يغمز] الناس بيده [ويضربهم] وليس باللسان. واللماز: الذي يذكرهم من ورائهم. (وقيل: هما جميعاً [لمن] يذكر الناس من ورائهم). قال قتادة: ﴿هَمَّازٍ﴾ (أي) "يأكل لحوم المسلمين". قال أبو عبيدة: "بعد ذلك" أي: مع ذلك. وقال: والزنيم (هو) المعلق بالقوم [وليس] منهم. وعن ابن عباس أيضاً أن الزنيم: [الظَّلُوم]. وقال شهر بن حوشب: "هو [الجِلْفُ] الجافي الأكول الشروب من [الحرام]. وقال عكرمة: "الزنيم: الذي يعرف باللوم كما تعرف الشاة بزنمتها. وقال أبو رزين: هو الفاجر. وقيل: نَزَلَتْ في الوليد بن المغيرة. وسئل ابن عباس عن الزنيم، فقال هو "[الدعي]". واشتقاقه: الزنمة التي في حلق الشاة. كما يقال لمن يدخل في قوم وليس. منهم: زِعْنَفَة. والزِّعْنِفَة: الجناحُ من أجنحة [السَّمَكِ]. ذكره المبرد بفتح [الزاي]، وذكره غَيْرَهُ بالكسر. وعن ابن عباس أيضاً أن الزنيم هو رجل من قريش كانت له زنمة مثل زنمة الشاة. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ ما عرفناه حتى قال ﴿زَنِيمٍ﴾ فعرفناه، وكانت له زنمتان [كزنمتي] الشاة. وروى عنه ابن جبير أن الزنيم الذي يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها، وهو قول الشعبي. العتل: الجافي الشديد في كفره. وكل قوي شديد [جاف] فالعرب تسميه عتلا. وقال الفراء: العتل هنا: الشديد الخصومة بالباطل. قال الشعبي: نزلت في [الأخنس بن شريق]. وقال مجاهد: نزلت في الأسود بن عبد يغوث أو عبد الرحمن بن الأسود. * * - ثم قال تعالى: ﴿مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ﴾. أي: يسعى بالنمائم بين الناس. قال ابن عباس: "بنميم: ينقل الكذب. يقال: نميم ونميمة". وقال قتادة: بنميم: "بنقل الأحاديث من بعض الناس إلى بعض". وقال النبي ﷺ: "لا يدخل الجنة قتات"، وهو النمام.

القلم 68:5

قوله تعالى: ﴿[نۤ] وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ﴾ الآيات. قال ابن عباس: "ن هو الحوت. قال: أول ما خلق الله جل ذكره القلم فجرى بما هو كائن، ثم رفع بخار الماء فخلقت منه السماوات، ثم خلق الحوت، فبسط الأرض على ظهر النون، فتحركت النون فمادت الأرض فأثبتت بالجبال، وإن الجبال لتفخر على الأرض. وهو قول مجاهد. وقال أبو هريرة: الأرضون على نون، ونون على الماء، والماء على الصخرة، والصخرة لها أربعة أركان، على كل ركن منها ملك قائم في الماء. وعن ابن عباس أيضاً من رواية عكرمة عنه: ""ن" حرف من حروف الرحمن. وروى معاوية بن قرة عن أبيه رفعه الى النبي ﷺ أن نون لوح من نور". وروى ثابت البناني عن ابن عباس أيضاً أن نون: الدواة والقلم: هو القلم المعروف. قال: خلق الله النون - وهي الدواة - وخلق القلم فقال: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل معمول بر أو فجور، ورزق مقسوم حلال أو حرام، قال: ثم ألزم كل شيء من ذلك شأنه دخوله في الدنيا ومقامه فيها كم، وخروجه منها كيف، ثم جعل على العباد حفظة، وجعل للكتاب خزانا، والحفظة ينسخون كل يوم من الخزان عمل ذلك اليوم. يريد: قبل أن يعمله العبد، [فيعمل العبد] في ذلك اليوم على ما [نسخته] الحفظة من عند الخزان لا يزيد ولا ينقص. هذا التفسير ليس من كلام ابن عباس، وهو معنى قوله "وقد تقدم نحوه في "الجاثية". قال ابن عباس: فإذا فني الرزق وانقطع الأمر [وانقضى] الأجل، أتت الحفظة الخزنة فيطلبون عمل ذلك اليوم، فتقول لهم الخزنة: ما نجد لصاحبكم عندنا شيئاً، فيرجع الحفظة فيجدونه قد مات. ثم قال ابن عباس: ألستم قوماً عرباً تستمعون الحفظة؟! يقولون: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩]. وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل؟!. وروى معمر عن الحسن وقتادة أن نون هو الدواة. وروى ابن جبير عن قتادة أن ﴿[نۤ] وَٱلْقَلَمِ﴾: قسم، (قال): يقسم ربنا بما شاء، وهو قول ابن زيد. وقيل: هو اسم من أسماء السورة. وقيل: هو تنبيه. وقيل: التقدير: ورب نون. والقلم هو المعروف، لكن أقسم ربنا بالقلم الذي جرى بأمره [بما] هو كائن إلى يوم القيامة. وقال زياد بن الصلق لابنه لما حضرته الوفاة: أي بني، اتق الله، واعلم أنك لم تتق الله ولم تبلغ العلم حتى تؤمن بالله وحده، والقدر خيره وشره [حلوه ومره]، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ عز وجل: القَلَمُ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، فقال: وما أكتب يا رب؟ قال: اكْتُب الْقَدَرَ. قال: فَجَرى القلمُ في تلك الساعة بما كان (وبما هو [كائن]) إلى الأبد وروى ابن جبير عن ابن عباس أنه قال: إن مما خلق الله لوحاً من لؤلؤة [أو درة] بيضاء دَفَّتاه من [ياقوته] حمراء، قلمه وكتابه نور ينظر فيه ستين وثلاث مائة نظرة، في كل نظرة منها يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء. * * وقوله: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾. معناه: والذي يخطون، يعني: يكتبون، كأنه تعالى أقسم بأفعال الخلق هذا على أن تكون "ما" بمعنى "الذي"، فإن جعلتها والفعل مصدراً كان القسم بالكتاب. وقال قتادة: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾: يخطون. وقال ابن عباس: يكتبون، وكذلك قال مجاهد. وقيل المعنى: وما تكتب الحفظة من أعمال بني آدم. وروى أحمد بن صالح عن ورش: [يصطرون] بالصاد لأجل [الطاء]، والأصل (السين). * * - ثم قال تعالى: ﴿مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾. "ما" جواب القسم. وهي نفي للجنون عن النبي ﷺ، لأن المشركين ر(موه) بالجنون مرة، وبالسحر مرة، وبالكهانة (مرة). والجنون ستر العقل. ومنه قيل: جن عليه الليل وأجنه إذا ستره. ومنه: الجنين، لأنه كان مستوراً في البطن، ومنه قيل للقبر: جَنَنْ. ومنه سمي الجن جناً لاستتارهم عن أعين الناس. وسمع من العرب على غير قياس: أجن فهو مجنون. والقياس: مجن. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾. أي: إن لك، يا محمد، على صبرك على أذاهم لك لَثَوَاباً عظيماً ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾، أي: غير منقوص ولا مقطوع، ومنه قيل حبل منين، أي: ضعيف. وقيل: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي: لا يمن به عليك. وقال مجاهد: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي: غير محسوب. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. أي: لعلى أدب عظيم. وذلك أدب القرآن الذي أدبه الله (به)، وهو الإسلام وشرائعه. وقال ابن عباس: ﴿لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، أي: لعلى دين عظيم، وهو الإسلام. قال قتادة: سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله، فقالت: كان خلقه القرآن. وقال علي رضي الله عنه: ﴿خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾: أدب القرآن. وعن النبي ﷺ أنه قال: "أكملُ الناسِ إيماناً أحسنُهم خلقاً"، تأوله قوم: أحسنهم ديناً وطريقة على ما تأول ابن عباس الآية. وقيل: الخلق العظيم هو ما كان من البشاشة والسعي في قضاء حوائج الناس وإكرامهم والرفق بهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ ﴿بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ﴾. [أي: فسترى يا محمد ويرى المشركون بأيكم المجنون، وهذا تأويل مجاهد. وقيل: المعنى: "بأيكم الجنون]، فيكون المفعول وقع [موقع] المصدر، كما يقال: ما له معقول، أي: عقل وهو قول ابن عباس والضحاك. وقيل الباء زائدة، والمعنى: [فسترى] ويرون أيكم المجنون. وقيل: المعنى: بأيكم فتنة المفتون، قاله المبرد. وقال مجاهد: ﴿بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ﴾ أي: الشيطان. وقيل: المعنى: أيكم أولى بالشيطان، فالباء (أيضاً زائدة على هذا القول. روي ذلك عن قتادة. وقيل: الباء بمعنى "في"، والتقدير: في أيكم فتن المفتون). وقال المازني: التمام: فستبصر ويبصرون، وهذا على زيادة الباء، والتقدير: فستبصر ويبصرون يوم القيامة، ثم ابتدأ: أيكم المفتون. وقال الأخفش: المفتون بمعنى الفتنة. والتقدير: بأيكم الفتنة، وهذا التمام [عنده]. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾ أي: إن ربك يا محمد هو أعلم بمن جار عن طريق الحق، وهو أعلم بمن اهتدى، فاتبع الحق. وهذا من معاريض الكلام، والمعنى: إن ربك يا محمد هو أعلم بك وأنك المهتدي، وأن قومك هم الضالون. وهو مثل قوله: ﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ أي ود المشركون لو تكفر بالله فيتمادون على كفرهم، قاله ابن عباس والضحاك وسفيان. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "وَدّ المشركون لو ترخص لهم فيرخصون". وقال مجاهد: معناه: ود المشركون لو تركن إلى آلهتهم وتترك ما أنت عليه من الحق (فيمالئوك). قال الفراء: الادهان: التليين [لمن لا ينبغي التليين] له. فالتقدير: وَدّ المشركون لو تلين لهم في دينك بإجابتك إياهم إلى الركون إلى آلهتهم فيلينون لك في عبادة إلهك، وهو قوله: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٤]، وهو مأخوذ من الدهن، شبَّه التليين في القول بتليين الدهن. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ﴾. (أي: لا تطع يا محمد كل ذي إكثار للحلف بالباطل ﴿مَّهِينٍ﴾: أي: ضعيف. قاله الحسن. وقال ابن عباس: المهين: الكذاب. وقال مجاهد: الضعيف القلب. وقال قتادة: هو المكثار في الشر. وقيل: معناه: مهين عند الله وعند المؤمنين أي: حقير. وقيل: مهين بمعنى: مهان، و "فعيل" يأتي بمعنى "مُفعَل". وروي أنها نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي، ثم هي في كل من كان مثله. * * - ثم قال تعالى: ﴿هَمَّازٍ﴾. أي: يهمز الناس - وأصله الغمز - أي: يعيبهم. وقال ابن زيد: هو الذي [يغمز] الناس بيده [ويضربهم] وليس باللسان. واللماز: الذي يذكرهم من ورائهم. (وقيل: هما جميعاً [لمن] يذكر الناس من ورائهم). قال قتادة: ﴿هَمَّازٍ﴾ (أي) "يأكل لحوم المسلمين". قال أبو عبيدة: "بعد ذلك" أي: مع ذلك. وقال: والزنيم (هو) المعلق بالقوم [وليس] منهم. وعن ابن عباس أيضاً أن الزنيم: [الظَّلُوم]. وقال شهر بن حوشب: "هو [الجِلْفُ] الجافي الأكول الشروب من [الحرام]. وقال عكرمة: "الزنيم: الذي يعرف باللوم كما تعرف الشاة بزنمتها. وقال أبو رزين: هو الفاجر. وقيل: نَزَلَتْ في الوليد بن المغيرة. وسئل ابن عباس عن الزنيم، فقال هو "[الدعي]". واشتقاقه: الزنمة التي في حلق الشاة. كما يقال لمن يدخل في قوم وليس. منهم: زِعْنَفَة. والزِّعْنِفَة: الجناحُ من أجنحة [السَّمَكِ]. ذكره المبرد بفتح [الزاي]، وذكره غَيْرَهُ بالكسر. وعن ابن عباس أيضاً أن الزنيم هو رجل من قريش كانت له زنمة مثل زنمة الشاة. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ ما عرفناه حتى قال ﴿زَنِيمٍ﴾ فعرفناه، وكانت له زنمتان [كزنمتي] الشاة. وروى عنه ابن جبير أن الزنيم الذي يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها، وهو قول الشعبي. العتل: الجافي الشديد في كفره. وكل قوي شديد [جاف] فالعرب تسميه عتلا. وقال الفراء: العتل هنا: الشديد الخصومة بالباطل. قال الشعبي: نزلت في [الأخنس بن شريق]. وقال مجاهد: نزلت في الأسود بن عبد يغوث أو عبد الرحمن بن الأسود. * * - ثم قال تعالى: ﴿مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ﴾. أي: يسعى بالنمائم بين الناس. قال ابن عباس: "بنميم: ينقل الكذب. يقال: نميم ونميمة". وقال قتادة: بنميم: "بنقل الأحاديث من بعض الناس إلى بعض". وقال النبي ﷺ: "لا يدخل الجنة قتات"، وهو النمام.

القلم 68:6

قوله تعالى: ﴿[نۤ] وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ﴾ الآيات. قال ابن عباس: "ن هو الحوت. قال: أول ما خلق الله جل ذكره القلم فجرى بما هو كائن، ثم رفع بخار الماء فخلقت منه السماوات، ثم خلق الحوت، فبسط الأرض على ظهر النون، فتحركت النون فمادت الأرض فأثبتت بالجبال، وإن الجبال لتفخر على الأرض. وهو قول مجاهد. وقال أبو هريرة: الأرضون على نون، ونون على الماء، والماء على الصخرة، والصخرة لها أربعة أركان، على كل ركن منها ملك قائم في الماء. وعن ابن عباس أيضاً من رواية عكرمة عنه: ""ن" حرف من حروف الرحمن. وروى معاوية بن قرة عن أبيه رفعه الى النبي ﷺ أن نون لوح من نور". وروى ثابت البناني عن ابن عباس أيضاً أن نون: الدواة والقلم: هو القلم المعروف. قال: خلق الله النون - وهي الدواة - وخلق القلم فقال: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل معمول بر أو فجور، ورزق مقسوم حلال أو حرام، قال: ثم ألزم كل شيء من ذلك شأنه دخوله في الدنيا ومقامه فيها كم، وخروجه منها كيف، ثم جعل على العباد حفظة، وجعل للكتاب خزانا، والحفظة ينسخون كل يوم من الخزان عمل ذلك اليوم. يريد: قبل أن يعمله العبد، [فيعمل العبد] في ذلك اليوم على ما [نسخته] الحفظة من عند الخزان لا يزيد ولا ينقص. هذا التفسير ليس من كلام ابن عباس، وهو معنى قوله "وقد تقدم نحوه في "الجاثية". قال ابن عباس: فإذا فني الرزق وانقطع الأمر [وانقضى] الأجل، أتت الحفظة الخزنة فيطلبون عمل ذلك اليوم، فتقول لهم الخزنة: ما نجد لصاحبكم عندنا شيئاً، فيرجع الحفظة فيجدونه قد مات. ثم قال ابن عباس: ألستم قوماً عرباً تستمعون الحفظة؟! يقولون: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩]. وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل؟!. وروى معمر عن الحسن وقتادة أن نون هو الدواة. وروى ابن جبير عن قتادة أن ﴿[نۤ] وَٱلْقَلَمِ﴾: قسم، (قال): يقسم ربنا بما شاء، وهو قول ابن زيد. وقيل: هو اسم من أسماء السورة. وقيل: هو تنبيه. وقيل: التقدير: ورب نون. والقلم هو المعروف، لكن أقسم ربنا بالقلم الذي جرى بأمره [بما] هو كائن إلى يوم القيامة. وقال زياد بن الصلق لابنه لما حضرته الوفاة: أي بني، اتق الله، واعلم أنك لم تتق الله ولم تبلغ العلم حتى تؤمن بالله وحده، والقدر خيره وشره [حلوه ومره]، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ عز وجل: القَلَمُ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، فقال: وما أكتب يا رب؟ قال: اكْتُب الْقَدَرَ. قال: فَجَرى القلمُ في تلك الساعة بما كان (وبما هو [كائن]) إلى الأبد وروى ابن جبير عن ابن عباس أنه قال: إن مما خلق الله لوحاً من لؤلؤة [أو درة] بيضاء دَفَّتاه من [ياقوته] حمراء، قلمه وكتابه نور ينظر فيه ستين وثلاث مائة نظرة، في كل نظرة منها يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء. * * وقوله: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾. معناه: والذي يخطون، يعني: يكتبون، كأنه تعالى أقسم بأفعال الخلق هذا على أن تكون "ما" بمعنى "الذي"، فإن جعلتها والفعل مصدراً كان القسم بالكتاب. وقال قتادة: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾: يخطون. وقال ابن عباس: يكتبون، وكذلك قال مجاهد. وقيل المعنى: وما تكتب الحفظة من أعمال بني آدم. وروى أحمد بن صالح عن ورش: [يصطرون] بالصاد لأجل [الطاء]، والأصل (السين). * * - ثم قال تعالى: ﴿مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾. "ما" جواب القسم. وهي نفي للجنون عن النبي ﷺ، لأن المشركين ر(موه) بالجنون مرة، وبالسحر مرة، وبالكهانة (مرة). والجنون ستر العقل. ومنه قيل: جن عليه الليل وأجنه إذا ستره. ومنه: الجنين، لأنه كان مستوراً في البطن، ومنه قيل للقبر: جَنَنْ. ومنه سمي الجن جناً لاستتارهم عن أعين الناس. وسمع من العرب على غير قياس: أجن فهو مجنون. والقياس: مجن. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾. أي: إن لك، يا محمد، على صبرك على أذاهم لك لَثَوَاباً عظيماً ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾، أي: غير منقوص ولا مقطوع، ومنه قيل حبل منين، أي: ضعيف. وقيل: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي: لا يمن به عليك. وقال مجاهد: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي: غير محسوب. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. أي: لعلى أدب عظيم. وذلك أدب القرآن الذي أدبه الله (به)، وهو الإسلام وشرائعه. وقال ابن عباس: ﴿لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، أي: لعلى دين عظيم، وهو الإسلام. قال قتادة: سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله، فقالت: كان خلقه القرآن. وقال علي رضي الله عنه: ﴿خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾: أدب القرآن. وعن النبي ﷺ أنه قال: "أكملُ الناسِ إيماناً أحسنُهم خلقاً"، تأوله قوم: أحسنهم ديناً وطريقة على ما تأول ابن عباس الآية. وقيل: الخلق العظيم هو ما كان من البشاشة والسعي في قضاء حوائج الناس وإكرامهم والرفق بهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ ﴿بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ﴾. [أي: فسترى يا محمد ويرى المشركون بأيكم المجنون، وهذا تأويل مجاهد. وقيل: المعنى: "بأيكم الجنون]، فيكون المفعول وقع [موقع] المصدر، كما يقال: ما له معقول، أي: عقل وهو قول ابن عباس والضحاك. وقيل الباء زائدة، والمعنى: [فسترى] ويرون أيكم المجنون. وقيل: المعنى: بأيكم فتنة المفتون، قاله المبرد. وقال مجاهد: ﴿بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ﴾ أي: الشيطان. وقيل: المعنى: أيكم أولى بالشيطان، فالباء (أيضاً زائدة على هذا القول. روي ذلك عن قتادة. وقيل: الباء بمعنى "في"، والتقدير: في أيكم فتن المفتون). وقال المازني: التمام: فستبصر ويبصرون، وهذا على زيادة الباء، والتقدير: فستبصر ويبصرون يوم القيامة، ثم ابتدأ: أيكم المفتون. وقال الأخفش: المفتون بمعنى الفتنة. والتقدير: بأيكم الفتنة، وهذا التمام [عنده]. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾ أي: إن ربك يا محمد هو أعلم بمن جار عن طريق الحق، وهو أعلم بمن اهتدى، فاتبع الحق. وهذا من معاريض الكلام، والمعنى: إن ربك يا محمد هو أعلم بك وأنك المهتدي، وأن قومك هم الضالون. وهو مثل قوله: ﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ أي ود المشركون لو تكفر بالله فيتمادون على كفرهم، قاله ابن عباس والضحاك وسفيان. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "وَدّ المشركون لو ترخص لهم فيرخصون". وقال مجاهد: معناه: ود المشركون لو تركن إلى آلهتهم وتترك ما أنت عليه من الحق (فيمالئوك). قال الفراء: الادهان: التليين [لمن لا ينبغي التليين] له. فالتقدير: وَدّ المشركون لو تلين لهم في دينك بإجابتك إياهم إلى الركون إلى آلهتهم فيلينون لك في عبادة إلهك، وهو قوله: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٤]، وهو مأخوذ من الدهن، شبَّه التليين في القول بتليين الدهن. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ﴾. (أي: لا تطع يا محمد كل ذي إكثار للحلف بالباطل ﴿مَّهِينٍ﴾: أي: ضعيف. قاله الحسن. وقال ابن عباس: المهين: الكذاب. وقال مجاهد: الضعيف القلب. وقال قتادة: هو المكثار في الشر. وقيل: معناه: مهين عند الله وعند المؤمنين أي: حقير. وقيل: مهين بمعنى: مهان، و "فعيل" يأتي بمعنى "مُفعَل". وروي أنها نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي، ثم هي في كل من كان مثله. * * - ثم قال تعالى: ﴿هَمَّازٍ﴾. أي: يهمز الناس - وأصله الغمز - أي: يعيبهم. وقال ابن زيد: هو الذي [يغمز] الناس بيده [ويضربهم] وليس باللسان. واللماز: الذي يذكرهم من ورائهم. (وقيل: هما جميعاً [لمن] يذكر الناس من ورائهم). قال قتادة: ﴿هَمَّازٍ﴾ (أي) "يأكل لحوم المسلمين". قال أبو عبيدة: "بعد ذلك" أي: مع ذلك. وقال: والزنيم (هو) المعلق بالقوم [وليس] منهم. وعن ابن عباس أيضاً أن الزنيم: [الظَّلُوم]. وقال شهر بن حوشب: "هو [الجِلْفُ] الجافي الأكول الشروب من [الحرام]. وقال عكرمة: "الزنيم: الذي يعرف باللوم كما تعرف الشاة بزنمتها. وقال أبو رزين: هو الفاجر. وقيل: نَزَلَتْ في الوليد بن المغيرة. وسئل ابن عباس عن الزنيم، فقال هو "[الدعي]". واشتقاقه: الزنمة التي في حلق الشاة. كما يقال لمن يدخل في قوم وليس. منهم: زِعْنَفَة. والزِّعْنِفَة: الجناحُ من أجنحة [السَّمَكِ]. ذكره المبرد بفتح [الزاي]، وذكره غَيْرَهُ بالكسر. وعن ابن عباس أيضاً أن الزنيم هو رجل من قريش كانت له زنمة مثل زنمة الشاة. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ ما عرفناه حتى قال ﴿زَنِيمٍ﴾ فعرفناه، وكانت له زنمتان [كزنمتي] الشاة. وروى عنه ابن جبير أن الزنيم الذي يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها، وهو قول الشعبي. العتل: الجافي الشديد في كفره. وكل قوي شديد [جاف] فالعرب تسميه عتلا. وقال الفراء: العتل هنا: الشديد الخصومة بالباطل. قال الشعبي: نزلت في [الأخنس بن شريق]. وقال مجاهد: نزلت في الأسود بن عبد يغوث أو عبد الرحمن بن الأسود. * * - ثم قال تعالى: ﴿مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ﴾. أي: يسعى بالنمائم بين الناس. قال ابن عباس: "بنميم: ينقل الكذب. يقال: نميم ونميمة". وقال قتادة: بنميم: "بنقل الأحاديث من بعض الناس إلى بعض". وقال النبي ﷺ: "لا يدخل الجنة قتات"، وهو النمام.

القلم 68:7

قوله تعالى: ﴿[نۤ] وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ﴾ الآيات. قال ابن عباس: "ن هو الحوت. قال: أول ما خلق الله جل ذكره القلم فجرى بما هو كائن، ثم رفع بخار الماء فخلقت منه السماوات، ثم خلق الحوت، فبسط الأرض على ظهر النون، فتحركت النون فمادت الأرض فأثبتت بالجبال، وإن الجبال لتفخر على الأرض. وهو قول مجاهد. وقال أبو هريرة: الأرضون على نون، ونون على الماء، والماء على الصخرة، والصخرة لها أربعة أركان، على كل ركن منها ملك قائم في الماء. وعن ابن عباس أيضاً من رواية عكرمة عنه: ""ن" حرف من حروف الرحمن. وروى معاوية بن قرة عن أبيه رفعه الى النبي ﷺ أن نون لوح من نور". وروى ثابت البناني عن ابن عباس أيضاً أن نون: الدواة والقلم: هو القلم المعروف. قال: خلق الله النون - وهي الدواة - وخلق القلم فقال: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل معمول بر أو فجور، ورزق مقسوم حلال أو حرام، قال: ثم ألزم كل شيء من ذلك شأنه دخوله في الدنيا ومقامه فيها كم، وخروجه منها كيف، ثم جعل على العباد حفظة، وجعل للكتاب خزانا، والحفظة ينسخون كل يوم من الخزان عمل ذلك اليوم. يريد: قبل أن يعمله العبد، [فيعمل العبد] في ذلك اليوم على ما [نسخته] الحفظة من عند الخزان لا يزيد ولا ينقص. هذا التفسير ليس من كلام ابن عباس، وهو معنى قوله "وقد تقدم نحوه في "الجاثية". قال ابن عباس: فإذا فني الرزق وانقطع الأمر [وانقضى] الأجل، أتت الحفظة الخزنة فيطلبون عمل ذلك اليوم، فتقول لهم الخزنة: ما نجد لصاحبكم عندنا شيئاً، فيرجع الحفظة فيجدونه قد مات. ثم قال ابن عباس: ألستم قوماً عرباً تستمعون الحفظة؟! يقولون: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩]. وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل؟!. وروى معمر عن الحسن وقتادة أن نون هو الدواة. وروى ابن جبير عن قتادة أن ﴿[نۤ] وَٱلْقَلَمِ﴾: قسم، (قال): يقسم ربنا بما شاء، وهو قول ابن زيد. وقيل: هو اسم من أسماء السورة. وقيل: هو تنبيه. وقيل: التقدير: ورب نون. والقلم هو المعروف، لكن أقسم ربنا بالقلم الذي جرى بأمره [بما] هو كائن إلى يوم القيامة. وقال زياد بن الصلق لابنه لما حضرته الوفاة: أي بني، اتق الله، واعلم أنك لم تتق الله ولم تبلغ العلم حتى تؤمن بالله وحده، والقدر خيره وشره [حلوه ومره]، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ عز وجل: القَلَمُ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، فقال: وما أكتب يا رب؟ قال: اكْتُب الْقَدَرَ. قال: فَجَرى القلمُ في تلك الساعة بما كان (وبما هو [كائن]) إلى الأبد وروى ابن جبير عن ابن عباس أنه قال: إن مما خلق الله لوحاً من لؤلؤة [أو درة] بيضاء دَفَّتاه من [ياقوته] حمراء، قلمه وكتابه نور ينظر فيه ستين وثلاث مائة نظرة، في كل نظرة منها يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء. * * وقوله: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾. معناه: والذي يخطون، يعني: يكتبون، كأنه تعالى أقسم بأفعال الخلق هذا على أن تكون "ما" بمعنى "الذي"، فإن جعلتها والفعل مصدراً كان القسم بالكتاب. وقال قتادة: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾: يخطون. وقال ابن عباس: يكتبون، وكذلك قال مجاهد. وقيل المعنى: وما تكتب الحفظة من أعمال بني آدم. وروى أحمد بن صالح عن ورش: [يصطرون] بالصاد لأجل [الطاء]، والأصل (السين). * * - ثم قال تعالى: ﴿مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾. "ما" جواب القسم. وهي نفي للجنون عن النبي ﷺ، لأن المشركين ر(موه) بالجنون مرة، وبالسحر مرة، وبالكهانة (مرة). والجنون ستر العقل. ومنه قيل: جن عليه الليل وأجنه إذا ستره. ومنه: الجنين، لأنه كان مستوراً في البطن، ومنه قيل للقبر: جَنَنْ. ومنه سمي الجن جناً لاستتارهم عن أعين الناس. وسمع من العرب على غير قياس: أجن فهو مجنون. والقياس: مجن. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾. أي: إن لك، يا محمد، على صبرك على أذاهم لك لَثَوَاباً عظيماً ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾، أي: غير منقوص ولا مقطوع، ومنه قيل حبل منين، أي: ضعيف. وقيل: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي: لا يمن به عليك. وقال مجاهد: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي: غير محسوب. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. أي: لعلى أدب عظيم. وذلك أدب القرآن الذي أدبه الله (به)، وهو الإسلام وشرائعه. وقال ابن عباس: ﴿لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، أي: لعلى دين عظيم، وهو الإسلام. قال قتادة: سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله، فقالت: كان خلقه القرآن. وقال علي رضي الله عنه: ﴿خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾: أدب القرآن. وعن النبي ﷺ أنه قال: "أكملُ الناسِ إيماناً أحسنُهم خلقاً"، تأوله قوم: أحسنهم ديناً وطريقة على ما تأول ابن عباس الآية. وقيل: الخلق العظيم هو ما كان من البشاشة والسعي في قضاء حوائج الناس وإكرامهم والرفق بهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ ﴿بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ﴾. [أي: فسترى يا محمد ويرى المشركون بأيكم المجنون، وهذا تأويل مجاهد. وقيل: المعنى: "بأيكم الجنون]، فيكون المفعول وقع [موقع] المصدر، كما يقال: ما له معقول، أي: عقل وهو قول ابن عباس والضحاك. وقيل الباء زائدة، والمعنى: [فسترى] ويرون أيكم المجنون. وقيل: المعنى: بأيكم فتنة المفتون، قاله المبرد. وقال مجاهد: ﴿بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ﴾ أي: الشيطان. وقيل: المعنى: أيكم أولى بالشيطان، فالباء (أيضاً زائدة على هذا القول. روي ذلك عن قتادة. وقيل: الباء بمعنى "في"، والتقدير: في أيكم فتن المفتون). وقال المازني: التمام: فستبصر ويبصرون، وهذا على زيادة الباء، والتقدير: فستبصر ويبصرون يوم القيامة، ثم ابتدأ: أيكم المفتون. وقال الأخفش: المفتون بمعنى الفتنة. والتقدير: بأيكم الفتنة، وهذا التمام [عنده]. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾ أي: إن ربك يا محمد هو أعلم بمن جار عن طريق الحق، وهو أعلم بمن اهتدى، فاتبع الحق. وهذا من معاريض الكلام، والمعنى: إن ربك يا محمد هو أعلم بك وأنك المهتدي، وأن قومك هم الضالون. وهو مثل قوله: ﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ أي ود المشركون لو تكفر بالله فيتمادون على كفرهم، قاله ابن عباس والضحاك وسفيان. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "وَدّ المشركون لو ترخص لهم فيرخصون". وقال مجاهد: معناه: ود المشركون لو تركن إلى آلهتهم وتترك ما أنت عليه من الحق (فيمالئوك). قال الفراء: الادهان: التليين [لمن لا ينبغي التليين] له. فالتقدير: وَدّ المشركون لو تلين لهم في دينك بإجابتك إياهم إلى الركون إلى آلهتهم فيلينون لك في عبادة إلهك، وهو قوله: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٤]، وهو مأخوذ من الدهن، شبَّه التليين في القول بتليين الدهن. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ﴾. (أي: لا تطع يا محمد كل ذي إكثار للحلف بالباطل ﴿مَّهِينٍ﴾: أي: ضعيف. قاله الحسن. وقال ابن عباس: المهين: الكذاب. وقال مجاهد: الضعيف القلب. وقال قتادة: هو المكثار في الشر. وقيل: معناه: مهين عند الله وعند المؤمنين أي: حقير. وقيل: مهين بمعنى: مهان، و "فعيل" يأتي بمعنى "مُفعَل". وروي أنها نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي، ثم هي في كل من كان مثله. * * - ثم قال تعالى: ﴿هَمَّازٍ﴾. أي: يهمز الناس - وأصله الغمز - أي: يعيبهم. وقال ابن زيد: هو الذي [يغمز] الناس بيده [ويضربهم] وليس باللسان. واللماز: الذي يذكرهم من ورائهم. (وقيل: هما جميعاً [لمن] يذكر الناس من ورائهم). قال قتادة: ﴿هَمَّازٍ﴾ (أي) "يأكل لحوم المسلمين". قال أبو عبيدة: "بعد ذلك" أي: مع ذلك. وقال: والزنيم (هو) المعلق بالقوم [وليس] منهم. وعن ابن عباس أيضاً أن الزنيم: [الظَّلُوم]. وقال شهر بن حوشب: "هو [الجِلْفُ] الجافي الأكول الشروب من [الحرام]. وقال عكرمة: "الزنيم: الذي يعرف باللوم كما تعرف الشاة بزنمتها. وقال أبو رزين: هو الفاجر. وقيل: نَزَلَتْ في الوليد بن المغيرة. وسئل ابن عباس عن الزنيم، فقال هو "[الدعي]". واشتقاقه: الزنمة التي في حلق الشاة. كما يقال لمن يدخل في قوم وليس. منهم: زِعْنَفَة. والزِّعْنِفَة: الجناحُ من أجنحة [السَّمَكِ]. ذكره المبرد بفتح [الزاي]، وذكره غَيْرَهُ بالكسر. وعن ابن عباس أيضاً أن الزنيم هو رجل من قريش كانت له زنمة مثل زنمة الشاة. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ ما عرفناه حتى قال ﴿زَنِيمٍ﴾ فعرفناه، وكانت له زنمتان [كزنمتي] الشاة. وروى عنه ابن جبير أن الزنيم الذي يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها، وهو قول الشعبي. العتل: الجافي الشديد في كفره. وكل قوي شديد [جاف] فالعرب تسميه عتلا. وقال الفراء: العتل هنا: الشديد الخصومة بالباطل. قال الشعبي: نزلت في [الأخنس بن شريق]. وقال مجاهد: نزلت في الأسود بن عبد يغوث أو عبد الرحمن بن الأسود. * * - ثم قال تعالى: ﴿مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ﴾. أي: يسعى بالنمائم بين الناس. قال ابن عباس: "بنميم: ينقل الكذب. يقال: نميم ونميمة". وقال قتادة: بنميم: "بنقل الأحاديث من بعض الناس إلى بعض". وقال النبي ﷺ: "لا يدخل الجنة قتات"، وهو النمام.

القلم 68:8

قوله تعالى: ﴿[نۤ] وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ﴾ الآيات. قال ابن عباس: "ن هو الحوت. قال: أول ما خلق الله جل ذكره القلم فجرى بما هو كائن، ثم رفع بخار الماء فخلقت منه السماوات، ثم خلق الحوت، فبسط الأرض على ظهر النون، فتحركت النون فمادت الأرض فأثبتت بالجبال، وإن الجبال لتفخر على الأرض. وهو قول مجاهد. وقال أبو هريرة: الأرضون على نون، ونون على الماء، والماء على الصخرة، والصخرة لها أربعة أركان، على كل ركن منها ملك قائم في الماء. وعن ابن عباس أيضاً من رواية عكرمة عنه: ""ن" حرف من حروف الرحمن. وروى معاوية بن قرة عن أبيه رفعه الى النبي ﷺ أن نون لوح من نور". وروى ثابت البناني عن ابن عباس أيضاً أن نون: الدواة والقلم: هو القلم المعروف. قال: خلق الله النون - وهي الدواة - وخلق القلم فقال: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل معمول بر أو فجور، ورزق مقسوم حلال أو حرام، قال: ثم ألزم كل شيء من ذلك شأنه دخوله في الدنيا ومقامه فيها كم، وخروجه منها كيف، ثم جعل على العباد حفظة، وجعل للكتاب خزانا، والحفظة ينسخون كل يوم من الخزان عمل ذلك اليوم. يريد: قبل أن يعمله العبد، [فيعمل العبد] في ذلك اليوم على ما [نسخته] الحفظة من عند الخزان لا يزيد ولا ينقص. هذا التفسير ليس من كلام ابن عباس، وهو معنى قوله "وقد تقدم نحوه في "الجاثية". قال ابن عباس: فإذا فني الرزق وانقطع الأمر [وانقضى] الأجل، أتت الحفظة الخزنة فيطلبون عمل ذلك اليوم، فتقول لهم الخزنة: ما نجد لصاحبكم عندنا شيئاً، فيرجع الحفظة فيجدونه قد مات. ثم قال ابن عباس: ألستم قوماً عرباً تستمعون الحفظة؟! يقولون: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩]. وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل؟!. وروى معمر عن الحسن وقتادة أن نون هو الدواة. وروى ابن جبير عن قتادة أن ﴿[نۤ] وَٱلْقَلَمِ﴾: قسم، (قال): يقسم ربنا بما شاء، وهو قول ابن زيد. وقيل: هو اسم من أسماء السورة. وقيل: هو تنبيه. وقيل: التقدير: ورب نون. والقلم هو المعروف، لكن أقسم ربنا بالقلم الذي جرى بأمره [بما] هو كائن إلى يوم القيامة. وقال زياد بن الصلق لابنه لما حضرته الوفاة: أي بني، اتق الله، واعلم أنك لم تتق الله ولم تبلغ العلم حتى تؤمن بالله وحده، والقدر خيره وشره [حلوه ومره]، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ عز وجل: القَلَمُ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، فقال: وما أكتب يا رب؟ قال: اكْتُب الْقَدَرَ. قال: فَجَرى القلمُ في تلك الساعة بما كان (وبما هو [كائن]) إلى الأبد وروى ابن جبير عن ابن عباس أنه قال: إن مما خلق الله لوحاً من لؤلؤة [أو درة] بيضاء دَفَّتاه من [ياقوته] حمراء، قلمه وكتابه نور ينظر فيه ستين وثلاث مائة نظرة، في كل نظرة منها يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء. * * وقوله: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾. معناه: والذي يخطون، يعني: يكتبون، كأنه تعالى أقسم بأفعال الخلق هذا على أن تكون "ما" بمعنى "الذي"، فإن جعلتها والفعل مصدراً كان القسم بالكتاب. وقال قتادة: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾: يخطون. وقال ابن عباس: يكتبون، وكذلك قال مجاهد. وقيل المعنى: وما تكتب الحفظة من أعمال بني آدم. وروى أحمد بن صالح عن ورش: [يصطرون] بالصاد لأجل [الطاء]، والأصل (السين). * * - ثم قال تعالى: ﴿مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾. "ما" جواب القسم. وهي نفي للجنون عن النبي ﷺ، لأن المشركين ر(موه) بالجنون مرة، وبالسحر مرة، وبالكهانة (مرة). والجنون ستر العقل. ومنه قيل: جن عليه الليل وأجنه إذا ستره. ومنه: الجنين، لأنه كان مستوراً في البطن، ومنه قيل للقبر: جَنَنْ. ومنه سمي الجن جناً لاستتارهم عن أعين الناس. وسمع من العرب على غير قياس: أجن فهو مجنون. والقياس: مجن. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾. أي: إن لك، يا محمد، على صبرك على أذاهم لك لَثَوَاباً عظيماً ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾، أي: غير منقوص ولا مقطوع، ومنه قيل حبل منين، أي: ضعيف. وقيل: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي: لا يمن به عليك. وقال مجاهد: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي: غير محسوب. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. أي: لعلى أدب عظيم. وذلك أدب القرآن الذي أدبه الله (به)، وهو الإسلام وشرائعه. وقال ابن عباس: ﴿لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، أي: لعلى دين عظيم، وهو الإسلام. قال قتادة: سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله، فقالت: كان خلقه القرآن. وقال علي رضي الله عنه: ﴿خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾: أدب القرآن. وعن النبي ﷺ أنه قال: "أكملُ الناسِ إيماناً أحسنُهم خلقاً"، تأوله قوم: أحسنهم ديناً وطريقة على ما تأول ابن عباس الآية. وقيل: الخلق العظيم هو ما كان من البشاشة والسعي في قضاء حوائج الناس وإكرامهم والرفق بهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ ﴿بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ﴾. [أي: فسترى يا محمد ويرى المشركون بأيكم المجنون، وهذا تأويل مجاهد. وقيل: المعنى: "بأيكم الجنون]، فيكون المفعول وقع [موقع] المصدر، كما يقال: ما له معقول، أي: عقل وهو قول ابن عباس والضحاك. وقيل الباء زائدة، والمعنى: [فسترى] ويرون أيكم المجنون. وقيل: المعنى: بأيكم فتنة المفتون، قاله المبرد. وقال مجاهد: ﴿بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ﴾ أي: الشيطان. وقيل: المعنى: أيكم أولى بالشيطان، فالباء (أيضاً زائدة على هذا القول. روي ذلك عن قتادة. وقيل: الباء بمعنى "في"، والتقدير: في أيكم فتن المفتون). وقال المازني: التمام: فستبصر ويبصرون، وهذا على زيادة الباء، والتقدير: فستبصر ويبصرون يوم القيامة، ثم ابتدأ: أيكم المفتون. وقال الأخفش: المفتون بمعنى الفتنة. والتقدير: بأيكم الفتنة، وهذا التمام [عنده]. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾ أي: إن ربك يا محمد هو أعلم بمن جار عن طريق الحق، وهو أعلم بمن اهتدى، فاتبع الحق. وهذا من معاريض الكلام، والمعنى: إن ربك يا محمد هو أعلم بك وأنك المهتدي، وأن قومك هم الضالون. وهو مثل قوله: ﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ أي ود المشركون لو تكفر بالله فيتمادون على كفرهم، قاله ابن عباس والضحاك وسفيان. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "وَدّ المشركون لو ترخص لهم فيرخصون". وقال مجاهد: معناه: ود المشركون لو تركن إلى آلهتهم وتترك ما أنت عليه من الحق (فيمالئوك). قال الفراء: الادهان: التليين [لمن لا ينبغي التليين] له. فالتقدير: وَدّ المشركون لو تلين لهم في دينك بإجابتك إياهم إلى الركون إلى آلهتهم فيلينون لك في عبادة إلهك، وهو قوله: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٤]، وهو مأخوذ من الدهن، شبَّه التليين في القول بتليين الدهن. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ﴾. (أي: لا تطع يا محمد كل ذي إكثار للحلف بالباطل ﴿مَّهِينٍ﴾: أي: ضعيف. قاله الحسن. وقال ابن عباس: المهين: الكذاب. وقال مجاهد: الضعيف القلب. وقال قتادة: هو المكثار في الشر. وقيل: معناه: مهين عند الله وعند المؤمنين أي: حقير. وقيل: مهين بمعنى: مهان، و "فعيل" يأتي بمعنى "مُفعَل". وروي أنها نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي، ثم هي في كل من كان مثله. * * - ثم قال تعالى: ﴿هَمَّازٍ﴾. أي: يهمز الناس - وأصله الغمز - أي: يعيبهم. وقال ابن زيد: هو الذي [يغمز] الناس بيده [ويضربهم] وليس باللسان. واللماز: الذي يذكرهم من ورائهم. (وقيل: هما جميعاً [لمن] يذكر الناس من ورائهم). قال قتادة: ﴿هَمَّازٍ﴾ (أي) "يأكل لحوم المسلمين". قال أبو عبيدة: "بعد ذلك" أي: مع ذلك. وقال: والزنيم (هو) المعلق بالقوم [وليس] منهم. وعن ابن عباس أيضاً أن الزنيم: [الظَّلُوم]. وقال شهر بن حوشب: "هو [الجِلْفُ] الجافي الأكول الشروب من [الحرام]. وقال عكرمة: "الزنيم: الذي يعرف باللوم كما تعرف الشاة بزنمتها. وقال أبو رزين: هو الفاجر. وقيل: نَزَلَتْ في الوليد بن المغيرة. وسئل ابن عباس عن الزنيم، فقال هو "[الدعي]". واشتقاقه: الزنمة التي في حلق الشاة. كما يقال لمن يدخل في قوم وليس. منهم: زِعْنَفَة. والزِّعْنِفَة: الجناحُ من أجنحة [السَّمَكِ]. ذكره المبرد بفتح [الزاي]، وذكره غَيْرَهُ بالكسر. وعن ابن عباس أيضاً أن الزنيم هو رجل من قريش كانت له زنمة مثل زنمة الشاة. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ ما عرفناه حتى قال ﴿زَنِيمٍ﴾ فعرفناه، وكانت له زنمتان [كزنمتي] الشاة. وروى عنه ابن جبير أن الزنيم الذي يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها، وهو قول الشعبي. العتل: الجافي الشديد في كفره. وكل قوي شديد [جاف] فالعرب تسميه عتلا. وقال الفراء: العتل هنا: الشديد الخصومة بالباطل. قال الشعبي: نزلت في [الأخنس بن شريق]. وقال مجاهد: نزلت في الأسود بن عبد يغوث أو عبد الرحمن بن الأسود. * * - ثم قال تعالى: ﴿مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ﴾. أي: يسعى بالنمائم بين الناس. قال ابن عباس: "بنميم: ينقل الكذب. يقال: نميم ونميمة". وقال قتادة: بنميم: "بنقل الأحاديث من بعض الناس إلى بعض". وقال النبي ﷺ: "لا يدخل الجنة قتات"، وهو النمام.

القلم 68:9

قوله تعالى: ﴿[نۤ] وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ﴾ الآيات. قال ابن عباس: "ن هو الحوت. قال: أول ما خلق الله جل ذكره القلم فجرى بما هو كائن، ثم رفع بخار الماء فخلقت منه السماوات، ثم خلق الحوت، فبسط الأرض على ظهر النون، فتحركت النون فمادت الأرض فأثبتت بالجبال، وإن الجبال لتفخر على الأرض. وهو قول مجاهد. وقال أبو هريرة: الأرضون على نون، ونون على الماء، والماء على الصخرة، والصخرة لها أربعة أركان، على كل ركن منها ملك قائم في الماء. وعن ابن عباس أيضاً من رواية عكرمة عنه: ""ن" حرف من حروف الرحمن. وروى معاوية بن قرة عن أبيه رفعه الى النبي ﷺ أن نون لوح من نور". وروى ثابت البناني عن ابن عباس أيضاً أن نون: الدواة والقلم: هو القلم المعروف. قال: خلق الله النون - وهي الدواة - وخلق القلم فقال: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل معمول بر أو فجور، ورزق مقسوم حلال أو حرام، قال: ثم ألزم كل شيء من ذلك شأنه دخوله في الدنيا ومقامه فيها كم، وخروجه منها كيف، ثم جعل على العباد حفظة، وجعل للكتاب خزانا، والحفظة ينسخون كل يوم من الخزان عمل ذلك اليوم. يريد: قبل أن يعمله العبد، [فيعمل العبد] في ذلك اليوم على ما [نسخته] الحفظة من عند الخزان لا يزيد ولا ينقص. هذا التفسير ليس من كلام ابن عباس، وهو معنى قوله "وقد تقدم نحوه في "الجاثية". قال ابن عباس: فإذا فني الرزق وانقطع الأمر [وانقضى] الأجل، أتت الحفظة الخزنة فيطلبون عمل ذلك اليوم، فتقول لهم الخزنة: ما نجد لصاحبكم عندنا شيئاً، فيرجع الحفظة فيجدونه قد مات. ثم قال ابن عباس: ألستم قوماً عرباً تستمعون الحفظة؟! يقولون: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩]. وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل؟!. وروى معمر عن الحسن وقتادة أن نون هو الدواة. وروى ابن جبير عن قتادة أن ﴿[نۤ] وَٱلْقَلَمِ﴾: قسم، (قال): يقسم ربنا بما شاء، وهو قول ابن زيد. وقيل: هو اسم من أسماء السورة. وقيل: هو تنبيه. وقيل: التقدير: ورب نون. والقلم هو المعروف، لكن أقسم ربنا بالقلم الذي جرى بأمره [بما] هو كائن إلى يوم القيامة. وقال زياد بن الصلق لابنه لما حضرته الوفاة: أي بني، اتق الله، واعلم أنك لم تتق الله ولم تبلغ العلم حتى تؤمن بالله وحده، والقدر خيره وشره [حلوه ومره]، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ عز وجل: القَلَمُ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، فقال: وما أكتب يا رب؟ قال: اكْتُب الْقَدَرَ. قال: فَجَرى القلمُ في تلك الساعة بما كان (وبما هو [كائن]) إلى الأبد وروى ابن جبير عن ابن عباس أنه قال: إن مما خلق الله لوحاً من لؤلؤة [أو درة] بيضاء دَفَّتاه من [ياقوته] حمراء، قلمه وكتابه نور ينظر فيه ستين وثلاث مائة نظرة، في كل نظرة منها يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء. * * وقوله: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾. معناه: والذي يخطون، يعني: يكتبون، كأنه تعالى أقسم بأفعال الخلق هذا على أن تكون "ما" بمعنى "الذي"، فإن جعلتها والفعل مصدراً كان القسم بالكتاب. وقال قتادة: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾: يخطون. وقال ابن عباس: يكتبون، وكذلك قال مجاهد. وقيل المعنى: وما تكتب الحفظة من أعمال بني آدم. وروى أحمد بن صالح عن ورش: [يصطرون] بالصاد لأجل [الطاء]، والأصل (السين). * * - ثم قال تعالى: ﴿مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾. "ما" جواب القسم. وهي نفي للجنون عن النبي ﷺ، لأن المشركين ر(موه) بالجنون مرة، وبالسحر مرة، وبالكهانة (مرة). والجنون ستر العقل. ومنه قيل: جن عليه الليل وأجنه إذا ستره. ومنه: الجنين، لأنه كان مستوراً في البطن، ومنه قيل للقبر: جَنَنْ. ومنه سمي الجن جناً لاستتارهم عن أعين الناس. وسمع من العرب على غير قياس: أجن فهو مجنون. والقياس: مجن. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾. أي: إن لك، يا محمد، على صبرك على أذاهم لك لَثَوَاباً عظيماً ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾، أي: غير منقوص ولا مقطوع، ومنه قيل حبل منين، أي: ضعيف. وقيل: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي: لا يمن به عليك. وقال مجاهد: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي: غير محسوب. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. أي: لعلى أدب عظيم. وذلك أدب القرآن الذي أدبه الله (به)، وهو الإسلام وشرائعه. وقال ابن عباس: ﴿لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، أي: لعلى دين عظيم، وهو الإسلام. قال قتادة: سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله، فقالت: كان خلقه القرآن. وقال علي رضي الله عنه: ﴿خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾: أدب القرآن. وعن النبي ﷺ أنه قال: "أكملُ الناسِ إيماناً أحسنُهم خلقاً"، تأوله قوم: أحسنهم ديناً وطريقة على ما تأول ابن عباس الآية. وقيل: الخلق العظيم هو ما كان من البشاشة والسعي في قضاء حوائج الناس وإكرامهم والرفق بهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ ﴿بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ﴾. [أي: فسترى يا محمد ويرى المشركون بأيكم المجنون، وهذا تأويل مجاهد. وقيل: المعنى: "بأيكم الجنون]، فيكون المفعول وقع [موقع] المصدر، كما يقال: ما له معقول، أي: عقل وهو قول ابن عباس والضحاك. وقيل الباء زائدة، والمعنى: [فسترى] ويرون أيكم المجنون. وقيل: المعنى: بأيكم فتنة المفتون، قاله المبرد. وقال مجاهد: ﴿بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ﴾ أي: الشيطان. وقيل: المعنى: أيكم أولى بالشيطان، فالباء (أيضاً زائدة على هذا القول. روي ذلك عن قتادة. وقيل: الباء بمعنى "في"، والتقدير: في أيكم فتن المفتون). وقال المازني: التمام: فستبصر ويبصرون، وهذا على زيادة الباء، والتقدير: فستبصر ويبصرون يوم القيامة، ثم ابتدأ: أيكم المفتون. وقال الأخفش: المفتون بمعنى الفتنة. والتقدير: بأيكم الفتنة، وهذا التمام [عنده]. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾ أي: إن ربك يا محمد هو أعلم بمن جار عن طريق الحق، وهو أعلم بمن اهتدى، فاتبع الحق. وهذا من معاريض الكلام، والمعنى: إن ربك يا محمد هو أعلم بك وأنك المهتدي، وأن قومك هم الضالون. وهو مثل قوله: ﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ أي ود المشركون لو تكفر بالله فيتمادون على كفرهم، قاله ابن عباس والضحاك وسفيان. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "وَدّ المشركون لو ترخص لهم فيرخصون". وقال مجاهد: معناه: ود المشركون لو تركن إلى آلهتهم وتترك ما أنت عليه من الحق (فيمالئوك). قال الفراء: الادهان: التليين [لمن لا ينبغي التليين] له. فالتقدير: وَدّ المشركون لو تلين لهم في دينك بإجابتك إياهم إلى الركون إلى آلهتهم فيلينون لك في عبادة إلهك، وهو قوله: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٤]، وهو مأخوذ من الدهن، شبَّه التليين في القول بتليين الدهن. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ﴾. (أي: لا تطع يا محمد كل ذي إكثار للحلف بالباطل ﴿مَّهِينٍ﴾: أي: ضعيف. قاله الحسن. وقال ابن عباس: المهين: الكذاب. وقال مجاهد: الضعيف القلب. وقال قتادة: هو المكثار في الشر. وقيل: معناه: مهين عند الله وعند المؤمنين أي: حقير. وقيل: مهين بمعنى: مهان، و "فعيل" يأتي بمعنى "مُفعَل". وروي أنها نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي، ثم هي في كل من كان مثله. * * - ثم قال تعالى: ﴿هَمَّازٍ﴾. أي: يهمز الناس - وأصله الغمز - أي: يعيبهم. وقال ابن زيد: هو الذي [يغمز] الناس بيده [ويضربهم] وليس باللسان. واللماز: الذي يذكرهم من ورائهم. (وقيل: هما جميعاً [لمن] يذكر الناس من ورائهم). قال قتادة: ﴿هَمَّازٍ﴾ (أي) "يأكل لحوم المسلمين". قال أبو عبيدة: "بعد ذلك" أي: مع ذلك. وقال: والزنيم (هو) المعلق بالقوم [وليس] منهم. وعن ابن عباس أيضاً أن الزنيم: [الظَّلُوم]. وقال شهر بن حوشب: "هو [الجِلْفُ] الجافي الأكول الشروب من [الحرام]. وقال عكرمة: "الزنيم: الذي يعرف باللوم كما تعرف الشاة بزنمتها. وقال أبو رزين: هو الفاجر. وقيل: نَزَلَتْ في الوليد بن المغيرة. وسئل ابن عباس عن الزنيم، فقال هو "[الدعي]". واشتقاقه: الزنمة التي في حلق الشاة. كما يقال لمن يدخل في قوم وليس. منهم: زِعْنَفَة. والزِّعْنِفَة: الجناحُ من أجنحة [السَّمَكِ]. ذكره المبرد بفتح [الزاي]، وذكره غَيْرَهُ بالكسر. وعن ابن عباس أيضاً أن الزنيم هو رجل من قريش كانت له زنمة مثل زنمة الشاة. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ ما عرفناه حتى قال ﴿زَنِيمٍ﴾ فعرفناه، وكانت له زنمتان [كزنمتي] الشاة. وروى عنه ابن جبير أن الزنيم الذي يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها، وهو قول الشعبي. العتل: الجافي الشديد في كفره. وكل قوي شديد [جاف] فالعرب تسميه عتلا. وقال الفراء: العتل هنا: الشديد الخصومة بالباطل. قال الشعبي: نزلت في [الأخنس بن شريق]. وقال مجاهد: نزلت في الأسود بن عبد يغوث أو عبد الرحمن بن الأسود. * * - ثم قال تعالى: ﴿مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ﴾. أي: يسعى بالنمائم بين الناس. قال ابن عباس: "بنميم: ينقل الكذب. يقال: نميم ونميمة". وقال قتادة: بنميم: "بنقل الأحاديث من بعض الناس إلى بعض". وقال النبي ﷺ: "لا يدخل الجنة قتات"، وهو النمام.

