Tafsir Makhi — الحاقة 69:1 – الحاقة 69:52
المحتويات
- الحاقة 69:1
- الحاقة 69:2
- الحاقة 69:3
- الحاقة 69:4
- الحاقة 69:5
- الحاقة 69:6
- الحاقة 69:7
- الحاقة 69:8
- الحاقة 69:9
- الحاقة 69:10
- الحاقة 69:11
- الحاقة 69:12
- الحاقة 69:13
- الحاقة 69:14
- الحاقة 69:15
- الحاقة 69:16
- الحاقة 69:17
- الحاقة 69:18
- الحاقة 69:19
- الحاقة 69:20
- الحاقة 69:21
- الحاقة 69:22
- الحاقة 69:23
- الحاقة 69:24
- الحاقة 69:25
- الحاقة 69:26
- الحاقة 69:27
- الحاقة 69:28
- الحاقة 69:29
- الحاقة 69:30
- الحاقة 69:31
- الحاقة 69:32
- الحاقة 69:33
- الحاقة 69:34
- الحاقة 69:35
- الحاقة 69:36
- الحاقة 69:37
- الحاقة 69:38
- الحاقة 69:39
- الحاقة 69:40
- الحاقة 69:41
- الحاقة 69:42
- الحاقة 69:43
- الحاقة 69:44
- الحاقة 69:45
- الحاقة 69:46
- الحاقة 69:47
- الحاقة 69:48
- الحاقة 69:49
- الحاقة 69:50
- الحاقة 69:51
- الحاقة 69:52
الحاقة 69:1
قوله تعالى: ﴿ٱلْحَاقَّةُ * مَا ٱلْحَآقَّةُ﴾ إلى قوله: ﴿فِي ٱلْجَارِيَةِ﴾.
كأن الأصل: الحاقة، ما هي؟ لتقدم ذكرها، إلا أن إعادة الاسم بلفظه أفخم إذا لم يُشْكِل المعنى.
و "الحاقة" ابتداء، و "ما" ابتداء ثان، و "الحاقة": خبر "ما"، و "ما" وخبرها خبر عن "الحاقة" الأولى، ومثله: ﴿ٱلْقَارِعَةُ * مَا ٱلْقَارِعَةُ﴾. ومعنى الكلام أنه على التعظيم، والتقدير: الساعة الحاقة: أي شيء هي!، أي: ما أعظمها وأجلها وأشدها.
ومعنى الحاقة: التي تحق فيها الأمور ويجب فيها الجزاء على الأعمال.
قال ابن عباس: "الحاقة اسم من أسماء القيامة، عظمه الله وحذره عباده".
وقال قتادة: الحاقة: القيامة حقت لكل عامل ما عمله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْحَاقَّةُ﴾.
أي: وأي شيء يدريك ويعرفك أي شيء الحاقة؟! [وهذا] كله تعظيم ليوم القيامة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِٱلْقَارِعَةِ﴾.
أي: كذبت ثمود قوم صالح، وعاد قوم هود بالساعة التي تقرع قلوب العباد بهجومها عليهم.
قال ابن عباس: ﴿بِٱلْقَارِعَةِ﴾: بيوم القيامة.
وقال قتادة: بالساعة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ﴾.
أي: بطغيانهم وكفرهم بالله وباليوم الآخر.
قال مجاهد: ﴿بِٱلطَّاغِيَةِ﴾ بالذنوب.
قال ابن زيد: ﴿بِٱلطَّاغِيَةِ﴾ بطغيانهم، واستدل على ذلك بقوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ﴾ [الشمس: ١١] بالصيحة، كأنها صيحة تجاوزت مقادير الصياح فطغت عليهم. وهو اختيار الطبري؛ لأن الله إنما أخبر عن ثمود بالمعنى الذي أهلكوا به لا الذي أهلكوا من أجله (ودليل ذلك إخباره تعالى عن عاد بالمعنى الذي أهلكوا به وهو الريح ولم يخبر بالذي هلكوا من أجله).
وقيل: المعنى: بالفئة الطاغية.
(وقيل): بالفعلة الطاغية.
وقيل: بالجماعة الطاغية.
وقيل: المعنى: بالأخذة الطاغية. وسميت الآخذة طاغية لأنها جاوزت القدر في الشدّة. فالمعنى: فأهلكوا بالأخذة التي جاوزت القدر [فطغت عليهم]. دليله: قوله في عاد: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾، فذكر الشيء [الذي] أهلكوا به، فكذلك الأول.
وإنما ذكر الشيء الذي أهلكوا به لا الذي أهلكوا من أجله، فإنما وصف العذاب الذي أُهْلِكَ به الطائفتان، فهو ظاهر اللفظ وكُلٌّ قَدْ قِيل.
* *
- وقوله: ﴿عَاتِيَةٍ﴾.
ليس (هو) من العتو الذي هو العصيان، إنما هو من العتو الذي هو بلوغ الشيء وانتهاؤه في قوته وقدره، من قولهم: عتا: إذا بلغ منتهاه، ومنه قوله: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً﴾ [مريم: ٨].
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾.
أي: بريح شديدة العصوف مع شدة بردها.
قال ابن عباس: ﴿عَاتِيَةٍ﴾: أي: "مهلكة باردة عنت عليهم بغير رحمة ولا بركة (دائمة) لا تفتر".
قال قتادة: "الصرصر: الباردة، عتت عليهم حتى نقبت عن أفئدتهم. قال ابن عباس: ما أرسل الله من ريح قط إلا بمكيال، ولا أنزل قطرة إلا بمثقال إلا يوم نوح ويوم عاد، فإن الماء يوم نوح طغى على خَزّانه فلم يكن لهم عليه سبيل، ثم قرأ: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ﴾، قال: وإن الريح عتت على خَزّانها فلم يكن [لهم] [عليها] من سبيل، وقرأ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾.
وقال علي بن أبي طالب: لم تنزل قطرة من ماء إلا بكيل على يدي مَلك، فلما كان يوم نوح أذِنَ للماء دون الخزَّان، فطغى الماء على الجبال فخرج، فذلك قوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ﴾، ولم ينزل شيء من الريح إلا بمكيال على يَدَيْ مَلَك إِلاَّ يومَ عاد، فإنه أُذِنَ لَهَا دون الخُزَّان، فخرجت فذلك قوله: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ عتت على الخزان.
قال ابن زيد: "الصرصر [الشديدة]، والعاتية: القاهرة التي عتت عليهم فقهرتهم".
قال الضحاك: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ يعني: باردة، ﴿عَاتِيَةٍ﴾ يعني: عتت عليهم بغير رحمة ولا بركة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾
أي: سخر تلك الريح على عاد ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾.
قال ابن عباس: ﴿حُسُوماً﴾: "تباعاً".
وقال مجاهد: متتابعة، [وقاله] عكرمة وقتادة.
(وعن قتادة)؛ متتابعات. وهو قول سفيان.
وقال ابن زيد: ﴿حُسُوماً﴾: تحسم كل شيء فلا تُبْقِي من عاد أحداً.
وذكر ابن زيد عن عاد أنه كان فيهم ثمانية رجال لهم خلق عظيم، فلما جاءتهم الريح قال بعضهم: قوموا بنا نرد هذا العذاب عن قومنا.
قال: فقاموا وَصَفُّوا في الوادي، فأوحى الله إلى تلك الريح أن تقلع كل يوم منهم واحداً وقرأ: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾ حتى بلغ ﴿خَاوِيَةٍ﴾.
قال ابن زيد: وإن كانت الريح لتمر بالظعينة فتستدير بها وبحمولتها ثم [تذهب] بهم في السماء ثم تكبهم على الرؤوس، ثم قرأ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُواْ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤].
قال: وكان قد أَمسك عنهم المطر، فقرأ حتى بلغ ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥] الآية.
قال: وما كانت الريح تقلع كل يوم من الثمانية إلا واحداً.
[قال]: فلما عذب الله قوم [هود] أبقى واحداً ينذر الناس.
والعرب تقول: حسمت الداء أي: قطعته (بمتابعة) العلاج (عليه)، وسيفٌ حسامٌ: أي: قاطعٌ.
وقيل: ﴿حُسُوماً﴾ جمع: حاسم، كجالس وجلوس.
وقيل: هو مصدر [أي: ذات] حسوم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ﴾
أي: فترى يا محمد قوم هود في تلك السبع الليالي والثمانية الأيام الحسوم صرعى قد أهلكوا.
* *
- ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾.
أي: كأنهم أصول نخل قد خَوت وتآكَلَتْ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ﴾.
أي: فهل ترى - يا محمد - لهم من جماعة باقية.
وقيل: من بقاء.
وقيل: (من) بقية.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَٱلْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ﴾.
أي وجاء فرعون ومن قبله من الأمم الماضية المكذبة بالفعلة الخاطئة.
ومن قرأ بكسر القاف وفتح الباء فمعناه: ومن معه من القِبْطِ.
وقد رد أبو عبيد هذه القراءة لأنه قد كان فيهم مؤمنون.
وهذا لا يلزم، لأنه لفظ عام معناه الخصوص، أي: ومَن قِبَلَهُ من أهل دينه.
- وقوله ﴿وَٱلْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ يعني قوم لوط الذين ائتفكت عليهم مدائِنُهم إذْ أُهْلِكُوا أي: انقلبت عليهم.
قال مجاهد: ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾: "بالخطايا".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً﴾.
أي: فعصى فرعون وقوم لوط رسول ربهم إليهم، والمعنى: فعصى كل قوم رسول ربهم إليهم.
وقيل: "رسول" هنا بمعنى "رسالة".
قال ابن عباس: ﴿أَخْذَةً رَّابِيَةً﴾ أي: "شديدة".
قال ابن زيد: رابية في الشر أي زائدة. ومنه الربا، ومنه: أربى فلان عَليك إذا أخذ أكثر من حقه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ﴾.
أي: لما طغى الماء على الخزنة - بإذن الله له فخرج أكثر مما تقدر عليه الخزنة وتجاوز حده. والطغيان مجاوزة الحد. فقيل: إنه طغى على خزنته فلم يعرفوا له قدراً، وذلك بأمر الله له. حملنا آباءكم في السفينة الجارية.
روي أنه زاد [فَعَلاَ كلّ شي] بقدر خمس عشرة [ذراعاً] قاله قتادة.
قال ابن جبير: طغى الماء وزاد غضباً لغضب الله.
الحاقة 69:2
قوله تعالى: ﴿ٱلْحَاقَّةُ * مَا ٱلْحَآقَّةُ﴾ إلى قوله: ﴿فِي ٱلْجَارِيَةِ﴾.
كأن الأصل: الحاقة، ما هي؟ لتقدم ذكرها، إلا أن إعادة الاسم بلفظه أفخم إذا لم يُشْكِل المعنى.
و "الحاقة" ابتداء، و "ما" ابتداء ثان، و "الحاقة": خبر "ما"، و "ما" وخبرها خبر عن "الحاقة" الأولى، ومثله: ﴿ٱلْقَارِعَةُ * مَا ٱلْقَارِعَةُ﴾. ومعنى الكلام أنه على التعظيم، والتقدير: الساعة الحاقة: أي شيء هي!، أي: ما أعظمها وأجلها وأشدها.
ومعنى الحاقة: التي تحق فيها الأمور ويجب فيها الجزاء على الأعمال.
قال ابن عباس: "الحاقة اسم من أسماء القيامة، عظمه الله وحذره عباده".
وقال قتادة: الحاقة: القيامة حقت لكل عامل ما عمله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْحَاقَّةُ﴾.
أي: وأي شيء يدريك ويعرفك أي شيء الحاقة؟! [وهذا] كله تعظيم ليوم القيامة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِٱلْقَارِعَةِ﴾.
أي: كذبت ثمود قوم صالح، وعاد قوم هود بالساعة التي تقرع قلوب العباد بهجومها عليهم.
قال ابن عباس: ﴿بِٱلْقَارِعَةِ﴾: بيوم القيامة.
وقال قتادة: بالساعة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ﴾.
أي: بطغيانهم وكفرهم بالله وباليوم الآخر.
قال مجاهد: ﴿بِٱلطَّاغِيَةِ﴾ بالذنوب.
قال ابن زيد: ﴿بِٱلطَّاغِيَةِ﴾ بطغيانهم، واستدل على ذلك بقوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ﴾ [الشمس: ١١] بالصيحة، كأنها صيحة تجاوزت مقادير الصياح فطغت عليهم. وهو اختيار الطبري؛ لأن الله إنما أخبر عن ثمود بالمعنى الذي أهلكوا به لا الذي أهلكوا من أجله (ودليل ذلك إخباره تعالى عن عاد بالمعنى الذي أهلكوا به وهو الريح ولم يخبر بالذي هلكوا من أجله).
وقيل: المعنى: بالفئة الطاغية.
(وقيل): بالفعلة الطاغية.
وقيل: بالجماعة الطاغية.
وقيل: المعنى: بالأخذة الطاغية. وسميت الآخذة طاغية لأنها جاوزت القدر في الشدّة. فالمعنى: فأهلكوا بالأخذة التي جاوزت القدر [فطغت عليهم]. دليله: قوله في عاد: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾، فذكر الشيء [الذي] أهلكوا به، فكذلك الأول.
وإنما ذكر الشيء الذي أهلكوا به لا الذي أهلكوا من أجله، فإنما وصف العذاب الذي أُهْلِكَ به الطائفتان، فهو ظاهر اللفظ وكُلٌّ قَدْ قِيل.
* *
- وقوله: ﴿عَاتِيَةٍ﴾.
ليس (هو) من العتو الذي هو العصيان، إنما هو من العتو الذي هو بلوغ الشيء وانتهاؤه في قوته وقدره، من قولهم: عتا: إذا بلغ منتهاه، ومنه قوله: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً﴾ [مريم: ٨].
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾.
أي: بريح شديدة العصوف مع شدة بردها.
قال ابن عباس: ﴿عَاتِيَةٍ﴾: أي: "مهلكة باردة عنت عليهم بغير رحمة ولا بركة (دائمة) لا تفتر".
قال قتادة: "الصرصر: الباردة، عتت عليهم حتى نقبت عن أفئدتهم. قال ابن عباس: ما أرسل الله من ريح قط إلا بمكيال، ولا أنزل قطرة إلا بمثقال إلا يوم نوح ويوم عاد، فإن الماء يوم نوح طغى على خَزّانه فلم يكن لهم عليه سبيل، ثم قرأ: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ﴾، قال: وإن الريح عتت على خَزّانها فلم يكن [لهم] [عليها] من سبيل، وقرأ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾.
وقال علي بن أبي طالب: لم تنزل قطرة من ماء إلا بكيل على يدي مَلك، فلما كان يوم نوح أذِنَ للماء دون الخزَّان، فطغى الماء على الجبال فخرج، فذلك قوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ﴾، ولم ينزل شيء من الريح إلا بمكيال على يَدَيْ مَلَك إِلاَّ يومَ عاد، فإنه أُذِنَ لَهَا دون الخُزَّان، فخرجت فذلك قوله: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ عتت على الخزان.
قال ابن زيد: "الصرصر [الشديدة]، والعاتية: القاهرة التي عتت عليهم فقهرتهم".
قال الضحاك: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ يعني: باردة، ﴿عَاتِيَةٍ﴾ يعني: عتت عليهم بغير رحمة ولا بركة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾
أي: سخر تلك الريح على عاد ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾.
قال ابن عباس: ﴿حُسُوماً﴾: "تباعاً".
وقال مجاهد: متتابعة، [وقاله] عكرمة وقتادة.
(وعن قتادة)؛ متتابعات. وهو قول سفيان.
وقال ابن زيد: ﴿حُسُوماً﴾: تحسم كل شيء فلا تُبْقِي من عاد أحداً.
وذكر ابن زيد عن عاد أنه كان فيهم ثمانية رجال لهم خلق عظيم، فلما جاءتهم الريح قال بعضهم: قوموا بنا نرد هذا العذاب عن قومنا.
قال: فقاموا وَصَفُّوا في الوادي، فأوحى الله إلى تلك الريح أن تقلع كل يوم منهم واحداً وقرأ: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾ حتى بلغ ﴿خَاوِيَةٍ﴾.
قال ابن زيد: وإن كانت الريح لتمر بالظعينة فتستدير بها وبحمولتها ثم [تذهب] بهم في السماء ثم تكبهم على الرؤوس، ثم قرأ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُواْ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤].
قال: وكان قد أَمسك عنهم المطر، فقرأ حتى بلغ ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥] الآية.
قال: وما كانت الريح تقلع كل يوم من الثمانية إلا واحداً.
[قال]: فلما عذب الله قوم [هود] أبقى واحداً ينذر الناس.
والعرب تقول: حسمت الداء أي: قطعته (بمتابعة) العلاج (عليه)، وسيفٌ حسامٌ: أي: قاطعٌ.
وقيل: ﴿حُسُوماً﴾ جمع: حاسم، كجالس وجلوس.
وقيل: هو مصدر [أي: ذات] حسوم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ﴾
أي: فترى يا محمد قوم هود في تلك السبع الليالي والثمانية الأيام الحسوم صرعى قد أهلكوا.
* *
- ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾.
أي: كأنهم أصول نخل قد خَوت وتآكَلَتْ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ﴾.
أي: فهل ترى - يا محمد - لهم من جماعة باقية.
وقيل: من بقاء.
وقيل: (من) بقية.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَٱلْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ﴾.
أي وجاء فرعون ومن قبله من الأمم الماضية المكذبة بالفعلة الخاطئة.
ومن قرأ بكسر القاف وفتح الباء فمعناه: ومن معه من القِبْطِ.
وقد رد أبو عبيد هذه القراءة لأنه قد كان فيهم مؤمنون.
وهذا لا يلزم، لأنه لفظ عام معناه الخصوص، أي: ومَن قِبَلَهُ من أهل دينه.
- وقوله ﴿وَٱلْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ يعني قوم لوط الذين ائتفكت عليهم مدائِنُهم إذْ أُهْلِكُوا أي: انقلبت عليهم.
قال مجاهد: ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾: "بالخطايا".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً﴾.
أي: فعصى فرعون وقوم لوط رسول ربهم إليهم، والمعنى: فعصى كل قوم رسول ربهم إليهم.
وقيل: "رسول" هنا بمعنى "رسالة".
قال ابن عباس: ﴿أَخْذَةً رَّابِيَةً﴾ أي: "شديدة".
قال ابن زيد: رابية في الشر أي زائدة. ومنه الربا، ومنه: أربى فلان عَليك إذا أخذ أكثر من حقه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ﴾.
أي: لما طغى الماء على الخزنة - بإذن الله له فخرج أكثر مما تقدر عليه الخزنة وتجاوز حده. والطغيان مجاوزة الحد. فقيل: إنه طغى على خزنته فلم يعرفوا له قدراً، وذلك بأمر الله له. حملنا آباءكم في السفينة الجارية.
روي أنه زاد [فَعَلاَ كلّ شي] بقدر خمس عشرة [ذراعاً] قاله قتادة.
قال ابن جبير: طغى الماء وزاد غضباً لغضب الله.
الحاقة 69:3
قوله تعالى: ﴿ٱلْحَاقَّةُ * مَا ٱلْحَآقَّةُ﴾ إلى قوله: ﴿فِي ٱلْجَارِيَةِ﴾.
كأن الأصل: الحاقة، ما هي؟ لتقدم ذكرها، إلا أن إعادة الاسم بلفظه أفخم إذا لم يُشْكِل المعنى.
و "الحاقة" ابتداء، و "ما" ابتداء ثان، و "الحاقة": خبر "ما"، و "ما" وخبرها خبر عن "الحاقة" الأولى، ومثله: ﴿ٱلْقَارِعَةُ * مَا ٱلْقَارِعَةُ﴾. ومعنى الكلام أنه على التعظيم، والتقدير: الساعة الحاقة: أي شيء هي!، أي: ما أعظمها وأجلها وأشدها.
ومعنى الحاقة: التي تحق فيها الأمور ويجب فيها الجزاء على الأعمال.
قال ابن عباس: "الحاقة اسم من أسماء القيامة، عظمه الله وحذره عباده".
وقال قتادة: الحاقة: القيامة حقت لكل عامل ما عمله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْحَاقَّةُ﴾.
أي: وأي شيء يدريك ويعرفك أي شيء الحاقة؟! [وهذا] كله تعظيم ليوم القيامة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِٱلْقَارِعَةِ﴾.
أي: كذبت ثمود قوم صالح، وعاد قوم هود بالساعة التي تقرع قلوب العباد بهجومها عليهم.
قال ابن عباس: ﴿بِٱلْقَارِعَةِ﴾: بيوم القيامة.
وقال قتادة: بالساعة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ﴾.
أي: بطغيانهم وكفرهم بالله وباليوم الآخر.
قال مجاهد: ﴿بِٱلطَّاغِيَةِ﴾ بالذنوب.
قال ابن زيد: ﴿بِٱلطَّاغِيَةِ﴾ بطغيانهم، واستدل على ذلك بقوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ﴾ [الشمس: ١١] بالصيحة، كأنها صيحة تجاوزت مقادير الصياح فطغت عليهم. وهو اختيار الطبري؛ لأن الله إنما أخبر عن ثمود بالمعنى الذي أهلكوا به لا الذي أهلكوا من أجله (ودليل ذلك إخباره تعالى عن عاد بالمعنى الذي أهلكوا به وهو الريح ولم يخبر بالذي هلكوا من أجله).
وقيل: المعنى: بالفئة الطاغية.
(وقيل): بالفعلة الطاغية.
وقيل: بالجماعة الطاغية.
وقيل: المعنى: بالأخذة الطاغية. وسميت الآخذة طاغية لأنها جاوزت القدر في الشدّة. فالمعنى: فأهلكوا بالأخذة التي جاوزت القدر [فطغت عليهم]. دليله: قوله في عاد: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾، فذكر الشيء [الذي] أهلكوا به، فكذلك الأول.
وإنما ذكر الشيء الذي أهلكوا به لا الذي أهلكوا من أجله، فإنما وصف العذاب الذي أُهْلِكَ به الطائفتان، فهو ظاهر اللفظ وكُلٌّ قَدْ قِيل.
* *
- وقوله: ﴿عَاتِيَةٍ﴾.
ليس (هو) من العتو الذي هو العصيان، إنما هو من العتو الذي هو بلوغ الشيء وانتهاؤه في قوته وقدره، من قولهم: عتا: إذا بلغ منتهاه، ومنه قوله: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً﴾ [مريم: ٨].
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾.
أي: بريح شديدة العصوف مع شدة بردها.
قال ابن عباس: ﴿عَاتِيَةٍ﴾: أي: "مهلكة باردة عنت عليهم بغير رحمة ولا بركة (دائمة) لا تفتر".
قال قتادة: "الصرصر: الباردة، عتت عليهم حتى نقبت عن أفئدتهم. قال ابن عباس: ما أرسل الله من ريح قط إلا بمكيال، ولا أنزل قطرة إلا بمثقال إلا يوم نوح ويوم عاد، فإن الماء يوم نوح طغى على خَزّانه فلم يكن لهم عليه سبيل، ثم قرأ: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ﴾، قال: وإن الريح عتت على خَزّانها فلم يكن [لهم] [عليها] من سبيل، وقرأ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾.
وقال علي بن أبي طالب: لم تنزل قطرة من ماء إلا بكيل على يدي مَلك، فلما كان يوم نوح أذِنَ للماء دون الخزَّان، فطغى الماء على الجبال فخرج، فذلك قوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ﴾، ولم ينزل شيء من الريح إلا بمكيال على يَدَيْ مَلَك إِلاَّ يومَ عاد، فإنه أُذِنَ لَهَا دون الخُزَّان، فخرجت فذلك قوله: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ عتت على الخزان.
قال ابن زيد: "الصرصر [الشديدة]، والعاتية: القاهرة التي عتت عليهم فقهرتهم".
قال الضحاك: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ يعني: باردة، ﴿عَاتِيَةٍ﴾ يعني: عتت عليهم بغير رحمة ولا بركة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾
أي: سخر تلك الريح على عاد ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾.
قال ابن عباس: ﴿حُسُوماً﴾: "تباعاً".
وقال مجاهد: متتابعة، [وقاله] عكرمة وقتادة.
(وعن قتادة)؛ متتابعات. وهو قول سفيان.
وقال ابن زيد: ﴿حُسُوماً﴾: تحسم كل شيء فلا تُبْقِي من عاد أحداً.
وذكر ابن زيد عن عاد أنه كان فيهم ثمانية رجال لهم خلق عظيم، فلما جاءتهم الريح قال بعضهم: قوموا بنا نرد هذا العذاب عن قومنا.
قال: فقاموا وَصَفُّوا في الوادي، فأوحى الله إلى تلك الريح أن تقلع كل يوم منهم واحداً وقرأ: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾ حتى بلغ ﴿خَاوِيَةٍ﴾.
قال ابن زيد: وإن كانت الريح لتمر بالظعينة فتستدير بها وبحمولتها ثم [تذهب] بهم في السماء ثم تكبهم على الرؤوس، ثم قرأ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُواْ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤].
قال: وكان قد أَمسك عنهم المطر، فقرأ حتى بلغ ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥] الآية.
قال: وما كانت الريح تقلع كل يوم من الثمانية إلا واحداً.
[قال]: فلما عذب الله قوم [هود] أبقى واحداً ينذر الناس.
والعرب تقول: حسمت الداء أي: قطعته (بمتابعة) العلاج (عليه)، وسيفٌ حسامٌ: أي: قاطعٌ.
وقيل: ﴿حُسُوماً﴾ جمع: حاسم، كجالس وجلوس.
وقيل: هو مصدر [أي: ذات] حسوم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ﴾
أي: فترى يا محمد قوم هود في تلك السبع الليالي والثمانية الأيام الحسوم صرعى قد أهلكوا.
* *
- ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾.
أي: كأنهم أصول نخل قد خَوت وتآكَلَتْ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ﴾.
أي: فهل ترى - يا محمد - لهم من جماعة باقية.
وقيل: من بقاء.
وقيل: (من) بقية.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَٱلْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ﴾.
أي وجاء فرعون ومن قبله من الأمم الماضية المكذبة بالفعلة الخاطئة.
ومن قرأ بكسر القاف وفتح الباء فمعناه: ومن معه من القِبْطِ.
وقد رد أبو عبيد هذه القراءة لأنه قد كان فيهم مؤمنون.
وهذا لا يلزم، لأنه لفظ عام معناه الخصوص، أي: ومَن قِبَلَهُ من أهل دينه.
- وقوله ﴿وَٱلْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ يعني قوم لوط الذين ائتفكت عليهم مدائِنُهم إذْ أُهْلِكُوا أي: انقلبت عليهم.
قال مجاهد: ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾: "بالخطايا".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً﴾.
أي: فعصى فرعون وقوم لوط رسول ربهم إليهم، والمعنى: فعصى كل قوم رسول ربهم إليهم.
وقيل: "رسول" هنا بمعنى "رسالة".
قال ابن عباس: ﴿أَخْذَةً رَّابِيَةً﴾ أي: "شديدة".
قال ابن زيد: رابية في الشر أي زائدة. ومنه الربا، ومنه: أربى فلان عَليك إذا أخذ أكثر من حقه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ﴾.
أي: لما طغى الماء على الخزنة - بإذن الله له فخرج أكثر مما تقدر عليه الخزنة وتجاوز حده. والطغيان مجاوزة الحد. فقيل: إنه طغى على خزنته فلم يعرفوا له قدراً، وذلك بأمر الله له. حملنا آباءكم في السفينة الجارية.
روي أنه زاد [فَعَلاَ كلّ شي] بقدر خمس عشرة [ذراعاً] قاله قتادة.
قال ابن جبير: طغى الماء وزاد غضباً لغضب الله.
الحاقة 69:4
قوله تعالى: ﴿ٱلْحَاقَّةُ * مَا ٱلْحَآقَّةُ﴾ إلى قوله: ﴿فِي ٱلْجَارِيَةِ﴾.
كأن الأصل: الحاقة، ما هي؟ لتقدم ذكرها، إلا أن إعادة الاسم بلفظه أفخم إذا لم يُشْكِل المعنى.
و "الحاقة" ابتداء، و "ما" ابتداء ثان، و "الحاقة": خبر "ما"، و "ما" وخبرها خبر عن "الحاقة" الأولى، ومثله: ﴿ٱلْقَارِعَةُ * مَا ٱلْقَارِعَةُ﴾. ومعنى الكلام أنه على التعظيم، والتقدير: الساعة الحاقة: أي شيء هي!، أي: ما أعظمها وأجلها وأشدها.
ومعنى الحاقة: التي تحق فيها الأمور ويجب فيها الجزاء على الأعمال.
قال ابن عباس: "الحاقة اسم من أسماء القيامة، عظمه الله وحذره عباده".
وقال قتادة: الحاقة: القيامة حقت لكل عامل ما عمله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْحَاقَّةُ﴾.
أي: وأي شيء يدريك ويعرفك أي شيء الحاقة؟! [وهذا] كله تعظيم ليوم القيامة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِٱلْقَارِعَةِ﴾.
أي: كذبت ثمود قوم صالح، وعاد قوم هود بالساعة التي تقرع قلوب العباد بهجومها عليهم.
قال ابن عباس: ﴿بِٱلْقَارِعَةِ﴾: بيوم القيامة.
وقال قتادة: بالساعة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ﴾.
أي: بطغيانهم وكفرهم بالله وباليوم الآخر.
قال مجاهد: ﴿بِٱلطَّاغِيَةِ﴾ بالذنوب.
قال ابن زيد: ﴿بِٱلطَّاغِيَةِ﴾ بطغيانهم، واستدل على ذلك بقوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ﴾ [الشمس: ١١] بالصيحة، كأنها صيحة تجاوزت مقادير الصياح فطغت عليهم. وهو اختيار الطبري؛ لأن الله إنما أخبر عن ثمود بالمعنى الذي أهلكوا به لا الذي أهلكوا من أجله (ودليل ذلك إخباره تعالى عن عاد بالمعنى الذي أهلكوا به وهو الريح ولم يخبر بالذي هلكوا من أجله).
وقيل: المعنى: بالفئة الطاغية.
(وقيل): بالفعلة الطاغية.
وقيل: بالجماعة الطاغية.
وقيل: المعنى: بالأخذة الطاغية. وسميت الآخذة طاغية لأنها جاوزت القدر في الشدّة. فالمعنى: فأهلكوا بالأخذة التي جاوزت القدر [فطغت عليهم]. دليله: قوله في عاد: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾، فذكر الشيء [الذي] أهلكوا به، فكذلك الأول.
وإنما ذكر الشيء الذي أهلكوا به لا الذي أهلكوا من أجله، فإنما وصف العذاب الذي أُهْلِكَ به الطائفتان، فهو ظاهر اللفظ وكُلٌّ قَدْ قِيل.
* *
- وقوله: ﴿عَاتِيَةٍ﴾.
ليس (هو) من العتو الذي هو العصيان، إنما هو من العتو الذي هو بلوغ الشيء وانتهاؤه في قوته وقدره، من قولهم: عتا: إذا بلغ منتهاه، ومنه قوله: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً﴾ [مريم: ٨].
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾.
أي: بريح شديدة العصوف مع شدة بردها.
قال ابن عباس: ﴿عَاتِيَةٍ﴾: أي: "مهلكة باردة عنت عليهم بغير رحمة ولا بركة (دائمة) لا تفتر".
قال قتادة: "الصرصر: الباردة، عتت عليهم حتى نقبت عن أفئدتهم. قال ابن عباس: ما أرسل الله من ريح قط إلا بمكيال، ولا أنزل قطرة إلا بمثقال إلا يوم نوح ويوم عاد، فإن الماء يوم نوح طغى على خَزّانه فلم يكن لهم عليه سبيل، ثم قرأ: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ﴾، قال: وإن الريح عتت على خَزّانها فلم يكن [لهم] [عليها] من سبيل، وقرأ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾.
وقال علي بن أبي طالب: لم تنزل قطرة من ماء إلا بكيل على يدي مَلك، فلما كان يوم نوح أذِنَ للماء دون الخزَّان، فطغى الماء على الجبال فخرج، فذلك قوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ﴾، ولم ينزل شيء من الريح إلا بمكيال على يَدَيْ مَلَك إِلاَّ يومَ عاد، فإنه أُذِنَ لَهَا دون الخُزَّان، فخرجت فذلك قوله: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ عتت على الخزان.
قال ابن زيد: "الصرصر [الشديدة]، والعاتية: القاهرة التي عتت عليهم فقهرتهم".
قال الضحاك: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ يعني: باردة، ﴿عَاتِيَةٍ﴾ يعني: عتت عليهم بغير رحمة ولا بركة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾
أي: سخر تلك الريح على عاد ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾.
قال ابن عباس: ﴿حُسُوماً﴾: "تباعاً".
وقال مجاهد: متتابعة، [وقاله] عكرمة وقتادة.
(وعن قتادة)؛ متتابعات. وهو قول سفيان.
وقال ابن زيد: ﴿حُسُوماً﴾: تحسم كل شيء فلا تُبْقِي من عاد أحداً.
وذكر ابن زيد عن عاد أنه كان فيهم ثمانية رجال لهم خلق عظيم، فلما جاءتهم الريح قال بعضهم: قوموا بنا نرد هذا العذاب عن قومنا.
قال: فقاموا وَصَفُّوا في الوادي، فأوحى الله إلى تلك الريح أن تقلع كل يوم منهم واحداً وقرأ: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾ حتى بلغ ﴿خَاوِيَةٍ﴾.
قال ابن زيد: وإن كانت الريح لتمر بالظعينة فتستدير بها وبحمولتها ثم [تذهب] بهم في السماء ثم تكبهم على الرؤوس، ثم قرأ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُواْ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤].
قال: وكان قد أَمسك عنهم المطر، فقرأ حتى بلغ ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥] الآية.
قال: وما كانت الريح تقلع كل يوم من الثمانية إلا واحداً.
[قال]: فلما عذب الله قوم [هود] أبقى واحداً ينذر الناس.
والعرب تقول: حسمت الداء أي: قطعته (بمتابعة) العلاج (عليه)، وسيفٌ حسامٌ: أي: قاطعٌ.
وقيل: ﴿حُسُوماً﴾ جمع: حاسم، كجالس وجلوس.
وقيل: هو مصدر [أي: ذات] حسوم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ﴾
أي: فترى يا محمد قوم هود في تلك السبع الليالي والثمانية الأيام الحسوم صرعى قد أهلكوا.
* *
- ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾.
أي: كأنهم أصول نخل قد خَوت وتآكَلَتْ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ﴾.
أي: فهل ترى - يا محمد - لهم من جماعة باقية.
وقيل: من بقاء.
وقيل: (من) بقية.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَٱلْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ﴾.
أي وجاء فرعون ومن قبله من الأمم الماضية المكذبة بالفعلة الخاطئة.
ومن قرأ بكسر القاف وفتح الباء فمعناه: ومن معه من القِبْطِ.
وقد رد أبو عبيد هذه القراءة لأنه قد كان فيهم مؤمنون.
وهذا لا يلزم، لأنه لفظ عام معناه الخصوص، أي: ومَن قِبَلَهُ من أهل دينه.
- وقوله ﴿وَٱلْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ يعني قوم لوط الذين ائتفكت عليهم مدائِنُهم إذْ أُهْلِكُوا أي: انقلبت عليهم.
قال مجاهد: ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾: "بالخطايا".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً﴾.
أي: فعصى فرعون وقوم لوط رسول ربهم إليهم، والمعنى: فعصى كل قوم رسول ربهم إليهم.
وقيل: "رسول" هنا بمعنى "رسالة".
قال ابن عباس: ﴿أَخْذَةً رَّابِيَةً﴾ أي: "شديدة".
قال ابن زيد: رابية في الشر أي زائدة. ومنه الربا، ومنه: أربى فلان عَليك إذا أخذ أكثر من حقه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ﴾.
أي: لما طغى الماء على الخزنة - بإذن الله له فخرج أكثر مما تقدر عليه الخزنة وتجاوز حده. والطغيان مجاوزة الحد. فقيل: إنه طغى على خزنته فلم يعرفوا له قدراً، وذلك بأمر الله له. حملنا آباءكم في السفينة الجارية.
روي أنه زاد [فَعَلاَ كلّ شي] بقدر خمس عشرة [ذراعاً] قاله قتادة.
قال ابن جبير: طغى الماء وزاد غضباً لغضب الله.
الحاقة 69:5
قوله تعالى: ﴿ٱلْحَاقَّةُ * مَا ٱلْحَآقَّةُ﴾ إلى قوله: ﴿فِي ٱلْجَارِيَةِ﴾.
كأن الأصل: الحاقة، ما هي؟ لتقدم ذكرها، إلا أن إعادة الاسم بلفظه أفخم إذا لم يُشْكِل المعنى.
و "الحاقة" ابتداء، و "ما" ابتداء ثان، و "الحاقة": خبر "ما"، و "ما" وخبرها خبر عن "الحاقة" الأولى، ومثله: ﴿ٱلْقَارِعَةُ * مَا ٱلْقَارِعَةُ﴾. ومعنى الكلام أنه على التعظيم، والتقدير: الساعة الحاقة: أي شيء هي!، أي: ما أعظمها وأجلها وأشدها.
ومعنى الحاقة: التي تحق فيها الأمور ويجب فيها الجزاء على الأعمال.
قال ابن عباس: "الحاقة اسم من أسماء القيامة، عظمه الله وحذره عباده".
وقال قتادة: الحاقة: القيامة حقت لكل عامل ما عمله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْحَاقَّةُ﴾.
أي: وأي شيء يدريك ويعرفك أي شيء الحاقة؟! [وهذا] كله تعظيم ليوم القيامة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِٱلْقَارِعَةِ﴾.
أي: كذبت ثمود قوم صالح، وعاد قوم هود بالساعة التي تقرع قلوب العباد بهجومها عليهم.
قال ابن عباس: ﴿بِٱلْقَارِعَةِ﴾: بيوم القيامة.
وقال قتادة: بالساعة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ﴾.
أي: بطغيانهم وكفرهم بالله وباليوم الآخر.
قال مجاهد: ﴿بِٱلطَّاغِيَةِ﴾ بالذنوب.
قال ابن زيد: ﴿بِٱلطَّاغِيَةِ﴾ بطغيانهم، واستدل على ذلك بقوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ﴾ [الشمس: ١١] بالصيحة، كأنها صيحة تجاوزت مقادير الصياح فطغت عليهم. وهو اختيار الطبري؛ لأن الله إنما أخبر عن ثمود بالمعنى الذي أهلكوا به لا الذي أهلكوا من أجله (ودليل ذلك إخباره تعالى عن عاد بالمعنى الذي أهلكوا به وهو الريح ولم يخبر بالذي هلكوا من أجله).
وقيل: المعنى: بالفئة الطاغية.
(وقيل): بالفعلة الطاغية.
وقيل: بالجماعة الطاغية.
وقيل: المعنى: بالأخذة الطاغية. وسميت الآخذة طاغية لأنها جاوزت القدر في الشدّة. فالمعنى: فأهلكوا بالأخذة التي جاوزت القدر [فطغت عليهم]. دليله: قوله في عاد: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾، فذكر الشيء [الذي] أهلكوا به، فكذلك الأول.
وإنما ذكر الشيء الذي أهلكوا به لا الذي أهلكوا من أجله، فإنما وصف العذاب الذي أُهْلِكَ به الطائفتان، فهو ظاهر اللفظ وكُلٌّ قَدْ قِيل.
* *
- وقوله: ﴿عَاتِيَةٍ﴾.
ليس (هو) من العتو الذي هو العصيان، إنما هو من العتو الذي هو بلوغ الشيء وانتهاؤه في قوته وقدره، من قولهم: عتا: إذا بلغ منتهاه، ومنه قوله: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً﴾ [مريم: ٨].
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾.
أي: بريح شديدة العصوف مع شدة بردها.
قال ابن عباس: ﴿عَاتِيَةٍ﴾: أي: "مهلكة باردة عنت عليهم بغير رحمة ولا بركة (دائمة) لا تفتر".
قال قتادة: "الصرصر: الباردة، عتت عليهم حتى نقبت عن أفئدتهم. قال ابن عباس: ما أرسل الله من ريح قط إلا بمكيال، ولا أنزل قطرة إلا بمثقال إلا يوم نوح ويوم عاد، فإن الماء يوم نوح طغى على خَزّانه فلم يكن لهم عليه سبيل، ثم قرأ: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ﴾، قال: وإن الريح عتت على خَزّانها فلم يكن [لهم] [عليها] من سبيل، وقرأ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾.
وقال علي بن أبي طالب: لم تنزل قطرة من ماء إلا بكيل على يدي مَلك، فلما كان يوم نوح أذِنَ للماء دون الخزَّان، فطغى الماء على الجبال فخرج، فذلك قوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ﴾، ولم ينزل شيء من الريح إلا بمكيال على يَدَيْ مَلَك إِلاَّ يومَ عاد، فإنه أُذِنَ لَهَا دون الخُزَّان، فخرجت فذلك قوله: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ عتت على الخزان.
قال ابن زيد: "الصرصر [الشديدة]، والعاتية: القاهرة التي عتت عليهم فقهرتهم".
قال الضحاك: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ يعني: باردة، ﴿عَاتِيَةٍ﴾ يعني: عتت عليهم بغير رحمة ولا بركة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾
أي: سخر تلك الريح على عاد ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾.
قال ابن عباس: ﴿حُسُوماً﴾: "تباعاً".
وقال مجاهد: متتابعة، [وقاله] عكرمة وقتادة.
(وعن قتادة)؛ متتابعات. وهو قول سفيان.
وقال ابن زيد: ﴿حُسُوماً﴾: تحسم كل شيء فلا تُبْقِي من عاد أحداً.
وذكر ابن زيد عن عاد أنه كان فيهم ثمانية رجال لهم خلق عظيم، فلما جاءتهم الريح قال بعضهم: قوموا بنا نرد هذا العذاب عن قومنا.
قال: فقاموا وَصَفُّوا في الوادي، فأوحى الله إلى تلك الريح أن تقلع كل يوم منهم واحداً وقرأ: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾ حتى بلغ ﴿خَاوِيَةٍ﴾.
قال ابن زيد: وإن كانت الريح لتمر بالظعينة فتستدير بها وبحمولتها ثم [تذهب] بهم في السماء ثم تكبهم على الرؤوس، ثم قرأ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُواْ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤].
قال: وكان قد أَمسك عنهم المطر، فقرأ حتى بلغ ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥] الآية.
قال: وما كانت الريح تقلع كل يوم من الثمانية إلا واحداً.
[قال]: فلما عذب الله قوم [هود] أبقى واحداً ينذر الناس.
والعرب تقول: حسمت الداء أي: قطعته (بمتابعة) العلاج (عليه)، وسيفٌ حسامٌ: أي: قاطعٌ.
وقيل: ﴿حُسُوماً﴾ جمع: حاسم، كجالس وجلوس.
وقيل: هو مصدر [أي: ذات] حسوم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ﴾
أي: فترى يا محمد قوم هود في تلك السبع الليالي والثمانية الأيام الحسوم صرعى قد أهلكوا.
* *
- ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾.
أي: كأنهم أصول نخل قد خَوت وتآكَلَتْ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ﴾.
أي: فهل ترى - يا محمد - لهم من جماعة باقية.
وقيل: من بقاء.
وقيل: (من) بقية.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَٱلْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ﴾.
أي وجاء فرعون ومن قبله من الأمم الماضية المكذبة بالفعلة الخاطئة.
ومن قرأ بكسر القاف وفتح الباء فمعناه: ومن معه من القِبْطِ.
وقد رد أبو عبيد هذه القراءة لأنه قد كان فيهم مؤمنون.
وهذا لا يلزم، لأنه لفظ عام معناه الخصوص، أي: ومَن قِبَلَهُ من أهل دينه.
- وقوله ﴿وَٱلْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ يعني قوم لوط الذين ائتفكت عليهم مدائِنُهم إذْ أُهْلِكُوا أي: انقلبت عليهم.
قال مجاهد: ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾: "بالخطايا".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً﴾.
أي: فعصى فرعون وقوم لوط رسول ربهم إليهم، والمعنى: فعصى كل قوم رسول ربهم إليهم.
وقيل: "رسول" هنا بمعنى "رسالة".
قال ابن عباس: ﴿أَخْذَةً رَّابِيَةً﴾ أي: "شديدة".
قال ابن زيد: رابية في الشر أي زائدة. ومنه الربا، ومنه: أربى فلان عَليك إذا أخذ أكثر من حقه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ﴾.
أي: لما طغى الماء على الخزنة - بإذن الله له فخرج أكثر مما تقدر عليه الخزنة وتجاوز حده. والطغيان مجاوزة الحد. فقيل: إنه طغى على خزنته فلم يعرفوا له قدراً، وذلك بأمر الله له. حملنا آباءكم في السفينة الجارية.
روي أنه زاد [فَعَلاَ كلّ شي] بقدر خمس عشرة [ذراعاً] قاله قتادة.
قال ابن جبير: طغى الماء وزاد غضباً لغضب الله.
الحاقة 69:6
قوله تعالى: ﴿ٱلْحَاقَّةُ * مَا ٱلْحَآقَّةُ﴾ إلى قوله: ﴿فِي ٱلْجَارِيَةِ﴾.
كأن الأصل: الحاقة، ما هي؟ لتقدم ذكرها، إلا أن إعادة الاسم بلفظه أفخم إذا لم يُشْكِل المعنى.
و "الحاقة" ابتداء، و "ما" ابتداء ثان، و "الحاقة": خبر "ما"، و "ما" وخبرها خبر عن "الحاقة" الأولى، ومثله: ﴿ٱلْقَارِعَةُ * مَا ٱلْقَارِعَةُ﴾. ومعنى الكلام أنه على التعظيم، والتقدير: الساعة الحاقة: أي شيء هي!، أي: ما أعظمها وأجلها وأشدها.
ومعنى الحاقة: التي تحق فيها الأمور ويجب فيها الجزاء على الأعمال.
قال ابن عباس: "الحاقة اسم من أسماء القيامة، عظمه الله وحذره عباده".
وقال قتادة: الحاقة: القيامة حقت لكل عامل ما عمله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْحَاقَّةُ﴾.
أي: وأي شيء يدريك ويعرفك أي شيء الحاقة؟! [وهذا] كله تعظيم ليوم القيامة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِٱلْقَارِعَةِ﴾.
أي: كذبت ثمود قوم صالح، وعاد قوم هود بالساعة التي تقرع قلوب العباد بهجومها عليهم.
قال ابن عباس: ﴿بِٱلْقَارِعَةِ﴾: بيوم القيامة.
وقال قتادة: بالساعة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ﴾.
أي: بطغيانهم وكفرهم بالله وباليوم الآخر.
قال مجاهد: ﴿بِٱلطَّاغِيَةِ﴾ بالذنوب.
قال ابن زيد: ﴿بِٱلطَّاغِيَةِ﴾ بطغيانهم، واستدل على ذلك بقوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ﴾ [الشمس: ١١] بالصيحة، كأنها صيحة تجاوزت مقادير الصياح فطغت عليهم. وهو اختيار الطبري؛ لأن الله إنما أخبر عن ثمود بالمعنى الذي أهلكوا به لا الذي أهلكوا من أجله (ودليل ذلك إخباره تعالى عن عاد بالمعنى الذي أهلكوا به وهو الريح ولم يخبر بالذي هلكوا من أجله).
وقيل: المعنى: بالفئة الطاغية.
(وقيل): بالفعلة الطاغية.
وقيل: بالجماعة الطاغية.
وقيل: المعنى: بالأخذة الطاغية. وسميت الآخذة طاغية لأنها جاوزت القدر في الشدّة. فالمعنى: فأهلكوا بالأخذة التي جاوزت القدر [فطغت عليهم]. دليله: قوله في عاد: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾، فذكر الشيء [الذي] أهلكوا به، فكذلك الأول.
وإنما ذكر الشيء الذي أهلكوا به لا الذي أهلكوا من أجله، فإنما وصف العذاب الذي أُهْلِكَ به الطائفتان، فهو ظاهر اللفظ وكُلٌّ قَدْ قِيل.
* *
- وقوله: ﴿عَاتِيَةٍ﴾.
ليس (هو) من العتو الذي هو العصيان، إنما هو من العتو الذي هو بلوغ الشيء وانتهاؤه في قوته وقدره، من قولهم: عتا: إذا بلغ منتهاه، ومنه قوله: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً﴾ [مريم: ٨].
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾.
أي: بريح شديدة العصوف مع شدة بردها.
قال ابن عباس: ﴿عَاتِيَةٍ﴾: أي: "مهلكة باردة عنت عليهم بغير رحمة ولا بركة (دائمة) لا تفتر".
قال قتادة: "الصرصر: الباردة، عتت عليهم حتى نقبت عن أفئدتهم. قال ابن عباس: ما أرسل الله من ريح قط إلا بمكيال، ولا أنزل قطرة إلا بمثقال إلا يوم نوح ويوم عاد، فإن الماء يوم نوح طغى على خَزّانه فلم يكن لهم عليه سبيل، ثم قرأ: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ﴾، قال: وإن الريح عتت على خَزّانها فلم يكن [لهم] [عليها] من سبيل، وقرأ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾.
وقال علي بن أبي طالب: لم تنزل قطرة من ماء إلا بكيل على يدي مَلك، فلما كان يوم نوح أذِنَ للماء دون الخزَّان، فطغى الماء على الجبال فخرج، فذلك قوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ﴾، ولم ينزل شيء من الريح إلا بمكيال على يَدَيْ مَلَك إِلاَّ يومَ عاد، فإنه أُذِنَ لَهَا دون الخُزَّان، فخرجت فذلك قوله: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ عتت على الخزان.
قال ابن زيد: "الصرصر [الشديدة]، والعاتية: القاهرة التي عتت عليهم فقهرتهم".
قال الضحاك: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ يعني: باردة، ﴿عَاتِيَةٍ﴾ يعني: عتت عليهم بغير رحمة ولا بركة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾
أي: سخر تلك الريح على عاد ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾.
قال ابن عباس: ﴿حُسُوماً﴾: "تباعاً".
وقال مجاهد: متتابعة، [وقاله] عكرمة وقتادة.
(وعن قتادة)؛ متتابعات. وهو قول سفيان.
وقال ابن زيد: ﴿حُسُوماً﴾: تحسم كل شيء فلا تُبْقِي من عاد أحداً.
وذكر ابن زيد عن عاد أنه كان فيهم ثمانية رجال لهم خلق عظيم، فلما جاءتهم الريح قال بعضهم: قوموا بنا نرد هذا العذاب عن قومنا.
قال: فقاموا وَصَفُّوا في الوادي، فأوحى الله إلى تلك الريح أن تقلع كل يوم منهم واحداً وقرأ: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾ حتى بلغ ﴿خَاوِيَةٍ﴾.
قال ابن زيد: وإن كانت الريح لتمر بالظعينة فتستدير بها وبحمولتها ثم [تذهب] بهم في السماء ثم تكبهم على الرؤوس، ثم قرأ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُواْ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤].
قال: وكان قد أَمسك عنهم المطر، فقرأ حتى بلغ ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥] الآية.
قال: وما كانت الريح تقلع كل يوم من الثمانية إلا واحداً.
[قال]: فلما عذب الله قوم [هود] أبقى واحداً ينذر الناس.
والعرب تقول: حسمت الداء أي: قطعته (بمتابعة) العلاج (عليه)، وسيفٌ حسامٌ: أي: قاطعٌ.
وقيل: ﴿حُسُوماً﴾ جمع: حاسم، كجالس وجلوس.
وقيل: هو مصدر [أي: ذات] حسوم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ﴾
أي: فترى يا محمد قوم هود في تلك السبع الليالي والثمانية الأيام الحسوم صرعى قد أهلكوا.
* *
- ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾.
أي: كأنهم أصول نخل قد خَوت وتآكَلَتْ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ﴾.
أي: فهل ترى - يا محمد - لهم من جماعة باقية.
وقيل: من بقاء.
وقيل: (من) بقية.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَٱلْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ﴾.
أي وجاء فرعون ومن قبله من الأمم الماضية المكذبة بالفعلة الخاطئة.
ومن قرأ بكسر القاف وفتح الباء فمعناه: ومن معه من القِبْطِ.
وقد رد أبو عبيد هذه القراءة لأنه قد كان فيهم مؤمنون.
وهذا لا يلزم، لأنه لفظ عام معناه الخصوص، أي: ومَن قِبَلَهُ من أهل دينه.
- وقوله ﴿وَٱلْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ يعني قوم لوط الذين ائتفكت عليهم مدائِنُهم إذْ أُهْلِكُوا أي: انقلبت عليهم.
قال مجاهد: ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾: "بالخطايا".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً﴾.
أي: فعصى فرعون وقوم لوط رسول ربهم إليهم، والمعنى: فعصى كل قوم رسول ربهم إليهم.
وقيل: "رسول" هنا بمعنى "رسالة".
قال ابن عباس: ﴿أَخْذَةً رَّابِيَةً﴾ أي: "شديدة".
قال ابن زيد: رابية في الشر أي زائدة. ومنه الربا، ومنه: أربى فلان عَليك إذا أخذ أكثر من حقه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ﴾.
أي: لما طغى الماء على الخزنة - بإذن الله له فخرج أكثر مما تقدر عليه الخزنة وتجاوز حده. والطغيان مجاوزة الحد. فقيل: إنه طغى على خزنته فلم يعرفوا له قدراً، وذلك بأمر الله له. حملنا آباءكم في السفينة الجارية.
روي أنه زاد [فَعَلاَ كلّ شي] بقدر خمس عشرة [ذراعاً] قاله قتادة.
قال ابن جبير: طغى الماء وزاد غضباً لغضب الله.
الحاقة 69:7
قوله تعالى: ﴿ٱلْحَاقَّةُ * مَا ٱلْحَآقَّةُ﴾ إلى قوله: ﴿فِي ٱلْجَارِيَةِ﴾.
كأن الأصل: الحاقة، ما هي؟ لتقدم ذكرها، إلا أن إعادة الاسم بلفظه أفخم إذا لم يُشْكِل المعنى.
و "الحاقة" ابتداء، و "ما" ابتداء ثان، و "الحاقة": خبر "ما"، و "ما" وخبرها خبر عن "الحاقة" الأولى، ومثله: ﴿ٱلْقَارِعَةُ * مَا ٱلْقَارِعَةُ﴾. ومعنى الكلام أنه على التعظيم، والتقدير: الساعة الحاقة: أي شيء هي!، أي: ما أعظمها وأجلها وأشدها.
ومعنى الحاقة: التي تحق فيها الأمور ويجب فيها الجزاء على الأعمال.
قال ابن عباس: "الحاقة اسم من أسماء القيامة، عظمه الله وحذره عباده".
وقال قتادة: الحاقة: القيامة حقت لكل عامل ما عمله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْحَاقَّةُ﴾.
أي: وأي شيء يدريك ويعرفك أي شيء الحاقة؟! [وهذا] كله تعظيم ليوم القيامة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِٱلْقَارِعَةِ﴾.
أي: كذبت ثمود قوم صالح، وعاد قوم هود بالساعة التي تقرع قلوب العباد بهجومها عليهم.
قال ابن عباس: ﴿بِٱلْقَارِعَةِ﴾: بيوم القيامة.
وقال قتادة: بالساعة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ﴾.
أي: بطغيانهم وكفرهم بالله وباليوم الآخر.
قال مجاهد: ﴿بِٱلطَّاغِيَةِ﴾ بالذنوب.
قال ابن زيد: ﴿بِٱلطَّاغِيَةِ﴾ بطغيانهم، واستدل على ذلك بقوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ﴾ [الشمس: ١١] بالصيحة، كأنها صيحة تجاوزت مقادير الصياح فطغت عليهم. وهو اختيار الطبري؛ لأن الله إنما أخبر عن ثمود بالمعنى الذي أهلكوا به لا الذي أهلكوا من أجله (ودليل ذلك إخباره تعالى عن عاد بالمعنى الذي أهلكوا به وهو الريح ولم يخبر بالذي هلكوا من أجله).