القلم 68:10

قوله تعالى: ﴿[نۤ] وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ﴾ الآيات. قال ابن عباس: "ن هو الحوت. قال: أول ما خلق الله جل ذكره القلم فجرى بما هو كائن، ثم رفع بخار الماء فخلقت منه السماوات، ثم خلق الحوت، فبسط الأرض على ظهر النون، فتحركت النون فمادت الأرض فأثبتت بالجبال، وإن الجبال لتفخر على الأرض. وهو قول مجاهد. وقال أبو هريرة: الأرضون على نون، ونون على الماء، والماء على الصخرة، والصخرة لها أربعة أركان، على كل ركن منها ملك قائم في الماء. وعن ابن عباس أيضاً من رواية عكرمة عنه: ""ن" حرف من حروف الرحمن. وروى معاوية بن قرة عن أبيه رفعه الى النبي ﷺ أن نون لوح من نور". وروى ثابت البناني عن ابن عباس أيضاً أن نون: الدواة والقلم: هو القلم المعروف. قال: خلق الله النون - وهي الدواة - وخلق القلم فقال: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل معمول بر أو فجور، ورزق مقسوم حلال أو حرام، قال: ثم ألزم كل شيء من ذلك شأنه دخوله في الدنيا ومقامه فيها كم، وخروجه منها كيف، ثم جعل على العباد حفظة، وجعل للكتاب خزانا، والحفظة ينسخون كل يوم من الخزان عمل ذلك اليوم. يريد: قبل أن يعمله العبد، [فيعمل العبد] في ذلك اليوم على ما [نسخته] الحفظة من عند الخزان لا يزيد ولا ينقص. هذا التفسير ليس من كلام ابن عباس، وهو معنى قوله "وقد تقدم نحوه في "الجاثية". قال ابن عباس: فإذا فني الرزق وانقطع الأمر [وانقضى] الأجل، أتت الحفظة الخزنة فيطلبون عمل ذلك اليوم، فتقول لهم الخزنة: ما نجد لصاحبكم عندنا شيئاً، فيرجع الحفظة فيجدونه قد مات. ثم قال ابن عباس: ألستم قوماً عرباً تستمعون الحفظة؟! يقولون: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩]. وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل؟!. وروى معمر عن الحسن وقتادة أن نون هو الدواة. وروى ابن جبير عن قتادة أن ﴿[نۤ] وَٱلْقَلَمِ﴾: قسم، (قال): يقسم ربنا بما شاء، وهو قول ابن زيد. وقيل: هو اسم من أسماء السورة. وقيل: هو تنبيه. وقيل: التقدير: ورب نون. والقلم هو المعروف، لكن أقسم ربنا بالقلم الذي جرى بأمره [بما] هو كائن إلى يوم القيامة. وقال زياد بن الصلق لابنه لما حضرته الوفاة: أي بني، اتق الله، واعلم أنك لم تتق الله ولم تبلغ العلم حتى تؤمن بالله وحده، والقدر خيره وشره [حلوه ومره]، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ عز وجل: القَلَمُ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، فقال: وما أكتب يا رب؟ قال: اكْتُب الْقَدَرَ. قال: فَجَرى القلمُ في تلك الساعة بما كان (وبما هو [كائن]) إلى الأبد وروى ابن جبير عن ابن عباس أنه قال: إن مما خلق الله لوحاً من لؤلؤة [أو درة] بيضاء دَفَّتاه من [ياقوته] حمراء، قلمه وكتابه نور ينظر فيه ستين وثلاث مائة نظرة، في كل نظرة منها يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء. * * وقوله: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾. معناه: والذي يخطون، يعني: يكتبون، كأنه تعالى أقسم بأفعال الخلق هذا على أن تكون "ما" بمعنى "الذي"، فإن جعلتها والفعل مصدراً كان القسم بالكتاب. وقال قتادة: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾: يخطون. وقال ابن عباس: يكتبون، وكذلك قال مجاهد. وقيل المعنى: وما تكتب الحفظة من أعمال بني آدم. وروى أحمد بن صالح عن ورش: [يصطرون] بالصاد لأجل [الطاء]، والأصل (السين). * * - ثم قال تعالى: ﴿مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾. "ما" جواب القسم. وهي نفي للجنون عن النبي ﷺ، لأن المشركين ر(موه) بالجنون مرة، وبالسحر مرة، وبالكهانة (مرة). والجنون ستر العقل. ومنه قيل: جن عليه الليل وأجنه إذا ستره. ومنه: الجنين، لأنه كان مستوراً في البطن، ومنه قيل للقبر: جَنَنْ. ومنه سمي الجن جناً لاستتارهم عن أعين الناس. وسمع من العرب على غير قياس: أجن فهو مجنون. والقياس: مجن. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾. أي: إن لك، يا محمد، على صبرك على أذاهم لك لَثَوَاباً عظيماً ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾، أي: غير منقوص ولا مقطوع، ومنه قيل حبل منين، أي: ضعيف. وقيل: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي: لا يمن به عليك. وقال مجاهد: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي: غير محسوب. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. أي: لعلى أدب عظيم. وذلك أدب القرآن الذي أدبه الله (به)، وهو الإسلام وشرائعه. وقال ابن عباس: ﴿لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، أي: لعلى دين عظيم، وهو الإسلام. قال قتادة: سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله، فقالت: كان خلقه القرآن. وقال علي رضي الله عنه: ﴿خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾: أدب القرآن. وعن النبي ﷺ أنه قال: "أكملُ الناسِ إيماناً أحسنُهم خلقاً"، تأوله قوم: أحسنهم ديناً وطريقة على ما تأول ابن عباس الآية. وقيل: الخلق العظيم هو ما كان من البشاشة والسعي في قضاء حوائج الناس وإكرامهم والرفق بهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ ﴿بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ﴾. [أي: فسترى يا محمد ويرى المشركون بأيكم المجنون، وهذا تأويل مجاهد. وقيل: المعنى: "بأيكم الجنون]، فيكون المفعول وقع [موقع] المصدر، كما يقال: ما له معقول، أي: عقل وهو قول ابن عباس والضحاك. وقيل الباء زائدة، والمعنى: [فسترى] ويرون أيكم المجنون. وقيل: المعنى: بأيكم فتنة المفتون، قاله المبرد. وقال مجاهد: ﴿بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ﴾ أي: الشيطان. وقيل: المعنى: أيكم أولى بالشيطان، فالباء (أيضاً زائدة على هذا القول. روي ذلك عن قتادة. وقيل: الباء بمعنى "في"، والتقدير: في أيكم فتن المفتون). وقال المازني: التمام: فستبصر ويبصرون، وهذا على زيادة الباء، والتقدير: فستبصر ويبصرون يوم القيامة، ثم ابتدأ: أيكم المفتون. وقال الأخفش: المفتون بمعنى الفتنة. والتقدير: بأيكم الفتنة، وهذا التمام [عنده]. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾ أي: إن ربك يا محمد هو أعلم بمن جار عن طريق الحق، وهو أعلم بمن اهتدى، فاتبع الحق. وهذا من معاريض الكلام، والمعنى: إن ربك يا محمد هو أعلم بك وأنك المهتدي، وأن قومك هم الضالون. وهو مثل قوله: ﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ أي ود المشركون لو تكفر بالله فيتمادون على كفرهم، قاله ابن عباس والضحاك وسفيان. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "وَدّ المشركون لو ترخص لهم فيرخصون". وقال مجاهد: معناه: ود المشركون لو تركن إلى آلهتهم وتترك ما أنت عليه من الحق (فيمالئوك). قال الفراء: الادهان: التليين [لمن لا ينبغي التليين] له. فالتقدير: وَدّ المشركون لو تلين لهم في دينك بإجابتك إياهم إلى الركون إلى آلهتهم فيلينون لك في عبادة إلهك، وهو قوله: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٤]، وهو مأخوذ من الدهن، شبَّه التليين في القول بتليين الدهن. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ﴾. (أي: لا تطع يا محمد كل ذي إكثار للحلف بالباطل ﴿مَّهِينٍ﴾: أي: ضعيف. قاله الحسن. وقال ابن عباس: المهين: الكذاب. وقال مجاهد: الضعيف القلب. وقال قتادة: هو المكثار في الشر. وقيل: معناه: مهين عند الله وعند المؤمنين أي: حقير. وقيل: مهين بمعنى: مهان، و "فعيل" يأتي بمعنى "مُفعَل". وروي أنها نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي، ثم هي في كل من كان مثله. * * - ثم قال تعالى: ﴿هَمَّازٍ﴾. أي: يهمز الناس - وأصله الغمز - أي: يعيبهم. وقال ابن زيد: هو الذي [يغمز] الناس بيده [ويضربهم] وليس باللسان. واللماز: الذي يذكرهم من ورائهم. (وقيل: هما جميعاً [لمن] يذكر الناس من ورائهم). قال قتادة: ﴿هَمَّازٍ﴾ (أي) "يأكل لحوم المسلمين". قال أبو عبيدة: "بعد ذلك" أي: مع ذلك. وقال: والزنيم (هو) المعلق بالقوم [وليس] منهم. وعن ابن عباس أيضاً أن الزنيم: [الظَّلُوم]. وقال شهر بن حوشب: "هو [الجِلْفُ] الجافي الأكول الشروب من [الحرام]. وقال عكرمة: "الزنيم: الذي يعرف باللوم كما تعرف الشاة بزنمتها. وقال أبو رزين: هو الفاجر. وقيل: نَزَلَتْ في الوليد بن المغيرة. وسئل ابن عباس عن الزنيم، فقال هو "[الدعي]". واشتقاقه: الزنمة التي في حلق الشاة. كما يقال لمن يدخل في قوم وليس. منهم: زِعْنَفَة. والزِّعْنِفَة: الجناحُ من أجنحة [السَّمَكِ]. ذكره المبرد بفتح [الزاي]، وذكره غَيْرَهُ بالكسر. وعن ابن عباس أيضاً أن الزنيم هو رجل من قريش كانت له زنمة مثل زنمة الشاة. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ ما عرفناه حتى قال ﴿زَنِيمٍ﴾ فعرفناه، وكانت له زنمتان [كزنمتي] الشاة. وروى عنه ابن جبير أن الزنيم الذي يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها، وهو قول الشعبي. العتل: الجافي الشديد في كفره. وكل قوي شديد [جاف] فالعرب تسميه عتلا. وقال الفراء: العتل هنا: الشديد الخصومة بالباطل. قال الشعبي: نزلت في [الأخنس بن شريق]. وقال مجاهد: نزلت في الأسود بن عبد يغوث أو عبد الرحمن بن الأسود. * * - ثم قال تعالى: ﴿مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ﴾. أي: يسعى بالنمائم بين الناس. قال ابن عباس: "بنميم: ينقل الكذب. يقال: نميم ونميمة". وقال قتادة: بنميم: "بنقل الأحاديث من بعض الناس إلى بعض". وقال النبي ﷺ: "لا يدخل الجنة قتات"، وهو النمام.

القلم 68:11

قوله تعالى: ﴿[نۤ] وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ﴾ الآيات. قال ابن عباس: "ن هو الحوت. قال: أول ما خلق الله جل ذكره القلم فجرى بما هو كائن، ثم رفع بخار الماء فخلقت منه السماوات، ثم خلق الحوت، فبسط الأرض على ظهر النون، فتحركت النون فمادت الأرض فأثبتت بالجبال، وإن الجبال لتفخر على الأرض. وهو قول مجاهد. وقال أبو هريرة: الأرضون على نون، ونون على الماء، والماء على الصخرة، والصخرة لها أربعة أركان، على كل ركن منها ملك قائم في الماء. وعن ابن عباس أيضاً من رواية عكرمة عنه: ""ن" حرف من حروف الرحمن. وروى معاوية بن قرة عن أبيه رفعه الى النبي ﷺ أن نون لوح من نور". وروى ثابت البناني عن ابن عباس أيضاً أن نون: الدواة والقلم: هو القلم المعروف. قال: خلق الله النون - وهي الدواة - وخلق القلم فقال: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل معمول بر أو فجور، ورزق مقسوم حلال أو حرام، قال: ثم ألزم كل شيء من ذلك شأنه دخوله في الدنيا ومقامه فيها كم، وخروجه منها كيف، ثم جعل على العباد حفظة، وجعل للكتاب خزانا، والحفظة ينسخون كل يوم من الخزان عمل ذلك اليوم. يريد: قبل أن يعمله العبد، [فيعمل العبد] في ذلك اليوم على ما [نسخته] الحفظة من عند الخزان لا يزيد ولا ينقص. هذا التفسير ليس من كلام ابن عباس، وهو معنى قوله "وقد تقدم نحوه في "الجاثية". قال ابن عباس: فإذا فني الرزق وانقطع الأمر [وانقضى] الأجل، أتت الحفظة الخزنة فيطلبون عمل ذلك اليوم، فتقول لهم الخزنة: ما نجد لصاحبكم عندنا شيئاً، فيرجع الحفظة فيجدونه قد مات. ثم قال ابن عباس: ألستم قوماً عرباً تستمعون الحفظة؟! يقولون: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩]. وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل؟!. وروى معمر عن الحسن وقتادة أن نون هو الدواة. وروى ابن جبير عن قتادة أن ﴿[نۤ] وَٱلْقَلَمِ﴾: قسم، (قال): يقسم ربنا بما شاء، وهو قول ابن زيد. وقيل: هو اسم من أسماء السورة. وقيل: هو تنبيه. وقيل: التقدير: ورب نون. والقلم هو المعروف، لكن أقسم ربنا بالقلم الذي جرى بأمره [بما] هو كائن إلى يوم القيامة. وقال زياد بن الصلق لابنه لما حضرته الوفاة: أي بني، اتق الله، واعلم أنك لم تتق الله ولم تبلغ العلم حتى تؤمن بالله وحده، والقدر خيره وشره [حلوه ومره]، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ عز وجل: القَلَمُ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، فقال: وما أكتب يا رب؟ قال: اكْتُب الْقَدَرَ. قال: فَجَرى القلمُ في تلك الساعة بما كان (وبما هو [كائن]) إلى الأبد وروى ابن جبير عن ابن عباس أنه قال: إن مما خلق الله لوحاً من لؤلؤة [أو درة] بيضاء دَفَّتاه من [ياقوته] حمراء، قلمه وكتابه نور ينظر فيه ستين وثلاث مائة نظرة، في كل نظرة منها يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء. * * وقوله: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾. معناه: والذي يخطون، يعني: يكتبون، كأنه تعالى أقسم بأفعال الخلق هذا على أن تكون "ما" بمعنى "الذي"، فإن جعلتها والفعل مصدراً كان القسم بالكتاب. وقال قتادة: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾: يخطون. وقال ابن عباس: يكتبون، وكذلك قال مجاهد. وقيل المعنى: وما تكتب الحفظة من أعمال بني آدم. وروى أحمد بن صالح عن ورش: [يصطرون] بالصاد لأجل [الطاء]، والأصل (السين). * * - ثم قال تعالى: ﴿مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾. "ما" جواب القسم. وهي نفي للجنون عن النبي ﷺ، لأن المشركين ر(موه) بالجنون مرة، وبالسحر مرة، وبالكهانة (مرة). والجنون ستر العقل. ومنه قيل: جن عليه الليل وأجنه إذا ستره. ومنه: الجنين، لأنه كان مستوراً في البطن، ومنه قيل للقبر: جَنَنْ. ومنه سمي الجن جناً لاستتارهم عن أعين الناس. وسمع من العرب على غير قياس: أجن فهو مجنون. والقياس: مجن. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾. أي: إن لك، يا محمد، على صبرك على أذاهم لك لَثَوَاباً عظيماً ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾، أي: غير منقوص ولا مقطوع، ومنه قيل حبل منين، أي: ضعيف. وقيل: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي: لا يمن به عليك. وقال مجاهد: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي: غير محسوب. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. أي: لعلى أدب عظيم. وذلك أدب القرآن الذي أدبه الله (به)، وهو الإسلام وشرائعه. وقال ابن عباس: ﴿لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، أي: لعلى دين عظيم، وهو الإسلام. قال قتادة: سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله، فقالت: كان خلقه القرآن. وقال علي رضي الله عنه: ﴿خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾: أدب القرآن. وعن النبي ﷺ أنه قال: "أكملُ الناسِ إيماناً أحسنُهم خلقاً"، تأوله قوم: أحسنهم ديناً وطريقة على ما تأول ابن عباس الآية. وقيل: الخلق العظيم هو ما كان من البشاشة والسعي في قضاء حوائج الناس وإكرامهم والرفق بهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ ﴿بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ﴾. [أي: فسترى يا محمد ويرى المشركون بأيكم المجنون، وهذا تأويل مجاهد. وقيل: المعنى: "بأيكم الجنون]، فيكون المفعول وقع [موقع] المصدر، كما يقال: ما له معقول، أي: عقل وهو قول ابن عباس والضحاك. وقيل الباء زائدة، والمعنى: [فسترى] ويرون أيكم المجنون. وقيل: المعنى: بأيكم فتنة المفتون، قاله المبرد. وقال مجاهد: ﴿بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ﴾ أي: الشيطان. وقيل: المعنى: أيكم أولى بالشيطان، فالباء (أيضاً زائدة على هذا القول. روي ذلك عن قتادة. وقيل: الباء بمعنى "في"، والتقدير: في أيكم فتن المفتون). وقال المازني: التمام: فستبصر ويبصرون، وهذا على زيادة الباء، والتقدير: فستبصر ويبصرون يوم القيامة، ثم ابتدأ: أيكم المفتون. وقال الأخفش: المفتون بمعنى الفتنة. والتقدير: بأيكم الفتنة، وهذا التمام [عنده]. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾ أي: إن ربك يا محمد هو أعلم بمن جار عن طريق الحق، وهو أعلم بمن اهتدى، فاتبع الحق. وهذا من معاريض الكلام، والمعنى: إن ربك يا محمد هو أعلم بك وأنك المهتدي، وأن قومك هم الضالون. وهو مثل قوله: ﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ أي ود المشركون لو تكفر بالله فيتمادون على كفرهم، قاله ابن عباس والضحاك وسفيان. وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: "وَدّ المشركون لو ترخص لهم فيرخصون". وقال مجاهد: معناه: ود المشركون لو تركن إلى آلهتهم وتترك ما أنت عليه من الحق (فيمالئوك). قال الفراء: الادهان: التليين [لمن لا ينبغي التليين] له. فالتقدير: وَدّ المشركون لو تلين لهم في دينك بإجابتك إياهم إلى الركون إلى آلهتهم فيلينون لك في عبادة إلهك، وهو قوله: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٤]، وهو مأخوذ من الدهن، شبَّه التليين في القول بتليين الدهن. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ﴾. (أي: لا تطع يا محمد كل ذي إكثار للحلف بالباطل ﴿مَّهِينٍ﴾: أي: ضعيف. قاله الحسن. وقال ابن عباس: المهين: الكذاب. وقال مجاهد: الضعيف القلب. وقال قتادة: هو المكثار في الشر. وقيل: معناه: مهين عند الله وعند المؤمنين أي: حقير. وقيل: مهين بمعنى: مهان، و "فعيل" يأتي بمعنى "مُفعَل". وروي أنها نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي، ثم هي في كل من كان مثله. * * - ثم قال تعالى: ﴿هَمَّازٍ﴾. أي: يهمز الناس - وأصله الغمز - أي: يعيبهم. وقال ابن زيد: هو الذي [يغمز] الناس بيده [ويضربهم] وليس باللسان. واللماز: الذي يذكرهم من ورائهم. (وقيل: هما جميعاً [لمن] يذكر الناس من ورائهم). قال قتادة: ﴿هَمَّازٍ﴾ (أي) "يأكل لحوم المسلمين". قال أبو عبيدة: "بعد ذلك" أي: مع ذلك. وقال: والزنيم (هو) المعلق بالقوم [وليس] منهم. وعن ابن عباس أيضاً أن الزنيم: [الظَّلُوم]. وقال شهر بن حوشب: "هو [الجِلْفُ] الجافي الأكول الشروب من [الحرام]. وقال عكرمة: "الزنيم: الذي يعرف باللوم كما تعرف الشاة بزنمتها. وقال أبو رزين: هو الفاجر. وقيل: نَزَلَتْ في الوليد بن المغيرة. وسئل ابن عباس عن الزنيم، فقال هو "[الدعي]". واشتقاقه: الزنمة التي في حلق الشاة. كما يقال لمن يدخل في قوم وليس. منهم: زِعْنَفَة. والزِّعْنِفَة: الجناحُ من أجنحة [السَّمَكِ]. ذكره المبرد بفتح [الزاي]، وذكره غَيْرَهُ بالكسر. وعن ابن عباس أيضاً أن الزنيم هو رجل من قريش كانت له زنمة مثل زنمة الشاة. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ ما عرفناه حتى قال ﴿زَنِيمٍ﴾ فعرفناه، وكانت له زنمتان [كزنمتي] الشاة. وروى عنه ابن جبير أن الزنيم الذي يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها، وهو قول الشعبي. العتل: الجافي الشديد في كفره. وكل قوي شديد [جاف] فالعرب تسميه عتلا. وقال الفراء: العتل هنا: الشديد الخصومة بالباطل. قال الشعبي: نزلت في [الأخنس بن شريق]. وقال مجاهد: نزلت في الأسود بن عبد يغوث أو عبد الرحمن بن الأسود. * * - ثم قال تعالى: ﴿مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ﴾. أي: يسعى بالنمائم بين الناس. قال ابن عباس: "بنميم: ينقل الكذب. يقال: نميم ونميمة". وقال قتادة: بنميم: "بنقل الأحاديث من بعض الناس إلى بعض". وقال النبي ﷺ: "لا يدخل الجنة قتات"، وهو النمام.

القلم 68:12

قوله تعالى: ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. أي: [بخيل] بالمال عن إخراجه في الحقوق، معتد على الناس في معاملته إياهم ﴿أَثِيمٍ﴾: مأثوم في أعماله لمخالفته أمرَ رَبِّه. وقيل: ﴿أَثِيمٍ﴾: ذي إثم. - قال تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ﴾. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾. أي: (أَلأَِنْ) كان صاحب مال وبنين تطيعه على وجه التوبيخ لمن أطاعه، ثم أخبر عنه أنه يقول: إذا قرئت عليه آيات الله -: هي أساطير الأولين استهزاءً أو إنكاراً لها أن تكون من عند الله. "فَأَنْ" مفعول من أجله متعلقة بما بعدها أي: من أجل أنه ذو مال وبنين يقول:- ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾. ويجوز أن (تكون) أن "في موضع نصب متعلقة بقوله": ﴿مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ﴾ ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾، (أي): يفعل ذلك لأنْ كان ذا مال وبنين، فهي أيضاً مفعول من أجله. هذا على قراءة من قرأ: "أن كان" بغير استفهام، ومن قرأه بالاستفهام فهو إنكار وتوبيخ "لمن يطيعه أيضاً، والمعنى: أَلأَِنْ كان هذا الحلاّف المهين (الهماز) المشاء بنميم القناع للخير، [المعتدي] الأثيم ذا مال وبنين، تطيعه؟! ويحتمل أن يكون توبيخاً وتقريعاً لهذا الحلاف المهين. والمعنى: أَلأَِنْ كان هذا الحلاف ذا مال وبنين يقول - إذا تتلى عليه آياتنا -: هي أساطير الأولين: فيحسن الابتداء بالاستفهام على هذا الوجه، ولا يحسن الابتداء: "بأن كان ذا مال" في الوجهين الأولين؛ لأنه متعلق بالمخاطب. * * ومعنى ﴿أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾: أي: كتبهم وأخبارهم وهو جمع أسطورة. * * - ثم قال تعالى: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ * إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ﴾ قال ابن عباس: معناه: سنخطمه بالسيف فنجعل ذلك فيه سمة، أي: علامة، قال: وقد قاتل الذي نزلت فيه هذه الآية يوم بدر فخُطِم بالسيف في القتال. وقال قتادة: هو شين لا يفارقه. وروي عنه: شين على أنفه. قال المبرد: الخرطوم من الإنسان الأنف. ومن السباع موضع الشفة. والمعنى عنده: سَنَسِمُه على أنفه يوم القيامة بما يشوه خلفه وَيَعْرِفهُ بِهِ من شَهِدَه في القيامة أنه من أهل النار. وقيل: معناه: سنعلق به عاراً وسبة حتى يكون (بمنزلة من وسم على أنفه). وقيل: المعنى: سَنُسَوّد وجهه، فاستعير الأنف في موضع الوجه لأنه منه. وقيل: الخرطوم هنا: الخمر. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلاَ يَسْتَثْنُونَ﴾. أي: إنا بلونا قريشاً، أي: امتحناهم كما امتحنا أصحاب الجنة، إذ حلفوا ليصرمن ثمرها إذا أصبحوا ولا يقولون: إن شاء الله. قال عكرمة: هم أناس من الحبشة، كانت لأبيهم جنة، وكان يطعم المساكين (منها، فلما مات أبوهم قال بنوه: والله ما كان أبونا إلا أحمق حين يطعم المساكين)، فأقسموا لَيَصْرِمُنَّها مصبحين ولا يطعمون مسكيناً. قال قتادة: كان أََبُوهُم يتصدق، وكان بنوه ينهونه عن الصدقة وكان يمسك قوت سنة، وينفق ويتصدق بالفضل، فلما مات أبوهم، غدوا عليها وقالوا: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. [وقال] ابن عباس: كانوا (أهل) كتاب. والصَّرْم في اللغة: القطع، وهو الجَذَاذ. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾. أي: فطرق جنتهم ليلاً أمر من الله فأصبحت الجنة كالليل المظلم. قاله ابن عباس. وروي أن الله أرسل عليها ناراً فأحرقت الزرع. وقيل: الصريم أرض باليمن يقال [لها] [ضروان] من صنعاء، على ستة أميال. وقيل: (كالصريم) كالزرع الذي حُصِد. ويقال: لِلَّيْلِ صَرِيمٌ، وللنهار صريم، لأن كل واحد ينصرم عن الآخر. * * - ثم قال: ﴿فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ * أَنِ ٱغْدُواْ عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ﴾. (أي): فنادى بعضهم بعضاً بعد الصباح أن اغدوا لحصاد زرعكم إن كنتم حاصدين له. * * ﴿فَٱنطَلَقُواْ وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾. أي: فمضوا إلى حرثهم وهم يَتَسَارُّون بينهم في الخفاء، يقول بعضهم لبعض: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾. أي: وغدوا إلى جنتهم على قدرة في أنفسهم [وَجِدٍ]. قاله مجاهد. قال قتادة: غدا القوم وهم محردون إلى جنتهم قادرين عليها في أنفسهم. قال ابن زيد: "على جد قادرين في أنفسهم". وقيل: المعنى: ﴿وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [على] أمر أسَّسوه بينهم. وقال الحسن: ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ أي: على حاجة وفاقة. وقال سفيان ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ﴾ "على حَنَقٍ". وقال أبو عبيدة: ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ﴾: على منع. وقيل "على قصد". ومعنى "قادرين" عند الفراء: أي: قد قدَّروا هذا [وبنوا] عليه. وقيل: قادرين عند أنفسهم على ما دبروا من حصادها ومنع المساكين منها. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوۤاْ إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾. (أي): فلما رأوا جنتهم محترقاً حرثها أنكروها وظنوا أنهم غلطوا، فقال بعضهم لبعض: إنا لضالون الطريق إلى جنتنا، فقال من علم أنها جنتهم: بل نحن أيها القوم محرومون. قال قتادة: ﴿إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾ قد أخطأنا الطريق، ما هذه جنتنا، فقال بعضهم ممن عرفها: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: قد حرمنا نفعها. * * - ثم قال تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾. أي: قال لهم [أعدلهم] ألم أقل لكم، هلا تستثنون إذ قلتم لنصرمنها مصبحين، فتقولون إن شاء الله؟! قال مجاهد: لولا تسبحون، أي: تستثنون، وكان التسبيح فيهم الاستثناء. وأصل التسبيح في اللغة: التنزيه، فجعل قولهم "إن شاء الله" معناه تنزيه لله أن يكون شيء إلا بمشيئته. وظاهر [الآية] [يدل] على التسبيح بعينه، إذ بعده ﴿قَالُواْ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: (ظالمين) في منعنا المساكين أن يأخذوا ما يجب علينا. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ﴾. أي: فأقبل بعضهم يلوم بعضاً على تفريطهم في الاستثناء وإطعام المساكين. * * - ﴿قَالُواْ يٰوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾. قالوا: [تعال] يا ويل إلينا، فهذا وقت حضورك. وهذا شيء تقوله العرب عند الأمر العظيم: احضر يا ويل، فهذا من إبَّانك ووقتك. * * - ﴿إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾. أي معتدين مخالفين أمر الله. فندموا على ما فعلوا فأبدلهم الله خيراً منها. (يقال): إن التي أبدلوا الطائف اقتلعها جبريل عليه السلام من الأردن، وطاف بها حول البيت، ثم أنزلها في وادي ثقيف. * * - ثم قال ﴿عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ﴾ أي: عسى (ربنا) أن يعطينا بتوبتنا خيراً من جنتنا. - ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾. في ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ ٱلْعَذَابُ﴾ أي: كفعلنا بجنة هؤلاء فعلنا بمن كفر وخالف أمرنا في عاجل الدنيا. * * - ﴿وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ عقوبة لمن عصى الله. * * ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. (أي لو كانوا يعلمون) أن عقوبة الآخرة أعظم من عقوبة الدنيا.

القلم 68:13

قوله تعالى: ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. أي: [بخيل] بالمال عن إخراجه في الحقوق، معتد على الناس في معاملته إياهم ﴿أَثِيمٍ﴾: مأثوم في أعماله لمخالفته أمرَ رَبِّه. وقيل: ﴿أَثِيمٍ﴾: ذي إثم. - قال تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ﴾. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾. أي: (أَلأَِنْ) كان صاحب مال وبنين تطيعه على وجه التوبيخ لمن أطاعه، ثم أخبر عنه أنه يقول: إذا قرئت عليه آيات الله -: هي أساطير الأولين استهزاءً أو إنكاراً لها أن تكون من عند الله. "فَأَنْ" مفعول من أجله متعلقة بما بعدها أي: من أجل أنه ذو مال وبنين يقول:- ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾. ويجوز أن (تكون) أن "في موضع نصب متعلقة بقوله": ﴿مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ﴾ ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾، (أي): يفعل ذلك لأنْ كان ذا مال وبنين، فهي أيضاً مفعول من أجله. هذا على قراءة من قرأ: "أن كان" بغير استفهام، ومن قرأه بالاستفهام فهو إنكار وتوبيخ "لمن يطيعه أيضاً، والمعنى: أَلأَِنْ كان هذا الحلاّف المهين (الهماز) المشاء بنميم القناع للخير، [المعتدي] الأثيم ذا مال وبنين، تطيعه؟! ويحتمل أن يكون توبيخاً وتقريعاً لهذا الحلاف المهين. والمعنى: أَلأَِنْ كان هذا الحلاف ذا مال وبنين يقول - إذا تتلى عليه آياتنا -: هي أساطير الأولين: فيحسن الابتداء بالاستفهام على هذا الوجه، ولا يحسن الابتداء: "بأن كان ذا مال" في الوجهين الأولين؛ لأنه متعلق بالمخاطب. * * ومعنى ﴿أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾: أي: كتبهم وأخبارهم وهو جمع أسطورة. * * - ثم قال تعالى: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ * إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ﴾ قال ابن عباس: معناه: سنخطمه بالسيف فنجعل ذلك فيه سمة، أي: علامة، قال: وقد قاتل الذي نزلت فيه هذه الآية يوم بدر فخُطِم بالسيف في القتال. وقال قتادة: هو شين لا يفارقه. وروي عنه: شين على أنفه. قال المبرد: الخرطوم من الإنسان الأنف. ومن السباع موضع الشفة. والمعنى عنده: سَنَسِمُه على أنفه يوم القيامة بما يشوه خلفه وَيَعْرِفهُ بِهِ من شَهِدَه في القيامة أنه من أهل النار. وقيل: معناه: سنعلق به عاراً وسبة حتى يكون (بمنزلة من وسم على أنفه). وقيل: المعنى: سَنُسَوّد وجهه، فاستعير الأنف في موضع الوجه لأنه منه. وقيل: الخرطوم هنا: الخمر. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلاَ يَسْتَثْنُونَ﴾. أي: إنا بلونا قريشاً، أي: امتحناهم كما امتحنا أصحاب الجنة، إذ حلفوا ليصرمن ثمرها إذا أصبحوا ولا يقولون: إن شاء الله. قال عكرمة: هم أناس من الحبشة، كانت لأبيهم جنة، وكان يطعم المساكين (منها، فلما مات أبوهم قال بنوه: والله ما كان أبونا إلا أحمق حين يطعم المساكين)، فأقسموا لَيَصْرِمُنَّها مصبحين ولا يطعمون مسكيناً. قال قتادة: كان أََبُوهُم يتصدق، وكان بنوه ينهونه عن الصدقة وكان يمسك قوت سنة، وينفق ويتصدق بالفضل، فلما مات أبوهم، غدوا عليها وقالوا: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. [وقال] ابن عباس: كانوا (أهل) كتاب. والصَّرْم في اللغة: القطع، وهو الجَذَاذ. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾. أي: فطرق جنتهم ليلاً أمر من الله فأصبحت الجنة كالليل المظلم. قاله ابن عباس. وروي أن الله أرسل عليها ناراً فأحرقت الزرع. وقيل: الصريم أرض باليمن يقال [لها] [ضروان] من صنعاء، على ستة أميال. وقيل: (كالصريم) كالزرع الذي حُصِد. ويقال: لِلَّيْلِ صَرِيمٌ، وللنهار صريم، لأن كل واحد ينصرم عن الآخر. * * - ثم قال: ﴿فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ * أَنِ ٱغْدُواْ عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ﴾. (أي): فنادى بعضهم بعضاً بعد الصباح أن اغدوا لحصاد زرعكم إن كنتم حاصدين له. * * ﴿فَٱنطَلَقُواْ وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾. أي: فمضوا إلى حرثهم وهم يَتَسَارُّون بينهم في الخفاء، يقول بعضهم لبعض: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾. أي: وغدوا إلى جنتهم على قدرة في أنفسهم [وَجِدٍ]. قاله مجاهد. قال قتادة: غدا القوم وهم محردون إلى جنتهم قادرين عليها في أنفسهم. قال ابن زيد: "على جد قادرين في أنفسهم". وقيل: المعنى: ﴿وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [على] أمر أسَّسوه بينهم. وقال الحسن: ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ أي: على حاجة وفاقة. وقال سفيان ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ﴾ "على حَنَقٍ". وقال أبو عبيدة: ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ﴾: على منع. وقيل "على قصد". ومعنى "قادرين" عند الفراء: أي: قد قدَّروا هذا [وبنوا] عليه. وقيل: قادرين عند أنفسهم على ما دبروا من حصادها ومنع المساكين منها. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوۤاْ إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾. (أي): فلما رأوا جنتهم محترقاً حرثها أنكروها وظنوا أنهم غلطوا، فقال بعضهم لبعض: إنا لضالون الطريق إلى جنتنا، فقال من علم أنها جنتهم: بل نحن أيها القوم محرومون. قال قتادة: ﴿إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾ قد أخطأنا الطريق، ما هذه جنتنا، فقال بعضهم ممن عرفها: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: قد حرمنا نفعها. * * - ثم قال تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾. أي: قال لهم [أعدلهم] ألم أقل لكم، هلا تستثنون إذ قلتم لنصرمنها مصبحين، فتقولون إن شاء الله؟! قال مجاهد: لولا تسبحون، أي: تستثنون، وكان التسبيح فيهم الاستثناء. وأصل التسبيح في اللغة: التنزيه، فجعل قولهم "إن شاء الله" معناه تنزيه لله أن يكون شيء إلا بمشيئته. وظاهر [الآية] [يدل] على التسبيح بعينه، إذ بعده ﴿قَالُواْ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: (ظالمين) في منعنا المساكين أن يأخذوا ما يجب علينا. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ﴾. أي: فأقبل بعضهم يلوم بعضاً على تفريطهم في الاستثناء وإطعام المساكين. * * - ﴿قَالُواْ يٰوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾. قالوا: [تعال] يا ويل إلينا، فهذا وقت حضورك. وهذا شيء تقوله العرب عند الأمر العظيم: احضر يا ويل، فهذا من إبَّانك ووقتك. * * - ﴿إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾. أي معتدين مخالفين أمر الله. فندموا على ما فعلوا فأبدلهم الله خيراً منها. (يقال): إن التي أبدلوا الطائف اقتلعها جبريل عليه السلام من الأردن، وطاف بها حول البيت، ثم أنزلها في وادي ثقيف. * * - ثم قال ﴿عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ﴾ أي: عسى (ربنا) أن يعطينا بتوبتنا خيراً من جنتنا. - ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾. في ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ ٱلْعَذَابُ﴾ أي: كفعلنا بجنة هؤلاء فعلنا بمن كفر وخالف أمرنا في عاجل الدنيا. * * - ﴿وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ عقوبة لمن عصى الله. * * ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. (أي لو كانوا يعلمون) أن عقوبة الآخرة أعظم من عقوبة الدنيا.

القلم 68:14

قوله تعالى: ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. أي: [بخيل] بالمال عن إخراجه في الحقوق، معتد على الناس في معاملته إياهم ﴿أَثِيمٍ﴾: مأثوم في أعماله لمخالفته أمرَ رَبِّه. وقيل: ﴿أَثِيمٍ﴾: ذي إثم. - قال تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ﴾. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾. أي: (أَلأَِنْ) كان صاحب مال وبنين تطيعه على وجه التوبيخ لمن أطاعه، ثم أخبر عنه أنه يقول: إذا قرئت عليه آيات الله -: هي أساطير الأولين استهزاءً أو إنكاراً لها أن تكون من عند الله. "فَأَنْ" مفعول من أجله متعلقة بما بعدها أي: من أجل أنه ذو مال وبنين يقول:- ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾. ويجوز أن (تكون) أن "في موضع نصب متعلقة بقوله": ﴿مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ﴾ ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾، (أي): يفعل ذلك لأنْ كان ذا مال وبنين، فهي أيضاً مفعول من أجله. هذا على قراءة من قرأ: "أن كان" بغير استفهام، ومن قرأه بالاستفهام فهو إنكار وتوبيخ "لمن يطيعه أيضاً، والمعنى: أَلأَِنْ كان هذا الحلاّف المهين (الهماز) المشاء بنميم القناع للخير، [المعتدي] الأثيم ذا مال وبنين، تطيعه؟! ويحتمل أن يكون توبيخاً وتقريعاً لهذا الحلاف المهين. والمعنى: أَلأَِنْ كان هذا الحلاف ذا مال وبنين يقول - إذا تتلى عليه آياتنا -: هي أساطير الأولين: فيحسن الابتداء بالاستفهام على هذا الوجه، ولا يحسن الابتداء: "بأن كان ذا مال" في الوجهين الأولين؛ لأنه متعلق بالمخاطب. * * ومعنى ﴿أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾: أي: كتبهم وأخبارهم وهو جمع أسطورة. * * - ثم قال تعالى: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ * إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ﴾ قال ابن عباس: معناه: سنخطمه بالسيف فنجعل ذلك فيه سمة، أي: علامة، قال: وقد قاتل الذي نزلت فيه هذه الآية يوم بدر فخُطِم بالسيف في القتال. وقال قتادة: هو شين لا يفارقه. وروي عنه: شين على أنفه. قال المبرد: الخرطوم من الإنسان الأنف. ومن السباع موضع الشفة. والمعنى عنده: سَنَسِمُه على أنفه يوم القيامة بما يشوه خلفه وَيَعْرِفهُ بِهِ من شَهِدَه في القيامة أنه من أهل النار. وقيل: معناه: سنعلق به عاراً وسبة حتى يكون (بمنزلة من وسم على أنفه). وقيل: المعنى: سَنُسَوّد وجهه، فاستعير الأنف في موضع الوجه لأنه منه. وقيل: الخرطوم هنا: الخمر. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلاَ يَسْتَثْنُونَ﴾. أي: إنا بلونا قريشاً، أي: امتحناهم كما امتحنا أصحاب الجنة، إذ حلفوا ليصرمن ثمرها إذا أصبحوا ولا يقولون: إن شاء الله. قال عكرمة: هم أناس من الحبشة، كانت لأبيهم جنة، وكان يطعم المساكين (منها، فلما مات أبوهم قال بنوه: والله ما كان أبونا إلا أحمق حين يطعم المساكين)، فأقسموا لَيَصْرِمُنَّها مصبحين ولا يطعمون مسكيناً. قال قتادة: كان أََبُوهُم يتصدق، وكان بنوه ينهونه عن الصدقة وكان يمسك قوت سنة، وينفق ويتصدق بالفضل، فلما مات أبوهم، غدوا عليها وقالوا: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. [وقال] ابن عباس: كانوا (أهل) كتاب. والصَّرْم في اللغة: القطع، وهو الجَذَاذ. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾. أي: فطرق جنتهم ليلاً أمر من الله فأصبحت الجنة كالليل المظلم. قاله ابن عباس. وروي أن الله أرسل عليها ناراً فأحرقت الزرع. وقيل: الصريم أرض باليمن يقال [لها] [ضروان] من صنعاء، على ستة أميال. وقيل: (كالصريم) كالزرع الذي حُصِد. ويقال: لِلَّيْلِ صَرِيمٌ، وللنهار صريم، لأن كل واحد ينصرم عن الآخر. * * - ثم قال: ﴿فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ * أَنِ ٱغْدُواْ عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ﴾. (أي): فنادى بعضهم بعضاً بعد الصباح أن اغدوا لحصاد زرعكم إن كنتم حاصدين له. * * ﴿فَٱنطَلَقُواْ وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾. أي: فمضوا إلى حرثهم وهم يَتَسَارُّون بينهم في الخفاء، يقول بعضهم لبعض: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾. أي: وغدوا إلى جنتهم على قدرة في أنفسهم [وَجِدٍ]. قاله مجاهد. قال قتادة: غدا القوم وهم محردون إلى جنتهم قادرين عليها في أنفسهم. قال ابن زيد: "على جد قادرين في أنفسهم". وقيل: المعنى: ﴿وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [على] أمر أسَّسوه بينهم. وقال الحسن: ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ أي: على حاجة وفاقة. وقال سفيان ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ﴾ "على حَنَقٍ". وقال أبو عبيدة: ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ﴾: على منع. وقيل "على قصد". ومعنى "قادرين" عند الفراء: أي: قد قدَّروا هذا [وبنوا] عليه. وقيل: قادرين عند أنفسهم على ما دبروا من حصادها ومنع المساكين منها. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوۤاْ إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾. (أي): فلما رأوا جنتهم محترقاً حرثها أنكروها وظنوا أنهم غلطوا، فقال بعضهم لبعض: إنا لضالون الطريق إلى جنتنا، فقال من علم أنها جنتهم: بل نحن أيها القوم محرومون. قال قتادة: ﴿إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾ قد أخطأنا الطريق، ما هذه جنتنا، فقال بعضهم ممن عرفها: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: قد حرمنا نفعها. * * - ثم قال تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾. أي: قال لهم [أعدلهم] ألم أقل لكم، هلا تستثنون إذ قلتم لنصرمنها مصبحين، فتقولون إن شاء الله؟! قال مجاهد: لولا تسبحون، أي: تستثنون، وكان التسبيح فيهم الاستثناء. وأصل التسبيح في اللغة: التنزيه، فجعل قولهم "إن شاء الله" معناه تنزيه لله أن يكون شيء إلا بمشيئته. وظاهر [الآية] [يدل] على التسبيح بعينه، إذ بعده ﴿قَالُواْ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: (ظالمين) في منعنا المساكين أن يأخذوا ما يجب علينا. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ﴾. أي: فأقبل بعضهم يلوم بعضاً على تفريطهم في الاستثناء وإطعام المساكين. * * - ﴿قَالُواْ يٰوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾. قالوا: [تعال] يا ويل إلينا، فهذا وقت حضورك. وهذا شيء تقوله العرب عند الأمر العظيم: احضر يا ويل، فهذا من إبَّانك ووقتك. * * - ﴿إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾. أي معتدين مخالفين أمر الله. فندموا على ما فعلوا فأبدلهم الله خيراً منها. (يقال): إن التي أبدلوا الطائف اقتلعها جبريل عليه السلام من الأردن، وطاف بها حول البيت، ثم أنزلها في وادي ثقيف. * * - ثم قال ﴿عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ﴾ أي: عسى (ربنا) أن يعطينا بتوبتنا خيراً من جنتنا. - ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾. في ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ ٱلْعَذَابُ﴾ أي: كفعلنا بجنة هؤلاء فعلنا بمن كفر وخالف أمرنا في عاجل الدنيا. * * - ﴿وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ عقوبة لمن عصى الله. * * ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. (أي لو كانوا يعلمون) أن عقوبة الآخرة أعظم من عقوبة الدنيا.

القلم 68:15

قوله تعالى: ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. أي: [بخيل] بالمال عن إخراجه في الحقوق، معتد على الناس في معاملته إياهم ﴿أَثِيمٍ﴾: مأثوم في أعماله لمخالفته أمرَ رَبِّه. وقيل: ﴿أَثِيمٍ﴾: ذي إثم. - قال تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ﴾. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾. أي: (أَلأَِنْ) كان صاحب مال وبنين تطيعه على وجه التوبيخ لمن أطاعه، ثم أخبر عنه أنه يقول: إذا قرئت عليه آيات الله -: هي أساطير الأولين استهزاءً أو إنكاراً لها أن تكون من عند الله. "فَأَنْ" مفعول من أجله متعلقة بما بعدها أي: من أجل أنه ذو مال وبنين يقول:- ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾. ويجوز أن (تكون) أن "في موضع نصب متعلقة بقوله": ﴿مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ﴾ ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾، (أي): يفعل ذلك لأنْ كان ذا مال وبنين، فهي أيضاً مفعول من أجله. هذا على قراءة من قرأ: "أن كان" بغير استفهام، ومن قرأه بالاستفهام فهو إنكار وتوبيخ "لمن يطيعه أيضاً، والمعنى: أَلأَِنْ كان هذا الحلاّف المهين (الهماز) المشاء بنميم القناع للخير، [المعتدي] الأثيم ذا مال وبنين، تطيعه؟! ويحتمل أن يكون توبيخاً وتقريعاً لهذا الحلاف المهين. والمعنى: أَلأَِنْ كان هذا الحلاف ذا مال وبنين يقول - إذا تتلى عليه آياتنا -: هي أساطير الأولين: فيحسن الابتداء بالاستفهام على هذا الوجه، ولا يحسن الابتداء: "بأن كان ذا مال" في الوجهين الأولين؛ لأنه متعلق بالمخاطب. * * ومعنى ﴿أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾: أي: كتبهم وأخبارهم وهو جمع أسطورة. * * - ثم قال تعالى: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ * إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ﴾ قال ابن عباس: معناه: سنخطمه بالسيف فنجعل ذلك فيه سمة، أي: علامة، قال: وقد قاتل الذي نزلت فيه هذه الآية يوم بدر فخُطِم بالسيف في القتال. وقال قتادة: هو شين لا يفارقه. وروي عنه: شين على أنفه. قال المبرد: الخرطوم من الإنسان الأنف. ومن السباع موضع الشفة. والمعنى عنده: سَنَسِمُه على أنفه يوم القيامة بما يشوه خلفه وَيَعْرِفهُ بِهِ من شَهِدَه في القيامة أنه من أهل النار. وقيل: معناه: سنعلق به عاراً وسبة حتى يكون (بمنزلة من وسم على أنفه). وقيل: المعنى: سَنُسَوّد وجهه، فاستعير الأنف في موضع الوجه لأنه منه. وقيل: الخرطوم هنا: الخمر. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلاَ يَسْتَثْنُونَ﴾. أي: إنا بلونا قريشاً، أي: امتحناهم كما امتحنا أصحاب الجنة، إذ حلفوا ليصرمن ثمرها إذا أصبحوا ولا يقولون: إن شاء الله. قال عكرمة: هم أناس من الحبشة، كانت لأبيهم جنة، وكان يطعم المساكين (منها، فلما مات أبوهم قال بنوه: والله ما كان أبونا إلا أحمق حين يطعم المساكين)، فأقسموا لَيَصْرِمُنَّها مصبحين ولا يطعمون مسكيناً. قال قتادة: كان أََبُوهُم يتصدق، وكان بنوه ينهونه عن الصدقة وكان يمسك قوت سنة، وينفق ويتصدق بالفضل، فلما مات أبوهم، غدوا عليها وقالوا: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. [وقال] ابن عباس: كانوا (أهل) كتاب. والصَّرْم في اللغة: القطع، وهو الجَذَاذ. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾. أي: فطرق جنتهم ليلاً أمر من الله فأصبحت الجنة كالليل المظلم. قاله ابن عباس. وروي أن الله أرسل عليها ناراً فأحرقت الزرع. وقيل: الصريم أرض باليمن يقال [لها] [ضروان] من صنعاء، على ستة أميال. وقيل: (كالصريم) كالزرع الذي حُصِد. ويقال: لِلَّيْلِ صَرِيمٌ، وللنهار صريم، لأن كل واحد ينصرم عن الآخر. * * - ثم قال: ﴿فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ * أَنِ ٱغْدُواْ عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ﴾. (أي): فنادى بعضهم بعضاً بعد الصباح أن اغدوا لحصاد زرعكم إن كنتم حاصدين له. * * ﴿فَٱنطَلَقُواْ وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾. أي: فمضوا إلى حرثهم وهم يَتَسَارُّون بينهم في الخفاء، يقول بعضهم لبعض: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾. أي: وغدوا إلى جنتهم على قدرة في أنفسهم [وَجِدٍ]. قاله مجاهد. قال قتادة: غدا القوم وهم محردون إلى جنتهم قادرين عليها في أنفسهم. قال ابن زيد: "على جد قادرين في أنفسهم". وقيل: المعنى: ﴿وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [على] أمر أسَّسوه بينهم. وقال الحسن: ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ أي: على حاجة وفاقة. وقال سفيان ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ﴾ "على حَنَقٍ". وقال أبو عبيدة: ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ﴾: على منع. وقيل "على قصد". ومعنى "قادرين" عند الفراء: أي: قد قدَّروا هذا [وبنوا] عليه. وقيل: قادرين عند أنفسهم على ما دبروا من حصادها ومنع المساكين منها. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوۤاْ إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾. (أي): فلما رأوا جنتهم محترقاً حرثها أنكروها وظنوا أنهم غلطوا، فقال بعضهم لبعض: إنا لضالون الطريق إلى جنتنا، فقال من علم أنها جنتهم: بل نحن أيها القوم محرومون. قال قتادة: ﴿إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾ قد أخطأنا الطريق، ما هذه جنتنا، فقال بعضهم ممن عرفها: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: قد حرمنا نفعها. * * - ثم قال تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾. أي: قال لهم [أعدلهم] ألم أقل لكم، هلا تستثنون إذ قلتم لنصرمنها مصبحين، فتقولون إن شاء الله؟! قال مجاهد: لولا تسبحون، أي: تستثنون، وكان التسبيح فيهم الاستثناء. وأصل التسبيح في اللغة: التنزيه، فجعل قولهم "إن شاء الله" معناه تنزيه لله أن يكون شيء إلا بمشيئته. وظاهر [الآية] [يدل] على التسبيح بعينه، إذ بعده ﴿قَالُواْ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: (ظالمين) في منعنا المساكين أن يأخذوا ما يجب علينا. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ﴾. أي: فأقبل بعضهم يلوم بعضاً على تفريطهم في الاستثناء وإطعام المساكين. * * - ﴿قَالُواْ يٰوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾. قالوا: [تعال] يا ويل إلينا، فهذا وقت حضورك. وهذا شيء تقوله العرب عند الأمر العظيم: احضر يا ويل، فهذا من إبَّانك ووقتك. * * - ﴿إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾. أي معتدين مخالفين أمر الله. فندموا على ما فعلوا فأبدلهم الله خيراً منها. (يقال): إن التي أبدلوا الطائف اقتلعها جبريل عليه السلام من الأردن، وطاف بها حول البيت، ثم أنزلها في وادي ثقيف. * * - ثم قال ﴿عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ﴾ أي: عسى (ربنا) أن يعطينا بتوبتنا خيراً من جنتنا. - ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾. في ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ ٱلْعَذَابُ﴾ أي: كفعلنا بجنة هؤلاء فعلنا بمن كفر وخالف أمرنا في عاجل الدنيا. * * - ﴿وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ عقوبة لمن عصى الله. * * ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. (أي لو كانوا يعلمون) أن عقوبة الآخرة أعظم من عقوبة الدنيا.