وقيل: المعنى: بالفئة الطاغية.
(وقيل): بالفعلة الطاغية.
وقيل: بالجماعة الطاغية.
وقيل: المعنى: بالأخذة الطاغية. وسميت الآخذة طاغية لأنها جاوزت القدر في الشدّة. فالمعنى: فأهلكوا بالأخذة التي جاوزت القدر [فطغت عليهم]. دليله: قوله في عاد: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾، فذكر الشيء [الذي] أهلكوا به، فكذلك الأول.
وإنما ذكر الشيء الذي أهلكوا به لا الذي أهلكوا من أجله، فإنما وصف العذاب الذي أُهْلِكَ به الطائفتان، فهو ظاهر اللفظ وكُلٌّ قَدْ قِيل.
* *
- وقوله: ﴿عَاتِيَةٍ﴾.
ليس (هو) من العتو الذي هو العصيان، إنما هو من العتو الذي هو بلوغ الشيء وانتهاؤه في قوته وقدره، من قولهم: عتا: إذا بلغ منتهاه، ومنه قوله: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً﴾ [مريم: ٨].
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾.
أي: بريح شديدة العصوف مع شدة بردها.
قال ابن عباس: ﴿عَاتِيَةٍ﴾: أي: "مهلكة باردة عنت عليهم بغير رحمة ولا بركة (دائمة) لا تفتر".
قال قتادة: "الصرصر: الباردة، عتت عليهم حتى نقبت عن أفئدتهم. قال ابن عباس: ما أرسل الله من ريح قط إلا بمكيال، ولا أنزل قطرة إلا بمثقال إلا يوم نوح ويوم عاد، فإن الماء يوم نوح طغى على خَزّانه فلم يكن لهم عليه سبيل، ثم قرأ: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ﴾، قال: وإن الريح عتت على خَزّانها فلم يكن [لهم] [عليها] من سبيل، وقرأ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾.
وقال علي بن أبي طالب: لم تنزل قطرة من ماء إلا بكيل على يدي مَلك، فلما كان يوم نوح أذِنَ للماء دون الخزَّان، فطغى الماء على الجبال فخرج، فذلك قوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ﴾، ولم ينزل شيء من الريح إلا بمكيال على يَدَيْ مَلَك إِلاَّ يومَ عاد، فإنه أُذِنَ لَهَا دون الخُزَّان، فخرجت فذلك قوله: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ عتت على الخزان.
قال ابن زيد: "الصرصر [الشديدة]، والعاتية: القاهرة التي عتت عليهم فقهرتهم".
قال الضحاك: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ يعني: باردة، ﴿عَاتِيَةٍ﴾ يعني: عتت عليهم بغير رحمة ولا بركة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾
أي: سخر تلك الريح على عاد ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾.
قال ابن عباس: ﴿حُسُوماً﴾: "تباعاً".
وقال مجاهد: متتابعة، [وقاله] عكرمة وقتادة.
(وعن قتادة)؛ متتابعات. وهو قول سفيان.
وقال ابن زيد: ﴿حُسُوماً﴾: تحسم كل شيء فلا تُبْقِي من عاد أحداً.
وذكر ابن زيد عن عاد أنه كان فيهم ثمانية رجال لهم خلق عظيم، فلما جاءتهم الريح قال بعضهم: قوموا بنا نرد هذا العذاب عن قومنا.
قال: فقاموا وَصَفُّوا في الوادي، فأوحى الله إلى تلك الريح أن تقلع كل يوم منهم واحداً وقرأ: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾ حتى بلغ ﴿خَاوِيَةٍ﴾.
قال ابن زيد: وإن كانت الريح لتمر بالظعينة فتستدير بها وبحمولتها ثم [تذهب] بهم في السماء ثم تكبهم على الرؤوس، ثم قرأ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُواْ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤].
قال: وكان قد أَمسك عنهم المطر، فقرأ حتى بلغ ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥] الآية.
قال: وما كانت الريح تقلع كل يوم من الثمانية إلا واحداً.
[قال]: فلما عذب الله قوم [هود] أبقى واحداً ينذر الناس.
والعرب تقول: حسمت الداء أي: قطعته (بمتابعة) العلاج (عليه)، وسيفٌ حسامٌ: أي: قاطعٌ.
وقيل: ﴿حُسُوماً﴾ جمع: حاسم، كجالس وجلوس.
وقيل: هو مصدر [أي: ذات] حسوم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ﴾
أي: فترى يا محمد قوم هود في تلك السبع الليالي والثمانية الأيام الحسوم صرعى قد أهلكوا.
* *
- ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾.
أي: كأنهم أصول نخل قد خَوت وتآكَلَتْ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ﴾.
أي: فهل ترى - يا محمد - لهم من جماعة باقية.
وقيل: من بقاء.
وقيل: (من) بقية.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَٱلْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ﴾.
أي وجاء فرعون ومن قبله من الأمم الماضية المكذبة بالفعلة الخاطئة.
ومن قرأ بكسر القاف وفتح الباء فمعناه: ومن معه من القِبْطِ.
وقد رد أبو عبيد هذه القراءة لأنه قد كان فيهم مؤمنون.
وهذا لا يلزم، لأنه لفظ عام معناه الخصوص، أي: ومَن قِبَلَهُ من أهل دينه.
- وقوله ﴿وَٱلْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ يعني قوم لوط الذين ائتفكت عليهم مدائِنُهم إذْ أُهْلِكُوا أي: انقلبت عليهم.
قال مجاهد: ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾: "بالخطايا".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً﴾.
أي: فعصى فرعون وقوم لوط رسول ربهم إليهم، والمعنى: فعصى كل قوم رسول ربهم إليهم.
وقيل: "رسول" هنا بمعنى "رسالة".
قال ابن عباس: ﴿أَخْذَةً رَّابِيَةً﴾ أي: "شديدة".
قال ابن زيد: رابية في الشر أي زائدة. ومنه الربا، ومنه: أربى فلان عَليك إذا أخذ أكثر من حقه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ﴾.
أي: لما طغى الماء على الخزنة - بإذن الله له فخرج أكثر مما تقدر عليه الخزنة وتجاوز حده. والطغيان مجاوزة الحد. فقيل: إنه طغى على خزنته فلم يعرفوا له قدراً، وذلك بأمر الله له. حملنا آباءكم في السفينة الجارية.
روي أنه زاد [فَعَلاَ كلّ شي] بقدر خمس عشرة [ذراعاً] قاله قتادة.
قال ابن جبير: طغى الماء وزاد غضباً لغضب الله.
الحاقة 69:8
قوله تعالى: ﴿ٱلْحَاقَّةُ * مَا ٱلْحَآقَّةُ﴾ إلى قوله: ﴿فِي ٱلْجَارِيَةِ﴾.
كأن الأصل: الحاقة، ما هي؟ لتقدم ذكرها، إلا أن إعادة الاسم بلفظه أفخم إذا لم يُشْكِل المعنى.
و "الحاقة" ابتداء، و "ما" ابتداء ثان، و "الحاقة": خبر "ما"، و "ما" وخبرها خبر عن "الحاقة" الأولى، ومثله: ﴿ٱلْقَارِعَةُ * مَا ٱلْقَارِعَةُ﴾. ومعنى الكلام أنه على التعظيم، والتقدير: الساعة الحاقة: أي شيء هي!، أي: ما أعظمها وأجلها وأشدها.
ومعنى الحاقة: التي تحق فيها الأمور ويجب فيها الجزاء على الأعمال.
قال ابن عباس: "الحاقة اسم من أسماء القيامة، عظمه الله وحذره عباده".
وقال قتادة: الحاقة: القيامة حقت لكل عامل ما عمله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْحَاقَّةُ﴾.
أي: وأي شيء يدريك ويعرفك أي شيء الحاقة؟! [وهذا] كله تعظيم ليوم القيامة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِٱلْقَارِعَةِ﴾.
أي: كذبت ثمود قوم صالح، وعاد قوم هود بالساعة التي تقرع قلوب العباد بهجومها عليهم.
قال ابن عباس: ﴿بِٱلْقَارِعَةِ﴾: بيوم القيامة.
وقال قتادة: بالساعة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ﴾.
أي: بطغيانهم وكفرهم بالله وباليوم الآخر.
قال مجاهد: ﴿بِٱلطَّاغِيَةِ﴾ بالذنوب.
قال ابن زيد: ﴿بِٱلطَّاغِيَةِ﴾ بطغيانهم، واستدل على ذلك بقوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ﴾ [الشمس: ١١] بالصيحة، كأنها صيحة تجاوزت مقادير الصياح فطغت عليهم. وهو اختيار الطبري؛ لأن الله إنما أخبر عن ثمود بالمعنى الذي أهلكوا به لا الذي أهلكوا من أجله (ودليل ذلك إخباره تعالى عن عاد بالمعنى الذي أهلكوا به وهو الريح ولم يخبر بالذي هلكوا من أجله).
وقيل: المعنى: بالفئة الطاغية.
(وقيل): بالفعلة الطاغية.
وقيل: بالجماعة الطاغية.
وقيل: المعنى: بالأخذة الطاغية. وسميت الآخذة طاغية لأنها جاوزت القدر في الشدّة. فالمعنى: فأهلكوا بالأخذة التي جاوزت القدر [فطغت عليهم]. دليله: قوله في عاد: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾، فذكر الشيء [الذي] أهلكوا به، فكذلك الأول.
وإنما ذكر الشيء الذي أهلكوا به لا الذي أهلكوا من أجله، فإنما وصف العذاب الذي أُهْلِكَ به الطائفتان، فهو ظاهر اللفظ وكُلٌّ قَدْ قِيل.
* *
- وقوله: ﴿عَاتِيَةٍ﴾.
ليس (هو) من العتو الذي هو العصيان، إنما هو من العتو الذي هو بلوغ الشيء وانتهاؤه في قوته وقدره، من قولهم: عتا: إذا بلغ منتهاه، ومنه قوله: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً﴾ [مريم: ٨].
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾.
أي: بريح شديدة العصوف مع شدة بردها.
قال ابن عباس: ﴿عَاتِيَةٍ﴾: أي: "مهلكة باردة عنت عليهم بغير رحمة ولا بركة (دائمة) لا تفتر".
قال قتادة: "الصرصر: الباردة، عتت عليهم حتى نقبت عن أفئدتهم. قال ابن عباس: ما أرسل الله من ريح قط إلا بمكيال، ولا أنزل قطرة إلا بمثقال إلا يوم نوح ويوم عاد، فإن الماء يوم نوح طغى على خَزّانه فلم يكن لهم عليه سبيل، ثم قرأ: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ﴾، قال: وإن الريح عتت على خَزّانها فلم يكن [لهم] [عليها] من سبيل، وقرأ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾.
وقال علي بن أبي طالب: لم تنزل قطرة من ماء إلا بكيل على يدي مَلك، فلما كان يوم نوح أذِنَ للماء دون الخزَّان، فطغى الماء على الجبال فخرج، فذلك قوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ﴾، ولم ينزل شيء من الريح إلا بمكيال على يَدَيْ مَلَك إِلاَّ يومَ عاد، فإنه أُذِنَ لَهَا دون الخُزَّان، فخرجت فذلك قوله: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ عتت على الخزان.
قال ابن زيد: "الصرصر [الشديدة]، والعاتية: القاهرة التي عتت عليهم فقهرتهم".
قال الضحاك: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ يعني: باردة، ﴿عَاتِيَةٍ﴾ يعني: عتت عليهم بغير رحمة ولا بركة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾
أي: سخر تلك الريح على عاد ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾.
قال ابن عباس: ﴿حُسُوماً﴾: "تباعاً".
وقال مجاهد: متتابعة، [وقاله] عكرمة وقتادة.
(وعن قتادة)؛ متتابعات. وهو قول سفيان.
وقال ابن زيد: ﴿حُسُوماً﴾: تحسم كل شيء فلا تُبْقِي من عاد أحداً.
وذكر ابن زيد عن عاد أنه كان فيهم ثمانية رجال لهم خلق عظيم، فلما جاءتهم الريح قال بعضهم: قوموا بنا نرد هذا العذاب عن قومنا.
قال: فقاموا وَصَفُّوا في الوادي، فأوحى الله إلى تلك الريح أن تقلع كل يوم منهم واحداً وقرأ: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾ حتى بلغ ﴿خَاوِيَةٍ﴾.
قال ابن زيد: وإن كانت الريح لتمر بالظعينة فتستدير بها وبحمولتها ثم [تذهب] بهم في السماء ثم تكبهم على الرؤوس، ثم قرأ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُواْ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤].
قال: وكان قد أَمسك عنهم المطر، فقرأ حتى بلغ ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥] الآية.
قال: وما كانت الريح تقلع كل يوم من الثمانية إلا واحداً.
[قال]: فلما عذب الله قوم [هود] أبقى واحداً ينذر الناس.
والعرب تقول: حسمت الداء أي: قطعته (بمتابعة) العلاج (عليه)، وسيفٌ حسامٌ: أي: قاطعٌ.
وقيل: ﴿حُسُوماً﴾ جمع: حاسم، كجالس وجلوس.
وقيل: هو مصدر [أي: ذات] حسوم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ﴾
أي: فترى يا محمد قوم هود في تلك السبع الليالي والثمانية الأيام الحسوم صرعى قد أهلكوا.
* *
- ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾.
أي: كأنهم أصول نخل قد خَوت وتآكَلَتْ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ﴾.
أي: فهل ترى - يا محمد - لهم من جماعة باقية.
وقيل: من بقاء.
وقيل: (من) بقية.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَٱلْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ﴾.
أي وجاء فرعون ومن قبله من الأمم الماضية المكذبة بالفعلة الخاطئة.
ومن قرأ بكسر القاف وفتح الباء فمعناه: ومن معه من القِبْطِ.
وقد رد أبو عبيد هذه القراءة لأنه قد كان فيهم مؤمنون.
وهذا لا يلزم، لأنه لفظ عام معناه الخصوص، أي: ومَن قِبَلَهُ من أهل دينه.
- وقوله ﴿وَٱلْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ يعني قوم لوط الذين ائتفكت عليهم مدائِنُهم إذْ أُهْلِكُوا أي: انقلبت عليهم.
قال مجاهد: ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾: "بالخطايا".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً﴾.
أي: فعصى فرعون وقوم لوط رسول ربهم إليهم، والمعنى: فعصى كل قوم رسول ربهم إليهم.
وقيل: "رسول" هنا بمعنى "رسالة".
قال ابن عباس: ﴿أَخْذَةً رَّابِيَةً﴾ أي: "شديدة".
قال ابن زيد: رابية في الشر أي زائدة. ومنه الربا، ومنه: أربى فلان عَليك إذا أخذ أكثر من حقه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ﴾.
أي: لما طغى الماء على الخزنة - بإذن الله له فخرج أكثر مما تقدر عليه الخزنة وتجاوز حده. والطغيان مجاوزة الحد. فقيل: إنه طغى على خزنته فلم يعرفوا له قدراً، وذلك بأمر الله له. حملنا آباءكم في السفينة الجارية.
روي أنه زاد [فَعَلاَ كلّ شي] بقدر خمس عشرة [ذراعاً] قاله قتادة.
قال ابن جبير: طغى الماء وزاد غضباً لغضب الله.
الحاقة 69:9
قوله تعالى: ﴿ٱلْحَاقَّةُ * مَا ٱلْحَآقَّةُ﴾ إلى قوله: ﴿فِي ٱلْجَارِيَةِ﴾.
كأن الأصل: الحاقة، ما هي؟ لتقدم ذكرها، إلا أن إعادة الاسم بلفظه أفخم إذا لم يُشْكِل المعنى.
و "الحاقة" ابتداء، و "ما" ابتداء ثان، و "الحاقة": خبر "ما"، و "ما" وخبرها خبر عن "الحاقة" الأولى، ومثله: ﴿ٱلْقَارِعَةُ * مَا ٱلْقَارِعَةُ﴾. ومعنى الكلام أنه على التعظيم، والتقدير: الساعة الحاقة: أي شيء هي!، أي: ما أعظمها وأجلها وأشدها.
ومعنى الحاقة: التي تحق فيها الأمور ويجب فيها الجزاء على الأعمال.
قال ابن عباس: "الحاقة اسم من أسماء القيامة، عظمه الله وحذره عباده".
وقال قتادة: الحاقة: القيامة حقت لكل عامل ما عمله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْحَاقَّةُ﴾.
أي: وأي شيء يدريك ويعرفك أي شيء الحاقة؟! [وهذا] كله تعظيم ليوم القيامة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِٱلْقَارِعَةِ﴾.
أي: كذبت ثمود قوم صالح، وعاد قوم هود بالساعة التي تقرع قلوب العباد بهجومها عليهم.
قال ابن عباس: ﴿بِٱلْقَارِعَةِ﴾: بيوم القيامة.
وقال قتادة: بالساعة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ﴾.
أي: بطغيانهم وكفرهم بالله وباليوم الآخر.
قال مجاهد: ﴿بِٱلطَّاغِيَةِ﴾ بالذنوب.
قال ابن زيد: ﴿بِٱلطَّاغِيَةِ﴾ بطغيانهم، واستدل على ذلك بقوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ﴾ [الشمس: ١١] بالصيحة، كأنها صيحة تجاوزت مقادير الصياح فطغت عليهم. وهو اختيار الطبري؛ لأن الله إنما أخبر عن ثمود بالمعنى الذي أهلكوا به لا الذي أهلكوا من أجله (ودليل ذلك إخباره تعالى عن عاد بالمعنى الذي أهلكوا به وهو الريح ولم يخبر بالذي هلكوا من أجله).
وقيل: المعنى: بالفئة الطاغية.
(وقيل): بالفعلة الطاغية.
وقيل: بالجماعة الطاغية.
وقيل: المعنى: بالأخذة الطاغية. وسميت الآخذة طاغية لأنها جاوزت القدر في الشدّة. فالمعنى: فأهلكوا بالأخذة التي جاوزت القدر [فطغت عليهم]. دليله: قوله في عاد: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾، فذكر الشيء [الذي] أهلكوا به، فكذلك الأول.
وإنما ذكر الشيء الذي أهلكوا به لا الذي أهلكوا من أجله، فإنما وصف العذاب الذي أُهْلِكَ به الطائفتان، فهو ظاهر اللفظ وكُلٌّ قَدْ قِيل.
* *
- وقوله: ﴿عَاتِيَةٍ﴾.
ليس (هو) من العتو الذي هو العصيان، إنما هو من العتو الذي هو بلوغ الشيء وانتهاؤه في قوته وقدره، من قولهم: عتا: إذا بلغ منتهاه، ومنه قوله: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً﴾ [مريم: ٨].
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾.
أي: بريح شديدة العصوف مع شدة بردها.
قال ابن عباس: ﴿عَاتِيَةٍ﴾: أي: "مهلكة باردة عنت عليهم بغير رحمة ولا بركة (دائمة) لا تفتر".
قال قتادة: "الصرصر: الباردة، عتت عليهم حتى نقبت عن أفئدتهم. قال ابن عباس: ما أرسل الله من ريح قط إلا بمكيال، ولا أنزل قطرة إلا بمثقال إلا يوم نوح ويوم عاد، فإن الماء يوم نوح طغى على خَزّانه فلم يكن لهم عليه سبيل، ثم قرأ: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ﴾، قال: وإن الريح عتت على خَزّانها فلم يكن [لهم] [عليها] من سبيل، وقرأ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾.
وقال علي بن أبي طالب: لم تنزل قطرة من ماء إلا بكيل على يدي مَلك، فلما كان يوم نوح أذِنَ للماء دون الخزَّان، فطغى الماء على الجبال فخرج، فذلك قوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ﴾، ولم ينزل شيء من الريح إلا بمكيال على يَدَيْ مَلَك إِلاَّ يومَ عاد، فإنه أُذِنَ لَهَا دون الخُزَّان، فخرجت فذلك قوله: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ عتت على الخزان.
قال ابن زيد: "الصرصر [الشديدة]، والعاتية: القاهرة التي عتت عليهم فقهرتهم".
قال الضحاك: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ يعني: باردة، ﴿عَاتِيَةٍ﴾ يعني: عتت عليهم بغير رحمة ولا بركة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾
أي: سخر تلك الريح على عاد ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾.
قال ابن عباس: ﴿حُسُوماً﴾: "تباعاً".
وقال مجاهد: متتابعة، [وقاله] عكرمة وقتادة.
(وعن قتادة)؛ متتابعات. وهو قول سفيان.
وقال ابن زيد: ﴿حُسُوماً﴾: تحسم كل شيء فلا تُبْقِي من عاد أحداً.
وذكر ابن زيد عن عاد أنه كان فيهم ثمانية رجال لهم خلق عظيم، فلما جاءتهم الريح قال بعضهم: قوموا بنا نرد هذا العذاب عن قومنا.
قال: فقاموا وَصَفُّوا في الوادي، فأوحى الله إلى تلك الريح أن تقلع كل يوم منهم واحداً وقرأ: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾ حتى بلغ ﴿خَاوِيَةٍ﴾.
قال ابن زيد: وإن كانت الريح لتمر بالظعينة فتستدير بها وبحمولتها ثم [تذهب] بهم في السماء ثم تكبهم على الرؤوس، ثم قرأ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُواْ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤].
قال: وكان قد أَمسك عنهم المطر، فقرأ حتى بلغ ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥] الآية.
قال: وما كانت الريح تقلع كل يوم من الثمانية إلا واحداً.
[قال]: فلما عذب الله قوم [هود] أبقى واحداً ينذر الناس.
والعرب تقول: حسمت الداء أي: قطعته (بمتابعة) العلاج (عليه)، وسيفٌ حسامٌ: أي: قاطعٌ.
وقيل: ﴿حُسُوماً﴾ جمع: حاسم، كجالس وجلوس.
وقيل: هو مصدر [أي: ذات] حسوم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ﴾
أي: فترى يا محمد قوم هود في تلك السبع الليالي والثمانية الأيام الحسوم صرعى قد أهلكوا.
* *
- ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾.
أي: كأنهم أصول نخل قد خَوت وتآكَلَتْ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ﴾.
أي: فهل ترى - يا محمد - لهم من جماعة باقية.
وقيل: من بقاء.
وقيل: (من) بقية.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَٱلْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ﴾.
أي وجاء فرعون ومن قبله من الأمم الماضية المكذبة بالفعلة الخاطئة.
ومن قرأ بكسر القاف وفتح الباء فمعناه: ومن معه من القِبْطِ.
وقد رد أبو عبيد هذه القراءة لأنه قد كان فيهم مؤمنون.
وهذا لا يلزم، لأنه لفظ عام معناه الخصوص، أي: ومَن قِبَلَهُ من أهل دينه.
- وقوله ﴿وَٱلْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ يعني قوم لوط الذين ائتفكت عليهم مدائِنُهم إذْ أُهْلِكُوا أي: انقلبت عليهم.
قال مجاهد: ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾: "بالخطايا".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً﴾.
أي: فعصى فرعون وقوم لوط رسول ربهم إليهم، والمعنى: فعصى كل قوم رسول ربهم إليهم.
وقيل: "رسول" هنا بمعنى "رسالة".
قال ابن عباس: ﴿أَخْذَةً رَّابِيَةً﴾ أي: "شديدة".
قال ابن زيد: رابية في الشر أي زائدة. ومنه الربا، ومنه: أربى فلان عَليك إذا أخذ أكثر من حقه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ﴾.
أي: لما طغى الماء على الخزنة - بإذن الله له فخرج أكثر مما تقدر عليه الخزنة وتجاوز حده. والطغيان مجاوزة الحد. فقيل: إنه طغى على خزنته فلم يعرفوا له قدراً، وذلك بأمر الله له. حملنا آباءكم في السفينة الجارية.
روي أنه زاد [فَعَلاَ كلّ شي] بقدر خمس عشرة [ذراعاً] قاله قتادة.
قال ابن جبير: طغى الماء وزاد غضباً لغضب الله.
الحاقة 69:10
قوله تعالى: ﴿ٱلْحَاقَّةُ * مَا ٱلْحَآقَّةُ﴾ إلى قوله: ﴿فِي ٱلْجَارِيَةِ﴾.
كأن الأصل: الحاقة، ما هي؟ لتقدم ذكرها، إلا أن إعادة الاسم بلفظه أفخم إذا لم يُشْكِل المعنى.
و "الحاقة" ابتداء، و "ما" ابتداء ثان، و "الحاقة": خبر "ما"، و "ما" وخبرها خبر عن "الحاقة" الأولى، ومثله: ﴿ٱلْقَارِعَةُ * مَا ٱلْقَارِعَةُ﴾. ومعنى الكلام أنه على التعظيم، والتقدير: الساعة الحاقة: أي شيء هي!، أي: ما أعظمها وأجلها وأشدها.
ومعنى الحاقة: التي تحق فيها الأمور ويجب فيها الجزاء على الأعمال.
قال ابن عباس: "الحاقة اسم من أسماء القيامة، عظمه الله وحذره عباده".
وقال قتادة: الحاقة: القيامة حقت لكل عامل ما عمله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْحَاقَّةُ﴾.
أي: وأي شيء يدريك ويعرفك أي شيء الحاقة؟! [وهذا] كله تعظيم ليوم القيامة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِٱلْقَارِعَةِ﴾.
أي: كذبت ثمود قوم صالح، وعاد قوم هود بالساعة التي تقرع قلوب العباد بهجومها عليهم.
قال ابن عباس: ﴿بِٱلْقَارِعَةِ﴾: بيوم القيامة.
وقال قتادة: بالساعة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ﴾.
أي: بطغيانهم وكفرهم بالله وباليوم الآخر.
قال مجاهد: ﴿بِٱلطَّاغِيَةِ﴾ بالذنوب.
قال ابن زيد: ﴿بِٱلطَّاغِيَةِ﴾ بطغيانهم، واستدل على ذلك بقوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ﴾ [الشمس: ١١] بالصيحة، كأنها صيحة تجاوزت مقادير الصياح فطغت عليهم. وهو اختيار الطبري؛ لأن الله إنما أخبر عن ثمود بالمعنى الذي أهلكوا به لا الذي أهلكوا من أجله (ودليل ذلك إخباره تعالى عن عاد بالمعنى الذي أهلكوا به وهو الريح ولم يخبر بالذي هلكوا من أجله).
وقيل: المعنى: بالفئة الطاغية.
(وقيل): بالفعلة الطاغية.
وقيل: بالجماعة الطاغية.
وقيل: المعنى: بالأخذة الطاغية. وسميت الآخذة طاغية لأنها جاوزت القدر في الشدّة. فالمعنى: فأهلكوا بالأخذة التي جاوزت القدر [فطغت عليهم]. دليله: قوله في عاد: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾، فذكر الشيء [الذي] أهلكوا به، فكذلك الأول.
وإنما ذكر الشيء الذي أهلكوا به لا الذي أهلكوا من أجله، فإنما وصف العذاب الذي أُهْلِكَ به الطائفتان، فهو ظاهر اللفظ وكُلٌّ قَدْ قِيل.
* *
- وقوله: ﴿عَاتِيَةٍ﴾.
ليس (هو) من العتو الذي هو العصيان، إنما هو من العتو الذي هو بلوغ الشيء وانتهاؤه في قوته وقدره، من قولهم: عتا: إذا بلغ منتهاه، ومنه قوله: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً﴾ [مريم: ٨].
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾.
أي: بريح شديدة العصوف مع شدة بردها.
قال ابن عباس: ﴿عَاتِيَةٍ﴾: أي: "مهلكة باردة عنت عليهم بغير رحمة ولا بركة (دائمة) لا تفتر".
قال قتادة: "الصرصر: الباردة، عتت عليهم حتى نقبت عن أفئدتهم. قال ابن عباس: ما أرسل الله من ريح قط إلا بمكيال، ولا أنزل قطرة إلا بمثقال إلا يوم نوح ويوم عاد، فإن الماء يوم نوح طغى على خَزّانه فلم يكن لهم عليه سبيل، ثم قرأ: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ﴾، قال: وإن الريح عتت على خَزّانها فلم يكن [لهم] [عليها] من سبيل، وقرأ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾.
وقال علي بن أبي طالب: لم تنزل قطرة من ماء إلا بكيل على يدي مَلك، فلما كان يوم نوح أذِنَ للماء دون الخزَّان، فطغى الماء على الجبال فخرج، فذلك قوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ﴾، ولم ينزل شيء من الريح إلا بمكيال على يَدَيْ مَلَك إِلاَّ يومَ عاد، فإنه أُذِنَ لَهَا دون الخُزَّان، فخرجت فذلك قوله: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ عتت على الخزان.
قال ابن زيد: "الصرصر [الشديدة]، والعاتية: القاهرة التي عتت عليهم فقهرتهم".
قال الضحاك: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ يعني: باردة، ﴿عَاتِيَةٍ﴾ يعني: عتت عليهم بغير رحمة ولا بركة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾
أي: سخر تلك الريح على عاد ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾.
قال ابن عباس: ﴿حُسُوماً﴾: "تباعاً".
وقال مجاهد: متتابعة، [وقاله] عكرمة وقتادة.
(وعن قتادة)؛ متتابعات. وهو قول سفيان.
وقال ابن زيد: ﴿حُسُوماً﴾: تحسم كل شيء فلا تُبْقِي من عاد أحداً.
وذكر ابن زيد عن عاد أنه كان فيهم ثمانية رجال لهم خلق عظيم، فلما جاءتهم الريح قال بعضهم: قوموا بنا نرد هذا العذاب عن قومنا.
قال: فقاموا وَصَفُّوا في الوادي، فأوحى الله إلى تلك الريح أن تقلع كل يوم منهم واحداً وقرأ: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾ حتى بلغ ﴿خَاوِيَةٍ﴾.
قال ابن زيد: وإن كانت الريح لتمر بالظعينة فتستدير بها وبحمولتها ثم [تذهب] بهم في السماء ثم تكبهم على الرؤوس، ثم قرأ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُواْ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤].
قال: وكان قد أَمسك عنهم المطر، فقرأ حتى بلغ ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥] الآية.
قال: وما كانت الريح تقلع كل يوم من الثمانية إلا واحداً.
[قال]: فلما عذب الله قوم [هود] أبقى واحداً ينذر الناس.
والعرب تقول: حسمت الداء أي: قطعته (بمتابعة) العلاج (عليه)، وسيفٌ حسامٌ: أي: قاطعٌ.
وقيل: ﴿حُسُوماً﴾ جمع: حاسم، كجالس وجلوس.
وقيل: هو مصدر [أي: ذات] حسوم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ﴾
أي: فترى يا محمد قوم هود في تلك السبع الليالي والثمانية الأيام الحسوم صرعى قد أهلكوا.
* *
- ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾.
أي: كأنهم أصول نخل قد خَوت وتآكَلَتْ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ﴾.
أي: فهل ترى - يا محمد - لهم من جماعة باقية.
وقيل: من بقاء.
وقيل: (من) بقية.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَٱلْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ﴾.
أي وجاء فرعون ومن قبله من الأمم الماضية المكذبة بالفعلة الخاطئة.
ومن قرأ بكسر القاف وفتح الباء فمعناه: ومن معه من القِبْطِ.
وقد رد أبو عبيد هذه القراءة لأنه قد كان فيهم مؤمنون.
وهذا لا يلزم، لأنه لفظ عام معناه الخصوص، أي: ومَن قِبَلَهُ من أهل دينه.
- وقوله ﴿وَٱلْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ يعني قوم لوط الذين ائتفكت عليهم مدائِنُهم إذْ أُهْلِكُوا أي: انقلبت عليهم.
قال مجاهد: ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾: "بالخطايا".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً﴾.
أي: فعصى فرعون وقوم لوط رسول ربهم إليهم، والمعنى: فعصى كل قوم رسول ربهم إليهم.
وقيل: "رسول" هنا بمعنى "رسالة".
قال ابن عباس: ﴿أَخْذَةً رَّابِيَةً﴾ أي: "شديدة".
قال ابن زيد: رابية في الشر أي زائدة. ومنه الربا، ومنه: أربى فلان عَليك إذا أخذ أكثر من حقه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ﴾.
أي: لما طغى الماء على الخزنة - بإذن الله له فخرج أكثر مما تقدر عليه الخزنة وتجاوز حده. والطغيان مجاوزة الحد. فقيل: إنه طغى على خزنته فلم يعرفوا له قدراً، وذلك بأمر الله له. حملنا آباءكم في السفينة الجارية.
روي أنه زاد [فَعَلاَ كلّ شي] بقدر خمس عشرة [ذراعاً] قاله قتادة.
قال ابن جبير: طغى الماء وزاد غضباً لغضب الله.
الحاقة 69:11
قوله تعالى: ﴿ٱلْحَاقَّةُ * مَا ٱلْحَآقَّةُ﴾ إلى قوله: ﴿فِي ٱلْجَارِيَةِ﴾.
كأن الأصل: الحاقة، ما هي؟ لتقدم ذكرها، إلا أن إعادة الاسم بلفظه أفخم إذا لم يُشْكِل المعنى.
و "الحاقة" ابتداء، و "ما" ابتداء ثان، و "الحاقة": خبر "ما"، و "ما" وخبرها خبر عن "الحاقة" الأولى، ومثله: ﴿ٱلْقَارِعَةُ * مَا ٱلْقَارِعَةُ﴾. ومعنى الكلام أنه على التعظيم، والتقدير: الساعة الحاقة: أي شيء هي!، أي: ما أعظمها وأجلها وأشدها.
ومعنى الحاقة: التي تحق فيها الأمور ويجب فيها الجزاء على الأعمال.
قال ابن عباس: "الحاقة اسم من أسماء القيامة، عظمه الله وحذره عباده".
وقال قتادة: الحاقة: القيامة حقت لكل عامل ما عمله.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْحَاقَّةُ﴾.
أي: وأي شيء يدريك ويعرفك أي شيء الحاقة؟! [وهذا] كله تعظيم ليوم القيامة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِٱلْقَارِعَةِ﴾.
أي: كذبت ثمود قوم صالح، وعاد قوم هود بالساعة التي تقرع قلوب العباد بهجومها عليهم.
قال ابن عباس: ﴿بِٱلْقَارِعَةِ﴾: بيوم القيامة.
وقال قتادة: بالساعة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ﴾.
أي: بطغيانهم وكفرهم بالله وباليوم الآخر.
قال مجاهد: ﴿بِٱلطَّاغِيَةِ﴾ بالذنوب.
قال ابن زيد: ﴿بِٱلطَّاغِيَةِ﴾ بطغيانهم، واستدل على ذلك بقوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ﴾ [الشمس: ١١] بالصيحة، كأنها صيحة تجاوزت مقادير الصياح فطغت عليهم. وهو اختيار الطبري؛ لأن الله إنما أخبر عن ثمود بالمعنى الذي أهلكوا به لا الذي أهلكوا من أجله (ودليل ذلك إخباره تعالى عن عاد بالمعنى الذي أهلكوا به وهو الريح ولم يخبر بالذي هلكوا من أجله).
وقيل: المعنى: بالفئة الطاغية.
(وقيل): بالفعلة الطاغية.
وقيل: بالجماعة الطاغية.
وقيل: المعنى: بالأخذة الطاغية. وسميت الآخذة طاغية لأنها جاوزت القدر في الشدّة. فالمعنى: فأهلكوا بالأخذة التي جاوزت القدر [فطغت عليهم]. دليله: قوله في عاد: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾، فذكر الشيء [الذي] أهلكوا به، فكذلك الأول.
وإنما ذكر الشيء الذي أهلكوا به لا الذي أهلكوا من أجله، فإنما وصف العذاب الذي أُهْلِكَ به الطائفتان، فهو ظاهر اللفظ وكُلٌّ قَدْ قِيل.
* *
- وقوله: ﴿عَاتِيَةٍ﴾.
ليس (هو) من العتو الذي هو العصيان، إنما هو من العتو الذي هو بلوغ الشيء وانتهاؤه في قوته وقدره، من قولهم: عتا: إذا بلغ منتهاه، ومنه قوله: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً﴾ [مريم: ٨].
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾.
أي: بريح شديدة العصوف مع شدة بردها.
قال ابن عباس: ﴿عَاتِيَةٍ﴾: أي: "مهلكة باردة عنت عليهم بغير رحمة ولا بركة (دائمة) لا تفتر".
قال قتادة: "الصرصر: الباردة، عتت عليهم حتى نقبت عن أفئدتهم. قال ابن عباس: ما أرسل الله من ريح قط إلا بمكيال، ولا أنزل قطرة إلا بمثقال إلا يوم نوح ويوم عاد، فإن الماء يوم نوح طغى على خَزّانه فلم يكن لهم عليه سبيل، ثم قرأ: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ﴾، قال: وإن الريح عتت على خَزّانها فلم يكن [لهم] [عليها] من سبيل، وقرأ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾.
وقال علي بن أبي طالب: لم تنزل قطرة من ماء إلا بكيل على يدي مَلك، فلما كان يوم نوح أذِنَ للماء دون الخزَّان، فطغى الماء على الجبال فخرج، فذلك قوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ﴾، ولم ينزل شيء من الريح إلا بمكيال على يَدَيْ مَلَك إِلاَّ يومَ عاد، فإنه أُذِنَ لَهَا دون الخُزَّان، فخرجت فذلك قوله: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ عتت على الخزان.
قال ابن زيد: "الصرصر [الشديدة]، والعاتية: القاهرة التي عتت عليهم فقهرتهم".
قال الضحاك: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ يعني: باردة، ﴿عَاتِيَةٍ﴾ يعني: عتت عليهم بغير رحمة ولا بركة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾
أي: سخر تلك الريح على عاد ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾.
قال ابن عباس: ﴿حُسُوماً﴾: "تباعاً".
وقال مجاهد: متتابعة، [وقاله] عكرمة وقتادة.
(وعن قتادة)؛ متتابعات. وهو قول سفيان.
وقال ابن زيد: ﴿حُسُوماً﴾: تحسم كل شيء فلا تُبْقِي من عاد أحداً.
وذكر ابن زيد عن عاد أنه كان فيهم ثمانية رجال لهم خلق عظيم، فلما جاءتهم الريح قال بعضهم: قوموا بنا نرد هذا العذاب عن قومنا.
قال: فقاموا وَصَفُّوا في الوادي، فأوحى الله إلى تلك الريح أن تقلع كل يوم منهم واحداً وقرأ: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾ حتى بلغ ﴿خَاوِيَةٍ﴾.
قال ابن زيد: وإن كانت الريح لتمر بالظعينة فتستدير بها وبحمولتها ثم [تذهب] بهم في السماء ثم تكبهم على الرؤوس، ثم قرأ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُواْ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤].
قال: وكان قد أَمسك عنهم المطر، فقرأ حتى بلغ ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥] الآية.
قال: وما كانت الريح تقلع كل يوم من الثمانية إلا واحداً.
[قال]: فلما عذب الله قوم [هود] أبقى واحداً ينذر الناس.
والعرب تقول: حسمت الداء أي: قطعته (بمتابعة) العلاج (عليه)، وسيفٌ حسامٌ: أي: قاطعٌ.
وقيل: ﴿حُسُوماً﴾ جمع: حاسم، كجالس وجلوس.
وقيل: هو مصدر [أي: ذات] حسوم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ﴾
أي: فترى يا محمد قوم هود في تلك السبع الليالي والثمانية الأيام الحسوم صرعى قد أهلكوا.
* *
- ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾.
أي: كأنهم أصول نخل قد خَوت وتآكَلَتْ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ﴾.
أي: فهل ترى - يا محمد - لهم من جماعة باقية.
وقيل: من بقاء.
وقيل: (من) بقية.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَٱلْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ﴾.
أي وجاء فرعون ومن قبله من الأمم الماضية المكذبة بالفعلة الخاطئة.
ومن قرأ بكسر القاف وفتح الباء فمعناه: ومن معه من القِبْطِ.
وقد رد أبو عبيد هذه القراءة لأنه قد كان فيهم مؤمنون.
وهذا لا يلزم، لأنه لفظ عام معناه الخصوص، أي: ومَن قِبَلَهُ من أهل دينه.
- وقوله ﴿وَٱلْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ يعني قوم لوط الذين ائتفكت عليهم مدائِنُهم إذْ أُهْلِكُوا أي: انقلبت عليهم.
قال مجاهد: ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾: "بالخطايا".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً﴾.
أي: فعصى فرعون وقوم لوط رسول ربهم إليهم، والمعنى: فعصى كل قوم رسول ربهم إليهم.
وقيل: "رسول" هنا بمعنى "رسالة".
قال ابن عباس: ﴿أَخْذَةً رَّابِيَةً﴾ أي: "شديدة".
قال ابن زيد: رابية في الشر أي زائدة. ومنه الربا، ومنه: أربى فلان عَليك إذا أخذ أكثر من حقه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ﴾.
أي: لما طغى الماء على الخزنة - بإذن الله له فخرج أكثر مما تقدر عليه الخزنة وتجاوز حده. والطغيان مجاوزة الحد. فقيل: إنه طغى على خزنته فلم يعرفوا له قدراً، وذلك بأمر الله له. حملنا آباءكم في السفينة الجارية.
روي أنه زاد [فَعَلاَ كلّ شي] بقدر خمس عشرة [ذراعاً] قاله قتادة.
قال ابن جبير: طغى الماء وزاد غضباً لغضب الله.
الحاقة 69:12
[قوله] ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً...﴾ إلى [قوله] ﴿عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾.
أي: فعلنا ذلك لنجعل السفينة لكم عبرة وعظة وآية.
قال قتادة: أبقى الله السفينة تذكرة وعظة وآية حتى نظر إليها أول هذه [الأُمة]، وكم من سفينة قد كانت بعد سفينة نوح قد صارت رِمْدداً.
- قال ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾..
[أي]: [ولتعي] هذه التذكرة أذن حافظة عقلت عن الله ما سمعت.
وروي أن النبي ﷺ قرأ: ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ ثُمَّ الْتَفَتَ إلَى عَلِيِّ رضي الله عنه فقال: سَاَلْتُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَهَا أُذُنَكَ. قال علَيٌّ: فَمَا سَمِعْتُ شَيْئاً مِنْ رَسُولِ اللهِ قَطّ فَنَسِيتُهُ.
"
وقال [بريدة]: سمعت رسول الله ﷺ يقول لعلي: [يا علي]، إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ [أُدْنِيْكَ] ولاَ أُقْصِيَكَ، [وَأنْ أُعَلِّمكَ] وَأَنْ تَعِيَ. وَحَق عَلَى الله أن [تَعِي]. قال: ونزلت: ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾
وقال أبو عمران الجَوْنِي: ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [يعني]: أذن عقلت عن الله.
* *
- ثم قال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾.
(أي: فإذا نفخ إسرافيل في الصور نفخة واحدة)، وهي النفخة الأولى.
* *
- ﴿وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾.
أي [زلزلتا] زلزلة واحدة.
قال ابن زيد: دكتا دكة واحدة: "صارت غباراً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ﴾.
أي: قامت القيامة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾.
أي: وانصدعت السماء فهي متشققة يومئذ.
قال الضحاك: إذا كان يوم القيامة أمر الله جل ثناؤه السماء بأهلها ونزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها ثم الثانية ثم [الثالثة] إلى السابعة، فصفوا صفاً بين يدي صف ثم نزل الملِك الأعلى على مجنبته جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نَدُّوا فلا يأتون قُطُراً من أقطار الأرض إلا وَجدوا سعبة صفوف من الملائكة فيه، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ [غافر: ٣٢-٣٣].
وذلك قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر: ٢٢].
- وهو قوله: ﴿يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ [أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ] إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] (أي) بحجة، وهو قوله: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ﴾. إلى ﴿عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾
أي: على نواحيها وأطرافها حين تشقق.
قال ابن عباس: على حافاتها، وذلك حين تشقق.
وعن ابن جبير: ﴿عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾: على حافات الدنيا.
وواحد الأرجاء [رجا] مقصور، وهو الناحية، يثنى بالواو.
والرجاء: الأملُ، مَمْدُودُ.
* *
- ثم قال: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾.
قال ابن عباس هي ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله، وهو قول الضحاك وعكرمة.
وقال ابن زيد: هم ثمانية أملاك. وروي عن النبي ﷺ (أنه قال): يحمِلهُ اليَوْمَ أَرْبَعَةٌ، وَيَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ثَمَانِيَةٌ، وأنه قال ﷺ: إِنَّ أَقْدَامَهُمْ لَفِي الأَرْضِ السَّابِعَةِ، وإِنَّ مَنَاكِبَهُمْ لَخَارِجَةٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ عَلَيْهَا العَرِشُ، قال ابن زيد: يريد الأربعة. قال ابن زيد: وبلغنا أن رسول الله ﷺ قال: لمَّا خَلَقَهُمُ الله قال: تَدرون لِمَ خلقتكم؟ قالوا: خلقتنا ربنا لما شاء، قال لهم: تحملون عرشي، ثم قال: سَلوني من القوة ما شئتم أَجْعَلُهَا فِيكُم، فقال أحدهم: قد كان عرش ربنا على الماء فاجعلني في قوة الماء، قال: قد جعلت فيك قوة الماء، وقال آخر: اجعل في قوة السماوات، (قال: قد جعلت فيك قوة السماوات. وقال الآخر: اجعل في قوة الأرض والجبال، قال: قد جعلت فيك قوة الأرض والجبال. وقال آخر: اجعل في قوة الرياح)، قال: قد جعلت فيك قوة الرياح.
(ثم) قال: احملوا. قال: فوضعوا العرش على كواهلهم فلم يزولوا. قال: فجاء عِلْمٌ آخر، وإنما كان عِلْمُهُم الذي [سألوه] القوة. فقال لهم: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله [العلي العظيم]. فقالوها، وجعل فيهم من الحول والقوة ما لم يبلغوه بعلمهم فحملوا
وروى ابن وهب عن أبيه أنه قال: أربعة من الملائكة يحملون العرش على أكتافهم، لكل واحد منهم أربعة أوجه: وجه ثور، ووجه [أسد]، ووجه نسر، ووجه إنسان. ولكل واحد منهم أربعة أجنحة: جناحان على وجهه من أن ينظر إلى العرش فيصعق، وجناحان يقف [بهما]. ليس لهم كلام إلا (أن) يقولوا: قدسوا الله القوي الذي ملأت عظمته السماوات والأرض.
وقال عطاء عن مَيْسَرَة [في قوله] ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾، قال: "أرجلهم في التخوم لا يستطيعون أن يرفعوا أبصارهم من شعاع النور".
قال أبو محمد [مؤلفه رضي الله عنه]: ما جاء في القرآن وهذه الأحاديث من النزول والمجيء وشِبْهِ ذلك مضافاً إلى الله جل ذكره [فلا يجب] أن يُتَأَوَّلَ فيه انتقال "ولا حركة" على الله، إذ لا يجوز عليه ذلك، إذ الحركةُ والنقلةُ إنما هما من صفات المخلوقين. وكل ما جاء من هذا فإنما هو صفة من صفات الله لا كما هي من المخلوقين، فأجرها على ما أتت ولا تعتقد ولا تتوهم في ذلك أمراً مما شَهِدْتَهُ في الخلق، إذ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. وقد قال جماعة من العلماء في وصف الله جل ذكره بالمجيء والإتيان والتنزل: إنها أفعال يحدثها الله متى شاء، سماها بذلك، فلا تَتَقَدَّمْ بَيْنَ يَدَيْهِ ولاَ تُكَيِّفْ وَلاَ تُشَبِّهْ، وَتَقُولُ كَمَا قَالَ وتَنْفِي (عنه) - جل ذكره - التَّشْبِيهَ، ولا تَعْتَرِضْ في شيء مما أَتَى في كتابه من ذلك وما روي عن نبيه (منه) ﷺ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾.
[أي]: ذلك اليوم تعرضون أيها الناس على ربكم فلا يخفى عنه من أعمالكم شيء.
وروي أنهم [يعرضون] ثلاث عرضات: قاله أبو موسى الأشعري وابن مسعود، قالا: فعرضتان فيه الخصومات والمقادير، والثالثة [تطاير] الصحف. قال أبو موسى: "فأخذ بيمينه، وأخذ بشماله".
وروى مثل ذلك قتادة عن النبي ﷺ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ﴾.
أي: فأما من أعطي كتاب عمله بيمينه فيقول: تعالوا﴿ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ﴾.
وقال بعض [أهل اللغة]: أصل "هَاؤُمْ" "هاكم"، ثم أبدل من الكاف واو.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ﴾.
هذا من الظن الذي هو يقين، قوم ظنوا ظناً: فازوا به، وقوم ظنوا ظناً: شقوا [به]، وهو الظن الذي بمعنى الشك.
والمعنى أن المؤمن يقول يوم القيامة حين آَخْذِ كتابه (بيمينه: أيقنت في الدنيا أني ملاق ما عملت إذا وردت يوم القيامة) على ربي.
قال ابن عباس: ظننت: "أيقنت".
قال قتادة: ظَنَّ ظَنّاً يَقِيناً فنفعه الله به، وقال: "ما كان من ظن الآخرة فهو علم" [يريد] من المؤمنين.
* *
- ثم قال: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾.
أي: عيش مرضي، وهو عيش الجنة.
وجعلت "مرضية" نعتاً [للعيشة]؛ لأن ذلك مدح [للعيشة]، كما يقال: "ليل نائم" "وسرٌّ كاتم" و "ماء دافق"، بمعنى "مفعول"؛ لأنه فيه بمعنى المدح، فكان نقله من بناء إلى بناء يدل على المدح أو [الذم]، ولو قلت: "رجل ضارب" بمعنى "مضروب" لم يجز؛ لأنه لا مدح فيه ولا [ذم]، فلا يقع بناء في موقع بناء إلا لمعنى زائد.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
أي: رفيعة المقدار والمكان.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾.
أي: ما يقطف من ثمارها دان، أي: قريب من قاطفه (يقطفه)، فكيف شاء - في حال قيام أو قعود أو اضطجاع - لا يمنعه منه بُعْدٌ، ولا يحول بينه [وبينه] [شوك].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ﴾.
أي: كلوا من ثمرات الجنات غير مُكَدَّرٍ ولا منقص عليكم بما تقدم (لكم) من الأعمال الصالحات في الأيام الماضية في الدنيا لأخراكم. قال قتادة: هذه هي الأيام الخالية فانية تؤدي إلى أيام باقية، فاعملوا في هذه الأيام وقَدِّموا فيها خيراً إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله. ويقال: من عمل في الزمان الذي لا بقاء فيه أَوْصَلَهُ إلى نَعِيمِ الزمان الذي لا زَوَالَ لَهُ.
ويقال: إنه الصيام في أيام الدنيا. روي أنه يوضع يوم القيامة للصوام في الدنيا مائدة يأكلون عليها والناس في الحساب، فيقولون يا رب: نحن في الحساب وهؤلاء يأكلون؟ فيقول: إنهم طالما صاموا في الدنيا وأكلتم، وقاموا ونمتم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ بِشِمَالِهِ﴾
أي: كتاب عمله، ﴿فَيَقُولُ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَٰبِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾.
أي: ولم أدر أي شيء حسابي؟!
* *
- ثم قال: ﴿يٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ﴾.
أي: يا ليت الموتة التي متها في الدنيا كانت هي الفراغ من كل ما بعدها ولم يكن بعد ذلك حياة.
قال قتادة: تمنى الموت ولم يكن في الدنيا شيء أكره إليه من الموت.
* *
- ثم قال: ﴿مَآ أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ﴾.
أي: لم ينفعني [مالي] ولا دفع عني من العذاب شيئاً، فتكون "ما" نافية. ويجوز أن تكون استفهاماً في موضع نصب والتقدير، أي بشيء أغنى عني مالي.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾.
قال [ابن عباس]: ضلت عني كل [بينة] لي (فلم) تغن عني شيئاً. قال عكرمة ومجاهد: سلطاني: حجتي. وقال ابن زيد: ﴿هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ أي: "سلطان الدنيا" وملكها.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾.
هذا أمر من الله لِخُزَّانِ جهنم من الملائكة، أي: خذوا هذا الكافر فغلوا يده إلى عنقه، ثم الجحيم فألقوه وأوردوه (فيها).
* *
﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾.
أي: ثم اسلكوه في سلسلة طولها سبعون ذراعا. وذلك أن تدخل في دبره وتخرج من منخريه. وقيل: تدخل في فِيهِ وتخرج من دبره. وقال محمد بن المنكدر: لو جمع حديدُ الدنيا ما مضى منها وما بقي ما عَدَلَ حلقة من حلق السلسلة.
قال نوف البكالي: الذراع سبعون باعاً أبعد ما بينك وبين مكة وهو يومئذ بالكوفة. قال ابن عباس: ﴿سَبْعُونَ ذِرَاعاً﴾ "بذراع الملك ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ تسلك في دُبره حتى تخرج من منخريه حتى لا يقوم على رجليه".
وروى عبد الله بن عمر وابن العاصي أن رسول الله ﷺ قال: "لَوْ أَنَّ رَصَاصَة مثل هذا - وأشار إلى مثل جمجمة - أُرْسِلَتْ من السماء إلى الأرض - وهي مسيرةُ خَمْسِ مِائَةِ سنة - لبلغت الأرضَ قبل الليل. ولو أنها أُرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفاً - الليلَ والنهارَ - قبل أن [تبلغ] أصلها أو قعرها
وقيل: فاسلكوه، وإنما تسلك السلسلة فيه لأن المعنى مفهوم، مثل قولهم: أدخلت رأسي في القلنسوة، وإنما تدخل [القلنسوة] في الرأس، وشبهه كثير في الكلام.
وقال الفراء: التقدير: فاسلكوه فيها.
وروى نعيم بن حماد عن كعب أنه قال: ينظر الله إلى عبده يوم القيامة فيقول: "خذوه"، فيأخذه مائة ألف ملك حتى يتفتت في أيديهم، فيقول: أما ترحموننا؟! فيقولون: وكيف نرحمك ولم يرحمك أرحم الراحمين؟!.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ﴾.
أي: لا يصدق بتوحيد بالله.
* *
﴿وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾.
ولا يرغب هو ولا يُرَغَّبُ غيرهُ في إطعام أهل المسكنة والحاجة.
الحاقة 69:13
[قوله] ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً...﴾ إلى [قوله] ﴿عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾.
أي: فعلنا ذلك لنجعل السفينة لكم عبرة وعظة وآية.
قال قتادة: أبقى الله السفينة تذكرة وعظة وآية حتى نظر إليها أول هذه [الأُمة]، وكم من سفينة قد كانت بعد سفينة نوح قد صارت رِمْدداً.
- قال ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾..
[أي]: [ولتعي] هذه التذكرة أذن حافظة عقلت عن الله ما سمعت.
وروي أن النبي ﷺ قرأ: ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ ثُمَّ الْتَفَتَ إلَى عَلِيِّ رضي الله عنه فقال: سَاَلْتُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَهَا أُذُنَكَ. قال علَيٌّ: فَمَا سَمِعْتُ شَيْئاً مِنْ رَسُولِ اللهِ قَطّ فَنَسِيتُهُ.
"
وقال [بريدة]: سمعت رسول الله ﷺ يقول لعلي: [يا علي]، إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ [أُدْنِيْكَ] ولاَ أُقْصِيَكَ، [وَأنْ أُعَلِّمكَ] وَأَنْ تَعِيَ. وَحَق عَلَى الله أن [تَعِي]. قال: ونزلت: ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾
وقال أبو عمران الجَوْنِي: ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [يعني]: أذن عقلت عن الله.
* *
- ثم قال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾.
(أي: فإذا نفخ إسرافيل في الصور نفخة واحدة)، وهي النفخة الأولى.
* *
- ﴿وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾.
أي [زلزلتا] زلزلة واحدة.