القلم 68:16

قوله تعالى: ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. أي: [بخيل] بالمال عن إخراجه في الحقوق، معتد على الناس في معاملته إياهم ﴿أَثِيمٍ﴾: مأثوم في أعماله لمخالفته أمرَ رَبِّه. وقيل: ﴿أَثِيمٍ﴾: ذي إثم. - قال تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ﴾. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾. أي: (أَلأَِنْ) كان صاحب مال وبنين تطيعه على وجه التوبيخ لمن أطاعه، ثم أخبر عنه أنه يقول: إذا قرئت عليه آيات الله -: هي أساطير الأولين استهزاءً أو إنكاراً لها أن تكون من عند الله. "فَأَنْ" مفعول من أجله متعلقة بما بعدها أي: من أجل أنه ذو مال وبنين يقول:- ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾. ويجوز أن (تكون) أن "في موضع نصب متعلقة بقوله": ﴿مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ﴾ ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾، (أي): يفعل ذلك لأنْ كان ذا مال وبنين، فهي أيضاً مفعول من أجله. هذا على قراءة من قرأ: "أن كان" بغير استفهام، ومن قرأه بالاستفهام فهو إنكار وتوبيخ "لمن يطيعه أيضاً، والمعنى: أَلأَِنْ كان هذا الحلاّف المهين (الهماز) المشاء بنميم القناع للخير، [المعتدي] الأثيم ذا مال وبنين، تطيعه؟! ويحتمل أن يكون توبيخاً وتقريعاً لهذا الحلاف المهين. والمعنى: أَلأَِنْ كان هذا الحلاف ذا مال وبنين يقول - إذا تتلى عليه آياتنا -: هي أساطير الأولين: فيحسن الابتداء بالاستفهام على هذا الوجه، ولا يحسن الابتداء: "بأن كان ذا مال" في الوجهين الأولين؛ لأنه متعلق بالمخاطب. * * ومعنى ﴿أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾: أي: كتبهم وأخبارهم وهو جمع أسطورة. * * - ثم قال تعالى: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ * إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ﴾ قال ابن عباس: معناه: سنخطمه بالسيف فنجعل ذلك فيه سمة، أي: علامة، قال: وقد قاتل الذي نزلت فيه هذه الآية يوم بدر فخُطِم بالسيف في القتال. وقال قتادة: هو شين لا يفارقه. وروي عنه: شين على أنفه. قال المبرد: الخرطوم من الإنسان الأنف. ومن السباع موضع الشفة. والمعنى عنده: سَنَسِمُه على أنفه يوم القيامة بما يشوه خلفه وَيَعْرِفهُ بِهِ من شَهِدَه في القيامة أنه من أهل النار. وقيل: معناه: سنعلق به عاراً وسبة حتى يكون (بمنزلة من وسم على أنفه). وقيل: المعنى: سَنُسَوّد وجهه، فاستعير الأنف في موضع الوجه لأنه منه. وقيل: الخرطوم هنا: الخمر. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلاَ يَسْتَثْنُونَ﴾. أي: إنا بلونا قريشاً، أي: امتحناهم كما امتحنا أصحاب الجنة، إذ حلفوا ليصرمن ثمرها إذا أصبحوا ولا يقولون: إن شاء الله. قال عكرمة: هم أناس من الحبشة، كانت لأبيهم جنة، وكان يطعم المساكين (منها، فلما مات أبوهم قال بنوه: والله ما كان أبونا إلا أحمق حين يطعم المساكين)، فأقسموا لَيَصْرِمُنَّها مصبحين ولا يطعمون مسكيناً. قال قتادة: كان أََبُوهُم يتصدق، وكان بنوه ينهونه عن الصدقة وكان يمسك قوت سنة، وينفق ويتصدق بالفضل، فلما مات أبوهم، غدوا عليها وقالوا: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. [وقال] ابن عباس: كانوا (أهل) كتاب. والصَّرْم في اللغة: القطع، وهو الجَذَاذ. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾. أي: فطرق جنتهم ليلاً أمر من الله فأصبحت الجنة كالليل المظلم. قاله ابن عباس. وروي أن الله أرسل عليها ناراً فأحرقت الزرع. وقيل: الصريم أرض باليمن يقال [لها] [ضروان] من صنعاء، على ستة أميال. وقيل: (كالصريم) كالزرع الذي حُصِد. ويقال: لِلَّيْلِ صَرِيمٌ، وللنهار صريم، لأن كل واحد ينصرم عن الآخر. * * - ثم قال: ﴿فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ * أَنِ ٱغْدُواْ عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ﴾. (أي): فنادى بعضهم بعضاً بعد الصباح أن اغدوا لحصاد زرعكم إن كنتم حاصدين له. * * ﴿فَٱنطَلَقُواْ وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾. أي: فمضوا إلى حرثهم وهم يَتَسَارُّون بينهم في الخفاء، يقول بعضهم لبعض: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾. أي: وغدوا إلى جنتهم على قدرة في أنفسهم [وَجِدٍ]. قاله مجاهد. قال قتادة: غدا القوم وهم محردون إلى جنتهم قادرين عليها في أنفسهم. قال ابن زيد: "على جد قادرين في أنفسهم". وقيل: المعنى: ﴿وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [على] أمر أسَّسوه بينهم. وقال الحسن: ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ أي: على حاجة وفاقة. وقال سفيان ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ﴾ "على حَنَقٍ". وقال أبو عبيدة: ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ﴾: على منع. وقيل "على قصد". ومعنى "قادرين" عند الفراء: أي: قد قدَّروا هذا [وبنوا] عليه. وقيل: قادرين عند أنفسهم على ما دبروا من حصادها ومنع المساكين منها. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوۤاْ إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾. (أي): فلما رأوا جنتهم محترقاً حرثها أنكروها وظنوا أنهم غلطوا، فقال بعضهم لبعض: إنا لضالون الطريق إلى جنتنا، فقال من علم أنها جنتهم: بل نحن أيها القوم محرومون. قال قتادة: ﴿إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾ قد أخطأنا الطريق، ما هذه جنتنا، فقال بعضهم ممن عرفها: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: قد حرمنا نفعها. * * - ثم قال تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾. أي: قال لهم [أعدلهم] ألم أقل لكم، هلا تستثنون إذ قلتم لنصرمنها مصبحين، فتقولون إن شاء الله؟! قال مجاهد: لولا تسبحون، أي: تستثنون، وكان التسبيح فيهم الاستثناء. وأصل التسبيح في اللغة: التنزيه، فجعل قولهم "إن شاء الله" معناه تنزيه لله أن يكون شيء إلا بمشيئته. وظاهر [الآية] [يدل] على التسبيح بعينه، إذ بعده ﴿قَالُواْ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: (ظالمين) في منعنا المساكين أن يأخذوا ما يجب علينا. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ﴾. أي: فأقبل بعضهم يلوم بعضاً على تفريطهم في الاستثناء وإطعام المساكين. * * - ﴿قَالُواْ يٰوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾. قالوا: [تعال] يا ويل إلينا، فهذا وقت حضورك. وهذا شيء تقوله العرب عند الأمر العظيم: احضر يا ويل، فهذا من إبَّانك ووقتك. * * - ﴿إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾. أي معتدين مخالفين أمر الله. فندموا على ما فعلوا فأبدلهم الله خيراً منها. (يقال): إن التي أبدلوا الطائف اقتلعها جبريل عليه السلام من الأردن، وطاف بها حول البيت، ثم أنزلها في وادي ثقيف. * * - ثم قال ﴿عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ﴾ أي: عسى (ربنا) أن يعطينا بتوبتنا خيراً من جنتنا. - ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾. في ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ ٱلْعَذَابُ﴾ أي: كفعلنا بجنة هؤلاء فعلنا بمن كفر وخالف أمرنا في عاجل الدنيا. * * - ﴿وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ عقوبة لمن عصى الله. * * ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. (أي لو كانوا يعلمون) أن عقوبة الآخرة أعظم من عقوبة الدنيا.

القلم 68:17

قوله تعالى: ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. أي: [بخيل] بالمال عن إخراجه في الحقوق، معتد على الناس في معاملته إياهم ﴿أَثِيمٍ﴾: مأثوم في أعماله لمخالفته أمرَ رَبِّه. وقيل: ﴿أَثِيمٍ﴾: ذي إثم. - قال تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ﴾. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾. أي: (أَلأَِنْ) كان صاحب مال وبنين تطيعه على وجه التوبيخ لمن أطاعه، ثم أخبر عنه أنه يقول: إذا قرئت عليه آيات الله -: هي أساطير الأولين استهزاءً أو إنكاراً لها أن تكون من عند الله. "فَأَنْ" مفعول من أجله متعلقة بما بعدها أي: من أجل أنه ذو مال وبنين يقول:- ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾. ويجوز أن (تكون) أن "في موضع نصب متعلقة بقوله": ﴿مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ﴾ ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾، (أي): يفعل ذلك لأنْ كان ذا مال وبنين، فهي أيضاً مفعول من أجله. هذا على قراءة من قرأ: "أن كان" بغير استفهام، ومن قرأه بالاستفهام فهو إنكار وتوبيخ "لمن يطيعه أيضاً، والمعنى: أَلأَِنْ كان هذا الحلاّف المهين (الهماز) المشاء بنميم القناع للخير، [المعتدي] الأثيم ذا مال وبنين، تطيعه؟! ويحتمل أن يكون توبيخاً وتقريعاً لهذا الحلاف المهين. والمعنى: أَلأَِنْ كان هذا الحلاف ذا مال وبنين يقول - إذا تتلى عليه آياتنا -: هي أساطير الأولين: فيحسن الابتداء بالاستفهام على هذا الوجه، ولا يحسن الابتداء: "بأن كان ذا مال" في الوجهين الأولين؛ لأنه متعلق بالمخاطب. * * ومعنى ﴿أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾: أي: كتبهم وأخبارهم وهو جمع أسطورة. * * - ثم قال تعالى: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ * إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ﴾ قال ابن عباس: معناه: سنخطمه بالسيف فنجعل ذلك فيه سمة، أي: علامة، قال: وقد قاتل الذي نزلت فيه هذه الآية يوم بدر فخُطِم بالسيف في القتال. وقال قتادة: هو شين لا يفارقه. وروي عنه: شين على أنفه. قال المبرد: الخرطوم من الإنسان الأنف. ومن السباع موضع الشفة. والمعنى عنده: سَنَسِمُه على أنفه يوم القيامة بما يشوه خلفه وَيَعْرِفهُ بِهِ من شَهِدَه في القيامة أنه من أهل النار. وقيل: معناه: سنعلق به عاراً وسبة حتى يكون (بمنزلة من وسم على أنفه). وقيل: المعنى: سَنُسَوّد وجهه، فاستعير الأنف في موضع الوجه لأنه منه. وقيل: الخرطوم هنا: الخمر. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلاَ يَسْتَثْنُونَ﴾. أي: إنا بلونا قريشاً، أي: امتحناهم كما امتحنا أصحاب الجنة، إذ حلفوا ليصرمن ثمرها إذا أصبحوا ولا يقولون: إن شاء الله. قال عكرمة: هم أناس من الحبشة، كانت لأبيهم جنة، وكان يطعم المساكين (منها، فلما مات أبوهم قال بنوه: والله ما كان أبونا إلا أحمق حين يطعم المساكين)، فأقسموا لَيَصْرِمُنَّها مصبحين ولا يطعمون مسكيناً. قال قتادة: كان أََبُوهُم يتصدق، وكان بنوه ينهونه عن الصدقة وكان يمسك قوت سنة، وينفق ويتصدق بالفضل، فلما مات أبوهم، غدوا عليها وقالوا: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. [وقال] ابن عباس: كانوا (أهل) كتاب. والصَّرْم في اللغة: القطع، وهو الجَذَاذ. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾. أي: فطرق جنتهم ليلاً أمر من الله فأصبحت الجنة كالليل المظلم. قاله ابن عباس. وروي أن الله أرسل عليها ناراً فأحرقت الزرع. وقيل: الصريم أرض باليمن يقال [لها] [ضروان] من صنعاء، على ستة أميال. وقيل: (كالصريم) كالزرع الذي حُصِد. ويقال: لِلَّيْلِ صَرِيمٌ، وللنهار صريم، لأن كل واحد ينصرم عن الآخر. * * - ثم قال: ﴿فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ * أَنِ ٱغْدُواْ عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ﴾. (أي): فنادى بعضهم بعضاً بعد الصباح أن اغدوا لحصاد زرعكم إن كنتم حاصدين له. * * ﴿فَٱنطَلَقُواْ وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾. أي: فمضوا إلى حرثهم وهم يَتَسَارُّون بينهم في الخفاء، يقول بعضهم لبعض: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾. أي: وغدوا إلى جنتهم على قدرة في أنفسهم [وَجِدٍ]. قاله مجاهد. قال قتادة: غدا القوم وهم محردون إلى جنتهم قادرين عليها في أنفسهم. قال ابن زيد: "على جد قادرين في أنفسهم". وقيل: المعنى: ﴿وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [على] أمر أسَّسوه بينهم. وقال الحسن: ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ أي: على حاجة وفاقة. وقال سفيان ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ﴾ "على حَنَقٍ". وقال أبو عبيدة: ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ﴾: على منع. وقيل "على قصد". ومعنى "قادرين" عند الفراء: أي: قد قدَّروا هذا [وبنوا] عليه. وقيل: قادرين عند أنفسهم على ما دبروا من حصادها ومنع المساكين منها. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوۤاْ إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾. (أي): فلما رأوا جنتهم محترقاً حرثها أنكروها وظنوا أنهم غلطوا، فقال بعضهم لبعض: إنا لضالون الطريق إلى جنتنا، فقال من علم أنها جنتهم: بل نحن أيها القوم محرومون. قال قتادة: ﴿إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾ قد أخطأنا الطريق، ما هذه جنتنا، فقال بعضهم ممن عرفها: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: قد حرمنا نفعها. * * - ثم قال تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾. أي: قال لهم [أعدلهم] ألم أقل لكم، هلا تستثنون إذ قلتم لنصرمنها مصبحين، فتقولون إن شاء الله؟! قال مجاهد: لولا تسبحون، أي: تستثنون، وكان التسبيح فيهم الاستثناء. وأصل التسبيح في اللغة: التنزيه، فجعل قولهم "إن شاء الله" معناه تنزيه لله أن يكون شيء إلا بمشيئته. وظاهر [الآية] [يدل] على التسبيح بعينه، إذ بعده ﴿قَالُواْ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: (ظالمين) في منعنا المساكين أن يأخذوا ما يجب علينا. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ﴾. أي: فأقبل بعضهم يلوم بعضاً على تفريطهم في الاستثناء وإطعام المساكين. * * - ﴿قَالُواْ يٰوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾. قالوا: [تعال] يا ويل إلينا، فهذا وقت حضورك. وهذا شيء تقوله العرب عند الأمر العظيم: احضر يا ويل، فهذا من إبَّانك ووقتك. * * - ﴿إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾. أي معتدين مخالفين أمر الله. فندموا على ما فعلوا فأبدلهم الله خيراً منها. (يقال): إن التي أبدلوا الطائف اقتلعها جبريل عليه السلام من الأردن، وطاف بها حول البيت، ثم أنزلها في وادي ثقيف. * * - ثم قال ﴿عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ﴾ أي: عسى (ربنا) أن يعطينا بتوبتنا خيراً من جنتنا. - ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾. في ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ ٱلْعَذَابُ﴾ أي: كفعلنا بجنة هؤلاء فعلنا بمن كفر وخالف أمرنا في عاجل الدنيا. * * - ﴿وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ عقوبة لمن عصى الله. * * ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. (أي لو كانوا يعلمون) أن عقوبة الآخرة أعظم من عقوبة الدنيا.

القلم 68:18

قوله تعالى: ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. أي: [بخيل] بالمال عن إخراجه في الحقوق، معتد على الناس في معاملته إياهم ﴿أَثِيمٍ﴾: مأثوم في أعماله لمخالفته أمرَ رَبِّه. وقيل: ﴿أَثِيمٍ﴾: ذي إثم. - قال تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ﴾. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾. أي: (أَلأَِنْ) كان صاحب مال وبنين تطيعه على وجه التوبيخ لمن أطاعه، ثم أخبر عنه أنه يقول: إذا قرئت عليه آيات الله -: هي أساطير الأولين استهزاءً أو إنكاراً لها أن تكون من عند الله. "فَأَنْ" مفعول من أجله متعلقة بما بعدها أي: من أجل أنه ذو مال وبنين يقول:- ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾. ويجوز أن (تكون) أن "في موضع نصب متعلقة بقوله": ﴿مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ﴾ ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾، (أي): يفعل ذلك لأنْ كان ذا مال وبنين، فهي أيضاً مفعول من أجله. هذا على قراءة من قرأ: "أن كان" بغير استفهام، ومن قرأه بالاستفهام فهو إنكار وتوبيخ "لمن يطيعه أيضاً، والمعنى: أَلأَِنْ كان هذا الحلاّف المهين (الهماز) المشاء بنميم القناع للخير، [المعتدي] الأثيم ذا مال وبنين، تطيعه؟! ويحتمل أن يكون توبيخاً وتقريعاً لهذا الحلاف المهين. والمعنى: أَلأَِنْ كان هذا الحلاف ذا مال وبنين يقول - إذا تتلى عليه آياتنا -: هي أساطير الأولين: فيحسن الابتداء بالاستفهام على هذا الوجه، ولا يحسن الابتداء: "بأن كان ذا مال" في الوجهين الأولين؛ لأنه متعلق بالمخاطب. * * ومعنى ﴿أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾: أي: كتبهم وأخبارهم وهو جمع أسطورة. * * - ثم قال تعالى: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ * إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ﴾ قال ابن عباس: معناه: سنخطمه بالسيف فنجعل ذلك فيه سمة، أي: علامة، قال: وقد قاتل الذي نزلت فيه هذه الآية يوم بدر فخُطِم بالسيف في القتال. وقال قتادة: هو شين لا يفارقه. وروي عنه: شين على أنفه. قال المبرد: الخرطوم من الإنسان الأنف. ومن السباع موضع الشفة. والمعنى عنده: سَنَسِمُه على أنفه يوم القيامة بما يشوه خلفه وَيَعْرِفهُ بِهِ من شَهِدَه في القيامة أنه من أهل النار. وقيل: معناه: سنعلق به عاراً وسبة حتى يكون (بمنزلة من وسم على أنفه). وقيل: المعنى: سَنُسَوّد وجهه، فاستعير الأنف في موضع الوجه لأنه منه. وقيل: الخرطوم هنا: الخمر. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلاَ يَسْتَثْنُونَ﴾. أي: إنا بلونا قريشاً، أي: امتحناهم كما امتحنا أصحاب الجنة، إذ حلفوا ليصرمن ثمرها إذا أصبحوا ولا يقولون: إن شاء الله. قال عكرمة: هم أناس من الحبشة، كانت لأبيهم جنة، وكان يطعم المساكين (منها، فلما مات أبوهم قال بنوه: والله ما كان أبونا إلا أحمق حين يطعم المساكين)، فأقسموا لَيَصْرِمُنَّها مصبحين ولا يطعمون مسكيناً. قال قتادة: كان أََبُوهُم يتصدق، وكان بنوه ينهونه عن الصدقة وكان يمسك قوت سنة، وينفق ويتصدق بالفضل، فلما مات أبوهم، غدوا عليها وقالوا: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. [وقال] ابن عباس: كانوا (أهل) كتاب. والصَّرْم في اللغة: القطع، وهو الجَذَاذ. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾. أي: فطرق جنتهم ليلاً أمر من الله فأصبحت الجنة كالليل المظلم. قاله ابن عباس. وروي أن الله أرسل عليها ناراً فأحرقت الزرع. وقيل: الصريم أرض باليمن يقال [لها] [ضروان] من صنعاء، على ستة أميال. وقيل: (كالصريم) كالزرع الذي حُصِد. ويقال: لِلَّيْلِ صَرِيمٌ، وللنهار صريم، لأن كل واحد ينصرم عن الآخر. * * - ثم قال: ﴿فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ * أَنِ ٱغْدُواْ عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ﴾. (أي): فنادى بعضهم بعضاً بعد الصباح أن اغدوا لحصاد زرعكم إن كنتم حاصدين له. * * ﴿فَٱنطَلَقُواْ وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾. أي: فمضوا إلى حرثهم وهم يَتَسَارُّون بينهم في الخفاء، يقول بعضهم لبعض: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾. أي: وغدوا إلى جنتهم على قدرة في أنفسهم [وَجِدٍ]. قاله مجاهد. قال قتادة: غدا القوم وهم محردون إلى جنتهم قادرين عليها في أنفسهم. قال ابن زيد: "على جد قادرين في أنفسهم". وقيل: المعنى: ﴿وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [على] أمر أسَّسوه بينهم. وقال الحسن: ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ أي: على حاجة وفاقة. وقال سفيان ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ﴾ "على حَنَقٍ". وقال أبو عبيدة: ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ﴾: على منع. وقيل "على قصد". ومعنى "قادرين" عند الفراء: أي: قد قدَّروا هذا [وبنوا] عليه. وقيل: قادرين عند أنفسهم على ما دبروا من حصادها ومنع المساكين منها. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوۤاْ إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾. (أي): فلما رأوا جنتهم محترقاً حرثها أنكروها وظنوا أنهم غلطوا، فقال بعضهم لبعض: إنا لضالون الطريق إلى جنتنا، فقال من علم أنها جنتهم: بل نحن أيها القوم محرومون. قال قتادة: ﴿إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾ قد أخطأنا الطريق، ما هذه جنتنا، فقال بعضهم ممن عرفها: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: قد حرمنا نفعها. * * - ثم قال تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾. أي: قال لهم [أعدلهم] ألم أقل لكم، هلا تستثنون إذ قلتم لنصرمنها مصبحين، فتقولون إن شاء الله؟! قال مجاهد: لولا تسبحون، أي: تستثنون، وكان التسبيح فيهم الاستثناء. وأصل التسبيح في اللغة: التنزيه، فجعل قولهم "إن شاء الله" معناه تنزيه لله أن يكون شيء إلا بمشيئته. وظاهر [الآية] [يدل] على التسبيح بعينه، إذ بعده ﴿قَالُواْ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: (ظالمين) في منعنا المساكين أن يأخذوا ما يجب علينا. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ﴾. أي: فأقبل بعضهم يلوم بعضاً على تفريطهم في الاستثناء وإطعام المساكين. * * - ﴿قَالُواْ يٰوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾. قالوا: [تعال] يا ويل إلينا، فهذا وقت حضورك. وهذا شيء تقوله العرب عند الأمر العظيم: احضر يا ويل، فهذا من إبَّانك ووقتك. * * - ﴿إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾. أي معتدين مخالفين أمر الله. فندموا على ما فعلوا فأبدلهم الله خيراً منها. (يقال): إن التي أبدلوا الطائف اقتلعها جبريل عليه السلام من الأردن، وطاف بها حول البيت، ثم أنزلها في وادي ثقيف. * * - ثم قال ﴿عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ﴾ أي: عسى (ربنا) أن يعطينا بتوبتنا خيراً من جنتنا. - ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾. في ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ ٱلْعَذَابُ﴾ أي: كفعلنا بجنة هؤلاء فعلنا بمن كفر وخالف أمرنا في عاجل الدنيا. * * - ﴿وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ عقوبة لمن عصى الله. * * ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. (أي لو كانوا يعلمون) أن عقوبة الآخرة أعظم من عقوبة الدنيا.

القلم 68:19

قوله تعالى: ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. أي: [بخيل] بالمال عن إخراجه في الحقوق، معتد على الناس في معاملته إياهم ﴿أَثِيمٍ﴾: مأثوم في أعماله لمخالفته أمرَ رَبِّه. وقيل: ﴿أَثِيمٍ﴾: ذي إثم. - قال تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ﴾. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾. أي: (أَلأَِنْ) كان صاحب مال وبنين تطيعه على وجه التوبيخ لمن أطاعه، ثم أخبر عنه أنه يقول: إذا قرئت عليه آيات الله -: هي أساطير الأولين استهزاءً أو إنكاراً لها أن تكون من عند الله. "فَأَنْ" مفعول من أجله متعلقة بما بعدها أي: من أجل أنه ذو مال وبنين يقول:- ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾. ويجوز أن (تكون) أن "في موضع نصب متعلقة بقوله": ﴿مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ﴾ ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾، (أي): يفعل ذلك لأنْ كان ذا مال وبنين، فهي أيضاً مفعول من أجله. هذا على قراءة من قرأ: "أن كان" بغير استفهام، ومن قرأه بالاستفهام فهو إنكار وتوبيخ "لمن يطيعه أيضاً، والمعنى: أَلأَِنْ كان هذا الحلاّف المهين (الهماز) المشاء بنميم القناع للخير، [المعتدي] الأثيم ذا مال وبنين، تطيعه؟! ويحتمل أن يكون توبيخاً وتقريعاً لهذا الحلاف المهين. والمعنى: أَلأَِنْ كان هذا الحلاف ذا مال وبنين يقول - إذا تتلى عليه آياتنا -: هي أساطير الأولين: فيحسن الابتداء بالاستفهام على هذا الوجه، ولا يحسن الابتداء: "بأن كان ذا مال" في الوجهين الأولين؛ لأنه متعلق بالمخاطب. * * ومعنى ﴿أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾: أي: كتبهم وأخبارهم وهو جمع أسطورة. * * - ثم قال تعالى: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ * إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ﴾ قال ابن عباس: معناه: سنخطمه بالسيف فنجعل ذلك فيه سمة، أي: علامة، قال: وقد قاتل الذي نزلت فيه هذه الآية يوم بدر فخُطِم بالسيف في القتال. وقال قتادة: هو شين لا يفارقه. وروي عنه: شين على أنفه. قال المبرد: الخرطوم من الإنسان الأنف. ومن السباع موضع الشفة. والمعنى عنده: سَنَسِمُه على أنفه يوم القيامة بما يشوه خلفه وَيَعْرِفهُ بِهِ من شَهِدَه في القيامة أنه من أهل النار. وقيل: معناه: سنعلق به عاراً وسبة حتى يكون (بمنزلة من وسم على أنفه). وقيل: المعنى: سَنُسَوّد وجهه، فاستعير الأنف في موضع الوجه لأنه منه. وقيل: الخرطوم هنا: الخمر. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلاَ يَسْتَثْنُونَ﴾. أي: إنا بلونا قريشاً، أي: امتحناهم كما امتحنا أصحاب الجنة، إذ حلفوا ليصرمن ثمرها إذا أصبحوا ولا يقولون: إن شاء الله. قال عكرمة: هم أناس من الحبشة، كانت لأبيهم جنة، وكان يطعم المساكين (منها، فلما مات أبوهم قال بنوه: والله ما كان أبونا إلا أحمق حين يطعم المساكين)، فأقسموا لَيَصْرِمُنَّها مصبحين ولا يطعمون مسكيناً. قال قتادة: كان أََبُوهُم يتصدق، وكان بنوه ينهونه عن الصدقة وكان يمسك قوت سنة، وينفق ويتصدق بالفضل، فلما مات أبوهم، غدوا عليها وقالوا: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. [وقال] ابن عباس: كانوا (أهل) كتاب. والصَّرْم في اللغة: القطع، وهو الجَذَاذ. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾. أي: فطرق جنتهم ليلاً أمر من الله فأصبحت الجنة كالليل المظلم. قاله ابن عباس. وروي أن الله أرسل عليها ناراً فأحرقت الزرع. وقيل: الصريم أرض باليمن يقال [لها] [ضروان] من صنعاء، على ستة أميال. وقيل: (كالصريم) كالزرع الذي حُصِد. ويقال: لِلَّيْلِ صَرِيمٌ، وللنهار صريم، لأن كل واحد ينصرم عن الآخر. * * - ثم قال: ﴿فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ * أَنِ ٱغْدُواْ عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ﴾. (أي): فنادى بعضهم بعضاً بعد الصباح أن اغدوا لحصاد زرعكم إن كنتم حاصدين له. * * ﴿فَٱنطَلَقُواْ وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾. أي: فمضوا إلى حرثهم وهم يَتَسَارُّون بينهم في الخفاء، يقول بعضهم لبعض: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾. أي: وغدوا إلى جنتهم على قدرة في أنفسهم [وَجِدٍ]. قاله مجاهد. قال قتادة: غدا القوم وهم محردون إلى جنتهم قادرين عليها في أنفسهم. قال ابن زيد: "على جد قادرين في أنفسهم". وقيل: المعنى: ﴿وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [على] أمر أسَّسوه بينهم. وقال الحسن: ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ أي: على حاجة وفاقة. وقال سفيان ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ﴾ "على حَنَقٍ". وقال أبو عبيدة: ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ﴾: على منع. وقيل "على قصد". ومعنى "قادرين" عند الفراء: أي: قد قدَّروا هذا [وبنوا] عليه. وقيل: قادرين عند أنفسهم على ما دبروا من حصادها ومنع المساكين منها. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوۤاْ إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾. (أي): فلما رأوا جنتهم محترقاً حرثها أنكروها وظنوا أنهم غلطوا، فقال بعضهم لبعض: إنا لضالون الطريق إلى جنتنا، فقال من علم أنها جنتهم: بل نحن أيها القوم محرومون. قال قتادة: ﴿إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾ قد أخطأنا الطريق، ما هذه جنتنا، فقال بعضهم ممن عرفها: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: قد حرمنا نفعها. * * - ثم قال تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾. أي: قال لهم [أعدلهم] ألم أقل لكم، هلا تستثنون إذ قلتم لنصرمنها مصبحين، فتقولون إن شاء الله؟! قال مجاهد: لولا تسبحون، أي: تستثنون، وكان التسبيح فيهم الاستثناء. وأصل التسبيح في اللغة: التنزيه، فجعل قولهم "إن شاء الله" معناه تنزيه لله أن يكون شيء إلا بمشيئته. وظاهر [الآية] [يدل] على التسبيح بعينه، إذ بعده ﴿قَالُواْ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: (ظالمين) في منعنا المساكين أن يأخذوا ما يجب علينا. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ﴾. أي: فأقبل بعضهم يلوم بعضاً على تفريطهم في الاستثناء وإطعام المساكين. * * - ﴿قَالُواْ يٰوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾. قالوا: [تعال] يا ويل إلينا، فهذا وقت حضورك. وهذا شيء تقوله العرب عند الأمر العظيم: احضر يا ويل، فهذا من إبَّانك ووقتك. * * - ﴿إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾. أي معتدين مخالفين أمر الله. فندموا على ما فعلوا فأبدلهم الله خيراً منها. (يقال): إن التي أبدلوا الطائف اقتلعها جبريل عليه السلام من الأردن، وطاف بها حول البيت، ثم أنزلها في وادي ثقيف. * * - ثم قال ﴿عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ﴾ أي: عسى (ربنا) أن يعطينا بتوبتنا خيراً من جنتنا. - ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾. في ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ ٱلْعَذَابُ﴾ أي: كفعلنا بجنة هؤلاء فعلنا بمن كفر وخالف أمرنا في عاجل الدنيا. * * - ﴿وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ عقوبة لمن عصى الله. * * ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. (أي لو كانوا يعلمون) أن عقوبة الآخرة أعظم من عقوبة الدنيا.

القلم 68:20

قوله تعالى: ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. أي: [بخيل] بالمال عن إخراجه في الحقوق، معتد على الناس في معاملته إياهم ﴿أَثِيمٍ﴾: مأثوم في أعماله لمخالفته أمرَ رَبِّه. وقيل: ﴿أَثِيمٍ﴾: ذي إثم. - قال تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ﴾. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾. أي: (أَلأَِنْ) كان صاحب مال وبنين تطيعه على وجه التوبيخ لمن أطاعه، ثم أخبر عنه أنه يقول: إذا قرئت عليه آيات الله -: هي أساطير الأولين استهزاءً أو إنكاراً لها أن تكون من عند الله. "فَأَنْ" مفعول من أجله متعلقة بما بعدها أي: من أجل أنه ذو مال وبنين يقول:- ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾. ويجوز أن (تكون) أن "في موضع نصب متعلقة بقوله": ﴿مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ﴾ ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾، (أي): يفعل ذلك لأنْ كان ذا مال وبنين، فهي أيضاً مفعول من أجله. هذا على قراءة من قرأ: "أن كان" بغير استفهام، ومن قرأه بالاستفهام فهو إنكار وتوبيخ "لمن يطيعه أيضاً، والمعنى: أَلأَِنْ كان هذا الحلاّف المهين (الهماز) المشاء بنميم القناع للخير، [المعتدي] الأثيم ذا مال وبنين، تطيعه؟! ويحتمل أن يكون توبيخاً وتقريعاً لهذا الحلاف المهين. والمعنى: أَلأَِنْ كان هذا الحلاف ذا مال وبنين يقول - إذا تتلى عليه آياتنا -: هي أساطير الأولين: فيحسن الابتداء بالاستفهام على هذا الوجه، ولا يحسن الابتداء: "بأن كان ذا مال" في الوجهين الأولين؛ لأنه متعلق بالمخاطب. * * ومعنى ﴿أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾: أي: كتبهم وأخبارهم وهو جمع أسطورة. * * - ثم قال تعالى: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ * إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ﴾ قال ابن عباس: معناه: سنخطمه بالسيف فنجعل ذلك فيه سمة، أي: علامة، قال: وقد قاتل الذي نزلت فيه هذه الآية يوم بدر فخُطِم بالسيف في القتال. وقال قتادة: هو شين لا يفارقه. وروي عنه: شين على أنفه. قال المبرد: الخرطوم من الإنسان الأنف. ومن السباع موضع الشفة. والمعنى عنده: سَنَسِمُه على أنفه يوم القيامة بما يشوه خلفه وَيَعْرِفهُ بِهِ من شَهِدَه في القيامة أنه من أهل النار. وقيل: معناه: سنعلق به عاراً وسبة حتى يكون (بمنزلة من وسم على أنفه). وقيل: المعنى: سَنُسَوّد وجهه، فاستعير الأنف في موضع الوجه لأنه منه. وقيل: الخرطوم هنا: الخمر. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلاَ يَسْتَثْنُونَ﴾. أي: إنا بلونا قريشاً، أي: امتحناهم كما امتحنا أصحاب الجنة، إذ حلفوا ليصرمن ثمرها إذا أصبحوا ولا يقولون: إن شاء الله. قال عكرمة: هم أناس من الحبشة، كانت لأبيهم جنة، وكان يطعم المساكين (منها، فلما مات أبوهم قال بنوه: والله ما كان أبونا إلا أحمق حين يطعم المساكين)، فأقسموا لَيَصْرِمُنَّها مصبحين ولا يطعمون مسكيناً. قال قتادة: كان أََبُوهُم يتصدق، وكان بنوه ينهونه عن الصدقة وكان يمسك قوت سنة، وينفق ويتصدق بالفضل، فلما مات أبوهم، غدوا عليها وقالوا: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. [وقال] ابن عباس: كانوا (أهل) كتاب. والصَّرْم في اللغة: القطع، وهو الجَذَاذ. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾. أي: فطرق جنتهم ليلاً أمر من الله فأصبحت الجنة كالليل المظلم. قاله ابن عباس. وروي أن الله أرسل عليها ناراً فأحرقت الزرع. وقيل: الصريم أرض باليمن يقال [لها] [ضروان] من صنعاء، على ستة أميال. وقيل: (كالصريم) كالزرع الذي حُصِد. ويقال: لِلَّيْلِ صَرِيمٌ، وللنهار صريم، لأن كل واحد ينصرم عن الآخر. * * - ثم قال: ﴿فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ * أَنِ ٱغْدُواْ عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ﴾. (أي): فنادى بعضهم بعضاً بعد الصباح أن اغدوا لحصاد زرعكم إن كنتم حاصدين له. * * ﴿فَٱنطَلَقُواْ وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾. أي: فمضوا إلى حرثهم وهم يَتَسَارُّون بينهم في الخفاء، يقول بعضهم لبعض: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾. أي: وغدوا إلى جنتهم على قدرة في أنفسهم [وَجِدٍ]. قاله مجاهد. قال قتادة: غدا القوم وهم محردون إلى جنتهم قادرين عليها في أنفسهم. قال ابن زيد: "على جد قادرين في أنفسهم". وقيل: المعنى: ﴿وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [على] أمر أسَّسوه بينهم. وقال الحسن: ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ أي: على حاجة وفاقة. وقال سفيان ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ﴾ "على حَنَقٍ". وقال أبو عبيدة: ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ﴾: على منع. وقيل "على قصد". ومعنى "قادرين" عند الفراء: أي: قد قدَّروا هذا [وبنوا] عليه. وقيل: قادرين عند أنفسهم على ما دبروا من حصادها ومنع المساكين منها. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوۤاْ إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾. (أي): فلما رأوا جنتهم محترقاً حرثها أنكروها وظنوا أنهم غلطوا، فقال بعضهم لبعض: إنا لضالون الطريق إلى جنتنا، فقال من علم أنها جنتهم: بل نحن أيها القوم محرومون. قال قتادة: ﴿إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾ قد أخطأنا الطريق، ما هذه جنتنا، فقال بعضهم ممن عرفها: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: قد حرمنا نفعها. * * - ثم قال تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾. أي: قال لهم [أعدلهم] ألم أقل لكم، هلا تستثنون إذ قلتم لنصرمنها مصبحين، فتقولون إن شاء الله؟! قال مجاهد: لولا تسبحون، أي: تستثنون، وكان التسبيح فيهم الاستثناء. وأصل التسبيح في اللغة: التنزيه، فجعل قولهم "إن شاء الله" معناه تنزيه لله أن يكون شيء إلا بمشيئته. وظاهر [الآية] [يدل] على التسبيح بعينه، إذ بعده ﴿قَالُواْ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: (ظالمين) في منعنا المساكين أن يأخذوا ما يجب علينا. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ﴾. أي: فأقبل بعضهم يلوم بعضاً على تفريطهم في الاستثناء وإطعام المساكين. * * - ﴿قَالُواْ يٰوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾. قالوا: [تعال] يا ويل إلينا، فهذا وقت حضورك. وهذا شيء تقوله العرب عند الأمر العظيم: احضر يا ويل، فهذا من إبَّانك ووقتك. * * - ﴿إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾. أي معتدين مخالفين أمر الله. فندموا على ما فعلوا فأبدلهم الله خيراً منها. (يقال): إن التي أبدلوا الطائف اقتلعها جبريل عليه السلام من الأردن، وطاف بها حول البيت، ثم أنزلها في وادي ثقيف. * * - ثم قال ﴿عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ﴾ أي: عسى (ربنا) أن يعطينا بتوبتنا خيراً من جنتنا. - ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾. في ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ ٱلْعَذَابُ﴾ أي: كفعلنا بجنة هؤلاء فعلنا بمن كفر وخالف أمرنا في عاجل الدنيا. * * - ﴿وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ عقوبة لمن عصى الله. * * ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. (أي لو كانوا يعلمون) أن عقوبة الآخرة أعظم من عقوبة الدنيا.

القلم 68:21

قوله تعالى: ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. أي: [بخيل] بالمال عن إخراجه في الحقوق، معتد على الناس في معاملته إياهم ﴿أَثِيمٍ﴾: مأثوم في أعماله لمخالفته أمرَ رَبِّه. وقيل: ﴿أَثِيمٍ﴾: ذي إثم. - قال تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ﴾. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾. أي: (أَلأَِنْ) كان صاحب مال وبنين تطيعه على وجه التوبيخ لمن أطاعه، ثم أخبر عنه أنه يقول: إذا قرئت عليه آيات الله -: هي أساطير الأولين استهزاءً أو إنكاراً لها أن تكون من عند الله. "فَأَنْ" مفعول من أجله متعلقة بما بعدها أي: من أجل أنه ذو مال وبنين يقول:- ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾. ويجوز أن (تكون) أن "في موضع نصب متعلقة بقوله": ﴿مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ﴾ ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾، (أي): يفعل ذلك لأنْ كان ذا مال وبنين، فهي أيضاً مفعول من أجله. هذا على قراءة من قرأ: "أن كان" بغير استفهام، ومن قرأه بالاستفهام فهو إنكار وتوبيخ "لمن يطيعه أيضاً، والمعنى: أَلأَِنْ كان هذا الحلاّف المهين (الهماز) المشاء بنميم القناع للخير، [المعتدي] الأثيم ذا مال وبنين، تطيعه؟! ويحتمل أن يكون توبيخاً وتقريعاً لهذا الحلاف المهين. والمعنى: أَلأَِنْ كان هذا الحلاف ذا مال وبنين يقول - إذا تتلى عليه آياتنا -: هي أساطير الأولين: فيحسن الابتداء بالاستفهام على هذا الوجه، ولا يحسن الابتداء: "بأن كان ذا مال" في الوجهين الأولين؛ لأنه متعلق بالمخاطب. * * ومعنى ﴿أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾: أي: كتبهم وأخبارهم وهو جمع أسطورة. * * - ثم قال تعالى: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ * إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ﴾ قال ابن عباس: معناه: سنخطمه بالسيف فنجعل ذلك فيه سمة، أي: علامة، قال: وقد قاتل الذي نزلت فيه هذه الآية يوم بدر فخُطِم بالسيف في القتال. وقال قتادة: هو شين لا يفارقه. وروي عنه: شين على أنفه. قال المبرد: الخرطوم من الإنسان الأنف. ومن السباع موضع الشفة. والمعنى عنده: سَنَسِمُه على أنفه يوم القيامة بما يشوه خلفه وَيَعْرِفهُ بِهِ من شَهِدَه في القيامة أنه من أهل النار. وقيل: معناه: سنعلق به عاراً وسبة حتى يكون (بمنزلة من وسم على أنفه). وقيل: المعنى: سَنُسَوّد وجهه، فاستعير الأنف في موضع الوجه لأنه منه. وقيل: الخرطوم هنا: الخمر. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلاَ يَسْتَثْنُونَ﴾. أي: إنا بلونا قريشاً، أي: امتحناهم كما امتحنا أصحاب الجنة، إذ حلفوا ليصرمن ثمرها إذا أصبحوا ولا يقولون: إن شاء الله. قال عكرمة: هم أناس من الحبشة، كانت لأبيهم جنة، وكان يطعم المساكين (منها، فلما مات أبوهم قال بنوه: والله ما كان أبونا إلا أحمق حين يطعم المساكين)، فأقسموا لَيَصْرِمُنَّها مصبحين ولا يطعمون مسكيناً. قال قتادة: كان أََبُوهُم يتصدق، وكان بنوه ينهونه عن الصدقة وكان يمسك قوت سنة، وينفق ويتصدق بالفضل، فلما مات أبوهم، غدوا عليها وقالوا: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. [وقال] ابن عباس: كانوا (أهل) كتاب. والصَّرْم في اللغة: القطع، وهو الجَذَاذ. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾. أي: فطرق جنتهم ليلاً أمر من الله فأصبحت الجنة كالليل المظلم. قاله ابن عباس. وروي أن الله أرسل عليها ناراً فأحرقت الزرع. وقيل: الصريم أرض باليمن يقال [لها] [ضروان] من صنعاء، على ستة أميال. وقيل: (كالصريم) كالزرع الذي حُصِد. ويقال: لِلَّيْلِ صَرِيمٌ، وللنهار صريم، لأن كل واحد ينصرم عن الآخر. * * - ثم قال: ﴿فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ * أَنِ ٱغْدُواْ عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ﴾. (أي): فنادى بعضهم بعضاً بعد الصباح أن اغدوا لحصاد زرعكم إن كنتم حاصدين له. * * ﴿فَٱنطَلَقُواْ وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾. أي: فمضوا إلى حرثهم وهم يَتَسَارُّون بينهم في الخفاء، يقول بعضهم لبعض: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾. أي: وغدوا إلى جنتهم على قدرة في أنفسهم [وَجِدٍ]. قاله مجاهد. قال قتادة: غدا القوم وهم محردون إلى جنتهم قادرين عليها في أنفسهم. قال ابن زيد: "على جد قادرين في أنفسهم". وقيل: المعنى: ﴿وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [على] أمر أسَّسوه بينهم. وقال الحسن: ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ أي: على حاجة وفاقة. وقال سفيان ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ﴾ "على حَنَقٍ". وقال أبو عبيدة: ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ﴾: على منع. وقيل "على قصد". ومعنى "قادرين" عند الفراء: أي: قد قدَّروا هذا [وبنوا] عليه. وقيل: قادرين عند أنفسهم على ما دبروا من حصادها ومنع المساكين منها. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوۤاْ إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾. (أي): فلما رأوا جنتهم محترقاً حرثها أنكروها وظنوا أنهم غلطوا، فقال بعضهم لبعض: إنا لضالون الطريق إلى جنتنا، فقال من علم أنها جنتهم: بل نحن أيها القوم محرومون. قال قتادة: ﴿إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾ قد أخطأنا الطريق، ما هذه جنتنا، فقال بعضهم ممن عرفها: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: قد حرمنا نفعها. * * - ثم قال تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾. أي: قال لهم [أعدلهم] ألم أقل لكم، هلا تستثنون إذ قلتم لنصرمنها مصبحين، فتقولون إن شاء الله؟! قال مجاهد: لولا تسبحون، أي: تستثنون، وكان التسبيح فيهم الاستثناء. وأصل التسبيح في اللغة: التنزيه، فجعل قولهم "إن شاء الله" معناه تنزيه لله أن يكون شيء إلا بمشيئته. وظاهر [الآية] [يدل] على التسبيح بعينه، إذ بعده ﴿قَالُواْ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: (ظالمين) في منعنا المساكين أن يأخذوا ما يجب علينا. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ﴾. أي: فأقبل بعضهم يلوم بعضاً على تفريطهم في الاستثناء وإطعام المساكين. * * - ﴿قَالُواْ يٰوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾. قالوا: [تعال] يا ويل إلينا، فهذا وقت حضورك. وهذا شيء تقوله العرب عند الأمر العظيم: احضر يا ويل، فهذا من إبَّانك ووقتك. * * - ﴿إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾. أي معتدين مخالفين أمر الله. فندموا على ما فعلوا فأبدلهم الله خيراً منها. (يقال): إن التي أبدلوا الطائف اقتلعها جبريل عليه السلام من الأردن، وطاف بها حول البيت، ثم أنزلها في وادي ثقيف. * * - ثم قال ﴿عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ﴾ أي: عسى (ربنا) أن يعطينا بتوبتنا خيراً من جنتنا. - ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾. في ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ ٱلْعَذَابُ﴾ أي: كفعلنا بجنة هؤلاء فعلنا بمن كفر وخالف أمرنا في عاجل الدنيا. * * - ﴿وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ عقوبة لمن عصى الله. * * ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. (أي لو كانوا يعلمون) أن عقوبة الآخرة أعظم من عقوبة الدنيا.

القلم 68:22

قوله تعالى: ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. أي: [بخيل] بالمال عن إخراجه في الحقوق، معتد على الناس في معاملته إياهم ﴿أَثِيمٍ﴾: مأثوم في أعماله لمخالفته أمرَ رَبِّه. وقيل: ﴿أَثِيمٍ﴾: ذي إثم. - قال تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ﴾. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾. أي: (أَلأَِنْ) كان صاحب مال وبنين تطيعه على وجه التوبيخ لمن أطاعه، ثم أخبر عنه أنه يقول: إذا قرئت عليه آيات الله -: هي أساطير الأولين استهزاءً أو إنكاراً لها أن تكون من عند الله. "فَأَنْ" مفعول من أجله متعلقة بما بعدها أي: من أجل أنه ذو مال وبنين يقول:- ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾. ويجوز أن (تكون) أن "في موضع نصب متعلقة بقوله": ﴿مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ﴾ ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾، (أي): يفعل ذلك لأنْ كان ذا مال وبنين، فهي أيضاً مفعول من أجله. هذا على قراءة من قرأ: "أن كان" بغير استفهام، ومن قرأه بالاستفهام فهو إنكار وتوبيخ "لمن يطيعه أيضاً، والمعنى: أَلأَِنْ كان هذا الحلاّف المهين (الهماز) المشاء بنميم القناع للخير، [المعتدي] الأثيم ذا مال وبنين، تطيعه؟! ويحتمل أن يكون توبيخاً وتقريعاً لهذا الحلاف المهين. والمعنى: أَلأَِنْ كان هذا الحلاف ذا مال وبنين يقول - إذا تتلى عليه آياتنا -: هي أساطير الأولين: فيحسن الابتداء بالاستفهام على هذا الوجه، ولا يحسن الابتداء: "بأن كان ذا مال" في الوجهين الأولين؛ لأنه متعلق بالمخاطب. * * ومعنى ﴿أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾: أي: كتبهم وأخبارهم وهو جمع أسطورة. * * - ثم قال تعالى: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ * إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ﴾ قال ابن عباس: معناه: سنخطمه بالسيف فنجعل ذلك فيه سمة، أي: علامة، قال: وقد قاتل الذي نزلت فيه هذه الآية يوم بدر فخُطِم بالسيف في القتال. وقال قتادة: هو شين لا يفارقه. وروي عنه: شين على أنفه. قال المبرد: الخرطوم من الإنسان الأنف. ومن السباع موضع الشفة. والمعنى عنده: سَنَسِمُه على أنفه يوم القيامة بما يشوه خلفه وَيَعْرِفهُ بِهِ من شَهِدَه في القيامة أنه من أهل النار. وقيل: معناه: سنعلق به عاراً وسبة حتى يكون (بمنزلة من وسم على أنفه). وقيل: المعنى: سَنُسَوّد وجهه، فاستعير الأنف في موضع الوجه لأنه منه. وقيل: الخرطوم هنا: الخمر. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلاَ يَسْتَثْنُونَ﴾. أي: إنا بلونا قريشاً، أي: امتحناهم كما امتحنا أصحاب الجنة، إذ حلفوا ليصرمن ثمرها إذا أصبحوا ولا يقولون: إن شاء الله. قال عكرمة: هم أناس من الحبشة، كانت لأبيهم جنة، وكان يطعم المساكين (منها، فلما مات أبوهم قال بنوه: والله ما كان أبونا إلا أحمق حين يطعم المساكين)، فأقسموا لَيَصْرِمُنَّها مصبحين ولا يطعمون مسكيناً. قال قتادة: كان أََبُوهُم يتصدق، وكان بنوه ينهونه عن الصدقة وكان يمسك قوت سنة، وينفق ويتصدق بالفضل، فلما مات أبوهم، غدوا عليها وقالوا: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. [وقال] ابن عباس: كانوا (أهل) كتاب. والصَّرْم في اللغة: القطع، وهو الجَذَاذ. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾. أي: فطرق جنتهم ليلاً أمر من الله فأصبحت الجنة كالليل المظلم. قاله ابن عباس. وروي أن الله أرسل عليها ناراً فأحرقت الزرع. وقيل: الصريم أرض باليمن يقال [لها] [ضروان] من صنعاء، على ستة أميال. وقيل: (كالصريم) كالزرع الذي حُصِد. ويقال: لِلَّيْلِ صَرِيمٌ، وللنهار صريم، لأن كل واحد ينصرم عن الآخر. * * - ثم قال: ﴿فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ * أَنِ ٱغْدُواْ عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ﴾. (أي): فنادى بعضهم بعضاً بعد الصباح أن اغدوا لحصاد زرعكم إن كنتم حاصدين له. * * ﴿فَٱنطَلَقُواْ وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾. أي: فمضوا إلى حرثهم وهم يَتَسَارُّون بينهم في الخفاء، يقول بعضهم لبعض: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾. أي: وغدوا إلى جنتهم على قدرة في أنفسهم [وَجِدٍ]. قاله مجاهد. قال قتادة: غدا القوم وهم محردون إلى جنتهم قادرين عليها في أنفسهم. قال ابن زيد: "على جد قادرين في أنفسهم". وقيل: المعنى: ﴿وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [على] أمر أسَّسوه بينهم. وقال الحسن: ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ أي: على حاجة وفاقة. وقال سفيان ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ﴾ "على حَنَقٍ". وقال أبو عبيدة: ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ﴾: على منع. وقيل "على قصد". ومعنى "قادرين" عند الفراء: أي: قد قدَّروا هذا [وبنوا] عليه. وقيل: قادرين عند أنفسهم على ما دبروا من حصادها ومنع المساكين منها. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوۤاْ إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾. (أي): فلما رأوا جنتهم محترقاً حرثها أنكروها وظنوا أنهم غلطوا، فقال بعضهم لبعض: إنا لضالون الطريق إلى جنتنا، فقال من علم أنها جنتهم: بل نحن أيها القوم محرومون. قال قتادة: ﴿إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾ قد أخطأنا الطريق، ما هذه جنتنا، فقال بعضهم ممن عرفها: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: قد حرمنا نفعها. * * - ثم قال تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾. أي: قال لهم [أعدلهم] ألم أقل لكم، هلا تستثنون إذ قلتم لنصرمنها مصبحين، فتقولون إن شاء الله؟! قال مجاهد: لولا تسبحون، أي: تستثنون، وكان التسبيح فيهم الاستثناء. وأصل التسبيح في اللغة: التنزيه، فجعل قولهم "إن شاء الله" معناه تنزيه لله أن يكون شيء إلا بمشيئته. وظاهر [الآية] [يدل] على التسبيح بعينه، إذ بعده ﴿قَالُواْ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: (ظالمين) في منعنا المساكين أن يأخذوا ما يجب علينا. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ﴾. أي: فأقبل بعضهم يلوم بعضاً على تفريطهم في الاستثناء وإطعام المساكين. * * - ﴿قَالُواْ يٰوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾. قالوا: [تعال] يا ويل إلينا، فهذا وقت حضورك. وهذا شيء تقوله العرب عند الأمر العظيم: احضر يا ويل، فهذا من إبَّانك ووقتك. * * - ﴿إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾. أي معتدين مخالفين أمر الله. فندموا على ما فعلوا فأبدلهم الله خيراً منها. (يقال): إن التي أبدلوا الطائف اقتلعها جبريل عليه السلام من الأردن، وطاف بها حول البيت، ثم أنزلها في وادي ثقيف. * * - ثم قال ﴿عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ﴾ أي: عسى (ربنا) أن يعطينا بتوبتنا خيراً من جنتنا. - ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾. في ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ ٱلْعَذَابُ﴾ أي: كفعلنا بجنة هؤلاء فعلنا بمن كفر وخالف أمرنا في عاجل الدنيا. * * - ﴿وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ عقوبة لمن عصى الله. * * ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. (أي لو كانوا يعلمون) أن عقوبة الآخرة أعظم من عقوبة الدنيا.