قال ابن زيد: دكتا دكة واحدة: "صارت غباراً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ﴾.
أي: قامت القيامة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾.
أي: وانصدعت السماء فهي متشققة يومئذ.
قال الضحاك: إذا كان يوم القيامة أمر الله جل ثناؤه السماء بأهلها ونزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها ثم الثانية ثم [الثالثة] إلى السابعة، فصفوا صفاً بين يدي صف ثم نزل الملِك الأعلى على مجنبته جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نَدُّوا فلا يأتون قُطُراً من أقطار الأرض إلا وَجدوا سعبة صفوف من الملائكة فيه، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ [غافر: ٣٢-٣٣].
وذلك قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر: ٢٢].
- وهو قوله: ﴿يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ [أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ] إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] (أي) بحجة، وهو قوله: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ﴾. إلى ﴿عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾
أي: على نواحيها وأطرافها حين تشقق.
قال ابن عباس: على حافاتها، وذلك حين تشقق.
وعن ابن جبير: ﴿عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾: على حافات الدنيا.
وواحد الأرجاء [رجا] مقصور، وهو الناحية، يثنى بالواو.
والرجاء: الأملُ، مَمْدُودُ.
* *
- ثم قال: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾.
قال ابن عباس هي ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله، وهو قول الضحاك وعكرمة.
وقال ابن زيد: هم ثمانية أملاك. وروي عن النبي ﷺ (أنه قال): يحمِلهُ اليَوْمَ أَرْبَعَةٌ، وَيَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ثَمَانِيَةٌ، وأنه قال ﷺ: إِنَّ أَقْدَامَهُمْ لَفِي الأَرْضِ السَّابِعَةِ، وإِنَّ مَنَاكِبَهُمْ لَخَارِجَةٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ عَلَيْهَا العَرِشُ، قال ابن زيد: يريد الأربعة. قال ابن زيد: وبلغنا أن رسول الله ﷺ قال: لمَّا خَلَقَهُمُ الله قال: تَدرون لِمَ خلقتكم؟ قالوا: خلقتنا ربنا لما شاء، قال لهم: تحملون عرشي، ثم قال: سَلوني من القوة ما شئتم أَجْعَلُهَا فِيكُم، فقال أحدهم: قد كان عرش ربنا على الماء فاجعلني في قوة الماء، قال: قد جعلت فيك قوة الماء، وقال آخر: اجعل في قوة السماوات، (قال: قد جعلت فيك قوة السماوات. وقال الآخر: اجعل في قوة الأرض والجبال، قال: قد جعلت فيك قوة الأرض والجبال. وقال آخر: اجعل في قوة الرياح)، قال: قد جعلت فيك قوة الرياح.
(ثم) قال: احملوا. قال: فوضعوا العرش على كواهلهم فلم يزولوا. قال: فجاء عِلْمٌ آخر، وإنما كان عِلْمُهُم الذي [سألوه] القوة. فقال لهم: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله [العلي العظيم]. فقالوها، وجعل فيهم من الحول والقوة ما لم يبلغوه بعلمهم فحملوا
وروى ابن وهب عن أبيه أنه قال: أربعة من الملائكة يحملون العرش على أكتافهم، لكل واحد منهم أربعة أوجه: وجه ثور، ووجه [أسد]، ووجه نسر، ووجه إنسان. ولكل واحد منهم أربعة أجنحة: جناحان على وجهه من أن ينظر إلى العرش فيصعق، وجناحان يقف [بهما]. ليس لهم كلام إلا (أن) يقولوا: قدسوا الله القوي الذي ملأت عظمته السماوات والأرض.
وقال عطاء عن مَيْسَرَة [في قوله] ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾، قال: "أرجلهم في التخوم لا يستطيعون أن يرفعوا أبصارهم من شعاع النور".
قال أبو محمد [مؤلفه رضي الله عنه]: ما جاء في القرآن وهذه الأحاديث من النزول والمجيء وشِبْهِ ذلك مضافاً إلى الله جل ذكره [فلا يجب] أن يُتَأَوَّلَ فيه انتقال "ولا حركة" على الله، إذ لا يجوز عليه ذلك، إذ الحركةُ والنقلةُ إنما هما من صفات المخلوقين. وكل ما جاء من هذا فإنما هو صفة من صفات الله لا كما هي من المخلوقين، فأجرها على ما أتت ولا تعتقد ولا تتوهم في ذلك أمراً مما شَهِدْتَهُ في الخلق، إذ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. وقد قال جماعة من العلماء في وصف الله جل ذكره بالمجيء والإتيان والتنزل: إنها أفعال يحدثها الله متى شاء، سماها بذلك، فلا تَتَقَدَّمْ بَيْنَ يَدَيْهِ ولاَ تُكَيِّفْ وَلاَ تُشَبِّهْ، وَتَقُولُ كَمَا قَالَ وتَنْفِي (عنه) - جل ذكره - التَّشْبِيهَ، ولا تَعْتَرِضْ في شيء مما أَتَى في كتابه من ذلك وما روي عن نبيه (منه) ﷺ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾.
[أي]: ذلك اليوم تعرضون أيها الناس على ربكم فلا يخفى عنه من أعمالكم شيء.
وروي أنهم [يعرضون] ثلاث عرضات: قاله أبو موسى الأشعري وابن مسعود، قالا: فعرضتان فيه الخصومات والمقادير، والثالثة [تطاير] الصحف. قال أبو موسى: "فأخذ بيمينه، وأخذ بشماله".
وروى مثل ذلك قتادة عن النبي ﷺ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ﴾.
أي: فأما من أعطي كتاب عمله بيمينه فيقول: تعالوا﴿ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ﴾.
وقال بعض [أهل اللغة]: أصل "هَاؤُمْ" "هاكم"، ثم أبدل من الكاف واو.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ﴾.
هذا من الظن الذي هو يقين، قوم ظنوا ظناً: فازوا به، وقوم ظنوا ظناً: شقوا [به]، وهو الظن الذي بمعنى الشك.
والمعنى أن المؤمن يقول يوم القيامة حين آَخْذِ كتابه (بيمينه: أيقنت في الدنيا أني ملاق ما عملت إذا وردت يوم القيامة) على ربي.
قال ابن عباس: ظننت: "أيقنت".
قال قتادة: ظَنَّ ظَنّاً يَقِيناً فنفعه الله به، وقال: "ما كان من ظن الآخرة فهو علم" [يريد] من المؤمنين.
* *
- ثم قال: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾.
أي: عيش مرضي، وهو عيش الجنة.
وجعلت "مرضية" نعتاً [للعيشة]؛ لأن ذلك مدح [للعيشة]، كما يقال: "ليل نائم" "وسرٌّ كاتم" و "ماء دافق"، بمعنى "مفعول"؛ لأنه فيه بمعنى المدح، فكان نقله من بناء إلى بناء يدل على المدح أو [الذم]، ولو قلت: "رجل ضارب" بمعنى "مضروب" لم يجز؛ لأنه لا مدح فيه ولا [ذم]، فلا يقع بناء في موقع بناء إلا لمعنى زائد.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
أي: رفيعة المقدار والمكان.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾.
أي: ما يقطف من ثمارها دان، أي: قريب من قاطفه (يقطفه)، فكيف شاء - في حال قيام أو قعود أو اضطجاع - لا يمنعه منه بُعْدٌ، ولا يحول بينه [وبينه] [شوك].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ﴾.
أي: كلوا من ثمرات الجنات غير مُكَدَّرٍ ولا منقص عليكم بما تقدم (لكم) من الأعمال الصالحات في الأيام الماضية في الدنيا لأخراكم. قال قتادة: هذه هي الأيام الخالية فانية تؤدي إلى أيام باقية، فاعملوا في هذه الأيام وقَدِّموا فيها خيراً إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله. ويقال: من عمل في الزمان الذي لا بقاء فيه أَوْصَلَهُ إلى نَعِيمِ الزمان الذي لا زَوَالَ لَهُ.
ويقال: إنه الصيام في أيام الدنيا. روي أنه يوضع يوم القيامة للصوام في الدنيا مائدة يأكلون عليها والناس في الحساب، فيقولون يا رب: نحن في الحساب وهؤلاء يأكلون؟ فيقول: إنهم طالما صاموا في الدنيا وأكلتم، وقاموا ونمتم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ بِشِمَالِهِ﴾
أي: كتاب عمله، ﴿فَيَقُولُ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَٰبِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾.
أي: ولم أدر أي شيء حسابي؟!
* *
- ثم قال: ﴿يٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ﴾.
أي: يا ليت الموتة التي متها في الدنيا كانت هي الفراغ من كل ما بعدها ولم يكن بعد ذلك حياة.
قال قتادة: تمنى الموت ولم يكن في الدنيا شيء أكره إليه من الموت.
* *
- ثم قال: ﴿مَآ أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ﴾.
أي: لم ينفعني [مالي] ولا دفع عني من العذاب شيئاً، فتكون "ما" نافية. ويجوز أن تكون استفهاماً في موضع نصب والتقدير، أي بشيء أغنى عني مالي.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾.
قال [ابن عباس]: ضلت عني كل [بينة] لي (فلم) تغن عني شيئاً. قال عكرمة ومجاهد: سلطاني: حجتي. وقال ابن زيد: ﴿هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ أي: "سلطان الدنيا" وملكها.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾.
هذا أمر من الله لِخُزَّانِ جهنم من الملائكة، أي: خذوا هذا الكافر فغلوا يده إلى عنقه، ثم الجحيم فألقوه وأوردوه (فيها).
* *
﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾.
أي: ثم اسلكوه في سلسلة طولها سبعون ذراعا. وذلك أن تدخل في دبره وتخرج من منخريه. وقيل: تدخل في فِيهِ وتخرج من دبره. وقال محمد بن المنكدر: لو جمع حديدُ الدنيا ما مضى منها وما بقي ما عَدَلَ حلقة من حلق السلسلة.
قال نوف البكالي: الذراع سبعون باعاً أبعد ما بينك وبين مكة وهو يومئذ بالكوفة. قال ابن عباس: ﴿سَبْعُونَ ذِرَاعاً﴾ "بذراع الملك ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ تسلك في دُبره حتى تخرج من منخريه حتى لا يقوم على رجليه".
وروى عبد الله بن عمر وابن العاصي أن رسول الله ﷺ قال: "لَوْ أَنَّ رَصَاصَة مثل هذا - وأشار إلى مثل جمجمة - أُرْسِلَتْ من السماء إلى الأرض - وهي مسيرةُ خَمْسِ مِائَةِ سنة - لبلغت الأرضَ قبل الليل. ولو أنها أُرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفاً - الليلَ والنهارَ - قبل أن [تبلغ] أصلها أو قعرها
وقيل: فاسلكوه، وإنما تسلك السلسلة فيه لأن المعنى مفهوم، مثل قولهم: أدخلت رأسي في القلنسوة، وإنما تدخل [القلنسوة] في الرأس، وشبهه كثير في الكلام.
وقال الفراء: التقدير: فاسلكوه فيها.
وروى نعيم بن حماد عن كعب أنه قال: ينظر الله إلى عبده يوم القيامة فيقول: "خذوه"، فيأخذه مائة ألف ملك حتى يتفتت في أيديهم، فيقول: أما ترحموننا؟! فيقولون: وكيف نرحمك ولم يرحمك أرحم الراحمين؟!.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ﴾.
أي: لا يصدق بتوحيد بالله.
* *
﴿وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾.
ولا يرغب هو ولا يُرَغَّبُ غيرهُ في إطعام أهل المسكنة والحاجة.
الحاقة 69:14
[قوله] ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً...﴾ إلى [قوله] ﴿عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾.
أي: فعلنا ذلك لنجعل السفينة لكم عبرة وعظة وآية.
قال قتادة: أبقى الله السفينة تذكرة وعظة وآية حتى نظر إليها أول هذه [الأُمة]، وكم من سفينة قد كانت بعد سفينة نوح قد صارت رِمْدداً.
- قال ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾..
[أي]: [ولتعي] هذه التذكرة أذن حافظة عقلت عن الله ما سمعت.
وروي أن النبي ﷺ قرأ: ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ ثُمَّ الْتَفَتَ إلَى عَلِيِّ رضي الله عنه فقال: سَاَلْتُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَهَا أُذُنَكَ. قال علَيٌّ: فَمَا سَمِعْتُ شَيْئاً مِنْ رَسُولِ اللهِ قَطّ فَنَسِيتُهُ.
"
وقال [بريدة]: سمعت رسول الله ﷺ يقول لعلي: [يا علي]، إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ [أُدْنِيْكَ] ولاَ أُقْصِيَكَ، [وَأنْ أُعَلِّمكَ] وَأَنْ تَعِيَ. وَحَق عَلَى الله أن [تَعِي]. قال: ونزلت: ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾
وقال أبو عمران الجَوْنِي: ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [يعني]: أذن عقلت عن الله.
* *
- ثم قال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾.
(أي: فإذا نفخ إسرافيل في الصور نفخة واحدة)، وهي النفخة الأولى.
* *
- ﴿وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾.
أي [زلزلتا] زلزلة واحدة.
قال ابن زيد: دكتا دكة واحدة: "صارت غباراً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ﴾.
أي: قامت القيامة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾.
أي: وانصدعت السماء فهي متشققة يومئذ.
قال الضحاك: إذا كان يوم القيامة أمر الله جل ثناؤه السماء بأهلها ونزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها ثم الثانية ثم [الثالثة] إلى السابعة، فصفوا صفاً بين يدي صف ثم نزل الملِك الأعلى على مجنبته جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نَدُّوا فلا يأتون قُطُراً من أقطار الأرض إلا وَجدوا سعبة صفوف من الملائكة فيه، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ [غافر: ٣٢-٣٣].
وذلك قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر: ٢٢].
- وهو قوله: ﴿يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ [أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ] إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] (أي) بحجة، وهو قوله: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ﴾. إلى ﴿عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾
أي: على نواحيها وأطرافها حين تشقق.
قال ابن عباس: على حافاتها، وذلك حين تشقق.
وعن ابن جبير: ﴿عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾: على حافات الدنيا.
وواحد الأرجاء [رجا] مقصور، وهو الناحية، يثنى بالواو.
والرجاء: الأملُ، مَمْدُودُ.
* *
- ثم قال: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾.
قال ابن عباس هي ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله، وهو قول الضحاك وعكرمة.
وقال ابن زيد: هم ثمانية أملاك. وروي عن النبي ﷺ (أنه قال): يحمِلهُ اليَوْمَ أَرْبَعَةٌ، وَيَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ثَمَانِيَةٌ، وأنه قال ﷺ: إِنَّ أَقْدَامَهُمْ لَفِي الأَرْضِ السَّابِعَةِ، وإِنَّ مَنَاكِبَهُمْ لَخَارِجَةٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ عَلَيْهَا العَرِشُ، قال ابن زيد: يريد الأربعة. قال ابن زيد: وبلغنا أن رسول الله ﷺ قال: لمَّا خَلَقَهُمُ الله قال: تَدرون لِمَ خلقتكم؟ قالوا: خلقتنا ربنا لما شاء، قال لهم: تحملون عرشي، ثم قال: سَلوني من القوة ما شئتم أَجْعَلُهَا فِيكُم، فقال أحدهم: قد كان عرش ربنا على الماء فاجعلني في قوة الماء، قال: قد جعلت فيك قوة الماء، وقال آخر: اجعل في قوة السماوات، (قال: قد جعلت فيك قوة السماوات. وقال الآخر: اجعل في قوة الأرض والجبال، قال: قد جعلت فيك قوة الأرض والجبال. وقال آخر: اجعل في قوة الرياح)، قال: قد جعلت فيك قوة الرياح.
(ثم) قال: احملوا. قال: فوضعوا العرش على كواهلهم فلم يزولوا. قال: فجاء عِلْمٌ آخر، وإنما كان عِلْمُهُم الذي [سألوه] القوة. فقال لهم: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله [العلي العظيم]. فقالوها، وجعل فيهم من الحول والقوة ما لم يبلغوه بعلمهم فحملوا
وروى ابن وهب عن أبيه أنه قال: أربعة من الملائكة يحملون العرش على أكتافهم، لكل واحد منهم أربعة أوجه: وجه ثور، ووجه [أسد]، ووجه نسر، ووجه إنسان. ولكل واحد منهم أربعة أجنحة: جناحان على وجهه من أن ينظر إلى العرش فيصعق، وجناحان يقف [بهما]. ليس لهم كلام إلا (أن) يقولوا: قدسوا الله القوي الذي ملأت عظمته السماوات والأرض.
وقال عطاء عن مَيْسَرَة [في قوله] ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾، قال: "أرجلهم في التخوم لا يستطيعون أن يرفعوا أبصارهم من شعاع النور".
قال أبو محمد [مؤلفه رضي الله عنه]: ما جاء في القرآن وهذه الأحاديث من النزول والمجيء وشِبْهِ ذلك مضافاً إلى الله جل ذكره [فلا يجب] أن يُتَأَوَّلَ فيه انتقال "ولا حركة" على الله، إذ لا يجوز عليه ذلك، إذ الحركةُ والنقلةُ إنما هما من صفات المخلوقين. وكل ما جاء من هذا فإنما هو صفة من صفات الله لا كما هي من المخلوقين، فأجرها على ما أتت ولا تعتقد ولا تتوهم في ذلك أمراً مما شَهِدْتَهُ في الخلق، إذ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. وقد قال جماعة من العلماء في وصف الله جل ذكره بالمجيء والإتيان والتنزل: إنها أفعال يحدثها الله متى شاء، سماها بذلك، فلا تَتَقَدَّمْ بَيْنَ يَدَيْهِ ولاَ تُكَيِّفْ وَلاَ تُشَبِّهْ، وَتَقُولُ كَمَا قَالَ وتَنْفِي (عنه) - جل ذكره - التَّشْبِيهَ، ولا تَعْتَرِضْ في شيء مما أَتَى في كتابه من ذلك وما روي عن نبيه (منه) ﷺ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾.
[أي]: ذلك اليوم تعرضون أيها الناس على ربكم فلا يخفى عنه من أعمالكم شيء.
وروي أنهم [يعرضون] ثلاث عرضات: قاله أبو موسى الأشعري وابن مسعود، قالا: فعرضتان فيه الخصومات والمقادير، والثالثة [تطاير] الصحف. قال أبو موسى: "فأخذ بيمينه، وأخذ بشماله".
وروى مثل ذلك قتادة عن النبي ﷺ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ﴾.
أي: فأما من أعطي كتاب عمله بيمينه فيقول: تعالوا﴿ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ﴾.
وقال بعض [أهل اللغة]: أصل "هَاؤُمْ" "هاكم"، ثم أبدل من الكاف واو.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ﴾.
هذا من الظن الذي هو يقين، قوم ظنوا ظناً: فازوا به، وقوم ظنوا ظناً: شقوا [به]، وهو الظن الذي بمعنى الشك.
والمعنى أن المؤمن يقول يوم القيامة حين آَخْذِ كتابه (بيمينه: أيقنت في الدنيا أني ملاق ما عملت إذا وردت يوم القيامة) على ربي.
قال ابن عباس: ظننت: "أيقنت".
قال قتادة: ظَنَّ ظَنّاً يَقِيناً فنفعه الله به، وقال: "ما كان من ظن الآخرة فهو علم" [يريد] من المؤمنين.
* *
- ثم قال: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾.
أي: عيش مرضي، وهو عيش الجنة.
وجعلت "مرضية" نعتاً [للعيشة]؛ لأن ذلك مدح [للعيشة]، كما يقال: "ليل نائم" "وسرٌّ كاتم" و "ماء دافق"، بمعنى "مفعول"؛ لأنه فيه بمعنى المدح، فكان نقله من بناء إلى بناء يدل على المدح أو [الذم]، ولو قلت: "رجل ضارب" بمعنى "مضروب" لم يجز؛ لأنه لا مدح فيه ولا [ذم]، فلا يقع بناء في موقع بناء إلا لمعنى زائد.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
أي: رفيعة المقدار والمكان.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾.
أي: ما يقطف من ثمارها دان، أي: قريب من قاطفه (يقطفه)، فكيف شاء - في حال قيام أو قعود أو اضطجاع - لا يمنعه منه بُعْدٌ، ولا يحول بينه [وبينه] [شوك].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ﴾.
أي: كلوا من ثمرات الجنات غير مُكَدَّرٍ ولا منقص عليكم بما تقدم (لكم) من الأعمال الصالحات في الأيام الماضية في الدنيا لأخراكم. قال قتادة: هذه هي الأيام الخالية فانية تؤدي إلى أيام باقية، فاعملوا في هذه الأيام وقَدِّموا فيها خيراً إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله. ويقال: من عمل في الزمان الذي لا بقاء فيه أَوْصَلَهُ إلى نَعِيمِ الزمان الذي لا زَوَالَ لَهُ.
ويقال: إنه الصيام في أيام الدنيا. روي أنه يوضع يوم القيامة للصوام في الدنيا مائدة يأكلون عليها والناس في الحساب، فيقولون يا رب: نحن في الحساب وهؤلاء يأكلون؟ فيقول: إنهم طالما صاموا في الدنيا وأكلتم، وقاموا ونمتم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ بِشِمَالِهِ﴾
أي: كتاب عمله، ﴿فَيَقُولُ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَٰبِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾.
أي: ولم أدر أي شيء حسابي؟!
* *
- ثم قال: ﴿يٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ﴾.
أي: يا ليت الموتة التي متها في الدنيا كانت هي الفراغ من كل ما بعدها ولم يكن بعد ذلك حياة.
قال قتادة: تمنى الموت ولم يكن في الدنيا شيء أكره إليه من الموت.
* *
- ثم قال: ﴿مَآ أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ﴾.
أي: لم ينفعني [مالي] ولا دفع عني من العذاب شيئاً، فتكون "ما" نافية. ويجوز أن تكون استفهاماً في موضع نصب والتقدير، أي بشيء أغنى عني مالي.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾.
قال [ابن عباس]: ضلت عني كل [بينة] لي (فلم) تغن عني شيئاً. قال عكرمة ومجاهد: سلطاني: حجتي. وقال ابن زيد: ﴿هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ أي: "سلطان الدنيا" وملكها.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾.
هذا أمر من الله لِخُزَّانِ جهنم من الملائكة، أي: خذوا هذا الكافر فغلوا يده إلى عنقه، ثم الجحيم فألقوه وأوردوه (فيها).
* *
﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾.
أي: ثم اسلكوه في سلسلة طولها سبعون ذراعا. وذلك أن تدخل في دبره وتخرج من منخريه. وقيل: تدخل في فِيهِ وتخرج من دبره. وقال محمد بن المنكدر: لو جمع حديدُ الدنيا ما مضى منها وما بقي ما عَدَلَ حلقة من حلق السلسلة.
قال نوف البكالي: الذراع سبعون باعاً أبعد ما بينك وبين مكة وهو يومئذ بالكوفة. قال ابن عباس: ﴿سَبْعُونَ ذِرَاعاً﴾ "بذراع الملك ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ تسلك في دُبره حتى تخرج من منخريه حتى لا يقوم على رجليه".
وروى عبد الله بن عمر وابن العاصي أن رسول الله ﷺ قال: "لَوْ أَنَّ رَصَاصَة مثل هذا - وأشار إلى مثل جمجمة - أُرْسِلَتْ من السماء إلى الأرض - وهي مسيرةُ خَمْسِ مِائَةِ سنة - لبلغت الأرضَ قبل الليل. ولو أنها أُرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفاً - الليلَ والنهارَ - قبل أن [تبلغ] أصلها أو قعرها
وقيل: فاسلكوه، وإنما تسلك السلسلة فيه لأن المعنى مفهوم، مثل قولهم: أدخلت رأسي في القلنسوة، وإنما تدخل [القلنسوة] في الرأس، وشبهه كثير في الكلام.
وقال الفراء: التقدير: فاسلكوه فيها.
وروى نعيم بن حماد عن كعب أنه قال: ينظر الله إلى عبده يوم القيامة فيقول: "خذوه"، فيأخذه مائة ألف ملك حتى يتفتت في أيديهم، فيقول: أما ترحموننا؟! فيقولون: وكيف نرحمك ولم يرحمك أرحم الراحمين؟!.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ﴾.
أي: لا يصدق بتوحيد بالله.
* *
﴿وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾.
ولا يرغب هو ولا يُرَغَّبُ غيرهُ في إطعام أهل المسكنة والحاجة.
الحاقة 69:15
[قوله] ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً...﴾ إلى [قوله] ﴿عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾.
أي: فعلنا ذلك لنجعل السفينة لكم عبرة وعظة وآية.
قال قتادة: أبقى الله السفينة تذكرة وعظة وآية حتى نظر إليها أول هذه [الأُمة]، وكم من سفينة قد كانت بعد سفينة نوح قد صارت رِمْدداً.
- قال ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾..
[أي]: [ولتعي] هذه التذكرة أذن حافظة عقلت عن الله ما سمعت.
وروي أن النبي ﷺ قرأ: ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ ثُمَّ الْتَفَتَ إلَى عَلِيِّ رضي الله عنه فقال: سَاَلْتُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَهَا أُذُنَكَ. قال علَيٌّ: فَمَا سَمِعْتُ شَيْئاً مِنْ رَسُولِ اللهِ قَطّ فَنَسِيتُهُ.
"
وقال [بريدة]: سمعت رسول الله ﷺ يقول لعلي: [يا علي]، إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ [أُدْنِيْكَ] ولاَ أُقْصِيَكَ، [وَأنْ أُعَلِّمكَ] وَأَنْ تَعِيَ. وَحَق عَلَى الله أن [تَعِي]. قال: ونزلت: ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾
وقال أبو عمران الجَوْنِي: ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [يعني]: أذن عقلت عن الله.
* *
- ثم قال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾.
(أي: فإذا نفخ إسرافيل في الصور نفخة واحدة)، وهي النفخة الأولى.
* *
- ﴿وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾.
أي [زلزلتا] زلزلة واحدة.
قال ابن زيد: دكتا دكة واحدة: "صارت غباراً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ﴾.
أي: قامت القيامة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾.
أي: وانصدعت السماء فهي متشققة يومئذ.
قال الضحاك: إذا كان يوم القيامة أمر الله جل ثناؤه السماء بأهلها ونزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها ثم الثانية ثم [الثالثة] إلى السابعة، فصفوا صفاً بين يدي صف ثم نزل الملِك الأعلى على مجنبته جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نَدُّوا فلا يأتون قُطُراً من أقطار الأرض إلا وَجدوا سعبة صفوف من الملائكة فيه، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ [غافر: ٣٢-٣٣].
وذلك قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر: ٢٢].
- وهو قوله: ﴿يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ [أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ] إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] (أي) بحجة، وهو قوله: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ﴾. إلى ﴿عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾
أي: على نواحيها وأطرافها حين تشقق.
قال ابن عباس: على حافاتها، وذلك حين تشقق.
وعن ابن جبير: ﴿عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾: على حافات الدنيا.
وواحد الأرجاء [رجا] مقصور، وهو الناحية، يثنى بالواو.
والرجاء: الأملُ، مَمْدُودُ.
* *
- ثم قال: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾.
قال ابن عباس هي ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله، وهو قول الضحاك وعكرمة.
وقال ابن زيد: هم ثمانية أملاك. وروي عن النبي ﷺ (أنه قال): يحمِلهُ اليَوْمَ أَرْبَعَةٌ، وَيَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ثَمَانِيَةٌ، وأنه قال ﷺ: إِنَّ أَقْدَامَهُمْ لَفِي الأَرْضِ السَّابِعَةِ، وإِنَّ مَنَاكِبَهُمْ لَخَارِجَةٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ عَلَيْهَا العَرِشُ، قال ابن زيد: يريد الأربعة. قال ابن زيد: وبلغنا أن رسول الله ﷺ قال: لمَّا خَلَقَهُمُ الله قال: تَدرون لِمَ خلقتكم؟ قالوا: خلقتنا ربنا لما شاء، قال لهم: تحملون عرشي، ثم قال: سَلوني من القوة ما شئتم أَجْعَلُهَا فِيكُم، فقال أحدهم: قد كان عرش ربنا على الماء فاجعلني في قوة الماء، قال: قد جعلت فيك قوة الماء، وقال آخر: اجعل في قوة السماوات، (قال: قد جعلت فيك قوة السماوات. وقال الآخر: اجعل في قوة الأرض والجبال، قال: قد جعلت فيك قوة الأرض والجبال. وقال آخر: اجعل في قوة الرياح)، قال: قد جعلت فيك قوة الرياح.
(ثم) قال: احملوا. قال: فوضعوا العرش على كواهلهم فلم يزولوا. قال: فجاء عِلْمٌ آخر، وإنما كان عِلْمُهُم الذي [سألوه] القوة. فقال لهم: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله [العلي العظيم]. فقالوها، وجعل فيهم من الحول والقوة ما لم يبلغوه بعلمهم فحملوا
وروى ابن وهب عن أبيه أنه قال: أربعة من الملائكة يحملون العرش على أكتافهم، لكل واحد منهم أربعة أوجه: وجه ثور، ووجه [أسد]، ووجه نسر، ووجه إنسان. ولكل واحد منهم أربعة أجنحة: جناحان على وجهه من أن ينظر إلى العرش فيصعق، وجناحان يقف [بهما]. ليس لهم كلام إلا (أن) يقولوا: قدسوا الله القوي الذي ملأت عظمته السماوات والأرض.
وقال عطاء عن مَيْسَرَة [في قوله] ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾، قال: "أرجلهم في التخوم لا يستطيعون أن يرفعوا أبصارهم من شعاع النور".
قال أبو محمد [مؤلفه رضي الله عنه]: ما جاء في القرآن وهذه الأحاديث من النزول والمجيء وشِبْهِ ذلك مضافاً إلى الله جل ذكره [فلا يجب] أن يُتَأَوَّلَ فيه انتقال "ولا حركة" على الله، إذ لا يجوز عليه ذلك، إذ الحركةُ والنقلةُ إنما هما من صفات المخلوقين. وكل ما جاء من هذا فإنما هو صفة من صفات الله لا كما هي من المخلوقين، فأجرها على ما أتت ولا تعتقد ولا تتوهم في ذلك أمراً مما شَهِدْتَهُ في الخلق، إذ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. وقد قال جماعة من العلماء في وصف الله جل ذكره بالمجيء والإتيان والتنزل: إنها أفعال يحدثها الله متى شاء، سماها بذلك، فلا تَتَقَدَّمْ بَيْنَ يَدَيْهِ ولاَ تُكَيِّفْ وَلاَ تُشَبِّهْ، وَتَقُولُ كَمَا قَالَ وتَنْفِي (عنه) - جل ذكره - التَّشْبِيهَ، ولا تَعْتَرِضْ في شيء مما أَتَى في كتابه من ذلك وما روي عن نبيه (منه) ﷺ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾.
[أي]: ذلك اليوم تعرضون أيها الناس على ربكم فلا يخفى عنه من أعمالكم شيء.
وروي أنهم [يعرضون] ثلاث عرضات: قاله أبو موسى الأشعري وابن مسعود، قالا: فعرضتان فيه الخصومات والمقادير، والثالثة [تطاير] الصحف. قال أبو موسى: "فأخذ بيمينه، وأخذ بشماله".
وروى مثل ذلك قتادة عن النبي ﷺ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ﴾.
أي: فأما من أعطي كتاب عمله بيمينه فيقول: تعالوا﴿ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ﴾.
وقال بعض [أهل اللغة]: أصل "هَاؤُمْ" "هاكم"، ثم أبدل من الكاف واو.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ﴾.
هذا من الظن الذي هو يقين، قوم ظنوا ظناً: فازوا به، وقوم ظنوا ظناً: شقوا [به]، وهو الظن الذي بمعنى الشك.
والمعنى أن المؤمن يقول يوم القيامة حين آَخْذِ كتابه (بيمينه: أيقنت في الدنيا أني ملاق ما عملت إذا وردت يوم القيامة) على ربي.
قال ابن عباس: ظننت: "أيقنت".
قال قتادة: ظَنَّ ظَنّاً يَقِيناً فنفعه الله به، وقال: "ما كان من ظن الآخرة فهو علم" [يريد] من المؤمنين.
* *
- ثم قال: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾.
أي: عيش مرضي، وهو عيش الجنة.
وجعلت "مرضية" نعتاً [للعيشة]؛ لأن ذلك مدح [للعيشة]، كما يقال: "ليل نائم" "وسرٌّ كاتم" و "ماء دافق"، بمعنى "مفعول"؛ لأنه فيه بمعنى المدح، فكان نقله من بناء إلى بناء يدل على المدح أو [الذم]، ولو قلت: "رجل ضارب" بمعنى "مضروب" لم يجز؛ لأنه لا مدح فيه ولا [ذم]، فلا يقع بناء في موقع بناء إلا لمعنى زائد.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
أي: رفيعة المقدار والمكان.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾.
أي: ما يقطف من ثمارها دان، أي: قريب من قاطفه (يقطفه)، فكيف شاء - في حال قيام أو قعود أو اضطجاع - لا يمنعه منه بُعْدٌ، ولا يحول بينه [وبينه] [شوك].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ﴾.
أي: كلوا من ثمرات الجنات غير مُكَدَّرٍ ولا منقص عليكم بما تقدم (لكم) من الأعمال الصالحات في الأيام الماضية في الدنيا لأخراكم. قال قتادة: هذه هي الأيام الخالية فانية تؤدي إلى أيام باقية، فاعملوا في هذه الأيام وقَدِّموا فيها خيراً إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله. ويقال: من عمل في الزمان الذي لا بقاء فيه أَوْصَلَهُ إلى نَعِيمِ الزمان الذي لا زَوَالَ لَهُ.
ويقال: إنه الصيام في أيام الدنيا. روي أنه يوضع يوم القيامة للصوام في الدنيا مائدة يأكلون عليها والناس في الحساب، فيقولون يا رب: نحن في الحساب وهؤلاء يأكلون؟ فيقول: إنهم طالما صاموا في الدنيا وأكلتم، وقاموا ونمتم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ بِشِمَالِهِ﴾
أي: كتاب عمله، ﴿فَيَقُولُ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَٰبِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾.
أي: ولم أدر أي شيء حسابي؟!
* *
- ثم قال: ﴿يٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ﴾.
أي: يا ليت الموتة التي متها في الدنيا كانت هي الفراغ من كل ما بعدها ولم يكن بعد ذلك حياة.
قال قتادة: تمنى الموت ولم يكن في الدنيا شيء أكره إليه من الموت.
* *
- ثم قال: ﴿مَآ أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ﴾.
أي: لم ينفعني [مالي] ولا دفع عني من العذاب شيئاً، فتكون "ما" نافية. ويجوز أن تكون استفهاماً في موضع نصب والتقدير، أي بشيء أغنى عني مالي.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾.
قال [ابن عباس]: ضلت عني كل [بينة] لي (فلم) تغن عني شيئاً. قال عكرمة ومجاهد: سلطاني: حجتي. وقال ابن زيد: ﴿هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ أي: "سلطان الدنيا" وملكها.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾.
هذا أمر من الله لِخُزَّانِ جهنم من الملائكة، أي: خذوا هذا الكافر فغلوا يده إلى عنقه، ثم الجحيم فألقوه وأوردوه (فيها).
* *
﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾.
أي: ثم اسلكوه في سلسلة طولها سبعون ذراعا. وذلك أن تدخل في دبره وتخرج من منخريه. وقيل: تدخل في فِيهِ وتخرج من دبره. وقال محمد بن المنكدر: لو جمع حديدُ الدنيا ما مضى منها وما بقي ما عَدَلَ حلقة من حلق السلسلة.
قال نوف البكالي: الذراع سبعون باعاً أبعد ما بينك وبين مكة وهو يومئذ بالكوفة. قال ابن عباس: ﴿سَبْعُونَ ذِرَاعاً﴾ "بذراع الملك ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ تسلك في دُبره حتى تخرج من منخريه حتى لا يقوم على رجليه".
وروى عبد الله بن عمر وابن العاصي أن رسول الله ﷺ قال: "لَوْ أَنَّ رَصَاصَة مثل هذا - وأشار إلى مثل جمجمة - أُرْسِلَتْ من السماء إلى الأرض - وهي مسيرةُ خَمْسِ مِائَةِ سنة - لبلغت الأرضَ قبل الليل. ولو أنها أُرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفاً - الليلَ والنهارَ - قبل أن [تبلغ] أصلها أو قعرها
وقيل: فاسلكوه، وإنما تسلك السلسلة فيه لأن المعنى مفهوم، مثل قولهم: أدخلت رأسي في القلنسوة، وإنما تدخل [القلنسوة] في الرأس، وشبهه كثير في الكلام.
وقال الفراء: التقدير: فاسلكوه فيها.
وروى نعيم بن حماد عن كعب أنه قال: ينظر الله إلى عبده يوم القيامة فيقول: "خذوه"، فيأخذه مائة ألف ملك حتى يتفتت في أيديهم، فيقول: أما ترحموننا؟! فيقولون: وكيف نرحمك ولم يرحمك أرحم الراحمين؟!.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ﴾.
أي: لا يصدق بتوحيد بالله.
* *
﴿وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾.
ولا يرغب هو ولا يُرَغَّبُ غيرهُ في إطعام أهل المسكنة والحاجة.
الحاقة 69:16
[قوله] ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً...﴾ إلى [قوله] ﴿عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾.
أي: فعلنا ذلك لنجعل السفينة لكم عبرة وعظة وآية.
قال قتادة: أبقى الله السفينة تذكرة وعظة وآية حتى نظر إليها أول هذه [الأُمة]، وكم من سفينة قد كانت بعد سفينة نوح قد صارت رِمْدداً.
- قال ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾..
[أي]: [ولتعي] هذه التذكرة أذن حافظة عقلت عن الله ما سمعت.
وروي أن النبي ﷺ قرأ: ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ ثُمَّ الْتَفَتَ إلَى عَلِيِّ رضي الله عنه فقال: سَاَلْتُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَهَا أُذُنَكَ. قال علَيٌّ: فَمَا سَمِعْتُ شَيْئاً مِنْ رَسُولِ اللهِ قَطّ فَنَسِيتُهُ.
"
وقال [بريدة]: سمعت رسول الله ﷺ يقول لعلي: [يا علي]، إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ [أُدْنِيْكَ] ولاَ أُقْصِيَكَ، [وَأنْ أُعَلِّمكَ] وَأَنْ تَعِيَ. وَحَق عَلَى الله أن [تَعِي]. قال: ونزلت: ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾
وقال أبو عمران الجَوْنِي: ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [يعني]: أذن عقلت عن الله.
* *
- ثم قال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾.
(أي: فإذا نفخ إسرافيل في الصور نفخة واحدة)، وهي النفخة الأولى.
* *
- ﴿وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾.
أي [زلزلتا] زلزلة واحدة.
قال ابن زيد: دكتا دكة واحدة: "صارت غباراً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ﴾.
أي: قامت القيامة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾.
أي: وانصدعت السماء فهي متشققة يومئذ.
قال الضحاك: إذا كان يوم القيامة أمر الله جل ثناؤه السماء بأهلها ونزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها ثم الثانية ثم [الثالثة] إلى السابعة، فصفوا صفاً بين يدي صف ثم نزل الملِك الأعلى على مجنبته جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نَدُّوا فلا يأتون قُطُراً من أقطار الأرض إلا وَجدوا سعبة صفوف من الملائكة فيه، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ [غافر: ٣٢-٣٣].
وذلك قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر: ٢٢].
- وهو قوله: ﴿يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ [أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ] إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] (أي) بحجة، وهو قوله: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ﴾. إلى ﴿عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾
أي: على نواحيها وأطرافها حين تشقق.
قال ابن عباس: على حافاتها، وذلك حين تشقق.
وعن ابن جبير: ﴿عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾: على حافات الدنيا.
وواحد الأرجاء [رجا] مقصور، وهو الناحية، يثنى بالواو.
والرجاء: الأملُ، مَمْدُودُ.
* *
- ثم قال: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾.
قال ابن عباس هي ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله، وهو قول الضحاك وعكرمة.
وقال ابن زيد: هم ثمانية أملاك. وروي عن النبي ﷺ (أنه قال): يحمِلهُ اليَوْمَ أَرْبَعَةٌ، وَيَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ثَمَانِيَةٌ، وأنه قال ﷺ: إِنَّ أَقْدَامَهُمْ لَفِي الأَرْضِ السَّابِعَةِ، وإِنَّ مَنَاكِبَهُمْ لَخَارِجَةٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ عَلَيْهَا العَرِشُ، قال ابن زيد: يريد الأربعة. قال ابن زيد: وبلغنا أن رسول الله ﷺ قال: لمَّا خَلَقَهُمُ الله قال: تَدرون لِمَ خلقتكم؟ قالوا: خلقتنا ربنا لما شاء، قال لهم: تحملون عرشي، ثم قال: سَلوني من القوة ما شئتم أَجْعَلُهَا فِيكُم، فقال أحدهم: قد كان عرش ربنا على الماء فاجعلني في قوة الماء، قال: قد جعلت فيك قوة الماء، وقال آخر: اجعل في قوة السماوات، (قال: قد جعلت فيك قوة السماوات. وقال الآخر: اجعل في قوة الأرض والجبال، قال: قد جعلت فيك قوة الأرض والجبال. وقال آخر: اجعل في قوة الرياح)، قال: قد جعلت فيك قوة الرياح.
(ثم) قال: احملوا. قال: فوضعوا العرش على كواهلهم فلم يزولوا. قال: فجاء عِلْمٌ آخر، وإنما كان عِلْمُهُم الذي [سألوه] القوة. فقال لهم: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله [العلي العظيم]. فقالوها، وجعل فيهم من الحول والقوة ما لم يبلغوه بعلمهم فحملوا
وروى ابن وهب عن أبيه أنه قال: أربعة من الملائكة يحملون العرش على أكتافهم، لكل واحد منهم أربعة أوجه: وجه ثور، ووجه [أسد]، ووجه نسر، ووجه إنسان. ولكل واحد منهم أربعة أجنحة: جناحان على وجهه من أن ينظر إلى العرش فيصعق، وجناحان يقف [بهما]. ليس لهم كلام إلا (أن) يقولوا: قدسوا الله القوي الذي ملأت عظمته السماوات والأرض.
وقال عطاء عن مَيْسَرَة [في قوله] ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾، قال: "أرجلهم في التخوم لا يستطيعون أن يرفعوا أبصارهم من شعاع النور".
قال أبو محمد [مؤلفه رضي الله عنه]: ما جاء في القرآن وهذه الأحاديث من النزول والمجيء وشِبْهِ ذلك مضافاً إلى الله جل ذكره [فلا يجب] أن يُتَأَوَّلَ فيه انتقال "ولا حركة" على الله، إذ لا يجوز عليه ذلك، إذ الحركةُ والنقلةُ إنما هما من صفات المخلوقين. وكل ما جاء من هذا فإنما هو صفة من صفات الله لا كما هي من المخلوقين، فأجرها على ما أتت ولا تعتقد ولا تتوهم في ذلك أمراً مما شَهِدْتَهُ في الخلق، إذ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. وقد قال جماعة من العلماء في وصف الله جل ذكره بالمجيء والإتيان والتنزل: إنها أفعال يحدثها الله متى شاء، سماها بذلك، فلا تَتَقَدَّمْ بَيْنَ يَدَيْهِ ولاَ تُكَيِّفْ وَلاَ تُشَبِّهْ، وَتَقُولُ كَمَا قَالَ وتَنْفِي (عنه) - جل ذكره - التَّشْبِيهَ، ولا تَعْتَرِضْ في شيء مما أَتَى في كتابه من ذلك وما روي عن نبيه (منه) ﷺ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾.
[أي]: ذلك اليوم تعرضون أيها الناس على ربكم فلا يخفى عنه من أعمالكم شيء.
وروي أنهم [يعرضون] ثلاث عرضات: قاله أبو موسى الأشعري وابن مسعود، قالا: فعرضتان فيه الخصومات والمقادير، والثالثة [تطاير] الصحف. قال أبو موسى: "فأخذ بيمينه، وأخذ بشماله".
وروى مثل ذلك قتادة عن النبي ﷺ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ﴾.
أي: فأما من أعطي كتاب عمله بيمينه فيقول: تعالوا﴿ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ﴾.
وقال بعض [أهل اللغة]: أصل "هَاؤُمْ" "هاكم"، ثم أبدل من الكاف واو.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ﴾.
هذا من الظن الذي هو يقين، قوم ظنوا ظناً: فازوا به، وقوم ظنوا ظناً: شقوا [به]، وهو الظن الذي بمعنى الشك.
والمعنى أن المؤمن يقول يوم القيامة حين آَخْذِ كتابه (بيمينه: أيقنت في الدنيا أني ملاق ما عملت إذا وردت يوم القيامة) على ربي.
قال ابن عباس: ظننت: "أيقنت".
قال قتادة: ظَنَّ ظَنّاً يَقِيناً فنفعه الله به، وقال: "ما كان من ظن الآخرة فهو علم" [يريد] من المؤمنين.
* *
- ثم قال: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾.
أي: عيش مرضي، وهو عيش الجنة.
وجعلت "مرضية" نعتاً [للعيشة]؛ لأن ذلك مدح [للعيشة]، كما يقال: "ليل نائم" "وسرٌّ كاتم" و "ماء دافق"، بمعنى "مفعول"؛ لأنه فيه بمعنى المدح، فكان نقله من بناء إلى بناء يدل على المدح أو [الذم]، ولو قلت: "رجل ضارب" بمعنى "مضروب" لم يجز؛ لأنه لا مدح فيه ولا [ذم]، فلا يقع بناء في موقع بناء إلا لمعنى زائد.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
أي: رفيعة المقدار والمكان.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾.
أي: ما يقطف من ثمارها دان، أي: قريب من قاطفه (يقطفه)، فكيف شاء - في حال قيام أو قعود أو اضطجاع - لا يمنعه منه بُعْدٌ، ولا يحول بينه [وبينه] [شوك].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ﴾.
أي: كلوا من ثمرات الجنات غير مُكَدَّرٍ ولا منقص عليكم بما تقدم (لكم) من الأعمال الصالحات في الأيام الماضية في الدنيا لأخراكم. قال قتادة: هذه هي الأيام الخالية فانية تؤدي إلى أيام باقية، فاعملوا في هذه الأيام وقَدِّموا فيها خيراً إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله. ويقال: من عمل في الزمان الذي لا بقاء فيه أَوْصَلَهُ إلى نَعِيمِ الزمان الذي لا زَوَالَ لَهُ.
ويقال: إنه الصيام في أيام الدنيا. روي أنه يوضع يوم القيامة للصوام في الدنيا مائدة يأكلون عليها والناس في الحساب، فيقولون يا رب: نحن في الحساب وهؤلاء يأكلون؟ فيقول: إنهم طالما صاموا في الدنيا وأكلتم، وقاموا ونمتم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ بِشِمَالِهِ﴾
أي: كتاب عمله، ﴿فَيَقُولُ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَٰبِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾.
أي: ولم أدر أي شيء حسابي؟!
* *
- ثم قال: ﴿يٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ﴾.
أي: يا ليت الموتة التي متها في الدنيا كانت هي الفراغ من كل ما بعدها ولم يكن بعد ذلك حياة.
قال قتادة: تمنى الموت ولم يكن في الدنيا شيء أكره إليه من الموت.
* *
- ثم قال: ﴿مَآ أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ﴾.
أي: لم ينفعني [مالي] ولا دفع عني من العذاب شيئاً، فتكون "ما" نافية. ويجوز أن تكون استفهاماً في موضع نصب والتقدير، أي بشيء أغنى عني مالي.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾.
قال [ابن عباس]: ضلت عني كل [بينة] لي (فلم) تغن عني شيئاً. قال عكرمة ومجاهد: سلطاني: حجتي. وقال ابن زيد: ﴿هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ أي: "سلطان الدنيا" وملكها.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾.
هذا أمر من الله لِخُزَّانِ جهنم من الملائكة، أي: خذوا هذا الكافر فغلوا يده إلى عنقه، ثم الجحيم فألقوه وأوردوه (فيها).
* *
﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾.
أي: ثم اسلكوه في سلسلة طولها سبعون ذراعا. وذلك أن تدخل في دبره وتخرج من منخريه. وقيل: تدخل في فِيهِ وتخرج من دبره. وقال محمد بن المنكدر: لو جمع حديدُ الدنيا ما مضى منها وما بقي ما عَدَلَ حلقة من حلق السلسلة.
قال نوف البكالي: الذراع سبعون باعاً أبعد ما بينك وبين مكة وهو يومئذ بالكوفة. قال ابن عباس: ﴿سَبْعُونَ ذِرَاعاً﴾ "بذراع الملك ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ تسلك في دُبره حتى تخرج من منخريه حتى لا يقوم على رجليه".
وروى عبد الله بن عمر وابن العاصي أن رسول الله ﷺ قال: "لَوْ أَنَّ رَصَاصَة مثل هذا - وأشار إلى مثل جمجمة - أُرْسِلَتْ من السماء إلى الأرض - وهي مسيرةُ خَمْسِ مِائَةِ سنة - لبلغت الأرضَ قبل الليل. ولو أنها أُرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفاً - الليلَ والنهارَ - قبل أن [تبلغ] أصلها أو قعرها
وقيل: فاسلكوه، وإنما تسلك السلسلة فيه لأن المعنى مفهوم، مثل قولهم: أدخلت رأسي في القلنسوة، وإنما تدخل [القلنسوة] في الرأس، وشبهه كثير في الكلام.
وقال الفراء: التقدير: فاسلكوه فيها.
وروى نعيم بن حماد عن كعب أنه قال: ينظر الله إلى عبده يوم القيامة فيقول: "خذوه"، فيأخذه مائة ألف ملك حتى يتفتت في أيديهم، فيقول: أما ترحموننا؟! فيقولون: وكيف نرحمك ولم يرحمك أرحم الراحمين؟!.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ﴾.
أي: لا يصدق بتوحيد بالله.
* *
﴿وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾.
ولا يرغب هو ولا يُرَغَّبُ غيرهُ في إطعام أهل المسكنة والحاجة.
الحاقة 69:17
[قوله] ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً...﴾ إلى [قوله] ﴿عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾.
أي: فعلنا ذلك لنجعل السفينة لكم عبرة وعظة وآية.
قال قتادة: أبقى الله السفينة تذكرة وعظة وآية حتى نظر إليها أول هذه [الأُمة]، وكم من سفينة قد كانت بعد سفينة نوح قد صارت رِمْدداً.
- قال ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾..
[أي]: [ولتعي] هذه التذكرة أذن حافظة عقلت عن الله ما سمعت.
وروي أن النبي ﷺ قرأ: ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ ثُمَّ الْتَفَتَ إلَى عَلِيِّ رضي الله عنه فقال: سَاَلْتُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَهَا أُذُنَكَ. قال علَيٌّ: فَمَا سَمِعْتُ شَيْئاً مِنْ رَسُولِ اللهِ قَطّ فَنَسِيتُهُ.
"
وقال [بريدة]: سمعت رسول الله ﷺ يقول لعلي: [يا علي]، إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ [أُدْنِيْكَ] ولاَ أُقْصِيَكَ، [وَأنْ أُعَلِّمكَ] وَأَنْ تَعِيَ. وَحَق عَلَى الله أن [تَعِي]. قال: ونزلت: ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾
وقال أبو عمران الجَوْنِي: ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [يعني]: أذن عقلت عن الله.
* *
- ثم قال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾.
(أي: فإذا نفخ إسرافيل في الصور نفخة واحدة)، وهي النفخة الأولى.
* *
- ﴿وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾.
أي [زلزلتا] زلزلة واحدة.
قال ابن زيد: دكتا دكة واحدة: "صارت غباراً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ﴾.
أي: قامت القيامة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾.
أي: وانصدعت السماء فهي متشققة يومئذ.
قال الضحاك: إذا كان يوم القيامة أمر الله جل ثناؤه السماء بأهلها ونزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها ثم الثانية ثم [الثالثة] إلى السابعة، فصفوا صفاً بين يدي صف ثم نزل الملِك الأعلى على مجنبته جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نَدُّوا فلا يأتون قُطُراً من أقطار الأرض إلا وَجدوا سعبة صفوف من الملائكة فيه، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ [غافر: ٣٢-٣٣].
وذلك قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر: ٢٢].
- وهو قوله: ﴿يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ [أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ] إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] (أي) بحجة، وهو قوله: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ﴾. إلى ﴿عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾
أي: على نواحيها وأطرافها حين تشقق.
قال ابن عباس: على حافاتها، وذلك حين تشقق.
وعن ابن جبير: ﴿عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾: على حافات الدنيا.
وواحد الأرجاء [رجا] مقصور، وهو الناحية، يثنى بالواو.
والرجاء: الأملُ، مَمْدُودُ.
* *
- ثم قال: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾.
قال ابن عباس هي ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله، وهو قول الضحاك وعكرمة.
وقال ابن زيد: هم ثمانية أملاك. وروي عن النبي ﷺ (أنه قال): يحمِلهُ اليَوْمَ أَرْبَعَةٌ، وَيَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ثَمَانِيَةٌ، وأنه قال ﷺ: إِنَّ أَقْدَامَهُمْ لَفِي الأَرْضِ السَّابِعَةِ، وإِنَّ مَنَاكِبَهُمْ لَخَارِجَةٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ عَلَيْهَا العَرِشُ، قال ابن زيد: يريد الأربعة. قال ابن زيد: وبلغنا أن رسول الله ﷺ قال: لمَّا خَلَقَهُمُ الله قال: تَدرون لِمَ خلقتكم؟ قالوا: خلقتنا ربنا لما شاء، قال لهم: تحملون عرشي، ثم قال: سَلوني من القوة ما شئتم أَجْعَلُهَا فِيكُم، فقال أحدهم: قد كان عرش ربنا على الماء فاجعلني في قوة الماء، قال: قد جعلت فيك قوة الماء، وقال آخر: اجعل في قوة السماوات، (قال: قد جعلت فيك قوة السماوات. وقال الآخر: اجعل في قوة الأرض والجبال، قال: قد جعلت فيك قوة الأرض والجبال. وقال آخر: اجعل في قوة الرياح)، قال: قد جعلت فيك قوة الرياح.
(ثم) قال: احملوا. قال: فوضعوا العرش على كواهلهم فلم يزولوا. قال: فجاء عِلْمٌ آخر، وإنما كان عِلْمُهُم الذي [سألوه] القوة. فقال لهم: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله [العلي العظيم]. فقالوها، وجعل فيهم من الحول والقوة ما لم يبلغوه بعلمهم فحملوا
وروى ابن وهب عن أبيه أنه قال: أربعة من الملائكة يحملون العرش على أكتافهم، لكل واحد منهم أربعة أوجه: وجه ثور، ووجه [أسد]، ووجه نسر، ووجه إنسان. ولكل واحد منهم أربعة أجنحة: جناحان على وجهه من أن ينظر إلى العرش فيصعق، وجناحان يقف [بهما]. ليس لهم كلام إلا (أن) يقولوا: قدسوا الله القوي الذي ملأت عظمته السماوات والأرض.
وقال عطاء عن مَيْسَرَة [في قوله] ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾، قال: "أرجلهم في التخوم لا يستطيعون أن يرفعوا أبصارهم من شعاع النور".