القلم 68:23

قوله تعالى: ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. أي: [بخيل] بالمال عن إخراجه في الحقوق، معتد على الناس في معاملته إياهم ﴿أَثِيمٍ﴾: مأثوم في أعماله لمخالفته أمرَ رَبِّه. وقيل: ﴿أَثِيمٍ﴾: ذي إثم. - قال تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ﴾. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾. أي: (أَلأَِنْ) كان صاحب مال وبنين تطيعه على وجه التوبيخ لمن أطاعه، ثم أخبر عنه أنه يقول: إذا قرئت عليه آيات الله -: هي أساطير الأولين استهزاءً أو إنكاراً لها أن تكون من عند الله. "فَأَنْ" مفعول من أجله متعلقة بما بعدها أي: من أجل أنه ذو مال وبنين يقول:- ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾. ويجوز أن (تكون) أن "في موضع نصب متعلقة بقوله": ﴿مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ﴾ ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾، (أي): يفعل ذلك لأنْ كان ذا مال وبنين، فهي أيضاً مفعول من أجله. هذا على قراءة من قرأ: "أن كان" بغير استفهام، ومن قرأه بالاستفهام فهو إنكار وتوبيخ "لمن يطيعه أيضاً، والمعنى: أَلأَِنْ كان هذا الحلاّف المهين (الهماز) المشاء بنميم القناع للخير، [المعتدي] الأثيم ذا مال وبنين، تطيعه؟! ويحتمل أن يكون توبيخاً وتقريعاً لهذا الحلاف المهين. والمعنى: أَلأَِنْ كان هذا الحلاف ذا مال وبنين يقول - إذا تتلى عليه آياتنا -: هي أساطير الأولين: فيحسن الابتداء بالاستفهام على هذا الوجه، ولا يحسن الابتداء: "بأن كان ذا مال" في الوجهين الأولين؛ لأنه متعلق بالمخاطب. * * ومعنى ﴿أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾: أي: كتبهم وأخبارهم وهو جمع أسطورة. * * - ثم قال تعالى: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ * إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ﴾ قال ابن عباس: معناه: سنخطمه بالسيف فنجعل ذلك فيه سمة، أي: علامة، قال: وقد قاتل الذي نزلت فيه هذه الآية يوم بدر فخُطِم بالسيف في القتال. وقال قتادة: هو شين لا يفارقه. وروي عنه: شين على أنفه. قال المبرد: الخرطوم من الإنسان الأنف. ومن السباع موضع الشفة. والمعنى عنده: سَنَسِمُه على أنفه يوم القيامة بما يشوه خلفه وَيَعْرِفهُ بِهِ من شَهِدَه في القيامة أنه من أهل النار. وقيل: معناه: سنعلق به عاراً وسبة حتى يكون (بمنزلة من وسم على أنفه). وقيل: المعنى: سَنُسَوّد وجهه، فاستعير الأنف في موضع الوجه لأنه منه. وقيل: الخرطوم هنا: الخمر. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلاَ يَسْتَثْنُونَ﴾. أي: إنا بلونا قريشاً، أي: امتحناهم كما امتحنا أصحاب الجنة، إذ حلفوا ليصرمن ثمرها إذا أصبحوا ولا يقولون: إن شاء الله. قال عكرمة: هم أناس من الحبشة، كانت لأبيهم جنة، وكان يطعم المساكين (منها، فلما مات أبوهم قال بنوه: والله ما كان أبونا إلا أحمق حين يطعم المساكين)، فأقسموا لَيَصْرِمُنَّها مصبحين ولا يطعمون مسكيناً. قال قتادة: كان أََبُوهُم يتصدق، وكان بنوه ينهونه عن الصدقة وكان يمسك قوت سنة، وينفق ويتصدق بالفضل، فلما مات أبوهم، غدوا عليها وقالوا: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. [وقال] ابن عباس: كانوا (أهل) كتاب. والصَّرْم في اللغة: القطع، وهو الجَذَاذ. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾. أي: فطرق جنتهم ليلاً أمر من الله فأصبحت الجنة كالليل المظلم. قاله ابن عباس. وروي أن الله أرسل عليها ناراً فأحرقت الزرع. وقيل: الصريم أرض باليمن يقال [لها] [ضروان] من صنعاء، على ستة أميال. وقيل: (كالصريم) كالزرع الذي حُصِد. ويقال: لِلَّيْلِ صَرِيمٌ، وللنهار صريم، لأن كل واحد ينصرم عن الآخر. * * - ثم قال: ﴿فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ * أَنِ ٱغْدُواْ عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ﴾. (أي): فنادى بعضهم بعضاً بعد الصباح أن اغدوا لحصاد زرعكم إن كنتم حاصدين له. * * ﴿فَٱنطَلَقُواْ وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾. أي: فمضوا إلى حرثهم وهم يَتَسَارُّون بينهم في الخفاء، يقول بعضهم لبعض: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾. أي: وغدوا إلى جنتهم على قدرة في أنفسهم [وَجِدٍ]. قاله مجاهد. قال قتادة: غدا القوم وهم محردون إلى جنتهم قادرين عليها في أنفسهم. قال ابن زيد: "على جد قادرين في أنفسهم". وقيل: المعنى: ﴿وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [على] أمر أسَّسوه بينهم. وقال الحسن: ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ أي: على حاجة وفاقة. وقال سفيان ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ﴾ "على حَنَقٍ". وقال أبو عبيدة: ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ﴾: على منع. وقيل "على قصد". ومعنى "قادرين" عند الفراء: أي: قد قدَّروا هذا [وبنوا] عليه. وقيل: قادرين عند أنفسهم على ما دبروا من حصادها ومنع المساكين منها. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوۤاْ إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾. (أي): فلما رأوا جنتهم محترقاً حرثها أنكروها وظنوا أنهم غلطوا، فقال بعضهم لبعض: إنا لضالون الطريق إلى جنتنا، فقال من علم أنها جنتهم: بل نحن أيها القوم محرومون. قال قتادة: ﴿إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾ قد أخطأنا الطريق، ما هذه جنتنا، فقال بعضهم ممن عرفها: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: قد حرمنا نفعها. * * - ثم قال تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾. أي: قال لهم [أعدلهم] ألم أقل لكم، هلا تستثنون إذ قلتم لنصرمنها مصبحين، فتقولون إن شاء الله؟! قال مجاهد: لولا تسبحون، أي: تستثنون، وكان التسبيح فيهم الاستثناء. وأصل التسبيح في اللغة: التنزيه، فجعل قولهم "إن شاء الله" معناه تنزيه لله أن يكون شيء إلا بمشيئته. وظاهر [الآية] [يدل] على التسبيح بعينه، إذ بعده ﴿قَالُواْ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: (ظالمين) في منعنا المساكين أن يأخذوا ما يجب علينا. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ﴾. أي: فأقبل بعضهم يلوم بعضاً على تفريطهم في الاستثناء وإطعام المساكين. * * - ﴿قَالُواْ يٰوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾. قالوا: [تعال] يا ويل إلينا، فهذا وقت حضورك. وهذا شيء تقوله العرب عند الأمر العظيم: احضر يا ويل، فهذا من إبَّانك ووقتك. * * - ﴿إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾. أي معتدين مخالفين أمر الله. فندموا على ما فعلوا فأبدلهم الله خيراً منها. (يقال): إن التي أبدلوا الطائف اقتلعها جبريل عليه السلام من الأردن، وطاف بها حول البيت، ثم أنزلها في وادي ثقيف. * * - ثم قال ﴿عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ﴾ أي: عسى (ربنا) أن يعطينا بتوبتنا خيراً من جنتنا. - ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾. في ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ ٱلْعَذَابُ﴾ أي: كفعلنا بجنة هؤلاء فعلنا بمن كفر وخالف أمرنا في عاجل الدنيا. * * - ﴿وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ عقوبة لمن عصى الله. * * ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. (أي لو كانوا يعلمون) أن عقوبة الآخرة أعظم من عقوبة الدنيا.

القلم 68:24

قوله تعالى: ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. أي: [بخيل] بالمال عن إخراجه في الحقوق، معتد على الناس في معاملته إياهم ﴿أَثِيمٍ﴾: مأثوم في أعماله لمخالفته أمرَ رَبِّه. وقيل: ﴿أَثِيمٍ﴾: ذي إثم. - قال تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ﴾. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾. أي: (أَلأَِنْ) كان صاحب مال وبنين تطيعه على وجه التوبيخ لمن أطاعه، ثم أخبر عنه أنه يقول: إذا قرئت عليه آيات الله -: هي أساطير الأولين استهزاءً أو إنكاراً لها أن تكون من عند الله. "فَأَنْ" مفعول من أجله متعلقة بما بعدها أي: من أجل أنه ذو مال وبنين يقول:- ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾. ويجوز أن (تكون) أن "في موضع نصب متعلقة بقوله": ﴿مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ﴾ ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾، (أي): يفعل ذلك لأنْ كان ذا مال وبنين، فهي أيضاً مفعول من أجله. هذا على قراءة من قرأ: "أن كان" بغير استفهام، ومن قرأه بالاستفهام فهو إنكار وتوبيخ "لمن يطيعه أيضاً، والمعنى: أَلأَِنْ كان هذا الحلاّف المهين (الهماز) المشاء بنميم القناع للخير، [المعتدي] الأثيم ذا مال وبنين، تطيعه؟! ويحتمل أن يكون توبيخاً وتقريعاً لهذا الحلاف المهين. والمعنى: أَلأَِنْ كان هذا الحلاف ذا مال وبنين يقول - إذا تتلى عليه آياتنا -: هي أساطير الأولين: فيحسن الابتداء بالاستفهام على هذا الوجه، ولا يحسن الابتداء: "بأن كان ذا مال" في الوجهين الأولين؛ لأنه متعلق بالمخاطب. * * ومعنى ﴿أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾: أي: كتبهم وأخبارهم وهو جمع أسطورة. * * - ثم قال تعالى: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ * إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ﴾ قال ابن عباس: معناه: سنخطمه بالسيف فنجعل ذلك فيه سمة، أي: علامة، قال: وقد قاتل الذي نزلت فيه هذه الآية يوم بدر فخُطِم بالسيف في القتال. وقال قتادة: هو شين لا يفارقه. وروي عنه: شين على أنفه. قال المبرد: الخرطوم من الإنسان الأنف. ومن السباع موضع الشفة. والمعنى عنده: سَنَسِمُه على أنفه يوم القيامة بما يشوه خلفه وَيَعْرِفهُ بِهِ من شَهِدَه في القيامة أنه من أهل النار. وقيل: معناه: سنعلق به عاراً وسبة حتى يكون (بمنزلة من وسم على أنفه). وقيل: المعنى: سَنُسَوّد وجهه، فاستعير الأنف في موضع الوجه لأنه منه. وقيل: الخرطوم هنا: الخمر. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلاَ يَسْتَثْنُونَ﴾. أي: إنا بلونا قريشاً، أي: امتحناهم كما امتحنا أصحاب الجنة، إذ حلفوا ليصرمن ثمرها إذا أصبحوا ولا يقولون: إن شاء الله. قال عكرمة: هم أناس من الحبشة، كانت لأبيهم جنة، وكان يطعم المساكين (منها، فلما مات أبوهم قال بنوه: والله ما كان أبونا إلا أحمق حين يطعم المساكين)، فأقسموا لَيَصْرِمُنَّها مصبحين ولا يطعمون مسكيناً. قال قتادة: كان أََبُوهُم يتصدق، وكان بنوه ينهونه عن الصدقة وكان يمسك قوت سنة، وينفق ويتصدق بالفضل، فلما مات أبوهم، غدوا عليها وقالوا: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. [وقال] ابن عباس: كانوا (أهل) كتاب. والصَّرْم في اللغة: القطع، وهو الجَذَاذ. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾. أي: فطرق جنتهم ليلاً أمر من الله فأصبحت الجنة كالليل المظلم. قاله ابن عباس. وروي أن الله أرسل عليها ناراً فأحرقت الزرع. وقيل: الصريم أرض باليمن يقال [لها] [ضروان] من صنعاء، على ستة أميال. وقيل: (كالصريم) كالزرع الذي حُصِد. ويقال: لِلَّيْلِ صَرِيمٌ، وللنهار صريم، لأن كل واحد ينصرم عن الآخر. * * - ثم قال: ﴿فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ * أَنِ ٱغْدُواْ عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ﴾. (أي): فنادى بعضهم بعضاً بعد الصباح أن اغدوا لحصاد زرعكم إن كنتم حاصدين له. * * ﴿فَٱنطَلَقُواْ وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾. أي: فمضوا إلى حرثهم وهم يَتَسَارُّون بينهم في الخفاء، يقول بعضهم لبعض: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾. أي: وغدوا إلى جنتهم على قدرة في أنفسهم [وَجِدٍ]. قاله مجاهد. قال قتادة: غدا القوم وهم محردون إلى جنتهم قادرين عليها في أنفسهم. قال ابن زيد: "على جد قادرين في أنفسهم". وقيل: المعنى: ﴿وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [على] أمر أسَّسوه بينهم. وقال الحسن: ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ أي: على حاجة وفاقة. وقال سفيان ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ﴾ "على حَنَقٍ". وقال أبو عبيدة: ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ﴾: على منع. وقيل "على قصد". ومعنى "قادرين" عند الفراء: أي: قد قدَّروا هذا [وبنوا] عليه. وقيل: قادرين عند أنفسهم على ما دبروا من حصادها ومنع المساكين منها. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوۤاْ إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾. (أي): فلما رأوا جنتهم محترقاً حرثها أنكروها وظنوا أنهم غلطوا، فقال بعضهم لبعض: إنا لضالون الطريق إلى جنتنا، فقال من علم أنها جنتهم: بل نحن أيها القوم محرومون. قال قتادة: ﴿إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾ قد أخطأنا الطريق، ما هذه جنتنا، فقال بعضهم ممن عرفها: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: قد حرمنا نفعها. * * - ثم قال تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾. أي: قال لهم [أعدلهم] ألم أقل لكم، هلا تستثنون إذ قلتم لنصرمنها مصبحين، فتقولون إن شاء الله؟! قال مجاهد: لولا تسبحون، أي: تستثنون، وكان التسبيح فيهم الاستثناء. وأصل التسبيح في اللغة: التنزيه، فجعل قولهم "إن شاء الله" معناه تنزيه لله أن يكون شيء إلا بمشيئته. وظاهر [الآية] [يدل] على التسبيح بعينه، إذ بعده ﴿قَالُواْ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: (ظالمين) في منعنا المساكين أن يأخذوا ما يجب علينا. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ﴾. أي: فأقبل بعضهم يلوم بعضاً على تفريطهم في الاستثناء وإطعام المساكين. * * - ﴿قَالُواْ يٰوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾. قالوا: [تعال] يا ويل إلينا، فهذا وقت حضورك. وهذا شيء تقوله العرب عند الأمر العظيم: احضر يا ويل، فهذا من إبَّانك ووقتك. * * - ﴿إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾. أي معتدين مخالفين أمر الله. فندموا على ما فعلوا فأبدلهم الله خيراً منها. (يقال): إن التي أبدلوا الطائف اقتلعها جبريل عليه السلام من الأردن، وطاف بها حول البيت، ثم أنزلها في وادي ثقيف. * * - ثم قال ﴿عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ﴾ أي: عسى (ربنا) أن يعطينا بتوبتنا خيراً من جنتنا. - ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾. في ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ ٱلْعَذَابُ﴾ أي: كفعلنا بجنة هؤلاء فعلنا بمن كفر وخالف أمرنا في عاجل الدنيا. * * - ﴿وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ عقوبة لمن عصى الله. * * ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. (أي لو كانوا يعلمون) أن عقوبة الآخرة أعظم من عقوبة الدنيا.

القلم 68:25

قوله تعالى: ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. أي: [بخيل] بالمال عن إخراجه في الحقوق، معتد على الناس في معاملته إياهم ﴿أَثِيمٍ﴾: مأثوم في أعماله لمخالفته أمرَ رَبِّه. وقيل: ﴿أَثِيمٍ﴾: ذي إثم. - قال تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ﴾. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾. أي: (أَلأَِنْ) كان صاحب مال وبنين تطيعه على وجه التوبيخ لمن أطاعه، ثم أخبر عنه أنه يقول: إذا قرئت عليه آيات الله -: هي أساطير الأولين استهزاءً أو إنكاراً لها أن تكون من عند الله. "فَأَنْ" مفعول من أجله متعلقة بما بعدها أي: من أجل أنه ذو مال وبنين يقول:- ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾. ويجوز أن (تكون) أن "في موضع نصب متعلقة بقوله": ﴿مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ﴾ ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾، (أي): يفعل ذلك لأنْ كان ذا مال وبنين، فهي أيضاً مفعول من أجله. هذا على قراءة من قرأ: "أن كان" بغير استفهام، ومن قرأه بالاستفهام فهو إنكار وتوبيخ "لمن يطيعه أيضاً، والمعنى: أَلأَِنْ كان هذا الحلاّف المهين (الهماز) المشاء بنميم القناع للخير، [المعتدي] الأثيم ذا مال وبنين، تطيعه؟! ويحتمل أن يكون توبيخاً وتقريعاً لهذا الحلاف المهين. والمعنى: أَلأَِنْ كان هذا الحلاف ذا مال وبنين يقول - إذا تتلى عليه آياتنا -: هي أساطير الأولين: فيحسن الابتداء بالاستفهام على هذا الوجه، ولا يحسن الابتداء: "بأن كان ذا مال" في الوجهين الأولين؛ لأنه متعلق بالمخاطب. * * ومعنى ﴿أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾: أي: كتبهم وأخبارهم وهو جمع أسطورة. * * - ثم قال تعالى: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ * إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ﴾ قال ابن عباس: معناه: سنخطمه بالسيف فنجعل ذلك فيه سمة، أي: علامة، قال: وقد قاتل الذي نزلت فيه هذه الآية يوم بدر فخُطِم بالسيف في القتال. وقال قتادة: هو شين لا يفارقه. وروي عنه: شين على أنفه. قال المبرد: الخرطوم من الإنسان الأنف. ومن السباع موضع الشفة. والمعنى عنده: سَنَسِمُه على أنفه يوم القيامة بما يشوه خلفه وَيَعْرِفهُ بِهِ من شَهِدَه في القيامة أنه من أهل النار. وقيل: معناه: سنعلق به عاراً وسبة حتى يكون (بمنزلة من وسم على أنفه). وقيل: المعنى: سَنُسَوّد وجهه، فاستعير الأنف في موضع الوجه لأنه منه. وقيل: الخرطوم هنا: الخمر. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلاَ يَسْتَثْنُونَ﴾. أي: إنا بلونا قريشاً، أي: امتحناهم كما امتحنا أصحاب الجنة، إذ حلفوا ليصرمن ثمرها إذا أصبحوا ولا يقولون: إن شاء الله. قال عكرمة: هم أناس من الحبشة، كانت لأبيهم جنة، وكان يطعم المساكين (منها، فلما مات أبوهم قال بنوه: والله ما كان أبونا إلا أحمق حين يطعم المساكين)، فأقسموا لَيَصْرِمُنَّها مصبحين ولا يطعمون مسكيناً. قال قتادة: كان أََبُوهُم يتصدق، وكان بنوه ينهونه عن الصدقة وكان يمسك قوت سنة، وينفق ويتصدق بالفضل، فلما مات أبوهم، غدوا عليها وقالوا: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. [وقال] ابن عباس: كانوا (أهل) كتاب. والصَّرْم في اللغة: القطع، وهو الجَذَاذ. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾. أي: فطرق جنتهم ليلاً أمر من الله فأصبحت الجنة كالليل المظلم. قاله ابن عباس. وروي أن الله أرسل عليها ناراً فأحرقت الزرع. وقيل: الصريم أرض باليمن يقال [لها] [ضروان] من صنعاء، على ستة أميال. وقيل: (كالصريم) كالزرع الذي حُصِد. ويقال: لِلَّيْلِ صَرِيمٌ، وللنهار صريم، لأن كل واحد ينصرم عن الآخر. * * - ثم قال: ﴿فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ * أَنِ ٱغْدُواْ عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ﴾. (أي): فنادى بعضهم بعضاً بعد الصباح أن اغدوا لحصاد زرعكم إن كنتم حاصدين له. * * ﴿فَٱنطَلَقُواْ وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾. أي: فمضوا إلى حرثهم وهم يَتَسَارُّون بينهم في الخفاء، يقول بعضهم لبعض: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾. أي: وغدوا إلى جنتهم على قدرة في أنفسهم [وَجِدٍ]. قاله مجاهد. قال قتادة: غدا القوم وهم محردون إلى جنتهم قادرين عليها في أنفسهم. قال ابن زيد: "على جد قادرين في أنفسهم". وقيل: المعنى: ﴿وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [على] أمر أسَّسوه بينهم. وقال الحسن: ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ أي: على حاجة وفاقة. وقال سفيان ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ﴾ "على حَنَقٍ". وقال أبو عبيدة: ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ﴾: على منع. وقيل "على قصد". ومعنى "قادرين" عند الفراء: أي: قد قدَّروا هذا [وبنوا] عليه. وقيل: قادرين عند أنفسهم على ما دبروا من حصادها ومنع المساكين منها. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوۤاْ إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾. (أي): فلما رأوا جنتهم محترقاً حرثها أنكروها وظنوا أنهم غلطوا، فقال بعضهم لبعض: إنا لضالون الطريق إلى جنتنا، فقال من علم أنها جنتهم: بل نحن أيها القوم محرومون. قال قتادة: ﴿إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾ قد أخطأنا الطريق، ما هذه جنتنا، فقال بعضهم ممن عرفها: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: قد حرمنا نفعها. * * - ثم قال تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾. أي: قال لهم [أعدلهم] ألم أقل لكم، هلا تستثنون إذ قلتم لنصرمنها مصبحين، فتقولون إن شاء الله؟! قال مجاهد: لولا تسبحون، أي: تستثنون، وكان التسبيح فيهم الاستثناء. وأصل التسبيح في اللغة: التنزيه، فجعل قولهم "إن شاء الله" معناه تنزيه لله أن يكون شيء إلا بمشيئته. وظاهر [الآية] [يدل] على التسبيح بعينه، إذ بعده ﴿قَالُواْ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: (ظالمين) في منعنا المساكين أن يأخذوا ما يجب علينا. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ﴾. أي: فأقبل بعضهم يلوم بعضاً على تفريطهم في الاستثناء وإطعام المساكين. * * - ﴿قَالُواْ يٰوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾. قالوا: [تعال] يا ويل إلينا، فهذا وقت حضورك. وهذا شيء تقوله العرب عند الأمر العظيم: احضر يا ويل، فهذا من إبَّانك ووقتك. * * - ﴿إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾. أي معتدين مخالفين أمر الله. فندموا على ما فعلوا فأبدلهم الله خيراً منها. (يقال): إن التي أبدلوا الطائف اقتلعها جبريل عليه السلام من الأردن، وطاف بها حول البيت، ثم أنزلها في وادي ثقيف. * * - ثم قال ﴿عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ﴾ أي: عسى (ربنا) أن يعطينا بتوبتنا خيراً من جنتنا. - ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾. في ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ ٱلْعَذَابُ﴾ أي: كفعلنا بجنة هؤلاء فعلنا بمن كفر وخالف أمرنا في عاجل الدنيا. * * - ﴿وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ عقوبة لمن عصى الله. * * ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. (أي لو كانوا يعلمون) أن عقوبة الآخرة أعظم من عقوبة الدنيا.

القلم 68:26

قوله تعالى: ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. أي: [بخيل] بالمال عن إخراجه في الحقوق، معتد على الناس في معاملته إياهم ﴿أَثِيمٍ﴾: مأثوم في أعماله لمخالفته أمرَ رَبِّه. وقيل: ﴿أَثِيمٍ﴾: ذي إثم. - قال تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ﴾. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾. أي: (أَلأَِنْ) كان صاحب مال وبنين تطيعه على وجه التوبيخ لمن أطاعه، ثم أخبر عنه أنه يقول: إذا قرئت عليه آيات الله -: هي أساطير الأولين استهزاءً أو إنكاراً لها أن تكون من عند الله. "فَأَنْ" مفعول من أجله متعلقة بما بعدها أي: من أجل أنه ذو مال وبنين يقول:- ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾. ويجوز أن (تكون) أن "في موضع نصب متعلقة بقوله": ﴿مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ﴾ ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾، (أي): يفعل ذلك لأنْ كان ذا مال وبنين، فهي أيضاً مفعول من أجله. هذا على قراءة من قرأ: "أن كان" بغير استفهام، ومن قرأه بالاستفهام فهو إنكار وتوبيخ "لمن يطيعه أيضاً، والمعنى: أَلأَِنْ كان هذا الحلاّف المهين (الهماز) المشاء بنميم القناع للخير، [المعتدي] الأثيم ذا مال وبنين، تطيعه؟! ويحتمل أن يكون توبيخاً وتقريعاً لهذا الحلاف المهين. والمعنى: أَلأَِنْ كان هذا الحلاف ذا مال وبنين يقول - إذا تتلى عليه آياتنا -: هي أساطير الأولين: فيحسن الابتداء بالاستفهام على هذا الوجه، ولا يحسن الابتداء: "بأن كان ذا مال" في الوجهين الأولين؛ لأنه متعلق بالمخاطب. * * ومعنى ﴿أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾: أي: كتبهم وأخبارهم وهو جمع أسطورة. * * - ثم قال تعالى: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ * إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ﴾ قال ابن عباس: معناه: سنخطمه بالسيف فنجعل ذلك فيه سمة، أي: علامة، قال: وقد قاتل الذي نزلت فيه هذه الآية يوم بدر فخُطِم بالسيف في القتال. وقال قتادة: هو شين لا يفارقه. وروي عنه: شين على أنفه. قال المبرد: الخرطوم من الإنسان الأنف. ومن السباع موضع الشفة. والمعنى عنده: سَنَسِمُه على أنفه يوم القيامة بما يشوه خلفه وَيَعْرِفهُ بِهِ من شَهِدَه في القيامة أنه من أهل النار. وقيل: معناه: سنعلق به عاراً وسبة حتى يكون (بمنزلة من وسم على أنفه). وقيل: المعنى: سَنُسَوّد وجهه، فاستعير الأنف في موضع الوجه لأنه منه. وقيل: الخرطوم هنا: الخمر. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلاَ يَسْتَثْنُونَ﴾. أي: إنا بلونا قريشاً، أي: امتحناهم كما امتحنا أصحاب الجنة، إذ حلفوا ليصرمن ثمرها إذا أصبحوا ولا يقولون: إن شاء الله. قال عكرمة: هم أناس من الحبشة، كانت لأبيهم جنة، وكان يطعم المساكين (منها، فلما مات أبوهم قال بنوه: والله ما كان أبونا إلا أحمق حين يطعم المساكين)، فأقسموا لَيَصْرِمُنَّها مصبحين ولا يطعمون مسكيناً. قال قتادة: كان أََبُوهُم يتصدق، وكان بنوه ينهونه عن الصدقة وكان يمسك قوت سنة، وينفق ويتصدق بالفضل، فلما مات أبوهم، غدوا عليها وقالوا: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. [وقال] ابن عباس: كانوا (أهل) كتاب. والصَّرْم في اللغة: القطع، وهو الجَذَاذ. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾. أي: فطرق جنتهم ليلاً أمر من الله فأصبحت الجنة كالليل المظلم. قاله ابن عباس. وروي أن الله أرسل عليها ناراً فأحرقت الزرع. وقيل: الصريم أرض باليمن يقال [لها] [ضروان] من صنعاء، على ستة أميال. وقيل: (كالصريم) كالزرع الذي حُصِد. ويقال: لِلَّيْلِ صَرِيمٌ، وللنهار صريم، لأن كل واحد ينصرم عن الآخر. * * - ثم قال: ﴿فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ * أَنِ ٱغْدُواْ عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ﴾. (أي): فنادى بعضهم بعضاً بعد الصباح أن اغدوا لحصاد زرعكم إن كنتم حاصدين له. * * ﴿فَٱنطَلَقُواْ وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾. أي: فمضوا إلى حرثهم وهم يَتَسَارُّون بينهم في الخفاء، يقول بعضهم لبعض: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾. أي: وغدوا إلى جنتهم على قدرة في أنفسهم [وَجِدٍ]. قاله مجاهد. قال قتادة: غدا القوم وهم محردون إلى جنتهم قادرين عليها في أنفسهم. قال ابن زيد: "على جد قادرين في أنفسهم". وقيل: المعنى: ﴿وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [على] أمر أسَّسوه بينهم. وقال الحسن: ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ أي: على حاجة وفاقة. وقال سفيان ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ﴾ "على حَنَقٍ". وقال أبو عبيدة: ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ﴾: على منع. وقيل "على قصد". ومعنى "قادرين" عند الفراء: أي: قد قدَّروا هذا [وبنوا] عليه. وقيل: قادرين عند أنفسهم على ما دبروا من حصادها ومنع المساكين منها. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوۤاْ إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾. (أي): فلما رأوا جنتهم محترقاً حرثها أنكروها وظنوا أنهم غلطوا، فقال بعضهم لبعض: إنا لضالون الطريق إلى جنتنا، فقال من علم أنها جنتهم: بل نحن أيها القوم محرومون. قال قتادة: ﴿إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾ قد أخطأنا الطريق، ما هذه جنتنا، فقال بعضهم ممن عرفها: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: قد حرمنا نفعها. * * - ثم قال تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾. أي: قال لهم [أعدلهم] ألم أقل لكم، هلا تستثنون إذ قلتم لنصرمنها مصبحين، فتقولون إن شاء الله؟! قال مجاهد: لولا تسبحون، أي: تستثنون، وكان التسبيح فيهم الاستثناء. وأصل التسبيح في اللغة: التنزيه، فجعل قولهم "إن شاء الله" معناه تنزيه لله أن يكون شيء إلا بمشيئته. وظاهر [الآية] [يدل] على التسبيح بعينه، إذ بعده ﴿قَالُواْ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: (ظالمين) في منعنا المساكين أن يأخذوا ما يجب علينا. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ﴾. أي: فأقبل بعضهم يلوم بعضاً على تفريطهم في الاستثناء وإطعام المساكين. * * - ﴿قَالُواْ يٰوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾. قالوا: [تعال] يا ويل إلينا، فهذا وقت حضورك. وهذا شيء تقوله العرب عند الأمر العظيم: احضر يا ويل، فهذا من إبَّانك ووقتك. * * - ﴿إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾. أي معتدين مخالفين أمر الله. فندموا على ما فعلوا فأبدلهم الله خيراً منها. (يقال): إن التي أبدلوا الطائف اقتلعها جبريل عليه السلام من الأردن، وطاف بها حول البيت، ثم أنزلها في وادي ثقيف. * * - ثم قال ﴿عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ﴾ أي: عسى (ربنا) أن يعطينا بتوبتنا خيراً من جنتنا. - ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾. في ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ ٱلْعَذَابُ﴾ أي: كفعلنا بجنة هؤلاء فعلنا بمن كفر وخالف أمرنا في عاجل الدنيا. * * - ﴿وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ عقوبة لمن عصى الله. * * ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. (أي لو كانوا يعلمون) أن عقوبة الآخرة أعظم من عقوبة الدنيا.

القلم 68:27

قوله تعالى: ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. أي: [بخيل] بالمال عن إخراجه في الحقوق، معتد على الناس في معاملته إياهم ﴿أَثِيمٍ﴾: مأثوم في أعماله لمخالفته أمرَ رَبِّه. وقيل: ﴿أَثِيمٍ﴾: ذي إثم. - قال تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ﴾. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾. أي: (أَلأَِنْ) كان صاحب مال وبنين تطيعه على وجه التوبيخ لمن أطاعه، ثم أخبر عنه أنه يقول: إذا قرئت عليه آيات الله -: هي أساطير الأولين استهزاءً أو إنكاراً لها أن تكون من عند الله. "فَأَنْ" مفعول من أجله متعلقة بما بعدها أي: من أجل أنه ذو مال وبنين يقول:- ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾. ويجوز أن (تكون) أن "في موضع نصب متعلقة بقوله": ﴿مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ﴾ ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾، (أي): يفعل ذلك لأنْ كان ذا مال وبنين، فهي أيضاً مفعول من أجله. هذا على قراءة من قرأ: "أن كان" بغير استفهام، ومن قرأه بالاستفهام فهو إنكار وتوبيخ "لمن يطيعه أيضاً، والمعنى: أَلأَِنْ كان هذا الحلاّف المهين (الهماز) المشاء بنميم القناع للخير، [المعتدي] الأثيم ذا مال وبنين، تطيعه؟! ويحتمل أن يكون توبيخاً وتقريعاً لهذا الحلاف المهين. والمعنى: أَلأَِنْ كان هذا الحلاف ذا مال وبنين يقول - إذا تتلى عليه آياتنا -: هي أساطير الأولين: فيحسن الابتداء بالاستفهام على هذا الوجه، ولا يحسن الابتداء: "بأن كان ذا مال" في الوجهين الأولين؛ لأنه متعلق بالمخاطب. * * ومعنى ﴿أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾: أي: كتبهم وأخبارهم وهو جمع أسطورة. * * - ثم قال تعالى: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ * إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ﴾ قال ابن عباس: معناه: سنخطمه بالسيف فنجعل ذلك فيه سمة، أي: علامة، قال: وقد قاتل الذي نزلت فيه هذه الآية يوم بدر فخُطِم بالسيف في القتال. وقال قتادة: هو شين لا يفارقه. وروي عنه: شين على أنفه. قال المبرد: الخرطوم من الإنسان الأنف. ومن السباع موضع الشفة. والمعنى عنده: سَنَسِمُه على أنفه يوم القيامة بما يشوه خلفه وَيَعْرِفهُ بِهِ من شَهِدَه في القيامة أنه من أهل النار. وقيل: معناه: سنعلق به عاراً وسبة حتى يكون (بمنزلة من وسم على أنفه). وقيل: المعنى: سَنُسَوّد وجهه، فاستعير الأنف في موضع الوجه لأنه منه. وقيل: الخرطوم هنا: الخمر. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلاَ يَسْتَثْنُونَ﴾. أي: إنا بلونا قريشاً، أي: امتحناهم كما امتحنا أصحاب الجنة، إذ حلفوا ليصرمن ثمرها إذا أصبحوا ولا يقولون: إن شاء الله. قال عكرمة: هم أناس من الحبشة، كانت لأبيهم جنة، وكان يطعم المساكين (منها، فلما مات أبوهم قال بنوه: والله ما كان أبونا إلا أحمق حين يطعم المساكين)، فأقسموا لَيَصْرِمُنَّها مصبحين ولا يطعمون مسكيناً. قال قتادة: كان أََبُوهُم يتصدق، وكان بنوه ينهونه عن الصدقة وكان يمسك قوت سنة، وينفق ويتصدق بالفضل، فلما مات أبوهم، غدوا عليها وقالوا: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. [وقال] ابن عباس: كانوا (أهل) كتاب. والصَّرْم في اللغة: القطع، وهو الجَذَاذ. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾. أي: فطرق جنتهم ليلاً أمر من الله فأصبحت الجنة كالليل المظلم. قاله ابن عباس. وروي أن الله أرسل عليها ناراً فأحرقت الزرع. وقيل: الصريم أرض باليمن يقال [لها] [ضروان] من صنعاء، على ستة أميال. وقيل: (كالصريم) كالزرع الذي حُصِد. ويقال: لِلَّيْلِ صَرِيمٌ، وللنهار صريم، لأن كل واحد ينصرم عن الآخر. * * - ثم قال: ﴿فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ * أَنِ ٱغْدُواْ عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ﴾. (أي): فنادى بعضهم بعضاً بعد الصباح أن اغدوا لحصاد زرعكم إن كنتم حاصدين له. * * ﴿فَٱنطَلَقُواْ وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾. أي: فمضوا إلى حرثهم وهم يَتَسَارُّون بينهم في الخفاء، يقول بعضهم لبعض: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾. أي: وغدوا إلى جنتهم على قدرة في أنفسهم [وَجِدٍ]. قاله مجاهد. قال قتادة: غدا القوم وهم محردون إلى جنتهم قادرين عليها في أنفسهم. قال ابن زيد: "على جد قادرين في أنفسهم". وقيل: المعنى: ﴿وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [على] أمر أسَّسوه بينهم. وقال الحسن: ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ أي: على حاجة وفاقة. وقال سفيان ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ﴾ "على حَنَقٍ". وقال أبو عبيدة: ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ﴾: على منع. وقيل "على قصد". ومعنى "قادرين" عند الفراء: أي: قد قدَّروا هذا [وبنوا] عليه. وقيل: قادرين عند أنفسهم على ما دبروا من حصادها ومنع المساكين منها. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوۤاْ إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾. (أي): فلما رأوا جنتهم محترقاً حرثها أنكروها وظنوا أنهم غلطوا، فقال بعضهم لبعض: إنا لضالون الطريق إلى جنتنا، فقال من علم أنها جنتهم: بل نحن أيها القوم محرومون. قال قتادة: ﴿إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾ قد أخطأنا الطريق، ما هذه جنتنا، فقال بعضهم ممن عرفها: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: قد حرمنا نفعها. * * - ثم قال تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾. أي: قال لهم [أعدلهم] ألم أقل لكم، هلا تستثنون إذ قلتم لنصرمنها مصبحين، فتقولون إن شاء الله؟! قال مجاهد: لولا تسبحون، أي: تستثنون، وكان التسبيح فيهم الاستثناء. وأصل التسبيح في اللغة: التنزيه، فجعل قولهم "إن شاء الله" معناه تنزيه لله أن يكون شيء إلا بمشيئته. وظاهر [الآية] [يدل] على التسبيح بعينه، إذ بعده ﴿قَالُواْ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: (ظالمين) في منعنا المساكين أن يأخذوا ما يجب علينا. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ﴾. أي: فأقبل بعضهم يلوم بعضاً على تفريطهم في الاستثناء وإطعام المساكين. * * - ﴿قَالُواْ يٰوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾. قالوا: [تعال] يا ويل إلينا، فهذا وقت حضورك. وهذا شيء تقوله العرب عند الأمر العظيم: احضر يا ويل، فهذا من إبَّانك ووقتك. * * - ﴿إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾. أي معتدين مخالفين أمر الله. فندموا على ما فعلوا فأبدلهم الله خيراً منها. (يقال): إن التي أبدلوا الطائف اقتلعها جبريل عليه السلام من الأردن، وطاف بها حول البيت، ثم أنزلها في وادي ثقيف. * * - ثم قال ﴿عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ﴾ أي: عسى (ربنا) أن يعطينا بتوبتنا خيراً من جنتنا. - ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾. في ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ ٱلْعَذَابُ﴾ أي: كفعلنا بجنة هؤلاء فعلنا بمن كفر وخالف أمرنا في عاجل الدنيا. * * - ﴿وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ عقوبة لمن عصى الله. * * ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. (أي لو كانوا يعلمون) أن عقوبة الآخرة أعظم من عقوبة الدنيا.

القلم 68:28

قوله تعالى: ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. أي: [بخيل] بالمال عن إخراجه في الحقوق، معتد على الناس في معاملته إياهم ﴿أَثِيمٍ﴾: مأثوم في أعماله لمخالفته أمرَ رَبِّه. وقيل: ﴿أَثِيمٍ﴾: ذي إثم. - قال تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ﴾. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾. أي: (أَلأَِنْ) كان صاحب مال وبنين تطيعه على وجه التوبيخ لمن أطاعه، ثم أخبر عنه أنه يقول: إذا قرئت عليه آيات الله -: هي أساطير الأولين استهزاءً أو إنكاراً لها أن تكون من عند الله. "فَأَنْ" مفعول من أجله متعلقة بما بعدها أي: من أجل أنه ذو مال وبنين يقول:- ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾. ويجوز أن (تكون) أن "في موضع نصب متعلقة بقوله": ﴿مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ﴾ ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾، (أي): يفعل ذلك لأنْ كان ذا مال وبنين، فهي أيضاً مفعول من أجله. هذا على قراءة من قرأ: "أن كان" بغير استفهام، ومن قرأه بالاستفهام فهو إنكار وتوبيخ "لمن يطيعه أيضاً، والمعنى: أَلأَِنْ كان هذا الحلاّف المهين (الهماز) المشاء بنميم القناع للخير، [المعتدي] الأثيم ذا مال وبنين، تطيعه؟! ويحتمل أن يكون توبيخاً وتقريعاً لهذا الحلاف المهين. والمعنى: أَلأَِنْ كان هذا الحلاف ذا مال وبنين يقول - إذا تتلى عليه آياتنا -: هي أساطير الأولين: فيحسن الابتداء بالاستفهام على هذا الوجه، ولا يحسن الابتداء: "بأن كان ذا مال" في الوجهين الأولين؛ لأنه متعلق بالمخاطب. * * ومعنى ﴿أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾: أي: كتبهم وأخبارهم وهو جمع أسطورة. * * - ثم قال تعالى: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ * إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ﴾ قال ابن عباس: معناه: سنخطمه بالسيف فنجعل ذلك فيه سمة، أي: علامة، قال: وقد قاتل الذي نزلت فيه هذه الآية يوم بدر فخُطِم بالسيف في القتال. وقال قتادة: هو شين لا يفارقه. وروي عنه: شين على أنفه. قال المبرد: الخرطوم من الإنسان الأنف. ومن السباع موضع الشفة. والمعنى عنده: سَنَسِمُه على أنفه يوم القيامة بما يشوه خلفه وَيَعْرِفهُ بِهِ من شَهِدَه في القيامة أنه من أهل النار. وقيل: معناه: سنعلق به عاراً وسبة حتى يكون (بمنزلة من وسم على أنفه). وقيل: المعنى: سَنُسَوّد وجهه، فاستعير الأنف في موضع الوجه لأنه منه. وقيل: الخرطوم هنا: الخمر. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلاَ يَسْتَثْنُونَ﴾. أي: إنا بلونا قريشاً، أي: امتحناهم كما امتحنا أصحاب الجنة، إذ حلفوا ليصرمن ثمرها إذا أصبحوا ولا يقولون: إن شاء الله. قال عكرمة: هم أناس من الحبشة، كانت لأبيهم جنة، وكان يطعم المساكين (منها، فلما مات أبوهم قال بنوه: والله ما كان أبونا إلا أحمق حين يطعم المساكين)، فأقسموا لَيَصْرِمُنَّها مصبحين ولا يطعمون مسكيناً. قال قتادة: كان أََبُوهُم يتصدق، وكان بنوه ينهونه عن الصدقة وكان يمسك قوت سنة، وينفق ويتصدق بالفضل، فلما مات أبوهم، غدوا عليها وقالوا: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. [وقال] ابن عباس: كانوا (أهل) كتاب. والصَّرْم في اللغة: القطع، وهو الجَذَاذ. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾. أي: فطرق جنتهم ليلاً أمر من الله فأصبحت الجنة كالليل المظلم. قاله ابن عباس. وروي أن الله أرسل عليها ناراً فأحرقت الزرع. وقيل: الصريم أرض باليمن يقال [لها] [ضروان] من صنعاء، على ستة أميال. وقيل: (كالصريم) كالزرع الذي حُصِد. ويقال: لِلَّيْلِ صَرِيمٌ، وللنهار صريم، لأن كل واحد ينصرم عن الآخر. * * - ثم قال: ﴿فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ * أَنِ ٱغْدُواْ عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ﴾. (أي): فنادى بعضهم بعضاً بعد الصباح أن اغدوا لحصاد زرعكم إن كنتم حاصدين له. * * ﴿فَٱنطَلَقُواْ وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾. أي: فمضوا إلى حرثهم وهم يَتَسَارُّون بينهم في الخفاء، يقول بعضهم لبعض: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾. أي: وغدوا إلى جنتهم على قدرة في أنفسهم [وَجِدٍ]. قاله مجاهد. قال قتادة: غدا القوم وهم محردون إلى جنتهم قادرين عليها في أنفسهم. قال ابن زيد: "على جد قادرين في أنفسهم". وقيل: المعنى: ﴿وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [على] أمر أسَّسوه بينهم. وقال الحسن: ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ أي: على حاجة وفاقة. وقال سفيان ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ﴾ "على حَنَقٍ". وقال أبو عبيدة: ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ﴾: على منع. وقيل "على قصد". ومعنى "قادرين" عند الفراء: أي: قد قدَّروا هذا [وبنوا] عليه. وقيل: قادرين عند أنفسهم على ما دبروا من حصادها ومنع المساكين منها. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوۤاْ إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾. (أي): فلما رأوا جنتهم محترقاً حرثها أنكروها وظنوا أنهم غلطوا، فقال بعضهم لبعض: إنا لضالون الطريق إلى جنتنا، فقال من علم أنها جنتهم: بل نحن أيها القوم محرومون. قال قتادة: ﴿إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾ قد أخطأنا الطريق، ما هذه جنتنا، فقال بعضهم ممن عرفها: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: قد حرمنا نفعها. * * - ثم قال تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾. أي: قال لهم [أعدلهم] ألم أقل لكم، هلا تستثنون إذ قلتم لنصرمنها مصبحين، فتقولون إن شاء الله؟! قال مجاهد: لولا تسبحون، أي: تستثنون، وكان التسبيح فيهم الاستثناء. وأصل التسبيح في اللغة: التنزيه، فجعل قولهم "إن شاء الله" معناه تنزيه لله أن يكون شيء إلا بمشيئته. وظاهر [الآية] [يدل] على التسبيح بعينه، إذ بعده ﴿قَالُواْ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: (ظالمين) في منعنا المساكين أن يأخذوا ما يجب علينا. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ﴾. أي: فأقبل بعضهم يلوم بعضاً على تفريطهم في الاستثناء وإطعام المساكين. * * - ﴿قَالُواْ يٰوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾. قالوا: [تعال] يا ويل إلينا، فهذا وقت حضورك. وهذا شيء تقوله العرب عند الأمر العظيم: احضر يا ويل، فهذا من إبَّانك ووقتك. * * - ﴿إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾. أي معتدين مخالفين أمر الله. فندموا على ما فعلوا فأبدلهم الله خيراً منها. (يقال): إن التي أبدلوا الطائف اقتلعها جبريل عليه السلام من الأردن، وطاف بها حول البيت، ثم أنزلها في وادي ثقيف. * * - ثم قال ﴿عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ﴾ أي: عسى (ربنا) أن يعطينا بتوبتنا خيراً من جنتنا. - ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾. في ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ ٱلْعَذَابُ﴾ أي: كفعلنا بجنة هؤلاء فعلنا بمن كفر وخالف أمرنا في عاجل الدنيا. * * - ﴿وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ عقوبة لمن عصى الله. * * ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. (أي لو كانوا يعلمون) أن عقوبة الآخرة أعظم من عقوبة الدنيا.

القلم 68:29

قوله تعالى: ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. أي: [بخيل] بالمال عن إخراجه في الحقوق، معتد على الناس في معاملته إياهم ﴿أَثِيمٍ﴾: مأثوم في أعماله لمخالفته أمرَ رَبِّه. وقيل: ﴿أَثِيمٍ﴾: ذي إثم. - قال تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ﴾. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾. أي: (أَلأَِنْ) كان صاحب مال وبنين تطيعه على وجه التوبيخ لمن أطاعه، ثم أخبر عنه أنه يقول: إذا قرئت عليه آيات الله -: هي أساطير الأولين استهزاءً أو إنكاراً لها أن تكون من عند الله. "فَأَنْ" مفعول من أجله متعلقة بما بعدها أي: من أجل أنه ذو مال وبنين يقول:- ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾. ويجوز أن (تكون) أن "في موضع نصب متعلقة بقوله": ﴿مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ﴾ ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾، (أي): يفعل ذلك لأنْ كان ذا مال وبنين، فهي أيضاً مفعول من أجله. هذا على قراءة من قرأ: "أن كان" بغير استفهام، ومن قرأه بالاستفهام فهو إنكار وتوبيخ "لمن يطيعه أيضاً، والمعنى: أَلأَِنْ كان هذا الحلاّف المهين (الهماز) المشاء بنميم القناع للخير، [المعتدي] الأثيم ذا مال وبنين، تطيعه؟! ويحتمل أن يكون توبيخاً وتقريعاً لهذا الحلاف المهين. والمعنى: أَلأَِنْ كان هذا الحلاف ذا مال وبنين يقول - إذا تتلى عليه آياتنا -: هي أساطير الأولين: فيحسن الابتداء بالاستفهام على هذا الوجه، ولا يحسن الابتداء: "بأن كان ذا مال" في الوجهين الأولين؛ لأنه متعلق بالمخاطب. * * ومعنى ﴿أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾: أي: كتبهم وأخبارهم وهو جمع أسطورة. * * - ثم قال تعالى: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ * إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ﴾ قال ابن عباس: معناه: سنخطمه بالسيف فنجعل ذلك فيه سمة، أي: علامة، قال: وقد قاتل الذي نزلت فيه هذه الآية يوم بدر فخُطِم بالسيف في القتال. وقال قتادة: هو شين لا يفارقه. وروي عنه: شين على أنفه. قال المبرد: الخرطوم من الإنسان الأنف. ومن السباع موضع الشفة. والمعنى عنده: سَنَسِمُه على أنفه يوم القيامة بما يشوه خلفه وَيَعْرِفهُ بِهِ من شَهِدَه في القيامة أنه من أهل النار. وقيل: معناه: سنعلق به عاراً وسبة حتى يكون (بمنزلة من وسم على أنفه). وقيل: المعنى: سَنُسَوّد وجهه، فاستعير الأنف في موضع الوجه لأنه منه. وقيل: الخرطوم هنا: الخمر. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلاَ يَسْتَثْنُونَ﴾. أي: إنا بلونا قريشاً، أي: امتحناهم كما امتحنا أصحاب الجنة، إذ حلفوا ليصرمن ثمرها إذا أصبحوا ولا يقولون: إن شاء الله. قال عكرمة: هم أناس من الحبشة، كانت لأبيهم جنة، وكان يطعم المساكين (منها، فلما مات أبوهم قال بنوه: والله ما كان أبونا إلا أحمق حين يطعم المساكين)، فأقسموا لَيَصْرِمُنَّها مصبحين ولا يطعمون مسكيناً. قال قتادة: كان أََبُوهُم يتصدق، وكان بنوه ينهونه عن الصدقة وكان يمسك قوت سنة، وينفق ويتصدق بالفضل، فلما مات أبوهم، غدوا عليها وقالوا: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. [وقال] ابن عباس: كانوا (أهل) كتاب. والصَّرْم في اللغة: القطع، وهو الجَذَاذ. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾. أي: فطرق جنتهم ليلاً أمر من الله فأصبحت الجنة كالليل المظلم. قاله ابن عباس. وروي أن الله أرسل عليها ناراً فأحرقت الزرع. وقيل: الصريم أرض باليمن يقال [لها] [ضروان] من صنعاء، على ستة أميال. وقيل: (كالصريم) كالزرع الذي حُصِد. ويقال: لِلَّيْلِ صَرِيمٌ، وللنهار صريم، لأن كل واحد ينصرم عن الآخر. * * - ثم قال: ﴿فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ * أَنِ ٱغْدُواْ عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ﴾. (أي): فنادى بعضهم بعضاً بعد الصباح أن اغدوا لحصاد زرعكم إن كنتم حاصدين له. * * ﴿فَٱنطَلَقُواْ وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾. أي: فمضوا إلى حرثهم وهم يَتَسَارُّون بينهم في الخفاء، يقول بعضهم لبعض: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾. أي: وغدوا إلى جنتهم على قدرة في أنفسهم [وَجِدٍ]. قاله مجاهد. قال قتادة: غدا القوم وهم محردون إلى جنتهم قادرين عليها في أنفسهم. قال ابن زيد: "على جد قادرين في أنفسهم". وقيل: المعنى: ﴿وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [على] أمر أسَّسوه بينهم. وقال الحسن: ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ أي: على حاجة وفاقة. وقال سفيان ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ﴾ "على حَنَقٍ". وقال أبو عبيدة: ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ﴾: على منع. وقيل "على قصد". ومعنى "قادرين" عند الفراء: أي: قد قدَّروا هذا [وبنوا] عليه. وقيل: قادرين عند أنفسهم على ما دبروا من حصادها ومنع المساكين منها. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوۤاْ إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾. (أي): فلما رأوا جنتهم محترقاً حرثها أنكروها وظنوا أنهم غلطوا، فقال بعضهم لبعض: إنا لضالون الطريق إلى جنتنا، فقال من علم أنها جنتهم: بل نحن أيها القوم محرومون. قال قتادة: ﴿إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾ قد أخطأنا الطريق، ما هذه جنتنا، فقال بعضهم ممن عرفها: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: قد حرمنا نفعها. * * - ثم قال تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾. أي: قال لهم [أعدلهم] ألم أقل لكم، هلا تستثنون إذ قلتم لنصرمنها مصبحين، فتقولون إن شاء الله؟! قال مجاهد: لولا تسبحون، أي: تستثنون، وكان التسبيح فيهم الاستثناء. وأصل التسبيح في اللغة: التنزيه، فجعل قولهم "إن شاء الله" معناه تنزيه لله أن يكون شيء إلا بمشيئته. وظاهر [الآية] [يدل] على التسبيح بعينه، إذ بعده ﴿قَالُواْ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: (ظالمين) في منعنا المساكين أن يأخذوا ما يجب علينا. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ﴾. أي: فأقبل بعضهم يلوم بعضاً على تفريطهم في الاستثناء وإطعام المساكين. * * - ﴿قَالُواْ يٰوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾. قالوا: [تعال] يا ويل إلينا، فهذا وقت حضورك. وهذا شيء تقوله العرب عند الأمر العظيم: احضر يا ويل، فهذا من إبَّانك ووقتك. * * - ﴿إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾. أي معتدين مخالفين أمر الله. فندموا على ما فعلوا فأبدلهم الله خيراً منها. (يقال): إن التي أبدلوا الطائف اقتلعها جبريل عليه السلام من الأردن، وطاف بها حول البيت، ثم أنزلها في وادي ثقيف. * * - ثم قال ﴿عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ﴾ أي: عسى (ربنا) أن يعطينا بتوبتنا خيراً من جنتنا. - ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾. في ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ ٱلْعَذَابُ﴾ أي: كفعلنا بجنة هؤلاء فعلنا بمن كفر وخالف أمرنا في عاجل الدنيا. * * - ﴿وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ عقوبة لمن عصى الله. * * ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. (أي لو كانوا يعلمون) أن عقوبة الآخرة أعظم من عقوبة الدنيا.

القلم 68:30

قوله تعالى: ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. أي: [بخيل] بالمال عن إخراجه في الحقوق، معتد على الناس في معاملته إياهم ﴿أَثِيمٍ﴾: مأثوم في أعماله لمخالفته أمرَ رَبِّه. وقيل: ﴿أَثِيمٍ﴾: ذي إثم. - قال تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ﴾. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾. أي: (أَلأَِنْ) كان صاحب مال وبنين تطيعه على وجه التوبيخ لمن أطاعه، ثم أخبر عنه أنه يقول: إذا قرئت عليه آيات الله -: هي أساطير الأولين استهزاءً أو إنكاراً لها أن تكون من عند الله. "فَأَنْ" مفعول من أجله متعلقة بما بعدها أي: من أجل أنه ذو مال وبنين يقول:- ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾. ويجوز أن (تكون) أن "في موضع نصب متعلقة بقوله": ﴿مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ﴾ ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾، (أي): يفعل ذلك لأنْ كان ذا مال وبنين، فهي أيضاً مفعول من أجله. هذا على قراءة من قرأ: "أن كان" بغير استفهام، ومن قرأه بالاستفهام فهو إنكار وتوبيخ "لمن يطيعه أيضاً، والمعنى: أَلأَِنْ كان هذا الحلاّف المهين (الهماز) المشاء بنميم القناع للخير، [المعتدي] الأثيم ذا مال وبنين، تطيعه؟! ويحتمل أن يكون توبيخاً وتقريعاً لهذا الحلاف المهين. والمعنى: أَلأَِنْ كان هذا الحلاف ذا مال وبنين يقول - إذا تتلى عليه آياتنا -: هي أساطير الأولين: فيحسن الابتداء بالاستفهام على هذا الوجه، ولا يحسن الابتداء: "بأن كان ذا مال" في الوجهين الأولين؛ لأنه متعلق بالمخاطب. * * ومعنى ﴿أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾: أي: كتبهم وأخبارهم وهو جمع أسطورة. * * - ثم قال تعالى: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ * إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ﴾ قال ابن عباس: معناه: سنخطمه بالسيف فنجعل ذلك فيه سمة، أي: علامة، قال: وقد قاتل الذي نزلت فيه هذه الآية يوم بدر فخُطِم بالسيف في القتال. وقال قتادة: هو شين لا يفارقه. وروي عنه: شين على أنفه. قال المبرد: الخرطوم من الإنسان الأنف. ومن السباع موضع الشفة. والمعنى عنده: سَنَسِمُه على أنفه يوم القيامة بما يشوه خلفه وَيَعْرِفهُ بِهِ من شَهِدَه في القيامة أنه من أهل النار. وقيل: معناه: سنعلق به عاراً وسبة حتى يكون (بمنزلة من وسم على أنفه). وقيل: المعنى: سَنُسَوّد وجهه، فاستعير الأنف في موضع الوجه لأنه منه. وقيل: الخرطوم هنا: الخمر. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلاَ يَسْتَثْنُونَ﴾. أي: إنا بلونا قريشاً، أي: امتحناهم كما امتحنا أصحاب الجنة، إذ حلفوا ليصرمن ثمرها إذا أصبحوا ولا يقولون: إن شاء الله. قال عكرمة: هم أناس من الحبشة، كانت لأبيهم جنة، وكان يطعم المساكين (منها، فلما مات أبوهم قال بنوه: والله ما كان أبونا إلا أحمق حين يطعم المساكين)، فأقسموا لَيَصْرِمُنَّها مصبحين ولا يطعمون مسكيناً. قال قتادة: كان أََبُوهُم يتصدق، وكان بنوه ينهونه عن الصدقة وكان يمسك قوت سنة، وينفق ويتصدق بالفضل، فلما مات أبوهم، غدوا عليها وقالوا: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. [وقال] ابن عباس: كانوا (أهل) كتاب. والصَّرْم في اللغة: القطع، وهو الجَذَاذ. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾. أي: فطرق جنتهم ليلاً أمر من الله فأصبحت الجنة كالليل المظلم. قاله ابن عباس. وروي أن الله أرسل عليها ناراً فأحرقت الزرع. وقيل: الصريم أرض باليمن يقال [لها] [ضروان] من صنعاء، على ستة أميال. وقيل: (كالصريم) كالزرع الذي حُصِد. ويقال: لِلَّيْلِ صَرِيمٌ، وللنهار صريم، لأن كل واحد ينصرم عن الآخر. * * - ثم قال: ﴿فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ * أَنِ ٱغْدُواْ عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ﴾. (أي): فنادى بعضهم بعضاً بعد الصباح أن اغدوا لحصاد زرعكم إن كنتم حاصدين له. * * ﴿فَٱنطَلَقُواْ وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾. أي: فمضوا إلى حرثهم وهم يَتَسَارُّون بينهم في الخفاء، يقول بعضهم لبعض: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾. أي: وغدوا إلى جنتهم على قدرة في أنفسهم [وَجِدٍ]. قاله مجاهد. قال قتادة: غدا القوم وهم محردون إلى جنتهم قادرين عليها في أنفسهم. قال ابن زيد: "على جد قادرين في أنفسهم". وقيل: المعنى: ﴿وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [على] أمر أسَّسوه بينهم. وقال الحسن: ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ أي: على حاجة وفاقة. وقال سفيان ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ﴾ "على حَنَقٍ". وقال أبو عبيدة: ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ﴾: على منع. وقيل "على قصد". ومعنى "قادرين" عند الفراء: أي: قد قدَّروا هذا [وبنوا] عليه. وقيل: قادرين عند أنفسهم على ما دبروا من حصادها ومنع المساكين منها. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوۤاْ إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾. (أي): فلما رأوا جنتهم محترقاً حرثها أنكروها وظنوا أنهم غلطوا، فقال بعضهم لبعض: إنا لضالون الطريق إلى جنتنا، فقال من علم أنها جنتهم: بل نحن أيها القوم محرومون. قال قتادة: ﴿إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾ قد أخطأنا الطريق، ما هذه جنتنا، فقال بعضهم ممن عرفها: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: قد حرمنا نفعها. * * - ثم قال تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾. أي: قال لهم [أعدلهم] ألم أقل لكم، هلا تستثنون إذ قلتم لنصرمنها مصبحين، فتقولون إن شاء الله؟! قال مجاهد: لولا تسبحون، أي: تستثنون، وكان التسبيح فيهم الاستثناء. وأصل التسبيح في اللغة: التنزيه، فجعل قولهم "إن شاء الله" معناه تنزيه لله أن يكون شيء إلا بمشيئته. وظاهر [الآية] [يدل] على التسبيح بعينه، إذ بعده ﴿قَالُواْ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: (ظالمين) في منعنا المساكين أن يأخذوا ما يجب علينا. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ﴾. أي: فأقبل بعضهم يلوم بعضاً على تفريطهم في الاستثناء وإطعام المساكين. * * - ﴿قَالُواْ يٰوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾. قالوا: [تعال] يا ويل إلينا، فهذا وقت حضورك. وهذا شيء تقوله العرب عند الأمر العظيم: احضر يا ويل، فهذا من إبَّانك ووقتك. * * - ﴿إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾. أي معتدين مخالفين أمر الله. فندموا على ما فعلوا فأبدلهم الله خيراً منها. (يقال): إن التي أبدلوا الطائف اقتلعها جبريل عليه السلام من الأردن، وطاف بها حول البيت، ثم أنزلها في وادي ثقيف. * * - ثم قال ﴿عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ﴾ أي: عسى (ربنا) أن يعطينا بتوبتنا خيراً من جنتنا. - ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾. في ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ ٱلْعَذَابُ﴾ أي: كفعلنا بجنة هؤلاء فعلنا بمن كفر وخالف أمرنا في عاجل الدنيا. * * - ﴿وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ عقوبة لمن عصى الله. * * ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. (أي لو كانوا يعلمون) أن عقوبة الآخرة أعظم من عقوبة الدنيا.

القلم 68:31

قوله تعالى: ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. أي: [بخيل] بالمال عن إخراجه في الحقوق، معتد على الناس في معاملته إياهم ﴿أَثِيمٍ﴾: مأثوم في أعماله لمخالفته أمرَ رَبِّه. وقيل: ﴿أَثِيمٍ﴾: ذي إثم. - قال تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ﴾. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾. أي: (أَلأَِنْ) كان صاحب مال وبنين تطيعه على وجه التوبيخ لمن أطاعه، ثم أخبر عنه أنه يقول: إذا قرئت عليه آيات الله -: هي أساطير الأولين استهزاءً أو إنكاراً لها أن تكون من عند الله. "فَأَنْ" مفعول من أجله متعلقة بما بعدها أي: من أجل أنه ذو مال وبنين يقول:- ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾. ويجوز أن (تكون) أن "في موضع نصب متعلقة بقوله": ﴿مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ﴾ ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾، (أي): يفعل ذلك لأنْ كان ذا مال وبنين، فهي أيضاً مفعول من أجله. هذا على قراءة من قرأ: "أن كان" بغير استفهام، ومن قرأه بالاستفهام فهو إنكار وتوبيخ "لمن يطيعه أيضاً، والمعنى: أَلأَِنْ كان هذا الحلاّف المهين (الهماز) المشاء بنميم القناع للخير، [المعتدي] الأثيم ذا مال وبنين، تطيعه؟! ويحتمل أن يكون توبيخاً وتقريعاً لهذا الحلاف المهين. والمعنى: أَلأَِنْ كان هذا الحلاف ذا مال وبنين يقول - إذا تتلى عليه آياتنا -: هي أساطير الأولين: فيحسن الابتداء بالاستفهام على هذا الوجه، ولا يحسن الابتداء: "بأن كان ذا مال" في الوجهين الأولين؛ لأنه متعلق بالمخاطب. * * ومعنى ﴿أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾: أي: كتبهم وأخبارهم وهو جمع أسطورة. * * - ثم قال تعالى: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ * إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ﴾ قال ابن عباس: معناه: سنخطمه بالسيف فنجعل ذلك فيه سمة، أي: علامة، قال: وقد قاتل الذي نزلت فيه هذه الآية يوم بدر فخُطِم بالسيف في القتال. وقال قتادة: هو شين لا يفارقه. وروي عنه: شين على أنفه. قال المبرد: الخرطوم من الإنسان الأنف. ومن السباع موضع الشفة. والمعنى عنده: سَنَسِمُه على أنفه يوم القيامة بما يشوه خلفه وَيَعْرِفهُ بِهِ من شَهِدَه في القيامة أنه من أهل النار. وقيل: معناه: سنعلق به عاراً وسبة حتى يكون (بمنزلة من وسم على أنفه). وقيل: المعنى: سَنُسَوّد وجهه، فاستعير الأنف في موضع الوجه لأنه منه. وقيل: الخرطوم هنا: الخمر. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلاَ يَسْتَثْنُونَ﴾. أي: إنا بلونا قريشاً، أي: امتحناهم كما امتحنا أصحاب الجنة، إذ حلفوا ليصرمن ثمرها إذا أصبحوا ولا يقولون: إن شاء الله. قال عكرمة: هم أناس من الحبشة، كانت لأبيهم جنة، وكان يطعم المساكين (منها، فلما مات أبوهم قال بنوه: والله ما كان أبونا إلا أحمق حين يطعم المساكين)، فأقسموا لَيَصْرِمُنَّها مصبحين ولا يطعمون مسكيناً. قال قتادة: كان أََبُوهُم يتصدق، وكان بنوه ينهونه عن الصدقة وكان يمسك قوت سنة، وينفق ويتصدق بالفضل، فلما مات أبوهم، غدوا عليها وقالوا: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. [وقال] ابن عباس: كانوا (أهل) كتاب. والصَّرْم في اللغة: القطع، وهو الجَذَاذ. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾. أي: فطرق جنتهم ليلاً أمر من الله فأصبحت الجنة كالليل المظلم. قاله ابن عباس. وروي أن الله أرسل عليها ناراً فأحرقت الزرع. وقيل: الصريم أرض باليمن يقال [لها] [ضروان] من صنعاء، على ستة أميال. وقيل: (كالصريم) كالزرع الذي حُصِد. ويقال: لِلَّيْلِ صَرِيمٌ، وللنهار صريم، لأن كل واحد ينصرم عن الآخر. * * - ثم قال: ﴿فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ * أَنِ ٱغْدُواْ عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ﴾. (أي): فنادى بعضهم بعضاً بعد الصباح أن اغدوا لحصاد زرعكم إن كنتم حاصدين له. * * ﴿فَٱنطَلَقُواْ وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾. أي: فمضوا إلى حرثهم وهم يَتَسَارُّون بينهم في الخفاء، يقول بعضهم لبعض: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾. أي: وغدوا إلى جنتهم على قدرة في أنفسهم [وَجِدٍ]. قاله مجاهد. قال قتادة: غدا القوم وهم محردون إلى جنتهم قادرين عليها في أنفسهم. قال ابن زيد: "على جد قادرين في أنفسهم". وقيل: المعنى: ﴿وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [على] أمر أسَّسوه بينهم. وقال الحسن: ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ أي: على حاجة وفاقة. وقال سفيان ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ﴾ "على حَنَقٍ". وقال أبو عبيدة: ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ﴾: على منع. وقيل "على قصد". ومعنى "قادرين" عند الفراء: أي: قد قدَّروا هذا [وبنوا] عليه. وقيل: قادرين عند أنفسهم على ما دبروا من حصادها ومنع المساكين منها. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوۤاْ إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾. (أي): فلما رأوا جنتهم محترقاً حرثها أنكروها وظنوا أنهم غلطوا، فقال بعضهم لبعض: إنا لضالون الطريق إلى جنتنا، فقال من علم أنها جنتهم: بل نحن أيها القوم محرومون. قال قتادة: ﴿إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾ قد أخطأنا الطريق، ما هذه جنتنا، فقال بعضهم ممن عرفها: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: قد حرمنا نفعها. * * - ثم قال تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾. أي: قال لهم [أعدلهم] ألم أقل لكم، هلا تستثنون إذ قلتم لنصرمنها مصبحين، فتقولون إن شاء الله؟! قال مجاهد: لولا تسبحون، أي: تستثنون، وكان التسبيح فيهم الاستثناء. وأصل التسبيح في اللغة: التنزيه، فجعل قولهم "إن شاء الله" معناه تنزيه لله أن يكون شيء إلا بمشيئته. وظاهر [الآية] [يدل] على التسبيح بعينه، إذ بعده ﴿قَالُواْ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: (ظالمين) في منعنا المساكين أن يأخذوا ما يجب علينا. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ﴾. أي: فأقبل بعضهم يلوم بعضاً على تفريطهم في الاستثناء وإطعام المساكين. * * - ﴿قَالُواْ يٰوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾. قالوا: [تعال] يا ويل إلينا، فهذا وقت حضورك. وهذا شيء تقوله العرب عند الأمر العظيم: احضر يا ويل، فهذا من إبَّانك ووقتك. * * - ﴿إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾. أي معتدين مخالفين أمر الله. فندموا على ما فعلوا فأبدلهم الله خيراً منها. (يقال): إن التي أبدلوا الطائف اقتلعها جبريل عليه السلام من الأردن، وطاف بها حول البيت، ثم أنزلها في وادي ثقيف. * * - ثم قال ﴿عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ﴾ أي: عسى (ربنا) أن يعطينا بتوبتنا خيراً من جنتنا. - ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾. في ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ ٱلْعَذَابُ﴾ أي: كفعلنا بجنة هؤلاء فعلنا بمن كفر وخالف أمرنا في عاجل الدنيا. * * - ﴿وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ عقوبة لمن عصى الله. * * ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. (أي لو كانوا يعلمون) أن عقوبة الآخرة أعظم من عقوبة الدنيا.

القلم 68:32

قوله تعالى: ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. أي: [بخيل] بالمال عن إخراجه في الحقوق، معتد على الناس في معاملته إياهم ﴿أَثِيمٍ﴾: مأثوم في أعماله لمخالفته أمرَ رَبِّه. وقيل: ﴿أَثِيمٍ﴾: ذي إثم. - قال تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ﴾. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾. أي: (أَلأَِنْ) كان صاحب مال وبنين تطيعه على وجه التوبيخ لمن أطاعه، ثم أخبر عنه أنه يقول: إذا قرئت عليه آيات الله -: هي أساطير الأولين استهزاءً أو إنكاراً لها أن تكون من عند الله. "فَأَنْ" مفعول من أجله متعلقة بما بعدها أي: من أجل أنه ذو مال وبنين يقول:- ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾. ويجوز أن (تكون) أن "في موضع نصب متعلقة بقوله": ﴿مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ﴾ ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾، (أي): يفعل ذلك لأنْ كان ذا مال وبنين، فهي أيضاً مفعول من أجله. هذا على قراءة من قرأ: "أن كان" بغير استفهام، ومن قرأه بالاستفهام فهو إنكار وتوبيخ "لمن يطيعه أيضاً، والمعنى: أَلأَِنْ كان هذا الحلاّف المهين (الهماز) المشاء بنميم القناع للخير، [المعتدي] الأثيم ذا مال وبنين، تطيعه؟! ويحتمل أن يكون توبيخاً وتقريعاً لهذا الحلاف المهين. والمعنى: أَلأَِنْ كان هذا الحلاف ذا مال وبنين يقول - إذا تتلى عليه آياتنا -: هي أساطير الأولين: فيحسن الابتداء بالاستفهام على هذا الوجه، ولا يحسن الابتداء: "بأن كان ذا مال" في الوجهين الأولين؛ لأنه متعلق بالمخاطب. * * ومعنى ﴿أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾: أي: كتبهم وأخبارهم وهو جمع أسطورة. * * - ثم قال تعالى: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ * إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ﴾ قال ابن عباس: معناه: سنخطمه بالسيف فنجعل ذلك فيه سمة، أي: علامة، قال: وقد قاتل الذي نزلت فيه هذه الآية يوم بدر فخُطِم بالسيف في القتال. وقال قتادة: هو شين لا يفارقه. وروي عنه: شين على أنفه. قال المبرد: الخرطوم من الإنسان الأنف. ومن السباع موضع الشفة. والمعنى عنده: سَنَسِمُه على أنفه يوم القيامة بما يشوه خلفه وَيَعْرِفهُ بِهِ من شَهِدَه في القيامة أنه من أهل النار. وقيل: معناه: سنعلق به عاراً وسبة حتى يكون (بمنزلة من وسم على أنفه). وقيل: المعنى: سَنُسَوّد وجهه، فاستعير الأنف في موضع الوجه لأنه منه. وقيل: الخرطوم هنا: الخمر. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلاَ يَسْتَثْنُونَ﴾. أي: إنا بلونا قريشاً، أي: امتحناهم كما امتحنا أصحاب الجنة، إذ حلفوا ليصرمن ثمرها إذا أصبحوا ولا يقولون: إن شاء الله. قال عكرمة: هم أناس من الحبشة، كانت لأبيهم جنة، وكان يطعم المساكين (منها، فلما مات أبوهم قال بنوه: والله ما كان أبونا إلا أحمق حين يطعم المساكين)، فأقسموا لَيَصْرِمُنَّها مصبحين ولا يطعمون مسكيناً. قال قتادة: كان أََبُوهُم يتصدق، وكان بنوه ينهونه عن الصدقة وكان يمسك قوت سنة، وينفق ويتصدق بالفضل، فلما مات أبوهم، غدوا عليها وقالوا: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. [وقال] ابن عباس: كانوا (أهل) كتاب. والصَّرْم في اللغة: القطع، وهو الجَذَاذ. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾. أي: فطرق جنتهم ليلاً أمر من الله فأصبحت الجنة كالليل المظلم. قاله ابن عباس. وروي أن الله أرسل عليها ناراً فأحرقت الزرع. وقيل: الصريم أرض باليمن يقال [لها] [ضروان] من صنعاء، على ستة أميال. وقيل: (كالصريم) كالزرع الذي حُصِد. ويقال: لِلَّيْلِ صَرِيمٌ، وللنهار صريم، لأن كل واحد ينصرم عن الآخر. * * - ثم قال: ﴿فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ * أَنِ ٱغْدُواْ عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ﴾. (أي): فنادى بعضهم بعضاً بعد الصباح أن اغدوا لحصاد زرعكم إن كنتم حاصدين له. * * ﴿فَٱنطَلَقُواْ وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾. أي: فمضوا إلى حرثهم وهم يَتَسَارُّون بينهم في الخفاء، يقول بعضهم لبعض: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾. أي: وغدوا إلى جنتهم على قدرة في أنفسهم [وَجِدٍ]. قاله مجاهد. قال قتادة: غدا القوم وهم محردون إلى جنتهم قادرين عليها في أنفسهم. قال ابن زيد: "على جد قادرين في أنفسهم". وقيل: المعنى: ﴿وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [على] أمر أسَّسوه بينهم. وقال الحسن: ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ أي: على حاجة وفاقة. وقال سفيان ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ﴾ "على حَنَقٍ". وقال أبو عبيدة: ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ﴾: على منع. وقيل "على قصد". ومعنى "قادرين" عند الفراء: أي: قد قدَّروا هذا [وبنوا] عليه. وقيل: قادرين عند أنفسهم على ما دبروا من حصادها ومنع المساكين منها. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوۤاْ إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾. (أي): فلما رأوا جنتهم محترقاً حرثها أنكروها وظنوا أنهم غلطوا، فقال بعضهم لبعض: إنا لضالون الطريق إلى جنتنا، فقال من علم أنها جنتهم: بل نحن أيها القوم محرومون. قال قتادة: ﴿إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾ قد أخطأنا الطريق، ما هذه جنتنا، فقال بعضهم ممن عرفها: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: قد حرمنا نفعها. * * - ثم قال تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾. أي: قال لهم [أعدلهم] ألم أقل لكم، هلا تستثنون إذ قلتم لنصرمنها مصبحين، فتقولون إن شاء الله؟! قال مجاهد: لولا تسبحون، أي: تستثنون، وكان التسبيح فيهم الاستثناء. وأصل التسبيح في اللغة: التنزيه، فجعل قولهم "إن شاء الله" معناه تنزيه لله أن يكون شيء إلا بمشيئته. وظاهر [الآية] [يدل] على التسبيح بعينه، إذ بعده ﴿قَالُواْ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: (ظالمين) في منعنا المساكين أن يأخذوا ما يجب علينا. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ﴾. أي: فأقبل بعضهم يلوم بعضاً على تفريطهم في الاستثناء وإطعام المساكين. * * - ﴿قَالُواْ يٰوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾. قالوا: [تعال] يا ويل إلينا، فهذا وقت حضورك. وهذا شيء تقوله العرب عند الأمر العظيم: احضر يا ويل، فهذا من إبَّانك ووقتك. * * - ﴿إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾. أي معتدين مخالفين أمر الله. فندموا على ما فعلوا فأبدلهم الله خيراً منها. (يقال): إن التي أبدلوا الطائف اقتلعها جبريل عليه السلام من الأردن، وطاف بها حول البيت، ثم أنزلها في وادي ثقيف. * * - ثم قال ﴿عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ﴾ أي: عسى (ربنا) أن يعطينا بتوبتنا خيراً من جنتنا. - ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾. في ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ ٱلْعَذَابُ﴾ أي: كفعلنا بجنة هؤلاء فعلنا بمن كفر وخالف أمرنا في عاجل الدنيا. * * - ﴿وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ عقوبة لمن عصى الله. * * ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. (أي لو كانوا يعلمون) أن عقوبة الآخرة أعظم من عقوبة الدنيا.

القلم 68:33

قوله تعالى: ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. أي: [بخيل] بالمال عن إخراجه في الحقوق، معتد على الناس في معاملته إياهم ﴿أَثِيمٍ﴾: مأثوم في أعماله لمخالفته أمرَ رَبِّه. وقيل: ﴿أَثِيمٍ﴾: ذي إثم. - قال تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ﴾. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾. أي: (أَلأَِنْ) كان صاحب مال وبنين تطيعه على وجه التوبيخ لمن أطاعه، ثم أخبر عنه أنه يقول: إذا قرئت عليه آيات الله -: هي أساطير الأولين استهزاءً أو إنكاراً لها أن تكون من عند الله. "فَأَنْ" مفعول من أجله متعلقة بما بعدها أي: من أجل أنه ذو مال وبنين يقول:- ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾. ويجوز أن (تكون) أن "في موضع نصب متعلقة بقوله": ﴿مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ﴾ ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾، (أي): يفعل ذلك لأنْ كان ذا مال وبنين، فهي أيضاً مفعول من أجله. هذا على قراءة من قرأ: "أن كان" بغير استفهام، ومن قرأه بالاستفهام فهو إنكار وتوبيخ "لمن يطيعه أيضاً، والمعنى: أَلأَِنْ كان هذا الحلاّف المهين (الهماز) المشاء بنميم القناع للخير، [المعتدي] الأثيم ذا مال وبنين، تطيعه؟! ويحتمل أن يكون توبيخاً وتقريعاً لهذا الحلاف المهين. والمعنى: أَلأَِنْ كان هذا الحلاف ذا مال وبنين يقول - إذا تتلى عليه آياتنا -: هي أساطير الأولين: فيحسن الابتداء بالاستفهام على هذا الوجه، ولا يحسن الابتداء: "بأن كان ذا مال" في الوجهين الأولين؛ لأنه متعلق بالمخاطب. * * ومعنى ﴿أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾: أي: كتبهم وأخبارهم وهو جمع أسطورة. * * - ثم قال تعالى: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ * إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ﴾ قال ابن عباس: معناه: سنخطمه بالسيف فنجعل ذلك فيه سمة، أي: علامة، قال: وقد قاتل الذي نزلت فيه هذه الآية يوم بدر فخُطِم بالسيف في القتال. وقال قتادة: هو شين لا يفارقه. وروي عنه: شين على أنفه. قال المبرد: الخرطوم من الإنسان الأنف. ومن السباع موضع الشفة. والمعنى عنده: سَنَسِمُه على أنفه يوم القيامة بما يشوه خلفه وَيَعْرِفهُ بِهِ من شَهِدَه في القيامة أنه من أهل النار. وقيل: معناه: سنعلق به عاراً وسبة حتى يكون (بمنزلة من وسم على أنفه). وقيل: المعنى: سَنُسَوّد وجهه، فاستعير الأنف في موضع الوجه لأنه منه. وقيل: الخرطوم هنا: الخمر. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلاَ يَسْتَثْنُونَ﴾. أي: إنا بلونا قريشاً، أي: امتحناهم كما امتحنا أصحاب الجنة، إذ حلفوا ليصرمن ثمرها إذا أصبحوا ولا يقولون: إن شاء الله. قال عكرمة: هم أناس من الحبشة، كانت لأبيهم جنة، وكان يطعم المساكين (منها، فلما مات أبوهم قال بنوه: والله ما كان أبونا إلا أحمق حين يطعم المساكين)، فأقسموا لَيَصْرِمُنَّها مصبحين ولا يطعمون مسكيناً. قال قتادة: كان أََبُوهُم يتصدق، وكان بنوه ينهونه عن الصدقة وكان يمسك قوت سنة، وينفق ويتصدق بالفضل، فلما مات أبوهم، غدوا عليها وقالوا: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. [وقال] ابن عباس: كانوا (أهل) كتاب. والصَّرْم في اللغة: القطع، وهو الجَذَاذ. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾. أي: فطرق جنتهم ليلاً أمر من الله فأصبحت الجنة كالليل المظلم. قاله ابن عباس. وروي أن الله أرسل عليها ناراً فأحرقت الزرع. وقيل: الصريم أرض باليمن يقال [لها] [ضروان] من صنعاء، على ستة أميال. وقيل: (كالصريم) كالزرع الذي حُصِد. ويقال: لِلَّيْلِ صَرِيمٌ، وللنهار صريم، لأن كل واحد ينصرم عن الآخر. * * - ثم قال: ﴿فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ * أَنِ ٱغْدُواْ عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ﴾. (أي): فنادى بعضهم بعضاً بعد الصباح أن اغدوا لحصاد زرعكم إن كنتم حاصدين له. * * ﴿فَٱنطَلَقُواْ وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾. أي: فمضوا إلى حرثهم وهم يَتَسَارُّون بينهم في الخفاء، يقول بعضهم لبعض: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾. أي: وغدوا إلى جنتهم على قدرة في أنفسهم [وَجِدٍ]. قاله مجاهد. قال قتادة: غدا القوم وهم محردون إلى جنتهم قادرين عليها في أنفسهم. قال ابن زيد: "على جد قادرين في أنفسهم". وقيل: المعنى: ﴿وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [على] أمر أسَّسوه بينهم. وقال الحسن: ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ أي: على حاجة وفاقة. وقال سفيان ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ﴾ "على حَنَقٍ". وقال أبو عبيدة: ﴿عَلَىٰ حَرْدٍ﴾: على منع. وقيل "على قصد". ومعنى "قادرين" عند الفراء: أي: قد قدَّروا هذا [وبنوا] عليه. وقيل: قادرين عند أنفسهم على ما دبروا من حصادها ومنع المساكين منها. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوۤاْ إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾. (أي): فلما رأوا جنتهم محترقاً حرثها أنكروها وظنوا أنهم غلطوا، فقال بعضهم لبعض: إنا لضالون الطريق إلى جنتنا، فقال من علم أنها جنتهم: بل نحن أيها القوم محرومون. قال قتادة: ﴿إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾ قد أخطأنا الطريق، ما هذه جنتنا، فقال بعضهم ممن عرفها: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: قد حرمنا نفعها. * * - ثم قال تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾. أي: قال لهم [أعدلهم] ألم أقل لكم، هلا تستثنون إذ قلتم لنصرمنها مصبحين، فتقولون إن شاء الله؟! قال مجاهد: لولا تسبحون، أي: تستثنون، وكان التسبيح فيهم الاستثناء. وأصل التسبيح في اللغة: التنزيه، فجعل قولهم "إن شاء الله" معناه تنزيه لله أن يكون شيء إلا بمشيئته. وظاهر [الآية] [يدل] على التسبيح بعينه، إذ بعده ﴿قَالُواْ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. أي: (ظالمين) في منعنا المساكين أن يأخذوا ما يجب علينا. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ﴾. أي: فأقبل بعضهم يلوم بعضاً على تفريطهم في الاستثناء وإطعام المساكين. * * - ﴿قَالُواْ يٰوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾. قالوا: [تعال] يا ويل إلينا، فهذا وقت حضورك. وهذا شيء تقوله العرب عند الأمر العظيم: احضر يا ويل، فهذا من إبَّانك ووقتك. * * - ﴿إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾. أي معتدين مخالفين أمر الله. فندموا على ما فعلوا فأبدلهم الله خيراً منها. (يقال): إن التي أبدلوا الطائف اقتلعها جبريل عليه السلام من الأردن، وطاف بها حول البيت، ثم أنزلها في وادي ثقيف. * * - ثم قال ﴿عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ﴾ أي: عسى (ربنا) أن يعطينا بتوبتنا خيراً من جنتنا. - ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾. في ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ ٱلْعَذَابُ﴾ أي: كفعلنا بجنة هؤلاء فعلنا بمن كفر وخالف أمرنا في عاجل الدنيا. * * - ﴿وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ عقوبة لمن عصى الله. * * ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. (أي لو كانوا يعلمون) أن عقوبة الآخرة أعظم من عقوبة الدنيا.

القلم 68:34

قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾، إلى قوله: ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ الآيات. (أي): إن للذين اتقوا عقوبة ربهم [فأطاعوه] بساتين (النعيم) الدائم في الآخرة. * * - ثم قال: ﴿أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ﴾. أي: أفنجعل - أيها الناس - كرامتي في الآخرة للذين أطاعوني كالذين عصوني؟! * * ﴿مَا لَكُمْ...﴾ أيها الناس ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. إذ تجعلون المطيع كالعاصي؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾. أي: ألكم - أيها القوم - بتسويتكم الطائع كالعاصي - كتاب نزل من عند الله أتاكم به رسول أن الطائع كالعاصي فيه تقرؤون؟! وقيل: المعنى: تدرسون أن لكم فيه لما تَخَيَّرون. (فتدرسون) عاملٌ في المعنى في ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾، [لكن] منعت اللام في "لما" من فتح "إن" (بتدرسون]. ومثله: ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾. والتقدير: أن لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة، فإن لكم لما تحكمون. وهذا كله منقطع عند البصريين غير متصل بما قبله، ولا يجوز عندهم تعلق "تدرسون"، إنما تعلق أفعال الشك لا غير. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾. أي: إن لكم في ذلك لما تخيرونه، وهذا توبيخ وتقريع لهم لما كانوا يتقولون من الكذب. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾. أي: هل لكم ذلك، أي: ليس لكم أيمان على الله تنتهي بكم إلى يوم القيامة بأن لكم حكمكم في ما تتقولون. وكسرت الألف من "إنّ" لدخول اللام في "لمَا". وقيل: "بالغة" [وثيقة]، أي: بالغة النهاية في التأكيد. * * - ثم قال تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ [زَعِيمٌ]﴾. أي: سل - يا محمد - هؤلاء المتقولين (المتحكمين) على الله، أيهم كفيل بأن لهم علينا أيماناً بالغة إلى يوم القيامة؟ وقيل: "زعيم" معناه: ضمين. والزعيم أيضاً المتكلم عن القوم. * * - ثم قال تعالى ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ﴾ أي: ألهم شركاء (يعينونهم) ويشهدون لهم بذلك ويحتجون عنهم فيما يدعون فليأتوا بهم إن كانوا صادقين في قولهم فتكون الحجة على جميعهم أبين و [آكد]. * * - ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ (عَن سَاقٍ) وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾. أي: اذكر يا محمد يوم يبدو [أمر] عظيم، وذلك يوم القيامة. قال ابن عباس: يوم يكشف [عن ساق]، هو يوم كرب وشدة وأمر عظيم. وقرأ ابن عباس: "يوم نَكشِف" بالنون. وقرأ ابن مسعود: "يوم يَكشِف" بفتح الياء وكسر الشين. وعن ابن عباس أيضاً أنه قرأ "يوم تَكشِف" بالتاء، يريد القيامة تكشف عن أهوالها. وروى مجاهد عن ابن عباس: "عن ساق" قال: هي أول ساعة من القيامة، وهي [أفظعها] و [أشدها]. وقال ابن جبير: "عن ساق": عن شدة الأمر". وقال قتادة ﴿عَن سَاقٍ﴾ عن أمر فظيع لهم جليل. وعن ابن مسعود أنه قال: "يتمثل الله للخلق، يعني يوم القيامة، حتى يمر المسلمون فيقول: من تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله لا نشرك به شيئاً، [فينتهرهم] مرتين أو ثلاثاً، فيقولون: هل تعرفون ربكم؟ فيقولون: سبحانه، إذا اعترف لنا عرفناه. (قال): فعند ذلك يكشف عن ساق فلا يبقى مؤمن إلا خر لله ساجداً، ويبقى المنافقون ظهورهم طبق كأنما فيها السفافيد، فيقولون: ربنا! فيقول: قد كنتم تَدْعُوْنَ إلى السجود وأنتم سالمون. قال أبو محمد: فمعنى يكشف لهم عن ساق، أي: عن أمر عظيم وقدرة لا يقدر عليها إلا الله. فيعرفونه تعالى بها [أظهر] من قدرته إليهم. ولا يحل لأحد أن [يتأول] في هذا وما شابهه جارحة، إذ ليست صفات الله كصفات الخلق، كما أنه ليس كمثله شيء، فاحْذَرْ أن يتمثل في قلبك شيء من تشبيه الله بخلقه، [فغير] جائز في الحكمة والقدرة أن يكون المخلوق يشبه الخالق في شيء من الصفات، ومن شبه الخالق بالمخلوق فقد أوجب على الخالق الحدث، وكفر وأبطل التوحيد، إذ في ذلك نفي القدم عن الخالق، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. وقال ابن مسعود: ينادي مناد يوم القيامة: أليس عدلاً منكم أن ربكم خلقكم ثم صوركم ثم رزقكم ثم توليتم غيره أن يولي كل عبد (منكم ما تولى؟! فيقولون: بلى، قال: فيمثل لكل قوم آلهتهم التي كانوا) يعبدونها، فيتبعونها حتى توردهم النار، ويبقى أهل [الدعوة]، فيقول بعضهم لبعض: ماذا تنتظرون؟ (ذهب الناس)! فيقولون: ننتظر أن ينادى [بنا]. قال: فيجيء في صورة، فذكر منها ما شاء الله، فيكشف عما شاء الله أن يكشف، فيخرون سجدا إلا المنافقين، فإنه يصير فَقَارُ أصلابِهِمْ عَظْماً واحداً مثل [صياصي] البقر، فيقال لهم: ارفعوا رؤوسكم إلى نوركم. ثم ذكر قصة طويلة. وذكر أبو سعيد الخدري: عن النبي ﷺ نحو ذلك وأطول. والعرب تقول: انكشف الأمر عن ساق، أي: عن هول وأمر غليظ شديد. وأصل هذا أن الرجل إذا جد في أمر فيه صعوبة وشدة تشمر وكشف عن ساقه، فجعل الساق في موضع الشدة. * * وقوله: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾. أي: [ويدعى] أهل النفاق إلى السجود لله عند ظهور الأمر الشديد فلا يستطيعون السجود. ودل هذا على أن الاستطاعة قبل الفعل، لأن الكلام على أنهم كانوا قبل ذلك يستطيعون السجود فتركوه. ودعاؤهم إلى السجود إنما هو على طريق التوبيخ لهم ليوقفوا على فعلهم في الدنيا إذ دعوا إلى السجود وهم سالمون لينتفعوا به فلم يفعلوا. روي أن أصلابهم تجف عقوبة فلا يطيقون السجود. * * ثم قال: ﴿خَٰشِعَةً أَبْصَٰرُهُمْ تَرْهَقُهُمْ (ذِلَّةٌ)﴾ أي: خاضعة ذليلة أبصارهم [تغشاهم] ذلة من عذاب الله. والعامل في "يوم يكشف" قوله: ﴿فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ﴾ أي: فليأتوا بالشركاء يوم يكشف، أي يوم القيامة. لم يرد الإتيان بها في الدنيا لأنهم يقدرون على ذلك في الدنيا، ولا يقدرون عليه في الآخرة، "فيأتوا" هو العامل في "يوم يكشف". ويجوز أن يعمل فيه فعل [مضمر] أي: اذكر يوم يكشف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمْ سَٰلِمُونَ﴾ (أي): وقد كانوا في الدنيا يدعون (إلى) أن يسجدوا لله وهم سالمون الجوارح، لا يمنعهم من ذلك مانع فلم يفعلوا. وقيل: السجود (الذي) (كانوا) يدعون إليه في الدنيا هو الصلاة المكتوبة. قاله الشعبي. وقال ابن جبير: كانوا يسمعون النداء للصلاة فلا يجيبون. قال ابن عباس: هم الكفار، كانوا يدعون إلى السجود في الدنيا وهم آمنون، فاليوم يدعون وهم خائفون. وروى قتادة أن النبي ﷺ قال: "يُؤْذَنُ للمؤمنين يَومَ القيامةِ في السّجودِ فَيَسْجُدُ المُؤمِنُونَ، وبَيْنَ كلِّ مُؤمنين مُنَافِقٌ فَيَقْسُو ظَهْرُ المُنَافِقِ عَنِ السُّجُودِ، ويَجْعَلُ اللهُ سُجُودَ المؤمنين على المنافقينَ تَوْبِيخاً وَصَغَاراً وَذُلاًّ وَنَدَامَةً وَحَسْرَةً ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ﴾ هذا تهدد ووعيد من الله للمكذبين بكتابه، كما يقول الرجل للرجل يتوعده: دعني وإياك، وخلني وإياه. * * وقوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ﴾. أي: سنكيدهم من حيث لا يعلمون، وذلك أن يمتعهم بمتاع الدنيا حتى يظنوا أنهم إنّما مُتِّعُوا به لخير لهم عند الله فيتمادون في طغيانهم، ثم [يأخذهم] بغتة [وهم] لا يشعرون. فيكون معنى "سنستدرجهم": سنمتعهم ونوسع عليهم في الدنيا حتى يتوهموا أن لهم خيراً ويغتروا بالنعم. روي عن النبي ﷺ أنه قال: إن الله يُمْهِل الظالم حتى إذا أخَذَه لم يُفْلِتْهُ، وقرأ: ﴿وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ وحقيقة الاستدراج أن يأخذه ببأسه قليلاً ولا يُجَاهِرُه، وهو من الدرج الذي يُصعَد وَيُنْزَل منه قليلاً قليلاً. * * - ثم قال: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾. أي أنْسِىءُ لهم في آجالهم ملاوة من الزمان، وذلك [برهة] من الدهر على كفرهم وتمردهم على الله [لتتكامل] حجج الله عليهم. * * - وقوله: ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾. أي: إن كيدي بأهل الكفر قوي شديد. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾. أي: أم تسألهم يا محمد على إنذارك لهم ونصحك إياهم جُعلاً [فهم] مثقلون [مما] يعطونك من الجُعْل؟ أي: لست تسألهم ذلك، فما بالهم لا يقبلون نصحك. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾. أي: أعندهم اللوح المحفوظ الذي فيه الغيوب كلها فهم يكتبون منه [ما يجادلونك] به، ويزعمون أنهم على كفرهم أفضل منزلة عند الله من أهل الإيمان به. - قال تعالى: ﴿فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ﴾ يعني: يونس، أي فاصبر يا محمد على أداء (الرسالة) لقضاء ربك [فيك وفي هؤلاء] المشركين، ولا تستعجل لهم العذاب فتكن كصاحب الحوت، يعني يونس إذ خرج عن قومه حين تأخر العذاب عنهم. - واذكر ﴿إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾. أي: إذ نادى ربه من بطن الحوت وهو مغموم لا يجد من يتفرج إليه. قال قتادة: ولا تكن كصاحب الحوت في العجلة والغضب، أي: لا تعجل كما عجل ولا تغضب كما غضب. * * - ثم قال تعالى: ﴿لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ (أي رحمة - فرحمه) ﴿لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾. (أي: لولا أن الله رحمه وسمع دعاءه من بطن الحوت فأجابه لطُرِحَ بالفضاء من الأرض وهو مذموم) قال ابن عباس: مذموم "مليم". وقيل مذموم: "مذنب". * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ أي: فاختاره واصطفاه. * * - ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾. أي: اختاره للنبوّة فجعله صالحاً، أي: رفعه للعمل الصالح. وقيل: معناه: فوصفه من الصالحين. حكى سيبويه: "جعل" بمعنى "وصف".

القلم 68:35

قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾، إلى قوله: ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ الآيات. (أي): إن للذين اتقوا عقوبة ربهم [فأطاعوه] بساتين (النعيم) الدائم في الآخرة. * * - ثم قال: ﴿أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ﴾. أي: أفنجعل - أيها الناس - كرامتي في الآخرة للذين أطاعوني كالذين عصوني؟! * * ﴿مَا لَكُمْ...﴾ أيها الناس ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. إذ تجعلون المطيع كالعاصي؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾. أي: ألكم - أيها القوم - بتسويتكم الطائع كالعاصي - كتاب نزل من عند الله أتاكم به رسول أن الطائع كالعاصي فيه تقرؤون؟! وقيل: المعنى: تدرسون أن لكم فيه لما تَخَيَّرون. (فتدرسون) عاملٌ في المعنى في ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾، [لكن] منعت اللام في "لما" من فتح "إن" (بتدرسون]. ومثله: ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾. والتقدير: أن لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة، فإن لكم لما تحكمون. وهذا كله منقطع عند البصريين غير متصل بما قبله، ولا يجوز عندهم تعلق "تدرسون"، إنما تعلق أفعال الشك لا غير. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾. أي: إن لكم في ذلك لما تخيرونه، وهذا توبيخ وتقريع لهم لما كانوا يتقولون من الكذب. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾. أي: هل لكم ذلك، أي: ليس لكم أيمان على الله تنتهي بكم إلى يوم القيامة بأن لكم حكمكم في ما تتقولون. وكسرت الألف من "إنّ" لدخول اللام في "لمَا". وقيل: "بالغة" [وثيقة]، أي: بالغة النهاية في التأكيد. * * - ثم قال تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ [زَعِيمٌ]﴾. أي: سل - يا محمد - هؤلاء المتقولين (المتحكمين) على الله، أيهم كفيل بأن لهم علينا أيماناً بالغة إلى يوم القيامة؟ وقيل: "زعيم" معناه: ضمين. والزعيم أيضاً المتكلم عن القوم. * * - ثم قال تعالى ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ﴾ أي: ألهم شركاء (يعينونهم) ويشهدون لهم بذلك ويحتجون عنهم فيما يدعون فليأتوا بهم إن كانوا صادقين في قولهم فتكون الحجة على جميعهم أبين و [آكد]. * * - ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ (عَن سَاقٍ) وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾. أي: اذكر يا محمد يوم يبدو [أمر] عظيم، وذلك يوم القيامة. قال ابن عباس: يوم يكشف [عن ساق]، هو يوم كرب وشدة وأمر عظيم. وقرأ ابن عباس: "يوم نَكشِف" بالنون. وقرأ ابن مسعود: "يوم يَكشِف" بفتح الياء وكسر الشين. وعن ابن عباس أيضاً أنه قرأ "يوم تَكشِف" بالتاء، يريد القيامة تكشف عن أهوالها. وروى مجاهد عن ابن عباس: "عن ساق" قال: هي أول ساعة من القيامة، وهي [أفظعها] و [أشدها]. وقال ابن جبير: "عن ساق": عن شدة الأمر". وقال قتادة ﴿عَن سَاقٍ﴾ عن أمر فظيع لهم جليل. وعن ابن مسعود أنه قال: "يتمثل الله للخلق، يعني يوم القيامة، حتى يمر المسلمون فيقول: من تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله لا نشرك به شيئاً، [فينتهرهم] مرتين أو ثلاثاً، فيقولون: هل تعرفون ربكم؟ فيقولون: سبحانه، إذا اعترف لنا عرفناه. (قال): فعند ذلك يكشف عن ساق فلا يبقى مؤمن إلا خر لله ساجداً، ويبقى المنافقون ظهورهم طبق كأنما فيها السفافيد، فيقولون: ربنا! فيقول: قد كنتم تَدْعُوْنَ إلى السجود وأنتم سالمون. قال أبو محمد: فمعنى يكشف لهم عن ساق، أي: عن أمر عظيم وقدرة لا يقدر عليها إلا الله. فيعرفونه تعالى بها [أظهر] من قدرته إليهم. ولا يحل لأحد أن [يتأول] في هذا وما شابهه جارحة، إذ ليست صفات الله كصفات الخلق، كما أنه ليس كمثله شيء، فاحْذَرْ أن يتمثل في قلبك شيء من تشبيه الله بخلقه، [فغير] جائز في الحكمة والقدرة أن يكون المخلوق يشبه الخالق في شيء من الصفات، ومن شبه الخالق بالمخلوق فقد أوجب على الخالق الحدث، وكفر وأبطل التوحيد، إذ في ذلك نفي القدم عن الخالق، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. وقال ابن مسعود: ينادي مناد يوم القيامة: أليس عدلاً منكم أن ربكم خلقكم ثم صوركم ثم رزقكم ثم توليتم غيره أن يولي كل عبد (منكم ما تولى؟! فيقولون: بلى، قال: فيمثل لكل قوم آلهتهم التي كانوا) يعبدونها، فيتبعونها حتى توردهم النار، ويبقى أهل [الدعوة]، فيقول بعضهم لبعض: ماذا تنتظرون؟ (ذهب الناس)! فيقولون: ننتظر أن ينادى [بنا]. قال: فيجيء في صورة، فذكر منها ما شاء الله، فيكشف عما شاء الله أن يكشف، فيخرون سجدا إلا المنافقين، فإنه يصير فَقَارُ أصلابِهِمْ عَظْماً واحداً مثل [صياصي] البقر، فيقال لهم: ارفعوا رؤوسكم إلى نوركم. ثم ذكر قصة طويلة. وذكر أبو سعيد الخدري: عن النبي ﷺ نحو ذلك وأطول. والعرب تقول: انكشف الأمر عن ساق، أي: عن هول وأمر غليظ شديد. وأصل هذا أن الرجل إذا جد في أمر فيه صعوبة وشدة تشمر وكشف عن ساقه، فجعل الساق في موضع الشدة. * * وقوله: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾. أي: [ويدعى] أهل النفاق إلى السجود لله عند ظهور الأمر الشديد فلا يستطيعون السجود. ودل هذا على أن الاستطاعة قبل الفعل، لأن الكلام على أنهم كانوا قبل ذلك يستطيعون السجود فتركوه. ودعاؤهم إلى السجود إنما هو على طريق التوبيخ لهم ليوقفوا على فعلهم في الدنيا إذ دعوا إلى السجود وهم سالمون لينتفعوا به فلم يفعلوا. روي أن أصلابهم تجف عقوبة فلا يطيقون السجود. * * ثم قال: ﴿خَٰشِعَةً أَبْصَٰرُهُمْ تَرْهَقُهُمْ (ذِلَّةٌ)﴾ أي: خاضعة ذليلة أبصارهم [تغشاهم] ذلة من عذاب الله. والعامل في "يوم يكشف" قوله: ﴿فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ﴾ أي: فليأتوا بالشركاء يوم يكشف، أي يوم القيامة. لم يرد الإتيان بها في الدنيا لأنهم يقدرون على ذلك في الدنيا، ولا يقدرون عليه في الآخرة، "فيأتوا" هو العامل في "يوم يكشف". ويجوز أن يعمل فيه فعل [مضمر] أي: اذكر يوم يكشف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمْ سَٰلِمُونَ﴾ (أي): وقد كانوا في الدنيا يدعون (إلى) أن يسجدوا لله وهم سالمون الجوارح، لا يمنعهم من ذلك مانع فلم يفعلوا. وقيل: السجود (الذي) (كانوا) يدعون إليه في الدنيا هو الصلاة المكتوبة. قاله الشعبي. وقال ابن جبير: كانوا يسمعون النداء للصلاة فلا يجيبون. قال ابن عباس: هم الكفار، كانوا يدعون إلى السجود في الدنيا وهم آمنون، فاليوم يدعون وهم خائفون. وروى قتادة أن النبي ﷺ قال: "يُؤْذَنُ للمؤمنين يَومَ القيامةِ في السّجودِ فَيَسْجُدُ المُؤمِنُونَ، وبَيْنَ كلِّ مُؤمنين مُنَافِقٌ فَيَقْسُو ظَهْرُ المُنَافِقِ عَنِ السُّجُودِ، ويَجْعَلُ اللهُ سُجُودَ المؤمنين على المنافقينَ تَوْبِيخاً وَصَغَاراً وَذُلاًّ وَنَدَامَةً وَحَسْرَةً ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ﴾ هذا تهدد ووعيد من الله للمكذبين بكتابه، كما يقول الرجل للرجل يتوعده: دعني وإياك، وخلني وإياه. * * وقوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ﴾. أي: سنكيدهم من حيث لا يعلمون، وذلك أن يمتعهم بمتاع الدنيا حتى يظنوا أنهم إنّما مُتِّعُوا به لخير لهم عند الله فيتمادون في طغيانهم، ثم [يأخذهم] بغتة [وهم] لا يشعرون. فيكون معنى "سنستدرجهم": سنمتعهم ونوسع عليهم في الدنيا حتى يتوهموا أن لهم خيراً ويغتروا بالنعم. روي عن النبي ﷺ أنه قال: إن الله يُمْهِل الظالم حتى إذا أخَذَه لم يُفْلِتْهُ، وقرأ: ﴿وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ وحقيقة الاستدراج أن يأخذه ببأسه قليلاً ولا يُجَاهِرُه، وهو من الدرج الذي يُصعَد وَيُنْزَل منه قليلاً قليلاً. * * - ثم قال: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾. أي أنْسِىءُ لهم في آجالهم ملاوة من الزمان، وذلك [برهة] من الدهر على كفرهم وتمردهم على الله [لتتكامل] حجج الله عليهم. * * - وقوله: ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾. أي: إن كيدي بأهل الكفر قوي شديد. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾. أي: أم تسألهم يا محمد على إنذارك لهم ونصحك إياهم جُعلاً [فهم] مثقلون [مما] يعطونك من الجُعْل؟ أي: لست تسألهم ذلك، فما بالهم لا يقبلون نصحك. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾. أي: أعندهم اللوح المحفوظ الذي فيه الغيوب كلها فهم يكتبون منه [ما يجادلونك] به، ويزعمون أنهم على كفرهم أفضل منزلة عند الله من أهل الإيمان به. - قال تعالى: ﴿فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ﴾ يعني: يونس، أي فاصبر يا محمد على أداء (الرسالة) لقضاء ربك [فيك وفي هؤلاء] المشركين، ولا تستعجل لهم العذاب فتكن كصاحب الحوت، يعني يونس إذ خرج عن قومه حين تأخر العذاب عنهم. - واذكر ﴿إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾. أي: إذ نادى ربه من بطن الحوت وهو مغموم لا يجد من يتفرج إليه. قال قتادة: ولا تكن كصاحب الحوت في العجلة والغضب، أي: لا تعجل كما عجل ولا تغضب كما غضب. * * - ثم قال تعالى: ﴿لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ (أي رحمة - فرحمه) ﴿لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾. (أي: لولا أن الله رحمه وسمع دعاءه من بطن الحوت فأجابه لطُرِحَ بالفضاء من الأرض وهو مذموم) قال ابن عباس: مذموم "مليم". وقيل مذموم: "مذنب". * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ أي: فاختاره واصطفاه. * * - ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾. أي: اختاره للنبوّة فجعله صالحاً، أي: رفعه للعمل الصالح. وقيل: معناه: فوصفه من الصالحين. حكى سيبويه: "جعل" بمعنى "وصف".

القلم 68:36

قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾، إلى قوله: ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ الآيات. (أي): إن للذين اتقوا عقوبة ربهم [فأطاعوه] بساتين (النعيم) الدائم في الآخرة. * * - ثم قال: ﴿أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ﴾. أي: أفنجعل - أيها الناس - كرامتي في الآخرة للذين أطاعوني كالذين عصوني؟! * * ﴿مَا لَكُمْ...﴾ أيها الناس ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. إذ تجعلون المطيع كالعاصي؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾. أي: ألكم - أيها القوم - بتسويتكم الطائع كالعاصي - كتاب نزل من عند الله أتاكم به رسول أن الطائع كالعاصي فيه تقرؤون؟! وقيل: المعنى: تدرسون أن لكم فيه لما تَخَيَّرون. (فتدرسون) عاملٌ في المعنى في ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾، [لكن] منعت اللام في "لما" من فتح "إن" (بتدرسون]. ومثله: ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾. والتقدير: أن لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة، فإن لكم لما تحكمون. وهذا كله منقطع عند البصريين غير متصل بما قبله، ولا يجوز عندهم تعلق "تدرسون"، إنما تعلق أفعال الشك لا غير. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾. أي: إن لكم في ذلك لما تخيرونه، وهذا توبيخ وتقريع لهم لما كانوا يتقولون من الكذب. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾. أي: هل لكم ذلك، أي: ليس لكم أيمان على الله تنتهي بكم إلى يوم القيامة بأن لكم حكمكم في ما تتقولون. وكسرت الألف من "إنّ" لدخول اللام في "لمَا". وقيل: "بالغة" [وثيقة]، أي: بالغة النهاية في التأكيد. * * - ثم قال تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ [زَعِيمٌ]﴾. أي: سل - يا محمد - هؤلاء المتقولين (المتحكمين) على الله، أيهم كفيل بأن لهم علينا أيماناً بالغة إلى يوم القيامة؟ وقيل: "زعيم" معناه: ضمين. والزعيم أيضاً المتكلم عن القوم. * * - ثم قال تعالى ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ﴾ أي: ألهم شركاء (يعينونهم) ويشهدون لهم بذلك ويحتجون عنهم فيما يدعون فليأتوا بهم إن كانوا صادقين في قولهم فتكون الحجة على جميعهم أبين و [آكد]. * * - ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ (عَن سَاقٍ) وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾. أي: اذكر يا محمد يوم يبدو [أمر] عظيم، وذلك يوم القيامة. قال ابن عباس: يوم يكشف [عن ساق]، هو يوم كرب وشدة وأمر عظيم. وقرأ ابن عباس: "يوم نَكشِف" بالنون. وقرأ ابن مسعود: "يوم يَكشِف" بفتح الياء وكسر الشين. وعن ابن عباس أيضاً أنه قرأ "يوم تَكشِف" بالتاء، يريد القيامة تكشف عن أهوالها. وروى مجاهد عن ابن عباس: "عن ساق" قال: هي أول ساعة من القيامة، وهي [أفظعها] و [أشدها]. وقال ابن جبير: "عن ساق": عن شدة الأمر". وقال قتادة ﴿عَن سَاقٍ﴾ عن أمر فظيع لهم جليل. وعن ابن مسعود أنه قال: "يتمثل الله للخلق، يعني يوم القيامة، حتى يمر المسلمون فيقول: من تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله لا نشرك به شيئاً، [فينتهرهم] مرتين أو ثلاثاً، فيقولون: هل تعرفون ربكم؟ فيقولون: سبحانه، إذا اعترف لنا عرفناه. (قال): فعند ذلك يكشف عن ساق فلا يبقى مؤمن إلا خر لله ساجداً، ويبقى المنافقون ظهورهم طبق كأنما فيها السفافيد، فيقولون: ربنا! فيقول: قد كنتم تَدْعُوْنَ إلى السجود وأنتم سالمون. قال أبو محمد: فمعنى يكشف لهم عن ساق، أي: عن أمر عظيم وقدرة لا يقدر عليها إلا الله. فيعرفونه تعالى بها [أظهر] من قدرته إليهم. ولا يحل لأحد أن [يتأول] في هذا وما شابهه جارحة، إذ ليست صفات الله كصفات الخلق، كما أنه ليس كمثله شيء، فاحْذَرْ أن يتمثل في قلبك شيء من تشبيه الله بخلقه، [فغير] جائز في الحكمة والقدرة أن يكون المخلوق يشبه الخالق في شيء من الصفات، ومن شبه الخالق بالمخلوق فقد أوجب على الخالق الحدث، وكفر وأبطل التوحيد، إذ في ذلك نفي القدم عن الخالق، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. وقال ابن مسعود: ينادي مناد يوم القيامة: أليس عدلاً منكم أن ربكم خلقكم ثم صوركم ثم رزقكم ثم توليتم غيره أن يولي كل عبد (منكم ما تولى؟! فيقولون: بلى، قال: فيمثل لكل قوم آلهتهم التي كانوا) يعبدونها، فيتبعونها حتى توردهم النار، ويبقى أهل [الدعوة]، فيقول بعضهم لبعض: ماذا تنتظرون؟ (ذهب الناس)! فيقولون: ننتظر أن ينادى [بنا]. قال: فيجيء في صورة، فذكر منها ما شاء الله، فيكشف عما شاء الله أن يكشف، فيخرون سجدا إلا المنافقين، فإنه يصير فَقَارُ أصلابِهِمْ عَظْماً واحداً مثل [صياصي] البقر، فيقال لهم: ارفعوا رؤوسكم إلى نوركم. ثم ذكر قصة طويلة. وذكر أبو سعيد الخدري: عن النبي ﷺ نحو ذلك وأطول. والعرب تقول: انكشف الأمر عن ساق، أي: عن هول وأمر غليظ شديد. وأصل هذا أن الرجل إذا جد في أمر فيه صعوبة وشدة تشمر وكشف عن ساقه، فجعل الساق في موضع الشدة. * * وقوله: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾. أي: [ويدعى] أهل النفاق إلى السجود لله عند ظهور الأمر الشديد فلا يستطيعون السجود. ودل هذا على أن الاستطاعة قبل الفعل، لأن الكلام على أنهم كانوا قبل ذلك يستطيعون السجود فتركوه. ودعاؤهم إلى السجود إنما هو على طريق التوبيخ لهم ليوقفوا على فعلهم في الدنيا إذ دعوا إلى السجود وهم سالمون لينتفعوا به فلم يفعلوا. روي أن أصلابهم تجف عقوبة فلا يطيقون السجود. * * ثم قال: ﴿خَٰشِعَةً أَبْصَٰرُهُمْ تَرْهَقُهُمْ (ذِلَّةٌ)﴾ أي: خاضعة ذليلة أبصارهم [تغشاهم] ذلة من عذاب الله. والعامل في "يوم يكشف" قوله: ﴿فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ﴾ أي: فليأتوا بالشركاء يوم يكشف، أي يوم القيامة. لم يرد الإتيان بها في الدنيا لأنهم يقدرون على ذلك في الدنيا، ولا يقدرون عليه في الآخرة، "فيأتوا" هو العامل في "يوم يكشف". ويجوز أن يعمل فيه فعل [مضمر] أي: اذكر يوم يكشف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمْ سَٰلِمُونَ﴾ (أي): وقد كانوا في الدنيا يدعون (إلى) أن يسجدوا لله وهم سالمون الجوارح، لا يمنعهم من ذلك مانع فلم يفعلوا. وقيل: السجود (الذي) (كانوا) يدعون إليه في الدنيا هو الصلاة المكتوبة. قاله الشعبي. وقال ابن جبير: كانوا يسمعون النداء للصلاة فلا يجيبون. قال ابن عباس: هم الكفار، كانوا يدعون إلى السجود في الدنيا وهم آمنون، فاليوم يدعون وهم خائفون. وروى قتادة أن النبي ﷺ قال: "يُؤْذَنُ للمؤمنين يَومَ القيامةِ في السّجودِ فَيَسْجُدُ المُؤمِنُونَ، وبَيْنَ كلِّ مُؤمنين مُنَافِقٌ فَيَقْسُو ظَهْرُ المُنَافِقِ عَنِ السُّجُودِ، ويَجْعَلُ اللهُ سُجُودَ المؤمنين على المنافقينَ تَوْبِيخاً وَصَغَاراً وَذُلاًّ وَنَدَامَةً وَحَسْرَةً ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ﴾ هذا تهدد ووعيد من الله للمكذبين بكتابه، كما يقول الرجل للرجل يتوعده: دعني وإياك، وخلني وإياه. * * وقوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ﴾. أي: سنكيدهم من حيث لا يعلمون، وذلك أن يمتعهم بمتاع الدنيا حتى يظنوا أنهم إنّما مُتِّعُوا به لخير لهم عند الله فيتمادون في طغيانهم، ثم [يأخذهم] بغتة [وهم] لا يشعرون. فيكون معنى "سنستدرجهم": سنمتعهم ونوسع عليهم في الدنيا حتى يتوهموا أن لهم خيراً ويغتروا بالنعم. روي عن النبي ﷺ أنه قال: إن الله يُمْهِل الظالم حتى إذا أخَذَه لم يُفْلِتْهُ، وقرأ: ﴿وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ وحقيقة الاستدراج أن يأخذه ببأسه قليلاً ولا يُجَاهِرُه، وهو من الدرج الذي يُصعَد وَيُنْزَل منه قليلاً قليلاً. * * - ثم قال: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾. أي أنْسِىءُ لهم في آجالهم ملاوة من الزمان، وذلك [برهة] من الدهر على كفرهم وتمردهم على الله [لتتكامل] حجج الله عليهم. * * - وقوله: ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾. أي: إن كيدي بأهل الكفر قوي شديد. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾. أي: أم تسألهم يا محمد على إنذارك لهم ونصحك إياهم جُعلاً [فهم] مثقلون [مما] يعطونك من الجُعْل؟ أي: لست تسألهم ذلك، فما بالهم لا يقبلون نصحك. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾. أي: أعندهم اللوح المحفوظ الذي فيه الغيوب كلها فهم يكتبون منه [ما يجادلونك] به، ويزعمون أنهم على كفرهم أفضل منزلة عند الله من أهل الإيمان به. - قال تعالى: ﴿فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ﴾ يعني: يونس، أي فاصبر يا محمد على أداء (الرسالة) لقضاء ربك [فيك وفي هؤلاء] المشركين، ولا تستعجل لهم العذاب فتكن كصاحب الحوت، يعني يونس إذ خرج عن قومه حين تأخر العذاب عنهم. - واذكر ﴿إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾. أي: إذ نادى ربه من بطن الحوت وهو مغموم لا يجد من يتفرج إليه. قال قتادة: ولا تكن كصاحب الحوت في العجلة والغضب، أي: لا تعجل كما عجل ولا تغضب كما غضب. * * - ثم قال تعالى: ﴿لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ (أي رحمة - فرحمه) ﴿لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾. (أي: لولا أن الله رحمه وسمع دعاءه من بطن الحوت فأجابه لطُرِحَ بالفضاء من الأرض وهو مذموم) قال ابن عباس: مذموم "مليم". وقيل مذموم: "مذنب". * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ أي: فاختاره واصطفاه. * * - ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾. أي: اختاره للنبوّة فجعله صالحاً، أي: رفعه للعمل الصالح. وقيل: معناه: فوصفه من الصالحين. حكى سيبويه: "جعل" بمعنى "وصف".