قال أبو محمد [مؤلفه رضي الله عنه]: ما جاء في القرآن وهذه الأحاديث من النزول والمجيء وشِبْهِ ذلك مضافاً إلى الله جل ذكره [فلا يجب] أن يُتَأَوَّلَ فيه انتقال "ولا حركة" على الله، إذ لا يجوز عليه ذلك، إذ الحركةُ والنقلةُ إنما هما من صفات المخلوقين. وكل ما جاء من هذا فإنما هو صفة من صفات الله لا كما هي من المخلوقين، فأجرها على ما أتت ولا تعتقد ولا تتوهم في ذلك أمراً مما شَهِدْتَهُ في الخلق، إذ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. وقد قال جماعة من العلماء في وصف الله جل ذكره بالمجيء والإتيان والتنزل: إنها أفعال يحدثها الله متى شاء، سماها بذلك، فلا تَتَقَدَّمْ بَيْنَ يَدَيْهِ ولاَ تُكَيِّفْ وَلاَ تُشَبِّهْ، وَتَقُولُ كَمَا قَالَ وتَنْفِي (عنه) - جل ذكره - التَّشْبِيهَ، ولا تَعْتَرِضْ في شيء مما أَتَى في كتابه من ذلك وما روي عن نبيه (منه) ﷺ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾.
[أي]: ذلك اليوم تعرضون أيها الناس على ربكم فلا يخفى عنه من أعمالكم شيء.
وروي أنهم [يعرضون] ثلاث عرضات: قاله أبو موسى الأشعري وابن مسعود، قالا: فعرضتان فيه الخصومات والمقادير، والثالثة [تطاير] الصحف. قال أبو موسى: "فأخذ بيمينه، وأخذ بشماله".
وروى مثل ذلك قتادة عن النبي ﷺ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ﴾.
أي: فأما من أعطي كتاب عمله بيمينه فيقول: تعالوا﴿ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ﴾.
وقال بعض [أهل اللغة]: أصل "هَاؤُمْ" "هاكم"، ثم أبدل من الكاف واو.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ﴾.
هذا من الظن الذي هو يقين، قوم ظنوا ظناً: فازوا به، وقوم ظنوا ظناً: شقوا [به]، وهو الظن الذي بمعنى الشك.
والمعنى أن المؤمن يقول يوم القيامة حين آَخْذِ كتابه (بيمينه: أيقنت في الدنيا أني ملاق ما عملت إذا وردت يوم القيامة) على ربي.
قال ابن عباس: ظننت: "أيقنت".
قال قتادة: ظَنَّ ظَنّاً يَقِيناً فنفعه الله به، وقال: "ما كان من ظن الآخرة فهو علم" [يريد] من المؤمنين.
* *
- ثم قال: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾.
أي: عيش مرضي، وهو عيش الجنة.
وجعلت "مرضية" نعتاً [للعيشة]؛ لأن ذلك مدح [للعيشة]، كما يقال: "ليل نائم" "وسرٌّ كاتم" و "ماء دافق"، بمعنى "مفعول"؛ لأنه فيه بمعنى المدح، فكان نقله من بناء إلى بناء يدل على المدح أو [الذم]، ولو قلت: "رجل ضارب" بمعنى "مضروب" لم يجز؛ لأنه لا مدح فيه ولا [ذم]، فلا يقع بناء في موقع بناء إلا لمعنى زائد.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
أي: رفيعة المقدار والمكان.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾.
أي: ما يقطف من ثمارها دان، أي: قريب من قاطفه (يقطفه)، فكيف شاء - في حال قيام أو قعود أو اضطجاع - لا يمنعه منه بُعْدٌ، ولا يحول بينه [وبينه] [شوك].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ﴾.
أي: كلوا من ثمرات الجنات غير مُكَدَّرٍ ولا منقص عليكم بما تقدم (لكم) من الأعمال الصالحات في الأيام الماضية في الدنيا لأخراكم. قال قتادة: هذه هي الأيام الخالية فانية تؤدي إلى أيام باقية، فاعملوا في هذه الأيام وقَدِّموا فيها خيراً إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله. ويقال: من عمل في الزمان الذي لا بقاء فيه أَوْصَلَهُ إلى نَعِيمِ الزمان الذي لا زَوَالَ لَهُ.
ويقال: إنه الصيام في أيام الدنيا. روي أنه يوضع يوم القيامة للصوام في الدنيا مائدة يأكلون عليها والناس في الحساب، فيقولون يا رب: نحن في الحساب وهؤلاء يأكلون؟ فيقول: إنهم طالما صاموا في الدنيا وأكلتم، وقاموا ونمتم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ بِشِمَالِهِ﴾
أي: كتاب عمله، ﴿فَيَقُولُ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَٰبِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾.
أي: ولم أدر أي شيء حسابي؟!
* *
- ثم قال: ﴿يٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ﴾.
أي: يا ليت الموتة التي متها في الدنيا كانت هي الفراغ من كل ما بعدها ولم يكن بعد ذلك حياة.
قال قتادة: تمنى الموت ولم يكن في الدنيا شيء أكره إليه من الموت.
* *
- ثم قال: ﴿مَآ أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ﴾.
أي: لم ينفعني [مالي] ولا دفع عني من العذاب شيئاً، فتكون "ما" نافية. ويجوز أن تكون استفهاماً في موضع نصب والتقدير، أي بشيء أغنى عني مالي.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾.
قال [ابن عباس]: ضلت عني كل [بينة] لي (فلم) تغن عني شيئاً. قال عكرمة ومجاهد: سلطاني: حجتي. وقال ابن زيد: ﴿هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ أي: "سلطان الدنيا" وملكها.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾.
هذا أمر من الله لِخُزَّانِ جهنم من الملائكة، أي: خذوا هذا الكافر فغلوا يده إلى عنقه، ثم الجحيم فألقوه وأوردوه (فيها).
* *
﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾.
أي: ثم اسلكوه في سلسلة طولها سبعون ذراعا. وذلك أن تدخل في دبره وتخرج من منخريه. وقيل: تدخل في فِيهِ وتخرج من دبره. وقال محمد بن المنكدر: لو جمع حديدُ الدنيا ما مضى منها وما بقي ما عَدَلَ حلقة من حلق السلسلة.
قال نوف البكالي: الذراع سبعون باعاً أبعد ما بينك وبين مكة وهو يومئذ بالكوفة. قال ابن عباس: ﴿سَبْعُونَ ذِرَاعاً﴾ "بذراع الملك ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ تسلك في دُبره حتى تخرج من منخريه حتى لا يقوم على رجليه".
وروى عبد الله بن عمر وابن العاصي أن رسول الله ﷺ قال: "لَوْ أَنَّ رَصَاصَة مثل هذا - وأشار إلى مثل جمجمة - أُرْسِلَتْ من السماء إلى الأرض - وهي مسيرةُ خَمْسِ مِائَةِ سنة - لبلغت الأرضَ قبل الليل. ولو أنها أُرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفاً - الليلَ والنهارَ - قبل أن [تبلغ] أصلها أو قعرها
وقيل: فاسلكوه، وإنما تسلك السلسلة فيه لأن المعنى مفهوم، مثل قولهم: أدخلت رأسي في القلنسوة، وإنما تدخل [القلنسوة] في الرأس، وشبهه كثير في الكلام.
وقال الفراء: التقدير: فاسلكوه فيها.
وروى نعيم بن حماد عن كعب أنه قال: ينظر الله إلى عبده يوم القيامة فيقول: "خذوه"، فيأخذه مائة ألف ملك حتى يتفتت في أيديهم، فيقول: أما ترحموننا؟! فيقولون: وكيف نرحمك ولم يرحمك أرحم الراحمين؟!.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ﴾.
أي: لا يصدق بتوحيد بالله.
* *
﴿وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾.
ولا يرغب هو ولا يُرَغَّبُ غيرهُ في إطعام أهل المسكنة والحاجة.
الحاقة 69:18
[قوله] ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً...﴾ إلى [قوله] ﴿عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾.
أي: فعلنا ذلك لنجعل السفينة لكم عبرة وعظة وآية.
قال قتادة: أبقى الله السفينة تذكرة وعظة وآية حتى نظر إليها أول هذه [الأُمة]، وكم من سفينة قد كانت بعد سفينة نوح قد صارت رِمْدداً.
- قال ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾..
[أي]: [ولتعي] هذه التذكرة أذن حافظة عقلت عن الله ما سمعت.
وروي أن النبي ﷺ قرأ: ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ ثُمَّ الْتَفَتَ إلَى عَلِيِّ رضي الله عنه فقال: سَاَلْتُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَهَا أُذُنَكَ. قال علَيٌّ: فَمَا سَمِعْتُ شَيْئاً مِنْ رَسُولِ اللهِ قَطّ فَنَسِيتُهُ.
"
وقال [بريدة]: سمعت رسول الله ﷺ يقول لعلي: [يا علي]، إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ [أُدْنِيْكَ] ولاَ أُقْصِيَكَ، [وَأنْ أُعَلِّمكَ] وَأَنْ تَعِيَ. وَحَق عَلَى الله أن [تَعِي]. قال: ونزلت: ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾
وقال أبو عمران الجَوْنِي: ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [يعني]: أذن عقلت عن الله.
* *
- ثم قال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾.
(أي: فإذا نفخ إسرافيل في الصور نفخة واحدة)، وهي النفخة الأولى.
* *
- ﴿وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾.
أي [زلزلتا] زلزلة واحدة.
قال ابن زيد: دكتا دكة واحدة: "صارت غباراً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ﴾.
أي: قامت القيامة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾.
أي: وانصدعت السماء فهي متشققة يومئذ.
قال الضحاك: إذا كان يوم القيامة أمر الله جل ثناؤه السماء بأهلها ونزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها ثم الثانية ثم [الثالثة] إلى السابعة، فصفوا صفاً بين يدي صف ثم نزل الملِك الأعلى على مجنبته جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نَدُّوا فلا يأتون قُطُراً من أقطار الأرض إلا وَجدوا سعبة صفوف من الملائكة فيه، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ [غافر: ٣٢-٣٣].
وذلك قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر: ٢٢].
- وهو قوله: ﴿يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ [أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ] إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] (أي) بحجة، وهو قوله: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ﴾. إلى ﴿عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾
أي: على نواحيها وأطرافها حين تشقق.
قال ابن عباس: على حافاتها، وذلك حين تشقق.
وعن ابن جبير: ﴿عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾: على حافات الدنيا.
وواحد الأرجاء [رجا] مقصور، وهو الناحية، يثنى بالواو.
والرجاء: الأملُ، مَمْدُودُ.
* *
- ثم قال: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾.
قال ابن عباس هي ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله، وهو قول الضحاك وعكرمة.
وقال ابن زيد: هم ثمانية أملاك. وروي عن النبي ﷺ (أنه قال): يحمِلهُ اليَوْمَ أَرْبَعَةٌ، وَيَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ثَمَانِيَةٌ، وأنه قال ﷺ: إِنَّ أَقْدَامَهُمْ لَفِي الأَرْضِ السَّابِعَةِ، وإِنَّ مَنَاكِبَهُمْ لَخَارِجَةٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ عَلَيْهَا العَرِشُ، قال ابن زيد: يريد الأربعة. قال ابن زيد: وبلغنا أن رسول الله ﷺ قال: لمَّا خَلَقَهُمُ الله قال: تَدرون لِمَ خلقتكم؟ قالوا: خلقتنا ربنا لما شاء، قال لهم: تحملون عرشي، ثم قال: سَلوني من القوة ما شئتم أَجْعَلُهَا فِيكُم، فقال أحدهم: قد كان عرش ربنا على الماء فاجعلني في قوة الماء، قال: قد جعلت فيك قوة الماء، وقال آخر: اجعل في قوة السماوات، (قال: قد جعلت فيك قوة السماوات. وقال الآخر: اجعل في قوة الأرض والجبال، قال: قد جعلت فيك قوة الأرض والجبال. وقال آخر: اجعل في قوة الرياح)، قال: قد جعلت فيك قوة الرياح.
(ثم) قال: احملوا. قال: فوضعوا العرش على كواهلهم فلم يزولوا. قال: فجاء عِلْمٌ آخر، وإنما كان عِلْمُهُم الذي [سألوه] القوة. فقال لهم: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله [العلي العظيم]. فقالوها، وجعل فيهم من الحول والقوة ما لم يبلغوه بعلمهم فحملوا
وروى ابن وهب عن أبيه أنه قال: أربعة من الملائكة يحملون العرش على أكتافهم، لكل واحد منهم أربعة أوجه: وجه ثور، ووجه [أسد]، ووجه نسر، ووجه إنسان. ولكل واحد منهم أربعة أجنحة: جناحان على وجهه من أن ينظر إلى العرش فيصعق، وجناحان يقف [بهما]. ليس لهم كلام إلا (أن) يقولوا: قدسوا الله القوي الذي ملأت عظمته السماوات والأرض.
وقال عطاء عن مَيْسَرَة [في قوله] ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾، قال: "أرجلهم في التخوم لا يستطيعون أن يرفعوا أبصارهم من شعاع النور".
قال أبو محمد [مؤلفه رضي الله عنه]: ما جاء في القرآن وهذه الأحاديث من النزول والمجيء وشِبْهِ ذلك مضافاً إلى الله جل ذكره [فلا يجب] أن يُتَأَوَّلَ فيه انتقال "ولا حركة" على الله، إذ لا يجوز عليه ذلك، إذ الحركةُ والنقلةُ إنما هما من صفات المخلوقين. وكل ما جاء من هذا فإنما هو صفة من صفات الله لا كما هي من المخلوقين، فأجرها على ما أتت ولا تعتقد ولا تتوهم في ذلك أمراً مما شَهِدْتَهُ في الخلق، إذ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. وقد قال جماعة من العلماء في وصف الله جل ذكره بالمجيء والإتيان والتنزل: إنها أفعال يحدثها الله متى شاء، سماها بذلك، فلا تَتَقَدَّمْ بَيْنَ يَدَيْهِ ولاَ تُكَيِّفْ وَلاَ تُشَبِّهْ، وَتَقُولُ كَمَا قَالَ وتَنْفِي (عنه) - جل ذكره - التَّشْبِيهَ، ولا تَعْتَرِضْ في شيء مما أَتَى في كتابه من ذلك وما روي عن نبيه (منه) ﷺ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾.
[أي]: ذلك اليوم تعرضون أيها الناس على ربكم فلا يخفى عنه من أعمالكم شيء.
وروي أنهم [يعرضون] ثلاث عرضات: قاله أبو موسى الأشعري وابن مسعود، قالا: فعرضتان فيه الخصومات والمقادير، والثالثة [تطاير] الصحف. قال أبو موسى: "فأخذ بيمينه، وأخذ بشماله".
وروى مثل ذلك قتادة عن النبي ﷺ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ﴾.
أي: فأما من أعطي كتاب عمله بيمينه فيقول: تعالوا﴿ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ﴾.
وقال بعض [أهل اللغة]: أصل "هَاؤُمْ" "هاكم"، ثم أبدل من الكاف واو.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ﴾.
هذا من الظن الذي هو يقين، قوم ظنوا ظناً: فازوا به، وقوم ظنوا ظناً: شقوا [به]، وهو الظن الذي بمعنى الشك.
والمعنى أن المؤمن يقول يوم القيامة حين آَخْذِ كتابه (بيمينه: أيقنت في الدنيا أني ملاق ما عملت إذا وردت يوم القيامة) على ربي.
قال ابن عباس: ظننت: "أيقنت".
قال قتادة: ظَنَّ ظَنّاً يَقِيناً فنفعه الله به، وقال: "ما كان من ظن الآخرة فهو علم" [يريد] من المؤمنين.
* *
- ثم قال: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾.
أي: عيش مرضي، وهو عيش الجنة.
وجعلت "مرضية" نعتاً [للعيشة]؛ لأن ذلك مدح [للعيشة]، كما يقال: "ليل نائم" "وسرٌّ كاتم" و "ماء دافق"، بمعنى "مفعول"؛ لأنه فيه بمعنى المدح، فكان نقله من بناء إلى بناء يدل على المدح أو [الذم]، ولو قلت: "رجل ضارب" بمعنى "مضروب" لم يجز؛ لأنه لا مدح فيه ولا [ذم]، فلا يقع بناء في موقع بناء إلا لمعنى زائد.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
أي: رفيعة المقدار والمكان.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾.
أي: ما يقطف من ثمارها دان، أي: قريب من قاطفه (يقطفه)، فكيف شاء - في حال قيام أو قعود أو اضطجاع - لا يمنعه منه بُعْدٌ، ولا يحول بينه [وبينه] [شوك].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ﴾.
أي: كلوا من ثمرات الجنات غير مُكَدَّرٍ ولا منقص عليكم بما تقدم (لكم) من الأعمال الصالحات في الأيام الماضية في الدنيا لأخراكم. قال قتادة: هذه هي الأيام الخالية فانية تؤدي إلى أيام باقية، فاعملوا في هذه الأيام وقَدِّموا فيها خيراً إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله. ويقال: من عمل في الزمان الذي لا بقاء فيه أَوْصَلَهُ إلى نَعِيمِ الزمان الذي لا زَوَالَ لَهُ.
ويقال: إنه الصيام في أيام الدنيا. روي أنه يوضع يوم القيامة للصوام في الدنيا مائدة يأكلون عليها والناس في الحساب، فيقولون يا رب: نحن في الحساب وهؤلاء يأكلون؟ فيقول: إنهم طالما صاموا في الدنيا وأكلتم، وقاموا ونمتم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ بِشِمَالِهِ﴾
أي: كتاب عمله، ﴿فَيَقُولُ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَٰبِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾.
أي: ولم أدر أي شيء حسابي؟!
* *
- ثم قال: ﴿يٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ﴾.
أي: يا ليت الموتة التي متها في الدنيا كانت هي الفراغ من كل ما بعدها ولم يكن بعد ذلك حياة.
قال قتادة: تمنى الموت ولم يكن في الدنيا شيء أكره إليه من الموت.
* *
- ثم قال: ﴿مَآ أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ﴾.
أي: لم ينفعني [مالي] ولا دفع عني من العذاب شيئاً، فتكون "ما" نافية. ويجوز أن تكون استفهاماً في موضع نصب والتقدير، أي بشيء أغنى عني مالي.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾.
قال [ابن عباس]: ضلت عني كل [بينة] لي (فلم) تغن عني شيئاً. قال عكرمة ومجاهد: سلطاني: حجتي. وقال ابن زيد: ﴿هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ أي: "سلطان الدنيا" وملكها.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾.
هذا أمر من الله لِخُزَّانِ جهنم من الملائكة، أي: خذوا هذا الكافر فغلوا يده إلى عنقه، ثم الجحيم فألقوه وأوردوه (فيها).
* *
﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾.
أي: ثم اسلكوه في سلسلة طولها سبعون ذراعا. وذلك أن تدخل في دبره وتخرج من منخريه. وقيل: تدخل في فِيهِ وتخرج من دبره. وقال محمد بن المنكدر: لو جمع حديدُ الدنيا ما مضى منها وما بقي ما عَدَلَ حلقة من حلق السلسلة.
قال نوف البكالي: الذراع سبعون باعاً أبعد ما بينك وبين مكة وهو يومئذ بالكوفة. قال ابن عباس: ﴿سَبْعُونَ ذِرَاعاً﴾ "بذراع الملك ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ تسلك في دُبره حتى تخرج من منخريه حتى لا يقوم على رجليه".
وروى عبد الله بن عمر وابن العاصي أن رسول الله ﷺ قال: "لَوْ أَنَّ رَصَاصَة مثل هذا - وأشار إلى مثل جمجمة - أُرْسِلَتْ من السماء إلى الأرض - وهي مسيرةُ خَمْسِ مِائَةِ سنة - لبلغت الأرضَ قبل الليل. ولو أنها أُرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفاً - الليلَ والنهارَ - قبل أن [تبلغ] أصلها أو قعرها
وقيل: فاسلكوه، وإنما تسلك السلسلة فيه لأن المعنى مفهوم، مثل قولهم: أدخلت رأسي في القلنسوة، وإنما تدخل [القلنسوة] في الرأس، وشبهه كثير في الكلام.
وقال الفراء: التقدير: فاسلكوه فيها.
وروى نعيم بن حماد عن كعب أنه قال: ينظر الله إلى عبده يوم القيامة فيقول: "خذوه"، فيأخذه مائة ألف ملك حتى يتفتت في أيديهم، فيقول: أما ترحموننا؟! فيقولون: وكيف نرحمك ولم يرحمك أرحم الراحمين؟!.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ﴾.
أي: لا يصدق بتوحيد بالله.
* *
﴿وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾.
ولا يرغب هو ولا يُرَغَّبُ غيرهُ في إطعام أهل المسكنة والحاجة.
الحاقة 69:19
[قوله] ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً...﴾ إلى [قوله] ﴿عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾.
أي: فعلنا ذلك لنجعل السفينة لكم عبرة وعظة وآية.
قال قتادة: أبقى الله السفينة تذكرة وعظة وآية حتى نظر إليها أول هذه [الأُمة]، وكم من سفينة قد كانت بعد سفينة نوح قد صارت رِمْدداً.
- قال ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾..
[أي]: [ولتعي] هذه التذكرة أذن حافظة عقلت عن الله ما سمعت.
وروي أن النبي ﷺ قرأ: ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ ثُمَّ الْتَفَتَ إلَى عَلِيِّ رضي الله عنه فقال: سَاَلْتُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَهَا أُذُنَكَ. قال علَيٌّ: فَمَا سَمِعْتُ شَيْئاً مِنْ رَسُولِ اللهِ قَطّ فَنَسِيتُهُ.
"
وقال [بريدة]: سمعت رسول الله ﷺ يقول لعلي: [يا علي]، إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ [أُدْنِيْكَ] ولاَ أُقْصِيَكَ، [وَأنْ أُعَلِّمكَ] وَأَنْ تَعِيَ. وَحَق عَلَى الله أن [تَعِي]. قال: ونزلت: ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾
وقال أبو عمران الجَوْنِي: ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [يعني]: أذن عقلت عن الله.
* *
- ثم قال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾.
(أي: فإذا نفخ إسرافيل في الصور نفخة واحدة)، وهي النفخة الأولى.
* *
- ﴿وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾.
أي [زلزلتا] زلزلة واحدة.
قال ابن زيد: دكتا دكة واحدة: "صارت غباراً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ﴾.
أي: قامت القيامة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾.
أي: وانصدعت السماء فهي متشققة يومئذ.
قال الضحاك: إذا كان يوم القيامة أمر الله جل ثناؤه السماء بأهلها ونزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها ثم الثانية ثم [الثالثة] إلى السابعة، فصفوا صفاً بين يدي صف ثم نزل الملِك الأعلى على مجنبته جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نَدُّوا فلا يأتون قُطُراً من أقطار الأرض إلا وَجدوا سعبة صفوف من الملائكة فيه، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ [غافر: ٣٢-٣٣].
وذلك قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر: ٢٢].
- وهو قوله: ﴿يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ [أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ] إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] (أي) بحجة، وهو قوله: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ﴾. إلى ﴿عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾
أي: على نواحيها وأطرافها حين تشقق.
قال ابن عباس: على حافاتها، وذلك حين تشقق.
وعن ابن جبير: ﴿عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾: على حافات الدنيا.
وواحد الأرجاء [رجا] مقصور، وهو الناحية، يثنى بالواو.
والرجاء: الأملُ، مَمْدُودُ.
* *
- ثم قال: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾.
قال ابن عباس هي ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله، وهو قول الضحاك وعكرمة.
وقال ابن زيد: هم ثمانية أملاك. وروي عن النبي ﷺ (أنه قال): يحمِلهُ اليَوْمَ أَرْبَعَةٌ، وَيَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ثَمَانِيَةٌ، وأنه قال ﷺ: إِنَّ أَقْدَامَهُمْ لَفِي الأَرْضِ السَّابِعَةِ، وإِنَّ مَنَاكِبَهُمْ لَخَارِجَةٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ عَلَيْهَا العَرِشُ، قال ابن زيد: يريد الأربعة. قال ابن زيد: وبلغنا أن رسول الله ﷺ قال: لمَّا خَلَقَهُمُ الله قال: تَدرون لِمَ خلقتكم؟ قالوا: خلقتنا ربنا لما شاء، قال لهم: تحملون عرشي، ثم قال: سَلوني من القوة ما شئتم أَجْعَلُهَا فِيكُم، فقال أحدهم: قد كان عرش ربنا على الماء فاجعلني في قوة الماء، قال: قد جعلت فيك قوة الماء، وقال آخر: اجعل في قوة السماوات، (قال: قد جعلت فيك قوة السماوات. وقال الآخر: اجعل في قوة الأرض والجبال، قال: قد جعلت فيك قوة الأرض والجبال. وقال آخر: اجعل في قوة الرياح)، قال: قد جعلت فيك قوة الرياح.
(ثم) قال: احملوا. قال: فوضعوا العرش على كواهلهم فلم يزولوا. قال: فجاء عِلْمٌ آخر، وإنما كان عِلْمُهُم الذي [سألوه] القوة. فقال لهم: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله [العلي العظيم]. فقالوها، وجعل فيهم من الحول والقوة ما لم يبلغوه بعلمهم فحملوا
وروى ابن وهب عن أبيه أنه قال: أربعة من الملائكة يحملون العرش على أكتافهم، لكل واحد منهم أربعة أوجه: وجه ثور، ووجه [أسد]، ووجه نسر، ووجه إنسان. ولكل واحد منهم أربعة أجنحة: جناحان على وجهه من أن ينظر إلى العرش فيصعق، وجناحان يقف [بهما]. ليس لهم كلام إلا (أن) يقولوا: قدسوا الله القوي الذي ملأت عظمته السماوات والأرض.
وقال عطاء عن مَيْسَرَة [في قوله] ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾، قال: "أرجلهم في التخوم لا يستطيعون أن يرفعوا أبصارهم من شعاع النور".
قال أبو محمد [مؤلفه رضي الله عنه]: ما جاء في القرآن وهذه الأحاديث من النزول والمجيء وشِبْهِ ذلك مضافاً إلى الله جل ذكره [فلا يجب] أن يُتَأَوَّلَ فيه انتقال "ولا حركة" على الله، إذ لا يجوز عليه ذلك، إذ الحركةُ والنقلةُ إنما هما من صفات المخلوقين. وكل ما جاء من هذا فإنما هو صفة من صفات الله لا كما هي من المخلوقين، فأجرها على ما أتت ولا تعتقد ولا تتوهم في ذلك أمراً مما شَهِدْتَهُ في الخلق، إذ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. وقد قال جماعة من العلماء في وصف الله جل ذكره بالمجيء والإتيان والتنزل: إنها أفعال يحدثها الله متى شاء، سماها بذلك، فلا تَتَقَدَّمْ بَيْنَ يَدَيْهِ ولاَ تُكَيِّفْ وَلاَ تُشَبِّهْ، وَتَقُولُ كَمَا قَالَ وتَنْفِي (عنه) - جل ذكره - التَّشْبِيهَ، ولا تَعْتَرِضْ في شيء مما أَتَى في كتابه من ذلك وما روي عن نبيه (منه) ﷺ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾.
[أي]: ذلك اليوم تعرضون أيها الناس على ربكم فلا يخفى عنه من أعمالكم شيء.
وروي أنهم [يعرضون] ثلاث عرضات: قاله أبو موسى الأشعري وابن مسعود، قالا: فعرضتان فيه الخصومات والمقادير، والثالثة [تطاير] الصحف. قال أبو موسى: "فأخذ بيمينه، وأخذ بشماله".
وروى مثل ذلك قتادة عن النبي ﷺ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ﴾.
أي: فأما من أعطي كتاب عمله بيمينه فيقول: تعالوا﴿ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ﴾.
وقال بعض [أهل اللغة]: أصل "هَاؤُمْ" "هاكم"، ثم أبدل من الكاف واو.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ﴾.
هذا من الظن الذي هو يقين، قوم ظنوا ظناً: فازوا به، وقوم ظنوا ظناً: شقوا [به]، وهو الظن الذي بمعنى الشك.
والمعنى أن المؤمن يقول يوم القيامة حين آَخْذِ كتابه (بيمينه: أيقنت في الدنيا أني ملاق ما عملت إذا وردت يوم القيامة) على ربي.
قال ابن عباس: ظننت: "أيقنت".
قال قتادة: ظَنَّ ظَنّاً يَقِيناً فنفعه الله به، وقال: "ما كان من ظن الآخرة فهو علم" [يريد] من المؤمنين.
* *
- ثم قال: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾.
أي: عيش مرضي، وهو عيش الجنة.
وجعلت "مرضية" نعتاً [للعيشة]؛ لأن ذلك مدح [للعيشة]، كما يقال: "ليل نائم" "وسرٌّ كاتم" و "ماء دافق"، بمعنى "مفعول"؛ لأنه فيه بمعنى المدح، فكان نقله من بناء إلى بناء يدل على المدح أو [الذم]، ولو قلت: "رجل ضارب" بمعنى "مضروب" لم يجز؛ لأنه لا مدح فيه ولا [ذم]، فلا يقع بناء في موقع بناء إلا لمعنى زائد.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
أي: رفيعة المقدار والمكان.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾.
أي: ما يقطف من ثمارها دان، أي: قريب من قاطفه (يقطفه)، فكيف شاء - في حال قيام أو قعود أو اضطجاع - لا يمنعه منه بُعْدٌ، ولا يحول بينه [وبينه] [شوك].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ﴾.
أي: كلوا من ثمرات الجنات غير مُكَدَّرٍ ولا منقص عليكم بما تقدم (لكم) من الأعمال الصالحات في الأيام الماضية في الدنيا لأخراكم. قال قتادة: هذه هي الأيام الخالية فانية تؤدي إلى أيام باقية، فاعملوا في هذه الأيام وقَدِّموا فيها خيراً إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله. ويقال: من عمل في الزمان الذي لا بقاء فيه أَوْصَلَهُ إلى نَعِيمِ الزمان الذي لا زَوَالَ لَهُ.
ويقال: إنه الصيام في أيام الدنيا. روي أنه يوضع يوم القيامة للصوام في الدنيا مائدة يأكلون عليها والناس في الحساب، فيقولون يا رب: نحن في الحساب وهؤلاء يأكلون؟ فيقول: إنهم طالما صاموا في الدنيا وأكلتم، وقاموا ونمتم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ بِشِمَالِهِ﴾
أي: كتاب عمله، ﴿فَيَقُولُ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَٰبِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾.
أي: ولم أدر أي شيء حسابي؟!
* *
- ثم قال: ﴿يٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ﴾.
أي: يا ليت الموتة التي متها في الدنيا كانت هي الفراغ من كل ما بعدها ولم يكن بعد ذلك حياة.
قال قتادة: تمنى الموت ولم يكن في الدنيا شيء أكره إليه من الموت.
* *
- ثم قال: ﴿مَآ أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ﴾.
أي: لم ينفعني [مالي] ولا دفع عني من العذاب شيئاً، فتكون "ما" نافية. ويجوز أن تكون استفهاماً في موضع نصب والتقدير، أي بشيء أغنى عني مالي.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾.
قال [ابن عباس]: ضلت عني كل [بينة] لي (فلم) تغن عني شيئاً. قال عكرمة ومجاهد: سلطاني: حجتي. وقال ابن زيد: ﴿هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ أي: "سلطان الدنيا" وملكها.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾.
هذا أمر من الله لِخُزَّانِ جهنم من الملائكة، أي: خذوا هذا الكافر فغلوا يده إلى عنقه، ثم الجحيم فألقوه وأوردوه (فيها).
* *
﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾.
أي: ثم اسلكوه في سلسلة طولها سبعون ذراعا. وذلك أن تدخل في دبره وتخرج من منخريه. وقيل: تدخل في فِيهِ وتخرج من دبره. وقال محمد بن المنكدر: لو جمع حديدُ الدنيا ما مضى منها وما بقي ما عَدَلَ حلقة من حلق السلسلة.
قال نوف البكالي: الذراع سبعون باعاً أبعد ما بينك وبين مكة وهو يومئذ بالكوفة. قال ابن عباس: ﴿سَبْعُونَ ذِرَاعاً﴾ "بذراع الملك ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ تسلك في دُبره حتى تخرج من منخريه حتى لا يقوم على رجليه".
وروى عبد الله بن عمر وابن العاصي أن رسول الله ﷺ قال: "لَوْ أَنَّ رَصَاصَة مثل هذا - وأشار إلى مثل جمجمة - أُرْسِلَتْ من السماء إلى الأرض - وهي مسيرةُ خَمْسِ مِائَةِ سنة - لبلغت الأرضَ قبل الليل. ولو أنها أُرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفاً - الليلَ والنهارَ - قبل أن [تبلغ] أصلها أو قعرها
وقيل: فاسلكوه، وإنما تسلك السلسلة فيه لأن المعنى مفهوم، مثل قولهم: أدخلت رأسي في القلنسوة، وإنما تدخل [القلنسوة] في الرأس، وشبهه كثير في الكلام.
وقال الفراء: التقدير: فاسلكوه فيها.
وروى نعيم بن حماد عن كعب أنه قال: ينظر الله إلى عبده يوم القيامة فيقول: "خذوه"، فيأخذه مائة ألف ملك حتى يتفتت في أيديهم، فيقول: أما ترحموننا؟! فيقولون: وكيف نرحمك ولم يرحمك أرحم الراحمين؟!.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ﴾.
أي: لا يصدق بتوحيد بالله.
* *
﴿وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾.
ولا يرغب هو ولا يُرَغَّبُ غيرهُ في إطعام أهل المسكنة والحاجة.
الحاقة 69:20
[قوله] ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً...﴾ إلى [قوله] ﴿عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾.
أي: فعلنا ذلك لنجعل السفينة لكم عبرة وعظة وآية.
قال قتادة: أبقى الله السفينة تذكرة وعظة وآية حتى نظر إليها أول هذه [الأُمة]، وكم من سفينة قد كانت بعد سفينة نوح قد صارت رِمْدداً.
- قال ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾..
[أي]: [ولتعي] هذه التذكرة أذن حافظة عقلت عن الله ما سمعت.
وروي أن النبي ﷺ قرأ: ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ ثُمَّ الْتَفَتَ إلَى عَلِيِّ رضي الله عنه فقال: سَاَلْتُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَهَا أُذُنَكَ. قال علَيٌّ: فَمَا سَمِعْتُ شَيْئاً مِنْ رَسُولِ اللهِ قَطّ فَنَسِيتُهُ.
"
وقال [بريدة]: سمعت رسول الله ﷺ يقول لعلي: [يا علي]، إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ [أُدْنِيْكَ] ولاَ أُقْصِيَكَ، [وَأنْ أُعَلِّمكَ] وَأَنْ تَعِيَ. وَحَق عَلَى الله أن [تَعِي]. قال: ونزلت: ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾
وقال أبو عمران الجَوْنِي: ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [يعني]: أذن عقلت عن الله.
* *
- ثم قال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾.
(أي: فإذا نفخ إسرافيل في الصور نفخة واحدة)، وهي النفخة الأولى.
* *
- ﴿وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾.
أي [زلزلتا] زلزلة واحدة.
قال ابن زيد: دكتا دكة واحدة: "صارت غباراً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ﴾.
أي: قامت القيامة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾.
أي: وانصدعت السماء فهي متشققة يومئذ.
قال الضحاك: إذا كان يوم القيامة أمر الله جل ثناؤه السماء بأهلها ونزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها ثم الثانية ثم [الثالثة] إلى السابعة، فصفوا صفاً بين يدي صف ثم نزل الملِك الأعلى على مجنبته جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نَدُّوا فلا يأتون قُطُراً من أقطار الأرض إلا وَجدوا سعبة صفوف من الملائكة فيه، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ [غافر: ٣٢-٣٣].
وذلك قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر: ٢٢].
- وهو قوله: ﴿يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ [أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ] إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] (أي) بحجة، وهو قوله: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ﴾. إلى ﴿عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾
أي: على نواحيها وأطرافها حين تشقق.
قال ابن عباس: على حافاتها، وذلك حين تشقق.
وعن ابن جبير: ﴿عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾: على حافات الدنيا.
وواحد الأرجاء [رجا] مقصور، وهو الناحية، يثنى بالواو.
والرجاء: الأملُ، مَمْدُودُ.
* *
- ثم قال: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾.
قال ابن عباس هي ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله، وهو قول الضحاك وعكرمة.
وقال ابن زيد: هم ثمانية أملاك. وروي عن النبي ﷺ (أنه قال): يحمِلهُ اليَوْمَ أَرْبَعَةٌ، وَيَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ثَمَانِيَةٌ، وأنه قال ﷺ: إِنَّ أَقْدَامَهُمْ لَفِي الأَرْضِ السَّابِعَةِ، وإِنَّ مَنَاكِبَهُمْ لَخَارِجَةٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ عَلَيْهَا العَرِشُ، قال ابن زيد: يريد الأربعة. قال ابن زيد: وبلغنا أن رسول الله ﷺ قال: لمَّا خَلَقَهُمُ الله قال: تَدرون لِمَ خلقتكم؟ قالوا: خلقتنا ربنا لما شاء، قال لهم: تحملون عرشي، ثم قال: سَلوني من القوة ما شئتم أَجْعَلُهَا فِيكُم، فقال أحدهم: قد كان عرش ربنا على الماء فاجعلني في قوة الماء، قال: قد جعلت فيك قوة الماء، وقال آخر: اجعل في قوة السماوات، (قال: قد جعلت فيك قوة السماوات. وقال الآخر: اجعل في قوة الأرض والجبال، قال: قد جعلت فيك قوة الأرض والجبال. وقال آخر: اجعل في قوة الرياح)، قال: قد جعلت فيك قوة الرياح.
(ثم) قال: احملوا. قال: فوضعوا العرش على كواهلهم فلم يزولوا. قال: فجاء عِلْمٌ آخر، وإنما كان عِلْمُهُم الذي [سألوه] القوة. فقال لهم: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله [العلي العظيم]. فقالوها، وجعل فيهم من الحول والقوة ما لم يبلغوه بعلمهم فحملوا
وروى ابن وهب عن أبيه أنه قال: أربعة من الملائكة يحملون العرش على أكتافهم، لكل واحد منهم أربعة أوجه: وجه ثور، ووجه [أسد]، ووجه نسر، ووجه إنسان. ولكل واحد منهم أربعة أجنحة: جناحان على وجهه من أن ينظر إلى العرش فيصعق، وجناحان يقف [بهما]. ليس لهم كلام إلا (أن) يقولوا: قدسوا الله القوي الذي ملأت عظمته السماوات والأرض.
وقال عطاء عن مَيْسَرَة [في قوله] ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾، قال: "أرجلهم في التخوم لا يستطيعون أن يرفعوا أبصارهم من شعاع النور".
قال أبو محمد [مؤلفه رضي الله عنه]: ما جاء في القرآن وهذه الأحاديث من النزول والمجيء وشِبْهِ ذلك مضافاً إلى الله جل ذكره [فلا يجب] أن يُتَأَوَّلَ فيه انتقال "ولا حركة" على الله، إذ لا يجوز عليه ذلك، إذ الحركةُ والنقلةُ إنما هما من صفات المخلوقين. وكل ما جاء من هذا فإنما هو صفة من صفات الله لا كما هي من المخلوقين، فأجرها على ما أتت ولا تعتقد ولا تتوهم في ذلك أمراً مما شَهِدْتَهُ في الخلق، إذ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. وقد قال جماعة من العلماء في وصف الله جل ذكره بالمجيء والإتيان والتنزل: إنها أفعال يحدثها الله متى شاء، سماها بذلك، فلا تَتَقَدَّمْ بَيْنَ يَدَيْهِ ولاَ تُكَيِّفْ وَلاَ تُشَبِّهْ، وَتَقُولُ كَمَا قَالَ وتَنْفِي (عنه) - جل ذكره - التَّشْبِيهَ، ولا تَعْتَرِضْ في شيء مما أَتَى في كتابه من ذلك وما روي عن نبيه (منه) ﷺ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾.
[أي]: ذلك اليوم تعرضون أيها الناس على ربكم فلا يخفى عنه من أعمالكم شيء.
وروي أنهم [يعرضون] ثلاث عرضات: قاله أبو موسى الأشعري وابن مسعود، قالا: فعرضتان فيه الخصومات والمقادير، والثالثة [تطاير] الصحف. قال أبو موسى: "فأخذ بيمينه، وأخذ بشماله".
وروى مثل ذلك قتادة عن النبي ﷺ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ﴾.
أي: فأما من أعطي كتاب عمله بيمينه فيقول: تعالوا﴿ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ﴾.
وقال بعض [أهل اللغة]: أصل "هَاؤُمْ" "هاكم"، ثم أبدل من الكاف واو.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ﴾.
هذا من الظن الذي هو يقين، قوم ظنوا ظناً: فازوا به، وقوم ظنوا ظناً: شقوا [به]، وهو الظن الذي بمعنى الشك.
والمعنى أن المؤمن يقول يوم القيامة حين آَخْذِ كتابه (بيمينه: أيقنت في الدنيا أني ملاق ما عملت إذا وردت يوم القيامة) على ربي.
قال ابن عباس: ظننت: "أيقنت".
قال قتادة: ظَنَّ ظَنّاً يَقِيناً فنفعه الله به، وقال: "ما كان من ظن الآخرة فهو علم" [يريد] من المؤمنين.
* *
- ثم قال: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾.
أي: عيش مرضي، وهو عيش الجنة.
وجعلت "مرضية" نعتاً [للعيشة]؛ لأن ذلك مدح [للعيشة]، كما يقال: "ليل نائم" "وسرٌّ كاتم" و "ماء دافق"، بمعنى "مفعول"؛ لأنه فيه بمعنى المدح، فكان نقله من بناء إلى بناء يدل على المدح أو [الذم]، ولو قلت: "رجل ضارب" بمعنى "مضروب" لم يجز؛ لأنه لا مدح فيه ولا [ذم]، فلا يقع بناء في موقع بناء إلا لمعنى زائد.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
أي: رفيعة المقدار والمكان.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾.
أي: ما يقطف من ثمارها دان، أي: قريب من قاطفه (يقطفه)، فكيف شاء - في حال قيام أو قعود أو اضطجاع - لا يمنعه منه بُعْدٌ، ولا يحول بينه [وبينه] [شوك].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ﴾.
أي: كلوا من ثمرات الجنات غير مُكَدَّرٍ ولا منقص عليكم بما تقدم (لكم) من الأعمال الصالحات في الأيام الماضية في الدنيا لأخراكم. قال قتادة: هذه هي الأيام الخالية فانية تؤدي إلى أيام باقية، فاعملوا في هذه الأيام وقَدِّموا فيها خيراً إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله. ويقال: من عمل في الزمان الذي لا بقاء فيه أَوْصَلَهُ إلى نَعِيمِ الزمان الذي لا زَوَالَ لَهُ.
ويقال: إنه الصيام في أيام الدنيا. روي أنه يوضع يوم القيامة للصوام في الدنيا مائدة يأكلون عليها والناس في الحساب، فيقولون يا رب: نحن في الحساب وهؤلاء يأكلون؟ فيقول: إنهم طالما صاموا في الدنيا وأكلتم، وقاموا ونمتم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ بِشِمَالِهِ﴾
أي: كتاب عمله، ﴿فَيَقُولُ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَٰبِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾.
أي: ولم أدر أي شيء حسابي؟!
* *
- ثم قال: ﴿يٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ﴾.
أي: يا ليت الموتة التي متها في الدنيا كانت هي الفراغ من كل ما بعدها ولم يكن بعد ذلك حياة.
قال قتادة: تمنى الموت ولم يكن في الدنيا شيء أكره إليه من الموت.
* *
- ثم قال: ﴿مَآ أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ﴾.
أي: لم ينفعني [مالي] ولا دفع عني من العذاب شيئاً، فتكون "ما" نافية. ويجوز أن تكون استفهاماً في موضع نصب والتقدير، أي بشيء أغنى عني مالي.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾.
قال [ابن عباس]: ضلت عني كل [بينة] لي (فلم) تغن عني شيئاً. قال عكرمة ومجاهد: سلطاني: حجتي. وقال ابن زيد: ﴿هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ أي: "سلطان الدنيا" وملكها.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾.
هذا أمر من الله لِخُزَّانِ جهنم من الملائكة، أي: خذوا هذا الكافر فغلوا يده إلى عنقه، ثم الجحيم فألقوه وأوردوه (فيها).
* *
﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾.
أي: ثم اسلكوه في سلسلة طولها سبعون ذراعا. وذلك أن تدخل في دبره وتخرج من منخريه. وقيل: تدخل في فِيهِ وتخرج من دبره. وقال محمد بن المنكدر: لو جمع حديدُ الدنيا ما مضى منها وما بقي ما عَدَلَ حلقة من حلق السلسلة.
قال نوف البكالي: الذراع سبعون باعاً أبعد ما بينك وبين مكة وهو يومئذ بالكوفة. قال ابن عباس: ﴿سَبْعُونَ ذِرَاعاً﴾ "بذراع الملك ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ تسلك في دُبره حتى تخرج من منخريه حتى لا يقوم على رجليه".
وروى عبد الله بن عمر وابن العاصي أن رسول الله ﷺ قال: "لَوْ أَنَّ رَصَاصَة مثل هذا - وأشار إلى مثل جمجمة - أُرْسِلَتْ من السماء إلى الأرض - وهي مسيرةُ خَمْسِ مِائَةِ سنة - لبلغت الأرضَ قبل الليل. ولو أنها أُرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفاً - الليلَ والنهارَ - قبل أن [تبلغ] أصلها أو قعرها
وقيل: فاسلكوه، وإنما تسلك السلسلة فيه لأن المعنى مفهوم، مثل قولهم: أدخلت رأسي في القلنسوة، وإنما تدخل [القلنسوة] في الرأس، وشبهه كثير في الكلام.
وقال الفراء: التقدير: فاسلكوه فيها.
وروى نعيم بن حماد عن كعب أنه قال: ينظر الله إلى عبده يوم القيامة فيقول: "خذوه"، فيأخذه مائة ألف ملك حتى يتفتت في أيديهم، فيقول: أما ترحموننا؟! فيقولون: وكيف نرحمك ولم يرحمك أرحم الراحمين؟!.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ﴾.
أي: لا يصدق بتوحيد بالله.
* *
﴿وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾.
ولا يرغب هو ولا يُرَغَّبُ غيرهُ في إطعام أهل المسكنة والحاجة.
الحاقة 69:21
[قوله] ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً...﴾ إلى [قوله] ﴿عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾.
أي: فعلنا ذلك لنجعل السفينة لكم عبرة وعظة وآية.
قال قتادة: أبقى الله السفينة تذكرة وعظة وآية حتى نظر إليها أول هذه [الأُمة]، وكم من سفينة قد كانت بعد سفينة نوح قد صارت رِمْدداً.
- قال ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾..
[أي]: [ولتعي] هذه التذكرة أذن حافظة عقلت عن الله ما سمعت.
وروي أن النبي ﷺ قرأ: ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ ثُمَّ الْتَفَتَ إلَى عَلِيِّ رضي الله عنه فقال: سَاَلْتُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَهَا أُذُنَكَ. قال علَيٌّ: فَمَا سَمِعْتُ شَيْئاً مِنْ رَسُولِ اللهِ قَطّ فَنَسِيتُهُ.
"
وقال [بريدة]: سمعت رسول الله ﷺ يقول لعلي: [يا علي]، إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ [أُدْنِيْكَ] ولاَ أُقْصِيَكَ، [وَأنْ أُعَلِّمكَ] وَأَنْ تَعِيَ. وَحَق عَلَى الله أن [تَعِي]. قال: ونزلت: ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾
وقال أبو عمران الجَوْنِي: ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [يعني]: أذن عقلت عن الله.
* *
- ثم قال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾.
(أي: فإذا نفخ إسرافيل في الصور نفخة واحدة)، وهي النفخة الأولى.
* *
- ﴿وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾.
أي [زلزلتا] زلزلة واحدة.
قال ابن زيد: دكتا دكة واحدة: "صارت غباراً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ﴾.
أي: قامت القيامة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾.
أي: وانصدعت السماء فهي متشققة يومئذ.
قال الضحاك: إذا كان يوم القيامة أمر الله جل ثناؤه السماء بأهلها ونزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها ثم الثانية ثم [الثالثة] إلى السابعة، فصفوا صفاً بين يدي صف ثم نزل الملِك الأعلى على مجنبته جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نَدُّوا فلا يأتون قُطُراً من أقطار الأرض إلا وَجدوا سعبة صفوف من الملائكة فيه، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ [غافر: ٣٢-٣٣].
وذلك قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر: ٢٢].
- وهو قوله: ﴿يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ [أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ] إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] (أي) بحجة، وهو قوله: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ﴾. إلى ﴿عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾
أي: على نواحيها وأطرافها حين تشقق.
قال ابن عباس: على حافاتها، وذلك حين تشقق.
وعن ابن جبير: ﴿عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾: على حافات الدنيا.
وواحد الأرجاء [رجا] مقصور، وهو الناحية، يثنى بالواو.
والرجاء: الأملُ، مَمْدُودُ.
* *
- ثم قال: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾.
قال ابن عباس هي ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله، وهو قول الضحاك وعكرمة.
وقال ابن زيد: هم ثمانية أملاك. وروي عن النبي ﷺ (أنه قال): يحمِلهُ اليَوْمَ أَرْبَعَةٌ، وَيَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ثَمَانِيَةٌ، وأنه قال ﷺ: إِنَّ أَقْدَامَهُمْ لَفِي الأَرْضِ السَّابِعَةِ، وإِنَّ مَنَاكِبَهُمْ لَخَارِجَةٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ عَلَيْهَا العَرِشُ، قال ابن زيد: يريد الأربعة. قال ابن زيد: وبلغنا أن رسول الله ﷺ قال: لمَّا خَلَقَهُمُ الله قال: تَدرون لِمَ خلقتكم؟ قالوا: خلقتنا ربنا لما شاء، قال لهم: تحملون عرشي، ثم قال: سَلوني من القوة ما شئتم أَجْعَلُهَا فِيكُم، فقال أحدهم: قد كان عرش ربنا على الماء فاجعلني في قوة الماء، قال: قد جعلت فيك قوة الماء، وقال آخر: اجعل في قوة السماوات، (قال: قد جعلت فيك قوة السماوات. وقال الآخر: اجعل في قوة الأرض والجبال، قال: قد جعلت فيك قوة الأرض والجبال. وقال آخر: اجعل في قوة الرياح)، قال: قد جعلت فيك قوة الرياح.
(ثم) قال: احملوا. قال: فوضعوا العرش على كواهلهم فلم يزولوا. قال: فجاء عِلْمٌ آخر، وإنما كان عِلْمُهُم الذي [سألوه] القوة. فقال لهم: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله [العلي العظيم]. فقالوها، وجعل فيهم من الحول والقوة ما لم يبلغوه بعلمهم فحملوا
وروى ابن وهب عن أبيه أنه قال: أربعة من الملائكة يحملون العرش على أكتافهم، لكل واحد منهم أربعة أوجه: وجه ثور، ووجه [أسد]، ووجه نسر، ووجه إنسان. ولكل واحد منهم أربعة أجنحة: جناحان على وجهه من أن ينظر إلى العرش فيصعق، وجناحان يقف [بهما]. ليس لهم كلام إلا (أن) يقولوا: قدسوا الله القوي الذي ملأت عظمته السماوات والأرض.
وقال عطاء عن مَيْسَرَة [في قوله] ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾، قال: "أرجلهم في التخوم لا يستطيعون أن يرفعوا أبصارهم من شعاع النور".
قال أبو محمد [مؤلفه رضي الله عنه]: ما جاء في القرآن وهذه الأحاديث من النزول والمجيء وشِبْهِ ذلك مضافاً إلى الله جل ذكره [فلا يجب] أن يُتَأَوَّلَ فيه انتقال "ولا حركة" على الله، إذ لا يجوز عليه ذلك، إذ الحركةُ والنقلةُ إنما هما من صفات المخلوقين. وكل ما جاء من هذا فإنما هو صفة من صفات الله لا كما هي من المخلوقين، فأجرها على ما أتت ولا تعتقد ولا تتوهم في ذلك أمراً مما شَهِدْتَهُ في الخلق، إذ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. وقد قال جماعة من العلماء في وصف الله جل ذكره بالمجيء والإتيان والتنزل: إنها أفعال يحدثها الله متى شاء، سماها بذلك، فلا تَتَقَدَّمْ بَيْنَ يَدَيْهِ ولاَ تُكَيِّفْ وَلاَ تُشَبِّهْ، وَتَقُولُ كَمَا قَالَ وتَنْفِي (عنه) - جل ذكره - التَّشْبِيهَ، ولا تَعْتَرِضْ في شيء مما أَتَى في كتابه من ذلك وما روي عن نبيه (منه) ﷺ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾.
[أي]: ذلك اليوم تعرضون أيها الناس على ربكم فلا يخفى عنه من أعمالكم شيء.
وروي أنهم [يعرضون] ثلاث عرضات: قاله أبو موسى الأشعري وابن مسعود، قالا: فعرضتان فيه الخصومات والمقادير، والثالثة [تطاير] الصحف. قال أبو موسى: "فأخذ بيمينه، وأخذ بشماله".
وروى مثل ذلك قتادة عن النبي ﷺ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ﴾.
أي: فأما من أعطي كتاب عمله بيمينه فيقول: تعالوا﴿ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ﴾.
وقال بعض [أهل اللغة]: أصل "هَاؤُمْ" "هاكم"، ثم أبدل من الكاف واو.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ﴾.
هذا من الظن الذي هو يقين، قوم ظنوا ظناً: فازوا به، وقوم ظنوا ظناً: شقوا [به]، وهو الظن الذي بمعنى الشك.
والمعنى أن المؤمن يقول يوم القيامة حين آَخْذِ كتابه (بيمينه: أيقنت في الدنيا أني ملاق ما عملت إذا وردت يوم القيامة) على ربي.
قال ابن عباس: ظننت: "أيقنت".
قال قتادة: ظَنَّ ظَنّاً يَقِيناً فنفعه الله به، وقال: "ما كان من ظن الآخرة فهو علم" [يريد] من المؤمنين.
* *
- ثم قال: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾.
أي: عيش مرضي، وهو عيش الجنة.
وجعلت "مرضية" نعتاً [للعيشة]؛ لأن ذلك مدح [للعيشة]، كما يقال: "ليل نائم" "وسرٌّ كاتم" و "ماء دافق"، بمعنى "مفعول"؛ لأنه فيه بمعنى المدح، فكان نقله من بناء إلى بناء يدل على المدح أو [الذم]، ولو قلت: "رجل ضارب" بمعنى "مضروب" لم يجز؛ لأنه لا مدح فيه ولا [ذم]، فلا يقع بناء في موقع بناء إلا لمعنى زائد.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
أي: رفيعة المقدار والمكان.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾.
أي: ما يقطف من ثمارها دان، أي: قريب من قاطفه (يقطفه)، فكيف شاء - في حال قيام أو قعود أو اضطجاع - لا يمنعه منه بُعْدٌ، ولا يحول بينه [وبينه] [شوك].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ﴾.
أي: كلوا من ثمرات الجنات غير مُكَدَّرٍ ولا منقص عليكم بما تقدم (لكم) من الأعمال الصالحات في الأيام الماضية في الدنيا لأخراكم. قال قتادة: هذه هي الأيام الخالية فانية تؤدي إلى أيام باقية، فاعملوا في هذه الأيام وقَدِّموا فيها خيراً إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله. ويقال: من عمل في الزمان الذي لا بقاء فيه أَوْصَلَهُ إلى نَعِيمِ الزمان الذي لا زَوَالَ لَهُ.
ويقال: إنه الصيام في أيام الدنيا. روي أنه يوضع يوم القيامة للصوام في الدنيا مائدة يأكلون عليها والناس في الحساب، فيقولون يا رب: نحن في الحساب وهؤلاء يأكلون؟ فيقول: إنهم طالما صاموا في الدنيا وأكلتم، وقاموا ونمتم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ بِشِمَالِهِ﴾
أي: كتاب عمله، ﴿فَيَقُولُ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَٰبِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾.
أي: ولم أدر أي شيء حسابي؟!
* *
- ثم قال: ﴿يٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ﴾.
أي: يا ليت الموتة التي متها في الدنيا كانت هي الفراغ من كل ما بعدها ولم يكن بعد ذلك حياة.