القلم 68:37

قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾، إلى قوله: ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ الآيات. (أي): إن للذين اتقوا عقوبة ربهم [فأطاعوه] بساتين (النعيم) الدائم في الآخرة. * * - ثم قال: ﴿أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ﴾. أي: أفنجعل - أيها الناس - كرامتي في الآخرة للذين أطاعوني كالذين عصوني؟! * * ﴿مَا لَكُمْ...﴾ أيها الناس ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. إذ تجعلون المطيع كالعاصي؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾. أي: ألكم - أيها القوم - بتسويتكم الطائع كالعاصي - كتاب نزل من عند الله أتاكم به رسول أن الطائع كالعاصي فيه تقرؤون؟! وقيل: المعنى: تدرسون أن لكم فيه لما تَخَيَّرون. (فتدرسون) عاملٌ في المعنى في ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾، [لكن] منعت اللام في "لما" من فتح "إن" (بتدرسون]. ومثله: ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾. والتقدير: أن لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة، فإن لكم لما تحكمون. وهذا كله منقطع عند البصريين غير متصل بما قبله، ولا يجوز عندهم تعلق "تدرسون"، إنما تعلق أفعال الشك لا غير. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾. أي: إن لكم في ذلك لما تخيرونه، وهذا توبيخ وتقريع لهم لما كانوا يتقولون من الكذب. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾. أي: هل لكم ذلك، أي: ليس لكم أيمان على الله تنتهي بكم إلى يوم القيامة بأن لكم حكمكم في ما تتقولون. وكسرت الألف من "إنّ" لدخول اللام في "لمَا". وقيل: "بالغة" [وثيقة]، أي: بالغة النهاية في التأكيد. * * - ثم قال تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ [زَعِيمٌ]﴾. أي: سل - يا محمد - هؤلاء المتقولين (المتحكمين) على الله، أيهم كفيل بأن لهم علينا أيماناً بالغة إلى يوم القيامة؟ وقيل: "زعيم" معناه: ضمين. والزعيم أيضاً المتكلم عن القوم. * * - ثم قال تعالى ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ﴾ أي: ألهم شركاء (يعينونهم) ويشهدون لهم بذلك ويحتجون عنهم فيما يدعون فليأتوا بهم إن كانوا صادقين في قولهم فتكون الحجة على جميعهم أبين و [آكد]. * * - ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ (عَن سَاقٍ) وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾. أي: اذكر يا محمد يوم يبدو [أمر] عظيم، وذلك يوم القيامة. قال ابن عباس: يوم يكشف [عن ساق]، هو يوم كرب وشدة وأمر عظيم. وقرأ ابن عباس: "يوم نَكشِف" بالنون. وقرأ ابن مسعود: "يوم يَكشِف" بفتح الياء وكسر الشين. وعن ابن عباس أيضاً أنه قرأ "يوم تَكشِف" بالتاء، يريد القيامة تكشف عن أهوالها. وروى مجاهد عن ابن عباس: "عن ساق" قال: هي أول ساعة من القيامة، وهي [أفظعها] و [أشدها]. وقال ابن جبير: "عن ساق": عن شدة الأمر". وقال قتادة ﴿عَن سَاقٍ﴾ عن أمر فظيع لهم جليل. وعن ابن مسعود أنه قال: "يتمثل الله للخلق، يعني يوم القيامة، حتى يمر المسلمون فيقول: من تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله لا نشرك به شيئاً، [فينتهرهم] مرتين أو ثلاثاً، فيقولون: هل تعرفون ربكم؟ فيقولون: سبحانه، إذا اعترف لنا عرفناه. (قال): فعند ذلك يكشف عن ساق فلا يبقى مؤمن إلا خر لله ساجداً، ويبقى المنافقون ظهورهم طبق كأنما فيها السفافيد، فيقولون: ربنا! فيقول: قد كنتم تَدْعُوْنَ إلى السجود وأنتم سالمون. قال أبو محمد: فمعنى يكشف لهم عن ساق، أي: عن أمر عظيم وقدرة لا يقدر عليها إلا الله. فيعرفونه تعالى بها [أظهر] من قدرته إليهم. ولا يحل لأحد أن [يتأول] في هذا وما شابهه جارحة، إذ ليست صفات الله كصفات الخلق، كما أنه ليس كمثله شيء، فاحْذَرْ أن يتمثل في قلبك شيء من تشبيه الله بخلقه، [فغير] جائز في الحكمة والقدرة أن يكون المخلوق يشبه الخالق في شيء من الصفات، ومن شبه الخالق بالمخلوق فقد أوجب على الخالق الحدث، وكفر وأبطل التوحيد، إذ في ذلك نفي القدم عن الخالق، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. وقال ابن مسعود: ينادي مناد يوم القيامة: أليس عدلاً منكم أن ربكم خلقكم ثم صوركم ثم رزقكم ثم توليتم غيره أن يولي كل عبد (منكم ما تولى؟! فيقولون: بلى، قال: فيمثل لكل قوم آلهتهم التي كانوا) يعبدونها، فيتبعونها حتى توردهم النار، ويبقى أهل [الدعوة]، فيقول بعضهم لبعض: ماذا تنتظرون؟ (ذهب الناس)! فيقولون: ننتظر أن ينادى [بنا]. قال: فيجيء في صورة، فذكر منها ما شاء الله، فيكشف عما شاء الله أن يكشف، فيخرون سجدا إلا المنافقين، فإنه يصير فَقَارُ أصلابِهِمْ عَظْماً واحداً مثل [صياصي] البقر، فيقال لهم: ارفعوا رؤوسكم إلى نوركم. ثم ذكر قصة طويلة. وذكر أبو سعيد الخدري: عن النبي ﷺ نحو ذلك وأطول. والعرب تقول: انكشف الأمر عن ساق، أي: عن هول وأمر غليظ شديد. وأصل هذا أن الرجل إذا جد في أمر فيه صعوبة وشدة تشمر وكشف عن ساقه، فجعل الساق في موضع الشدة. * * وقوله: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾. أي: [ويدعى] أهل النفاق إلى السجود لله عند ظهور الأمر الشديد فلا يستطيعون السجود. ودل هذا على أن الاستطاعة قبل الفعل، لأن الكلام على أنهم كانوا قبل ذلك يستطيعون السجود فتركوه. ودعاؤهم إلى السجود إنما هو على طريق التوبيخ لهم ليوقفوا على فعلهم في الدنيا إذ دعوا إلى السجود وهم سالمون لينتفعوا به فلم يفعلوا. روي أن أصلابهم تجف عقوبة فلا يطيقون السجود. * * ثم قال: ﴿خَٰشِعَةً أَبْصَٰرُهُمْ تَرْهَقُهُمْ (ذِلَّةٌ)﴾ أي: خاضعة ذليلة أبصارهم [تغشاهم] ذلة من عذاب الله. والعامل في "يوم يكشف" قوله: ﴿فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ﴾ أي: فليأتوا بالشركاء يوم يكشف، أي يوم القيامة. لم يرد الإتيان بها في الدنيا لأنهم يقدرون على ذلك في الدنيا، ولا يقدرون عليه في الآخرة، "فيأتوا" هو العامل في "يوم يكشف". ويجوز أن يعمل فيه فعل [مضمر] أي: اذكر يوم يكشف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمْ سَٰلِمُونَ﴾ (أي): وقد كانوا في الدنيا يدعون (إلى) أن يسجدوا لله وهم سالمون الجوارح، لا يمنعهم من ذلك مانع فلم يفعلوا. وقيل: السجود (الذي) (كانوا) يدعون إليه في الدنيا هو الصلاة المكتوبة. قاله الشعبي. وقال ابن جبير: كانوا يسمعون النداء للصلاة فلا يجيبون. قال ابن عباس: هم الكفار، كانوا يدعون إلى السجود في الدنيا وهم آمنون، فاليوم يدعون وهم خائفون. وروى قتادة أن النبي ﷺ قال: "يُؤْذَنُ للمؤمنين يَومَ القيامةِ في السّجودِ فَيَسْجُدُ المُؤمِنُونَ، وبَيْنَ كلِّ مُؤمنين مُنَافِقٌ فَيَقْسُو ظَهْرُ المُنَافِقِ عَنِ السُّجُودِ، ويَجْعَلُ اللهُ سُجُودَ المؤمنين على المنافقينَ تَوْبِيخاً وَصَغَاراً وَذُلاًّ وَنَدَامَةً وَحَسْرَةً ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ﴾ هذا تهدد ووعيد من الله للمكذبين بكتابه، كما يقول الرجل للرجل يتوعده: دعني وإياك، وخلني وإياه. * * وقوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ﴾. أي: سنكيدهم من حيث لا يعلمون، وذلك أن يمتعهم بمتاع الدنيا حتى يظنوا أنهم إنّما مُتِّعُوا به لخير لهم عند الله فيتمادون في طغيانهم، ثم [يأخذهم] بغتة [وهم] لا يشعرون. فيكون معنى "سنستدرجهم": سنمتعهم ونوسع عليهم في الدنيا حتى يتوهموا أن لهم خيراً ويغتروا بالنعم. روي عن النبي ﷺ أنه قال: إن الله يُمْهِل الظالم حتى إذا أخَذَه لم يُفْلِتْهُ، وقرأ: ﴿وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ وحقيقة الاستدراج أن يأخذه ببأسه قليلاً ولا يُجَاهِرُه، وهو من الدرج الذي يُصعَد وَيُنْزَل منه قليلاً قليلاً. * * - ثم قال: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾. أي أنْسِىءُ لهم في آجالهم ملاوة من الزمان، وذلك [برهة] من الدهر على كفرهم وتمردهم على الله [لتتكامل] حجج الله عليهم. * * - وقوله: ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾. أي: إن كيدي بأهل الكفر قوي شديد. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾. أي: أم تسألهم يا محمد على إنذارك لهم ونصحك إياهم جُعلاً [فهم] مثقلون [مما] يعطونك من الجُعْل؟ أي: لست تسألهم ذلك، فما بالهم لا يقبلون نصحك. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾. أي: أعندهم اللوح المحفوظ الذي فيه الغيوب كلها فهم يكتبون منه [ما يجادلونك] به، ويزعمون أنهم على كفرهم أفضل منزلة عند الله من أهل الإيمان به. - قال تعالى: ﴿فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ﴾ يعني: يونس، أي فاصبر يا محمد على أداء (الرسالة) لقضاء ربك [فيك وفي هؤلاء] المشركين، ولا تستعجل لهم العذاب فتكن كصاحب الحوت، يعني يونس إذ خرج عن قومه حين تأخر العذاب عنهم. - واذكر ﴿إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾. أي: إذ نادى ربه من بطن الحوت وهو مغموم لا يجد من يتفرج إليه. قال قتادة: ولا تكن كصاحب الحوت في العجلة والغضب، أي: لا تعجل كما عجل ولا تغضب كما غضب. * * - ثم قال تعالى: ﴿لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ (أي رحمة - فرحمه) ﴿لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾. (أي: لولا أن الله رحمه وسمع دعاءه من بطن الحوت فأجابه لطُرِحَ بالفضاء من الأرض وهو مذموم) قال ابن عباس: مذموم "مليم". وقيل مذموم: "مذنب". * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ أي: فاختاره واصطفاه. * * - ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾. أي: اختاره للنبوّة فجعله صالحاً، أي: رفعه للعمل الصالح. وقيل: معناه: فوصفه من الصالحين. حكى سيبويه: "جعل" بمعنى "وصف".

القلم 68:38

قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾، إلى قوله: ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ الآيات. (أي): إن للذين اتقوا عقوبة ربهم [فأطاعوه] بساتين (النعيم) الدائم في الآخرة. * * - ثم قال: ﴿أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ﴾. أي: أفنجعل - أيها الناس - كرامتي في الآخرة للذين أطاعوني كالذين عصوني؟! * * ﴿مَا لَكُمْ...﴾ أيها الناس ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. إذ تجعلون المطيع كالعاصي؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾. أي: ألكم - أيها القوم - بتسويتكم الطائع كالعاصي - كتاب نزل من عند الله أتاكم به رسول أن الطائع كالعاصي فيه تقرؤون؟! وقيل: المعنى: تدرسون أن لكم فيه لما تَخَيَّرون. (فتدرسون) عاملٌ في المعنى في ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾، [لكن] منعت اللام في "لما" من فتح "إن" (بتدرسون]. ومثله: ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾. والتقدير: أن لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة، فإن لكم لما تحكمون. وهذا كله منقطع عند البصريين غير متصل بما قبله، ولا يجوز عندهم تعلق "تدرسون"، إنما تعلق أفعال الشك لا غير. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾. أي: إن لكم في ذلك لما تخيرونه، وهذا توبيخ وتقريع لهم لما كانوا يتقولون من الكذب. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾. أي: هل لكم ذلك، أي: ليس لكم أيمان على الله تنتهي بكم إلى يوم القيامة بأن لكم حكمكم في ما تتقولون. وكسرت الألف من "إنّ" لدخول اللام في "لمَا". وقيل: "بالغة" [وثيقة]، أي: بالغة النهاية في التأكيد. * * - ثم قال تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ [زَعِيمٌ]﴾. أي: سل - يا محمد - هؤلاء المتقولين (المتحكمين) على الله، أيهم كفيل بأن لهم علينا أيماناً بالغة إلى يوم القيامة؟ وقيل: "زعيم" معناه: ضمين. والزعيم أيضاً المتكلم عن القوم. * * - ثم قال تعالى ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ﴾ أي: ألهم شركاء (يعينونهم) ويشهدون لهم بذلك ويحتجون عنهم فيما يدعون فليأتوا بهم إن كانوا صادقين في قولهم فتكون الحجة على جميعهم أبين و [آكد]. * * - ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ (عَن سَاقٍ) وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾. أي: اذكر يا محمد يوم يبدو [أمر] عظيم، وذلك يوم القيامة. قال ابن عباس: يوم يكشف [عن ساق]، هو يوم كرب وشدة وأمر عظيم. وقرأ ابن عباس: "يوم نَكشِف" بالنون. وقرأ ابن مسعود: "يوم يَكشِف" بفتح الياء وكسر الشين. وعن ابن عباس أيضاً أنه قرأ "يوم تَكشِف" بالتاء، يريد القيامة تكشف عن أهوالها. وروى مجاهد عن ابن عباس: "عن ساق" قال: هي أول ساعة من القيامة، وهي [أفظعها] و [أشدها]. وقال ابن جبير: "عن ساق": عن شدة الأمر". وقال قتادة ﴿عَن سَاقٍ﴾ عن أمر فظيع لهم جليل. وعن ابن مسعود أنه قال: "يتمثل الله للخلق، يعني يوم القيامة، حتى يمر المسلمون فيقول: من تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله لا نشرك به شيئاً، [فينتهرهم] مرتين أو ثلاثاً، فيقولون: هل تعرفون ربكم؟ فيقولون: سبحانه، إذا اعترف لنا عرفناه. (قال): فعند ذلك يكشف عن ساق فلا يبقى مؤمن إلا خر لله ساجداً، ويبقى المنافقون ظهورهم طبق كأنما فيها السفافيد، فيقولون: ربنا! فيقول: قد كنتم تَدْعُوْنَ إلى السجود وأنتم سالمون. قال أبو محمد: فمعنى يكشف لهم عن ساق، أي: عن أمر عظيم وقدرة لا يقدر عليها إلا الله. فيعرفونه تعالى بها [أظهر] من قدرته إليهم. ولا يحل لأحد أن [يتأول] في هذا وما شابهه جارحة، إذ ليست صفات الله كصفات الخلق، كما أنه ليس كمثله شيء، فاحْذَرْ أن يتمثل في قلبك شيء من تشبيه الله بخلقه، [فغير] جائز في الحكمة والقدرة أن يكون المخلوق يشبه الخالق في شيء من الصفات، ومن شبه الخالق بالمخلوق فقد أوجب على الخالق الحدث، وكفر وأبطل التوحيد، إذ في ذلك نفي القدم عن الخالق، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. وقال ابن مسعود: ينادي مناد يوم القيامة: أليس عدلاً منكم أن ربكم خلقكم ثم صوركم ثم رزقكم ثم توليتم غيره أن يولي كل عبد (منكم ما تولى؟! فيقولون: بلى، قال: فيمثل لكل قوم آلهتهم التي كانوا) يعبدونها، فيتبعونها حتى توردهم النار، ويبقى أهل [الدعوة]، فيقول بعضهم لبعض: ماذا تنتظرون؟ (ذهب الناس)! فيقولون: ننتظر أن ينادى [بنا]. قال: فيجيء في صورة، فذكر منها ما شاء الله، فيكشف عما شاء الله أن يكشف، فيخرون سجدا إلا المنافقين، فإنه يصير فَقَارُ أصلابِهِمْ عَظْماً واحداً مثل [صياصي] البقر، فيقال لهم: ارفعوا رؤوسكم إلى نوركم. ثم ذكر قصة طويلة. وذكر أبو سعيد الخدري: عن النبي ﷺ نحو ذلك وأطول. والعرب تقول: انكشف الأمر عن ساق، أي: عن هول وأمر غليظ شديد. وأصل هذا أن الرجل إذا جد في أمر فيه صعوبة وشدة تشمر وكشف عن ساقه، فجعل الساق في موضع الشدة. * * وقوله: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾. أي: [ويدعى] أهل النفاق إلى السجود لله عند ظهور الأمر الشديد فلا يستطيعون السجود. ودل هذا على أن الاستطاعة قبل الفعل، لأن الكلام على أنهم كانوا قبل ذلك يستطيعون السجود فتركوه. ودعاؤهم إلى السجود إنما هو على طريق التوبيخ لهم ليوقفوا على فعلهم في الدنيا إذ دعوا إلى السجود وهم سالمون لينتفعوا به فلم يفعلوا. روي أن أصلابهم تجف عقوبة فلا يطيقون السجود. * * ثم قال: ﴿خَٰشِعَةً أَبْصَٰرُهُمْ تَرْهَقُهُمْ (ذِلَّةٌ)﴾ أي: خاضعة ذليلة أبصارهم [تغشاهم] ذلة من عذاب الله. والعامل في "يوم يكشف" قوله: ﴿فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ﴾ أي: فليأتوا بالشركاء يوم يكشف، أي يوم القيامة. لم يرد الإتيان بها في الدنيا لأنهم يقدرون على ذلك في الدنيا، ولا يقدرون عليه في الآخرة، "فيأتوا" هو العامل في "يوم يكشف". ويجوز أن يعمل فيه فعل [مضمر] أي: اذكر يوم يكشف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمْ سَٰلِمُونَ﴾ (أي): وقد كانوا في الدنيا يدعون (إلى) أن يسجدوا لله وهم سالمون الجوارح، لا يمنعهم من ذلك مانع فلم يفعلوا. وقيل: السجود (الذي) (كانوا) يدعون إليه في الدنيا هو الصلاة المكتوبة. قاله الشعبي. وقال ابن جبير: كانوا يسمعون النداء للصلاة فلا يجيبون. قال ابن عباس: هم الكفار، كانوا يدعون إلى السجود في الدنيا وهم آمنون، فاليوم يدعون وهم خائفون. وروى قتادة أن النبي ﷺ قال: "يُؤْذَنُ للمؤمنين يَومَ القيامةِ في السّجودِ فَيَسْجُدُ المُؤمِنُونَ، وبَيْنَ كلِّ مُؤمنين مُنَافِقٌ فَيَقْسُو ظَهْرُ المُنَافِقِ عَنِ السُّجُودِ، ويَجْعَلُ اللهُ سُجُودَ المؤمنين على المنافقينَ تَوْبِيخاً وَصَغَاراً وَذُلاًّ وَنَدَامَةً وَحَسْرَةً ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ﴾ هذا تهدد ووعيد من الله للمكذبين بكتابه، كما يقول الرجل للرجل يتوعده: دعني وإياك، وخلني وإياه. * * وقوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ﴾. أي: سنكيدهم من حيث لا يعلمون، وذلك أن يمتعهم بمتاع الدنيا حتى يظنوا أنهم إنّما مُتِّعُوا به لخير لهم عند الله فيتمادون في طغيانهم، ثم [يأخذهم] بغتة [وهم] لا يشعرون. فيكون معنى "سنستدرجهم": سنمتعهم ونوسع عليهم في الدنيا حتى يتوهموا أن لهم خيراً ويغتروا بالنعم. روي عن النبي ﷺ أنه قال: إن الله يُمْهِل الظالم حتى إذا أخَذَه لم يُفْلِتْهُ، وقرأ: ﴿وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ وحقيقة الاستدراج أن يأخذه ببأسه قليلاً ولا يُجَاهِرُه، وهو من الدرج الذي يُصعَد وَيُنْزَل منه قليلاً قليلاً. * * - ثم قال: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾. أي أنْسِىءُ لهم في آجالهم ملاوة من الزمان، وذلك [برهة] من الدهر على كفرهم وتمردهم على الله [لتتكامل] حجج الله عليهم. * * - وقوله: ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾. أي: إن كيدي بأهل الكفر قوي شديد. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾. أي: أم تسألهم يا محمد على إنذارك لهم ونصحك إياهم جُعلاً [فهم] مثقلون [مما] يعطونك من الجُعْل؟ أي: لست تسألهم ذلك، فما بالهم لا يقبلون نصحك. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾. أي: أعندهم اللوح المحفوظ الذي فيه الغيوب كلها فهم يكتبون منه [ما يجادلونك] به، ويزعمون أنهم على كفرهم أفضل منزلة عند الله من أهل الإيمان به. - قال تعالى: ﴿فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ﴾ يعني: يونس، أي فاصبر يا محمد على أداء (الرسالة) لقضاء ربك [فيك وفي هؤلاء] المشركين، ولا تستعجل لهم العذاب فتكن كصاحب الحوت، يعني يونس إذ خرج عن قومه حين تأخر العذاب عنهم. - واذكر ﴿إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾. أي: إذ نادى ربه من بطن الحوت وهو مغموم لا يجد من يتفرج إليه. قال قتادة: ولا تكن كصاحب الحوت في العجلة والغضب، أي: لا تعجل كما عجل ولا تغضب كما غضب. * * - ثم قال تعالى: ﴿لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ (أي رحمة - فرحمه) ﴿لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾. (أي: لولا أن الله رحمه وسمع دعاءه من بطن الحوت فأجابه لطُرِحَ بالفضاء من الأرض وهو مذموم) قال ابن عباس: مذموم "مليم". وقيل مذموم: "مذنب". * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ أي: فاختاره واصطفاه. * * - ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾. أي: اختاره للنبوّة فجعله صالحاً، أي: رفعه للعمل الصالح. وقيل: معناه: فوصفه من الصالحين. حكى سيبويه: "جعل" بمعنى "وصف".

القلم 68:39

قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾، إلى قوله: ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ الآيات. (أي): إن للذين اتقوا عقوبة ربهم [فأطاعوه] بساتين (النعيم) الدائم في الآخرة. * * - ثم قال: ﴿أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ﴾. أي: أفنجعل - أيها الناس - كرامتي في الآخرة للذين أطاعوني كالذين عصوني؟! * * ﴿مَا لَكُمْ...﴾ أيها الناس ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. إذ تجعلون المطيع كالعاصي؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾. أي: ألكم - أيها القوم - بتسويتكم الطائع كالعاصي - كتاب نزل من عند الله أتاكم به رسول أن الطائع كالعاصي فيه تقرؤون؟! وقيل: المعنى: تدرسون أن لكم فيه لما تَخَيَّرون. (فتدرسون) عاملٌ في المعنى في ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾، [لكن] منعت اللام في "لما" من فتح "إن" (بتدرسون]. ومثله: ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾. والتقدير: أن لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة، فإن لكم لما تحكمون. وهذا كله منقطع عند البصريين غير متصل بما قبله، ولا يجوز عندهم تعلق "تدرسون"، إنما تعلق أفعال الشك لا غير. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾. أي: إن لكم في ذلك لما تخيرونه، وهذا توبيخ وتقريع لهم لما كانوا يتقولون من الكذب. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾. أي: هل لكم ذلك، أي: ليس لكم أيمان على الله تنتهي بكم إلى يوم القيامة بأن لكم حكمكم في ما تتقولون. وكسرت الألف من "إنّ" لدخول اللام في "لمَا". وقيل: "بالغة" [وثيقة]، أي: بالغة النهاية في التأكيد. * * - ثم قال تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ [زَعِيمٌ]﴾. أي: سل - يا محمد - هؤلاء المتقولين (المتحكمين) على الله، أيهم كفيل بأن لهم علينا أيماناً بالغة إلى يوم القيامة؟ وقيل: "زعيم" معناه: ضمين. والزعيم أيضاً المتكلم عن القوم. * * - ثم قال تعالى ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ﴾ أي: ألهم شركاء (يعينونهم) ويشهدون لهم بذلك ويحتجون عنهم فيما يدعون فليأتوا بهم إن كانوا صادقين في قولهم فتكون الحجة على جميعهم أبين و [آكد]. * * - ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ (عَن سَاقٍ) وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾. أي: اذكر يا محمد يوم يبدو [أمر] عظيم، وذلك يوم القيامة. قال ابن عباس: يوم يكشف [عن ساق]، هو يوم كرب وشدة وأمر عظيم. وقرأ ابن عباس: "يوم نَكشِف" بالنون. وقرأ ابن مسعود: "يوم يَكشِف" بفتح الياء وكسر الشين. وعن ابن عباس أيضاً أنه قرأ "يوم تَكشِف" بالتاء، يريد القيامة تكشف عن أهوالها. وروى مجاهد عن ابن عباس: "عن ساق" قال: هي أول ساعة من القيامة، وهي [أفظعها] و [أشدها]. وقال ابن جبير: "عن ساق": عن شدة الأمر". وقال قتادة ﴿عَن سَاقٍ﴾ عن أمر فظيع لهم جليل. وعن ابن مسعود أنه قال: "يتمثل الله للخلق، يعني يوم القيامة، حتى يمر المسلمون فيقول: من تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله لا نشرك به شيئاً، [فينتهرهم] مرتين أو ثلاثاً، فيقولون: هل تعرفون ربكم؟ فيقولون: سبحانه، إذا اعترف لنا عرفناه. (قال): فعند ذلك يكشف عن ساق فلا يبقى مؤمن إلا خر لله ساجداً، ويبقى المنافقون ظهورهم طبق كأنما فيها السفافيد، فيقولون: ربنا! فيقول: قد كنتم تَدْعُوْنَ إلى السجود وأنتم سالمون. قال أبو محمد: فمعنى يكشف لهم عن ساق، أي: عن أمر عظيم وقدرة لا يقدر عليها إلا الله. فيعرفونه تعالى بها [أظهر] من قدرته إليهم. ولا يحل لأحد أن [يتأول] في هذا وما شابهه جارحة، إذ ليست صفات الله كصفات الخلق، كما أنه ليس كمثله شيء، فاحْذَرْ أن يتمثل في قلبك شيء من تشبيه الله بخلقه، [فغير] جائز في الحكمة والقدرة أن يكون المخلوق يشبه الخالق في شيء من الصفات، ومن شبه الخالق بالمخلوق فقد أوجب على الخالق الحدث، وكفر وأبطل التوحيد، إذ في ذلك نفي القدم عن الخالق، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. وقال ابن مسعود: ينادي مناد يوم القيامة: أليس عدلاً منكم أن ربكم خلقكم ثم صوركم ثم رزقكم ثم توليتم غيره أن يولي كل عبد (منكم ما تولى؟! فيقولون: بلى، قال: فيمثل لكل قوم آلهتهم التي كانوا) يعبدونها، فيتبعونها حتى توردهم النار، ويبقى أهل [الدعوة]، فيقول بعضهم لبعض: ماذا تنتظرون؟ (ذهب الناس)! فيقولون: ننتظر أن ينادى [بنا]. قال: فيجيء في صورة، فذكر منها ما شاء الله، فيكشف عما شاء الله أن يكشف، فيخرون سجدا إلا المنافقين، فإنه يصير فَقَارُ أصلابِهِمْ عَظْماً واحداً مثل [صياصي] البقر، فيقال لهم: ارفعوا رؤوسكم إلى نوركم. ثم ذكر قصة طويلة. وذكر أبو سعيد الخدري: عن النبي ﷺ نحو ذلك وأطول. والعرب تقول: انكشف الأمر عن ساق، أي: عن هول وأمر غليظ شديد. وأصل هذا أن الرجل إذا جد في أمر فيه صعوبة وشدة تشمر وكشف عن ساقه، فجعل الساق في موضع الشدة. * * وقوله: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾. أي: [ويدعى] أهل النفاق إلى السجود لله عند ظهور الأمر الشديد فلا يستطيعون السجود. ودل هذا على أن الاستطاعة قبل الفعل، لأن الكلام على أنهم كانوا قبل ذلك يستطيعون السجود فتركوه. ودعاؤهم إلى السجود إنما هو على طريق التوبيخ لهم ليوقفوا على فعلهم في الدنيا إذ دعوا إلى السجود وهم سالمون لينتفعوا به فلم يفعلوا. روي أن أصلابهم تجف عقوبة فلا يطيقون السجود. * * ثم قال: ﴿خَٰشِعَةً أَبْصَٰرُهُمْ تَرْهَقُهُمْ (ذِلَّةٌ)﴾ أي: خاضعة ذليلة أبصارهم [تغشاهم] ذلة من عذاب الله. والعامل في "يوم يكشف" قوله: ﴿فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ﴾ أي: فليأتوا بالشركاء يوم يكشف، أي يوم القيامة. لم يرد الإتيان بها في الدنيا لأنهم يقدرون على ذلك في الدنيا، ولا يقدرون عليه في الآخرة، "فيأتوا" هو العامل في "يوم يكشف". ويجوز أن يعمل فيه فعل [مضمر] أي: اذكر يوم يكشف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمْ سَٰلِمُونَ﴾ (أي): وقد كانوا في الدنيا يدعون (إلى) أن يسجدوا لله وهم سالمون الجوارح، لا يمنعهم من ذلك مانع فلم يفعلوا. وقيل: السجود (الذي) (كانوا) يدعون إليه في الدنيا هو الصلاة المكتوبة. قاله الشعبي. وقال ابن جبير: كانوا يسمعون النداء للصلاة فلا يجيبون. قال ابن عباس: هم الكفار، كانوا يدعون إلى السجود في الدنيا وهم آمنون، فاليوم يدعون وهم خائفون. وروى قتادة أن النبي ﷺ قال: "يُؤْذَنُ للمؤمنين يَومَ القيامةِ في السّجودِ فَيَسْجُدُ المُؤمِنُونَ، وبَيْنَ كلِّ مُؤمنين مُنَافِقٌ فَيَقْسُو ظَهْرُ المُنَافِقِ عَنِ السُّجُودِ، ويَجْعَلُ اللهُ سُجُودَ المؤمنين على المنافقينَ تَوْبِيخاً وَصَغَاراً وَذُلاًّ وَنَدَامَةً وَحَسْرَةً ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ﴾ هذا تهدد ووعيد من الله للمكذبين بكتابه، كما يقول الرجل للرجل يتوعده: دعني وإياك، وخلني وإياه. * * وقوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ﴾. أي: سنكيدهم من حيث لا يعلمون، وذلك أن يمتعهم بمتاع الدنيا حتى يظنوا أنهم إنّما مُتِّعُوا به لخير لهم عند الله فيتمادون في طغيانهم، ثم [يأخذهم] بغتة [وهم] لا يشعرون. فيكون معنى "سنستدرجهم": سنمتعهم ونوسع عليهم في الدنيا حتى يتوهموا أن لهم خيراً ويغتروا بالنعم. روي عن النبي ﷺ أنه قال: إن الله يُمْهِل الظالم حتى إذا أخَذَه لم يُفْلِتْهُ، وقرأ: ﴿وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ وحقيقة الاستدراج أن يأخذه ببأسه قليلاً ولا يُجَاهِرُه، وهو من الدرج الذي يُصعَد وَيُنْزَل منه قليلاً قليلاً. * * - ثم قال: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾. أي أنْسِىءُ لهم في آجالهم ملاوة من الزمان، وذلك [برهة] من الدهر على كفرهم وتمردهم على الله [لتتكامل] حجج الله عليهم. * * - وقوله: ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾. أي: إن كيدي بأهل الكفر قوي شديد. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾. أي: أم تسألهم يا محمد على إنذارك لهم ونصحك إياهم جُعلاً [فهم] مثقلون [مما] يعطونك من الجُعْل؟ أي: لست تسألهم ذلك، فما بالهم لا يقبلون نصحك. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾. أي: أعندهم اللوح المحفوظ الذي فيه الغيوب كلها فهم يكتبون منه [ما يجادلونك] به، ويزعمون أنهم على كفرهم أفضل منزلة عند الله من أهل الإيمان به. - قال تعالى: ﴿فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ﴾ يعني: يونس، أي فاصبر يا محمد على أداء (الرسالة) لقضاء ربك [فيك وفي هؤلاء] المشركين، ولا تستعجل لهم العذاب فتكن كصاحب الحوت، يعني يونس إذ خرج عن قومه حين تأخر العذاب عنهم. - واذكر ﴿إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾. أي: إذ نادى ربه من بطن الحوت وهو مغموم لا يجد من يتفرج إليه. قال قتادة: ولا تكن كصاحب الحوت في العجلة والغضب، أي: لا تعجل كما عجل ولا تغضب كما غضب. * * - ثم قال تعالى: ﴿لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ (أي رحمة - فرحمه) ﴿لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾. (أي: لولا أن الله رحمه وسمع دعاءه من بطن الحوت فأجابه لطُرِحَ بالفضاء من الأرض وهو مذموم) قال ابن عباس: مذموم "مليم". وقيل مذموم: "مذنب". * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ أي: فاختاره واصطفاه. * * - ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾. أي: اختاره للنبوّة فجعله صالحاً، أي: رفعه للعمل الصالح. وقيل: معناه: فوصفه من الصالحين. حكى سيبويه: "جعل" بمعنى "وصف".

القلم 68:40

قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾، إلى قوله: ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ الآيات. (أي): إن للذين اتقوا عقوبة ربهم [فأطاعوه] بساتين (النعيم) الدائم في الآخرة. * * - ثم قال: ﴿أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ﴾. أي: أفنجعل - أيها الناس - كرامتي في الآخرة للذين أطاعوني كالذين عصوني؟! * * ﴿مَا لَكُمْ...﴾ أيها الناس ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. إذ تجعلون المطيع كالعاصي؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾. أي: ألكم - أيها القوم - بتسويتكم الطائع كالعاصي - كتاب نزل من عند الله أتاكم به رسول أن الطائع كالعاصي فيه تقرؤون؟! وقيل: المعنى: تدرسون أن لكم فيه لما تَخَيَّرون. (فتدرسون) عاملٌ في المعنى في ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾، [لكن] منعت اللام في "لما" من فتح "إن" (بتدرسون]. ومثله: ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾. والتقدير: أن لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة، فإن لكم لما تحكمون. وهذا كله منقطع عند البصريين غير متصل بما قبله، ولا يجوز عندهم تعلق "تدرسون"، إنما تعلق أفعال الشك لا غير. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾. أي: إن لكم في ذلك لما تخيرونه، وهذا توبيخ وتقريع لهم لما كانوا يتقولون من الكذب. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾. أي: هل لكم ذلك، أي: ليس لكم أيمان على الله تنتهي بكم إلى يوم القيامة بأن لكم حكمكم في ما تتقولون. وكسرت الألف من "إنّ" لدخول اللام في "لمَا". وقيل: "بالغة" [وثيقة]، أي: بالغة النهاية في التأكيد. * * - ثم قال تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ [زَعِيمٌ]﴾. أي: سل - يا محمد - هؤلاء المتقولين (المتحكمين) على الله، أيهم كفيل بأن لهم علينا أيماناً بالغة إلى يوم القيامة؟ وقيل: "زعيم" معناه: ضمين. والزعيم أيضاً المتكلم عن القوم. * * - ثم قال تعالى ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ﴾ أي: ألهم شركاء (يعينونهم) ويشهدون لهم بذلك ويحتجون عنهم فيما يدعون فليأتوا بهم إن كانوا صادقين في قولهم فتكون الحجة على جميعهم أبين و [آكد]. * * - ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ (عَن سَاقٍ) وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾. أي: اذكر يا محمد يوم يبدو [أمر] عظيم، وذلك يوم القيامة. قال ابن عباس: يوم يكشف [عن ساق]، هو يوم كرب وشدة وأمر عظيم. وقرأ ابن عباس: "يوم نَكشِف" بالنون. وقرأ ابن مسعود: "يوم يَكشِف" بفتح الياء وكسر الشين. وعن ابن عباس أيضاً أنه قرأ "يوم تَكشِف" بالتاء، يريد القيامة تكشف عن أهوالها. وروى مجاهد عن ابن عباس: "عن ساق" قال: هي أول ساعة من القيامة، وهي [أفظعها] و [أشدها]. وقال ابن جبير: "عن ساق": عن شدة الأمر". وقال قتادة ﴿عَن سَاقٍ﴾ عن أمر فظيع لهم جليل. وعن ابن مسعود أنه قال: "يتمثل الله للخلق، يعني يوم القيامة، حتى يمر المسلمون فيقول: من تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله لا نشرك به شيئاً، [فينتهرهم] مرتين أو ثلاثاً، فيقولون: هل تعرفون ربكم؟ فيقولون: سبحانه، إذا اعترف لنا عرفناه. (قال): فعند ذلك يكشف عن ساق فلا يبقى مؤمن إلا خر لله ساجداً، ويبقى المنافقون ظهورهم طبق كأنما فيها السفافيد، فيقولون: ربنا! فيقول: قد كنتم تَدْعُوْنَ إلى السجود وأنتم سالمون. قال أبو محمد: فمعنى يكشف لهم عن ساق، أي: عن أمر عظيم وقدرة لا يقدر عليها إلا الله. فيعرفونه تعالى بها [أظهر] من قدرته إليهم. ولا يحل لأحد أن [يتأول] في هذا وما شابهه جارحة، إذ ليست صفات الله كصفات الخلق، كما أنه ليس كمثله شيء، فاحْذَرْ أن يتمثل في قلبك شيء من تشبيه الله بخلقه، [فغير] جائز في الحكمة والقدرة أن يكون المخلوق يشبه الخالق في شيء من الصفات، ومن شبه الخالق بالمخلوق فقد أوجب على الخالق الحدث، وكفر وأبطل التوحيد، إذ في ذلك نفي القدم عن الخالق، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. وقال ابن مسعود: ينادي مناد يوم القيامة: أليس عدلاً منكم أن ربكم خلقكم ثم صوركم ثم رزقكم ثم توليتم غيره أن يولي كل عبد (منكم ما تولى؟! فيقولون: بلى، قال: فيمثل لكل قوم آلهتهم التي كانوا) يعبدونها، فيتبعونها حتى توردهم النار، ويبقى أهل [الدعوة]، فيقول بعضهم لبعض: ماذا تنتظرون؟ (ذهب الناس)! فيقولون: ننتظر أن ينادى [بنا]. قال: فيجيء في صورة، فذكر منها ما شاء الله، فيكشف عما شاء الله أن يكشف، فيخرون سجدا إلا المنافقين، فإنه يصير فَقَارُ أصلابِهِمْ عَظْماً واحداً مثل [صياصي] البقر، فيقال لهم: ارفعوا رؤوسكم إلى نوركم. ثم ذكر قصة طويلة. وذكر أبو سعيد الخدري: عن النبي ﷺ نحو ذلك وأطول. والعرب تقول: انكشف الأمر عن ساق، أي: عن هول وأمر غليظ شديد. وأصل هذا أن الرجل إذا جد في أمر فيه صعوبة وشدة تشمر وكشف عن ساقه، فجعل الساق في موضع الشدة. * * وقوله: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾. أي: [ويدعى] أهل النفاق إلى السجود لله عند ظهور الأمر الشديد فلا يستطيعون السجود. ودل هذا على أن الاستطاعة قبل الفعل، لأن الكلام على أنهم كانوا قبل ذلك يستطيعون السجود فتركوه. ودعاؤهم إلى السجود إنما هو على طريق التوبيخ لهم ليوقفوا على فعلهم في الدنيا إذ دعوا إلى السجود وهم سالمون لينتفعوا به فلم يفعلوا. روي أن أصلابهم تجف عقوبة فلا يطيقون السجود. * * ثم قال: ﴿خَٰشِعَةً أَبْصَٰرُهُمْ تَرْهَقُهُمْ (ذِلَّةٌ)﴾ أي: خاضعة ذليلة أبصارهم [تغشاهم] ذلة من عذاب الله. والعامل في "يوم يكشف" قوله: ﴿فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ﴾ أي: فليأتوا بالشركاء يوم يكشف، أي يوم القيامة. لم يرد الإتيان بها في الدنيا لأنهم يقدرون على ذلك في الدنيا، ولا يقدرون عليه في الآخرة، "فيأتوا" هو العامل في "يوم يكشف". ويجوز أن يعمل فيه فعل [مضمر] أي: اذكر يوم يكشف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمْ سَٰلِمُونَ﴾ (أي): وقد كانوا في الدنيا يدعون (إلى) أن يسجدوا لله وهم سالمون الجوارح، لا يمنعهم من ذلك مانع فلم يفعلوا. وقيل: السجود (الذي) (كانوا) يدعون إليه في الدنيا هو الصلاة المكتوبة. قاله الشعبي. وقال ابن جبير: كانوا يسمعون النداء للصلاة فلا يجيبون. قال ابن عباس: هم الكفار، كانوا يدعون إلى السجود في الدنيا وهم آمنون، فاليوم يدعون وهم خائفون. وروى قتادة أن النبي ﷺ قال: "يُؤْذَنُ للمؤمنين يَومَ القيامةِ في السّجودِ فَيَسْجُدُ المُؤمِنُونَ، وبَيْنَ كلِّ مُؤمنين مُنَافِقٌ فَيَقْسُو ظَهْرُ المُنَافِقِ عَنِ السُّجُودِ، ويَجْعَلُ اللهُ سُجُودَ المؤمنين على المنافقينَ تَوْبِيخاً وَصَغَاراً وَذُلاًّ وَنَدَامَةً وَحَسْرَةً ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ﴾ هذا تهدد ووعيد من الله للمكذبين بكتابه، كما يقول الرجل للرجل يتوعده: دعني وإياك، وخلني وإياه. * * وقوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ﴾. أي: سنكيدهم من حيث لا يعلمون، وذلك أن يمتعهم بمتاع الدنيا حتى يظنوا أنهم إنّما مُتِّعُوا به لخير لهم عند الله فيتمادون في طغيانهم، ثم [يأخذهم] بغتة [وهم] لا يشعرون. فيكون معنى "سنستدرجهم": سنمتعهم ونوسع عليهم في الدنيا حتى يتوهموا أن لهم خيراً ويغتروا بالنعم. روي عن النبي ﷺ أنه قال: إن الله يُمْهِل الظالم حتى إذا أخَذَه لم يُفْلِتْهُ، وقرأ: ﴿وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ وحقيقة الاستدراج أن يأخذه ببأسه قليلاً ولا يُجَاهِرُه، وهو من الدرج الذي يُصعَد وَيُنْزَل منه قليلاً قليلاً. * * - ثم قال: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾. أي أنْسِىءُ لهم في آجالهم ملاوة من الزمان، وذلك [برهة] من الدهر على كفرهم وتمردهم على الله [لتتكامل] حجج الله عليهم. * * - وقوله: ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾. أي: إن كيدي بأهل الكفر قوي شديد. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾. أي: أم تسألهم يا محمد على إنذارك لهم ونصحك إياهم جُعلاً [فهم] مثقلون [مما] يعطونك من الجُعْل؟ أي: لست تسألهم ذلك، فما بالهم لا يقبلون نصحك. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾. أي: أعندهم اللوح المحفوظ الذي فيه الغيوب كلها فهم يكتبون منه [ما يجادلونك] به، ويزعمون أنهم على كفرهم أفضل منزلة عند الله من أهل الإيمان به. - قال تعالى: ﴿فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ﴾ يعني: يونس، أي فاصبر يا محمد على أداء (الرسالة) لقضاء ربك [فيك وفي هؤلاء] المشركين، ولا تستعجل لهم العذاب فتكن كصاحب الحوت، يعني يونس إذ خرج عن قومه حين تأخر العذاب عنهم. - واذكر ﴿إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾. أي: إذ نادى ربه من بطن الحوت وهو مغموم لا يجد من يتفرج إليه. قال قتادة: ولا تكن كصاحب الحوت في العجلة والغضب، أي: لا تعجل كما عجل ولا تغضب كما غضب. * * - ثم قال تعالى: ﴿لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ (أي رحمة - فرحمه) ﴿لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾. (أي: لولا أن الله رحمه وسمع دعاءه من بطن الحوت فأجابه لطُرِحَ بالفضاء من الأرض وهو مذموم) قال ابن عباس: مذموم "مليم". وقيل مذموم: "مذنب". * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ أي: فاختاره واصطفاه. * * - ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾. أي: اختاره للنبوّة فجعله صالحاً، أي: رفعه للعمل الصالح. وقيل: معناه: فوصفه من الصالحين. حكى سيبويه: "جعل" بمعنى "وصف".

القلم 68:41

قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾، إلى قوله: ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ الآيات. (أي): إن للذين اتقوا عقوبة ربهم [فأطاعوه] بساتين (النعيم) الدائم في الآخرة. * * - ثم قال: ﴿أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ﴾. أي: أفنجعل - أيها الناس - كرامتي في الآخرة للذين أطاعوني كالذين عصوني؟! * * ﴿مَا لَكُمْ...﴾ أيها الناس ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. إذ تجعلون المطيع كالعاصي؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾. أي: ألكم - أيها القوم - بتسويتكم الطائع كالعاصي - كتاب نزل من عند الله أتاكم به رسول أن الطائع كالعاصي فيه تقرؤون؟! وقيل: المعنى: تدرسون أن لكم فيه لما تَخَيَّرون. (فتدرسون) عاملٌ في المعنى في ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾، [لكن] منعت اللام في "لما" من فتح "إن" (بتدرسون]. ومثله: ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾. والتقدير: أن لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة، فإن لكم لما تحكمون. وهذا كله منقطع عند البصريين غير متصل بما قبله، ولا يجوز عندهم تعلق "تدرسون"، إنما تعلق أفعال الشك لا غير. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾. أي: إن لكم في ذلك لما تخيرونه، وهذا توبيخ وتقريع لهم لما كانوا يتقولون من الكذب. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾. أي: هل لكم ذلك، أي: ليس لكم أيمان على الله تنتهي بكم إلى يوم القيامة بأن لكم حكمكم في ما تتقولون. وكسرت الألف من "إنّ" لدخول اللام في "لمَا". وقيل: "بالغة" [وثيقة]، أي: بالغة النهاية في التأكيد. * * - ثم قال تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ [زَعِيمٌ]﴾. أي: سل - يا محمد - هؤلاء المتقولين (المتحكمين) على الله، أيهم كفيل بأن لهم علينا أيماناً بالغة إلى يوم القيامة؟ وقيل: "زعيم" معناه: ضمين. والزعيم أيضاً المتكلم عن القوم. * * - ثم قال تعالى ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ﴾ أي: ألهم شركاء (يعينونهم) ويشهدون لهم بذلك ويحتجون عنهم فيما يدعون فليأتوا بهم إن كانوا صادقين في قولهم فتكون الحجة على جميعهم أبين و [آكد]. * * - ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ (عَن سَاقٍ) وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾. أي: اذكر يا محمد يوم يبدو [أمر] عظيم، وذلك يوم القيامة. قال ابن عباس: يوم يكشف [عن ساق]، هو يوم كرب وشدة وأمر عظيم. وقرأ ابن عباس: "يوم نَكشِف" بالنون. وقرأ ابن مسعود: "يوم يَكشِف" بفتح الياء وكسر الشين. وعن ابن عباس أيضاً أنه قرأ "يوم تَكشِف" بالتاء، يريد القيامة تكشف عن أهوالها. وروى مجاهد عن ابن عباس: "عن ساق" قال: هي أول ساعة من القيامة، وهي [أفظعها] و [أشدها]. وقال ابن جبير: "عن ساق": عن شدة الأمر". وقال قتادة ﴿عَن سَاقٍ﴾ عن أمر فظيع لهم جليل. وعن ابن مسعود أنه قال: "يتمثل الله للخلق، يعني يوم القيامة، حتى يمر المسلمون فيقول: من تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله لا نشرك به شيئاً، [فينتهرهم] مرتين أو ثلاثاً، فيقولون: هل تعرفون ربكم؟ فيقولون: سبحانه، إذا اعترف لنا عرفناه. (قال): فعند ذلك يكشف عن ساق فلا يبقى مؤمن إلا خر لله ساجداً، ويبقى المنافقون ظهورهم طبق كأنما فيها السفافيد، فيقولون: ربنا! فيقول: قد كنتم تَدْعُوْنَ إلى السجود وأنتم سالمون. قال أبو محمد: فمعنى يكشف لهم عن ساق، أي: عن أمر عظيم وقدرة لا يقدر عليها إلا الله. فيعرفونه تعالى بها [أظهر] من قدرته إليهم. ولا يحل لأحد أن [يتأول] في هذا وما شابهه جارحة، إذ ليست صفات الله كصفات الخلق، كما أنه ليس كمثله شيء، فاحْذَرْ أن يتمثل في قلبك شيء من تشبيه الله بخلقه، [فغير] جائز في الحكمة والقدرة أن يكون المخلوق يشبه الخالق في شيء من الصفات، ومن شبه الخالق بالمخلوق فقد أوجب على الخالق الحدث، وكفر وأبطل التوحيد، إذ في ذلك نفي القدم عن الخالق، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. وقال ابن مسعود: ينادي مناد يوم القيامة: أليس عدلاً منكم أن ربكم خلقكم ثم صوركم ثم رزقكم ثم توليتم غيره أن يولي كل عبد (منكم ما تولى؟! فيقولون: بلى، قال: فيمثل لكل قوم آلهتهم التي كانوا) يعبدونها، فيتبعونها حتى توردهم النار، ويبقى أهل [الدعوة]، فيقول بعضهم لبعض: ماذا تنتظرون؟ (ذهب الناس)! فيقولون: ننتظر أن ينادى [بنا]. قال: فيجيء في صورة، فذكر منها ما شاء الله، فيكشف عما شاء الله أن يكشف، فيخرون سجدا إلا المنافقين، فإنه يصير فَقَارُ أصلابِهِمْ عَظْماً واحداً مثل [صياصي] البقر، فيقال لهم: ارفعوا رؤوسكم إلى نوركم. ثم ذكر قصة طويلة. وذكر أبو سعيد الخدري: عن النبي ﷺ نحو ذلك وأطول. والعرب تقول: انكشف الأمر عن ساق، أي: عن هول وأمر غليظ شديد. وأصل هذا أن الرجل إذا جد في أمر فيه صعوبة وشدة تشمر وكشف عن ساقه، فجعل الساق في موضع الشدة. * * وقوله: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾. أي: [ويدعى] أهل النفاق إلى السجود لله عند ظهور الأمر الشديد فلا يستطيعون السجود. ودل هذا على أن الاستطاعة قبل الفعل، لأن الكلام على أنهم كانوا قبل ذلك يستطيعون السجود فتركوه. ودعاؤهم إلى السجود إنما هو على طريق التوبيخ لهم ليوقفوا على فعلهم في الدنيا إذ دعوا إلى السجود وهم سالمون لينتفعوا به فلم يفعلوا. روي أن أصلابهم تجف عقوبة فلا يطيقون السجود. * * ثم قال: ﴿خَٰشِعَةً أَبْصَٰرُهُمْ تَرْهَقُهُمْ (ذِلَّةٌ)﴾ أي: خاضعة ذليلة أبصارهم [تغشاهم] ذلة من عذاب الله. والعامل في "يوم يكشف" قوله: ﴿فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ﴾ أي: فليأتوا بالشركاء يوم يكشف، أي يوم القيامة. لم يرد الإتيان بها في الدنيا لأنهم يقدرون على ذلك في الدنيا، ولا يقدرون عليه في الآخرة، "فيأتوا" هو العامل في "يوم يكشف". ويجوز أن يعمل فيه فعل [مضمر] أي: اذكر يوم يكشف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمْ سَٰلِمُونَ﴾ (أي): وقد كانوا في الدنيا يدعون (إلى) أن يسجدوا لله وهم سالمون الجوارح، لا يمنعهم من ذلك مانع فلم يفعلوا. وقيل: السجود (الذي) (كانوا) يدعون إليه في الدنيا هو الصلاة المكتوبة. قاله الشعبي. وقال ابن جبير: كانوا يسمعون النداء للصلاة فلا يجيبون. قال ابن عباس: هم الكفار، كانوا يدعون إلى السجود في الدنيا وهم آمنون، فاليوم يدعون وهم خائفون. وروى قتادة أن النبي ﷺ قال: "يُؤْذَنُ للمؤمنين يَومَ القيامةِ في السّجودِ فَيَسْجُدُ المُؤمِنُونَ، وبَيْنَ كلِّ مُؤمنين مُنَافِقٌ فَيَقْسُو ظَهْرُ المُنَافِقِ عَنِ السُّجُودِ، ويَجْعَلُ اللهُ سُجُودَ المؤمنين على المنافقينَ تَوْبِيخاً وَصَغَاراً وَذُلاًّ وَنَدَامَةً وَحَسْرَةً ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ﴾ هذا تهدد ووعيد من الله للمكذبين بكتابه، كما يقول الرجل للرجل يتوعده: دعني وإياك، وخلني وإياه. * * وقوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ﴾. أي: سنكيدهم من حيث لا يعلمون، وذلك أن يمتعهم بمتاع الدنيا حتى يظنوا أنهم إنّما مُتِّعُوا به لخير لهم عند الله فيتمادون في طغيانهم، ثم [يأخذهم] بغتة [وهم] لا يشعرون. فيكون معنى "سنستدرجهم": سنمتعهم ونوسع عليهم في الدنيا حتى يتوهموا أن لهم خيراً ويغتروا بالنعم. روي عن النبي ﷺ أنه قال: إن الله يُمْهِل الظالم حتى إذا أخَذَه لم يُفْلِتْهُ، وقرأ: ﴿وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ وحقيقة الاستدراج أن يأخذه ببأسه قليلاً ولا يُجَاهِرُه، وهو من الدرج الذي يُصعَد وَيُنْزَل منه قليلاً قليلاً. * * - ثم قال: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾. أي أنْسِىءُ لهم في آجالهم ملاوة من الزمان، وذلك [برهة] من الدهر على كفرهم وتمردهم على الله [لتتكامل] حجج الله عليهم. * * - وقوله: ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾. أي: إن كيدي بأهل الكفر قوي شديد. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾. أي: أم تسألهم يا محمد على إنذارك لهم ونصحك إياهم جُعلاً [فهم] مثقلون [مما] يعطونك من الجُعْل؟ أي: لست تسألهم ذلك، فما بالهم لا يقبلون نصحك. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾. أي: أعندهم اللوح المحفوظ الذي فيه الغيوب كلها فهم يكتبون منه [ما يجادلونك] به، ويزعمون أنهم على كفرهم أفضل منزلة عند الله من أهل الإيمان به. - قال تعالى: ﴿فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ﴾ يعني: يونس، أي فاصبر يا محمد على أداء (الرسالة) لقضاء ربك [فيك وفي هؤلاء] المشركين، ولا تستعجل لهم العذاب فتكن كصاحب الحوت، يعني يونس إذ خرج عن قومه حين تأخر العذاب عنهم. - واذكر ﴿إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾. أي: إذ نادى ربه من بطن الحوت وهو مغموم لا يجد من يتفرج إليه. قال قتادة: ولا تكن كصاحب الحوت في العجلة والغضب، أي: لا تعجل كما عجل ولا تغضب كما غضب. * * - ثم قال تعالى: ﴿لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ (أي رحمة - فرحمه) ﴿لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾. (أي: لولا أن الله رحمه وسمع دعاءه من بطن الحوت فأجابه لطُرِحَ بالفضاء من الأرض وهو مذموم) قال ابن عباس: مذموم "مليم". وقيل مذموم: "مذنب". * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ أي: فاختاره واصطفاه. * * - ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾. أي: اختاره للنبوّة فجعله صالحاً، أي: رفعه للعمل الصالح. وقيل: معناه: فوصفه من الصالحين. حكى سيبويه: "جعل" بمعنى "وصف".

القلم 68:42

قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾، إلى قوله: ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ الآيات. (أي): إن للذين اتقوا عقوبة ربهم [فأطاعوه] بساتين (النعيم) الدائم في الآخرة. * * - ثم قال: ﴿أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ﴾. أي: أفنجعل - أيها الناس - كرامتي في الآخرة للذين أطاعوني كالذين عصوني؟! * * ﴿مَا لَكُمْ...﴾ أيها الناس ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. إذ تجعلون المطيع كالعاصي؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾. أي: ألكم - أيها القوم - بتسويتكم الطائع كالعاصي - كتاب نزل من عند الله أتاكم به رسول أن الطائع كالعاصي فيه تقرؤون؟! وقيل: المعنى: تدرسون أن لكم فيه لما تَخَيَّرون. (فتدرسون) عاملٌ في المعنى في ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾، [لكن] منعت اللام في "لما" من فتح "إن" (بتدرسون]. ومثله: ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾. والتقدير: أن لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة، فإن لكم لما تحكمون. وهذا كله منقطع عند البصريين غير متصل بما قبله، ولا يجوز عندهم تعلق "تدرسون"، إنما تعلق أفعال الشك لا غير. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾. أي: إن لكم في ذلك لما تخيرونه، وهذا توبيخ وتقريع لهم لما كانوا يتقولون من الكذب. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾. أي: هل لكم ذلك، أي: ليس لكم أيمان على الله تنتهي بكم إلى يوم القيامة بأن لكم حكمكم في ما تتقولون. وكسرت الألف من "إنّ" لدخول اللام في "لمَا". وقيل: "بالغة" [وثيقة]، أي: بالغة النهاية في التأكيد. * * - ثم قال تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ [زَعِيمٌ]﴾. أي: سل - يا محمد - هؤلاء المتقولين (المتحكمين) على الله، أيهم كفيل بأن لهم علينا أيماناً بالغة إلى يوم القيامة؟ وقيل: "زعيم" معناه: ضمين. والزعيم أيضاً المتكلم عن القوم. * * - ثم قال تعالى ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ﴾ أي: ألهم شركاء (يعينونهم) ويشهدون لهم بذلك ويحتجون عنهم فيما يدعون فليأتوا بهم إن كانوا صادقين في قولهم فتكون الحجة على جميعهم أبين و [آكد]. * * - ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ (عَن سَاقٍ) وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾. أي: اذكر يا محمد يوم يبدو [أمر] عظيم، وذلك يوم القيامة. قال ابن عباس: يوم يكشف [عن ساق]، هو يوم كرب وشدة وأمر عظيم. وقرأ ابن عباس: "يوم نَكشِف" بالنون. وقرأ ابن مسعود: "يوم يَكشِف" بفتح الياء وكسر الشين. وعن ابن عباس أيضاً أنه قرأ "يوم تَكشِف" بالتاء، يريد القيامة تكشف عن أهوالها. وروى مجاهد عن ابن عباس: "عن ساق" قال: هي أول ساعة من القيامة، وهي [أفظعها] و [أشدها]. وقال ابن جبير: "عن ساق": عن شدة الأمر". وقال قتادة ﴿عَن سَاقٍ﴾ عن أمر فظيع لهم جليل. وعن ابن مسعود أنه قال: "يتمثل الله للخلق، يعني يوم القيامة، حتى يمر المسلمون فيقول: من تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله لا نشرك به شيئاً، [فينتهرهم] مرتين أو ثلاثاً، فيقولون: هل تعرفون ربكم؟ فيقولون: سبحانه، إذا اعترف لنا عرفناه. (قال): فعند ذلك يكشف عن ساق فلا يبقى مؤمن إلا خر لله ساجداً، ويبقى المنافقون ظهورهم طبق كأنما فيها السفافيد، فيقولون: ربنا! فيقول: قد كنتم تَدْعُوْنَ إلى السجود وأنتم سالمون. قال أبو محمد: فمعنى يكشف لهم عن ساق، أي: عن أمر عظيم وقدرة لا يقدر عليها إلا الله. فيعرفونه تعالى بها [أظهر] من قدرته إليهم. ولا يحل لأحد أن [يتأول] في هذا وما شابهه جارحة، إذ ليست صفات الله كصفات الخلق، كما أنه ليس كمثله شيء، فاحْذَرْ أن يتمثل في قلبك شيء من تشبيه الله بخلقه، [فغير] جائز في الحكمة والقدرة أن يكون المخلوق يشبه الخالق في شيء من الصفات، ومن شبه الخالق بالمخلوق فقد أوجب على الخالق الحدث، وكفر وأبطل التوحيد، إذ في ذلك نفي القدم عن الخالق، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. وقال ابن مسعود: ينادي مناد يوم القيامة: أليس عدلاً منكم أن ربكم خلقكم ثم صوركم ثم رزقكم ثم توليتم غيره أن يولي كل عبد (منكم ما تولى؟! فيقولون: بلى، قال: فيمثل لكل قوم آلهتهم التي كانوا) يعبدونها، فيتبعونها حتى توردهم النار، ويبقى أهل [الدعوة]، فيقول بعضهم لبعض: ماذا تنتظرون؟ (ذهب الناس)! فيقولون: ننتظر أن ينادى [بنا]. قال: فيجيء في صورة، فذكر منها ما شاء الله، فيكشف عما شاء الله أن يكشف، فيخرون سجدا إلا المنافقين، فإنه يصير فَقَارُ أصلابِهِمْ عَظْماً واحداً مثل [صياصي] البقر، فيقال لهم: ارفعوا رؤوسكم إلى نوركم. ثم ذكر قصة طويلة. وذكر أبو سعيد الخدري: عن النبي ﷺ نحو ذلك وأطول. والعرب تقول: انكشف الأمر عن ساق، أي: عن هول وأمر غليظ شديد. وأصل هذا أن الرجل إذا جد في أمر فيه صعوبة وشدة تشمر وكشف عن ساقه، فجعل الساق في موضع الشدة. * * وقوله: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾. أي: [ويدعى] أهل النفاق إلى السجود لله عند ظهور الأمر الشديد فلا يستطيعون السجود. ودل هذا على أن الاستطاعة قبل الفعل، لأن الكلام على أنهم كانوا قبل ذلك يستطيعون السجود فتركوه. ودعاؤهم إلى السجود إنما هو على طريق التوبيخ لهم ليوقفوا على فعلهم في الدنيا إذ دعوا إلى السجود وهم سالمون لينتفعوا به فلم يفعلوا. روي أن أصلابهم تجف عقوبة فلا يطيقون السجود. * * ثم قال: ﴿خَٰشِعَةً أَبْصَٰرُهُمْ تَرْهَقُهُمْ (ذِلَّةٌ)﴾ أي: خاضعة ذليلة أبصارهم [تغشاهم] ذلة من عذاب الله. والعامل في "يوم يكشف" قوله: ﴿فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ﴾ أي: فليأتوا بالشركاء يوم يكشف، أي يوم القيامة. لم يرد الإتيان بها في الدنيا لأنهم يقدرون على ذلك في الدنيا، ولا يقدرون عليه في الآخرة، "فيأتوا" هو العامل في "يوم يكشف". ويجوز أن يعمل فيه فعل [مضمر] أي: اذكر يوم يكشف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمْ سَٰلِمُونَ﴾ (أي): وقد كانوا في الدنيا يدعون (إلى) أن يسجدوا لله وهم سالمون الجوارح، لا يمنعهم من ذلك مانع فلم يفعلوا. وقيل: السجود (الذي) (كانوا) يدعون إليه في الدنيا هو الصلاة المكتوبة. قاله الشعبي. وقال ابن جبير: كانوا يسمعون النداء للصلاة فلا يجيبون. قال ابن عباس: هم الكفار، كانوا يدعون إلى السجود في الدنيا وهم آمنون، فاليوم يدعون وهم خائفون. وروى قتادة أن النبي ﷺ قال: "يُؤْذَنُ للمؤمنين يَومَ القيامةِ في السّجودِ فَيَسْجُدُ المُؤمِنُونَ، وبَيْنَ كلِّ مُؤمنين مُنَافِقٌ فَيَقْسُو ظَهْرُ المُنَافِقِ عَنِ السُّجُودِ، ويَجْعَلُ اللهُ سُجُودَ المؤمنين على المنافقينَ تَوْبِيخاً وَصَغَاراً وَذُلاًّ وَنَدَامَةً وَحَسْرَةً ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ﴾ هذا تهدد ووعيد من الله للمكذبين بكتابه، كما يقول الرجل للرجل يتوعده: دعني وإياك، وخلني وإياه. * * وقوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ﴾. أي: سنكيدهم من حيث لا يعلمون، وذلك أن يمتعهم بمتاع الدنيا حتى يظنوا أنهم إنّما مُتِّعُوا به لخير لهم عند الله فيتمادون في طغيانهم، ثم [يأخذهم] بغتة [وهم] لا يشعرون. فيكون معنى "سنستدرجهم": سنمتعهم ونوسع عليهم في الدنيا حتى يتوهموا أن لهم خيراً ويغتروا بالنعم. روي عن النبي ﷺ أنه قال: إن الله يُمْهِل الظالم حتى إذا أخَذَه لم يُفْلِتْهُ، وقرأ: ﴿وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ وحقيقة الاستدراج أن يأخذه ببأسه قليلاً ولا يُجَاهِرُه، وهو من الدرج الذي يُصعَد وَيُنْزَل منه قليلاً قليلاً. * * - ثم قال: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾. أي أنْسِىءُ لهم في آجالهم ملاوة من الزمان، وذلك [برهة] من الدهر على كفرهم وتمردهم على الله [لتتكامل] حجج الله عليهم. * * - وقوله: ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾. أي: إن كيدي بأهل الكفر قوي شديد. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾. أي: أم تسألهم يا محمد على إنذارك لهم ونصحك إياهم جُعلاً [فهم] مثقلون [مما] يعطونك من الجُعْل؟ أي: لست تسألهم ذلك، فما بالهم لا يقبلون نصحك. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾. أي: أعندهم اللوح المحفوظ الذي فيه الغيوب كلها فهم يكتبون منه [ما يجادلونك] به، ويزعمون أنهم على كفرهم أفضل منزلة عند الله من أهل الإيمان به. - قال تعالى: ﴿فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ﴾ يعني: يونس، أي فاصبر يا محمد على أداء (الرسالة) لقضاء ربك [فيك وفي هؤلاء] المشركين، ولا تستعجل لهم العذاب فتكن كصاحب الحوت، يعني يونس إذ خرج عن قومه حين تأخر العذاب عنهم. - واذكر ﴿إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾. أي: إذ نادى ربه من بطن الحوت وهو مغموم لا يجد من يتفرج إليه. قال قتادة: ولا تكن كصاحب الحوت في العجلة والغضب، أي: لا تعجل كما عجل ولا تغضب كما غضب. * * - ثم قال تعالى: ﴿لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ (أي رحمة - فرحمه) ﴿لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾. (أي: لولا أن الله رحمه وسمع دعاءه من بطن الحوت فأجابه لطُرِحَ بالفضاء من الأرض وهو مذموم) قال ابن عباس: مذموم "مليم". وقيل مذموم: "مذنب". * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ أي: فاختاره واصطفاه. * * - ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾. أي: اختاره للنبوّة فجعله صالحاً، أي: رفعه للعمل الصالح. وقيل: معناه: فوصفه من الصالحين. حكى سيبويه: "جعل" بمعنى "وصف".

القلم 68:43

قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾، إلى قوله: ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ الآيات. (أي): إن للذين اتقوا عقوبة ربهم [فأطاعوه] بساتين (النعيم) الدائم في الآخرة. * * - ثم قال: ﴿أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ﴾. أي: أفنجعل - أيها الناس - كرامتي في الآخرة للذين أطاعوني كالذين عصوني؟! * * ﴿مَا لَكُمْ...﴾ أيها الناس ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. إذ تجعلون المطيع كالعاصي؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾. أي: ألكم - أيها القوم - بتسويتكم الطائع كالعاصي - كتاب نزل من عند الله أتاكم به رسول أن الطائع كالعاصي فيه تقرؤون؟! وقيل: المعنى: تدرسون أن لكم فيه لما تَخَيَّرون. (فتدرسون) عاملٌ في المعنى في ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾، [لكن] منعت اللام في "لما" من فتح "إن" (بتدرسون]. ومثله: ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾. والتقدير: أن لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة، فإن لكم لما تحكمون. وهذا كله منقطع عند البصريين غير متصل بما قبله، ولا يجوز عندهم تعلق "تدرسون"، إنما تعلق أفعال الشك لا غير. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾. أي: إن لكم في ذلك لما تخيرونه، وهذا توبيخ وتقريع لهم لما كانوا يتقولون من الكذب. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾. أي: هل لكم ذلك، أي: ليس لكم أيمان على الله تنتهي بكم إلى يوم القيامة بأن لكم حكمكم في ما تتقولون. وكسرت الألف من "إنّ" لدخول اللام في "لمَا". وقيل: "بالغة" [وثيقة]، أي: بالغة النهاية في التأكيد. * * - ثم قال تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ [زَعِيمٌ]﴾. أي: سل - يا محمد - هؤلاء المتقولين (المتحكمين) على الله، أيهم كفيل بأن لهم علينا أيماناً بالغة إلى يوم القيامة؟ وقيل: "زعيم" معناه: ضمين. والزعيم أيضاً المتكلم عن القوم. * * - ثم قال تعالى ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ﴾ أي: ألهم شركاء (يعينونهم) ويشهدون لهم بذلك ويحتجون عنهم فيما يدعون فليأتوا بهم إن كانوا صادقين في قولهم فتكون الحجة على جميعهم أبين و [آكد]. * * - ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ (عَن سَاقٍ) وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾. أي: اذكر يا محمد يوم يبدو [أمر] عظيم، وذلك يوم القيامة. قال ابن عباس: يوم يكشف [عن ساق]، هو يوم كرب وشدة وأمر عظيم. وقرأ ابن عباس: "يوم نَكشِف" بالنون. وقرأ ابن مسعود: "يوم يَكشِف" بفتح الياء وكسر الشين. وعن ابن عباس أيضاً أنه قرأ "يوم تَكشِف" بالتاء، يريد القيامة تكشف عن أهوالها. وروى مجاهد عن ابن عباس: "عن ساق" قال: هي أول ساعة من القيامة، وهي [أفظعها] و [أشدها]. وقال ابن جبير: "عن ساق": عن شدة الأمر". وقال قتادة ﴿عَن سَاقٍ﴾ عن أمر فظيع لهم جليل. وعن ابن مسعود أنه قال: "يتمثل الله للخلق، يعني يوم القيامة، حتى يمر المسلمون فيقول: من تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله لا نشرك به شيئاً، [فينتهرهم] مرتين أو ثلاثاً، فيقولون: هل تعرفون ربكم؟ فيقولون: سبحانه، إذا اعترف لنا عرفناه. (قال): فعند ذلك يكشف عن ساق فلا يبقى مؤمن إلا خر لله ساجداً، ويبقى المنافقون ظهورهم طبق كأنما فيها السفافيد، فيقولون: ربنا! فيقول: قد كنتم تَدْعُوْنَ إلى السجود وأنتم سالمون. قال أبو محمد: فمعنى يكشف لهم عن ساق، أي: عن أمر عظيم وقدرة لا يقدر عليها إلا الله. فيعرفونه تعالى بها [أظهر] من قدرته إليهم. ولا يحل لأحد أن [يتأول] في هذا وما شابهه جارحة، إذ ليست صفات الله كصفات الخلق، كما أنه ليس كمثله شيء، فاحْذَرْ أن يتمثل في قلبك شيء من تشبيه الله بخلقه، [فغير] جائز في الحكمة والقدرة أن يكون المخلوق يشبه الخالق في شيء من الصفات، ومن شبه الخالق بالمخلوق فقد أوجب على الخالق الحدث، وكفر وأبطل التوحيد، إذ في ذلك نفي القدم عن الخالق، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. وقال ابن مسعود: ينادي مناد يوم القيامة: أليس عدلاً منكم أن ربكم خلقكم ثم صوركم ثم رزقكم ثم توليتم غيره أن يولي كل عبد (منكم ما تولى؟! فيقولون: بلى، قال: فيمثل لكل قوم آلهتهم التي كانوا) يعبدونها، فيتبعونها حتى توردهم النار، ويبقى أهل [الدعوة]، فيقول بعضهم لبعض: ماذا تنتظرون؟ (ذهب الناس)! فيقولون: ننتظر أن ينادى [بنا]. قال: فيجيء في صورة، فذكر منها ما شاء الله، فيكشف عما شاء الله أن يكشف، فيخرون سجدا إلا المنافقين، فإنه يصير فَقَارُ أصلابِهِمْ عَظْماً واحداً مثل [صياصي] البقر، فيقال لهم: ارفعوا رؤوسكم إلى نوركم. ثم ذكر قصة طويلة. وذكر أبو سعيد الخدري: عن النبي ﷺ نحو ذلك وأطول. والعرب تقول: انكشف الأمر عن ساق، أي: عن هول وأمر غليظ شديد. وأصل هذا أن الرجل إذا جد في أمر فيه صعوبة وشدة تشمر وكشف عن ساقه، فجعل الساق في موضع الشدة. * * وقوله: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾. أي: [ويدعى] أهل النفاق إلى السجود لله عند ظهور الأمر الشديد فلا يستطيعون السجود. ودل هذا على أن الاستطاعة قبل الفعل، لأن الكلام على أنهم كانوا قبل ذلك يستطيعون السجود فتركوه. ودعاؤهم إلى السجود إنما هو على طريق التوبيخ لهم ليوقفوا على فعلهم في الدنيا إذ دعوا إلى السجود وهم سالمون لينتفعوا به فلم يفعلوا. روي أن أصلابهم تجف عقوبة فلا يطيقون السجود. * * ثم قال: ﴿خَٰشِعَةً أَبْصَٰرُهُمْ تَرْهَقُهُمْ (ذِلَّةٌ)﴾ أي: خاضعة ذليلة أبصارهم [تغشاهم] ذلة من عذاب الله. والعامل في "يوم يكشف" قوله: ﴿فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ﴾ أي: فليأتوا بالشركاء يوم يكشف، أي يوم القيامة. لم يرد الإتيان بها في الدنيا لأنهم يقدرون على ذلك في الدنيا، ولا يقدرون عليه في الآخرة، "فيأتوا" هو العامل في "يوم يكشف". ويجوز أن يعمل فيه فعل [مضمر] أي: اذكر يوم يكشف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمْ سَٰلِمُونَ﴾ (أي): وقد كانوا في الدنيا يدعون (إلى) أن يسجدوا لله وهم سالمون الجوارح، لا يمنعهم من ذلك مانع فلم يفعلوا. وقيل: السجود (الذي) (كانوا) يدعون إليه في الدنيا هو الصلاة المكتوبة. قاله الشعبي. وقال ابن جبير: كانوا يسمعون النداء للصلاة فلا يجيبون. قال ابن عباس: هم الكفار، كانوا يدعون إلى السجود في الدنيا وهم آمنون، فاليوم يدعون وهم خائفون. وروى قتادة أن النبي ﷺ قال: "يُؤْذَنُ للمؤمنين يَومَ القيامةِ في السّجودِ فَيَسْجُدُ المُؤمِنُونَ، وبَيْنَ كلِّ مُؤمنين مُنَافِقٌ فَيَقْسُو ظَهْرُ المُنَافِقِ عَنِ السُّجُودِ، ويَجْعَلُ اللهُ سُجُودَ المؤمنين على المنافقينَ تَوْبِيخاً وَصَغَاراً وَذُلاًّ وَنَدَامَةً وَحَسْرَةً ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ﴾ هذا تهدد ووعيد من الله للمكذبين بكتابه، كما يقول الرجل للرجل يتوعده: دعني وإياك، وخلني وإياه. * * وقوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ﴾. أي: سنكيدهم من حيث لا يعلمون، وذلك أن يمتعهم بمتاع الدنيا حتى يظنوا أنهم إنّما مُتِّعُوا به لخير لهم عند الله فيتمادون في طغيانهم، ثم [يأخذهم] بغتة [وهم] لا يشعرون. فيكون معنى "سنستدرجهم": سنمتعهم ونوسع عليهم في الدنيا حتى يتوهموا أن لهم خيراً ويغتروا بالنعم. روي عن النبي ﷺ أنه قال: إن الله يُمْهِل الظالم حتى إذا أخَذَه لم يُفْلِتْهُ، وقرأ: ﴿وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ وحقيقة الاستدراج أن يأخذه ببأسه قليلاً ولا يُجَاهِرُه، وهو من الدرج الذي يُصعَد وَيُنْزَل منه قليلاً قليلاً. * * - ثم قال: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾. أي أنْسِىءُ لهم في آجالهم ملاوة من الزمان، وذلك [برهة] من الدهر على كفرهم وتمردهم على الله [لتتكامل] حجج الله عليهم. * * - وقوله: ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾. أي: إن كيدي بأهل الكفر قوي شديد. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾. أي: أم تسألهم يا محمد على إنذارك لهم ونصحك إياهم جُعلاً [فهم] مثقلون [مما] يعطونك من الجُعْل؟ أي: لست تسألهم ذلك، فما بالهم لا يقبلون نصحك. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾. أي: أعندهم اللوح المحفوظ الذي فيه الغيوب كلها فهم يكتبون منه [ما يجادلونك] به، ويزعمون أنهم على كفرهم أفضل منزلة عند الله من أهل الإيمان به. - قال تعالى: ﴿فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ﴾ يعني: يونس، أي فاصبر يا محمد على أداء (الرسالة) لقضاء ربك [فيك وفي هؤلاء] المشركين، ولا تستعجل لهم العذاب فتكن كصاحب الحوت، يعني يونس إذ خرج عن قومه حين تأخر العذاب عنهم. - واذكر ﴿إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾. أي: إذ نادى ربه من بطن الحوت وهو مغموم لا يجد من يتفرج إليه. قال قتادة: ولا تكن كصاحب الحوت في العجلة والغضب، أي: لا تعجل كما عجل ولا تغضب كما غضب. * * - ثم قال تعالى: ﴿لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ (أي رحمة - فرحمه) ﴿لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾. (أي: لولا أن الله رحمه وسمع دعاءه من بطن الحوت فأجابه لطُرِحَ بالفضاء من الأرض وهو مذموم) قال ابن عباس: مذموم "مليم". وقيل مذموم: "مذنب". * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ أي: فاختاره واصطفاه. * * - ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾. أي: اختاره للنبوّة فجعله صالحاً، أي: رفعه للعمل الصالح. وقيل: معناه: فوصفه من الصالحين. حكى سيبويه: "جعل" بمعنى "وصف".

القلم 68:44

قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾، إلى قوله: ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ الآيات. (أي): إن للذين اتقوا عقوبة ربهم [فأطاعوه] بساتين (النعيم) الدائم في الآخرة. * * - ثم قال: ﴿أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ﴾. أي: أفنجعل - أيها الناس - كرامتي في الآخرة للذين أطاعوني كالذين عصوني؟! * * ﴿مَا لَكُمْ...﴾ أيها الناس ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. إذ تجعلون المطيع كالعاصي؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾. أي: ألكم - أيها القوم - بتسويتكم الطائع كالعاصي - كتاب نزل من عند الله أتاكم به رسول أن الطائع كالعاصي فيه تقرؤون؟! وقيل: المعنى: تدرسون أن لكم فيه لما تَخَيَّرون. (فتدرسون) عاملٌ في المعنى في ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾، [لكن] منعت اللام في "لما" من فتح "إن" (بتدرسون]. ومثله: ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾. والتقدير: أن لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة، فإن لكم لما تحكمون. وهذا كله منقطع عند البصريين غير متصل بما قبله، ولا يجوز عندهم تعلق "تدرسون"، إنما تعلق أفعال الشك لا غير. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾. أي: إن لكم في ذلك لما تخيرونه، وهذا توبيخ وتقريع لهم لما كانوا يتقولون من الكذب. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾. أي: هل لكم ذلك، أي: ليس لكم أيمان على الله تنتهي بكم إلى يوم القيامة بأن لكم حكمكم في ما تتقولون. وكسرت الألف من "إنّ" لدخول اللام في "لمَا". وقيل: "بالغة" [وثيقة]، أي: بالغة النهاية في التأكيد. * * - ثم قال تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ [زَعِيمٌ]﴾. أي: سل - يا محمد - هؤلاء المتقولين (المتحكمين) على الله، أيهم كفيل بأن لهم علينا أيماناً بالغة إلى يوم القيامة؟ وقيل: "زعيم" معناه: ضمين. والزعيم أيضاً المتكلم عن القوم. * * - ثم قال تعالى ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ﴾ أي: ألهم شركاء (يعينونهم) ويشهدون لهم بذلك ويحتجون عنهم فيما يدعون فليأتوا بهم إن كانوا صادقين في قولهم فتكون الحجة على جميعهم أبين و [آكد]. * * - ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ (عَن سَاقٍ) وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾. أي: اذكر يا محمد يوم يبدو [أمر] عظيم، وذلك يوم القيامة. قال ابن عباس: يوم يكشف [عن ساق]، هو يوم كرب وشدة وأمر عظيم. وقرأ ابن عباس: "يوم نَكشِف" بالنون. وقرأ ابن مسعود: "يوم يَكشِف" بفتح الياء وكسر الشين. وعن ابن عباس أيضاً أنه قرأ "يوم تَكشِف" بالتاء، يريد القيامة تكشف عن أهوالها. وروى مجاهد عن ابن عباس: "عن ساق" قال: هي أول ساعة من القيامة، وهي [أفظعها] و [أشدها]. وقال ابن جبير: "عن ساق": عن شدة الأمر". وقال قتادة ﴿عَن سَاقٍ﴾ عن أمر فظيع لهم جليل. وعن ابن مسعود أنه قال: "يتمثل الله للخلق، يعني يوم القيامة، حتى يمر المسلمون فيقول: من تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله لا نشرك به شيئاً، [فينتهرهم] مرتين أو ثلاثاً، فيقولون: هل تعرفون ربكم؟ فيقولون: سبحانه، إذا اعترف لنا عرفناه. (قال): فعند ذلك يكشف عن ساق فلا يبقى مؤمن إلا خر لله ساجداً، ويبقى المنافقون ظهورهم طبق كأنما فيها السفافيد، فيقولون: ربنا! فيقول: قد كنتم تَدْعُوْنَ إلى السجود وأنتم سالمون. قال أبو محمد: فمعنى يكشف لهم عن ساق، أي: عن أمر عظيم وقدرة لا يقدر عليها إلا الله. فيعرفونه تعالى بها [أظهر] من قدرته إليهم. ولا يحل لأحد أن [يتأول] في هذا وما شابهه جارحة، إذ ليست صفات الله كصفات الخلق، كما أنه ليس كمثله شيء، فاحْذَرْ أن يتمثل في قلبك شيء من تشبيه الله بخلقه، [فغير] جائز في الحكمة والقدرة أن يكون المخلوق يشبه الخالق في شيء من الصفات، ومن شبه الخالق بالمخلوق فقد أوجب على الخالق الحدث، وكفر وأبطل التوحيد، إذ في ذلك نفي القدم عن الخالق، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. وقال ابن مسعود: ينادي مناد يوم القيامة: أليس عدلاً منكم أن ربكم خلقكم ثم صوركم ثم رزقكم ثم توليتم غيره أن يولي كل عبد (منكم ما تولى؟! فيقولون: بلى، قال: فيمثل لكل قوم آلهتهم التي كانوا) يعبدونها، فيتبعونها حتى توردهم النار، ويبقى أهل [الدعوة]، فيقول بعضهم لبعض: ماذا تنتظرون؟ (ذهب الناس)! فيقولون: ننتظر أن ينادى [بنا]. قال: فيجيء في صورة، فذكر منها ما شاء الله، فيكشف عما شاء الله أن يكشف، فيخرون سجدا إلا المنافقين، فإنه يصير فَقَارُ أصلابِهِمْ عَظْماً واحداً مثل [صياصي] البقر، فيقال لهم: ارفعوا رؤوسكم إلى نوركم. ثم ذكر قصة طويلة. وذكر أبو سعيد الخدري: عن النبي ﷺ نحو ذلك وأطول. والعرب تقول: انكشف الأمر عن ساق، أي: عن هول وأمر غليظ شديد. وأصل هذا أن الرجل إذا جد في أمر فيه صعوبة وشدة تشمر وكشف عن ساقه، فجعل الساق في موضع الشدة. * * وقوله: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾. أي: [ويدعى] أهل النفاق إلى السجود لله عند ظهور الأمر الشديد فلا يستطيعون السجود. ودل هذا على أن الاستطاعة قبل الفعل، لأن الكلام على أنهم كانوا قبل ذلك يستطيعون السجود فتركوه. ودعاؤهم إلى السجود إنما هو على طريق التوبيخ لهم ليوقفوا على فعلهم في الدنيا إذ دعوا إلى السجود وهم سالمون لينتفعوا به فلم يفعلوا. روي أن أصلابهم تجف عقوبة فلا يطيقون السجود. * * ثم قال: ﴿خَٰشِعَةً أَبْصَٰرُهُمْ تَرْهَقُهُمْ (ذِلَّةٌ)﴾ أي: خاضعة ذليلة أبصارهم [تغشاهم] ذلة من عذاب الله. والعامل في "يوم يكشف" قوله: ﴿فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ﴾ أي: فليأتوا بالشركاء يوم يكشف، أي يوم القيامة. لم يرد الإتيان بها في الدنيا لأنهم يقدرون على ذلك في الدنيا، ولا يقدرون عليه في الآخرة، "فيأتوا" هو العامل في "يوم يكشف". ويجوز أن يعمل فيه فعل [مضمر] أي: اذكر يوم يكشف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمْ سَٰلِمُونَ﴾ (أي): وقد كانوا في الدنيا يدعون (إلى) أن يسجدوا لله وهم سالمون الجوارح، لا يمنعهم من ذلك مانع فلم يفعلوا. وقيل: السجود (الذي) (كانوا) يدعون إليه في الدنيا هو الصلاة المكتوبة. قاله الشعبي. وقال ابن جبير: كانوا يسمعون النداء للصلاة فلا يجيبون. قال ابن عباس: هم الكفار، كانوا يدعون إلى السجود في الدنيا وهم آمنون، فاليوم يدعون وهم خائفون. وروى قتادة أن النبي ﷺ قال: "يُؤْذَنُ للمؤمنين يَومَ القيامةِ في السّجودِ فَيَسْجُدُ المُؤمِنُونَ، وبَيْنَ كلِّ مُؤمنين مُنَافِقٌ فَيَقْسُو ظَهْرُ المُنَافِقِ عَنِ السُّجُودِ، ويَجْعَلُ اللهُ سُجُودَ المؤمنين على المنافقينَ تَوْبِيخاً وَصَغَاراً وَذُلاًّ وَنَدَامَةً وَحَسْرَةً ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ﴾ هذا تهدد ووعيد من الله للمكذبين بكتابه، كما يقول الرجل للرجل يتوعده: دعني وإياك، وخلني وإياه. * * وقوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ﴾. أي: سنكيدهم من حيث لا يعلمون، وذلك أن يمتعهم بمتاع الدنيا حتى يظنوا أنهم إنّما مُتِّعُوا به لخير لهم عند الله فيتمادون في طغيانهم، ثم [يأخذهم] بغتة [وهم] لا يشعرون. فيكون معنى "سنستدرجهم": سنمتعهم ونوسع عليهم في الدنيا حتى يتوهموا أن لهم خيراً ويغتروا بالنعم. روي عن النبي ﷺ أنه قال: إن الله يُمْهِل الظالم حتى إذا أخَذَه لم يُفْلِتْهُ، وقرأ: ﴿وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ وحقيقة الاستدراج أن يأخذه ببأسه قليلاً ولا يُجَاهِرُه، وهو من الدرج الذي يُصعَد وَيُنْزَل منه قليلاً قليلاً. * * - ثم قال: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾. أي أنْسِىءُ لهم في آجالهم ملاوة من الزمان، وذلك [برهة] من الدهر على كفرهم وتمردهم على الله [لتتكامل] حجج الله عليهم. * * - وقوله: ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾. أي: إن كيدي بأهل الكفر قوي شديد. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾. أي: أم تسألهم يا محمد على إنذارك لهم ونصحك إياهم جُعلاً [فهم] مثقلون [مما] يعطونك من الجُعْل؟ أي: لست تسألهم ذلك، فما بالهم لا يقبلون نصحك. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾. أي: أعندهم اللوح المحفوظ الذي فيه الغيوب كلها فهم يكتبون منه [ما يجادلونك] به، ويزعمون أنهم على كفرهم أفضل منزلة عند الله من أهل الإيمان به. - قال تعالى: ﴿فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ﴾ يعني: يونس، أي فاصبر يا محمد على أداء (الرسالة) لقضاء ربك [فيك وفي هؤلاء] المشركين، ولا تستعجل لهم العذاب فتكن كصاحب الحوت، يعني يونس إذ خرج عن قومه حين تأخر العذاب عنهم. - واذكر ﴿إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾. أي: إذ نادى ربه من بطن الحوت وهو مغموم لا يجد من يتفرج إليه. قال قتادة: ولا تكن كصاحب الحوت في العجلة والغضب، أي: لا تعجل كما عجل ولا تغضب كما غضب. * * - ثم قال تعالى: ﴿لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ (أي رحمة - فرحمه) ﴿لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾. (أي: لولا أن الله رحمه وسمع دعاءه من بطن الحوت فأجابه لطُرِحَ بالفضاء من الأرض وهو مذموم) قال ابن عباس: مذموم "مليم". وقيل مذموم: "مذنب". * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ أي: فاختاره واصطفاه. * * - ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾. أي: اختاره للنبوّة فجعله صالحاً، أي: رفعه للعمل الصالح. وقيل: معناه: فوصفه من الصالحين. حكى سيبويه: "جعل" بمعنى "وصف".

القلم 68:45

قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾، إلى قوله: ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ الآيات. (أي): إن للذين اتقوا عقوبة ربهم [فأطاعوه] بساتين (النعيم) الدائم في الآخرة. * * - ثم قال: ﴿أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ﴾. أي: أفنجعل - أيها الناس - كرامتي في الآخرة للذين أطاعوني كالذين عصوني؟! * * ﴿مَا لَكُمْ...﴾ أيها الناس ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. إذ تجعلون المطيع كالعاصي؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾. أي: ألكم - أيها القوم - بتسويتكم الطائع كالعاصي - كتاب نزل من عند الله أتاكم به رسول أن الطائع كالعاصي فيه تقرؤون؟! وقيل: المعنى: تدرسون أن لكم فيه لما تَخَيَّرون. (فتدرسون) عاملٌ في المعنى في ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾، [لكن] منعت اللام في "لما" من فتح "إن" (بتدرسون]. ومثله: ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾. والتقدير: أن لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة، فإن لكم لما تحكمون. وهذا كله منقطع عند البصريين غير متصل بما قبله، ولا يجوز عندهم تعلق "تدرسون"، إنما تعلق أفعال الشك لا غير. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾. أي: إن لكم في ذلك لما تخيرونه، وهذا توبيخ وتقريع لهم لما كانوا يتقولون من الكذب. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾. أي: هل لكم ذلك، أي: ليس لكم أيمان على الله تنتهي بكم إلى يوم القيامة بأن لكم حكمكم في ما تتقولون. وكسرت الألف من "إنّ" لدخول اللام في "لمَا". وقيل: "بالغة" [وثيقة]، أي: بالغة النهاية في التأكيد. * * - ثم قال تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ [زَعِيمٌ]﴾. أي: سل - يا محمد - هؤلاء المتقولين (المتحكمين) على الله، أيهم كفيل بأن لهم علينا أيماناً بالغة إلى يوم القيامة؟ وقيل: "زعيم" معناه: ضمين. والزعيم أيضاً المتكلم عن القوم. * * - ثم قال تعالى ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ﴾ أي: ألهم شركاء (يعينونهم) ويشهدون لهم بذلك ويحتجون عنهم فيما يدعون فليأتوا بهم إن كانوا صادقين في قولهم فتكون الحجة على جميعهم أبين و [آكد]. * * - ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ (عَن سَاقٍ) وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾. أي: اذكر يا محمد يوم يبدو [أمر] عظيم، وذلك يوم القيامة. قال ابن عباس: يوم يكشف [عن ساق]، هو يوم كرب وشدة وأمر عظيم. وقرأ ابن عباس: "يوم نَكشِف" بالنون. وقرأ ابن مسعود: "يوم يَكشِف" بفتح الياء وكسر الشين. وعن ابن عباس أيضاً أنه قرأ "يوم تَكشِف" بالتاء، يريد القيامة تكشف عن أهوالها. وروى مجاهد عن ابن عباس: "عن ساق" قال: هي أول ساعة من القيامة، وهي [أفظعها] و [أشدها]. وقال ابن جبير: "عن ساق": عن شدة الأمر". وقال قتادة ﴿عَن سَاقٍ﴾ عن أمر فظيع لهم جليل. وعن ابن مسعود أنه قال: "يتمثل الله للخلق، يعني يوم القيامة، حتى يمر المسلمون فيقول: من تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله لا نشرك به شيئاً، [فينتهرهم] مرتين أو ثلاثاً، فيقولون: هل تعرفون ربكم؟ فيقولون: سبحانه، إذا اعترف لنا عرفناه. (قال): فعند ذلك يكشف عن ساق فلا يبقى مؤمن إلا خر لله ساجداً، ويبقى المنافقون ظهورهم طبق كأنما فيها السفافيد، فيقولون: ربنا! فيقول: قد كنتم تَدْعُوْنَ إلى السجود وأنتم سالمون. قال أبو محمد: فمعنى يكشف لهم عن ساق، أي: عن أمر عظيم وقدرة لا يقدر عليها إلا الله. فيعرفونه تعالى بها [أظهر] من قدرته إليهم. ولا يحل لأحد أن [يتأول] في هذا وما شابهه جارحة، إذ ليست صفات الله كصفات الخلق، كما أنه ليس كمثله شيء، فاحْذَرْ أن يتمثل في قلبك شيء من تشبيه الله بخلقه، [فغير] جائز في الحكمة والقدرة أن يكون المخلوق يشبه الخالق في شيء من الصفات، ومن شبه الخالق بالمخلوق فقد أوجب على الخالق الحدث، وكفر وأبطل التوحيد، إذ في ذلك نفي القدم عن الخالق، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. وقال ابن مسعود: ينادي مناد يوم القيامة: أليس عدلاً منكم أن ربكم خلقكم ثم صوركم ثم رزقكم ثم توليتم غيره أن يولي كل عبد (منكم ما تولى؟! فيقولون: بلى، قال: فيمثل لكل قوم آلهتهم التي كانوا) يعبدونها، فيتبعونها حتى توردهم النار، ويبقى أهل [الدعوة]، فيقول بعضهم لبعض: ماذا تنتظرون؟ (ذهب الناس)! فيقولون: ننتظر أن ينادى [بنا]. قال: فيجيء في صورة، فذكر منها ما شاء الله، فيكشف عما شاء الله أن يكشف، فيخرون سجدا إلا المنافقين، فإنه يصير فَقَارُ أصلابِهِمْ عَظْماً واحداً مثل [صياصي] البقر، فيقال لهم: ارفعوا رؤوسكم إلى نوركم. ثم ذكر قصة طويلة. وذكر أبو سعيد الخدري: عن النبي ﷺ نحو ذلك وأطول. والعرب تقول: انكشف الأمر عن ساق، أي: عن هول وأمر غليظ شديد. وأصل هذا أن الرجل إذا جد في أمر فيه صعوبة وشدة تشمر وكشف عن ساقه، فجعل الساق في موضع الشدة. * * وقوله: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾. أي: [ويدعى] أهل النفاق إلى السجود لله عند ظهور الأمر الشديد فلا يستطيعون السجود. ودل هذا على أن الاستطاعة قبل الفعل، لأن الكلام على أنهم كانوا قبل ذلك يستطيعون السجود فتركوه. ودعاؤهم إلى السجود إنما هو على طريق التوبيخ لهم ليوقفوا على فعلهم في الدنيا إذ دعوا إلى السجود وهم سالمون لينتفعوا به فلم يفعلوا. روي أن أصلابهم تجف عقوبة فلا يطيقون السجود. * * ثم قال: ﴿خَٰشِعَةً أَبْصَٰرُهُمْ تَرْهَقُهُمْ (ذِلَّةٌ)﴾ أي: خاضعة ذليلة أبصارهم [تغشاهم] ذلة من عذاب الله. والعامل في "يوم يكشف" قوله: ﴿فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ﴾ أي: فليأتوا بالشركاء يوم يكشف، أي يوم القيامة. لم يرد الإتيان بها في الدنيا لأنهم يقدرون على ذلك في الدنيا، ولا يقدرون عليه في الآخرة، "فيأتوا" هو العامل في "يوم يكشف". ويجوز أن يعمل فيه فعل [مضمر] أي: اذكر يوم يكشف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمْ سَٰلِمُونَ﴾ (أي): وقد كانوا في الدنيا يدعون (إلى) أن يسجدوا لله وهم سالمون الجوارح، لا يمنعهم من ذلك مانع فلم يفعلوا. وقيل: السجود (الذي) (كانوا) يدعون إليه في الدنيا هو الصلاة المكتوبة. قاله الشعبي. وقال ابن جبير: كانوا يسمعون النداء للصلاة فلا يجيبون. قال ابن عباس: هم الكفار، كانوا يدعون إلى السجود في الدنيا وهم آمنون، فاليوم يدعون وهم خائفون. وروى قتادة أن النبي ﷺ قال: "يُؤْذَنُ للمؤمنين يَومَ القيامةِ في السّجودِ فَيَسْجُدُ المُؤمِنُونَ، وبَيْنَ كلِّ مُؤمنين مُنَافِقٌ فَيَقْسُو ظَهْرُ المُنَافِقِ عَنِ السُّجُودِ، ويَجْعَلُ اللهُ سُجُودَ المؤمنين على المنافقينَ تَوْبِيخاً وَصَغَاراً وَذُلاًّ وَنَدَامَةً وَحَسْرَةً ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ﴾ هذا تهدد ووعيد من الله للمكذبين بكتابه، كما يقول الرجل للرجل يتوعده: دعني وإياك، وخلني وإياه. * * وقوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ﴾. أي: سنكيدهم من حيث لا يعلمون، وذلك أن يمتعهم بمتاع الدنيا حتى يظنوا أنهم إنّما مُتِّعُوا به لخير لهم عند الله فيتمادون في طغيانهم، ثم [يأخذهم] بغتة [وهم] لا يشعرون. فيكون معنى "سنستدرجهم": سنمتعهم ونوسع عليهم في الدنيا حتى يتوهموا أن لهم خيراً ويغتروا بالنعم. روي عن النبي ﷺ أنه قال: إن الله يُمْهِل الظالم حتى إذا أخَذَه لم يُفْلِتْهُ، وقرأ: ﴿وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ وحقيقة الاستدراج أن يأخذه ببأسه قليلاً ولا يُجَاهِرُه، وهو من الدرج الذي يُصعَد وَيُنْزَل منه قليلاً قليلاً. * * - ثم قال: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾. أي أنْسِىءُ لهم في آجالهم ملاوة من الزمان، وذلك [برهة] من الدهر على كفرهم وتمردهم على الله [لتتكامل] حجج الله عليهم. * * - وقوله: ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾. أي: إن كيدي بأهل الكفر قوي شديد. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾. أي: أم تسألهم يا محمد على إنذارك لهم ونصحك إياهم جُعلاً [فهم] مثقلون [مما] يعطونك من الجُعْل؟ أي: لست تسألهم ذلك، فما بالهم لا يقبلون نصحك. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾. أي: أعندهم اللوح المحفوظ الذي فيه الغيوب كلها فهم يكتبون منه [ما يجادلونك] به، ويزعمون أنهم على كفرهم أفضل منزلة عند الله من أهل الإيمان به. - قال تعالى: ﴿فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ﴾ يعني: يونس، أي فاصبر يا محمد على أداء (الرسالة) لقضاء ربك [فيك وفي هؤلاء] المشركين، ولا تستعجل لهم العذاب فتكن كصاحب الحوت، يعني يونس إذ خرج عن قومه حين تأخر العذاب عنهم. - واذكر ﴿إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾. أي: إذ نادى ربه من بطن الحوت وهو مغموم لا يجد من يتفرج إليه. قال قتادة: ولا تكن كصاحب الحوت في العجلة والغضب، أي: لا تعجل كما عجل ولا تغضب كما غضب. * * - ثم قال تعالى: ﴿لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ (أي رحمة - فرحمه) ﴿لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾. (أي: لولا أن الله رحمه وسمع دعاءه من بطن الحوت فأجابه لطُرِحَ بالفضاء من الأرض وهو مذموم) قال ابن عباس: مذموم "مليم". وقيل مذموم: "مذنب". * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ أي: فاختاره واصطفاه. * * - ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾. أي: اختاره للنبوّة فجعله صالحاً، أي: رفعه للعمل الصالح. وقيل: معناه: فوصفه من الصالحين. حكى سيبويه: "جعل" بمعنى "وصف".