قال قتادة: تمنى الموت ولم يكن في الدنيا شيء أكره إليه من الموت.
* *
- ثم قال: ﴿مَآ أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ﴾.
أي: لم ينفعني [مالي] ولا دفع عني من العذاب شيئاً، فتكون "ما" نافية. ويجوز أن تكون استفهاماً في موضع نصب والتقدير، أي بشيء أغنى عني مالي.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾.
قال [ابن عباس]: ضلت عني كل [بينة] لي (فلم) تغن عني شيئاً. قال عكرمة ومجاهد: سلطاني: حجتي. وقال ابن زيد: ﴿هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ أي: "سلطان الدنيا" وملكها.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾.
هذا أمر من الله لِخُزَّانِ جهنم من الملائكة، أي: خذوا هذا الكافر فغلوا يده إلى عنقه، ثم الجحيم فألقوه وأوردوه (فيها).
* *
﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾.
أي: ثم اسلكوه في سلسلة طولها سبعون ذراعا. وذلك أن تدخل في دبره وتخرج من منخريه. وقيل: تدخل في فِيهِ وتخرج من دبره. وقال محمد بن المنكدر: لو جمع حديدُ الدنيا ما مضى منها وما بقي ما عَدَلَ حلقة من حلق السلسلة.
قال نوف البكالي: الذراع سبعون باعاً أبعد ما بينك وبين مكة وهو يومئذ بالكوفة. قال ابن عباس: ﴿سَبْعُونَ ذِرَاعاً﴾ "بذراع الملك ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ تسلك في دُبره حتى تخرج من منخريه حتى لا يقوم على رجليه".
وروى عبد الله بن عمر وابن العاصي أن رسول الله ﷺ قال: "لَوْ أَنَّ رَصَاصَة مثل هذا - وأشار إلى مثل جمجمة - أُرْسِلَتْ من السماء إلى الأرض - وهي مسيرةُ خَمْسِ مِائَةِ سنة - لبلغت الأرضَ قبل الليل. ولو أنها أُرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفاً - الليلَ والنهارَ - قبل أن [تبلغ] أصلها أو قعرها
وقيل: فاسلكوه، وإنما تسلك السلسلة فيه لأن المعنى مفهوم، مثل قولهم: أدخلت رأسي في القلنسوة، وإنما تدخل [القلنسوة] في الرأس، وشبهه كثير في الكلام.
وقال الفراء: التقدير: فاسلكوه فيها.
وروى نعيم بن حماد عن كعب أنه قال: ينظر الله إلى عبده يوم القيامة فيقول: "خذوه"، فيأخذه مائة ألف ملك حتى يتفتت في أيديهم، فيقول: أما ترحموننا؟! فيقولون: وكيف نرحمك ولم يرحمك أرحم الراحمين؟!.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ﴾.
أي: لا يصدق بتوحيد بالله.
* *
﴿وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾.
ولا يرغب هو ولا يُرَغَّبُ غيرهُ في إطعام أهل المسكنة والحاجة.
الحاقة 69:22
[قوله] ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً...﴾ إلى [قوله] ﴿عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾.
أي: فعلنا ذلك لنجعل السفينة لكم عبرة وعظة وآية.
قال قتادة: أبقى الله السفينة تذكرة وعظة وآية حتى نظر إليها أول هذه [الأُمة]، وكم من سفينة قد كانت بعد سفينة نوح قد صارت رِمْدداً.
- قال ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾..
[أي]: [ولتعي] هذه التذكرة أذن حافظة عقلت عن الله ما سمعت.
وروي أن النبي ﷺ قرأ: ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ ثُمَّ الْتَفَتَ إلَى عَلِيِّ رضي الله عنه فقال: سَاَلْتُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَهَا أُذُنَكَ. قال علَيٌّ: فَمَا سَمِعْتُ شَيْئاً مِنْ رَسُولِ اللهِ قَطّ فَنَسِيتُهُ.
"
وقال [بريدة]: سمعت رسول الله ﷺ يقول لعلي: [يا علي]، إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ [أُدْنِيْكَ] ولاَ أُقْصِيَكَ، [وَأنْ أُعَلِّمكَ] وَأَنْ تَعِيَ. وَحَق عَلَى الله أن [تَعِي]. قال: ونزلت: ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾
وقال أبو عمران الجَوْنِي: ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [يعني]: أذن عقلت عن الله.
* *
- ثم قال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾.
(أي: فإذا نفخ إسرافيل في الصور نفخة واحدة)، وهي النفخة الأولى.
* *
- ﴿وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾.
أي [زلزلتا] زلزلة واحدة.
قال ابن زيد: دكتا دكة واحدة: "صارت غباراً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ﴾.
أي: قامت القيامة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾.
أي: وانصدعت السماء فهي متشققة يومئذ.
قال الضحاك: إذا كان يوم القيامة أمر الله جل ثناؤه السماء بأهلها ونزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها ثم الثانية ثم [الثالثة] إلى السابعة، فصفوا صفاً بين يدي صف ثم نزل الملِك الأعلى على مجنبته جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نَدُّوا فلا يأتون قُطُراً من أقطار الأرض إلا وَجدوا سعبة صفوف من الملائكة فيه، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ [غافر: ٣٢-٣٣].
وذلك قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر: ٢٢].
- وهو قوله: ﴿يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ [أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ] إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] (أي) بحجة، وهو قوله: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ﴾. إلى ﴿عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾
أي: على نواحيها وأطرافها حين تشقق.
قال ابن عباس: على حافاتها، وذلك حين تشقق.
وعن ابن جبير: ﴿عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾: على حافات الدنيا.
وواحد الأرجاء [رجا] مقصور، وهو الناحية، يثنى بالواو.
والرجاء: الأملُ، مَمْدُودُ.
* *
- ثم قال: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾.
قال ابن عباس هي ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله، وهو قول الضحاك وعكرمة.
وقال ابن زيد: هم ثمانية أملاك. وروي عن النبي ﷺ (أنه قال): يحمِلهُ اليَوْمَ أَرْبَعَةٌ، وَيَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ثَمَانِيَةٌ، وأنه قال ﷺ: إِنَّ أَقْدَامَهُمْ لَفِي الأَرْضِ السَّابِعَةِ، وإِنَّ مَنَاكِبَهُمْ لَخَارِجَةٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ عَلَيْهَا العَرِشُ، قال ابن زيد: يريد الأربعة. قال ابن زيد: وبلغنا أن رسول الله ﷺ قال: لمَّا خَلَقَهُمُ الله قال: تَدرون لِمَ خلقتكم؟ قالوا: خلقتنا ربنا لما شاء، قال لهم: تحملون عرشي، ثم قال: سَلوني من القوة ما شئتم أَجْعَلُهَا فِيكُم، فقال أحدهم: قد كان عرش ربنا على الماء فاجعلني في قوة الماء، قال: قد جعلت فيك قوة الماء، وقال آخر: اجعل في قوة السماوات، (قال: قد جعلت فيك قوة السماوات. وقال الآخر: اجعل في قوة الأرض والجبال، قال: قد جعلت فيك قوة الأرض والجبال. وقال آخر: اجعل في قوة الرياح)، قال: قد جعلت فيك قوة الرياح.
(ثم) قال: احملوا. قال: فوضعوا العرش على كواهلهم فلم يزولوا. قال: فجاء عِلْمٌ آخر، وإنما كان عِلْمُهُم الذي [سألوه] القوة. فقال لهم: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله [العلي العظيم]. فقالوها، وجعل فيهم من الحول والقوة ما لم يبلغوه بعلمهم فحملوا
وروى ابن وهب عن أبيه أنه قال: أربعة من الملائكة يحملون العرش على أكتافهم، لكل واحد منهم أربعة أوجه: وجه ثور، ووجه [أسد]، ووجه نسر، ووجه إنسان. ولكل واحد منهم أربعة أجنحة: جناحان على وجهه من أن ينظر إلى العرش فيصعق، وجناحان يقف [بهما]. ليس لهم كلام إلا (أن) يقولوا: قدسوا الله القوي الذي ملأت عظمته السماوات والأرض.
وقال عطاء عن مَيْسَرَة [في قوله] ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾، قال: "أرجلهم في التخوم لا يستطيعون أن يرفعوا أبصارهم من شعاع النور".
قال أبو محمد [مؤلفه رضي الله عنه]: ما جاء في القرآن وهذه الأحاديث من النزول والمجيء وشِبْهِ ذلك مضافاً إلى الله جل ذكره [فلا يجب] أن يُتَأَوَّلَ فيه انتقال "ولا حركة" على الله، إذ لا يجوز عليه ذلك، إذ الحركةُ والنقلةُ إنما هما من صفات المخلوقين. وكل ما جاء من هذا فإنما هو صفة من صفات الله لا كما هي من المخلوقين، فأجرها على ما أتت ولا تعتقد ولا تتوهم في ذلك أمراً مما شَهِدْتَهُ في الخلق، إذ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. وقد قال جماعة من العلماء في وصف الله جل ذكره بالمجيء والإتيان والتنزل: إنها أفعال يحدثها الله متى شاء، سماها بذلك، فلا تَتَقَدَّمْ بَيْنَ يَدَيْهِ ولاَ تُكَيِّفْ وَلاَ تُشَبِّهْ، وَتَقُولُ كَمَا قَالَ وتَنْفِي (عنه) - جل ذكره - التَّشْبِيهَ، ولا تَعْتَرِضْ في شيء مما أَتَى في كتابه من ذلك وما روي عن نبيه (منه) ﷺ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾.
[أي]: ذلك اليوم تعرضون أيها الناس على ربكم فلا يخفى عنه من أعمالكم شيء.
وروي أنهم [يعرضون] ثلاث عرضات: قاله أبو موسى الأشعري وابن مسعود، قالا: فعرضتان فيه الخصومات والمقادير، والثالثة [تطاير] الصحف. قال أبو موسى: "فأخذ بيمينه، وأخذ بشماله".
وروى مثل ذلك قتادة عن النبي ﷺ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ﴾.
أي: فأما من أعطي كتاب عمله بيمينه فيقول: تعالوا﴿ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ﴾.
وقال بعض [أهل اللغة]: أصل "هَاؤُمْ" "هاكم"، ثم أبدل من الكاف واو.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ﴾.
هذا من الظن الذي هو يقين، قوم ظنوا ظناً: فازوا به، وقوم ظنوا ظناً: شقوا [به]، وهو الظن الذي بمعنى الشك.
والمعنى أن المؤمن يقول يوم القيامة حين آَخْذِ كتابه (بيمينه: أيقنت في الدنيا أني ملاق ما عملت إذا وردت يوم القيامة) على ربي.
قال ابن عباس: ظننت: "أيقنت".
قال قتادة: ظَنَّ ظَنّاً يَقِيناً فنفعه الله به، وقال: "ما كان من ظن الآخرة فهو علم" [يريد] من المؤمنين.
* *
- ثم قال: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾.
أي: عيش مرضي، وهو عيش الجنة.
وجعلت "مرضية" نعتاً [للعيشة]؛ لأن ذلك مدح [للعيشة]، كما يقال: "ليل نائم" "وسرٌّ كاتم" و "ماء دافق"، بمعنى "مفعول"؛ لأنه فيه بمعنى المدح، فكان نقله من بناء إلى بناء يدل على المدح أو [الذم]، ولو قلت: "رجل ضارب" بمعنى "مضروب" لم يجز؛ لأنه لا مدح فيه ولا [ذم]، فلا يقع بناء في موقع بناء إلا لمعنى زائد.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
أي: رفيعة المقدار والمكان.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾.
أي: ما يقطف من ثمارها دان، أي: قريب من قاطفه (يقطفه)، فكيف شاء - في حال قيام أو قعود أو اضطجاع - لا يمنعه منه بُعْدٌ، ولا يحول بينه [وبينه] [شوك].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ﴾.
أي: كلوا من ثمرات الجنات غير مُكَدَّرٍ ولا منقص عليكم بما تقدم (لكم) من الأعمال الصالحات في الأيام الماضية في الدنيا لأخراكم. قال قتادة: هذه هي الأيام الخالية فانية تؤدي إلى أيام باقية، فاعملوا في هذه الأيام وقَدِّموا فيها خيراً إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله. ويقال: من عمل في الزمان الذي لا بقاء فيه أَوْصَلَهُ إلى نَعِيمِ الزمان الذي لا زَوَالَ لَهُ.
ويقال: إنه الصيام في أيام الدنيا. روي أنه يوضع يوم القيامة للصوام في الدنيا مائدة يأكلون عليها والناس في الحساب، فيقولون يا رب: نحن في الحساب وهؤلاء يأكلون؟ فيقول: إنهم طالما صاموا في الدنيا وأكلتم، وقاموا ونمتم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ بِشِمَالِهِ﴾
أي: كتاب عمله، ﴿فَيَقُولُ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَٰبِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾.
أي: ولم أدر أي شيء حسابي؟!
* *
- ثم قال: ﴿يٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ﴾.
أي: يا ليت الموتة التي متها في الدنيا كانت هي الفراغ من كل ما بعدها ولم يكن بعد ذلك حياة.
قال قتادة: تمنى الموت ولم يكن في الدنيا شيء أكره إليه من الموت.
* *
- ثم قال: ﴿مَآ أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ﴾.
أي: لم ينفعني [مالي] ولا دفع عني من العذاب شيئاً، فتكون "ما" نافية. ويجوز أن تكون استفهاماً في موضع نصب والتقدير، أي بشيء أغنى عني مالي.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾.
قال [ابن عباس]: ضلت عني كل [بينة] لي (فلم) تغن عني شيئاً. قال عكرمة ومجاهد: سلطاني: حجتي. وقال ابن زيد: ﴿هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ أي: "سلطان الدنيا" وملكها.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾.
هذا أمر من الله لِخُزَّانِ جهنم من الملائكة، أي: خذوا هذا الكافر فغلوا يده إلى عنقه، ثم الجحيم فألقوه وأوردوه (فيها).
* *
﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾.
أي: ثم اسلكوه في سلسلة طولها سبعون ذراعا. وذلك أن تدخل في دبره وتخرج من منخريه. وقيل: تدخل في فِيهِ وتخرج من دبره. وقال محمد بن المنكدر: لو جمع حديدُ الدنيا ما مضى منها وما بقي ما عَدَلَ حلقة من حلق السلسلة.
قال نوف البكالي: الذراع سبعون باعاً أبعد ما بينك وبين مكة وهو يومئذ بالكوفة. قال ابن عباس: ﴿سَبْعُونَ ذِرَاعاً﴾ "بذراع الملك ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ تسلك في دُبره حتى تخرج من منخريه حتى لا يقوم على رجليه".
وروى عبد الله بن عمر وابن العاصي أن رسول الله ﷺ قال: "لَوْ أَنَّ رَصَاصَة مثل هذا - وأشار إلى مثل جمجمة - أُرْسِلَتْ من السماء إلى الأرض - وهي مسيرةُ خَمْسِ مِائَةِ سنة - لبلغت الأرضَ قبل الليل. ولو أنها أُرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفاً - الليلَ والنهارَ - قبل أن [تبلغ] أصلها أو قعرها
وقيل: فاسلكوه، وإنما تسلك السلسلة فيه لأن المعنى مفهوم، مثل قولهم: أدخلت رأسي في القلنسوة، وإنما تدخل [القلنسوة] في الرأس، وشبهه كثير في الكلام.
وقال الفراء: التقدير: فاسلكوه فيها.
وروى نعيم بن حماد عن كعب أنه قال: ينظر الله إلى عبده يوم القيامة فيقول: "خذوه"، فيأخذه مائة ألف ملك حتى يتفتت في أيديهم، فيقول: أما ترحموننا؟! فيقولون: وكيف نرحمك ولم يرحمك أرحم الراحمين؟!.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ﴾.
أي: لا يصدق بتوحيد بالله.
* *
﴿وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾.
ولا يرغب هو ولا يُرَغَّبُ غيرهُ في إطعام أهل المسكنة والحاجة.
الحاقة 69:23
[قوله] ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً...﴾ إلى [قوله] ﴿عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾.
أي: فعلنا ذلك لنجعل السفينة لكم عبرة وعظة وآية.
قال قتادة: أبقى الله السفينة تذكرة وعظة وآية حتى نظر إليها أول هذه [الأُمة]، وكم من سفينة قد كانت بعد سفينة نوح قد صارت رِمْدداً.
- قال ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾..
[أي]: [ولتعي] هذه التذكرة أذن حافظة عقلت عن الله ما سمعت.
وروي أن النبي ﷺ قرأ: ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ ثُمَّ الْتَفَتَ إلَى عَلِيِّ رضي الله عنه فقال: سَاَلْتُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَهَا أُذُنَكَ. قال علَيٌّ: فَمَا سَمِعْتُ شَيْئاً مِنْ رَسُولِ اللهِ قَطّ فَنَسِيتُهُ.
"
وقال [بريدة]: سمعت رسول الله ﷺ يقول لعلي: [يا علي]، إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ [أُدْنِيْكَ] ولاَ أُقْصِيَكَ، [وَأنْ أُعَلِّمكَ] وَأَنْ تَعِيَ. وَحَق عَلَى الله أن [تَعِي]. قال: ونزلت: ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾
وقال أبو عمران الجَوْنِي: ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [يعني]: أذن عقلت عن الله.
* *
- ثم قال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾.
(أي: فإذا نفخ إسرافيل في الصور نفخة واحدة)، وهي النفخة الأولى.
* *
- ﴿وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾.
أي [زلزلتا] زلزلة واحدة.
قال ابن زيد: دكتا دكة واحدة: "صارت غباراً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ﴾.
أي: قامت القيامة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾.
أي: وانصدعت السماء فهي متشققة يومئذ.
قال الضحاك: إذا كان يوم القيامة أمر الله جل ثناؤه السماء بأهلها ونزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها ثم الثانية ثم [الثالثة] إلى السابعة، فصفوا صفاً بين يدي صف ثم نزل الملِك الأعلى على مجنبته جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نَدُّوا فلا يأتون قُطُراً من أقطار الأرض إلا وَجدوا سعبة صفوف من الملائكة فيه، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ [غافر: ٣٢-٣٣].
وذلك قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر: ٢٢].
- وهو قوله: ﴿يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ [أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ] إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] (أي) بحجة، وهو قوله: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ﴾. إلى ﴿عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾
أي: على نواحيها وأطرافها حين تشقق.
قال ابن عباس: على حافاتها، وذلك حين تشقق.
وعن ابن جبير: ﴿عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾: على حافات الدنيا.
وواحد الأرجاء [رجا] مقصور، وهو الناحية، يثنى بالواو.
والرجاء: الأملُ، مَمْدُودُ.
* *
- ثم قال: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾.
قال ابن عباس هي ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله، وهو قول الضحاك وعكرمة.
وقال ابن زيد: هم ثمانية أملاك. وروي عن النبي ﷺ (أنه قال): يحمِلهُ اليَوْمَ أَرْبَعَةٌ، وَيَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ثَمَانِيَةٌ، وأنه قال ﷺ: إِنَّ أَقْدَامَهُمْ لَفِي الأَرْضِ السَّابِعَةِ، وإِنَّ مَنَاكِبَهُمْ لَخَارِجَةٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ عَلَيْهَا العَرِشُ، قال ابن زيد: يريد الأربعة. قال ابن زيد: وبلغنا أن رسول الله ﷺ قال: لمَّا خَلَقَهُمُ الله قال: تَدرون لِمَ خلقتكم؟ قالوا: خلقتنا ربنا لما شاء، قال لهم: تحملون عرشي، ثم قال: سَلوني من القوة ما شئتم أَجْعَلُهَا فِيكُم، فقال أحدهم: قد كان عرش ربنا على الماء فاجعلني في قوة الماء، قال: قد جعلت فيك قوة الماء، وقال آخر: اجعل في قوة السماوات، (قال: قد جعلت فيك قوة السماوات. وقال الآخر: اجعل في قوة الأرض والجبال، قال: قد جعلت فيك قوة الأرض والجبال. وقال آخر: اجعل في قوة الرياح)، قال: قد جعلت فيك قوة الرياح.
(ثم) قال: احملوا. قال: فوضعوا العرش على كواهلهم فلم يزولوا. قال: فجاء عِلْمٌ آخر، وإنما كان عِلْمُهُم الذي [سألوه] القوة. فقال لهم: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله [العلي العظيم]. فقالوها، وجعل فيهم من الحول والقوة ما لم يبلغوه بعلمهم فحملوا
وروى ابن وهب عن أبيه أنه قال: أربعة من الملائكة يحملون العرش على أكتافهم، لكل واحد منهم أربعة أوجه: وجه ثور، ووجه [أسد]، ووجه نسر، ووجه إنسان. ولكل واحد منهم أربعة أجنحة: جناحان على وجهه من أن ينظر إلى العرش فيصعق، وجناحان يقف [بهما]. ليس لهم كلام إلا (أن) يقولوا: قدسوا الله القوي الذي ملأت عظمته السماوات والأرض.
وقال عطاء عن مَيْسَرَة [في قوله] ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾، قال: "أرجلهم في التخوم لا يستطيعون أن يرفعوا أبصارهم من شعاع النور".
قال أبو محمد [مؤلفه رضي الله عنه]: ما جاء في القرآن وهذه الأحاديث من النزول والمجيء وشِبْهِ ذلك مضافاً إلى الله جل ذكره [فلا يجب] أن يُتَأَوَّلَ فيه انتقال "ولا حركة" على الله، إذ لا يجوز عليه ذلك، إذ الحركةُ والنقلةُ إنما هما من صفات المخلوقين. وكل ما جاء من هذا فإنما هو صفة من صفات الله لا كما هي من المخلوقين، فأجرها على ما أتت ولا تعتقد ولا تتوهم في ذلك أمراً مما شَهِدْتَهُ في الخلق، إذ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. وقد قال جماعة من العلماء في وصف الله جل ذكره بالمجيء والإتيان والتنزل: إنها أفعال يحدثها الله متى شاء، سماها بذلك، فلا تَتَقَدَّمْ بَيْنَ يَدَيْهِ ولاَ تُكَيِّفْ وَلاَ تُشَبِّهْ، وَتَقُولُ كَمَا قَالَ وتَنْفِي (عنه) - جل ذكره - التَّشْبِيهَ، ولا تَعْتَرِضْ في شيء مما أَتَى في كتابه من ذلك وما روي عن نبيه (منه) ﷺ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾.
[أي]: ذلك اليوم تعرضون أيها الناس على ربكم فلا يخفى عنه من أعمالكم شيء.
وروي أنهم [يعرضون] ثلاث عرضات: قاله أبو موسى الأشعري وابن مسعود، قالا: فعرضتان فيه الخصومات والمقادير، والثالثة [تطاير] الصحف. قال أبو موسى: "فأخذ بيمينه، وأخذ بشماله".
وروى مثل ذلك قتادة عن النبي ﷺ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ﴾.
أي: فأما من أعطي كتاب عمله بيمينه فيقول: تعالوا﴿ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ﴾.
وقال بعض [أهل اللغة]: أصل "هَاؤُمْ" "هاكم"، ثم أبدل من الكاف واو.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ﴾.
هذا من الظن الذي هو يقين، قوم ظنوا ظناً: فازوا به، وقوم ظنوا ظناً: شقوا [به]، وهو الظن الذي بمعنى الشك.
والمعنى أن المؤمن يقول يوم القيامة حين آَخْذِ كتابه (بيمينه: أيقنت في الدنيا أني ملاق ما عملت إذا وردت يوم القيامة) على ربي.
قال ابن عباس: ظننت: "أيقنت".
قال قتادة: ظَنَّ ظَنّاً يَقِيناً فنفعه الله به، وقال: "ما كان من ظن الآخرة فهو علم" [يريد] من المؤمنين.
* *
- ثم قال: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾.
أي: عيش مرضي، وهو عيش الجنة.
وجعلت "مرضية" نعتاً [للعيشة]؛ لأن ذلك مدح [للعيشة]، كما يقال: "ليل نائم" "وسرٌّ كاتم" و "ماء دافق"، بمعنى "مفعول"؛ لأنه فيه بمعنى المدح، فكان نقله من بناء إلى بناء يدل على المدح أو [الذم]، ولو قلت: "رجل ضارب" بمعنى "مضروب" لم يجز؛ لأنه لا مدح فيه ولا [ذم]، فلا يقع بناء في موقع بناء إلا لمعنى زائد.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
أي: رفيعة المقدار والمكان.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾.
أي: ما يقطف من ثمارها دان، أي: قريب من قاطفه (يقطفه)، فكيف شاء - في حال قيام أو قعود أو اضطجاع - لا يمنعه منه بُعْدٌ، ولا يحول بينه [وبينه] [شوك].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ﴾.
أي: كلوا من ثمرات الجنات غير مُكَدَّرٍ ولا منقص عليكم بما تقدم (لكم) من الأعمال الصالحات في الأيام الماضية في الدنيا لأخراكم. قال قتادة: هذه هي الأيام الخالية فانية تؤدي إلى أيام باقية، فاعملوا في هذه الأيام وقَدِّموا فيها خيراً إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله. ويقال: من عمل في الزمان الذي لا بقاء فيه أَوْصَلَهُ إلى نَعِيمِ الزمان الذي لا زَوَالَ لَهُ.
ويقال: إنه الصيام في أيام الدنيا. روي أنه يوضع يوم القيامة للصوام في الدنيا مائدة يأكلون عليها والناس في الحساب، فيقولون يا رب: نحن في الحساب وهؤلاء يأكلون؟ فيقول: إنهم طالما صاموا في الدنيا وأكلتم، وقاموا ونمتم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ بِشِمَالِهِ﴾
أي: كتاب عمله، ﴿فَيَقُولُ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَٰبِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾.
أي: ولم أدر أي شيء حسابي؟!
* *
- ثم قال: ﴿يٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ﴾.
أي: يا ليت الموتة التي متها في الدنيا كانت هي الفراغ من كل ما بعدها ولم يكن بعد ذلك حياة.
قال قتادة: تمنى الموت ولم يكن في الدنيا شيء أكره إليه من الموت.
* *
- ثم قال: ﴿مَآ أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ﴾.
أي: لم ينفعني [مالي] ولا دفع عني من العذاب شيئاً، فتكون "ما" نافية. ويجوز أن تكون استفهاماً في موضع نصب والتقدير، أي بشيء أغنى عني مالي.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾.
قال [ابن عباس]: ضلت عني كل [بينة] لي (فلم) تغن عني شيئاً. قال عكرمة ومجاهد: سلطاني: حجتي. وقال ابن زيد: ﴿هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ أي: "سلطان الدنيا" وملكها.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾.
هذا أمر من الله لِخُزَّانِ جهنم من الملائكة، أي: خذوا هذا الكافر فغلوا يده إلى عنقه، ثم الجحيم فألقوه وأوردوه (فيها).
* *
﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾.
أي: ثم اسلكوه في سلسلة طولها سبعون ذراعا. وذلك أن تدخل في دبره وتخرج من منخريه. وقيل: تدخل في فِيهِ وتخرج من دبره. وقال محمد بن المنكدر: لو جمع حديدُ الدنيا ما مضى منها وما بقي ما عَدَلَ حلقة من حلق السلسلة.
قال نوف البكالي: الذراع سبعون باعاً أبعد ما بينك وبين مكة وهو يومئذ بالكوفة. قال ابن عباس: ﴿سَبْعُونَ ذِرَاعاً﴾ "بذراع الملك ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ تسلك في دُبره حتى تخرج من منخريه حتى لا يقوم على رجليه".
وروى عبد الله بن عمر وابن العاصي أن رسول الله ﷺ قال: "لَوْ أَنَّ رَصَاصَة مثل هذا - وأشار إلى مثل جمجمة - أُرْسِلَتْ من السماء إلى الأرض - وهي مسيرةُ خَمْسِ مِائَةِ سنة - لبلغت الأرضَ قبل الليل. ولو أنها أُرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفاً - الليلَ والنهارَ - قبل أن [تبلغ] أصلها أو قعرها
وقيل: فاسلكوه، وإنما تسلك السلسلة فيه لأن المعنى مفهوم، مثل قولهم: أدخلت رأسي في القلنسوة، وإنما تدخل [القلنسوة] في الرأس، وشبهه كثير في الكلام.
وقال الفراء: التقدير: فاسلكوه فيها.
وروى نعيم بن حماد عن كعب أنه قال: ينظر الله إلى عبده يوم القيامة فيقول: "خذوه"، فيأخذه مائة ألف ملك حتى يتفتت في أيديهم، فيقول: أما ترحموننا؟! فيقولون: وكيف نرحمك ولم يرحمك أرحم الراحمين؟!.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ﴾.
أي: لا يصدق بتوحيد بالله.
* *
﴿وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾.
ولا يرغب هو ولا يُرَغَّبُ غيرهُ في إطعام أهل المسكنة والحاجة.
الحاقة 69:24
[قوله] ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً...﴾ إلى [قوله] ﴿عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾.
أي: فعلنا ذلك لنجعل السفينة لكم عبرة وعظة وآية.
قال قتادة: أبقى الله السفينة تذكرة وعظة وآية حتى نظر إليها أول هذه [الأُمة]، وكم من سفينة قد كانت بعد سفينة نوح قد صارت رِمْدداً.
- قال ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾..
[أي]: [ولتعي] هذه التذكرة أذن حافظة عقلت عن الله ما سمعت.
وروي أن النبي ﷺ قرأ: ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ ثُمَّ الْتَفَتَ إلَى عَلِيِّ رضي الله عنه فقال: سَاَلْتُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَهَا أُذُنَكَ. قال علَيٌّ: فَمَا سَمِعْتُ شَيْئاً مِنْ رَسُولِ اللهِ قَطّ فَنَسِيتُهُ.
"
وقال [بريدة]: سمعت رسول الله ﷺ يقول لعلي: [يا علي]، إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ [أُدْنِيْكَ] ولاَ أُقْصِيَكَ، [وَأنْ أُعَلِّمكَ] وَأَنْ تَعِيَ. وَحَق عَلَى الله أن [تَعِي]. قال: ونزلت: ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾
وقال أبو عمران الجَوْنِي: ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [يعني]: أذن عقلت عن الله.
* *
- ثم قال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾.
(أي: فإذا نفخ إسرافيل في الصور نفخة واحدة)، وهي النفخة الأولى.
* *
- ﴿وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾.
أي [زلزلتا] زلزلة واحدة.
قال ابن زيد: دكتا دكة واحدة: "صارت غباراً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ﴾.
أي: قامت القيامة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾.
أي: وانصدعت السماء فهي متشققة يومئذ.
قال الضحاك: إذا كان يوم القيامة أمر الله جل ثناؤه السماء بأهلها ونزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها ثم الثانية ثم [الثالثة] إلى السابعة، فصفوا صفاً بين يدي صف ثم نزل الملِك الأعلى على مجنبته جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نَدُّوا فلا يأتون قُطُراً من أقطار الأرض إلا وَجدوا سعبة صفوف من الملائكة فيه، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ [غافر: ٣٢-٣٣].
وذلك قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر: ٢٢].
- وهو قوله: ﴿يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ [أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ] إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] (أي) بحجة، وهو قوله: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ﴾. إلى ﴿عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾
أي: على نواحيها وأطرافها حين تشقق.
قال ابن عباس: على حافاتها، وذلك حين تشقق.
وعن ابن جبير: ﴿عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾: على حافات الدنيا.
وواحد الأرجاء [رجا] مقصور، وهو الناحية، يثنى بالواو.
والرجاء: الأملُ، مَمْدُودُ.
* *
- ثم قال: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾.
قال ابن عباس هي ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله، وهو قول الضحاك وعكرمة.
وقال ابن زيد: هم ثمانية أملاك. وروي عن النبي ﷺ (أنه قال): يحمِلهُ اليَوْمَ أَرْبَعَةٌ، وَيَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ثَمَانِيَةٌ، وأنه قال ﷺ: إِنَّ أَقْدَامَهُمْ لَفِي الأَرْضِ السَّابِعَةِ، وإِنَّ مَنَاكِبَهُمْ لَخَارِجَةٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ عَلَيْهَا العَرِشُ، قال ابن زيد: يريد الأربعة. قال ابن زيد: وبلغنا أن رسول الله ﷺ قال: لمَّا خَلَقَهُمُ الله قال: تَدرون لِمَ خلقتكم؟ قالوا: خلقتنا ربنا لما شاء، قال لهم: تحملون عرشي، ثم قال: سَلوني من القوة ما شئتم أَجْعَلُهَا فِيكُم، فقال أحدهم: قد كان عرش ربنا على الماء فاجعلني في قوة الماء، قال: قد جعلت فيك قوة الماء، وقال آخر: اجعل في قوة السماوات، (قال: قد جعلت فيك قوة السماوات. وقال الآخر: اجعل في قوة الأرض والجبال، قال: قد جعلت فيك قوة الأرض والجبال. وقال آخر: اجعل في قوة الرياح)، قال: قد جعلت فيك قوة الرياح.
(ثم) قال: احملوا. قال: فوضعوا العرش على كواهلهم فلم يزولوا. قال: فجاء عِلْمٌ آخر، وإنما كان عِلْمُهُم الذي [سألوه] القوة. فقال لهم: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله [العلي العظيم]. فقالوها، وجعل فيهم من الحول والقوة ما لم يبلغوه بعلمهم فحملوا
وروى ابن وهب عن أبيه أنه قال: أربعة من الملائكة يحملون العرش على أكتافهم، لكل واحد منهم أربعة أوجه: وجه ثور، ووجه [أسد]، ووجه نسر، ووجه إنسان. ولكل واحد منهم أربعة أجنحة: جناحان على وجهه من أن ينظر إلى العرش فيصعق، وجناحان يقف [بهما]. ليس لهم كلام إلا (أن) يقولوا: قدسوا الله القوي الذي ملأت عظمته السماوات والأرض.
وقال عطاء عن مَيْسَرَة [في قوله] ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾، قال: "أرجلهم في التخوم لا يستطيعون أن يرفعوا أبصارهم من شعاع النور".
قال أبو محمد [مؤلفه رضي الله عنه]: ما جاء في القرآن وهذه الأحاديث من النزول والمجيء وشِبْهِ ذلك مضافاً إلى الله جل ذكره [فلا يجب] أن يُتَأَوَّلَ فيه انتقال "ولا حركة" على الله، إذ لا يجوز عليه ذلك، إذ الحركةُ والنقلةُ إنما هما من صفات المخلوقين. وكل ما جاء من هذا فإنما هو صفة من صفات الله لا كما هي من المخلوقين، فأجرها على ما أتت ولا تعتقد ولا تتوهم في ذلك أمراً مما شَهِدْتَهُ في الخلق، إذ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. وقد قال جماعة من العلماء في وصف الله جل ذكره بالمجيء والإتيان والتنزل: إنها أفعال يحدثها الله متى شاء، سماها بذلك، فلا تَتَقَدَّمْ بَيْنَ يَدَيْهِ ولاَ تُكَيِّفْ وَلاَ تُشَبِّهْ، وَتَقُولُ كَمَا قَالَ وتَنْفِي (عنه) - جل ذكره - التَّشْبِيهَ، ولا تَعْتَرِضْ في شيء مما أَتَى في كتابه من ذلك وما روي عن نبيه (منه) ﷺ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾.
[أي]: ذلك اليوم تعرضون أيها الناس على ربكم فلا يخفى عنه من أعمالكم شيء.
وروي أنهم [يعرضون] ثلاث عرضات: قاله أبو موسى الأشعري وابن مسعود، قالا: فعرضتان فيه الخصومات والمقادير، والثالثة [تطاير] الصحف. قال أبو موسى: "فأخذ بيمينه، وأخذ بشماله".
وروى مثل ذلك قتادة عن النبي ﷺ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ﴾.
أي: فأما من أعطي كتاب عمله بيمينه فيقول: تعالوا﴿ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ﴾.
وقال بعض [أهل اللغة]: أصل "هَاؤُمْ" "هاكم"، ثم أبدل من الكاف واو.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ﴾.
هذا من الظن الذي هو يقين، قوم ظنوا ظناً: فازوا به، وقوم ظنوا ظناً: شقوا [به]، وهو الظن الذي بمعنى الشك.
والمعنى أن المؤمن يقول يوم القيامة حين آَخْذِ كتابه (بيمينه: أيقنت في الدنيا أني ملاق ما عملت إذا وردت يوم القيامة) على ربي.
قال ابن عباس: ظننت: "أيقنت".
قال قتادة: ظَنَّ ظَنّاً يَقِيناً فنفعه الله به، وقال: "ما كان من ظن الآخرة فهو علم" [يريد] من المؤمنين.
* *
- ثم قال: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾.
أي: عيش مرضي، وهو عيش الجنة.
وجعلت "مرضية" نعتاً [للعيشة]؛ لأن ذلك مدح [للعيشة]، كما يقال: "ليل نائم" "وسرٌّ كاتم" و "ماء دافق"، بمعنى "مفعول"؛ لأنه فيه بمعنى المدح، فكان نقله من بناء إلى بناء يدل على المدح أو [الذم]، ولو قلت: "رجل ضارب" بمعنى "مضروب" لم يجز؛ لأنه لا مدح فيه ولا [ذم]، فلا يقع بناء في موقع بناء إلا لمعنى زائد.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
أي: رفيعة المقدار والمكان.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾.
أي: ما يقطف من ثمارها دان، أي: قريب من قاطفه (يقطفه)، فكيف شاء - في حال قيام أو قعود أو اضطجاع - لا يمنعه منه بُعْدٌ، ولا يحول بينه [وبينه] [شوك].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ﴾.
أي: كلوا من ثمرات الجنات غير مُكَدَّرٍ ولا منقص عليكم بما تقدم (لكم) من الأعمال الصالحات في الأيام الماضية في الدنيا لأخراكم. قال قتادة: هذه هي الأيام الخالية فانية تؤدي إلى أيام باقية، فاعملوا في هذه الأيام وقَدِّموا فيها خيراً إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله. ويقال: من عمل في الزمان الذي لا بقاء فيه أَوْصَلَهُ إلى نَعِيمِ الزمان الذي لا زَوَالَ لَهُ.
ويقال: إنه الصيام في أيام الدنيا. روي أنه يوضع يوم القيامة للصوام في الدنيا مائدة يأكلون عليها والناس في الحساب، فيقولون يا رب: نحن في الحساب وهؤلاء يأكلون؟ فيقول: إنهم طالما صاموا في الدنيا وأكلتم، وقاموا ونمتم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ بِشِمَالِهِ﴾
أي: كتاب عمله، ﴿فَيَقُولُ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَٰبِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾.
أي: ولم أدر أي شيء حسابي؟!
* *
- ثم قال: ﴿يٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ﴾.
أي: يا ليت الموتة التي متها في الدنيا كانت هي الفراغ من كل ما بعدها ولم يكن بعد ذلك حياة.
قال قتادة: تمنى الموت ولم يكن في الدنيا شيء أكره إليه من الموت.
* *
- ثم قال: ﴿مَآ أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ﴾.
أي: لم ينفعني [مالي] ولا دفع عني من العذاب شيئاً، فتكون "ما" نافية. ويجوز أن تكون استفهاماً في موضع نصب والتقدير، أي بشيء أغنى عني مالي.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾.
قال [ابن عباس]: ضلت عني كل [بينة] لي (فلم) تغن عني شيئاً. قال عكرمة ومجاهد: سلطاني: حجتي. وقال ابن زيد: ﴿هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ أي: "سلطان الدنيا" وملكها.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾.
هذا أمر من الله لِخُزَّانِ جهنم من الملائكة، أي: خذوا هذا الكافر فغلوا يده إلى عنقه، ثم الجحيم فألقوه وأوردوه (فيها).
* *
﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾.
أي: ثم اسلكوه في سلسلة طولها سبعون ذراعا. وذلك أن تدخل في دبره وتخرج من منخريه. وقيل: تدخل في فِيهِ وتخرج من دبره. وقال محمد بن المنكدر: لو جمع حديدُ الدنيا ما مضى منها وما بقي ما عَدَلَ حلقة من حلق السلسلة.
قال نوف البكالي: الذراع سبعون باعاً أبعد ما بينك وبين مكة وهو يومئذ بالكوفة. قال ابن عباس: ﴿سَبْعُونَ ذِرَاعاً﴾ "بذراع الملك ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ تسلك في دُبره حتى تخرج من منخريه حتى لا يقوم على رجليه".
وروى عبد الله بن عمر وابن العاصي أن رسول الله ﷺ قال: "لَوْ أَنَّ رَصَاصَة مثل هذا - وأشار إلى مثل جمجمة - أُرْسِلَتْ من السماء إلى الأرض - وهي مسيرةُ خَمْسِ مِائَةِ سنة - لبلغت الأرضَ قبل الليل. ولو أنها أُرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفاً - الليلَ والنهارَ - قبل أن [تبلغ] أصلها أو قعرها
وقيل: فاسلكوه، وإنما تسلك السلسلة فيه لأن المعنى مفهوم، مثل قولهم: أدخلت رأسي في القلنسوة، وإنما تدخل [القلنسوة] في الرأس، وشبهه كثير في الكلام.
وقال الفراء: التقدير: فاسلكوه فيها.
وروى نعيم بن حماد عن كعب أنه قال: ينظر الله إلى عبده يوم القيامة فيقول: "خذوه"، فيأخذه مائة ألف ملك حتى يتفتت في أيديهم، فيقول: أما ترحموننا؟! فيقولون: وكيف نرحمك ولم يرحمك أرحم الراحمين؟!.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ﴾.
أي: لا يصدق بتوحيد بالله.
* *
﴿وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾.
ولا يرغب هو ولا يُرَغَّبُ غيرهُ في إطعام أهل المسكنة والحاجة.
الحاقة 69:25
[قوله] ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً...﴾ إلى [قوله] ﴿عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾.
أي: فعلنا ذلك لنجعل السفينة لكم عبرة وعظة وآية.
قال قتادة: أبقى الله السفينة تذكرة وعظة وآية حتى نظر إليها أول هذه [الأُمة]، وكم من سفينة قد كانت بعد سفينة نوح قد صارت رِمْدداً.
- قال ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾..
[أي]: [ولتعي] هذه التذكرة أذن حافظة عقلت عن الله ما سمعت.
وروي أن النبي ﷺ قرأ: ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ ثُمَّ الْتَفَتَ إلَى عَلِيِّ رضي الله عنه فقال: سَاَلْتُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَهَا أُذُنَكَ. قال علَيٌّ: فَمَا سَمِعْتُ شَيْئاً مِنْ رَسُولِ اللهِ قَطّ فَنَسِيتُهُ.
"
وقال [بريدة]: سمعت رسول الله ﷺ يقول لعلي: [يا علي]، إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ [أُدْنِيْكَ] ولاَ أُقْصِيَكَ، [وَأنْ أُعَلِّمكَ] وَأَنْ تَعِيَ. وَحَق عَلَى الله أن [تَعِي]. قال: ونزلت: ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾
وقال أبو عمران الجَوْنِي: ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [يعني]: أذن عقلت عن الله.
* *
- ثم قال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾.
(أي: فإذا نفخ إسرافيل في الصور نفخة واحدة)، وهي النفخة الأولى.
* *
- ﴿وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾.
أي [زلزلتا] زلزلة واحدة.
قال ابن زيد: دكتا دكة واحدة: "صارت غباراً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ﴾.
أي: قامت القيامة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾.
أي: وانصدعت السماء فهي متشققة يومئذ.
قال الضحاك: إذا كان يوم القيامة أمر الله جل ثناؤه السماء بأهلها ونزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها ثم الثانية ثم [الثالثة] إلى السابعة، فصفوا صفاً بين يدي صف ثم نزل الملِك الأعلى على مجنبته جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نَدُّوا فلا يأتون قُطُراً من أقطار الأرض إلا وَجدوا سعبة صفوف من الملائكة فيه، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ [غافر: ٣٢-٣٣].
وذلك قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر: ٢٢].
- وهو قوله: ﴿يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ [أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ] إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] (أي) بحجة، وهو قوله: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ﴾. إلى ﴿عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾
أي: على نواحيها وأطرافها حين تشقق.
قال ابن عباس: على حافاتها، وذلك حين تشقق.
وعن ابن جبير: ﴿عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾: على حافات الدنيا.
وواحد الأرجاء [رجا] مقصور، وهو الناحية، يثنى بالواو.
والرجاء: الأملُ، مَمْدُودُ.
* *
- ثم قال: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾.
قال ابن عباس هي ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله، وهو قول الضحاك وعكرمة.
وقال ابن زيد: هم ثمانية أملاك. وروي عن النبي ﷺ (أنه قال): يحمِلهُ اليَوْمَ أَرْبَعَةٌ، وَيَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ثَمَانِيَةٌ، وأنه قال ﷺ: إِنَّ أَقْدَامَهُمْ لَفِي الأَرْضِ السَّابِعَةِ، وإِنَّ مَنَاكِبَهُمْ لَخَارِجَةٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ عَلَيْهَا العَرِشُ، قال ابن زيد: يريد الأربعة. قال ابن زيد: وبلغنا أن رسول الله ﷺ قال: لمَّا خَلَقَهُمُ الله قال: تَدرون لِمَ خلقتكم؟ قالوا: خلقتنا ربنا لما شاء، قال لهم: تحملون عرشي، ثم قال: سَلوني من القوة ما شئتم أَجْعَلُهَا فِيكُم، فقال أحدهم: قد كان عرش ربنا على الماء فاجعلني في قوة الماء، قال: قد جعلت فيك قوة الماء، وقال آخر: اجعل في قوة السماوات، (قال: قد جعلت فيك قوة السماوات. وقال الآخر: اجعل في قوة الأرض والجبال، قال: قد جعلت فيك قوة الأرض والجبال. وقال آخر: اجعل في قوة الرياح)، قال: قد جعلت فيك قوة الرياح.
(ثم) قال: احملوا. قال: فوضعوا العرش على كواهلهم فلم يزولوا. قال: فجاء عِلْمٌ آخر، وإنما كان عِلْمُهُم الذي [سألوه] القوة. فقال لهم: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله [العلي العظيم]. فقالوها، وجعل فيهم من الحول والقوة ما لم يبلغوه بعلمهم فحملوا
وروى ابن وهب عن أبيه أنه قال: أربعة من الملائكة يحملون العرش على أكتافهم، لكل واحد منهم أربعة أوجه: وجه ثور، ووجه [أسد]، ووجه نسر، ووجه إنسان. ولكل واحد منهم أربعة أجنحة: جناحان على وجهه من أن ينظر إلى العرش فيصعق، وجناحان يقف [بهما]. ليس لهم كلام إلا (أن) يقولوا: قدسوا الله القوي الذي ملأت عظمته السماوات والأرض.
وقال عطاء عن مَيْسَرَة [في قوله] ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾، قال: "أرجلهم في التخوم لا يستطيعون أن يرفعوا أبصارهم من شعاع النور".
قال أبو محمد [مؤلفه رضي الله عنه]: ما جاء في القرآن وهذه الأحاديث من النزول والمجيء وشِبْهِ ذلك مضافاً إلى الله جل ذكره [فلا يجب] أن يُتَأَوَّلَ فيه انتقال "ولا حركة" على الله، إذ لا يجوز عليه ذلك، إذ الحركةُ والنقلةُ إنما هما من صفات المخلوقين. وكل ما جاء من هذا فإنما هو صفة من صفات الله لا كما هي من المخلوقين، فأجرها على ما أتت ولا تعتقد ولا تتوهم في ذلك أمراً مما شَهِدْتَهُ في الخلق، إذ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. وقد قال جماعة من العلماء في وصف الله جل ذكره بالمجيء والإتيان والتنزل: إنها أفعال يحدثها الله متى شاء، سماها بذلك، فلا تَتَقَدَّمْ بَيْنَ يَدَيْهِ ولاَ تُكَيِّفْ وَلاَ تُشَبِّهْ، وَتَقُولُ كَمَا قَالَ وتَنْفِي (عنه) - جل ذكره - التَّشْبِيهَ، ولا تَعْتَرِضْ في شيء مما أَتَى في كتابه من ذلك وما روي عن نبيه (منه) ﷺ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾.
[أي]: ذلك اليوم تعرضون أيها الناس على ربكم فلا يخفى عنه من أعمالكم شيء.
وروي أنهم [يعرضون] ثلاث عرضات: قاله أبو موسى الأشعري وابن مسعود، قالا: فعرضتان فيه الخصومات والمقادير، والثالثة [تطاير] الصحف. قال أبو موسى: "فأخذ بيمينه، وأخذ بشماله".
وروى مثل ذلك قتادة عن النبي ﷺ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ﴾.
أي: فأما من أعطي كتاب عمله بيمينه فيقول: تعالوا﴿ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ﴾.
وقال بعض [أهل اللغة]: أصل "هَاؤُمْ" "هاكم"، ثم أبدل من الكاف واو.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ﴾.
هذا من الظن الذي هو يقين، قوم ظنوا ظناً: فازوا به، وقوم ظنوا ظناً: شقوا [به]، وهو الظن الذي بمعنى الشك.
والمعنى أن المؤمن يقول يوم القيامة حين آَخْذِ كتابه (بيمينه: أيقنت في الدنيا أني ملاق ما عملت إذا وردت يوم القيامة) على ربي.
قال ابن عباس: ظننت: "أيقنت".
قال قتادة: ظَنَّ ظَنّاً يَقِيناً فنفعه الله به، وقال: "ما كان من ظن الآخرة فهو علم" [يريد] من المؤمنين.
* *
- ثم قال: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾.
أي: عيش مرضي، وهو عيش الجنة.
وجعلت "مرضية" نعتاً [للعيشة]؛ لأن ذلك مدح [للعيشة]، كما يقال: "ليل نائم" "وسرٌّ كاتم" و "ماء دافق"، بمعنى "مفعول"؛ لأنه فيه بمعنى المدح، فكان نقله من بناء إلى بناء يدل على المدح أو [الذم]، ولو قلت: "رجل ضارب" بمعنى "مضروب" لم يجز؛ لأنه لا مدح فيه ولا [ذم]، فلا يقع بناء في موقع بناء إلا لمعنى زائد.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
أي: رفيعة المقدار والمكان.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾.
أي: ما يقطف من ثمارها دان، أي: قريب من قاطفه (يقطفه)، فكيف شاء - في حال قيام أو قعود أو اضطجاع - لا يمنعه منه بُعْدٌ، ولا يحول بينه [وبينه] [شوك].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ﴾.
أي: كلوا من ثمرات الجنات غير مُكَدَّرٍ ولا منقص عليكم بما تقدم (لكم) من الأعمال الصالحات في الأيام الماضية في الدنيا لأخراكم. قال قتادة: هذه هي الأيام الخالية فانية تؤدي إلى أيام باقية، فاعملوا في هذه الأيام وقَدِّموا فيها خيراً إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله. ويقال: من عمل في الزمان الذي لا بقاء فيه أَوْصَلَهُ إلى نَعِيمِ الزمان الذي لا زَوَالَ لَهُ.
ويقال: إنه الصيام في أيام الدنيا. روي أنه يوضع يوم القيامة للصوام في الدنيا مائدة يأكلون عليها والناس في الحساب، فيقولون يا رب: نحن في الحساب وهؤلاء يأكلون؟ فيقول: إنهم طالما صاموا في الدنيا وأكلتم، وقاموا ونمتم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ بِشِمَالِهِ﴾
أي: كتاب عمله، ﴿فَيَقُولُ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَٰبِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾.
أي: ولم أدر أي شيء حسابي؟!
* *
- ثم قال: ﴿يٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ﴾.
أي: يا ليت الموتة التي متها في الدنيا كانت هي الفراغ من كل ما بعدها ولم يكن بعد ذلك حياة.
قال قتادة: تمنى الموت ولم يكن في الدنيا شيء أكره إليه من الموت.
* *
- ثم قال: ﴿مَآ أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ﴾.
أي: لم ينفعني [مالي] ولا دفع عني من العذاب شيئاً، فتكون "ما" نافية. ويجوز أن تكون استفهاماً في موضع نصب والتقدير، أي بشيء أغنى عني مالي.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾.
قال [ابن عباس]: ضلت عني كل [بينة] لي (فلم) تغن عني شيئاً. قال عكرمة ومجاهد: سلطاني: حجتي. وقال ابن زيد: ﴿هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ أي: "سلطان الدنيا" وملكها.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾.
هذا أمر من الله لِخُزَّانِ جهنم من الملائكة، أي: خذوا هذا الكافر فغلوا يده إلى عنقه، ثم الجحيم فألقوه وأوردوه (فيها).
* *
﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾.
أي: ثم اسلكوه في سلسلة طولها سبعون ذراعا. وذلك أن تدخل في دبره وتخرج من منخريه. وقيل: تدخل في فِيهِ وتخرج من دبره. وقال محمد بن المنكدر: لو جمع حديدُ الدنيا ما مضى منها وما بقي ما عَدَلَ حلقة من حلق السلسلة.
قال نوف البكالي: الذراع سبعون باعاً أبعد ما بينك وبين مكة وهو يومئذ بالكوفة. قال ابن عباس: ﴿سَبْعُونَ ذِرَاعاً﴾ "بذراع الملك ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ تسلك في دُبره حتى تخرج من منخريه حتى لا يقوم على رجليه".
وروى عبد الله بن عمر وابن العاصي أن رسول الله ﷺ قال: "لَوْ أَنَّ رَصَاصَة مثل هذا - وأشار إلى مثل جمجمة - أُرْسِلَتْ من السماء إلى الأرض - وهي مسيرةُ خَمْسِ مِائَةِ سنة - لبلغت الأرضَ قبل الليل. ولو أنها أُرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفاً - الليلَ والنهارَ - قبل أن [تبلغ] أصلها أو قعرها
وقيل: فاسلكوه، وإنما تسلك السلسلة فيه لأن المعنى مفهوم، مثل قولهم: أدخلت رأسي في القلنسوة، وإنما تدخل [القلنسوة] في الرأس، وشبهه كثير في الكلام.
وقال الفراء: التقدير: فاسلكوه فيها.
وروى نعيم بن حماد عن كعب أنه قال: ينظر الله إلى عبده يوم القيامة فيقول: "خذوه"، فيأخذه مائة ألف ملك حتى يتفتت في أيديهم، فيقول: أما ترحموننا؟! فيقولون: وكيف نرحمك ولم يرحمك أرحم الراحمين؟!.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ﴾.
أي: لا يصدق بتوحيد بالله.
* *
﴿وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾.
ولا يرغب هو ولا يُرَغَّبُ غيرهُ في إطعام أهل المسكنة والحاجة.
الحاقة 69:26
[قوله] ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً...﴾ إلى [قوله] ﴿عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾.
أي: فعلنا ذلك لنجعل السفينة لكم عبرة وعظة وآية.
قال قتادة: أبقى الله السفينة تذكرة وعظة وآية حتى نظر إليها أول هذه [الأُمة]، وكم من سفينة قد كانت بعد سفينة نوح قد صارت رِمْدداً.
- قال ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾..
[أي]: [ولتعي] هذه التذكرة أذن حافظة عقلت عن الله ما سمعت.
وروي أن النبي ﷺ قرأ: ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ ثُمَّ الْتَفَتَ إلَى عَلِيِّ رضي الله عنه فقال: سَاَلْتُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَهَا أُذُنَكَ. قال علَيٌّ: فَمَا سَمِعْتُ شَيْئاً مِنْ رَسُولِ اللهِ قَطّ فَنَسِيتُهُ.
"
وقال [بريدة]: سمعت رسول الله ﷺ يقول لعلي: [يا علي]، إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ [أُدْنِيْكَ] ولاَ أُقْصِيَكَ، [وَأنْ أُعَلِّمكَ] وَأَنْ تَعِيَ. وَحَق عَلَى الله أن [تَعِي]. قال: ونزلت: ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾
وقال أبو عمران الجَوْنِي: ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [يعني]: أذن عقلت عن الله.