القلم 68:46

قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾، إلى قوله: ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ الآيات. (أي): إن للذين اتقوا عقوبة ربهم [فأطاعوه] بساتين (النعيم) الدائم في الآخرة. * * - ثم قال: ﴿أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ﴾. أي: أفنجعل - أيها الناس - كرامتي في الآخرة للذين أطاعوني كالذين عصوني؟! * * ﴿مَا لَكُمْ...﴾ أيها الناس ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. إذ تجعلون المطيع كالعاصي؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾. أي: ألكم - أيها القوم - بتسويتكم الطائع كالعاصي - كتاب نزل من عند الله أتاكم به رسول أن الطائع كالعاصي فيه تقرؤون؟! وقيل: المعنى: تدرسون أن لكم فيه لما تَخَيَّرون. (فتدرسون) عاملٌ في المعنى في ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾، [لكن] منعت اللام في "لما" من فتح "إن" (بتدرسون]. ومثله: ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾. والتقدير: أن لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة، فإن لكم لما تحكمون. وهذا كله منقطع عند البصريين غير متصل بما قبله، ولا يجوز عندهم تعلق "تدرسون"، إنما تعلق أفعال الشك لا غير. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾. أي: إن لكم في ذلك لما تخيرونه، وهذا توبيخ وتقريع لهم لما كانوا يتقولون من الكذب. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾. أي: هل لكم ذلك، أي: ليس لكم أيمان على الله تنتهي بكم إلى يوم القيامة بأن لكم حكمكم في ما تتقولون. وكسرت الألف من "إنّ" لدخول اللام في "لمَا". وقيل: "بالغة" [وثيقة]، أي: بالغة النهاية في التأكيد. * * - ثم قال تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ [زَعِيمٌ]﴾. أي: سل - يا محمد - هؤلاء المتقولين (المتحكمين) على الله، أيهم كفيل بأن لهم علينا أيماناً بالغة إلى يوم القيامة؟ وقيل: "زعيم" معناه: ضمين. والزعيم أيضاً المتكلم عن القوم. * * - ثم قال تعالى ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ﴾ أي: ألهم شركاء (يعينونهم) ويشهدون لهم بذلك ويحتجون عنهم فيما يدعون فليأتوا بهم إن كانوا صادقين في قولهم فتكون الحجة على جميعهم أبين و [آكد]. * * - ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ (عَن سَاقٍ) وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾. أي: اذكر يا محمد يوم يبدو [أمر] عظيم، وذلك يوم القيامة. قال ابن عباس: يوم يكشف [عن ساق]، هو يوم كرب وشدة وأمر عظيم. وقرأ ابن عباس: "يوم نَكشِف" بالنون. وقرأ ابن مسعود: "يوم يَكشِف" بفتح الياء وكسر الشين. وعن ابن عباس أيضاً أنه قرأ "يوم تَكشِف" بالتاء، يريد القيامة تكشف عن أهوالها. وروى مجاهد عن ابن عباس: "عن ساق" قال: هي أول ساعة من القيامة، وهي [أفظعها] و [أشدها]. وقال ابن جبير: "عن ساق": عن شدة الأمر". وقال قتادة ﴿عَن سَاقٍ﴾ عن أمر فظيع لهم جليل. وعن ابن مسعود أنه قال: "يتمثل الله للخلق، يعني يوم القيامة، حتى يمر المسلمون فيقول: من تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله لا نشرك به شيئاً، [فينتهرهم] مرتين أو ثلاثاً، فيقولون: هل تعرفون ربكم؟ فيقولون: سبحانه، إذا اعترف لنا عرفناه. (قال): فعند ذلك يكشف عن ساق فلا يبقى مؤمن إلا خر لله ساجداً، ويبقى المنافقون ظهورهم طبق كأنما فيها السفافيد، فيقولون: ربنا! فيقول: قد كنتم تَدْعُوْنَ إلى السجود وأنتم سالمون. قال أبو محمد: فمعنى يكشف لهم عن ساق، أي: عن أمر عظيم وقدرة لا يقدر عليها إلا الله. فيعرفونه تعالى بها [أظهر] من قدرته إليهم. ولا يحل لأحد أن [يتأول] في هذا وما شابهه جارحة، إذ ليست صفات الله كصفات الخلق، كما أنه ليس كمثله شيء، فاحْذَرْ أن يتمثل في قلبك شيء من تشبيه الله بخلقه، [فغير] جائز في الحكمة والقدرة أن يكون المخلوق يشبه الخالق في شيء من الصفات، ومن شبه الخالق بالمخلوق فقد أوجب على الخالق الحدث، وكفر وأبطل التوحيد، إذ في ذلك نفي القدم عن الخالق، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. وقال ابن مسعود: ينادي مناد يوم القيامة: أليس عدلاً منكم أن ربكم خلقكم ثم صوركم ثم رزقكم ثم توليتم غيره أن يولي كل عبد (منكم ما تولى؟! فيقولون: بلى، قال: فيمثل لكل قوم آلهتهم التي كانوا) يعبدونها، فيتبعونها حتى توردهم النار، ويبقى أهل [الدعوة]، فيقول بعضهم لبعض: ماذا تنتظرون؟ (ذهب الناس)! فيقولون: ننتظر أن ينادى [بنا]. قال: فيجيء في صورة، فذكر منها ما شاء الله، فيكشف عما شاء الله أن يكشف، فيخرون سجدا إلا المنافقين، فإنه يصير فَقَارُ أصلابِهِمْ عَظْماً واحداً مثل [صياصي] البقر، فيقال لهم: ارفعوا رؤوسكم إلى نوركم. ثم ذكر قصة طويلة. وذكر أبو سعيد الخدري: عن النبي ﷺ نحو ذلك وأطول. والعرب تقول: انكشف الأمر عن ساق، أي: عن هول وأمر غليظ شديد. وأصل هذا أن الرجل إذا جد في أمر فيه صعوبة وشدة تشمر وكشف عن ساقه، فجعل الساق في موضع الشدة. * * وقوله: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾. أي: [ويدعى] أهل النفاق إلى السجود لله عند ظهور الأمر الشديد فلا يستطيعون السجود. ودل هذا على أن الاستطاعة قبل الفعل، لأن الكلام على أنهم كانوا قبل ذلك يستطيعون السجود فتركوه. ودعاؤهم إلى السجود إنما هو على طريق التوبيخ لهم ليوقفوا على فعلهم في الدنيا إذ دعوا إلى السجود وهم سالمون لينتفعوا به فلم يفعلوا. روي أن أصلابهم تجف عقوبة فلا يطيقون السجود. * * ثم قال: ﴿خَٰشِعَةً أَبْصَٰرُهُمْ تَرْهَقُهُمْ (ذِلَّةٌ)﴾ أي: خاضعة ذليلة أبصارهم [تغشاهم] ذلة من عذاب الله. والعامل في "يوم يكشف" قوله: ﴿فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ﴾ أي: فليأتوا بالشركاء يوم يكشف، أي يوم القيامة. لم يرد الإتيان بها في الدنيا لأنهم يقدرون على ذلك في الدنيا، ولا يقدرون عليه في الآخرة، "فيأتوا" هو العامل في "يوم يكشف". ويجوز أن يعمل فيه فعل [مضمر] أي: اذكر يوم يكشف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمْ سَٰلِمُونَ﴾ (أي): وقد كانوا في الدنيا يدعون (إلى) أن يسجدوا لله وهم سالمون الجوارح، لا يمنعهم من ذلك مانع فلم يفعلوا. وقيل: السجود (الذي) (كانوا) يدعون إليه في الدنيا هو الصلاة المكتوبة. قاله الشعبي. وقال ابن جبير: كانوا يسمعون النداء للصلاة فلا يجيبون. قال ابن عباس: هم الكفار، كانوا يدعون إلى السجود في الدنيا وهم آمنون، فاليوم يدعون وهم خائفون. وروى قتادة أن النبي ﷺ قال: "يُؤْذَنُ للمؤمنين يَومَ القيامةِ في السّجودِ فَيَسْجُدُ المُؤمِنُونَ، وبَيْنَ كلِّ مُؤمنين مُنَافِقٌ فَيَقْسُو ظَهْرُ المُنَافِقِ عَنِ السُّجُودِ، ويَجْعَلُ اللهُ سُجُودَ المؤمنين على المنافقينَ تَوْبِيخاً وَصَغَاراً وَذُلاًّ وَنَدَامَةً وَحَسْرَةً ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ﴾ هذا تهدد ووعيد من الله للمكذبين بكتابه، كما يقول الرجل للرجل يتوعده: دعني وإياك، وخلني وإياه. * * وقوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ﴾. أي: سنكيدهم من حيث لا يعلمون، وذلك أن يمتعهم بمتاع الدنيا حتى يظنوا أنهم إنّما مُتِّعُوا به لخير لهم عند الله فيتمادون في طغيانهم، ثم [يأخذهم] بغتة [وهم] لا يشعرون. فيكون معنى "سنستدرجهم": سنمتعهم ونوسع عليهم في الدنيا حتى يتوهموا أن لهم خيراً ويغتروا بالنعم. روي عن النبي ﷺ أنه قال: إن الله يُمْهِل الظالم حتى إذا أخَذَه لم يُفْلِتْهُ، وقرأ: ﴿وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ وحقيقة الاستدراج أن يأخذه ببأسه قليلاً ولا يُجَاهِرُه، وهو من الدرج الذي يُصعَد وَيُنْزَل منه قليلاً قليلاً. * * - ثم قال: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾. أي أنْسِىءُ لهم في آجالهم ملاوة من الزمان، وذلك [برهة] من الدهر على كفرهم وتمردهم على الله [لتتكامل] حجج الله عليهم. * * - وقوله: ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾. أي: إن كيدي بأهل الكفر قوي شديد. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾. أي: أم تسألهم يا محمد على إنذارك لهم ونصحك إياهم جُعلاً [فهم] مثقلون [مما] يعطونك من الجُعْل؟ أي: لست تسألهم ذلك، فما بالهم لا يقبلون نصحك. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾. أي: أعندهم اللوح المحفوظ الذي فيه الغيوب كلها فهم يكتبون منه [ما يجادلونك] به، ويزعمون أنهم على كفرهم أفضل منزلة عند الله من أهل الإيمان به. - قال تعالى: ﴿فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ﴾ يعني: يونس، أي فاصبر يا محمد على أداء (الرسالة) لقضاء ربك [فيك وفي هؤلاء] المشركين، ولا تستعجل لهم العذاب فتكن كصاحب الحوت، يعني يونس إذ خرج عن قومه حين تأخر العذاب عنهم. - واذكر ﴿إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾. أي: إذ نادى ربه من بطن الحوت وهو مغموم لا يجد من يتفرج إليه. قال قتادة: ولا تكن كصاحب الحوت في العجلة والغضب، أي: لا تعجل كما عجل ولا تغضب كما غضب. * * - ثم قال تعالى: ﴿لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ (أي رحمة - فرحمه) ﴿لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾. (أي: لولا أن الله رحمه وسمع دعاءه من بطن الحوت فأجابه لطُرِحَ بالفضاء من الأرض وهو مذموم) قال ابن عباس: مذموم "مليم". وقيل مذموم: "مذنب". * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ أي: فاختاره واصطفاه. * * - ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾. أي: اختاره للنبوّة فجعله صالحاً، أي: رفعه للعمل الصالح. وقيل: معناه: فوصفه من الصالحين. حكى سيبويه: "جعل" بمعنى "وصف".

القلم 68:47

قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾، إلى قوله: ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ الآيات. (أي): إن للذين اتقوا عقوبة ربهم [فأطاعوه] بساتين (النعيم) الدائم في الآخرة. * * - ثم قال: ﴿أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ﴾. أي: أفنجعل - أيها الناس - كرامتي في الآخرة للذين أطاعوني كالذين عصوني؟! * * ﴿مَا لَكُمْ...﴾ أيها الناس ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. إذ تجعلون المطيع كالعاصي؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾. أي: ألكم - أيها القوم - بتسويتكم الطائع كالعاصي - كتاب نزل من عند الله أتاكم به رسول أن الطائع كالعاصي فيه تقرؤون؟! وقيل: المعنى: تدرسون أن لكم فيه لما تَخَيَّرون. (فتدرسون) عاملٌ في المعنى في ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾، [لكن] منعت اللام في "لما" من فتح "إن" (بتدرسون]. ومثله: ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾. والتقدير: أن لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة، فإن لكم لما تحكمون. وهذا كله منقطع عند البصريين غير متصل بما قبله، ولا يجوز عندهم تعلق "تدرسون"، إنما تعلق أفعال الشك لا غير. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾. أي: إن لكم في ذلك لما تخيرونه، وهذا توبيخ وتقريع لهم لما كانوا يتقولون من الكذب. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾. أي: هل لكم ذلك، أي: ليس لكم أيمان على الله تنتهي بكم إلى يوم القيامة بأن لكم حكمكم في ما تتقولون. وكسرت الألف من "إنّ" لدخول اللام في "لمَا". وقيل: "بالغة" [وثيقة]، أي: بالغة النهاية في التأكيد. * * - ثم قال تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ [زَعِيمٌ]﴾. أي: سل - يا محمد - هؤلاء المتقولين (المتحكمين) على الله، أيهم كفيل بأن لهم علينا أيماناً بالغة إلى يوم القيامة؟ وقيل: "زعيم" معناه: ضمين. والزعيم أيضاً المتكلم عن القوم. * * - ثم قال تعالى ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ﴾ أي: ألهم شركاء (يعينونهم) ويشهدون لهم بذلك ويحتجون عنهم فيما يدعون فليأتوا بهم إن كانوا صادقين في قولهم فتكون الحجة على جميعهم أبين و [آكد]. * * - ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ (عَن سَاقٍ) وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾. أي: اذكر يا محمد يوم يبدو [أمر] عظيم، وذلك يوم القيامة. قال ابن عباس: يوم يكشف [عن ساق]، هو يوم كرب وشدة وأمر عظيم. وقرأ ابن عباس: "يوم نَكشِف" بالنون. وقرأ ابن مسعود: "يوم يَكشِف" بفتح الياء وكسر الشين. وعن ابن عباس أيضاً أنه قرأ "يوم تَكشِف" بالتاء، يريد القيامة تكشف عن أهوالها. وروى مجاهد عن ابن عباس: "عن ساق" قال: هي أول ساعة من القيامة، وهي [أفظعها] و [أشدها]. وقال ابن جبير: "عن ساق": عن شدة الأمر". وقال قتادة ﴿عَن سَاقٍ﴾ عن أمر فظيع لهم جليل. وعن ابن مسعود أنه قال: "يتمثل الله للخلق، يعني يوم القيامة، حتى يمر المسلمون فيقول: من تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله لا نشرك به شيئاً، [فينتهرهم] مرتين أو ثلاثاً، فيقولون: هل تعرفون ربكم؟ فيقولون: سبحانه، إذا اعترف لنا عرفناه. (قال): فعند ذلك يكشف عن ساق فلا يبقى مؤمن إلا خر لله ساجداً، ويبقى المنافقون ظهورهم طبق كأنما فيها السفافيد، فيقولون: ربنا! فيقول: قد كنتم تَدْعُوْنَ إلى السجود وأنتم سالمون. قال أبو محمد: فمعنى يكشف لهم عن ساق، أي: عن أمر عظيم وقدرة لا يقدر عليها إلا الله. فيعرفونه تعالى بها [أظهر] من قدرته إليهم. ولا يحل لأحد أن [يتأول] في هذا وما شابهه جارحة، إذ ليست صفات الله كصفات الخلق، كما أنه ليس كمثله شيء، فاحْذَرْ أن يتمثل في قلبك شيء من تشبيه الله بخلقه، [فغير] جائز في الحكمة والقدرة أن يكون المخلوق يشبه الخالق في شيء من الصفات، ومن شبه الخالق بالمخلوق فقد أوجب على الخالق الحدث، وكفر وأبطل التوحيد، إذ في ذلك نفي القدم عن الخالق، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. وقال ابن مسعود: ينادي مناد يوم القيامة: أليس عدلاً منكم أن ربكم خلقكم ثم صوركم ثم رزقكم ثم توليتم غيره أن يولي كل عبد (منكم ما تولى؟! فيقولون: بلى، قال: فيمثل لكل قوم آلهتهم التي كانوا) يعبدونها، فيتبعونها حتى توردهم النار، ويبقى أهل [الدعوة]، فيقول بعضهم لبعض: ماذا تنتظرون؟ (ذهب الناس)! فيقولون: ننتظر أن ينادى [بنا]. قال: فيجيء في صورة، فذكر منها ما شاء الله، فيكشف عما شاء الله أن يكشف، فيخرون سجدا إلا المنافقين، فإنه يصير فَقَارُ أصلابِهِمْ عَظْماً واحداً مثل [صياصي] البقر، فيقال لهم: ارفعوا رؤوسكم إلى نوركم. ثم ذكر قصة طويلة. وذكر أبو سعيد الخدري: عن النبي ﷺ نحو ذلك وأطول. والعرب تقول: انكشف الأمر عن ساق، أي: عن هول وأمر غليظ شديد. وأصل هذا أن الرجل إذا جد في أمر فيه صعوبة وشدة تشمر وكشف عن ساقه، فجعل الساق في موضع الشدة. * * وقوله: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾. أي: [ويدعى] أهل النفاق إلى السجود لله عند ظهور الأمر الشديد فلا يستطيعون السجود. ودل هذا على أن الاستطاعة قبل الفعل، لأن الكلام على أنهم كانوا قبل ذلك يستطيعون السجود فتركوه. ودعاؤهم إلى السجود إنما هو على طريق التوبيخ لهم ليوقفوا على فعلهم في الدنيا إذ دعوا إلى السجود وهم سالمون لينتفعوا به فلم يفعلوا. روي أن أصلابهم تجف عقوبة فلا يطيقون السجود. * * ثم قال: ﴿خَٰشِعَةً أَبْصَٰرُهُمْ تَرْهَقُهُمْ (ذِلَّةٌ)﴾ أي: خاضعة ذليلة أبصارهم [تغشاهم] ذلة من عذاب الله. والعامل في "يوم يكشف" قوله: ﴿فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ﴾ أي: فليأتوا بالشركاء يوم يكشف، أي يوم القيامة. لم يرد الإتيان بها في الدنيا لأنهم يقدرون على ذلك في الدنيا، ولا يقدرون عليه في الآخرة، "فيأتوا" هو العامل في "يوم يكشف". ويجوز أن يعمل فيه فعل [مضمر] أي: اذكر يوم يكشف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمْ سَٰلِمُونَ﴾ (أي): وقد كانوا في الدنيا يدعون (إلى) أن يسجدوا لله وهم سالمون الجوارح، لا يمنعهم من ذلك مانع فلم يفعلوا. وقيل: السجود (الذي) (كانوا) يدعون إليه في الدنيا هو الصلاة المكتوبة. قاله الشعبي. وقال ابن جبير: كانوا يسمعون النداء للصلاة فلا يجيبون. قال ابن عباس: هم الكفار، كانوا يدعون إلى السجود في الدنيا وهم آمنون، فاليوم يدعون وهم خائفون. وروى قتادة أن النبي ﷺ قال: "يُؤْذَنُ للمؤمنين يَومَ القيامةِ في السّجودِ فَيَسْجُدُ المُؤمِنُونَ، وبَيْنَ كلِّ مُؤمنين مُنَافِقٌ فَيَقْسُو ظَهْرُ المُنَافِقِ عَنِ السُّجُودِ، ويَجْعَلُ اللهُ سُجُودَ المؤمنين على المنافقينَ تَوْبِيخاً وَصَغَاراً وَذُلاًّ وَنَدَامَةً وَحَسْرَةً ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ﴾ هذا تهدد ووعيد من الله للمكذبين بكتابه، كما يقول الرجل للرجل يتوعده: دعني وإياك، وخلني وإياه. * * وقوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ﴾. أي: سنكيدهم من حيث لا يعلمون، وذلك أن يمتعهم بمتاع الدنيا حتى يظنوا أنهم إنّما مُتِّعُوا به لخير لهم عند الله فيتمادون في طغيانهم، ثم [يأخذهم] بغتة [وهم] لا يشعرون. فيكون معنى "سنستدرجهم": سنمتعهم ونوسع عليهم في الدنيا حتى يتوهموا أن لهم خيراً ويغتروا بالنعم. روي عن النبي ﷺ أنه قال: إن الله يُمْهِل الظالم حتى إذا أخَذَه لم يُفْلِتْهُ، وقرأ: ﴿وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ وحقيقة الاستدراج أن يأخذه ببأسه قليلاً ولا يُجَاهِرُه، وهو من الدرج الذي يُصعَد وَيُنْزَل منه قليلاً قليلاً. * * - ثم قال: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾. أي أنْسِىءُ لهم في آجالهم ملاوة من الزمان، وذلك [برهة] من الدهر على كفرهم وتمردهم على الله [لتتكامل] حجج الله عليهم. * * - وقوله: ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾. أي: إن كيدي بأهل الكفر قوي شديد. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾. أي: أم تسألهم يا محمد على إنذارك لهم ونصحك إياهم جُعلاً [فهم] مثقلون [مما] يعطونك من الجُعْل؟ أي: لست تسألهم ذلك، فما بالهم لا يقبلون نصحك. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾. أي: أعندهم اللوح المحفوظ الذي فيه الغيوب كلها فهم يكتبون منه [ما يجادلونك] به، ويزعمون أنهم على كفرهم أفضل منزلة عند الله من أهل الإيمان به. - قال تعالى: ﴿فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ﴾ يعني: يونس، أي فاصبر يا محمد على أداء (الرسالة) لقضاء ربك [فيك وفي هؤلاء] المشركين، ولا تستعجل لهم العذاب فتكن كصاحب الحوت، يعني يونس إذ خرج عن قومه حين تأخر العذاب عنهم. - واذكر ﴿إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾. أي: إذ نادى ربه من بطن الحوت وهو مغموم لا يجد من يتفرج إليه. قال قتادة: ولا تكن كصاحب الحوت في العجلة والغضب، أي: لا تعجل كما عجل ولا تغضب كما غضب. * * - ثم قال تعالى: ﴿لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ (أي رحمة - فرحمه) ﴿لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾. (أي: لولا أن الله رحمه وسمع دعاءه من بطن الحوت فأجابه لطُرِحَ بالفضاء من الأرض وهو مذموم) قال ابن عباس: مذموم "مليم". وقيل مذموم: "مذنب". * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ أي: فاختاره واصطفاه. * * - ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾. أي: اختاره للنبوّة فجعله صالحاً، أي: رفعه للعمل الصالح. وقيل: معناه: فوصفه من الصالحين. حكى سيبويه: "جعل" بمعنى "وصف".

القلم 68:48

قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾، إلى قوله: ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ الآيات. (أي): إن للذين اتقوا عقوبة ربهم [فأطاعوه] بساتين (النعيم) الدائم في الآخرة. * * - ثم قال: ﴿أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ﴾. أي: أفنجعل - أيها الناس - كرامتي في الآخرة للذين أطاعوني كالذين عصوني؟! * * ﴿مَا لَكُمْ...﴾ أيها الناس ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. إذ تجعلون المطيع كالعاصي؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾. أي: ألكم - أيها القوم - بتسويتكم الطائع كالعاصي - كتاب نزل من عند الله أتاكم به رسول أن الطائع كالعاصي فيه تقرؤون؟! وقيل: المعنى: تدرسون أن لكم فيه لما تَخَيَّرون. (فتدرسون) عاملٌ في المعنى في ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾، [لكن] منعت اللام في "لما" من فتح "إن" (بتدرسون]. ومثله: ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾. والتقدير: أن لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة، فإن لكم لما تحكمون. وهذا كله منقطع عند البصريين غير متصل بما قبله، ولا يجوز عندهم تعلق "تدرسون"، إنما تعلق أفعال الشك لا غير. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾. أي: إن لكم في ذلك لما تخيرونه، وهذا توبيخ وتقريع لهم لما كانوا يتقولون من الكذب. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾. أي: هل لكم ذلك، أي: ليس لكم أيمان على الله تنتهي بكم إلى يوم القيامة بأن لكم حكمكم في ما تتقولون. وكسرت الألف من "إنّ" لدخول اللام في "لمَا". وقيل: "بالغة" [وثيقة]، أي: بالغة النهاية في التأكيد. * * - ثم قال تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ [زَعِيمٌ]﴾. أي: سل - يا محمد - هؤلاء المتقولين (المتحكمين) على الله، أيهم كفيل بأن لهم علينا أيماناً بالغة إلى يوم القيامة؟ وقيل: "زعيم" معناه: ضمين. والزعيم أيضاً المتكلم عن القوم. * * - ثم قال تعالى ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ﴾ أي: ألهم شركاء (يعينونهم) ويشهدون لهم بذلك ويحتجون عنهم فيما يدعون فليأتوا بهم إن كانوا صادقين في قولهم فتكون الحجة على جميعهم أبين و [آكد]. * * - ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ (عَن سَاقٍ) وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾. أي: اذكر يا محمد يوم يبدو [أمر] عظيم، وذلك يوم القيامة. قال ابن عباس: يوم يكشف [عن ساق]، هو يوم كرب وشدة وأمر عظيم. وقرأ ابن عباس: "يوم نَكشِف" بالنون. وقرأ ابن مسعود: "يوم يَكشِف" بفتح الياء وكسر الشين. وعن ابن عباس أيضاً أنه قرأ "يوم تَكشِف" بالتاء، يريد القيامة تكشف عن أهوالها. وروى مجاهد عن ابن عباس: "عن ساق" قال: هي أول ساعة من القيامة، وهي [أفظعها] و [أشدها]. وقال ابن جبير: "عن ساق": عن شدة الأمر". وقال قتادة ﴿عَن سَاقٍ﴾ عن أمر فظيع لهم جليل. وعن ابن مسعود أنه قال: "يتمثل الله للخلق، يعني يوم القيامة، حتى يمر المسلمون فيقول: من تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله لا نشرك به شيئاً، [فينتهرهم] مرتين أو ثلاثاً، فيقولون: هل تعرفون ربكم؟ فيقولون: سبحانه، إذا اعترف لنا عرفناه. (قال): فعند ذلك يكشف عن ساق فلا يبقى مؤمن إلا خر لله ساجداً، ويبقى المنافقون ظهورهم طبق كأنما فيها السفافيد، فيقولون: ربنا! فيقول: قد كنتم تَدْعُوْنَ إلى السجود وأنتم سالمون. قال أبو محمد: فمعنى يكشف لهم عن ساق، أي: عن أمر عظيم وقدرة لا يقدر عليها إلا الله. فيعرفونه تعالى بها [أظهر] من قدرته إليهم. ولا يحل لأحد أن [يتأول] في هذا وما شابهه جارحة، إذ ليست صفات الله كصفات الخلق، كما أنه ليس كمثله شيء، فاحْذَرْ أن يتمثل في قلبك شيء من تشبيه الله بخلقه، [فغير] جائز في الحكمة والقدرة أن يكون المخلوق يشبه الخالق في شيء من الصفات، ومن شبه الخالق بالمخلوق فقد أوجب على الخالق الحدث، وكفر وأبطل التوحيد، إذ في ذلك نفي القدم عن الخالق، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. وقال ابن مسعود: ينادي مناد يوم القيامة: أليس عدلاً منكم أن ربكم خلقكم ثم صوركم ثم رزقكم ثم توليتم غيره أن يولي كل عبد (منكم ما تولى؟! فيقولون: بلى، قال: فيمثل لكل قوم آلهتهم التي كانوا) يعبدونها، فيتبعونها حتى توردهم النار، ويبقى أهل [الدعوة]، فيقول بعضهم لبعض: ماذا تنتظرون؟ (ذهب الناس)! فيقولون: ننتظر أن ينادى [بنا]. قال: فيجيء في صورة، فذكر منها ما شاء الله، فيكشف عما شاء الله أن يكشف، فيخرون سجدا إلا المنافقين، فإنه يصير فَقَارُ أصلابِهِمْ عَظْماً واحداً مثل [صياصي] البقر، فيقال لهم: ارفعوا رؤوسكم إلى نوركم. ثم ذكر قصة طويلة. وذكر أبو سعيد الخدري: عن النبي ﷺ نحو ذلك وأطول. والعرب تقول: انكشف الأمر عن ساق، أي: عن هول وأمر غليظ شديد. وأصل هذا أن الرجل إذا جد في أمر فيه صعوبة وشدة تشمر وكشف عن ساقه، فجعل الساق في موضع الشدة. * * وقوله: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾. أي: [ويدعى] أهل النفاق إلى السجود لله عند ظهور الأمر الشديد فلا يستطيعون السجود. ودل هذا على أن الاستطاعة قبل الفعل، لأن الكلام على أنهم كانوا قبل ذلك يستطيعون السجود فتركوه. ودعاؤهم إلى السجود إنما هو على طريق التوبيخ لهم ليوقفوا على فعلهم في الدنيا إذ دعوا إلى السجود وهم سالمون لينتفعوا به فلم يفعلوا. روي أن أصلابهم تجف عقوبة فلا يطيقون السجود. * * ثم قال: ﴿خَٰشِعَةً أَبْصَٰرُهُمْ تَرْهَقُهُمْ (ذِلَّةٌ)﴾ أي: خاضعة ذليلة أبصارهم [تغشاهم] ذلة من عذاب الله. والعامل في "يوم يكشف" قوله: ﴿فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ﴾ أي: فليأتوا بالشركاء يوم يكشف، أي يوم القيامة. لم يرد الإتيان بها في الدنيا لأنهم يقدرون على ذلك في الدنيا، ولا يقدرون عليه في الآخرة، "فيأتوا" هو العامل في "يوم يكشف". ويجوز أن يعمل فيه فعل [مضمر] أي: اذكر يوم يكشف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمْ سَٰلِمُونَ﴾ (أي): وقد كانوا في الدنيا يدعون (إلى) أن يسجدوا لله وهم سالمون الجوارح، لا يمنعهم من ذلك مانع فلم يفعلوا. وقيل: السجود (الذي) (كانوا) يدعون إليه في الدنيا هو الصلاة المكتوبة. قاله الشعبي. وقال ابن جبير: كانوا يسمعون النداء للصلاة فلا يجيبون. قال ابن عباس: هم الكفار، كانوا يدعون إلى السجود في الدنيا وهم آمنون، فاليوم يدعون وهم خائفون. وروى قتادة أن النبي ﷺ قال: "يُؤْذَنُ للمؤمنين يَومَ القيامةِ في السّجودِ فَيَسْجُدُ المُؤمِنُونَ، وبَيْنَ كلِّ مُؤمنين مُنَافِقٌ فَيَقْسُو ظَهْرُ المُنَافِقِ عَنِ السُّجُودِ، ويَجْعَلُ اللهُ سُجُودَ المؤمنين على المنافقينَ تَوْبِيخاً وَصَغَاراً وَذُلاًّ وَنَدَامَةً وَحَسْرَةً ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ﴾ هذا تهدد ووعيد من الله للمكذبين بكتابه، كما يقول الرجل للرجل يتوعده: دعني وإياك، وخلني وإياه. * * وقوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ﴾. أي: سنكيدهم من حيث لا يعلمون، وذلك أن يمتعهم بمتاع الدنيا حتى يظنوا أنهم إنّما مُتِّعُوا به لخير لهم عند الله فيتمادون في طغيانهم، ثم [يأخذهم] بغتة [وهم] لا يشعرون. فيكون معنى "سنستدرجهم": سنمتعهم ونوسع عليهم في الدنيا حتى يتوهموا أن لهم خيراً ويغتروا بالنعم. روي عن النبي ﷺ أنه قال: إن الله يُمْهِل الظالم حتى إذا أخَذَه لم يُفْلِتْهُ، وقرأ: ﴿وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ وحقيقة الاستدراج أن يأخذه ببأسه قليلاً ولا يُجَاهِرُه، وهو من الدرج الذي يُصعَد وَيُنْزَل منه قليلاً قليلاً. * * - ثم قال: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾. أي أنْسِىءُ لهم في آجالهم ملاوة من الزمان، وذلك [برهة] من الدهر على كفرهم وتمردهم على الله [لتتكامل] حجج الله عليهم. * * - وقوله: ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾. أي: إن كيدي بأهل الكفر قوي شديد. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾. أي: أم تسألهم يا محمد على إنذارك لهم ونصحك إياهم جُعلاً [فهم] مثقلون [مما] يعطونك من الجُعْل؟ أي: لست تسألهم ذلك، فما بالهم لا يقبلون نصحك. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾. أي: أعندهم اللوح المحفوظ الذي فيه الغيوب كلها فهم يكتبون منه [ما يجادلونك] به، ويزعمون أنهم على كفرهم أفضل منزلة عند الله من أهل الإيمان به. - قال تعالى: ﴿فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ﴾ يعني: يونس، أي فاصبر يا محمد على أداء (الرسالة) لقضاء ربك [فيك وفي هؤلاء] المشركين، ولا تستعجل لهم العذاب فتكن كصاحب الحوت، يعني يونس إذ خرج عن قومه حين تأخر العذاب عنهم. - واذكر ﴿إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾. أي: إذ نادى ربه من بطن الحوت وهو مغموم لا يجد من يتفرج إليه. قال قتادة: ولا تكن كصاحب الحوت في العجلة والغضب، أي: لا تعجل كما عجل ولا تغضب كما غضب. * * - ثم قال تعالى: ﴿لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ (أي رحمة - فرحمه) ﴿لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾. (أي: لولا أن الله رحمه وسمع دعاءه من بطن الحوت فأجابه لطُرِحَ بالفضاء من الأرض وهو مذموم) قال ابن عباس: مذموم "مليم". وقيل مذموم: "مذنب". * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ أي: فاختاره واصطفاه. * * - ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾. أي: اختاره للنبوّة فجعله صالحاً، أي: رفعه للعمل الصالح. وقيل: معناه: فوصفه من الصالحين. حكى سيبويه: "جعل" بمعنى "وصف".

القلم 68:49

قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾، إلى قوله: ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ الآيات. (أي): إن للذين اتقوا عقوبة ربهم [فأطاعوه] بساتين (النعيم) الدائم في الآخرة. * * - ثم قال: ﴿أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ﴾. أي: أفنجعل - أيها الناس - كرامتي في الآخرة للذين أطاعوني كالذين عصوني؟! * * ﴿مَا لَكُمْ...﴾ أيها الناس ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. إذ تجعلون المطيع كالعاصي؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾. أي: ألكم - أيها القوم - بتسويتكم الطائع كالعاصي - كتاب نزل من عند الله أتاكم به رسول أن الطائع كالعاصي فيه تقرؤون؟! وقيل: المعنى: تدرسون أن لكم فيه لما تَخَيَّرون. (فتدرسون) عاملٌ في المعنى في ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾، [لكن] منعت اللام في "لما" من فتح "إن" (بتدرسون]. ومثله: ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾. والتقدير: أن لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة، فإن لكم لما تحكمون. وهذا كله منقطع عند البصريين غير متصل بما قبله، ولا يجوز عندهم تعلق "تدرسون"، إنما تعلق أفعال الشك لا غير. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾. أي: إن لكم في ذلك لما تخيرونه، وهذا توبيخ وتقريع لهم لما كانوا يتقولون من الكذب. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾. أي: هل لكم ذلك، أي: ليس لكم أيمان على الله تنتهي بكم إلى يوم القيامة بأن لكم حكمكم في ما تتقولون. وكسرت الألف من "إنّ" لدخول اللام في "لمَا". وقيل: "بالغة" [وثيقة]، أي: بالغة النهاية في التأكيد. * * - ثم قال تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ [زَعِيمٌ]﴾. أي: سل - يا محمد - هؤلاء المتقولين (المتحكمين) على الله، أيهم كفيل بأن لهم علينا أيماناً بالغة إلى يوم القيامة؟ وقيل: "زعيم" معناه: ضمين. والزعيم أيضاً المتكلم عن القوم. * * - ثم قال تعالى ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ﴾ أي: ألهم شركاء (يعينونهم) ويشهدون لهم بذلك ويحتجون عنهم فيما يدعون فليأتوا بهم إن كانوا صادقين في قولهم فتكون الحجة على جميعهم أبين و [آكد]. * * - ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ (عَن سَاقٍ) وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾. أي: اذكر يا محمد يوم يبدو [أمر] عظيم، وذلك يوم القيامة. قال ابن عباس: يوم يكشف [عن ساق]، هو يوم كرب وشدة وأمر عظيم. وقرأ ابن عباس: "يوم نَكشِف" بالنون. وقرأ ابن مسعود: "يوم يَكشِف" بفتح الياء وكسر الشين. وعن ابن عباس أيضاً أنه قرأ "يوم تَكشِف" بالتاء، يريد القيامة تكشف عن أهوالها. وروى مجاهد عن ابن عباس: "عن ساق" قال: هي أول ساعة من القيامة، وهي [أفظعها] و [أشدها]. وقال ابن جبير: "عن ساق": عن شدة الأمر". وقال قتادة ﴿عَن سَاقٍ﴾ عن أمر فظيع لهم جليل. وعن ابن مسعود أنه قال: "يتمثل الله للخلق، يعني يوم القيامة، حتى يمر المسلمون فيقول: من تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله لا نشرك به شيئاً، [فينتهرهم] مرتين أو ثلاثاً، فيقولون: هل تعرفون ربكم؟ فيقولون: سبحانه، إذا اعترف لنا عرفناه. (قال): فعند ذلك يكشف عن ساق فلا يبقى مؤمن إلا خر لله ساجداً، ويبقى المنافقون ظهورهم طبق كأنما فيها السفافيد، فيقولون: ربنا! فيقول: قد كنتم تَدْعُوْنَ إلى السجود وأنتم سالمون. قال أبو محمد: فمعنى يكشف لهم عن ساق، أي: عن أمر عظيم وقدرة لا يقدر عليها إلا الله. فيعرفونه تعالى بها [أظهر] من قدرته إليهم. ولا يحل لأحد أن [يتأول] في هذا وما شابهه جارحة، إذ ليست صفات الله كصفات الخلق، كما أنه ليس كمثله شيء، فاحْذَرْ أن يتمثل في قلبك شيء من تشبيه الله بخلقه، [فغير] جائز في الحكمة والقدرة أن يكون المخلوق يشبه الخالق في شيء من الصفات، ومن شبه الخالق بالمخلوق فقد أوجب على الخالق الحدث، وكفر وأبطل التوحيد، إذ في ذلك نفي القدم عن الخالق، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. وقال ابن مسعود: ينادي مناد يوم القيامة: أليس عدلاً منكم أن ربكم خلقكم ثم صوركم ثم رزقكم ثم توليتم غيره أن يولي كل عبد (منكم ما تولى؟! فيقولون: بلى، قال: فيمثل لكل قوم آلهتهم التي كانوا) يعبدونها، فيتبعونها حتى توردهم النار، ويبقى أهل [الدعوة]، فيقول بعضهم لبعض: ماذا تنتظرون؟ (ذهب الناس)! فيقولون: ننتظر أن ينادى [بنا]. قال: فيجيء في صورة، فذكر منها ما شاء الله، فيكشف عما شاء الله أن يكشف، فيخرون سجدا إلا المنافقين، فإنه يصير فَقَارُ أصلابِهِمْ عَظْماً واحداً مثل [صياصي] البقر، فيقال لهم: ارفعوا رؤوسكم إلى نوركم. ثم ذكر قصة طويلة. وذكر أبو سعيد الخدري: عن النبي ﷺ نحو ذلك وأطول. والعرب تقول: انكشف الأمر عن ساق، أي: عن هول وأمر غليظ شديد. وأصل هذا أن الرجل إذا جد في أمر فيه صعوبة وشدة تشمر وكشف عن ساقه، فجعل الساق في موضع الشدة. * * وقوله: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾. أي: [ويدعى] أهل النفاق إلى السجود لله عند ظهور الأمر الشديد فلا يستطيعون السجود. ودل هذا على أن الاستطاعة قبل الفعل، لأن الكلام على أنهم كانوا قبل ذلك يستطيعون السجود فتركوه. ودعاؤهم إلى السجود إنما هو على طريق التوبيخ لهم ليوقفوا على فعلهم في الدنيا إذ دعوا إلى السجود وهم سالمون لينتفعوا به فلم يفعلوا. روي أن أصلابهم تجف عقوبة فلا يطيقون السجود. * * ثم قال: ﴿خَٰشِعَةً أَبْصَٰرُهُمْ تَرْهَقُهُمْ (ذِلَّةٌ)﴾ أي: خاضعة ذليلة أبصارهم [تغشاهم] ذلة من عذاب الله. والعامل في "يوم يكشف" قوله: ﴿فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ﴾ أي: فليأتوا بالشركاء يوم يكشف، أي يوم القيامة. لم يرد الإتيان بها في الدنيا لأنهم يقدرون على ذلك في الدنيا، ولا يقدرون عليه في الآخرة، "فيأتوا" هو العامل في "يوم يكشف". ويجوز أن يعمل فيه فعل [مضمر] أي: اذكر يوم يكشف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمْ سَٰلِمُونَ﴾ (أي): وقد كانوا في الدنيا يدعون (إلى) أن يسجدوا لله وهم سالمون الجوارح، لا يمنعهم من ذلك مانع فلم يفعلوا. وقيل: السجود (الذي) (كانوا) يدعون إليه في الدنيا هو الصلاة المكتوبة. قاله الشعبي. وقال ابن جبير: كانوا يسمعون النداء للصلاة فلا يجيبون. قال ابن عباس: هم الكفار، كانوا يدعون إلى السجود في الدنيا وهم آمنون، فاليوم يدعون وهم خائفون. وروى قتادة أن النبي ﷺ قال: "يُؤْذَنُ للمؤمنين يَومَ القيامةِ في السّجودِ فَيَسْجُدُ المُؤمِنُونَ، وبَيْنَ كلِّ مُؤمنين مُنَافِقٌ فَيَقْسُو ظَهْرُ المُنَافِقِ عَنِ السُّجُودِ، ويَجْعَلُ اللهُ سُجُودَ المؤمنين على المنافقينَ تَوْبِيخاً وَصَغَاراً وَذُلاًّ وَنَدَامَةً وَحَسْرَةً ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ﴾ هذا تهدد ووعيد من الله للمكذبين بكتابه، كما يقول الرجل للرجل يتوعده: دعني وإياك، وخلني وإياه. * * وقوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ﴾. أي: سنكيدهم من حيث لا يعلمون، وذلك أن يمتعهم بمتاع الدنيا حتى يظنوا أنهم إنّما مُتِّعُوا به لخير لهم عند الله فيتمادون في طغيانهم، ثم [يأخذهم] بغتة [وهم] لا يشعرون. فيكون معنى "سنستدرجهم": سنمتعهم ونوسع عليهم في الدنيا حتى يتوهموا أن لهم خيراً ويغتروا بالنعم. روي عن النبي ﷺ أنه قال: إن الله يُمْهِل الظالم حتى إذا أخَذَه لم يُفْلِتْهُ، وقرأ: ﴿وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ وحقيقة الاستدراج أن يأخذه ببأسه قليلاً ولا يُجَاهِرُه، وهو من الدرج الذي يُصعَد وَيُنْزَل منه قليلاً قليلاً. * * - ثم قال: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾. أي أنْسِىءُ لهم في آجالهم ملاوة من الزمان، وذلك [برهة] من الدهر على كفرهم وتمردهم على الله [لتتكامل] حجج الله عليهم. * * - وقوله: ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾. أي: إن كيدي بأهل الكفر قوي شديد. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾. أي: أم تسألهم يا محمد على إنذارك لهم ونصحك إياهم جُعلاً [فهم] مثقلون [مما] يعطونك من الجُعْل؟ أي: لست تسألهم ذلك، فما بالهم لا يقبلون نصحك. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾. أي: أعندهم اللوح المحفوظ الذي فيه الغيوب كلها فهم يكتبون منه [ما يجادلونك] به، ويزعمون أنهم على كفرهم أفضل منزلة عند الله من أهل الإيمان به. - قال تعالى: ﴿فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ﴾ يعني: يونس، أي فاصبر يا محمد على أداء (الرسالة) لقضاء ربك [فيك وفي هؤلاء] المشركين، ولا تستعجل لهم العذاب فتكن كصاحب الحوت، يعني يونس إذ خرج عن قومه حين تأخر العذاب عنهم. - واذكر ﴿إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾. أي: إذ نادى ربه من بطن الحوت وهو مغموم لا يجد من يتفرج إليه. قال قتادة: ولا تكن كصاحب الحوت في العجلة والغضب، أي: لا تعجل كما عجل ولا تغضب كما غضب. * * - ثم قال تعالى: ﴿لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ (أي رحمة - فرحمه) ﴿لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾. (أي: لولا أن الله رحمه وسمع دعاءه من بطن الحوت فأجابه لطُرِحَ بالفضاء من الأرض وهو مذموم) قال ابن عباس: مذموم "مليم". وقيل مذموم: "مذنب". * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ أي: فاختاره واصطفاه. * * - ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾. أي: اختاره للنبوّة فجعله صالحاً، أي: رفعه للعمل الصالح. وقيل: معناه: فوصفه من الصالحين. حكى سيبويه: "جعل" بمعنى "وصف".

القلم 68:50

قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾، إلى قوله: ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ الآيات. (أي): إن للذين اتقوا عقوبة ربهم [فأطاعوه] بساتين (النعيم) الدائم في الآخرة. * * - ثم قال: ﴿أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ﴾. أي: أفنجعل - أيها الناس - كرامتي في الآخرة للذين أطاعوني كالذين عصوني؟! * * ﴿مَا لَكُمْ...﴾ أيها الناس ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. إذ تجعلون المطيع كالعاصي؟! * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾. أي: ألكم - أيها القوم - بتسويتكم الطائع كالعاصي - كتاب نزل من عند الله أتاكم به رسول أن الطائع كالعاصي فيه تقرؤون؟! وقيل: المعنى: تدرسون أن لكم فيه لما تَخَيَّرون. (فتدرسون) عاملٌ في المعنى في ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾، [لكن] منعت اللام في "لما" من فتح "إن" (بتدرسون]. ومثله: ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾. والتقدير: أن لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة، فإن لكم لما تحكمون. وهذا كله منقطع عند البصريين غير متصل بما قبله، ولا يجوز عندهم تعلق "تدرسون"، إنما تعلق أفعال الشك لا غير. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾. أي: إن لكم في ذلك لما تخيرونه، وهذا توبيخ وتقريع لهم لما كانوا يتقولون من الكذب. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾. أي: هل لكم ذلك، أي: ليس لكم أيمان على الله تنتهي بكم إلى يوم القيامة بأن لكم حكمكم في ما تتقولون. وكسرت الألف من "إنّ" لدخول اللام في "لمَا". وقيل: "بالغة" [وثيقة]، أي: بالغة النهاية في التأكيد. * * - ثم قال تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ [زَعِيمٌ]﴾. أي: سل - يا محمد - هؤلاء المتقولين (المتحكمين) على الله، أيهم كفيل بأن لهم علينا أيماناً بالغة إلى يوم القيامة؟ وقيل: "زعيم" معناه: ضمين. والزعيم أيضاً المتكلم عن القوم. * * - ثم قال تعالى ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ﴾ أي: ألهم شركاء (يعينونهم) ويشهدون لهم بذلك ويحتجون عنهم فيما يدعون فليأتوا بهم إن كانوا صادقين في قولهم فتكون الحجة على جميعهم أبين و [آكد]. * * - ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ (عَن سَاقٍ) وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾. أي: اذكر يا محمد يوم يبدو [أمر] عظيم، وذلك يوم القيامة. قال ابن عباس: يوم يكشف [عن ساق]، هو يوم كرب وشدة وأمر عظيم. وقرأ ابن عباس: "يوم نَكشِف" بالنون. وقرأ ابن مسعود: "يوم يَكشِف" بفتح الياء وكسر الشين. وعن ابن عباس أيضاً أنه قرأ "يوم تَكشِف" بالتاء، يريد القيامة تكشف عن أهوالها. وروى مجاهد عن ابن عباس: "عن ساق" قال: هي أول ساعة من القيامة، وهي [أفظعها] و [أشدها]. وقال ابن جبير: "عن ساق": عن شدة الأمر". وقال قتادة ﴿عَن سَاقٍ﴾ عن أمر فظيع لهم جليل. وعن ابن مسعود أنه قال: "يتمثل الله للخلق، يعني يوم القيامة، حتى يمر المسلمون فيقول: من تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله لا نشرك به شيئاً، [فينتهرهم] مرتين أو ثلاثاً، فيقولون: هل تعرفون ربكم؟ فيقولون: سبحانه، إذا اعترف لنا عرفناه. (قال): فعند ذلك يكشف عن ساق فلا يبقى مؤمن إلا خر لله ساجداً، ويبقى المنافقون ظهورهم طبق كأنما فيها السفافيد، فيقولون: ربنا! فيقول: قد كنتم تَدْعُوْنَ إلى السجود وأنتم سالمون. قال أبو محمد: فمعنى يكشف لهم عن ساق، أي: عن أمر عظيم وقدرة لا يقدر عليها إلا الله. فيعرفونه تعالى بها [أظهر] من قدرته إليهم. ولا يحل لأحد أن [يتأول] في هذا وما شابهه جارحة، إذ ليست صفات الله كصفات الخلق، كما أنه ليس كمثله شيء، فاحْذَرْ أن يتمثل في قلبك شيء من تشبيه الله بخلقه، [فغير] جائز في الحكمة والقدرة أن يكون المخلوق يشبه الخالق في شيء من الصفات، ومن شبه الخالق بالمخلوق فقد أوجب على الخالق الحدث، وكفر وأبطل التوحيد، إذ في ذلك نفي القدم عن الخالق، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. وقال ابن مسعود: ينادي مناد يوم القيامة: أليس عدلاً منكم أن ربكم خلقكم ثم صوركم ثم رزقكم ثم توليتم غيره أن يولي كل عبد (منكم ما تولى؟! فيقولون: بلى، قال: فيمثل لكل قوم آلهتهم التي كانوا) يعبدونها، فيتبعونها حتى توردهم النار، ويبقى أهل [الدعوة]، فيقول بعضهم لبعض: ماذا تنتظرون؟ (ذهب الناس)! فيقولون: ننتظر أن ينادى [بنا]. قال: فيجيء في صورة، فذكر منها ما شاء الله، فيكشف عما شاء الله أن يكشف، فيخرون سجدا إلا المنافقين، فإنه يصير فَقَارُ أصلابِهِمْ عَظْماً واحداً مثل [صياصي] البقر، فيقال لهم: ارفعوا رؤوسكم إلى نوركم. ثم ذكر قصة طويلة. وذكر أبو سعيد الخدري: عن النبي ﷺ نحو ذلك وأطول. والعرب تقول: انكشف الأمر عن ساق، أي: عن هول وأمر غليظ شديد. وأصل هذا أن الرجل إذا جد في أمر فيه صعوبة وشدة تشمر وكشف عن ساقه، فجعل الساق في موضع الشدة. * * وقوله: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾. أي: [ويدعى] أهل النفاق إلى السجود لله عند ظهور الأمر الشديد فلا يستطيعون السجود. ودل هذا على أن الاستطاعة قبل الفعل، لأن الكلام على أنهم كانوا قبل ذلك يستطيعون السجود فتركوه. ودعاؤهم إلى السجود إنما هو على طريق التوبيخ لهم ليوقفوا على فعلهم في الدنيا إذ دعوا إلى السجود وهم سالمون لينتفعوا به فلم يفعلوا. روي أن أصلابهم تجف عقوبة فلا يطيقون السجود. * * ثم قال: ﴿خَٰشِعَةً أَبْصَٰرُهُمْ تَرْهَقُهُمْ (ذِلَّةٌ)﴾ أي: خاضعة ذليلة أبصارهم [تغشاهم] ذلة من عذاب الله. والعامل في "يوم يكشف" قوله: ﴿فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ﴾ أي: فليأتوا بالشركاء يوم يكشف، أي يوم القيامة. لم يرد الإتيان بها في الدنيا لأنهم يقدرون على ذلك في الدنيا، ولا يقدرون عليه في الآخرة، "فيأتوا" هو العامل في "يوم يكشف". ويجوز أن يعمل فيه فعل [مضمر] أي: اذكر يوم يكشف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمْ سَٰلِمُونَ﴾ (أي): وقد كانوا في الدنيا يدعون (إلى) أن يسجدوا لله وهم سالمون الجوارح، لا يمنعهم من ذلك مانع فلم يفعلوا. وقيل: السجود (الذي) (كانوا) يدعون إليه في الدنيا هو الصلاة المكتوبة. قاله الشعبي. وقال ابن جبير: كانوا يسمعون النداء للصلاة فلا يجيبون. قال ابن عباس: هم الكفار، كانوا يدعون إلى السجود في الدنيا وهم آمنون، فاليوم يدعون وهم خائفون. وروى قتادة أن النبي ﷺ قال: "يُؤْذَنُ للمؤمنين يَومَ القيامةِ في السّجودِ فَيَسْجُدُ المُؤمِنُونَ، وبَيْنَ كلِّ مُؤمنين مُنَافِقٌ فَيَقْسُو ظَهْرُ المُنَافِقِ عَنِ السُّجُودِ، ويَجْعَلُ اللهُ سُجُودَ المؤمنين على المنافقينَ تَوْبِيخاً وَصَغَاراً وَذُلاًّ وَنَدَامَةً وَحَسْرَةً ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ﴾ هذا تهدد ووعيد من الله للمكذبين بكتابه، كما يقول الرجل للرجل يتوعده: دعني وإياك، وخلني وإياه. * * وقوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ﴾. أي: سنكيدهم من حيث لا يعلمون، وذلك أن يمتعهم بمتاع الدنيا حتى يظنوا أنهم إنّما مُتِّعُوا به لخير لهم عند الله فيتمادون في طغيانهم، ثم [يأخذهم] بغتة [وهم] لا يشعرون. فيكون معنى "سنستدرجهم": سنمتعهم ونوسع عليهم في الدنيا حتى يتوهموا أن لهم خيراً ويغتروا بالنعم. روي عن النبي ﷺ أنه قال: إن الله يُمْهِل الظالم حتى إذا أخَذَه لم يُفْلِتْهُ، وقرأ: ﴿وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ وحقيقة الاستدراج أن يأخذه ببأسه قليلاً ولا يُجَاهِرُه، وهو من الدرج الذي يُصعَد وَيُنْزَل منه قليلاً قليلاً. * * - ثم قال: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾. أي أنْسِىءُ لهم في آجالهم ملاوة من الزمان، وذلك [برهة] من الدهر على كفرهم وتمردهم على الله [لتتكامل] حجج الله عليهم. * * - وقوله: ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾. أي: إن كيدي بأهل الكفر قوي شديد. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾. أي: أم تسألهم يا محمد على إنذارك لهم ونصحك إياهم جُعلاً [فهم] مثقلون [مما] يعطونك من الجُعْل؟ أي: لست تسألهم ذلك، فما بالهم لا يقبلون نصحك. * * - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾. أي: أعندهم اللوح المحفوظ الذي فيه الغيوب كلها فهم يكتبون منه [ما يجادلونك] به، ويزعمون أنهم على كفرهم أفضل منزلة عند الله من أهل الإيمان به. - قال تعالى: ﴿فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ﴾ يعني: يونس، أي فاصبر يا محمد على أداء (الرسالة) لقضاء ربك [فيك وفي هؤلاء] المشركين، ولا تستعجل لهم العذاب فتكن كصاحب الحوت، يعني يونس إذ خرج عن قومه حين تأخر العذاب عنهم. - واذكر ﴿إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾. أي: إذ نادى ربه من بطن الحوت وهو مغموم لا يجد من يتفرج إليه. قال قتادة: ولا تكن كصاحب الحوت في العجلة والغضب، أي: لا تعجل كما عجل ولا تغضب كما غضب. * * - ثم قال تعالى: ﴿لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ (أي رحمة - فرحمه) ﴿لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾. (أي: لولا أن الله رحمه وسمع دعاءه من بطن الحوت فأجابه لطُرِحَ بالفضاء من الأرض وهو مذموم) قال ابن عباس: مذموم "مليم". وقيل مذموم: "مذنب". * * - ثم قال تعالى: ﴿فَٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ أي: فاختاره واصطفاه. * * - ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾. أي: اختاره للنبوّة فجعله صالحاً، أي: رفعه للعمل الصالح. وقيل: معناه: فوصفه من الصالحين. حكى سيبويه: "جعل" بمعنى "وصف".

القلم 68:51

قوله تعالى: ﴿وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...﴾ إلى آخر السورة. قال الفراء: هذا من إصابة العين. والتقدير: وإن يكاد الذين كفروا مما عاينوك يا محمد بأبصارهم ليأخذونك بالعين فَيَرْمونَكَ ويصرعونك كما ينصرع الذي يَزْلِق في الطين ونحوه، لأنهم كانوا يقولون: ما رأينا [مثل] حججه ولا مثله. وقيل: المعنى أنهم كانوا من شدة نظرهم إليه [وتغيظهم] عليه أن يزلقوه من مكانه. يقال: أَزْلَقَ الحَجّام الشَّعرَ وَزَلَقَهُ: إِذا حَلَقَه. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾. أي: ويقول الكفار: إن محمداً لمجنون. قال ابن عباس: ليزلقونك بأبصارهم: أي ينفدونك من شدة نظرهم، من قولهم: زلق السهم وزهق إذا نفذ. وقال ابن مسعود: ليزلقونك: لَيُزْهِقُونَكَ. وقال مجاهد: "لينفِذونَك بأبصارهم". وقال قتادة: ليصدونك. * * - وقوله: ﴿لَمَّا سَمِعُواْ ٱلذِّكْرَ﴾ أي: لما سمعوا كتاب الله يتلى. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾. أي: ليس الذي جاء به محمد جنوناً بل هو ذكر للعالمين، أي: للجن والإنس. وقيل: المعنى: "بل محمد ذكر للعالمين".

القلم 68:52

قوله تعالى: ﴿وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...﴾ إلى آخر السورة. قال الفراء: هذا من إصابة العين. والتقدير: وإن يكاد الذين كفروا مما عاينوك يا محمد بأبصارهم ليأخذونك بالعين فَيَرْمونَكَ ويصرعونك كما ينصرع الذي يَزْلِق في الطين ونحوه، لأنهم كانوا يقولون: ما رأينا [مثل] حججه ولا مثله. وقيل: المعنى أنهم كانوا من شدة نظرهم إليه [وتغيظهم] عليه أن يزلقوه من مكانه. يقال: أَزْلَقَ الحَجّام الشَّعرَ وَزَلَقَهُ: إِذا حَلَقَه. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾. أي: ويقول الكفار: إن محمداً لمجنون. قال ابن عباس: ليزلقونك بأبصارهم: أي ينفدونك من شدة نظرهم، من قولهم: زلق السهم وزهق إذا نفذ. وقال ابن مسعود: ليزلقونك: لَيُزْهِقُونَكَ. وقال مجاهد: "لينفِذونَك بأبصارهم". وقال قتادة: ليصدونك. * * - وقوله: ﴿لَمَّا سَمِعُواْ ٱلذِّكْرَ﴾ أي: لما سمعوا كتاب الله يتلى. * * - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾. أي: ليس الذي جاء به محمد جنوناً بل هو ذكر للعالمين، أي: للجن والإنس. وقيل: المعنى: "بل محمد ذكر للعالمين".