* *
- ثم قال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾.
(أي: فإذا نفخ إسرافيل في الصور نفخة واحدة)، وهي النفخة الأولى.
* *
- ﴿وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾.
أي [زلزلتا] زلزلة واحدة.
قال ابن زيد: دكتا دكة واحدة: "صارت غباراً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ﴾.
أي: قامت القيامة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾.
أي: وانصدعت السماء فهي متشققة يومئذ.
قال الضحاك: إذا كان يوم القيامة أمر الله جل ثناؤه السماء بأهلها ونزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها ثم الثانية ثم [الثالثة] إلى السابعة، فصفوا صفاً بين يدي صف ثم نزل الملِك الأعلى على مجنبته جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نَدُّوا فلا يأتون قُطُراً من أقطار الأرض إلا وَجدوا سعبة صفوف من الملائكة فيه، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ [غافر: ٣٢-٣٣].
وذلك قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر: ٢٢].
- وهو قوله: ﴿يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ [أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ] إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] (أي) بحجة، وهو قوله: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ﴾. إلى ﴿عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾
أي: على نواحيها وأطرافها حين تشقق.
قال ابن عباس: على حافاتها، وذلك حين تشقق.
وعن ابن جبير: ﴿عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾: على حافات الدنيا.
وواحد الأرجاء [رجا] مقصور، وهو الناحية، يثنى بالواو.
والرجاء: الأملُ، مَمْدُودُ.
* *
- ثم قال: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾.
قال ابن عباس هي ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله، وهو قول الضحاك وعكرمة.
وقال ابن زيد: هم ثمانية أملاك. وروي عن النبي ﷺ (أنه قال): يحمِلهُ اليَوْمَ أَرْبَعَةٌ، وَيَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ثَمَانِيَةٌ، وأنه قال ﷺ: إِنَّ أَقْدَامَهُمْ لَفِي الأَرْضِ السَّابِعَةِ، وإِنَّ مَنَاكِبَهُمْ لَخَارِجَةٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ عَلَيْهَا العَرِشُ، قال ابن زيد: يريد الأربعة. قال ابن زيد: وبلغنا أن رسول الله ﷺ قال: لمَّا خَلَقَهُمُ الله قال: تَدرون لِمَ خلقتكم؟ قالوا: خلقتنا ربنا لما شاء، قال لهم: تحملون عرشي، ثم قال: سَلوني من القوة ما شئتم أَجْعَلُهَا فِيكُم، فقال أحدهم: قد كان عرش ربنا على الماء فاجعلني في قوة الماء، قال: قد جعلت فيك قوة الماء، وقال آخر: اجعل في قوة السماوات، (قال: قد جعلت فيك قوة السماوات. وقال الآخر: اجعل في قوة الأرض والجبال، قال: قد جعلت فيك قوة الأرض والجبال. وقال آخر: اجعل في قوة الرياح)، قال: قد جعلت فيك قوة الرياح.
(ثم) قال: احملوا. قال: فوضعوا العرش على كواهلهم فلم يزولوا. قال: فجاء عِلْمٌ آخر، وإنما كان عِلْمُهُم الذي [سألوه] القوة. فقال لهم: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله [العلي العظيم]. فقالوها، وجعل فيهم من الحول والقوة ما لم يبلغوه بعلمهم فحملوا
وروى ابن وهب عن أبيه أنه قال: أربعة من الملائكة يحملون العرش على أكتافهم، لكل واحد منهم أربعة أوجه: وجه ثور، ووجه [أسد]، ووجه نسر، ووجه إنسان. ولكل واحد منهم أربعة أجنحة: جناحان على وجهه من أن ينظر إلى العرش فيصعق، وجناحان يقف [بهما]. ليس لهم كلام إلا (أن) يقولوا: قدسوا الله القوي الذي ملأت عظمته السماوات والأرض.
وقال عطاء عن مَيْسَرَة [في قوله] ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾، قال: "أرجلهم في التخوم لا يستطيعون أن يرفعوا أبصارهم من شعاع النور".
قال أبو محمد [مؤلفه رضي الله عنه]: ما جاء في القرآن وهذه الأحاديث من النزول والمجيء وشِبْهِ ذلك مضافاً إلى الله جل ذكره [فلا يجب] أن يُتَأَوَّلَ فيه انتقال "ولا حركة" على الله، إذ لا يجوز عليه ذلك، إذ الحركةُ والنقلةُ إنما هما من صفات المخلوقين. وكل ما جاء من هذا فإنما هو صفة من صفات الله لا كما هي من المخلوقين، فأجرها على ما أتت ولا تعتقد ولا تتوهم في ذلك أمراً مما شَهِدْتَهُ في الخلق، إذ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. وقد قال جماعة من العلماء في وصف الله جل ذكره بالمجيء والإتيان والتنزل: إنها أفعال يحدثها الله متى شاء، سماها بذلك، فلا تَتَقَدَّمْ بَيْنَ يَدَيْهِ ولاَ تُكَيِّفْ وَلاَ تُشَبِّهْ، وَتَقُولُ كَمَا قَالَ وتَنْفِي (عنه) - جل ذكره - التَّشْبِيهَ، ولا تَعْتَرِضْ في شيء مما أَتَى في كتابه من ذلك وما روي عن نبيه (منه) ﷺ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾.
[أي]: ذلك اليوم تعرضون أيها الناس على ربكم فلا يخفى عنه من أعمالكم شيء.
وروي أنهم [يعرضون] ثلاث عرضات: قاله أبو موسى الأشعري وابن مسعود، قالا: فعرضتان فيه الخصومات والمقادير، والثالثة [تطاير] الصحف. قال أبو موسى: "فأخذ بيمينه، وأخذ بشماله".
وروى مثل ذلك قتادة عن النبي ﷺ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ﴾.
أي: فأما من أعطي كتاب عمله بيمينه فيقول: تعالوا﴿ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ﴾.
وقال بعض [أهل اللغة]: أصل "هَاؤُمْ" "هاكم"، ثم أبدل من الكاف واو.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ﴾.
هذا من الظن الذي هو يقين، قوم ظنوا ظناً: فازوا به، وقوم ظنوا ظناً: شقوا [به]، وهو الظن الذي بمعنى الشك.
والمعنى أن المؤمن يقول يوم القيامة حين آَخْذِ كتابه (بيمينه: أيقنت في الدنيا أني ملاق ما عملت إذا وردت يوم القيامة) على ربي.
قال ابن عباس: ظننت: "أيقنت".
قال قتادة: ظَنَّ ظَنّاً يَقِيناً فنفعه الله به، وقال: "ما كان من ظن الآخرة فهو علم" [يريد] من المؤمنين.
* *
- ثم قال: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾.
أي: عيش مرضي، وهو عيش الجنة.
وجعلت "مرضية" نعتاً [للعيشة]؛ لأن ذلك مدح [للعيشة]، كما يقال: "ليل نائم" "وسرٌّ كاتم" و "ماء دافق"، بمعنى "مفعول"؛ لأنه فيه بمعنى المدح، فكان نقله من بناء إلى بناء يدل على المدح أو [الذم]، ولو قلت: "رجل ضارب" بمعنى "مضروب" لم يجز؛ لأنه لا مدح فيه ولا [ذم]، فلا يقع بناء في موقع بناء إلا لمعنى زائد.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
أي: رفيعة المقدار والمكان.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾.
أي: ما يقطف من ثمارها دان، أي: قريب من قاطفه (يقطفه)، فكيف شاء - في حال قيام أو قعود أو اضطجاع - لا يمنعه منه بُعْدٌ، ولا يحول بينه [وبينه] [شوك].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ﴾.
أي: كلوا من ثمرات الجنات غير مُكَدَّرٍ ولا منقص عليكم بما تقدم (لكم) من الأعمال الصالحات في الأيام الماضية في الدنيا لأخراكم. قال قتادة: هذه هي الأيام الخالية فانية تؤدي إلى أيام باقية، فاعملوا في هذه الأيام وقَدِّموا فيها خيراً إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله. ويقال: من عمل في الزمان الذي لا بقاء فيه أَوْصَلَهُ إلى نَعِيمِ الزمان الذي لا زَوَالَ لَهُ.
ويقال: إنه الصيام في أيام الدنيا. روي أنه يوضع يوم القيامة للصوام في الدنيا مائدة يأكلون عليها والناس في الحساب، فيقولون يا رب: نحن في الحساب وهؤلاء يأكلون؟ فيقول: إنهم طالما صاموا في الدنيا وأكلتم، وقاموا ونمتم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ بِشِمَالِهِ﴾
أي: كتاب عمله، ﴿فَيَقُولُ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَٰبِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾.
أي: ولم أدر أي شيء حسابي؟!
* *
- ثم قال: ﴿يٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ﴾.
أي: يا ليت الموتة التي متها في الدنيا كانت هي الفراغ من كل ما بعدها ولم يكن بعد ذلك حياة.
قال قتادة: تمنى الموت ولم يكن في الدنيا شيء أكره إليه من الموت.
* *
- ثم قال: ﴿مَآ أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ﴾.
أي: لم ينفعني [مالي] ولا دفع عني من العذاب شيئاً، فتكون "ما" نافية. ويجوز أن تكون استفهاماً في موضع نصب والتقدير، أي بشيء أغنى عني مالي.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾.
قال [ابن عباس]: ضلت عني كل [بينة] لي (فلم) تغن عني شيئاً. قال عكرمة ومجاهد: سلطاني: حجتي. وقال ابن زيد: ﴿هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ أي: "سلطان الدنيا" وملكها.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾.
هذا أمر من الله لِخُزَّانِ جهنم من الملائكة، أي: خذوا هذا الكافر فغلوا يده إلى عنقه، ثم الجحيم فألقوه وأوردوه (فيها).
* *
﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾.
أي: ثم اسلكوه في سلسلة طولها سبعون ذراعا. وذلك أن تدخل في دبره وتخرج من منخريه. وقيل: تدخل في فِيهِ وتخرج من دبره. وقال محمد بن المنكدر: لو جمع حديدُ الدنيا ما مضى منها وما بقي ما عَدَلَ حلقة من حلق السلسلة.
قال نوف البكالي: الذراع سبعون باعاً أبعد ما بينك وبين مكة وهو يومئذ بالكوفة. قال ابن عباس: ﴿سَبْعُونَ ذِرَاعاً﴾ "بذراع الملك ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ تسلك في دُبره حتى تخرج من منخريه حتى لا يقوم على رجليه".
وروى عبد الله بن عمر وابن العاصي أن رسول الله ﷺ قال: "لَوْ أَنَّ رَصَاصَة مثل هذا - وأشار إلى مثل جمجمة - أُرْسِلَتْ من السماء إلى الأرض - وهي مسيرةُ خَمْسِ مِائَةِ سنة - لبلغت الأرضَ قبل الليل. ولو أنها أُرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفاً - الليلَ والنهارَ - قبل أن [تبلغ] أصلها أو قعرها
وقيل: فاسلكوه، وإنما تسلك السلسلة فيه لأن المعنى مفهوم، مثل قولهم: أدخلت رأسي في القلنسوة، وإنما تدخل [القلنسوة] في الرأس، وشبهه كثير في الكلام.
وقال الفراء: التقدير: فاسلكوه فيها.
وروى نعيم بن حماد عن كعب أنه قال: ينظر الله إلى عبده يوم القيامة فيقول: "خذوه"، فيأخذه مائة ألف ملك حتى يتفتت في أيديهم، فيقول: أما ترحموننا؟! فيقولون: وكيف نرحمك ولم يرحمك أرحم الراحمين؟!.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ﴾.
أي: لا يصدق بتوحيد بالله.
* *
﴿وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾.
ولا يرغب هو ولا يُرَغَّبُ غيرهُ في إطعام أهل المسكنة والحاجة.
الحاقة 69:27
[قوله] ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً...﴾ إلى [قوله] ﴿عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾.
أي: فعلنا ذلك لنجعل السفينة لكم عبرة وعظة وآية.
قال قتادة: أبقى الله السفينة تذكرة وعظة وآية حتى نظر إليها أول هذه [الأُمة]، وكم من سفينة قد كانت بعد سفينة نوح قد صارت رِمْدداً.
- قال ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾..
[أي]: [ولتعي] هذه التذكرة أذن حافظة عقلت عن الله ما سمعت.
وروي أن النبي ﷺ قرأ: ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ ثُمَّ الْتَفَتَ إلَى عَلِيِّ رضي الله عنه فقال: سَاَلْتُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَهَا أُذُنَكَ. قال علَيٌّ: فَمَا سَمِعْتُ شَيْئاً مِنْ رَسُولِ اللهِ قَطّ فَنَسِيتُهُ.
"
وقال [بريدة]: سمعت رسول الله ﷺ يقول لعلي: [يا علي]، إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ [أُدْنِيْكَ] ولاَ أُقْصِيَكَ، [وَأنْ أُعَلِّمكَ] وَأَنْ تَعِيَ. وَحَق عَلَى الله أن [تَعِي]. قال: ونزلت: ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾
وقال أبو عمران الجَوْنِي: ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [يعني]: أذن عقلت عن الله.
* *
- ثم قال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾.
(أي: فإذا نفخ إسرافيل في الصور نفخة واحدة)، وهي النفخة الأولى.
* *
- ﴿وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾.
أي [زلزلتا] زلزلة واحدة.
قال ابن زيد: دكتا دكة واحدة: "صارت غباراً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ﴾.
أي: قامت القيامة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾.
أي: وانصدعت السماء فهي متشققة يومئذ.
قال الضحاك: إذا كان يوم القيامة أمر الله جل ثناؤه السماء بأهلها ونزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها ثم الثانية ثم [الثالثة] إلى السابعة، فصفوا صفاً بين يدي صف ثم نزل الملِك الأعلى على مجنبته جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نَدُّوا فلا يأتون قُطُراً من أقطار الأرض إلا وَجدوا سعبة صفوف من الملائكة فيه، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ [غافر: ٣٢-٣٣].
وذلك قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر: ٢٢].
- وهو قوله: ﴿يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ [أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ] إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] (أي) بحجة، وهو قوله: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ﴾. إلى ﴿عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾
أي: على نواحيها وأطرافها حين تشقق.
قال ابن عباس: على حافاتها، وذلك حين تشقق.
وعن ابن جبير: ﴿عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾: على حافات الدنيا.
وواحد الأرجاء [رجا] مقصور، وهو الناحية، يثنى بالواو.
والرجاء: الأملُ، مَمْدُودُ.
* *
- ثم قال: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾.
قال ابن عباس هي ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله، وهو قول الضحاك وعكرمة.
وقال ابن زيد: هم ثمانية أملاك. وروي عن النبي ﷺ (أنه قال): يحمِلهُ اليَوْمَ أَرْبَعَةٌ، وَيَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ثَمَانِيَةٌ، وأنه قال ﷺ: إِنَّ أَقْدَامَهُمْ لَفِي الأَرْضِ السَّابِعَةِ، وإِنَّ مَنَاكِبَهُمْ لَخَارِجَةٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ عَلَيْهَا العَرِشُ، قال ابن زيد: يريد الأربعة. قال ابن زيد: وبلغنا أن رسول الله ﷺ قال: لمَّا خَلَقَهُمُ الله قال: تَدرون لِمَ خلقتكم؟ قالوا: خلقتنا ربنا لما شاء، قال لهم: تحملون عرشي، ثم قال: سَلوني من القوة ما شئتم أَجْعَلُهَا فِيكُم، فقال أحدهم: قد كان عرش ربنا على الماء فاجعلني في قوة الماء، قال: قد جعلت فيك قوة الماء، وقال آخر: اجعل في قوة السماوات، (قال: قد جعلت فيك قوة السماوات. وقال الآخر: اجعل في قوة الأرض والجبال، قال: قد جعلت فيك قوة الأرض والجبال. وقال آخر: اجعل في قوة الرياح)، قال: قد جعلت فيك قوة الرياح.
(ثم) قال: احملوا. قال: فوضعوا العرش على كواهلهم فلم يزولوا. قال: فجاء عِلْمٌ آخر، وإنما كان عِلْمُهُم الذي [سألوه] القوة. فقال لهم: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله [العلي العظيم]. فقالوها، وجعل فيهم من الحول والقوة ما لم يبلغوه بعلمهم فحملوا
وروى ابن وهب عن أبيه أنه قال: أربعة من الملائكة يحملون العرش على أكتافهم، لكل واحد منهم أربعة أوجه: وجه ثور، ووجه [أسد]، ووجه نسر، ووجه إنسان. ولكل واحد منهم أربعة أجنحة: جناحان على وجهه من أن ينظر إلى العرش فيصعق، وجناحان يقف [بهما]. ليس لهم كلام إلا (أن) يقولوا: قدسوا الله القوي الذي ملأت عظمته السماوات والأرض.
وقال عطاء عن مَيْسَرَة [في قوله] ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾، قال: "أرجلهم في التخوم لا يستطيعون أن يرفعوا أبصارهم من شعاع النور".
قال أبو محمد [مؤلفه رضي الله عنه]: ما جاء في القرآن وهذه الأحاديث من النزول والمجيء وشِبْهِ ذلك مضافاً إلى الله جل ذكره [فلا يجب] أن يُتَأَوَّلَ فيه انتقال "ولا حركة" على الله، إذ لا يجوز عليه ذلك، إذ الحركةُ والنقلةُ إنما هما من صفات المخلوقين. وكل ما جاء من هذا فإنما هو صفة من صفات الله لا كما هي من المخلوقين، فأجرها على ما أتت ولا تعتقد ولا تتوهم في ذلك أمراً مما شَهِدْتَهُ في الخلق، إذ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. وقد قال جماعة من العلماء في وصف الله جل ذكره بالمجيء والإتيان والتنزل: إنها أفعال يحدثها الله متى شاء، سماها بذلك، فلا تَتَقَدَّمْ بَيْنَ يَدَيْهِ ولاَ تُكَيِّفْ وَلاَ تُشَبِّهْ، وَتَقُولُ كَمَا قَالَ وتَنْفِي (عنه) - جل ذكره - التَّشْبِيهَ، ولا تَعْتَرِضْ في شيء مما أَتَى في كتابه من ذلك وما روي عن نبيه (منه) ﷺ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾.
[أي]: ذلك اليوم تعرضون أيها الناس على ربكم فلا يخفى عنه من أعمالكم شيء.
وروي أنهم [يعرضون] ثلاث عرضات: قاله أبو موسى الأشعري وابن مسعود، قالا: فعرضتان فيه الخصومات والمقادير، والثالثة [تطاير] الصحف. قال أبو موسى: "فأخذ بيمينه، وأخذ بشماله".
وروى مثل ذلك قتادة عن النبي ﷺ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ﴾.
أي: فأما من أعطي كتاب عمله بيمينه فيقول: تعالوا﴿ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ﴾.
وقال بعض [أهل اللغة]: أصل "هَاؤُمْ" "هاكم"، ثم أبدل من الكاف واو.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ﴾.
هذا من الظن الذي هو يقين، قوم ظنوا ظناً: فازوا به، وقوم ظنوا ظناً: شقوا [به]، وهو الظن الذي بمعنى الشك.
والمعنى أن المؤمن يقول يوم القيامة حين آَخْذِ كتابه (بيمينه: أيقنت في الدنيا أني ملاق ما عملت إذا وردت يوم القيامة) على ربي.
قال ابن عباس: ظننت: "أيقنت".
قال قتادة: ظَنَّ ظَنّاً يَقِيناً فنفعه الله به، وقال: "ما كان من ظن الآخرة فهو علم" [يريد] من المؤمنين.
* *
- ثم قال: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾.
أي: عيش مرضي، وهو عيش الجنة.
وجعلت "مرضية" نعتاً [للعيشة]؛ لأن ذلك مدح [للعيشة]، كما يقال: "ليل نائم" "وسرٌّ كاتم" و "ماء دافق"، بمعنى "مفعول"؛ لأنه فيه بمعنى المدح، فكان نقله من بناء إلى بناء يدل على المدح أو [الذم]، ولو قلت: "رجل ضارب" بمعنى "مضروب" لم يجز؛ لأنه لا مدح فيه ولا [ذم]، فلا يقع بناء في موقع بناء إلا لمعنى زائد.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
أي: رفيعة المقدار والمكان.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾.
أي: ما يقطف من ثمارها دان، أي: قريب من قاطفه (يقطفه)، فكيف شاء - في حال قيام أو قعود أو اضطجاع - لا يمنعه منه بُعْدٌ، ولا يحول بينه [وبينه] [شوك].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ﴾.
أي: كلوا من ثمرات الجنات غير مُكَدَّرٍ ولا منقص عليكم بما تقدم (لكم) من الأعمال الصالحات في الأيام الماضية في الدنيا لأخراكم. قال قتادة: هذه هي الأيام الخالية فانية تؤدي إلى أيام باقية، فاعملوا في هذه الأيام وقَدِّموا فيها خيراً إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله. ويقال: من عمل في الزمان الذي لا بقاء فيه أَوْصَلَهُ إلى نَعِيمِ الزمان الذي لا زَوَالَ لَهُ.
ويقال: إنه الصيام في أيام الدنيا. روي أنه يوضع يوم القيامة للصوام في الدنيا مائدة يأكلون عليها والناس في الحساب، فيقولون يا رب: نحن في الحساب وهؤلاء يأكلون؟ فيقول: إنهم طالما صاموا في الدنيا وأكلتم، وقاموا ونمتم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ بِشِمَالِهِ﴾
أي: كتاب عمله، ﴿فَيَقُولُ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَٰبِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾.
أي: ولم أدر أي شيء حسابي؟!
* *
- ثم قال: ﴿يٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ﴾.
أي: يا ليت الموتة التي متها في الدنيا كانت هي الفراغ من كل ما بعدها ولم يكن بعد ذلك حياة.
قال قتادة: تمنى الموت ولم يكن في الدنيا شيء أكره إليه من الموت.
* *
- ثم قال: ﴿مَآ أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ﴾.
أي: لم ينفعني [مالي] ولا دفع عني من العذاب شيئاً، فتكون "ما" نافية. ويجوز أن تكون استفهاماً في موضع نصب والتقدير، أي بشيء أغنى عني مالي.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾.
قال [ابن عباس]: ضلت عني كل [بينة] لي (فلم) تغن عني شيئاً. قال عكرمة ومجاهد: سلطاني: حجتي. وقال ابن زيد: ﴿هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ أي: "سلطان الدنيا" وملكها.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾.
هذا أمر من الله لِخُزَّانِ جهنم من الملائكة، أي: خذوا هذا الكافر فغلوا يده إلى عنقه، ثم الجحيم فألقوه وأوردوه (فيها).
* *
﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾.
أي: ثم اسلكوه في سلسلة طولها سبعون ذراعا. وذلك أن تدخل في دبره وتخرج من منخريه. وقيل: تدخل في فِيهِ وتخرج من دبره. وقال محمد بن المنكدر: لو جمع حديدُ الدنيا ما مضى منها وما بقي ما عَدَلَ حلقة من حلق السلسلة.
قال نوف البكالي: الذراع سبعون باعاً أبعد ما بينك وبين مكة وهو يومئذ بالكوفة. قال ابن عباس: ﴿سَبْعُونَ ذِرَاعاً﴾ "بذراع الملك ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ تسلك في دُبره حتى تخرج من منخريه حتى لا يقوم على رجليه".
وروى عبد الله بن عمر وابن العاصي أن رسول الله ﷺ قال: "لَوْ أَنَّ رَصَاصَة مثل هذا - وأشار إلى مثل جمجمة - أُرْسِلَتْ من السماء إلى الأرض - وهي مسيرةُ خَمْسِ مِائَةِ سنة - لبلغت الأرضَ قبل الليل. ولو أنها أُرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفاً - الليلَ والنهارَ - قبل أن [تبلغ] أصلها أو قعرها
وقيل: فاسلكوه، وإنما تسلك السلسلة فيه لأن المعنى مفهوم، مثل قولهم: أدخلت رأسي في القلنسوة، وإنما تدخل [القلنسوة] في الرأس، وشبهه كثير في الكلام.
وقال الفراء: التقدير: فاسلكوه فيها.
وروى نعيم بن حماد عن كعب أنه قال: ينظر الله إلى عبده يوم القيامة فيقول: "خذوه"، فيأخذه مائة ألف ملك حتى يتفتت في أيديهم، فيقول: أما ترحموننا؟! فيقولون: وكيف نرحمك ولم يرحمك أرحم الراحمين؟!.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ﴾.
أي: لا يصدق بتوحيد بالله.
* *
﴿وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾.
ولا يرغب هو ولا يُرَغَّبُ غيرهُ في إطعام أهل المسكنة والحاجة.
الحاقة 69:28
[قوله] ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً...﴾ إلى [قوله] ﴿عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾.
أي: فعلنا ذلك لنجعل السفينة لكم عبرة وعظة وآية.
قال قتادة: أبقى الله السفينة تذكرة وعظة وآية حتى نظر إليها أول هذه [الأُمة]، وكم من سفينة قد كانت بعد سفينة نوح قد صارت رِمْدداً.
- قال ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾..
[أي]: [ولتعي] هذه التذكرة أذن حافظة عقلت عن الله ما سمعت.
وروي أن النبي ﷺ قرأ: ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ ثُمَّ الْتَفَتَ إلَى عَلِيِّ رضي الله عنه فقال: سَاَلْتُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَهَا أُذُنَكَ. قال علَيٌّ: فَمَا سَمِعْتُ شَيْئاً مِنْ رَسُولِ اللهِ قَطّ فَنَسِيتُهُ.
"
وقال [بريدة]: سمعت رسول الله ﷺ يقول لعلي: [يا علي]، إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ [أُدْنِيْكَ] ولاَ أُقْصِيَكَ، [وَأنْ أُعَلِّمكَ] وَأَنْ تَعِيَ. وَحَق عَلَى الله أن [تَعِي]. قال: ونزلت: ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾
وقال أبو عمران الجَوْنِي: ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [يعني]: أذن عقلت عن الله.
* *
- ثم قال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾.
(أي: فإذا نفخ إسرافيل في الصور نفخة واحدة)، وهي النفخة الأولى.
* *
- ﴿وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾.
أي [زلزلتا] زلزلة واحدة.
قال ابن زيد: دكتا دكة واحدة: "صارت غباراً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ﴾.
أي: قامت القيامة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾.
أي: وانصدعت السماء فهي متشققة يومئذ.
قال الضحاك: إذا كان يوم القيامة أمر الله جل ثناؤه السماء بأهلها ونزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها ثم الثانية ثم [الثالثة] إلى السابعة، فصفوا صفاً بين يدي صف ثم نزل الملِك الأعلى على مجنبته جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نَدُّوا فلا يأتون قُطُراً من أقطار الأرض إلا وَجدوا سعبة صفوف من الملائكة فيه، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ [غافر: ٣٢-٣٣].
وذلك قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر: ٢٢].
- وهو قوله: ﴿يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ [أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ] إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] (أي) بحجة، وهو قوله: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ﴾. إلى ﴿عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾
أي: على نواحيها وأطرافها حين تشقق.
قال ابن عباس: على حافاتها، وذلك حين تشقق.
وعن ابن جبير: ﴿عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾: على حافات الدنيا.
وواحد الأرجاء [رجا] مقصور، وهو الناحية، يثنى بالواو.
والرجاء: الأملُ، مَمْدُودُ.
* *
- ثم قال: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾.
قال ابن عباس هي ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله، وهو قول الضحاك وعكرمة.
وقال ابن زيد: هم ثمانية أملاك. وروي عن النبي ﷺ (أنه قال): يحمِلهُ اليَوْمَ أَرْبَعَةٌ، وَيَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ثَمَانِيَةٌ، وأنه قال ﷺ: إِنَّ أَقْدَامَهُمْ لَفِي الأَرْضِ السَّابِعَةِ، وإِنَّ مَنَاكِبَهُمْ لَخَارِجَةٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ عَلَيْهَا العَرِشُ، قال ابن زيد: يريد الأربعة. قال ابن زيد: وبلغنا أن رسول الله ﷺ قال: لمَّا خَلَقَهُمُ الله قال: تَدرون لِمَ خلقتكم؟ قالوا: خلقتنا ربنا لما شاء، قال لهم: تحملون عرشي، ثم قال: سَلوني من القوة ما شئتم أَجْعَلُهَا فِيكُم، فقال أحدهم: قد كان عرش ربنا على الماء فاجعلني في قوة الماء، قال: قد جعلت فيك قوة الماء، وقال آخر: اجعل في قوة السماوات، (قال: قد جعلت فيك قوة السماوات. وقال الآخر: اجعل في قوة الأرض والجبال، قال: قد جعلت فيك قوة الأرض والجبال. وقال آخر: اجعل في قوة الرياح)، قال: قد جعلت فيك قوة الرياح.
(ثم) قال: احملوا. قال: فوضعوا العرش على كواهلهم فلم يزولوا. قال: فجاء عِلْمٌ آخر، وإنما كان عِلْمُهُم الذي [سألوه] القوة. فقال لهم: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله [العلي العظيم]. فقالوها، وجعل فيهم من الحول والقوة ما لم يبلغوه بعلمهم فحملوا
وروى ابن وهب عن أبيه أنه قال: أربعة من الملائكة يحملون العرش على أكتافهم، لكل واحد منهم أربعة أوجه: وجه ثور، ووجه [أسد]، ووجه نسر، ووجه إنسان. ولكل واحد منهم أربعة أجنحة: جناحان على وجهه من أن ينظر إلى العرش فيصعق، وجناحان يقف [بهما]. ليس لهم كلام إلا (أن) يقولوا: قدسوا الله القوي الذي ملأت عظمته السماوات والأرض.
وقال عطاء عن مَيْسَرَة [في قوله] ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾، قال: "أرجلهم في التخوم لا يستطيعون أن يرفعوا أبصارهم من شعاع النور".
قال أبو محمد [مؤلفه رضي الله عنه]: ما جاء في القرآن وهذه الأحاديث من النزول والمجيء وشِبْهِ ذلك مضافاً إلى الله جل ذكره [فلا يجب] أن يُتَأَوَّلَ فيه انتقال "ولا حركة" على الله، إذ لا يجوز عليه ذلك، إذ الحركةُ والنقلةُ إنما هما من صفات المخلوقين. وكل ما جاء من هذا فإنما هو صفة من صفات الله لا كما هي من المخلوقين، فأجرها على ما أتت ولا تعتقد ولا تتوهم في ذلك أمراً مما شَهِدْتَهُ في الخلق، إذ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. وقد قال جماعة من العلماء في وصف الله جل ذكره بالمجيء والإتيان والتنزل: إنها أفعال يحدثها الله متى شاء، سماها بذلك، فلا تَتَقَدَّمْ بَيْنَ يَدَيْهِ ولاَ تُكَيِّفْ وَلاَ تُشَبِّهْ، وَتَقُولُ كَمَا قَالَ وتَنْفِي (عنه) - جل ذكره - التَّشْبِيهَ، ولا تَعْتَرِضْ في شيء مما أَتَى في كتابه من ذلك وما روي عن نبيه (منه) ﷺ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾.
[أي]: ذلك اليوم تعرضون أيها الناس على ربكم فلا يخفى عنه من أعمالكم شيء.
وروي أنهم [يعرضون] ثلاث عرضات: قاله أبو موسى الأشعري وابن مسعود، قالا: فعرضتان فيه الخصومات والمقادير، والثالثة [تطاير] الصحف. قال أبو موسى: "فأخذ بيمينه، وأخذ بشماله".
وروى مثل ذلك قتادة عن النبي ﷺ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ﴾.
أي: فأما من أعطي كتاب عمله بيمينه فيقول: تعالوا﴿ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ﴾.
وقال بعض [أهل اللغة]: أصل "هَاؤُمْ" "هاكم"، ثم أبدل من الكاف واو.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ﴾.
هذا من الظن الذي هو يقين، قوم ظنوا ظناً: فازوا به، وقوم ظنوا ظناً: شقوا [به]، وهو الظن الذي بمعنى الشك.
والمعنى أن المؤمن يقول يوم القيامة حين آَخْذِ كتابه (بيمينه: أيقنت في الدنيا أني ملاق ما عملت إذا وردت يوم القيامة) على ربي.
قال ابن عباس: ظننت: "أيقنت".
قال قتادة: ظَنَّ ظَنّاً يَقِيناً فنفعه الله به، وقال: "ما كان من ظن الآخرة فهو علم" [يريد] من المؤمنين.
* *
- ثم قال: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾.
أي: عيش مرضي، وهو عيش الجنة.
وجعلت "مرضية" نعتاً [للعيشة]؛ لأن ذلك مدح [للعيشة]، كما يقال: "ليل نائم" "وسرٌّ كاتم" و "ماء دافق"، بمعنى "مفعول"؛ لأنه فيه بمعنى المدح، فكان نقله من بناء إلى بناء يدل على المدح أو [الذم]، ولو قلت: "رجل ضارب" بمعنى "مضروب" لم يجز؛ لأنه لا مدح فيه ولا [ذم]، فلا يقع بناء في موقع بناء إلا لمعنى زائد.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
أي: رفيعة المقدار والمكان.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾.
أي: ما يقطف من ثمارها دان، أي: قريب من قاطفه (يقطفه)، فكيف شاء - في حال قيام أو قعود أو اضطجاع - لا يمنعه منه بُعْدٌ، ولا يحول بينه [وبينه] [شوك].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ﴾.
أي: كلوا من ثمرات الجنات غير مُكَدَّرٍ ولا منقص عليكم بما تقدم (لكم) من الأعمال الصالحات في الأيام الماضية في الدنيا لأخراكم. قال قتادة: هذه هي الأيام الخالية فانية تؤدي إلى أيام باقية، فاعملوا في هذه الأيام وقَدِّموا فيها خيراً إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله. ويقال: من عمل في الزمان الذي لا بقاء فيه أَوْصَلَهُ إلى نَعِيمِ الزمان الذي لا زَوَالَ لَهُ.
ويقال: إنه الصيام في أيام الدنيا. روي أنه يوضع يوم القيامة للصوام في الدنيا مائدة يأكلون عليها والناس في الحساب، فيقولون يا رب: نحن في الحساب وهؤلاء يأكلون؟ فيقول: إنهم طالما صاموا في الدنيا وأكلتم، وقاموا ونمتم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ بِشِمَالِهِ﴾
أي: كتاب عمله، ﴿فَيَقُولُ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَٰبِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾.
أي: ولم أدر أي شيء حسابي؟!
* *
- ثم قال: ﴿يٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ﴾.
أي: يا ليت الموتة التي متها في الدنيا كانت هي الفراغ من كل ما بعدها ولم يكن بعد ذلك حياة.
قال قتادة: تمنى الموت ولم يكن في الدنيا شيء أكره إليه من الموت.
* *
- ثم قال: ﴿مَآ أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ﴾.
أي: لم ينفعني [مالي] ولا دفع عني من العذاب شيئاً، فتكون "ما" نافية. ويجوز أن تكون استفهاماً في موضع نصب والتقدير، أي بشيء أغنى عني مالي.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾.
قال [ابن عباس]: ضلت عني كل [بينة] لي (فلم) تغن عني شيئاً. قال عكرمة ومجاهد: سلطاني: حجتي. وقال ابن زيد: ﴿هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ أي: "سلطان الدنيا" وملكها.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾.
هذا أمر من الله لِخُزَّانِ جهنم من الملائكة، أي: خذوا هذا الكافر فغلوا يده إلى عنقه، ثم الجحيم فألقوه وأوردوه (فيها).
* *
﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾.
أي: ثم اسلكوه في سلسلة طولها سبعون ذراعا. وذلك أن تدخل في دبره وتخرج من منخريه. وقيل: تدخل في فِيهِ وتخرج من دبره. وقال محمد بن المنكدر: لو جمع حديدُ الدنيا ما مضى منها وما بقي ما عَدَلَ حلقة من حلق السلسلة.
قال نوف البكالي: الذراع سبعون باعاً أبعد ما بينك وبين مكة وهو يومئذ بالكوفة. قال ابن عباس: ﴿سَبْعُونَ ذِرَاعاً﴾ "بذراع الملك ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ تسلك في دُبره حتى تخرج من منخريه حتى لا يقوم على رجليه".
وروى عبد الله بن عمر وابن العاصي أن رسول الله ﷺ قال: "لَوْ أَنَّ رَصَاصَة مثل هذا - وأشار إلى مثل جمجمة - أُرْسِلَتْ من السماء إلى الأرض - وهي مسيرةُ خَمْسِ مِائَةِ سنة - لبلغت الأرضَ قبل الليل. ولو أنها أُرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفاً - الليلَ والنهارَ - قبل أن [تبلغ] أصلها أو قعرها
وقيل: فاسلكوه، وإنما تسلك السلسلة فيه لأن المعنى مفهوم، مثل قولهم: أدخلت رأسي في القلنسوة، وإنما تدخل [القلنسوة] في الرأس، وشبهه كثير في الكلام.
وقال الفراء: التقدير: فاسلكوه فيها.
وروى نعيم بن حماد عن كعب أنه قال: ينظر الله إلى عبده يوم القيامة فيقول: "خذوه"، فيأخذه مائة ألف ملك حتى يتفتت في أيديهم، فيقول: أما ترحموننا؟! فيقولون: وكيف نرحمك ولم يرحمك أرحم الراحمين؟!.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ﴾.
أي: لا يصدق بتوحيد بالله.
* *
﴿وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾.
ولا يرغب هو ولا يُرَغَّبُ غيرهُ في إطعام أهل المسكنة والحاجة.
الحاقة 69:29
[قوله] ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً...﴾ إلى [قوله] ﴿عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾.
أي: فعلنا ذلك لنجعل السفينة لكم عبرة وعظة وآية.
قال قتادة: أبقى الله السفينة تذكرة وعظة وآية حتى نظر إليها أول هذه [الأُمة]، وكم من سفينة قد كانت بعد سفينة نوح قد صارت رِمْدداً.
- قال ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾..
[أي]: [ولتعي] هذه التذكرة أذن حافظة عقلت عن الله ما سمعت.
وروي أن النبي ﷺ قرأ: ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ ثُمَّ الْتَفَتَ إلَى عَلِيِّ رضي الله عنه فقال: سَاَلْتُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَهَا أُذُنَكَ. قال علَيٌّ: فَمَا سَمِعْتُ شَيْئاً مِنْ رَسُولِ اللهِ قَطّ فَنَسِيتُهُ.
"
وقال [بريدة]: سمعت رسول الله ﷺ يقول لعلي: [يا علي]، إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ [أُدْنِيْكَ] ولاَ أُقْصِيَكَ، [وَأنْ أُعَلِّمكَ] وَأَنْ تَعِيَ. وَحَق عَلَى الله أن [تَعِي]. قال: ونزلت: ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾
وقال أبو عمران الجَوْنِي: ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [يعني]: أذن عقلت عن الله.
* *
- ثم قال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾.
(أي: فإذا نفخ إسرافيل في الصور نفخة واحدة)، وهي النفخة الأولى.
* *
- ﴿وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾.
أي [زلزلتا] زلزلة واحدة.
قال ابن زيد: دكتا دكة واحدة: "صارت غباراً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ﴾.
أي: قامت القيامة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾.
أي: وانصدعت السماء فهي متشققة يومئذ.
قال الضحاك: إذا كان يوم القيامة أمر الله جل ثناؤه السماء بأهلها ونزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها ثم الثانية ثم [الثالثة] إلى السابعة، فصفوا صفاً بين يدي صف ثم نزل الملِك الأعلى على مجنبته جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نَدُّوا فلا يأتون قُطُراً من أقطار الأرض إلا وَجدوا سعبة صفوف من الملائكة فيه، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ [غافر: ٣٢-٣٣].
وذلك قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر: ٢٢].
- وهو قوله: ﴿يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ [أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ] إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] (أي) بحجة، وهو قوله: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ﴾. إلى ﴿عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾
أي: على نواحيها وأطرافها حين تشقق.
قال ابن عباس: على حافاتها، وذلك حين تشقق.
وعن ابن جبير: ﴿عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾: على حافات الدنيا.
وواحد الأرجاء [رجا] مقصور، وهو الناحية، يثنى بالواو.
والرجاء: الأملُ، مَمْدُودُ.
* *
- ثم قال: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾.
قال ابن عباس هي ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله، وهو قول الضحاك وعكرمة.
وقال ابن زيد: هم ثمانية أملاك. وروي عن النبي ﷺ (أنه قال): يحمِلهُ اليَوْمَ أَرْبَعَةٌ، وَيَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ثَمَانِيَةٌ، وأنه قال ﷺ: إِنَّ أَقْدَامَهُمْ لَفِي الأَرْضِ السَّابِعَةِ، وإِنَّ مَنَاكِبَهُمْ لَخَارِجَةٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ عَلَيْهَا العَرِشُ، قال ابن زيد: يريد الأربعة. قال ابن زيد: وبلغنا أن رسول الله ﷺ قال: لمَّا خَلَقَهُمُ الله قال: تَدرون لِمَ خلقتكم؟ قالوا: خلقتنا ربنا لما شاء، قال لهم: تحملون عرشي، ثم قال: سَلوني من القوة ما شئتم أَجْعَلُهَا فِيكُم، فقال أحدهم: قد كان عرش ربنا على الماء فاجعلني في قوة الماء، قال: قد جعلت فيك قوة الماء، وقال آخر: اجعل في قوة السماوات، (قال: قد جعلت فيك قوة السماوات. وقال الآخر: اجعل في قوة الأرض والجبال، قال: قد جعلت فيك قوة الأرض والجبال. وقال آخر: اجعل في قوة الرياح)، قال: قد جعلت فيك قوة الرياح.
(ثم) قال: احملوا. قال: فوضعوا العرش على كواهلهم فلم يزولوا. قال: فجاء عِلْمٌ آخر، وإنما كان عِلْمُهُم الذي [سألوه] القوة. فقال لهم: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله [العلي العظيم]. فقالوها، وجعل فيهم من الحول والقوة ما لم يبلغوه بعلمهم فحملوا
وروى ابن وهب عن أبيه أنه قال: أربعة من الملائكة يحملون العرش على أكتافهم، لكل واحد منهم أربعة أوجه: وجه ثور، ووجه [أسد]، ووجه نسر، ووجه إنسان. ولكل واحد منهم أربعة أجنحة: جناحان على وجهه من أن ينظر إلى العرش فيصعق، وجناحان يقف [بهما]. ليس لهم كلام إلا (أن) يقولوا: قدسوا الله القوي الذي ملأت عظمته السماوات والأرض.
وقال عطاء عن مَيْسَرَة [في قوله] ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾، قال: "أرجلهم في التخوم لا يستطيعون أن يرفعوا أبصارهم من شعاع النور".
قال أبو محمد [مؤلفه رضي الله عنه]: ما جاء في القرآن وهذه الأحاديث من النزول والمجيء وشِبْهِ ذلك مضافاً إلى الله جل ذكره [فلا يجب] أن يُتَأَوَّلَ فيه انتقال "ولا حركة" على الله، إذ لا يجوز عليه ذلك، إذ الحركةُ والنقلةُ إنما هما من صفات المخلوقين. وكل ما جاء من هذا فإنما هو صفة من صفات الله لا كما هي من المخلوقين، فأجرها على ما أتت ولا تعتقد ولا تتوهم في ذلك أمراً مما شَهِدْتَهُ في الخلق، إذ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. وقد قال جماعة من العلماء في وصف الله جل ذكره بالمجيء والإتيان والتنزل: إنها أفعال يحدثها الله متى شاء، سماها بذلك، فلا تَتَقَدَّمْ بَيْنَ يَدَيْهِ ولاَ تُكَيِّفْ وَلاَ تُشَبِّهْ، وَتَقُولُ كَمَا قَالَ وتَنْفِي (عنه) - جل ذكره - التَّشْبِيهَ، ولا تَعْتَرِضْ في شيء مما أَتَى في كتابه من ذلك وما روي عن نبيه (منه) ﷺ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾.
[أي]: ذلك اليوم تعرضون أيها الناس على ربكم فلا يخفى عنه من أعمالكم شيء.
وروي أنهم [يعرضون] ثلاث عرضات: قاله أبو موسى الأشعري وابن مسعود، قالا: فعرضتان فيه الخصومات والمقادير، والثالثة [تطاير] الصحف. قال أبو موسى: "فأخذ بيمينه، وأخذ بشماله".
وروى مثل ذلك قتادة عن النبي ﷺ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ﴾.
أي: فأما من أعطي كتاب عمله بيمينه فيقول: تعالوا﴿ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ﴾.
وقال بعض [أهل اللغة]: أصل "هَاؤُمْ" "هاكم"، ثم أبدل من الكاف واو.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ﴾.
هذا من الظن الذي هو يقين، قوم ظنوا ظناً: فازوا به، وقوم ظنوا ظناً: شقوا [به]، وهو الظن الذي بمعنى الشك.
والمعنى أن المؤمن يقول يوم القيامة حين آَخْذِ كتابه (بيمينه: أيقنت في الدنيا أني ملاق ما عملت إذا وردت يوم القيامة) على ربي.
قال ابن عباس: ظننت: "أيقنت".
قال قتادة: ظَنَّ ظَنّاً يَقِيناً فنفعه الله به، وقال: "ما كان من ظن الآخرة فهو علم" [يريد] من المؤمنين.
* *
- ثم قال: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾.
أي: عيش مرضي، وهو عيش الجنة.
وجعلت "مرضية" نعتاً [للعيشة]؛ لأن ذلك مدح [للعيشة]، كما يقال: "ليل نائم" "وسرٌّ كاتم" و "ماء دافق"، بمعنى "مفعول"؛ لأنه فيه بمعنى المدح، فكان نقله من بناء إلى بناء يدل على المدح أو [الذم]، ولو قلت: "رجل ضارب" بمعنى "مضروب" لم يجز؛ لأنه لا مدح فيه ولا [ذم]، فلا يقع بناء في موقع بناء إلا لمعنى زائد.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
أي: رفيعة المقدار والمكان.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾.
أي: ما يقطف من ثمارها دان، أي: قريب من قاطفه (يقطفه)، فكيف شاء - في حال قيام أو قعود أو اضطجاع - لا يمنعه منه بُعْدٌ، ولا يحول بينه [وبينه] [شوك].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ﴾.
أي: كلوا من ثمرات الجنات غير مُكَدَّرٍ ولا منقص عليكم بما تقدم (لكم) من الأعمال الصالحات في الأيام الماضية في الدنيا لأخراكم. قال قتادة: هذه هي الأيام الخالية فانية تؤدي إلى أيام باقية، فاعملوا في هذه الأيام وقَدِّموا فيها خيراً إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله. ويقال: من عمل في الزمان الذي لا بقاء فيه أَوْصَلَهُ إلى نَعِيمِ الزمان الذي لا زَوَالَ لَهُ.
ويقال: إنه الصيام في أيام الدنيا. روي أنه يوضع يوم القيامة للصوام في الدنيا مائدة يأكلون عليها والناس في الحساب، فيقولون يا رب: نحن في الحساب وهؤلاء يأكلون؟ فيقول: إنهم طالما صاموا في الدنيا وأكلتم، وقاموا ونمتم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ بِشِمَالِهِ﴾
أي: كتاب عمله، ﴿فَيَقُولُ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَٰبِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾.
أي: ولم أدر أي شيء حسابي؟!
* *
- ثم قال: ﴿يٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ﴾.
أي: يا ليت الموتة التي متها في الدنيا كانت هي الفراغ من كل ما بعدها ولم يكن بعد ذلك حياة.
قال قتادة: تمنى الموت ولم يكن في الدنيا شيء أكره إليه من الموت.
* *
- ثم قال: ﴿مَآ أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ﴾.
أي: لم ينفعني [مالي] ولا دفع عني من العذاب شيئاً، فتكون "ما" نافية. ويجوز أن تكون استفهاماً في موضع نصب والتقدير، أي بشيء أغنى عني مالي.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾.
قال [ابن عباس]: ضلت عني كل [بينة] لي (فلم) تغن عني شيئاً. قال عكرمة ومجاهد: سلطاني: حجتي. وقال ابن زيد: ﴿هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ أي: "سلطان الدنيا" وملكها.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾.
هذا أمر من الله لِخُزَّانِ جهنم من الملائكة، أي: خذوا هذا الكافر فغلوا يده إلى عنقه، ثم الجحيم فألقوه وأوردوه (فيها).
* *
﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾.
أي: ثم اسلكوه في سلسلة طولها سبعون ذراعا. وذلك أن تدخل في دبره وتخرج من منخريه. وقيل: تدخل في فِيهِ وتخرج من دبره. وقال محمد بن المنكدر: لو جمع حديدُ الدنيا ما مضى منها وما بقي ما عَدَلَ حلقة من حلق السلسلة.
قال نوف البكالي: الذراع سبعون باعاً أبعد ما بينك وبين مكة وهو يومئذ بالكوفة. قال ابن عباس: ﴿سَبْعُونَ ذِرَاعاً﴾ "بذراع الملك ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ تسلك في دُبره حتى تخرج من منخريه حتى لا يقوم على رجليه".
وروى عبد الله بن عمر وابن العاصي أن رسول الله ﷺ قال: "لَوْ أَنَّ رَصَاصَة مثل هذا - وأشار إلى مثل جمجمة - أُرْسِلَتْ من السماء إلى الأرض - وهي مسيرةُ خَمْسِ مِائَةِ سنة - لبلغت الأرضَ قبل الليل. ولو أنها أُرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفاً - الليلَ والنهارَ - قبل أن [تبلغ] أصلها أو قعرها
وقيل: فاسلكوه، وإنما تسلك السلسلة فيه لأن المعنى مفهوم، مثل قولهم: أدخلت رأسي في القلنسوة، وإنما تدخل [القلنسوة] في الرأس، وشبهه كثير في الكلام.
وقال الفراء: التقدير: فاسلكوه فيها.
وروى نعيم بن حماد عن كعب أنه قال: ينظر الله إلى عبده يوم القيامة فيقول: "خذوه"، فيأخذه مائة ألف ملك حتى يتفتت في أيديهم، فيقول: أما ترحموننا؟! فيقولون: وكيف نرحمك ولم يرحمك أرحم الراحمين؟!.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ﴾.
أي: لا يصدق بتوحيد بالله.
* *
﴿وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾.
ولا يرغب هو ولا يُرَغَّبُ غيرهُ في إطعام أهل المسكنة والحاجة.
الحاقة 69:30
[قوله] ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً...﴾ إلى [قوله] ﴿عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾.
أي: فعلنا ذلك لنجعل السفينة لكم عبرة وعظة وآية.
قال قتادة: أبقى الله السفينة تذكرة وعظة وآية حتى نظر إليها أول هذه [الأُمة]، وكم من سفينة قد كانت بعد سفينة نوح قد صارت رِمْدداً.
- قال ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾..
[أي]: [ولتعي] هذه التذكرة أذن حافظة عقلت عن الله ما سمعت.
وروي أن النبي ﷺ قرأ: ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ ثُمَّ الْتَفَتَ إلَى عَلِيِّ رضي الله عنه فقال: سَاَلْتُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَهَا أُذُنَكَ. قال علَيٌّ: فَمَا سَمِعْتُ شَيْئاً مِنْ رَسُولِ اللهِ قَطّ فَنَسِيتُهُ.
"
وقال [بريدة]: سمعت رسول الله ﷺ يقول لعلي: [يا علي]، إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ [أُدْنِيْكَ] ولاَ أُقْصِيَكَ، [وَأنْ أُعَلِّمكَ] وَأَنْ تَعِيَ. وَحَق عَلَى الله أن [تَعِي]. قال: ونزلت: ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾
وقال أبو عمران الجَوْنِي: ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [يعني]: أذن عقلت عن الله.
* *
- ثم قال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾.
(أي: فإذا نفخ إسرافيل في الصور نفخة واحدة)، وهي النفخة الأولى.
* *
- ﴿وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾.
أي [زلزلتا] زلزلة واحدة.
قال ابن زيد: دكتا دكة واحدة: "صارت غباراً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ﴾.
أي: قامت القيامة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾.
أي: وانصدعت السماء فهي متشققة يومئذ.
قال الضحاك: إذا كان يوم القيامة أمر الله جل ثناؤه السماء بأهلها ونزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها ثم الثانية ثم [الثالثة] إلى السابعة، فصفوا صفاً بين يدي صف ثم نزل الملِك الأعلى على مجنبته جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نَدُّوا فلا يأتون قُطُراً من أقطار الأرض إلا وَجدوا سعبة صفوف من الملائكة فيه، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ [غافر: ٣٢-٣٣].
وذلك قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر: ٢٢].
- وهو قوله: ﴿يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ [أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ] إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] (أي) بحجة، وهو قوله: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ﴾. إلى ﴿عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾
أي: على نواحيها وأطرافها حين تشقق.
قال ابن عباس: على حافاتها، وذلك حين تشقق.
وعن ابن جبير: ﴿عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾: على حافات الدنيا.
وواحد الأرجاء [رجا] مقصور، وهو الناحية، يثنى بالواو.
والرجاء: الأملُ، مَمْدُودُ.
* *
- ثم قال: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾.
قال ابن عباس هي ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله، وهو قول الضحاك وعكرمة.
وقال ابن زيد: هم ثمانية أملاك. وروي عن النبي ﷺ (أنه قال): يحمِلهُ اليَوْمَ أَرْبَعَةٌ، وَيَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ثَمَانِيَةٌ، وأنه قال ﷺ: إِنَّ أَقْدَامَهُمْ لَفِي الأَرْضِ السَّابِعَةِ، وإِنَّ مَنَاكِبَهُمْ لَخَارِجَةٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ عَلَيْهَا العَرِشُ، قال ابن زيد: يريد الأربعة. قال ابن زيد: وبلغنا أن رسول الله ﷺ قال: لمَّا خَلَقَهُمُ الله قال: تَدرون لِمَ خلقتكم؟ قالوا: خلقتنا ربنا لما شاء، قال لهم: تحملون عرشي، ثم قال: سَلوني من القوة ما شئتم أَجْعَلُهَا فِيكُم، فقال أحدهم: قد كان عرش ربنا على الماء فاجعلني في قوة الماء، قال: قد جعلت فيك قوة الماء، وقال آخر: اجعل في قوة السماوات، (قال: قد جعلت فيك قوة السماوات. وقال الآخر: اجعل في قوة الأرض والجبال، قال: قد جعلت فيك قوة الأرض والجبال. وقال آخر: اجعل في قوة الرياح)، قال: قد جعلت فيك قوة الرياح.
(ثم) قال: احملوا. قال: فوضعوا العرش على كواهلهم فلم يزولوا. قال: فجاء عِلْمٌ آخر، وإنما كان عِلْمُهُم الذي [سألوه] القوة. فقال لهم: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله [العلي العظيم]. فقالوها، وجعل فيهم من الحول والقوة ما لم يبلغوه بعلمهم فحملوا
وروى ابن وهب عن أبيه أنه قال: أربعة من الملائكة يحملون العرش على أكتافهم، لكل واحد منهم أربعة أوجه: وجه ثور، ووجه [أسد]، ووجه نسر، ووجه إنسان. ولكل واحد منهم أربعة أجنحة: جناحان على وجهه من أن ينظر إلى العرش فيصعق، وجناحان يقف [بهما]. ليس لهم كلام إلا (أن) يقولوا: قدسوا الله القوي الذي ملأت عظمته السماوات والأرض.
وقال عطاء عن مَيْسَرَة [في قوله] ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾، قال: "أرجلهم في التخوم لا يستطيعون أن يرفعوا أبصارهم من شعاع النور".
قال أبو محمد [مؤلفه رضي الله عنه]: ما جاء في القرآن وهذه الأحاديث من النزول والمجيء وشِبْهِ ذلك مضافاً إلى الله جل ذكره [فلا يجب] أن يُتَأَوَّلَ فيه انتقال "ولا حركة" على الله، إذ لا يجوز عليه ذلك، إذ الحركةُ والنقلةُ إنما هما من صفات المخلوقين. وكل ما جاء من هذا فإنما هو صفة من صفات الله لا كما هي من المخلوقين، فأجرها على ما أتت ولا تعتقد ولا تتوهم في ذلك أمراً مما شَهِدْتَهُ في الخلق، إذ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. وقد قال جماعة من العلماء في وصف الله جل ذكره بالمجيء والإتيان والتنزل: إنها أفعال يحدثها الله متى شاء، سماها بذلك، فلا تَتَقَدَّمْ بَيْنَ يَدَيْهِ ولاَ تُكَيِّفْ وَلاَ تُشَبِّهْ، وَتَقُولُ كَمَا قَالَ وتَنْفِي (عنه) - جل ذكره - التَّشْبِيهَ، ولا تَعْتَرِضْ في شيء مما أَتَى في كتابه من ذلك وما روي عن نبيه (منه) ﷺ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾.
[أي]: ذلك اليوم تعرضون أيها الناس على ربكم فلا يخفى عنه من أعمالكم شيء.
وروي أنهم [يعرضون] ثلاث عرضات: قاله أبو موسى الأشعري وابن مسعود، قالا: فعرضتان فيه الخصومات والمقادير، والثالثة [تطاير] الصحف. قال أبو موسى: "فأخذ بيمينه، وأخذ بشماله".
وروى مثل ذلك قتادة عن النبي ﷺ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ﴾.
أي: فأما من أعطي كتاب عمله بيمينه فيقول: تعالوا﴿ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ﴾.
وقال بعض [أهل اللغة]: أصل "هَاؤُمْ" "هاكم"، ثم أبدل من الكاف واو.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ﴾.
هذا من الظن الذي هو يقين، قوم ظنوا ظناً: فازوا به، وقوم ظنوا ظناً: شقوا [به]، وهو الظن الذي بمعنى الشك.
والمعنى أن المؤمن يقول يوم القيامة حين آَخْذِ كتابه (بيمينه: أيقنت في الدنيا أني ملاق ما عملت إذا وردت يوم القيامة) على ربي.
قال ابن عباس: ظننت: "أيقنت".
قال قتادة: ظَنَّ ظَنّاً يَقِيناً فنفعه الله به، وقال: "ما كان من ظن الآخرة فهو علم" [يريد] من المؤمنين.
* *
- ثم قال: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾.
أي: عيش مرضي، وهو عيش الجنة.
وجعلت "مرضية" نعتاً [للعيشة]؛ لأن ذلك مدح [للعيشة]، كما يقال: "ليل نائم" "وسرٌّ كاتم" و "ماء دافق"، بمعنى "مفعول"؛ لأنه فيه بمعنى المدح، فكان نقله من بناء إلى بناء يدل على المدح أو [الذم]، ولو قلت: "رجل ضارب" بمعنى "مضروب" لم يجز؛ لأنه لا مدح فيه ولا [ذم]، فلا يقع بناء في موقع بناء إلا لمعنى زائد.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
أي: رفيعة المقدار والمكان.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾.
أي: ما يقطف من ثمارها دان، أي: قريب من قاطفه (يقطفه)، فكيف شاء - في حال قيام أو قعود أو اضطجاع - لا يمنعه منه بُعْدٌ، ولا يحول بينه [وبينه] [شوك].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ﴾.
أي: كلوا من ثمرات الجنات غير مُكَدَّرٍ ولا منقص عليكم بما تقدم (لكم) من الأعمال الصالحات في الأيام الماضية في الدنيا لأخراكم. قال قتادة: هذه هي الأيام الخالية فانية تؤدي إلى أيام باقية، فاعملوا في هذه الأيام وقَدِّموا فيها خيراً إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله. ويقال: من عمل في الزمان الذي لا بقاء فيه أَوْصَلَهُ إلى نَعِيمِ الزمان الذي لا زَوَالَ لَهُ.
ويقال: إنه الصيام في أيام الدنيا. روي أنه يوضع يوم القيامة للصوام في الدنيا مائدة يأكلون عليها والناس في الحساب، فيقولون يا رب: نحن في الحساب وهؤلاء يأكلون؟ فيقول: إنهم طالما صاموا في الدنيا وأكلتم، وقاموا ونمتم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ بِشِمَالِهِ﴾
أي: كتاب عمله، ﴿فَيَقُولُ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَٰبِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾.
أي: ولم أدر أي شيء حسابي؟!
* *
- ثم قال: ﴿يٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ﴾.
أي: يا ليت الموتة التي متها في الدنيا كانت هي الفراغ من كل ما بعدها ولم يكن بعد ذلك حياة.
قال قتادة: تمنى الموت ولم يكن في الدنيا شيء أكره إليه من الموت.
* *
- ثم قال: ﴿مَآ أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ﴾.
أي: لم ينفعني [مالي] ولا دفع عني من العذاب شيئاً، فتكون "ما" نافية. ويجوز أن تكون استفهاماً في موضع نصب والتقدير، أي بشيء أغنى عني مالي.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾.
قال [ابن عباس]: ضلت عني كل [بينة] لي (فلم) تغن عني شيئاً. قال عكرمة ومجاهد: سلطاني: حجتي. وقال ابن زيد: ﴿هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ أي: "سلطان الدنيا" وملكها.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾.
هذا أمر من الله لِخُزَّانِ جهنم من الملائكة، أي: خذوا هذا الكافر فغلوا يده إلى عنقه، ثم الجحيم فألقوه وأوردوه (فيها).
* *
﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾.
أي: ثم اسلكوه في سلسلة طولها سبعون ذراعا. وذلك أن تدخل في دبره وتخرج من منخريه. وقيل: تدخل في فِيهِ وتخرج من دبره. وقال محمد بن المنكدر: لو جمع حديدُ الدنيا ما مضى منها وما بقي ما عَدَلَ حلقة من حلق السلسلة.
قال نوف البكالي: الذراع سبعون باعاً أبعد ما بينك وبين مكة وهو يومئذ بالكوفة. قال ابن عباس: ﴿سَبْعُونَ ذِرَاعاً﴾ "بذراع الملك ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ تسلك في دُبره حتى تخرج من منخريه حتى لا يقوم على رجليه".
وروى عبد الله بن عمر وابن العاصي أن رسول الله ﷺ قال: "لَوْ أَنَّ رَصَاصَة مثل هذا - وأشار إلى مثل جمجمة - أُرْسِلَتْ من السماء إلى الأرض - وهي مسيرةُ خَمْسِ مِائَةِ سنة - لبلغت الأرضَ قبل الليل. ولو أنها أُرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفاً - الليلَ والنهارَ - قبل أن [تبلغ] أصلها أو قعرها
وقيل: فاسلكوه، وإنما تسلك السلسلة فيه لأن المعنى مفهوم، مثل قولهم: أدخلت رأسي في القلنسوة، وإنما تدخل [القلنسوة] في الرأس، وشبهه كثير في الكلام.
وقال الفراء: التقدير: فاسلكوه فيها.
وروى نعيم بن حماد عن كعب أنه قال: ينظر الله إلى عبده يوم القيامة فيقول: "خذوه"، فيأخذه مائة ألف ملك حتى يتفتت في أيديهم، فيقول: أما ترحموننا؟! فيقولون: وكيف نرحمك ولم يرحمك أرحم الراحمين؟!.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ﴾.
أي: لا يصدق بتوحيد بالله.
* *
﴿وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾.
ولا يرغب هو ولا يُرَغَّبُ غيرهُ في إطعام أهل المسكنة والحاجة.
الحاقة 69:31
[قوله] ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً...﴾ إلى [قوله] ﴿عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾.
أي: فعلنا ذلك لنجعل السفينة لكم عبرة وعظة وآية.
قال قتادة: أبقى الله السفينة تذكرة وعظة وآية حتى نظر إليها أول هذه [الأُمة]، وكم من سفينة قد كانت بعد سفينة نوح قد صارت رِمْدداً.
- قال ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾..
[أي]: [ولتعي] هذه التذكرة أذن حافظة عقلت عن الله ما سمعت.
وروي أن النبي ﷺ قرأ: ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ ثُمَّ الْتَفَتَ إلَى عَلِيِّ رضي الله عنه فقال: سَاَلْتُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَهَا أُذُنَكَ. قال علَيٌّ: فَمَا سَمِعْتُ شَيْئاً مِنْ رَسُولِ اللهِ قَطّ فَنَسِيتُهُ.
"
وقال [بريدة]: سمعت رسول الله ﷺ يقول لعلي: [يا علي]، إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ [أُدْنِيْكَ] ولاَ أُقْصِيَكَ، [وَأنْ أُعَلِّمكَ] وَأَنْ تَعِيَ. وَحَق عَلَى الله أن [تَعِي]. قال: ونزلت: ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾
وقال أبو عمران الجَوْنِي: ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [يعني]: أذن عقلت عن الله.
* *
- ثم قال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾.
(أي: فإذا نفخ إسرافيل في الصور نفخة واحدة)، وهي النفخة الأولى.
* *
- ﴿وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾.
أي [زلزلتا] زلزلة واحدة.
قال ابن زيد: دكتا دكة واحدة: "صارت غباراً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ﴾.
أي: قامت القيامة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾.
أي: وانصدعت السماء فهي متشققة يومئذ.
قال الضحاك: إذا كان يوم القيامة أمر الله جل ثناؤه السماء بأهلها ونزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها ثم الثانية ثم [الثالثة] إلى السابعة، فصفوا صفاً بين يدي صف ثم نزل الملِك الأعلى على مجنبته جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نَدُّوا فلا يأتون قُطُراً من أقطار الأرض إلا وَجدوا سعبة صفوف من الملائكة فيه، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ [غافر: ٣٢-٣٣].
وذلك قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر: ٢٢].
- وهو قوله: ﴿يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ [أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ] إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] (أي) بحجة، وهو قوله: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ﴾. إلى ﴿عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾
أي: على نواحيها وأطرافها حين تشقق.
قال ابن عباس: على حافاتها، وذلك حين تشقق.
وعن ابن جبير: ﴿عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾: على حافات الدنيا.
وواحد الأرجاء [رجا] مقصور، وهو الناحية، يثنى بالواو.
والرجاء: الأملُ، مَمْدُودُ.
* *
- ثم قال: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾.
قال ابن عباس هي ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله، وهو قول الضحاك وعكرمة.
وقال ابن زيد: هم ثمانية أملاك. وروي عن النبي ﷺ (أنه قال): يحمِلهُ اليَوْمَ أَرْبَعَةٌ، وَيَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ثَمَانِيَةٌ، وأنه قال ﷺ: إِنَّ أَقْدَامَهُمْ لَفِي الأَرْضِ السَّابِعَةِ، وإِنَّ مَنَاكِبَهُمْ لَخَارِجَةٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ عَلَيْهَا العَرِشُ، قال ابن زيد: يريد الأربعة. قال ابن زيد: وبلغنا أن رسول الله ﷺ قال: لمَّا خَلَقَهُمُ الله قال: تَدرون لِمَ خلقتكم؟ قالوا: خلقتنا ربنا لما شاء، قال لهم: تحملون عرشي، ثم قال: سَلوني من القوة ما شئتم أَجْعَلُهَا فِيكُم، فقال أحدهم: قد كان عرش ربنا على الماء فاجعلني في قوة الماء، قال: قد جعلت فيك قوة الماء، وقال آخر: اجعل في قوة السماوات، (قال: قد جعلت فيك قوة السماوات. وقال الآخر: اجعل في قوة الأرض والجبال، قال: قد جعلت فيك قوة الأرض والجبال. وقال آخر: اجعل في قوة الرياح)، قال: قد جعلت فيك قوة الرياح.
(ثم) قال: احملوا. قال: فوضعوا العرش على كواهلهم فلم يزولوا. قال: فجاء عِلْمٌ آخر، وإنما كان عِلْمُهُم الذي [سألوه] القوة. فقال لهم: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله [العلي العظيم]. فقالوها، وجعل فيهم من الحول والقوة ما لم يبلغوه بعلمهم فحملوا
وروى ابن وهب عن أبيه أنه قال: أربعة من الملائكة يحملون العرش على أكتافهم، لكل واحد منهم أربعة أوجه: وجه ثور، ووجه [أسد]، ووجه نسر، ووجه إنسان. ولكل واحد منهم أربعة أجنحة: جناحان على وجهه من أن ينظر إلى العرش فيصعق، وجناحان يقف [بهما]. ليس لهم كلام إلا (أن) يقولوا: قدسوا الله القوي الذي ملأت عظمته السماوات والأرض.
وقال عطاء عن مَيْسَرَة [في قوله] ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾، قال: "أرجلهم في التخوم لا يستطيعون أن يرفعوا أبصارهم من شعاع النور".
قال أبو محمد [مؤلفه رضي الله عنه]: ما جاء في القرآن وهذه الأحاديث من النزول والمجيء وشِبْهِ ذلك مضافاً إلى الله جل ذكره [فلا يجب] أن يُتَأَوَّلَ فيه انتقال "ولا حركة" على الله، إذ لا يجوز عليه ذلك، إذ الحركةُ والنقلةُ إنما هما من صفات المخلوقين. وكل ما جاء من هذا فإنما هو صفة من صفات الله لا كما هي من المخلوقين، فأجرها على ما أتت ولا تعتقد ولا تتوهم في ذلك أمراً مما شَهِدْتَهُ في الخلق، إذ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. وقد قال جماعة من العلماء في وصف الله جل ذكره بالمجيء والإتيان والتنزل: إنها أفعال يحدثها الله متى شاء، سماها بذلك، فلا تَتَقَدَّمْ بَيْنَ يَدَيْهِ ولاَ تُكَيِّفْ وَلاَ تُشَبِّهْ، وَتَقُولُ كَمَا قَالَ وتَنْفِي (عنه) - جل ذكره - التَّشْبِيهَ، ولا تَعْتَرِضْ في شيء مما أَتَى في كتابه من ذلك وما روي عن نبيه (منه) ﷺ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾.
[أي]: ذلك اليوم تعرضون أيها الناس على ربكم فلا يخفى عنه من أعمالكم شيء.
وروي أنهم [يعرضون] ثلاث عرضات: قاله أبو موسى الأشعري وابن مسعود، قالا: فعرضتان فيه الخصومات والمقادير، والثالثة [تطاير] الصحف. قال أبو موسى: "فأخذ بيمينه، وأخذ بشماله".
وروى مثل ذلك قتادة عن النبي ﷺ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ﴾.
أي: فأما من أعطي كتاب عمله بيمينه فيقول: تعالوا﴿ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ﴾.
وقال بعض [أهل اللغة]: أصل "هَاؤُمْ" "هاكم"، ثم أبدل من الكاف واو.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ﴾.
هذا من الظن الذي هو يقين، قوم ظنوا ظناً: فازوا به، وقوم ظنوا ظناً: شقوا [به]، وهو الظن الذي بمعنى الشك.
والمعنى أن المؤمن يقول يوم القيامة حين آَخْذِ كتابه (بيمينه: أيقنت في الدنيا أني ملاق ما عملت إذا وردت يوم القيامة) على ربي.
قال ابن عباس: ظننت: "أيقنت".
قال قتادة: ظَنَّ ظَنّاً يَقِيناً فنفعه الله به، وقال: "ما كان من ظن الآخرة فهو علم" [يريد] من المؤمنين.
* *
- ثم قال: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾.
أي: عيش مرضي، وهو عيش الجنة.
وجعلت "مرضية" نعتاً [للعيشة]؛ لأن ذلك مدح [للعيشة]، كما يقال: "ليل نائم" "وسرٌّ كاتم" و "ماء دافق"، بمعنى "مفعول"؛ لأنه فيه بمعنى المدح، فكان نقله من بناء إلى بناء يدل على المدح أو [الذم]، ولو قلت: "رجل ضارب" بمعنى "مضروب" لم يجز؛ لأنه لا مدح فيه ولا [ذم]، فلا يقع بناء في موقع بناء إلا لمعنى زائد.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
أي: رفيعة المقدار والمكان.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾.
أي: ما يقطف من ثمارها دان، أي: قريب من قاطفه (يقطفه)، فكيف شاء - في حال قيام أو قعود أو اضطجاع - لا يمنعه منه بُعْدٌ، ولا يحول بينه [وبينه] [شوك].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ﴾.
أي: كلوا من ثمرات الجنات غير مُكَدَّرٍ ولا منقص عليكم بما تقدم (لكم) من الأعمال الصالحات في الأيام الماضية في الدنيا لأخراكم. قال قتادة: هذه هي الأيام الخالية فانية تؤدي إلى أيام باقية، فاعملوا في هذه الأيام وقَدِّموا فيها خيراً إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله. ويقال: من عمل في الزمان الذي لا بقاء فيه أَوْصَلَهُ إلى نَعِيمِ الزمان الذي لا زَوَالَ لَهُ.
ويقال: إنه الصيام في أيام الدنيا. روي أنه يوضع يوم القيامة للصوام في الدنيا مائدة يأكلون عليها والناس في الحساب، فيقولون يا رب: نحن في الحساب وهؤلاء يأكلون؟ فيقول: إنهم طالما صاموا في الدنيا وأكلتم، وقاموا ونمتم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ بِشِمَالِهِ﴾
أي: كتاب عمله، ﴿فَيَقُولُ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَٰبِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾.
أي: ولم أدر أي شيء حسابي؟!
* *
- ثم قال: ﴿يٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ﴾.
أي: يا ليت الموتة التي متها في الدنيا كانت هي الفراغ من كل ما بعدها ولم يكن بعد ذلك حياة.
قال قتادة: تمنى الموت ولم يكن في الدنيا شيء أكره إليه من الموت.
* *
- ثم قال: ﴿مَآ أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ﴾.
أي: لم ينفعني [مالي] ولا دفع عني من العذاب شيئاً، فتكون "ما" نافية. ويجوز أن تكون استفهاماً في موضع نصب والتقدير، أي بشيء أغنى عني مالي.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾.
قال [ابن عباس]: ضلت عني كل [بينة] لي (فلم) تغن عني شيئاً. قال عكرمة ومجاهد: سلطاني: حجتي. وقال ابن زيد: ﴿هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ أي: "سلطان الدنيا" وملكها.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾.
هذا أمر من الله لِخُزَّانِ جهنم من الملائكة، أي: خذوا هذا الكافر فغلوا يده إلى عنقه، ثم الجحيم فألقوه وأوردوه (فيها).
* *
﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾.
أي: ثم اسلكوه في سلسلة طولها سبعون ذراعا. وذلك أن تدخل في دبره وتخرج من منخريه. وقيل: تدخل في فِيهِ وتخرج من دبره. وقال محمد بن المنكدر: لو جمع حديدُ الدنيا ما مضى منها وما بقي ما عَدَلَ حلقة من حلق السلسلة.
قال نوف البكالي: الذراع سبعون باعاً أبعد ما بينك وبين مكة وهو يومئذ بالكوفة. قال ابن عباس: ﴿سَبْعُونَ ذِرَاعاً﴾ "بذراع الملك ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ تسلك في دُبره حتى تخرج من منخريه حتى لا يقوم على رجليه".
وروى عبد الله بن عمر وابن العاصي أن رسول الله ﷺ قال: "لَوْ أَنَّ رَصَاصَة مثل هذا - وأشار إلى مثل جمجمة - أُرْسِلَتْ من السماء إلى الأرض - وهي مسيرةُ خَمْسِ مِائَةِ سنة - لبلغت الأرضَ قبل الليل. ولو أنها أُرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفاً - الليلَ والنهارَ - قبل أن [تبلغ] أصلها أو قعرها
وقيل: فاسلكوه، وإنما تسلك السلسلة فيه لأن المعنى مفهوم، مثل قولهم: أدخلت رأسي في القلنسوة، وإنما تدخل [القلنسوة] في الرأس، وشبهه كثير في الكلام.
وقال الفراء: التقدير: فاسلكوه فيها.
وروى نعيم بن حماد عن كعب أنه قال: ينظر الله إلى عبده يوم القيامة فيقول: "خذوه"، فيأخذه مائة ألف ملك حتى يتفتت في أيديهم، فيقول: أما ترحموننا؟! فيقولون: وكيف نرحمك ولم يرحمك أرحم الراحمين؟!.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ﴾.
أي: لا يصدق بتوحيد بالله.
* *
﴿وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾.
ولا يرغب هو ولا يُرَغَّبُ غيرهُ في إطعام أهل المسكنة والحاجة.
الحاقة 69:32
[قوله] ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً...﴾ إلى [قوله] ﴿عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾.
أي: فعلنا ذلك لنجعل السفينة لكم عبرة وعظة وآية.
قال قتادة: أبقى الله السفينة تذكرة وعظة وآية حتى نظر إليها أول هذه [الأُمة]، وكم من سفينة قد كانت بعد سفينة نوح قد صارت رِمْدداً.
- قال ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾..
[أي]: [ولتعي] هذه التذكرة أذن حافظة عقلت عن الله ما سمعت.
وروي أن النبي ﷺ قرأ: ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ ثُمَّ الْتَفَتَ إلَى عَلِيِّ رضي الله عنه فقال: سَاَلْتُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَهَا أُذُنَكَ. قال علَيٌّ: فَمَا سَمِعْتُ شَيْئاً مِنْ رَسُولِ اللهِ قَطّ فَنَسِيتُهُ.
"
وقال [بريدة]: سمعت رسول الله ﷺ يقول لعلي: [يا علي]، إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ [أُدْنِيْكَ] ولاَ أُقْصِيَكَ، [وَأنْ أُعَلِّمكَ] وَأَنْ تَعِيَ. وَحَق عَلَى الله أن [تَعِي]. قال: ونزلت: ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾
وقال أبو عمران الجَوْنِي: ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [يعني]: أذن عقلت عن الله.
* *
- ثم قال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾.
(أي: فإذا نفخ إسرافيل في الصور نفخة واحدة)، وهي النفخة الأولى.
* *
- ﴿وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾.
أي [زلزلتا] زلزلة واحدة.
قال ابن زيد: دكتا دكة واحدة: "صارت غباراً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ﴾.
أي: قامت القيامة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾.
أي: وانصدعت السماء فهي متشققة يومئذ.
قال الضحاك: إذا كان يوم القيامة أمر الله جل ثناؤه السماء بأهلها ونزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها ثم الثانية ثم [الثالثة] إلى السابعة، فصفوا صفاً بين يدي صف ثم نزل الملِك الأعلى على مجنبته جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نَدُّوا فلا يأتون قُطُراً من أقطار الأرض إلا وَجدوا سعبة صفوف من الملائكة فيه، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ [غافر: ٣٢-٣٣].
وذلك قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر: ٢٢].
- وهو قوله: ﴿يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ [أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ] إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] (أي) بحجة، وهو قوله: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ﴾. إلى ﴿عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾
أي: على نواحيها وأطرافها حين تشقق.
قال ابن عباس: على حافاتها، وذلك حين تشقق.
وعن ابن جبير: ﴿عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾: على حافات الدنيا.
وواحد الأرجاء [رجا] مقصور، وهو الناحية، يثنى بالواو.
والرجاء: الأملُ، مَمْدُودُ.
* *
- ثم قال: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾.
قال ابن عباس هي ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله، وهو قول الضحاك وعكرمة.
وقال ابن زيد: هم ثمانية أملاك. وروي عن النبي ﷺ (أنه قال): يحمِلهُ اليَوْمَ أَرْبَعَةٌ، وَيَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ثَمَانِيَةٌ، وأنه قال ﷺ: إِنَّ أَقْدَامَهُمْ لَفِي الأَرْضِ السَّابِعَةِ، وإِنَّ مَنَاكِبَهُمْ لَخَارِجَةٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ عَلَيْهَا العَرِشُ، قال ابن زيد: يريد الأربعة. قال ابن زيد: وبلغنا أن رسول الله ﷺ قال: لمَّا خَلَقَهُمُ الله قال: تَدرون لِمَ خلقتكم؟ قالوا: خلقتنا ربنا لما شاء، قال لهم: تحملون عرشي، ثم قال: سَلوني من القوة ما شئتم أَجْعَلُهَا فِيكُم، فقال أحدهم: قد كان عرش ربنا على الماء فاجعلني في قوة الماء، قال: قد جعلت فيك قوة الماء، وقال آخر: اجعل في قوة السماوات، (قال: قد جعلت فيك قوة السماوات. وقال الآخر: اجعل في قوة الأرض والجبال، قال: قد جعلت فيك قوة الأرض والجبال. وقال آخر: اجعل في قوة الرياح)، قال: قد جعلت فيك قوة الرياح.
(ثم) قال: احملوا. قال: فوضعوا العرش على كواهلهم فلم يزولوا. قال: فجاء عِلْمٌ آخر، وإنما كان عِلْمُهُم الذي [سألوه] القوة. فقال لهم: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله [العلي العظيم]. فقالوها، وجعل فيهم من الحول والقوة ما لم يبلغوه بعلمهم فحملوا
وروى ابن وهب عن أبيه أنه قال: أربعة من الملائكة يحملون العرش على أكتافهم، لكل واحد منهم أربعة أوجه: وجه ثور، ووجه [أسد]، ووجه نسر، ووجه إنسان. ولكل واحد منهم أربعة أجنحة: جناحان على وجهه من أن ينظر إلى العرش فيصعق، وجناحان يقف [بهما]. ليس لهم كلام إلا (أن) يقولوا: قدسوا الله القوي الذي ملأت عظمته السماوات والأرض.
وقال عطاء عن مَيْسَرَة [في قوله] ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾، قال: "أرجلهم في التخوم لا يستطيعون أن يرفعوا أبصارهم من شعاع النور".
قال أبو محمد [مؤلفه رضي الله عنه]: ما جاء في القرآن وهذه الأحاديث من النزول والمجيء وشِبْهِ ذلك مضافاً إلى الله جل ذكره [فلا يجب] أن يُتَأَوَّلَ فيه انتقال "ولا حركة" على الله، إذ لا يجوز عليه ذلك، إذ الحركةُ والنقلةُ إنما هما من صفات المخلوقين. وكل ما جاء من هذا فإنما هو صفة من صفات الله لا كما هي من المخلوقين، فأجرها على ما أتت ولا تعتقد ولا تتوهم في ذلك أمراً مما شَهِدْتَهُ في الخلق، إذ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. وقد قال جماعة من العلماء في وصف الله جل ذكره بالمجيء والإتيان والتنزل: إنها أفعال يحدثها الله متى شاء، سماها بذلك، فلا تَتَقَدَّمْ بَيْنَ يَدَيْهِ ولاَ تُكَيِّفْ وَلاَ تُشَبِّهْ، وَتَقُولُ كَمَا قَالَ وتَنْفِي (عنه) - جل ذكره - التَّشْبِيهَ، ولا تَعْتَرِضْ في شيء مما أَتَى في كتابه من ذلك وما روي عن نبيه (منه) ﷺ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾.
[أي]: ذلك اليوم تعرضون أيها الناس على ربكم فلا يخفى عنه من أعمالكم شيء.
وروي أنهم [يعرضون] ثلاث عرضات: قاله أبو موسى الأشعري وابن مسعود، قالا: فعرضتان فيه الخصومات والمقادير، والثالثة [تطاير] الصحف. قال أبو موسى: "فأخذ بيمينه، وأخذ بشماله".
وروى مثل ذلك قتادة عن النبي ﷺ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ﴾.
أي: فأما من أعطي كتاب عمله بيمينه فيقول: تعالوا﴿ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ﴾.
وقال بعض [أهل اللغة]: أصل "هَاؤُمْ" "هاكم"، ثم أبدل من الكاف واو.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ﴾.
هذا من الظن الذي هو يقين، قوم ظنوا ظناً: فازوا به، وقوم ظنوا ظناً: شقوا [به]، وهو الظن الذي بمعنى الشك.
والمعنى أن المؤمن يقول يوم القيامة حين آَخْذِ كتابه (بيمينه: أيقنت في الدنيا أني ملاق ما عملت إذا وردت يوم القيامة) على ربي.
قال ابن عباس: ظننت: "أيقنت".
قال قتادة: ظَنَّ ظَنّاً يَقِيناً فنفعه الله به، وقال: "ما كان من ظن الآخرة فهو علم" [يريد] من المؤمنين.
* *
- ثم قال: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾.
أي: عيش مرضي، وهو عيش الجنة.
وجعلت "مرضية" نعتاً [للعيشة]؛ لأن ذلك مدح [للعيشة]، كما يقال: "ليل نائم" "وسرٌّ كاتم" و "ماء دافق"، بمعنى "مفعول"؛ لأنه فيه بمعنى المدح، فكان نقله من بناء إلى بناء يدل على المدح أو [الذم]، ولو قلت: "رجل ضارب" بمعنى "مضروب" لم يجز؛ لأنه لا مدح فيه ولا [ذم]، فلا يقع بناء في موقع بناء إلا لمعنى زائد.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
أي: رفيعة المقدار والمكان.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾.
أي: ما يقطف من ثمارها دان، أي: قريب من قاطفه (يقطفه)، فكيف شاء - في حال قيام أو قعود أو اضطجاع - لا يمنعه منه بُعْدٌ، ولا يحول بينه [وبينه] [شوك].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ﴾.
أي: كلوا من ثمرات الجنات غير مُكَدَّرٍ ولا منقص عليكم بما تقدم (لكم) من الأعمال الصالحات في الأيام الماضية في الدنيا لأخراكم. قال قتادة: هذه هي الأيام الخالية فانية تؤدي إلى أيام باقية، فاعملوا في هذه الأيام وقَدِّموا فيها خيراً إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله. ويقال: من عمل في الزمان الذي لا بقاء فيه أَوْصَلَهُ إلى نَعِيمِ الزمان الذي لا زَوَالَ لَهُ.
ويقال: إنه الصيام في أيام الدنيا. روي أنه يوضع يوم القيامة للصوام في الدنيا مائدة يأكلون عليها والناس في الحساب، فيقولون يا رب: نحن في الحساب وهؤلاء يأكلون؟ فيقول: إنهم طالما صاموا في الدنيا وأكلتم، وقاموا ونمتم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ بِشِمَالِهِ﴾
أي: كتاب عمله، ﴿فَيَقُولُ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَٰبِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾.
أي: ولم أدر أي شيء حسابي؟!
* *
- ثم قال: ﴿يٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ﴾.
أي: يا ليت الموتة التي متها في الدنيا كانت هي الفراغ من كل ما بعدها ولم يكن بعد ذلك حياة.
قال قتادة: تمنى الموت ولم يكن في الدنيا شيء أكره إليه من الموت.
* *
- ثم قال: ﴿مَآ أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ﴾.
أي: لم ينفعني [مالي] ولا دفع عني من العذاب شيئاً، فتكون "ما" نافية. ويجوز أن تكون استفهاماً في موضع نصب والتقدير، أي بشيء أغنى عني مالي.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾.
قال [ابن عباس]: ضلت عني كل [بينة] لي (فلم) تغن عني شيئاً. قال عكرمة ومجاهد: سلطاني: حجتي. وقال ابن زيد: ﴿هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ أي: "سلطان الدنيا" وملكها.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾.
هذا أمر من الله لِخُزَّانِ جهنم من الملائكة، أي: خذوا هذا الكافر فغلوا يده إلى عنقه، ثم الجحيم فألقوه وأوردوه (فيها).
* *
﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾.
أي: ثم اسلكوه في سلسلة طولها سبعون ذراعا. وذلك أن تدخل في دبره وتخرج من منخريه. وقيل: تدخل في فِيهِ وتخرج من دبره. وقال محمد بن المنكدر: لو جمع حديدُ الدنيا ما مضى منها وما بقي ما عَدَلَ حلقة من حلق السلسلة.
قال نوف البكالي: الذراع سبعون باعاً أبعد ما بينك وبين مكة وهو يومئذ بالكوفة. قال ابن عباس: ﴿سَبْعُونَ ذِرَاعاً﴾ "بذراع الملك ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ تسلك في دُبره حتى تخرج من منخريه حتى لا يقوم على رجليه".
وروى عبد الله بن عمر وابن العاصي أن رسول الله ﷺ قال: "لَوْ أَنَّ رَصَاصَة مثل هذا - وأشار إلى مثل جمجمة - أُرْسِلَتْ من السماء إلى الأرض - وهي مسيرةُ خَمْسِ مِائَةِ سنة - لبلغت الأرضَ قبل الليل. ولو أنها أُرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفاً - الليلَ والنهارَ - قبل أن [تبلغ] أصلها أو قعرها
وقيل: فاسلكوه، وإنما تسلك السلسلة فيه لأن المعنى مفهوم، مثل قولهم: أدخلت رأسي في القلنسوة، وإنما تدخل [القلنسوة] في الرأس، وشبهه كثير في الكلام.
وقال الفراء: التقدير: فاسلكوه فيها.
وروى نعيم بن حماد عن كعب أنه قال: ينظر الله إلى عبده يوم القيامة فيقول: "خذوه"، فيأخذه مائة ألف ملك حتى يتفتت في أيديهم، فيقول: أما ترحموننا؟! فيقولون: وكيف نرحمك ولم يرحمك أرحم الراحمين؟!.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ﴾.
أي: لا يصدق بتوحيد بالله.
* *
﴿وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾.
ولا يرغب هو ولا يُرَغَّبُ غيرهُ في إطعام أهل المسكنة والحاجة.
الحاقة 69:33
[قوله] ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً...﴾ إلى [قوله] ﴿عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾.
أي: فعلنا ذلك لنجعل السفينة لكم عبرة وعظة وآية.
قال قتادة: أبقى الله السفينة تذكرة وعظة وآية حتى نظر إليها أول هذه [الأُمة]، وكم من سفينة قد كانت بعد سفينة نوح قد صارت رِمْدداً.
- قال ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾..
[أي]: [ولتعي] هذه التذكرة أذن حافظة عقلت عن الله ما سمعت.
وروي أن النبي ﷺ قرأ: ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ ثُمَّ الْتَفَتَ إلَى عَلِيِّ رضي الله عنه فقال: سَاَلْتُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَهَا أُذُنَكَ. قال علَيٌّ: فَمَا سَمِعْتُ شَيْئاً مِنْ رَسُولِ اللهِ قَطّ فَنَسِيتُهُ.
"
وقال [بريدة]: سمعت رسول الله ﷺ يقول لعلي: [يا علي]، إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ [أُدْنِيْكَ] ولاَ أُقْصِيَكَ، [وَأنْ أُعَلِّمكَ] وَأَنْ تَعِيَ. وَحَق عَلَى الله أن [تَعِي]. قال: ونزلت: ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾
وقال أبو عمران الجَوْنِي: ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [يعني]: أذن عقلت عن الله.
* *
- ثم قال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾.
(أي: فإذا نفخ إسرافيل في الصور نفخة واحدة)، وهي النفخة الأولى.
* *
- ﴿وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾.
أي [زلزلتا] زلزلة واحدة.
قال ابن زيد: دكتا دكة واحدة: "صارت غباراً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ﴾.
أي: قامت القيامة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾.
أي: وانصدعت السماء فهي متشققة يومئذ.
قال الضحاك: إذا كان يوم القيامة أمر الله جل ثناؤه السماء بأهلها ونزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها ثم الثانية ثم [الثالثة] إلى السابعة، فصفوا صفاً بين يدي صف ثم نزل الملِك الأعلى على مجنبته جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نَدُّوا فلا يأتون قُطُراً من أقطار الأرض إلا وَجدوا سعبة صفوف من الملائكة فيه، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ [غافر: ٣٢-٣٣].
وذلك قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر: ٢٢].
- وهو قوله: ﴿يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ [أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ] إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] (أي) بحجة، وهو قوله: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ﴾. إلى ﴿عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾
أي: على نواحيها وأطرافها حين تشقق.
قال ابن عباس: على حافاتها، وذلك حين تشقق.
وعن ابن جبير: ﴿عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾: على حافات الدنيا.
وواحد الأرجاء [رجا] مقصور، وهو الناحية، يثنى بالواو.
والرجاء: الأملُ، مَمْدُودُ.
* *
- ثم قال: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾.
قال ابن عباس هي ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله، وهو قول الضحاك وعكرمة.
وقال ابن زيد: هم ثمانية أملاك. وروي عن النبي ﷺ (أنه قال): يحمِلهُ اليَوْمَ أَرْبَعَةٌ، وَيَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ثَمَانِيَةٌ، وأنه قال ﷺ: إِنَّ أَقْدَامَهُمْ لَفِي الأَرْضِ السَّابِعَةِ، وإِنَّ مَنَاكِبَهُمْ لَخَارِجَةٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ عَلَيْهَا العَرِشُ، قال ابن زيد: يريد الأربعة. قال ابن زيد: وبلغنا أن رسول الله ﷺ قال: لمَّا خَلَقَهُمُ الله قال: تَدرون لِمَ خلقتكم؟ قالوا: خلقتنا ربنا لما شاء، قال لهم: تحملون عرشي، ثم قال: سَلوني من القوة ما شئتم أَجْعَلُهَا فِيكُم، فقال أحدهم: قد كان عرش ربنا على الماء فاجعلني في قوة الماء، قال: قد جعلت فيك قوة الماء، وقال آخر: اجعل في قوة السماوات، (قال: قد جعلت فيك قوة السماوات. وقال الآخر: اجعل في قوة الأرض والجبال، قال: قد جعلت فيك قوة الأرض والجبال. وقال آخر: اجعل في قوة الرياح)، قال: قد جعلت فيك قوة الرياح.
(ثم) قال: احملوا. قال: فوضعوا العرش على كواهلهم فلم يزولوا. قال: فجاء عِلْمٌ آخر، وإنما كان عِلْمُهُم الذي [سألوه] القوة. فقال لهم: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله [العلي العظيم]. فقالوها، وجعل فيهم من الحول والقوة ما لم يبلغوه بعلمهم فحملوا
وروى ابن وهب عن أبيه أنه قال: أربعة من الملائكة يحملون العرش على أكتافهم، لكل واحد منهم أربعة أوجه: وجه ثور، ووجه [أسد]، ووجه نسر، ووجه إنسان. ولكل واحد منهم أربعة أجنحة: جناحان على وجهه من أن ينظر إلى العرش فيصعق، وجناحان يقف [بهما]. ليس لهم كلام إلا (أن) يقولوا: قدسوا الله القوي الذي ملأت عظمته السماوات والأرض.
وقال عطاء عن مَيْسَرَة [في قوله] ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾، قال: "أرجلهم في التخوم لا يستطيعون أن يرفعوا أبصارهم من شعاع النور".
قال أبو محمد [مؤلفه رضي الله عنه]: ما جاء في القرآن وهذه الأحاديث من النزول والمجيء وشِبْهِ ذلك مضافاً إلى الله جل ذكره [فلا يجب] أن يُتَأَوَّلَ فيه انتقال "ولا حركة" على الله، إذ لا يجوز عليه ذلك، إذ الحركةُ والنقلةُ إنما هما من صفات المخلوقين. وكل ما جاء من هذا فإنما هو صفة من صفات الله لا كما هي من المخلوقين، فأجرها على ما أتت ولا تعتقد ولا تتوهم في ذلك أمراً مما شَهِدْتَهُ في الخلق، إذ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. وقد قال جماعة من العلماء في وصف الله جل ذكره بالمجيء والإتيان والتنزل: إنها أفعال يحدثها الله متى شاء، سماها بذلك، فلا تَتَقَدَّمْ بَيْنَ يَدَيْهِ ولاَ تُكَيِّفْ وَلاَ تُشَبِّهْ، وَتَقُولُ كَمَا قَالَ وتَنْفِي (عنه) - جل ذكره - التَّشْبِيهَ، ولا تَعْتَرِضْ في شيء مما أَتَى في كتابه من ذلك وما روي عن نبيه (منه) ﷺ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾.
[أي]: ذلك اليوم تعرضون أيها الناس على ربكم فلا يخفى عنه من أعمالكم شيء.
وروي أنهم [يعرضون] ثلاث عرضات: قاله أبو موسى الأشعري وابن مسعود، قالا: فعرضتان فيه الخصومات والمقادير، والثالثة [تطاير] الصحف. قال أبو موسى: "فأخذ بيمينه، وأخذ بشماله".
وروى مثل ذلك قتادة عن النبي ﷺ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ﴾.
أي: فأما من أعطي كتاب عمله بيمينه فيقول: تعالوا﴿ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ﴾.
وقال بعض [أهل اللغة]: أصل "هَاؤُمْ" "هاكم"، ثم أبدل من الكاف واو.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ﴾.
هذا من الظن الذي هو يقين، قوم ظنوا ظناً: فازوا به، وقوم ظنوا ظناً: شقوا [به]، وهو الظن الذي بمعنى الشك.
والمعنى أن المؤمن يقول يوم القيامة حين آَخْذِ كتابه (بيمينه: أيقنت في الدنيا أني ملاق ما عملت إذا وردت يوم القيامة) على ربي.
قال ابن عباس: ظننت: "أيقنت".
قال قتادة: ظَنَّ ظَنّاً يَقِيناً فنفعه الله به، وقال: "ما كان من ظن الآخرة فهو علم" [يريد] من المؤمنين.
* *
- ثم قال: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾.
أي: عيش مرضي، وهو عيش الجنة.
وجعلت "مرضية" نعتاً [للعيشة]؛ لأن ذلك مدح [للعيشة]، كما يقال: "ليل نائم" "وسرٌّ كاتم" و "ماء دافق"، بمعنى "مفعول"؛ لأنه فيه بمعنى المدح، فكان نقله من بناء إلى بناء يدل على المدح أو [الذم]، ولو قلت: "رجل ضارب" بمعنى "مضروب" لم يجز؛ لأنه لا مدح فيه ولا [ذم]، فلا يقع بناء في موقع بناء إلا لمعنى زائد.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
أي: رفيعة المقدار والمكان.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾.
أي: ما يقطف من ثمارها دان، أي: قريب من قاطفه (يقطفه)، فكيف شاء - في حال قيام أو قعود أو اضطجاع - لا يمنعه منه بُعْدٌ، ولا يحول بينه [وبينه] [شوك].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ﴾.
أي: كلوا من ثمرات الجنات غير مُكَدَّرٍ ولا منقص عليكم بما تقدم (لكم) من الأعمال الصالحات في الأيام الماضية في الدنيا لأخراكم. قال قتادة: هذه هي الأيام الخالية فانية تؤدي إلى أيام باقية، فاعملوا في هذه الأيام وقَدِّموا فيها خيراً إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله. ويقال: من عمل في الزمان الذي لا بقاء فيه أَوْصَلَهُ إلى نَعِيمِ الزمان الذي لا زَوَالَ لَهُ.
ويقال: إنه الصيام في أيام الدنيا. روي أنه يوضع يوم القيامة للصوام في الدنيا مائدة يأكلون عليها والناس في الحساب، فيقولون يا رب: نحن في الحساب وهؤلاء يأكلون؟ فيقول: إنهم طالما صاموا في الدنيا وأكلتم، وقاموا ونمتم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ بِشِمَالِهِ﴾
أي: كتاب عمله، ﴿فَيَقُولُ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَٰبِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾.
أي: ولم أدر أي شيء حسابي؟!
* *
- ثم قال: ﴿يٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ﴾.
أي: يا ليت الموتة التي متها في الدنيا كانت هي الفراغ من كل ما بعدها ولم يكن بعد ذلك حياة.
قال قتادة: تمنى الموت ولم يكن في الدنيا شيء أكره إليه من الموت.
* *
- ثم قال: ﴿مَآ أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ﴾.
أي: لم ينفعني [مالي] ولا دفع عني من العذاب شيئاً، فتكون "ما" نافية. ويجوز أن تكون استفهاماً في موضع نصب والتقدير، أي بشيء أغنى عني مالي.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾.
قال [ابن عباس]: ضلت عني كل [بينة] لي (فلم) تغن عني شيئاً. قال عكرمة ومجاهد: سلطاني: حجتي. وقال ابن زيد: ﴿هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ أي: "سلطان الدنيا" وملكها.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾.
هذا أمر من الله لِخُزَّانِ جهنم من الملائكة، أي: خذوا هذا الكافر فغلوا يده إلى عنقه، ثم الجحيم فألقوه وأوردوه (فيها).
* *
﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾.
أي: ثم اسلكوه في سلسلة طولها سبعون ذراعا. وذلك أن تدخل في دبره وتخرج من منخريه. وقيل: تدخل في فِيهِ وتخرج من دبره. وقال محمد بن المنكدر: لو جمع حديدُ الدنيا ما مضى منها وما بقي ما عَدَلَ حلقة من حلق السلسلة.
قال نوف البكالي: الذراع سبعون باعاً أبعد ما بينك وبين مكة وهو يومئذ بالكوفة. قال ابن عباس: ﴿سَبْعُونَ ذِرَاعاً﴾ "بذراع الملك ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ تسلك في دُبره حتى تخرج من منخريه حتى لا يقوم على رجليه".
وروى عبد الله بن عمر وابن العاصي أن رسول الله ﷺ قال: "لَوْ أَنَّ رَصَاصَة مثل هذا - وأشار إلى مثل جمجمة - أُرْسِلَتْ من السماء إلى الأرض - وهي مسيرةُ خَمْسِ مِائَةِ سنة - لبلغت الأرضَ قبل الليل. ولو أنها أُرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفاً - الليلَ والنهارَ - قبل أن [تبلغ] أصلها أو قعرها
وقيل: فاسلكوه، وإنما تسلك السلسلة فيه لأن المعنى مفهوم، مثل قولهم: أدخلت رأسي في القلنسوة، وإنما تدخل [القلنسوة] في الرأس، وشبهه كثير في الكلام.
وقال الفراء: التقدير: فاسلكوه فيها.
وروى نعيم بن حماد عن كعب أنه قال: ينظر الله إلى عبده يوم القيامة فيقول: "خذوه"، فيأخذه مائة ألف ملك حتى يتفتت في أيديهم، فيقول: أما ترحموننا؟! فيقولون: وكيف نرحمك ولم يرحمك أرحم الراحمين؟!.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ﴾.
أي: لا يصدق بتوحيد بالله.
* *
﴿وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾.
ولا يرغب هو ولا يُرَغَّبُ غيرهُ في إطعام أهل المسكنة والحاجة.
الحاقة 69:34
[قوله] ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً...﴾ إلى [قوله] ﴿عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾.
أي: فعلنا ذلك لنجعل السفينة لكم عبرة وعظة وآية.
قال قتادة: أبقى الله السفينة تذكرة وعظة وآية حتى نظر إليها أول هذه [الأُمة]، وكم من سفينة قد كانت بعد سفينة نوح قد صارت رِمْدداً.
- قال ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾..
[أي]: [ولتعي] هذه التذكرة أذن حافظة عقلت عن الله ما سمعت.
وروي أن النبي ﷺ قرأ: ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ ثُمَّ الْتَفَتَ إلَى عَلِيِّ رضي الله عنه فقال: سَاَلْتُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَهَا أُذُنَكَ. قال علَيٌّ: فَمَا سَمِعْتُ شَيْئاً مِنْ رَسُولِ اللهِ قَطّ فَنَسِيتُهُ.
"
وقال [بريدة]: سمعت رسول الله ﷺ يقول لعلي: [يا علي]، إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ [أُدْنِيْكَ] ولاَ أُقْصِيَكَ، [وَأنْ أُعَلِّمكَ] وَأَنْ تَعِيَ. وَحَق عَلَى الله أن [تَعِي]. قال: ونزلت: ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾
وقال أبو عمران الجَوْنِي: ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [يعني]: أذن عقلت عن الله.
* *
- ثم قال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾.
(أي: فإذا نفخ إسرافيل في الصور نفخة واحدة)، وهي النفخة الأولى.
* *
- ﴿وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾.
أي [زلزلتا] زلزلة واحدة.
قال ابن زيد: دكتا دكة واحدة: "صارت غباراً".
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ﴾.
أي: قامت القيامة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾.
أي: وانصدعت السماء فهي متشققة يومئذ.
قال الضحاك: إذا كان يوم القيامة أمر الله جل ثناؤه السماء بأهلها ونزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها ثم الثانية ثم [الثالثة] إلى السابعة، فصفوا صفاً بين يدي صف ثم نزل الملِك الأعلى على مجنبته جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نَدُّوا فلا يأتون قُطُراً من أقطار الأرض إلا وَجدوا سعبة صفوف من الملائكة فيه، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ [غافر: ٣٢-٣٣].
وذلك قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر: ٢٢].
- وهو قوله: ﴿يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ [أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ] إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] (أي) بحجة، وهو قوله: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ﴾. إلى ﴿عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾
أي: على نواحيها وأطرافها حين تشقق.
قال ابن عباس: على حافاتها، وذلك حين تشقق.
وعن ابن جبير: ﴿عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾: على حافات الدنيا.
وواحد الأرجاء [رجا] مقصور، وهو الناحية، يثنى بالواو.
والرجاء: الأملُ، مَمْدُودُ.
* *
- ثم قال: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾.
قال ابن عباس هي ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله، وهو قول الضحاك وعكرمة.
وقال ابن زيد: هم ثمانية أملاك. وروي عن النبي ﷺ (أنه قال): يحمِلهُ اليَوْمَ أَرْبَعَةٌ، وَيَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ثَمَانِيَةٌ، وأنه قال ﷺ: إِنَّ أَقْدَامَهُمْ لَفِي الأَرْضِ السَّابِعَةِ، وإِنَّ مَنَاكِبَهُمْ لَخَارِجَةٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ عَلَيْهَا العَرِشُ، قال ابن زيد: يريد الأربعة. قال ابن زيد: وبلغنا أن رسول الله ﷺ قال: لمَّا خَلَقَهُمُ الله قال: تَدرون لِمَ خلقتكم؟ قالوا: خلقتنا ربنا لما شاء، قال لهم: تحملون عرشي، ثم قال: سَلوني من القوة ما شئتم أَجْعَلُهَا فِيكُم، فقال أحدهم: قد كان عرش ربنا على الماء فاجعلني في قوة الماء، قال: قد جعلت فيك قوة الماء، وقال آخر: اجعل في قوة السماوات، (قال: قد جعلت فيك قوة السماوات. وقال الآخر: اجعل في قوة الأرض والجبال، قال: قد جعلت فيك قوة الأرض والجبال. وقال آخر: اجعل في قوة الرياح)، قال: قد جعلت فيك قوة الرياح.
(ثم) قال: احملوا. قال: فوضعوا العرش على كواهلهم فلم يزولوا. قال: فجاء عِلْمٌ آخر، وإنما كان عِلْمُهُم الذي [سألوه] القوة. فقال لهم: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله [العلي العظيم]. فقالوها، وجعل فيهم من الحول والقوة ما لم يبلغوه بعلمهم فحملوا
وروى ابن وهب عن أبيه أنه قال: أربعة من الملائكة يحملون العرش على أكتافهم، لكل واحد منهم أربعة أوجه: وجه ثور، ووجه [أسد]، ووجه نسر، ووجه إنسان. ولكل واحد منهم أربعة أجنحة: جناحان على وجهه من أن ينظر إلى العرش فيصعق، وجناحان يقف [بهما]. ليس لهم كلام إلا (أن) يقولوا: قدسوا الله القوي الذي ملأت عظمته السماوات والأرض.
وقال عطاء عن مَيْسَرَة [في قوله] ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾، قال: "أرجلهم في التخوم لا يستطيعون أن يرفعوا أبصارهم من شعاع النور".
قال أبو محمد [مؤلفه رضي الله عنه]: ما جاء في القرآن وهذه الأحاديث من النزول والمجيء وشِبْهِ ذلك مضافاً إلى الله جل ذكره [فلا يجب] أن يُتَأَوَّلَ فيه انتقال "ولا حركة" على الله، إذ لا يجوز عليه ذلك، إذ الحركةُ والنقلةُ إنما هما من صفات المخلوقين. وكل ما جاء من هذا فإنما هو صفة من صفات الله لا كما هي من المخلوقين، فأجرها على ما أتت ولا تعتقد ولا تتوهم في ذلك أمراً مما شَهِدْتَهُ في الخلق، إذ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. وقد قال جماعة من العلماء في وصف الله جل ذكره بالمجيء والإتيان والتنزل: إنها أفعال يحدثها الله متى شاء، سماها بذلك، فلا تَتَقَدَّمْ بَيْنَ يَدَيْهِ ولاَ تُكَيِّفْ وَلاَ تُشَبِّهْ، وَتَقُولُ كَمَا قَالَ وتَنْفِي (عنه) - جل ذكره - التَّشْبِيهَ، ولا تَعْتَرِضْ في شيء مما أَتَى في كتابه من ذلك وما روي عن نبيه (منه) ﷺ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾.
[أي]: ذلك اليوم تعرضون أيها الناس على ربكم فلا يخفى عنه من أعمالكم شيء.
وروي أنهم [يعرضون] ثلاث عرضات: قاله أبو موسى الأشعري وابن مسعود، قالا: فعرضتان فيه الخصومات والمقادير، والثالثة [تطاير] الصحف. قال أبو موسى: "فأخذ بيمينه، وأخذ بشماله".
وروى مثل ذلك قتادة عن النبي ﷺ.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ﴾.
أي: فأما من أعطي كتاب عمله بيمينه فيقول: تعالوا﴿ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ﴾.
وقال بعض [أهل اللغة]: أصل "هَاؤُمْ" "هاكم"، ثم أبدل من الكاف واو.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ﴾.
هذا من الظن الذي هو يقين، قوم ظنوا ظناً: فازوا به، وقوم ظنوا ظناً: شقوا [به]، وهو الظن الذي بمعنى الشك.
والمعنى أن المؤمن يقول يوم القيامة حين آَخْذِ كتابه (بيمينه: أيقنت في الدنيا أني ملاق ما عملت إذا وردت يوم القيامة) على ربي.
قال ابن عباس: ظننت: "أيقنت".
قال قتادة: ظَنَّ ظَنّاً يَقِيناً فنفعه الله به، وقال: "ما كان من ظن الآخرة فهو علم" [يريد] من المؤمنين.
* *
- ثم قال: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾.
أي: عيش مرضي، وهو عيش الجنة.
وجعلت "مرضية" نعتاً [للعيشة]؛ لأن ذلك مدح [للعيشة]، كما يقال: "ليل نائم" "وسرٌّ كاتم" و "ماء دافق"، بمعنى "مفعول"؛ لأنه فيه بمعنى المدح، فكان نقله من بناء إلى بناء يدل على المدح أو [الذم]، ولو قلت: "رجل ضارب" بمعنى "مضروب" لم يجز؛ لأنه لا مدح فيه ولا [ذم]، فلا يقع بناء في موقع بناء إلا لمعنى زائد.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
أي: رفيعة المقدار والمكان.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾.
أي: ما يقطف من ثمارها دان، أي: قريب من قاطفه (يقطفه)، فكيف شاء - في حال قيام أو قعود أو اضطجاع - لا يمنعه منه بُعْدٌ، ولا يحول بينه [وبينه] [شوك].
* *
- ثم قال تعالى: ﴿كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ﴾.
أي: كلوا من ثمرات الجنات غير مُكَدَّرٍ ولا منقص عليكم بما تقدم (لكم) من الأعمال الصالحات في الأيام الماضية في الدنيا لأخراكم. قال قتادة: هذه هي الأيام الخالية فانية تؤدي إلى أيام باقية، فاعملوا في هذه الأيام وقَدِّموا فيها خيراً إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله. ويقال: من عمل في الزمان الذي لا بقاء فيه أَوْصَلَهُ إلى نَعِيمِ الزمان الذي لا زَوَالَ لَهُ.
ويقال: إنه الصيام في أيام الدنيا. روي أنه يوضع يوم القيامة للصوام في الدنيا مائدة يأكلون عليها والناس في الحساب، فيقولون يا رب: نحن في الحساب وهؤلاء يأكلون؟ فيقول: إنهم طالما صاموا في الدنيا وأكلتم، وقاموا ونمتم.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ بِشِمَالِهِ﴾
أي: كتاب عمله، ﴿فَيَقُولُ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَٰبِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾.
أي: ولم أدر أي شيء حسابي؟!
* *
- ثم قال: ﴿يٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ﴾.
أي: يا ليت الموتة التي متها في الدنيا كانت هي الفراغ من كل ما بعدها ولم يكن بعد ذلك حياة.
قال قتادة: تمنى الموت ولم يكن في الدنيا شيء أكره إليه من الموت.
* *
- ثم قال: ﴿مَآ أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ﴾.
أي: لم ينفعني [مالي] ولا دفع عني من العذاب شيئاً، فتكون "ما" نافية. ويجوز أن تكون استفهاماً في موضع نصب والتقدير، أي بشيء أغنى عني مالي.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾.
قال [ابن عباس]: ضلت عني كل [بينة] لي (فلم) تغن عني شيئاً. قال عكرمة ومجاهد: سلطاني: حجتي. وقال ابن زيد: ﴿هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ أي: "سلطان الدنيا" وملكها.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾.
هذا أمر من الله لِخُزَّانِ جهنم من الملائكة، أي: خذوا هذا الكافر فغلوا يده إلى عنقه، ثم الجحيم فألقوه وأوردوه (فيها).
* *
﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾.
أي: ثم اسلكوه في سلسلة طولها سبعون ذراعا. وذلك أن تدخل في دبره وتخرج من منخريه. وقيل: تدخل في فِيهِ وتخرج من دبره. وقال محمد بن المنكدر: لو جمع حديدُ الدنيا ما مضى منها وما بقي ما عَدَلَ حلقة من حلق السلسلة.
قال نوف البكالي: الذراع سبعون باعاً أبعد ما بينك وبين مكة وهو يومئذ بالكوفة. قال ابن عباس: ﴿سَبْعُونَ ذِرَاعاً﴾ "بذراع الملك ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ تسلك في دُبره حتى تخرج من منخريه حتى لا يقوم على رجليه".
وروى عبد الله بن عمر وابن العاصي أن رسول الله ﷺ قال: "لَوْ أَنَّ رَصَاصَة مثل هذا - وأشار إلى مثل جمجمة - أُرْسِلَتْ من السماء إلى الأرض - وهي مسيرةُ خَمْسِ مِائَةِ سنة - لبلغت الأرضَ قبل الليل. ولو أنها أُرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفاً - الليلَ والنهارَ - قبل أن [تبلغ] أصلها أو قعرها
وقيل: فاسلكوه، وإنما تسلك السلسلة فيه لأن المعنى مفهوم، مثل قولهم: أدخلت رأسي في القلنسوة، وإنما تدخل [القلنسوة] في الرأس، وشبهه كثير في الكلام.
وقال الفراء: التقدير: فاسلكوه فيها.
وروى نعيم بن حماد عن كعب أنه قال: ينظر الله إلى عبده يوم القيامة فيقول: "خذوه"، فيأخذه مائة ألف ملك حتى يتفتت في أيديهم، فيقول: أما ترحموننا؟! فيقولون: وكيف نرحمك ولم يرحمك أرحم الراحمين؟!.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ﴾.
أي: لا يصدق بتوحيد بالله.
* *
﴿وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾.
ولا يرغب هو ولا يُرَغَّبُ غيرهُ في إطعام أهل المسكنة والحاجة.
الحاقة 69:35
قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ﴾ إلى آخر السورة.
أي: فليس لهذا الكافر - يوم القيامة - قريب ولا صديق ينجيه من عذاب الله. وقيل: المعنى: ليس له في جهنم ماء حار ولا طعام ينتفع به، قاله قطرب.
وقيل: معناه: ليس له في جهنم طعام إلا من غسلين، أي: من صديد أهل النار، وذلك ما يسيل من صديدهم. وقال بعض أهل اللغة: كل جرح غسلته فخرج منه شيء فهو غسلين، وهو "فعلين" من الغسل. قال ابن عباس: غسلين "صديد أهل النار". وقال قتادة: غسلين "شر الطعام وأخبثه وأبشعه". وقال ابن زيد: "الغسلين والزقوم لا يعلم أحد ما هو".
فأما، قوله تعالى في موضع آخر: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] فقد قيل: إن الغسلين من الضريع كما تقول: ما لي طعام إلا الرطب، ما لي طعام (إلا) النخل.
* *
- ثم قال ﴿لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ ٱلْخَاطِئُونَ﴾.
أي: لا يأكل الطعام الذي من غسلين إلا الخاطئون (أي): المذنبون [الذين] ذنوبهم كفر بالله.
* *
- ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * [وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ]﴾.
أي: أقسم [بذلك]، (و "لا" زائدة. وقيل: "لا" رَدٌّ لكلامهم. وَالمعنى: مَا الأمر كما تقولون معشرَ أهل التكذيب بكتاب الله ورسوله، ثم ابتدأ فقال: أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون، أي: أقسم بالأشياء كلها - أي بربها - إن القرآن ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾.
أي: كريم على ربه وهو محمد ﷺ يقرأه ويتلوه عليكم. وقيل: هو جبريل عليه السلام.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ﴾.
أي: وما القرآن بقول شاعر، لأن محمداً لا يحسن قول الشعر فتقولون هو شاعر، قليلا إيمانكم، أي إيماناً قليلاً إيمانكم أو وقتاً قليلاً. وهذا كله خطاب من الله جل ذكره لمشركي قريش.
* *
- ثم قال: ﴿وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾.
أي: وليس هذا القرآن بقول كاهن فيقولون هو من سجع الكهان، قليلاً ما يَعتبرون و [يَذكرون] به.
* *
- ثم قال: ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾.
أي: هو تنزيل من رب العالمين تنزل به جبريل على محمد عليه السلام. وقيل: التقدير: لكنه تنزيل من رب العالمين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ﴾.
أي: لو قال محمد من عند نفسه بعض ما جاءكم به وتَخَرَّصَ علينا.
* *
﴿لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ﴾.
قال ابن عباس: باليمين: بالقوة. (وقيل باليمين): باليد اليمنى، أي: كنا نذله [ونهينه] كما يقول الملك لمن يريد إِذْلاَلَهُ: "خذوا بيده" فاليد هنا في موضع الإهانة. قال إبراهيم بن عرفة: معناه: لأخذنا بيمينه، أي لقبضناها، فمعناه: التصرف. فالمعنى لأخذنا بيمينه ولقطعنا [وتينه]، وهو نياط القلب، لا حياة بعد انقطاعه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿(ثُمَّ) لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ﴾.
قال ابن عباس: "الوتين: نياط القلب"، وعنه: "عرق القلب". وقال مجاهد: هو "حبل القلب الذي في الظهر"، وهو قول قتادة. وقال الضحاك: هو "عرق يكون في القلب، فإذا قطع مات الإنسان". وقال ابن زيد: (هو) "نياط القلب الذي القلب متعلق به"، وهو قول ابن جبير.
والمعنى في الآية: لو كذب علينا ما لم نقل لأهلكناه، فكان بمنزلة من قطع وتينه فلم يعش.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾.
أي: فما منكم - أيها الناس - أحد عن محمد ﷺ يحجزنا إذا أردنا هلاكه وعقوبته. وجمع "حَاجِزِينَ" على معنى "أحد".
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾.
أي: وَإِنَّ هذا القرآن لتذكرة وعظة [يتعظ] بها المتقون، وهم الذين اتقوا الله بأداء فرائضه واجتناب محارمه.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُمْ مُّكَذِّبِينَ﴾.
أي (مكذبين) بهذا القرآن.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ﴾.
أي: وإن التكذيب لحسرة وندامة على الكافرين يوم القيامة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ ٱلْيَقِينِ﴾.
(أي): وإن هذا القرآن لمحض اليقين [و] خالصه، أنه من عند الله لم يتقوله (محمد) من عند نفسه وهذا من إضافة الشيء إلى نفسه عند الكوفيين، وأصله عندهم: "الحق اليقين" على النعت، ثم أضيف (المنعوت) إلى نعته، والنعت هو المنعوت في المعنى، فقد صار من إضافة الشيء إلى نفسه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾.
أي: فسبح بذكر ربك - (يا محمد) -، ﴿ٱلْعَظِيمِ﴾ (أي) الذي كل شيء في عظمته صغير.
الحاقة 69:36
قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ﴾ إلى آخر السورة.
أي: فليس لهذا الكافر - يوم القيامة - قريب ولا صديق ينجيه من عذاب الله. وقيل: المعنى: ليس له في جهنم ماء حار ولا طعام ينتفع به، قاله قطرب.
وقيل: معناه: ليس له في جهنم طعام إلا من غسلين، أي: من صديد أهل النار، وذلك ما يسيل من صديدهم. وقال بعض أهل اللغة: كل جرح غسلته فخرج منه شيء فهو غسلين، وهو "فعلين" من الغسل. قال ابن عباس: غسلين "صديد أهل النار". وقال قتادة: غسلين "شر الطعام وأخبثه وأبشعه". وقال ابن زيد: "الغسلين والزقوم لا يعلم أحد ما هو".
فأما، قوله تعالى في موضع آخر: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] فقد قيل: إن الغسلين من الضريع كما تقول: ما لي طعام إلا الرطب، ما لي طعام (إلا) النخل.
* *
- ثم قال ﴿لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ ٱلْخَاطِئُونَ﴾.
أي: لا يأكل الطعام الذي من غسلين إلا الخاطئون (أي): المذنبون [الذين] ذنوبهم كفر بالله.
* *
- ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * [وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ]﴾.
أي: أقسم [بذلك]، (و "لا" زائدة. وقيل: "لا" رَدٌّ لكلامهم. وَالمعنى: مَا الأمر كما تقولون معشرَ أهل التكذيب بكتاب الله ورسوله، ثم ابتدأ فقال: أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون، أي: أقسم بالأشياء كلها - أي بربها - إن القرآن ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾.
أي: كريم على ربه وهو محمد ﷺ يقرأه ويتلوه عليكم. وقيل: هو جبريل عليه السلام.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ﴾.
أي: وما القرآن بقول شاعر، لأن محمداً لا يحسن قول الشعر فتقولون هو شاعر، قليلا إيمانكم، أي إيماناً قليلاً إيمانكم أو وقتاً قليلاً. وهذا كله خطاب من الله جل ذكره لمشركي قريش.
* *
- ثم قال: ﴿وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾.
أي: وليس هذا القرآن بقول كاهن فيقولون هو من سجع الكهان، قليلاً ما يَعتبرون و [يَذكرون] به.
* *
- ثم قال: ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾.
أي: هو تنزيل من رب العالمين تنزل به جبريل على محمد عليه السلام. وقيل: التقدير: لكنه تنزيل من رب العالمين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ﴾.
أي: لو قال محمد من عند نفسه بعض ما جاءكم به وتَخَرَّصَ علينا.
* *
﴿لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ﴾.
قال ابن عباس: باليمين: بالقوة. (وقيل باليمين): باليد اليمنى، أي: كنا نذله [ونهينه] كما يقول الملك لمن يريد إِذْلاَلَهُ: "خذوا بيده" فاليد هنا في موضع الإهانة. قال إبراهيم بن عرفة: معناه: لأخذنا بيمينه، أي لقبضناها، فمعناه: التصرف. فالمعنى لأخذنا بيمينه ولقطعنا [وتينه]، وهو نياط القلب، لا حياة بعد انقطاعه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿(ثُمَّ) لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ﴾.
قال ابن عباس: "الوتين: نياط القلب"، وعنه: "عرق القلب". وقال مجاهد: هو "حبل القلب الذي في الظهر"، وهو قول قتادة. وقال الضحاك: هو "عرق يكون في القلب، فإذا قطع مات الإنسان". وقال ابن زيد: (هو) "نياط القلب الذي القلب متعلق به"، وهو قول ابن جبير.
والمعنى في الآية: لو كذب علينا ما لم نقل لأهلكناه، فكان بمنزلة من قطع وتينه فلم يعش.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾.
أي: فما منكم - أيها الناس - أحد عن محمد ﷺ يحجزنا إذا أردنا هلاكه وعقوبته. وجمع "حَاجِزِينَ" على معنى "أحد".
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾.
أي: وَإِنَّ هذا القرآن لتذكرة وعظة [يتعظ] بها المتقون، وهم الذين اتقوا الله بأداء فرائضه واجتناب محارمه.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُمْ مُّكَذِّبِينَ﴾.
أي (مكذبين) بهذا القرآن.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ﴾.
أي: وإن التكذيب لحسرة وندامة على الكافرين يوم القيامة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ ٱلْيَقِينِ﴾.
(أي): وإن هذا القرآن لمحض اليقين [و] خالصه، أنه من عند الله لم يتقوله (محمد) من عند نفسه وهذا من إضافة الشيء إلى نفسه عند الكوفيين، وأصله عندهم: "الحق اليقين" على النعت، ثم أضيف (المنعوت) إلى نعته، والنعت هو المنعوت في المعنى، فقد صار من إضافة الشيء إلى نفسه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾.
أي: فسبح بذكر ربك - (يا محمد) -، ﴿ٱلْعَظِيمِ﴾ (أي) الذي كل شيء في عظمته صغير.
الحاقة 69:37
قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ﴾ إلى آخر السورة.
أي: فليس لهذا الكافر - يوم القيامة - قريب ولا صديق ينجيه من عذاب الله. وقيل: المعنى: ليس له في جهنم ماء حار ولا طعام ينتفع به، قاله قطرب.
وقيل: معناه: ليس له في جهنم طعام إلا من غسلين، أي: من صديد أهل النار، وذلك ما يسيل من صديدهم. وقال بعض أهل اللغة: كل جرح غسلته فخرج منه شيء فهو غسلين، وهو "فعلين" من الغسل. قال ابن عباس: غسلين "صديد أهل النار". وقال قتادة: غسلين "شر الطعام وأخبثه وأبشعه". وقال ابن زيد: "الغسلين والزقوم لا يعلم أحد ما هو".
فأما، قوله تعالى في موضع آخر: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] فقد قيل: إن الغسلين من الضريع كما تقول: ما لي طعام إلا الرطب، ما لي طعام (إلا) النخل.
* *
- ثم قال ﴿لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ ٱلْخَاطِئُونَ﴾.
أي: لا يأكل الطعام الذي من غسلين إلا الخاطئون (أي): المذنبون [الذين] ذنوبهم كفر بالله.
* *
- ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * [وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ]﴾.
أي: أقسم [بذلك]، (و "لا" زائدة. وقيل: "لا" رَدٌّ لكلامهم. وَالمعنى: مَا الأمر كما تقولون معشرَ أهل التكذيب بكتاب الله ورسوله، ثم ابتدأ فقال: أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون، أي: أقسم بالأشياء كلها - أي بربها - إن القرآن ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾.
أي: كريم على ربه وهو محمد ﷺ يقرأه ويتلوه عليكم. وقيل: هو جبريل عليه السلام.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ﴾.
أي: وما القرآن بقول شاعر، لأن محمداً لا يحسن قول الشعر فتقولون هو شاعر، قليلا إيمانكم، أي إيماناً قليلاً إيمانكم أو وقتاً قليلاً. وهذا كله خطاب من الله جل ذكره لمشركي قريش.
* *
- ثم قال: ﴿وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾.
أي: وليس هذا القرآن بقول كاهن فيقولون هو من سجع الكهان، قليلاً ما يَعتبرون و [يَذكرون] به.
* *
- ثم قال: ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾.
أي: هو تنزيل من رب العالمين تنزل به جبريل على محمد عليه السلام. وقيل: التقدير: لكنه تنزيل من رب العالمين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ﴾.
أي: لو قال محمد من عند نفسه بعض ما جاءكم به وتَخَرَّصَ علينا.
* *
﴿لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ﴾.
قال ابن عباس: باليمين: بالقوة. (وقيل باليمين): باليد اليمنى، أي: كنا نذله [ونهينه] كما يقول الملك لمن يريد إِذْلاَلَهُ: "خذوا بيده" فاليد هنا في موضع الإهانة. قال إبراهيم بن عرفة: معناه: لأخذنا بيمينه، أي لقبضناها، فمعناه: التصرف. فالمعنى لأخذنا بيمينه ولقطعنا [وتينه]، وهو نياط القلب، لا حياة بعد انقطاعه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿(ثُمَّ) لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ﴾.
قال ابن عباس: "الوتين: نياط القلب"، وعنه: "عرق القلب". وقال مجاهد: هو "حبل القلب الذي في الظهر"، وهو قول قتادة. وقال الضحاك: هو "عرق يكون في القلب، فإذا قطع مات الإنسان". وقال ابن زيد: (هو) "نياط القلب الذي القلب متعلق به"، وهو قول ابن جبير.
والمعنى في الآية: لو كذب علينا ما لم نقل لأهلكناه، فكان بمنزلة من قطع وتينه فلم يعش.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾.
أي: فما منكم - أيها الناس - أحد عن محمد ﷺ يحجزنا إذا أردنا هلاكه وعقوبته. وجمع "حَاجِزِينَ" على معنى "أحد".
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾.
أي: وَإِنَّ هذا القرآن لتذكرة وعظة [يتعظ] بها المتقون، وهم الذين اتقوا الله بأداء فرائضه واجتناب محارمه.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُمْ مُّكَذِّبِينَ﴾.
أي (مكذبين) بهذا القرآن.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ﴾.
أي: وإن التكذيب لحسرة وندامة على الكافرين يوم القيامة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ ٱلْيَقِينِ﴾.
(أي): وإن هذا القرآن لمحض اليقين [و] خالصه، أنه من عند الله لم يتقوله (محمد) من عند نفسه وهذا من إضافة الشيء إلى نفسه عند الكوفيين، وأصله عندهم: "الحق اليقين" على النعت، ثم أضيف (المنعوت) إلى نعته، والنعت هو المنعوت في المعنى، فقد صار من إضافة الشيء إلى نفسه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾.
أي: فسبح بذكر ربك - (يا محمد) -، ﴿ٱلْعَظِيمِ﴾ (أي) الذي كل شيء في عظمته صغير.
الحاقة 69:38
قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ﴾ إلى آخر السورة.
أي: فليس لهذا الكافر - يوم القيامة - قريب ولا صديق ينجيه من عذاب الله. وقيل: المعنى: ليس له في جهنم ماء حار ولا طعام ينتفع به، قاله قطرب.
وقيل: معناه: ليس له في جهنم طعام إلا من غسلين، أي: من صديد أهل النار، وذلك ما يسيل من صديدهم. وقال بعض أهل اللغة: كل جرح غسلته فخرج منه شيء فهو غسلين، وهو "فعلين" من الغسل. قال ابن عباس: غسلين "صديد أهل النار". وقال قتادة: غسلين "شر الطعام وأخبثه وأبشعه". وقال ابن زيد: "الغسلين والزقوم لا يعلم أحد ما هو".
فأما، قوله تعالى في موضع آخر: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] فقد قيل: إن الغسلين من الضريع كما تقول: ما لي طعام إلا الرطب، ما لي طعام (إلا) النخل.
* *
- ثم قال ﴿لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ ٱلْخَاطِئُونَ﴾.
أي: لا يأكل الطعام الذي من غسلين إلا الخاطئون (أي): المذنبون [الذين] ذنوبهم كفر بالله.
* *
- ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * [وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ]﴾.
أي: أقسم [بذلك]، (و "لا" زائدة. وقيل: "لا" رَدٌّ لكلامهم. وَالمعنى: مَا الأمر كما تقولون معشرَ أهل التكذيب بكتاب الله ورسوله، ثم ابتدأ فقال: أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون، أي: أقسم بالأشياء كلها - أي بربها - إن القرآن ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾.
أي: كريم على ربه وهو محمد ﷺ يقرأه ويتلوه عليكم. وقيل: هو جبريل عليه السلام.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ﴾.
أي: وما القرآن بقول شاعر، لأن محمداً لا يحسن قول الشعر فتقولون هو شاعر، قليلا إيمانكم، أي إيماناً قليلاً إيمانكم أو وقتاً قليلاً. وهذا كله خطاب من الله جل ذكره لمشركي قريش.
* *
- ثم قال: ﴿وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾.
أي: وليس هذا القرآن بقول كاهن فيقولون هو من سجع الكهان، قليلاً ما يَعتبرون و [يَذكرون] به.
* *
- ثم قال: ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾.
أي: هو تنزيل من رب العالمين تنزل به جبريل على محمد عليه السلام. وقيل: التقدير: لكنه تنزيل من رب العالمين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ﴾.
أي: لو قال محمد من عند نفسه بعض ما جاءكم به وتَخَرَّصَ علينا.
* *
﴿لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ﴾.
قال ابن عباس: باليمين: بالقوة. (وقيل باليمين): باليد اليمنى، أي: كنا نذله [ونهينه] كما يقول الملك لمن يريد إِذْلاَلَهُ: "خذوا بيده" فاليد هنا في موضع الإهانة. قال إبراهيم بن عرفة: معناه: لأخذنا بيمينه، أي لقبضناها، فمعناه: التصرف. فالمعنى لأخذنا بيمينه ولقطعنا [وتينه]، وهو نياط القلب، لا حياة بعد انقطاعه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿(ثُمَّ) لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ﴾.
قال ابن عباس: "الوتين: نياط القلب"، وعنه: "عرق القلب". وقال مجاهد: هو "حبل القلب الذي في الظهر"، وهو قول قتادة. وقال الضحاك: هو "عرق يكون في القلب، فإذا قطع مات الإنسان". وقال ابن زيد: (هو) "نياط القلب الذي القلب متعلق به"، وهو قول ابن جبير.
والمعنى في الآية: لو كذب علينا ما لم نقل لأهلكناه، فكان بمنزلة من قطع وتينه فلم يعش.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾.
أي: فما منكم - أيها الناس - أحد عن محمد ﷺ يحجزنا إذا أردنا هلاكه وعقوبته. وجمع "حَاجِزِينَ" على معنى "أحد".
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾.
أي: وَإِنَّ هذا القرآن لتذكرة وعظة [يتعظ] بها المتقون، وهم الذين اتقوا الله بأداء فرائضه واجتناب محارمه.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُمْ مُّكَذِّبِينَ﴾.
أي (مكذبين) بهذا القرآن.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ﴾.
أي: وإن التكذيب لحسرة وندامة على الكافرين يوم القيامة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ ٱلْيَقِينِ﴾.
(أي): وإن هذا القرآن لمحض اليقين [و] خالصه، أنه من عند الله لم يتقوله (محمد) من عند نفسه وهذا من إضافة الشيء إلى نفسه عند الكوفيين، وأصله عندهم: "الحق اليقين" على النعت، ثم أضيف (المنعوت) إلى نعته، والنعت هو المنعوت في المعنى، فقد صار من إضافة الشيء إلى نفسه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾.
أي: فسبح بذكر ربك - (يا محمد) -، ﴿ٱلْعَظِيمِ﴾ (أي) الذي كل شيء في عظمته صغير.
الحاقة 69:39
قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ﴾ إلى آخر السورة.
أي: فليس لهذا الكافر - يوم القيامة - قريب ولا صديق ينجيه من عذاب الله. وقيل: المعنى: ليس له في جهنم ماء حار ولا طعام ينتفع به، قاله قطرب.
وقيل: معناه: ليس له في جهنم طعام إلا من غسلين، أي: من صديد أهل النار، وذلك ما يسيل من صديدهم. وقال بعض أهل اللغة: كل جرح غسلته فخرج منه شيء فهو غسلين، وهو "فعلين" من الغسل. قال ابن عباس: غسلين "صديد أهل النار". وقال قتادة: غسلين "شر الطعام وأخبثه وأبشعه". وقال ابن زيد: "الغسلين والزقوم لا يعلم أحد ما هو".
فأما، قوله تعالى في موضع آخر: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] فقد قيل: إن الغسلين من الضريع كما تقول: ما لي طعام إلا الرطب، ما لي طعام (إلا) النخل.
* *
- ثم قال ﴿لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ ٱلْخَاطِئُونَ﴾.
أي: لا يأكل الطعام الذي من غسلين إلا الخاطئون (أي): المذنبون [الذين] ذنوبهم كفر بالله.
* *
- ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * [وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ]﴾.
أي: أقسم [بذلك]، (و "لا" زائدة. وقيل: "لا" رَدٌّ لكلامهم. وَالمعنى: مَا الأمر كما تقولون معشرَ أهل التكذيب بكتاب الله ورسوله، ثم ابتدأ فقال: أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون، أي: أقسم بالأشياء كلها - أي بربها - إن القرآن ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾.
أي: كريم على ربه وهو محمد ﷺ يقرأه ويتلوه عليكم. وقيل: هو جبريل عليه السلام.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ﴾.
أي: وما القرآن بقول شاعر، لأن محمداً لا يحسن قول الشعر فتقولون هو شاعر، قليلا إيمانكم، أي إيماناً قليلاً إيمانكم أو وقتاً قليلاً. وهذا كله خطاب من الله جل ذكره لمشركي قريش.
* *
- ثم قال: ﴿وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾.
أي: وليس هذا القرآن بقول كاهن فيقولون هو من سجع الكهان، قليلاً ما يَعتبرون و [يَذكرون] به.
* *
- ثم قال: ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾.
أي: هو تنزيل من رب العالمين تنزل به جبريل على محمد عليه السلام. وقيل: التقدير: لكنه تنزيل من رب العالمين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ﴾.
أي: لو قال محمد من عند نفسه بعض ما جاءكم به وتَخَرَّصَ علينا.
* *
﴿لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ﴾.
قال ابن عباس: باليمين: بالقوة. (وقيل باليمين): باليد اليمنى، أي: كنا نذله [ونهينه] كما يقول الملك لمن يريد إِذْلاَلَهُ: "خذوا بيده" فاليد هنا في موضع الإهانة. قال إبراهيم بن عرفة: معناه: لأخذنا بيمينه، أي لقبضناها، فمعناه: التصرف. فالمعنى لأخذنا بيمينه ولقطعنا [وتينه]، وهو نياط القلب، لا حياة بعد انقطاعه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿(ثُمَّ) لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ﴾.
قال ابن عباس: "الوتين: نياط القلب"، وعنه: "عرق القلب". وقال مجاهد: هو "حبل القلب الذي في الظهر"، وهو قول قتادة. وقال الضحاك: هو "عرق يكون في القلب، فإذا قطع مات الإنسان". وقال ابن زيد: (هو) "نياط القلب الذي القلب متعلق به"، وهو قول ابن جبير.
والمعنى في الآية: لو كذب علينا ما لم نقل لأهلكناه، فكان بمنزلة من قطع وتينه فلم يعش.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾.
أي: فما منكم - أيها الناس - أحد عن محمد ﷺ يحجزنا إذا أردنا هلاكه وعقوبته. وجمع "حَاجِزِينَ" على معنى "أحد".
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾.
أي: وَإِنَّ هذا القرآن لتذكرة وعظة [يتعظ] بها المتقون، وهم الذين اتقوا الله بأداء فرائضه واجتناب محارمه.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُمْ مُّكَذِّبِينَ﴾.
أي (مكذبين) بهذا القرآن.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ﴾.
أي: وإن التكذيب لحسرة وندامة على الكافرين يوم القيامة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ ٱلْيَقِينِ﴾.
(أي): وإن هذا القرآن لمحض اليقين [و] خالصه، أنه من عند الله لم يتقوله (محمد) من عند نفسه وهذا من إضافة الشيء إلى نفسه عند الكوفيين، وأصله عندهم: "الحق اليقين" على النعت، ثم أضيف (المنعوت) إلى نعته، والنعت هو المنعوت في المعنى، فقد صار من إضافة الشيء إلى نفسه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾.
أي: فسبح بذكر ربك - (يا محمد) -، ﴿ٱلْعَظِيمِ﴾ (أي) الذي كل شيء في عظمته صغير.
الحاقة 69:40
قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ﴾ إلى آخر السورة.
أي: فليس لهذا الكافر - يوم القيامة - قريب ولا صديق ينجيه من عذاب الله. وقيل: المعنى: ليس له في جهنم ماء حار ولا طعام ينتفع به، قاله قطرب.
وقيل: معناه: ليس له في جهنم طعام إلا من غسلين، أي: من صديد أهل النار، وذلك ما يسيل من صديدهم. وقال بعض أهل اللغة: كل جرح غسلته فخرج منه شيء فهو غسلين، وهو "فعلين" من الغسل. قال ابن عباس: غسلين "صديد أهل النار". وقال قتادة: غسلين "شر الطعام وأخبثه وأبشعه". وقال ابن زيد: "الغسلين والزقوم لا يعلم أحد ما هو".
فأما، قوله تعالى في موضع آخر: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] فقد قيل: إن الغسلين من الضريع كما تقول: ما لي طعام إلا الرطب، ما لي طعام (إلا) النخل.
* *
- ثم قال ﴿لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ ٱلْخَاطِئُونَ﴾.
أي: لا يأكل الطعام الذي من غسلين إلا الخاطئون (أي): المذنبون [الذين] ذنوبهم كفر بالله.
* *
- ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * [وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ]﴾.
أي: أقسم [بذلك]، (و "لا" زائدة. وقيل: "لا" رَدٌّ لكلامهم. وَالمعنى: مَا الأمر كما تقولون معشرَ أهل التكذيب بكتاب الله ورسوله، ثم ابتدأ فقال: أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون، أي: أقسم بالأشياء كلها - أي بربها - إن القرآن ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾.
أي: كريم على ربه وهو محمد ﷺ يقرأه ويتلوه عليكم. وقيل: هو جبريل عليه السلام.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ﴾.
أي: وما القرآن بقول شاعر، لأن محمداً لا يحسن قول الشعر فتقولون هو شاعر، قليلا إيمانكم، أي إيماناً قليلاً إيمانكم أو وقتاً قليلاً. وهذا كله خطاب من الله جل ذكره لمشركي قريش.
* *
- ثم قال: ﴿وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾.
أي: وليس هذا القرآن بقول كاهن فيقولون هو من سجع الكهان، قليلاً ما يَعتبرون و [يَذكرون] به.
* *
- ثم قال: ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾.
أي: هو تنزيل من رب العالمين تنزل به جبريل على محمد عليه السلام. وقيل: التقدير: لكنه تنزيل من رب العالمين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ﴾.
أي: لو قال محمد من عند نفسه بعض ما جاءكم به وتَخَرَّصَ علينا.
* *
﴿لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ﴾.
قال ابن عباس: باليمين: بالقوة. (وقيل باليمين): باليد اليمنى، أي: كنا نذله [ونهينه] كما يقول الملك لمن يريد إِذْلاَلَهُ: "خذوا بيده" فاليد هنا في موضع الإهانة. قال إبراهيم بن عرفة: معناه: لأخذنا بيمينه، أي لقبضناها، فمعناه: التصرف. فالمعنى لأخذنا بيمينه ولقطعنا [وتينه]، وهو نياط القلب، لا حياة بعد انقطاعه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿(ثُمَّ) لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ﴾.
قال ابن عباس: "الوتين: نياط القلب"، وعنه: "عرق القلب". وقال مجاهد: هو "حبل القلب الذي في الظهر"، وهو قول قتادة. وقال الضحاك: هو "عرق يكون في القلب، فإذا قطع مات الإنسان". وقال ابن زيد: (هو) "نياط القلب الذي القلب متعلق به"، وهو قول ابن جبير.
والمعنى في الآية: لو كذب علينا ما لم نقل لأهلكناه، فكان بمنزلة من قطع وتينه فلم يعش.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾.
أي: فما منكم - أيها الناس - أحد عن محمد ﷺ يحجزنا إذا أردنا هلاكه وعقوبته. وجمع "حَاجِزِينَ" على معنى "أحد".
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾.
أي: وَإِنَّ هذا القرآن لتذكرة وعظة [يتعظ] بها المتقون، وهم الذين اتقوا الله بأداء فرائضه واجتناب محارمه.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُمْ مُّكَذِّبِينَ﴾.
أي (مكذبين) بهذا القرآن.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ﴾.
أي: وإن التكذيب لحسرة وندامة على الكافرين يوم القيامة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ ٱلْيَقِينِ﴾.
(أي): وإن هذا القرآن لمحض اليقين [و] خالصه، أنه من عند الله لم يتقوله (محمد) من عند نفسه وهذا من إضافة الشيء إلى نفسه عند الكوفيين، وأصله عندهم: "الحق اليقين" على النعت، ثم أضيف (المنعوت) إلى نعته، والنعت هو المنعوت في المعنى، فقد صار من إضافة الشيء إلى نفسه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾.
أي: فسبح بذكر ربك - (يا محمد) -، ﴿ٱلْعَظِيمِ﴾ (أي) الذي كل شيء في عظمته صغير.
الحاقة 69:41
قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ﴾ إلى آخر السورة.
أي: فليس لهذا الكافر - يوم القيامة - قريب ولا صديق ينجيه من عذاب الله. وقيل: المعنى: ليس له في جهنم ماء حار ولا طعام ينتفع به، قاله قطرب.
وقيل: معناه: ليس له في جهنم طعام إلا من غسلين، أي: من صديد أهل النار، وذلك ما يسيل من صديدهم. وقال بعض أهل اللغة: كل جرح غسلته فخرج منه شيء فهو غسلين، وهو "فعلين" من الغسل. قال ابن عباس: غسلين "صديد أهل النار". وقال قتادة: غسلين "شر الطعام وأخبثه وأبشعه". وقال ابن زيد: "الغسلين والزقوم لا يعلم أحد ما هو".
فأما، قوله تعالى في موضع آخر: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] فقد قيل: إن الغسلين من الضريع كما تقول: ما لي طعام إلا الرطب، ما لي طعام (إلا) النخل.
* *
- ثم قال ﴿لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ ٱلْخَاطِئُونَ﴾.
أي: لا يأكل الطعام الذي من غسلين إلا الخاطئون (أي): المذنبون [الذين] ذنوبهم كفر بالله.
* *
- ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * [وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ]﴾.
أي: أقسم [بذلك]، (و "لا" زائدة. وقيل: "لا" رَدٌّ لكلامهم. وَالمعنى: مَا الأمر كما تقولون معشرَ أهل التكذيب بكتاب الله ورسوله، ثم ابتدأ فقال: أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون، أي: أقسم بالأشياء كلها - أي بربها - إن القرآن ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾.
أي: كريم على ربه وهو محمد ﷺ يقرأه ويتلوه عليكم. وقيل: هو جبريل عليه السلام.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ﴾.
أي: وما القرآن بقول شاعر، لأن محمداً لا يحسن قول الشعر فتقولون هو شاعر، قليلا إيمانكم، أي إيماناً قليلاً إيمانكم أو وقتاً قليلاً. وهذا كله خطاب من الله جل ذكره لمشركي قريش.
* *
- ثم قال: ﴿وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾.
أي: وليس هذا القرآن بقول كاهن فيقولون هو من سجع الكهان، قليلاً ما يَعتبرون و [يَذكرون] به.
* *
- ثم قال: ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾.
أي: هو تنزيل من رب العالمين تنزل به جبريل على محمد عليه السلام. وقيل: التقدير: لكنه تنزيل من رب العالمين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ﴾.
أي: لو قال محمد من عند نفسه بعض ما جاءكم به وتَخَرَّصَ علينا.
* *
﴿لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ﴾.
قال ابن عباس: باليمين: بالقوة. (وقيل باليمين): باليد اليمنى، أي: كنا نذله [ونهينه] كما يقول الملك لمن يريد إِذْلاَلَهُ: "خذوا بيده" فاليد هنا في موضع الإهانة. قال إبراهيم بن عرفة: معناه: لأخذنا بيمينه، أي لقبضناها، فمعناه: التصرف. فالمعنى لأخذنا بيمينه ولقطعنا [وتينه]، وهو نياط القلب، لا حياة بعد انقطاعه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿(ثُمَّ) لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ﴾.
قال ابن عباس: "الوتين: نياط القلب"، وعنه: "عرق القلب". وقال مجاهد: هو "حبل القلب الذي في الظهر"، وهو قول قتادة. وقال الضحاك: هو "عرق يكون في القلب، فإذا قطع مات الإنسان". وقال ابن زيد: (هو) "نياط القلب الذي القلب متعلق به"، وهو قول ابن جبير.
والمعنى في الآية: لو كذب علينا ما لم نقل لأهلكناه، فكان بمنزلة من قطع وتينه فلم يعش.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾.
أي: فما منكم - أيها الناس - أحد عن محمد ﷺ يحجزنا إذا أردنا هلاكه وعقوبته. وجمع "حَاجِزِينَ" على معنى "أحد".
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾.
أي: وَإِنَّ هذا القرآن لتذكرة وعظة [يتعظ] بها المتقون، وهم الذين اتقوا الله بأداء فرائضه واجتناب محارمه.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُمْ مُّكَذِّبِينَ﴾.
أي (مكذبين) بهذا القرآن.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ﴾.
أي: وإن التكذيب لحسرة وندامة على الكافرين يوم القيامة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ ٱلْيَقِينِ﴾.
(أي): وإن هذا القرآن لمحض اليقين [و] خالصه، أنه من عند الله لم يتقوله (محمد) من عند نفسه وهذا من إضافة الشيء إلى نفسه عند الكوفيين، وأصله عندهم: "الحق اليقين" على النعت، ثم أضيف (المنعوت) إلى نعته، والنعت هو المنعوت في المعنى، فقد صار من إضافة الشيء إلى نفسه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾.
أي: فسبح بذكر ربك - (يا محمد) -، ﴿ٱلْعَظِيمِ﴾ (أي) الذي كل شيء في عظمته صغير.
الحاقة 69:42
قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ﴾ إلى آخر السورة.
أي: فليس لهذا الكافر - يوم القيامة - قريب ولا صديق ينجيه من عذاب الله. وقيل: المعنى: ليس له في جهنم ماء حار ولا طعام ينتفع به، قاله قطرب.
وقيل: معناه: ليس له في جهنم طعام إلا من غسلين، أي: من صديد أهل النار، وذلك ما يسيل من صديدهم. وقال بعض أهل اللغة: كل جرح غسلته فخرج منه شيء فهو غسلين، وهو "فعلين" من الغسل. قال ابن عباس: غسلين "صديد أهل النار". وقال قتادة: غسلين "شر الطعام وأخبثه وأبشعه". وقال ابن زيد: "الغسلين والزقوم لا يعلم أحد ما هو".
فأما، قوله تعالى في موضع آخر: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] فقد قيل: إن الغسلين من الضريع كما تقول: ما لي طعام إلا الرطب، ما لي طعام (إلا) النخل.
* *
- ثم قال ﴿لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ ٱلْخَاطِئُونَ﴾.
أي: لا يأكل الطعام الذي من غسلين إلا الخاطئون (أي): المذنبون [الذين] ذنوبهم كفر بالله.
* *
- ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * [وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ]﴾.
أي: أقسم [بذلك]، (و "لا" زائدة. وقيل: "لا" رَدٌّ لكلامهم. وَالمعنى: مَا الأمر كما تقولون معشرَ أهل التكذيب بكتاب الله ورسوله، ثم ابتدأ فقال: أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون، أي: أقسم بالأشياء كلها - أي بربها - إن القرآن ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾.
أي: كريم على ربه وهو محمد ﷺ يقرأه ويتلوه عليكم. وقيل: هو جبريل عليه السلام.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ﴾.
أي: وما القرآن بقول شاعر، لأن محمداً لا يحسن قول الشعر فتقولون هو شاعر، قليلا إيمانكم، أي إيماناً قليلاً إيمانكم أو وقتاً قليلاً. وهذا كله خطاب من الله جل ذكره لمشركي قريش.
* *
- ثم قال: ﴿وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾.
أي: وليس هذا القرآن بقول كاهن فيقولون هو من سجع الكهان، قليلاً ما يَعتبرون و [يَذكرون] به.
* *
- ثم قال: ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾.
أي: هو تنزيل من رب العالمين تنزل به جبريل على محمد عليه السلام. وقيل: التقدير: لكنه تنزيل من رب العالمين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ﴾.
أي: لو قال محمد من عند نفسه بعض ما جاءكم به وتَخَرَّصَ علينا.
* *
﴿لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ﴾.
قال ابن عباس: باليمين: بالقوة. (وقيل باليمين): باليد اليمنى، أي: كنا نذله [ونهينه] كما يقول الملك لمن يريد إِذْلاَلَهُ: "خذوا بيده" فاليد هنا في موضع الإهانة. قال إبراهيم بن عرفة: معناه: لأخذنا بيمينه، أي لقبضناها، فمعناه: التصرف. فالمعنى لأخذنا بيمينه ولقطعنا [وتينه]، وهو نياط القلب، لا حياة بعد انقطاعه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿(ثُمَّ) لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ﴾.
قال ابن عباس: "الوتين: نياط القلب"، وعنه: "عرق القلب". وقال مجاهد: هو "حبل القلب الذي في الظهر"، وهو قول قتادة. وقال الضحاك: هو "عرق يكون في القلب، فإذا قطع مات الإنسان". وقال ابن زيد: (هو) "نياط القلب الذي القلب متعلق به"، وهو قول ابن جبير.
والمعنى في الآية: لو كذب علينا ما لم نقل لأهلكناه، فكان بمنزلة من قطع وتينه فلم يعش.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾.
أي: فما منكم - أيها الناس - أحد عن محمد ﷺ يحجزنا إذا أردنا هلاكه وعقوبته. وجمع "حَاجِزِينَ" على معنى "أحد".
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾.
أي: وَإِنَّ هذا القرآن لتذكرة وعظة [يتعظ] بها المتقون، وهم الذين اتقوا الله بأداء فرائضه واجتناب محارمه.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُمْ مُّكَذِّبِينَ﴾.
أي (مكذبين) بهذا القرآن.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ﴾.
أي: وإن التكذيب لحسرة وندامة على الكافرين يوم القيامة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ ٱلْيَقِينِ﴾.
(أي): وإن هذا القرآن لمحض اليقين [و] خالصه، أنه من عند الله لم يتقوله (محمد) من عند نفسه وهذا من إضافة الشيء إلى نفسه عند الكوفيين، وأصله عندهم: "الحق اليقين" على النعت، ثم أضيف (المنعوت) إلى نعته، والنعت هو المنعوت في المعنى، فقد صار من إضافة الشيء إلى نفسه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾.
أي: فسبح بذكر ربك - (يا محمد) -، ﴿ٱلْعَظِيمِ﴾ (أي) الذي كل شيء في عظمته صغير.
الحاقة 69:43
قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ﴾ إلى آخر السورة.
أي: فليس لهذا الكافر - يوم القيامة - قريب ولا صديق ينجيه من عذاب الله. وقيل: المعنى: ليس له في جهنم ماء حار ولا طعام ينتفع به، قاله قطرب.
وقيل: معناه: ليس له في جهنم طعام إلا من غسلين، أي: من صديد أهل النار، وذلك ما يسيل من صديدهم. وقال بعض أهل اللغة: كل جرح غسلته فخرج منه شيء فهو غسلين، وهو "فعلين" من الغسل. قال ابن عباس: غسلين "صديد أهل النار". وقال قتادة: غسلين "شر الطعام وأخبثه وأبشعه". وقال ابن زيد: "الغسلين والزقوم لا يعلم أحد ما هو".
فأما، قوله تعالى في موضع آخر: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] فقد قيل: إن الغسلين من الضريع كما تقول: ما لي طعام إلا الرطب، ما لي طعام (إلا) النخل.
* *
- ثم قال ﴿لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ ٱلْخَاطِئُونَ﴾.
أي: لا يأكل الطعام الذي من غسلين إلا الخاطئون (أي): المذنبون [الذين] ذنوبهم كفر بالله.
* *
- ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * [وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ]﴾.
أي: أقسم [بذلك]، (و "لا" زائدة. وقيل: "لا" رَدٌّ لكلامهم. وَالمعنى: مَا الأمر كما تقولون معشرَ أهل التكذيب بكتاب الله ورسوله، ثم ابتدأ فقال: أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون، أي: أقسم بالأشياء كلها - أي بربها - إن القرآن ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾.
أي: كريم على ربه وهو محمد ﷺ يقرأه ويتلوه عليكم. وقيل: هو جبريل عليه السلام.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ﴾.
أي: وما القرآن بقول شاعر، لأن محمداً لا يحسن قول الشعر فتقولون هو شاعر، قليلا إيمانكم، أي إيماناً قليلاً إيمانكم أو وقتاً قليلاً. وهذا كله خطاب من الله جل ذكره لمشركي قريش.
* *
- ثم قال: ﴿وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾.
أي: وليس هذا القرآن بقول كاهن فيقولون هو من سجع الكهان، قليلاً ما يَعتبرون و [يَذكرون] به.
* *
- ثم قال: ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾.
أي: هو تنزيل من رب العالمين تنزل به جبريل على محمد عليه السلام. وقيل: التقدير: لكنه تنزيل من رب العالمين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ﴾.
أي: لو قال محمد من عند نفسه بعض ما جاءكم به وتَخَرَّصَ علينا.
* *
﴿لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ﴾.
قال ابن عباس: باليمين: بالقوة. (وقيل باليمين): باليد اليمنى، أي: كنا نذله [ونهينه] كما يقول الملك لمن يريد إِذْلاَلَهُ: "خذوا بيده" فاليد هنا في موضع الإهانة. قال إبراهيم بن عرفة: معناه: لأخذنا بيمينه، أي لقبضناها، فمعناه: التصرف. فالمعنى لأخذنا بيمينه ولقطعنا [وتينه]، وهو نياط القلب، لا حياة بعد انقطاعه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿(ثُمَّ) لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ﴾.
قال ابن عباس: "الوتين: نياط القلب"، وعنه: "عرق القلب". وقال مجاهد: هو "حبل القلب الذي في الظهر"، وهو قول قتادة. وقال الضحاك: هو "عرق يكون في القلب، فإذا قطع مات الإنسان". وقال ابن زيد: (هو) "نياط القلب الذي القلب متعلق به"، وهو قول ابن جبير.
والمعنى في الآية: لو كذب علينا ما لم نقل لأهلكناه، فكان بمنزلة من قطع وتينه فلم يعش.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾.
أي: فما منكم - أيها الناس - أحد عن محمد ﷺ يحجزنا إذا أردنا هلاكه وعقوبته. وجمع "حَاجِزِينَ" على معنى "أحد".
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾.
أي: وَإِنَّ هذا القرآن لتذكرة وعظة [يتعظ] بها المتقون، وهم الذين اتقوا الله بأداء فرائضه واجتناب محارمه.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُمْ مُّكَذِّبِينَ﴾.
أي (مكذبين) بهذا القرآن.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ﴾.
أي: وإن التكذيب لحسرة وندامة على الكافرين يوم القيامة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ ٱلْيَقِينِ﴾.
(أي): وإن هذا القرآن لمحض اليقين [و] خالصه، أنه من عند الله لم يتقوله (محمد) من عند نفسه وهذا من إضافة الشيء إلى نفسه عند الكوفيين، وأصله عندهم: "الحق اليقين" على النعت، ثم أضيف (المنعوت) إلى نعته، والنعت هو المنعوت في المعنى، فقد صار من إضافة الشيء إلى نفسه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾.
أي: فسبح بذكر ربك - (يا محمد) -، ﴿ٱلْعَظِيمِ﴾ (أي) الذي كل شيء في عظمته صغير.
الحاقة 69:44
قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ﴾ إلى آخر السورة.
أي: فليس لهذا الكافر - يوم القيامة - قريب ولا صديق ينجيه من عذاب الله. وقيل: المعنى: ليس له في جهنم ماء حار ولا طعام ينتفع به، قاله قطرب.
وقيل: معناه: ليس له في جهنم طعام إلا من غسلين، أي: من صديد أهل النار، وذلك ما يسيل من صديدهم. وقال بعض أهل اللغة: كل جرح غسلته فخرج منه شيء فهو غسلين، وهو "فعلين" من الغسل. قال ابن عباس: غسلين "صديد أهل النار". وقال قتادة: غسلين "شر الطعام وأخبثه وأبشعه". وقال ابن زيد: "الغسلين والزقوم لا يعلم أحد ما هو".
فأما، قوله تعالى في موضع آخر: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] فقد قيل: إن الغسلين من الضريع كما تقول: ما لي طعام إلا الرطب، ما لي طعام (إلا) النخل.
* *
- ثم قال ﴿لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ ٱلْخَاطِئُونَ﴾.
أي: لا يأكل الطعام الذي من غسلين إلا الخاطئون (أي): المذنبون [الذين] ذنوبهم كفر بالله.
* *
- ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * [وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ]﴾.
أي: أقسم [بذلك]، (و "لا" زائدة. وقيل: "لا" رَدٌّ لكلامهم. وَالمعنى: مَا الأمر كما تقولون معشرَ أهل التكذيب بكتاب الله ورسوله، ثم ابتدأ فقال: أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون، أي: أقسم بالأشياء كلها - أي بربها - إن القرآن ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾.
أي: كريم على ربه وهو محمد ﷺ يقرأه ويتلوه عليكم. وقيل: هو جبريل عليه السلام.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ﴾.
أي: وما القرآن بقول شاعر، لأن محمداً لا يحسن قول الشعر فتقولون هو شاعر، قليلا إيمانكم، أي إيماناً قليلاً إيمانكم أو وقتاً قليلاً. وهذا كله خطاب من الله جل ذكره لمشركي قريش.
* *
- ثم قال: ﴿وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾.
أي: وليس هذا القرآن بقول كاهن فيقولون هو من سجع الكهان، قليلاً ما يَعتبرون و [يَذكرون] به.
* *
- ثم قال: ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾.
أي: هو تنزيل من رب العالمين تنزل به جبريل على محمد عليه السلام. وقيل: التقدير: لكنه تنزيل من رب العالمين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ﴾.
أي: لو قال محمد من عند نفسه بعض ما جاءكم به وتَخَرَّصَ علينا.
* *
﴿لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ﴾.
قال ابن عباس: باليمين: بالقوة. (وقيل باليمين): باليد اليمنى، أي: كنا نذله [ونهينه] كما يقول الملك لمن يريد إِذْلاَلَهُ: "خذوا بيده" فاليد هنا في موضع الإهانة. قال إبراهيم بن عرفة: معناه: لأخذنا بيمينه، أي لقبضناها، فمعناه: التصرف. فالمعنى لأخذنا بيمينه ولقطعنا [وتينه]، وهو نياط القلب، لا حياة بعد انقطاعه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿(ثُمَّ) لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ﴾.
قال ابن عباس: "الوتين: نياط القلب"، وعنه: "عرق القلب". وقال مجاهد: هو "حبل القلب الذي في الظهر"، وهو قول قتادة. وقال الضحاك: هو "عرق يكون في القلب، فإذا قطع مات الإنسان". وقال ابن زيد: (هو) "نياط القلب الذي القلب متعلق به"، وهو قول ابن جبير.
والمعنى في الآية: لو كذب علينا ما لم نقل لأهلكناه، فكان بمنزلة من قطع وتينه فلم يعش.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾.
أي: فما منكم - أيها الناس - أحد عن محمد ﷺ يحجزنا إذا أردنا هلاكه وعقوبته. وجمع "حَاجِزِينَ" على معنى "أحد".
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾.
أي: وَإِنَّ هذا القرآن لتذكرة وعظة [يتعظ] بها المتقون، وهم الذين اتقوا الله بأداء فرائضه واجتناب محارمه.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُمْ مُّكَذِّبِينَ﴾.
أي (مكذبين) بهذا القرآن.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ﴾.
أي: وإن التكذيب لحسرة وندامة على الكافرين يوم القيامة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ ٱلْيَقِينِ﴾.
(أي): وإن هذا القرآن لمحض اليقين [و] خالصه، أنه من عند الله لم يتقوله (محمد) من عند نفسه وهذا من إضافة الشيء إلى نفسه عند الكوفيين، وأصله عندهم: "الحق اليقين" على النعت، ثم أضيف (المنعوت) إلى نعته، والنعت هو المنعوت في المعنى، فقد صار من إضافة الشيء إلى نفسه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾.
أي: فسبح بذكر ربك - (يا محمد) -، ﴿ٱلْعَظِيمِ﴾ (أي) الذي كل شيء في عظمته صغير.
الحاقة 69:45
قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ﴾ إلى آخر السورة.
أي: فليس لهذا الكافر - يوم القيامة - قريب ولا صديق ينجيه من عذاب الله. وقيل: المعنى: ليس له في جهنم ماء حار ولا طعام ينتفع به، قاله قطرب.
وقيل: معناه: ليس له في جهنم طعام إلا من غسلين، أي: من صديد أهل النار، وذلك ما يسيل من صديدهم. وقال بعض أهل اللغة: كل جرح غسلته فخرج منه شيء فهو غسلين، وهو "فعلين" من الغسل. قال ابن عباس: غسلين "صديد أهل النار". وقال قتادة: غسلين "شر الطعام وأخبثه وأبشعه". وقال ابن زيد: "الغسلين والزقوم لا يعلم أحد ما هو".
فأما، قوله تعالى في موضع آخر: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] فقد قيل: إن الغسلين من الضريع كما تقول: ما لي طعام إلا الرطب، ما لي طعام (إلا) النخل.
* *
- ثم قال ﴿لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ ٱلْخَاطِئُونَ﴾.
أي: لا يأكل الطعام الذي من غسلين إلا الخاطئون (أي): المذنبون [الذين] ذنوبهم كفر بالله.
* *
- ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * [وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ]﴾.
أي: أقسم [بذلك]، (و "لا" زائدة. وقيل: "لا" رَدٌّ لكلامهم. وَالمعنى: مَا الأمر كما تقولون معشرَ أهل التكذيب بكتاب الله ورسوله، ثم ابتدأ فقال: أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون، أي: أقسم بالأشياء كلها - أي بربها - إن القرآن ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾.
أي: كريم على ربه وهو محمد ﷺ يقرأه ويتلوه عليكم. وقيل: هو جبريل عليه السلام.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ﴾.
أي: وما القرآن بقول شاعر، لأن محمداً لا يحسن قول الشعر فتقولون هو شاعر، قليلا إيمانكم، أي إيماناً قليلاً إيمانكم أو وقتاً قليلاً. وهذا كله خطاب من الله جل ذكره لمشركي قريش.
* *
- ثم قال: ﴿وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾.
أي: وليس هذا القرآن بقول كاهن فيقولون هو من سجع الكهان، قليلاً ما يَعتبرون و [يَذكرون] به.
* *
- ثم قال: ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾.
أي: هو تنزيل من رب العالمين تنزل به جبريل على محمد عليه السلام. وقيل: التقدير: لكنه تنزيل من رب العالمين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ﴾.
أي: لو قال محمد من عند نفسه بعض ما جاءكم به وتَخَرَّصَ علينا.
* *
﴿لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ﴾.
قال ابن عباس: باليمين: بالقوة. (وقيل باليمين): باليد اليمنى، أي: كنا نذله [ونهينه] كما يقول الملك لمن يريد إِذْلاَلَهُ: "خذوا بيده" فاليد هنا في موضع الإهانة. قال إبراهيم بن عرفة: معناه: لأخذنا بيمينه، أي لقبضناها، فمعناه: التصرف. فالمعنى لأخذنا بيمينه ولقطعنا [وتينه]، وهو نياط القلب، لا حياة بعد انقطاعه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿(ثُمَّ) لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ﴾.
قال ابن عباس: "الوتين: نياط القلب"، وعنه: "عرق القلب". وقال مجاهد: هو "حبل القلب الذي في الظهر"، وهو قول قتادة. وقال الضحاك: هو "عرق يكون في القلب، فإذا قطع مات الإنسان". وقال ابن زيد: (هو) "نياط القلب الذي القلب متعلق به"، وهو قول ابن جبير.
والمعنى في الآية: لو كذب علينا ما لم نقل لأهلكناه، فكان بمنزلة من قطع وتينه فلم يعش.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾.
أي: فما منكم - أيها الناس - أحد عن محمد ﷺ يحجزنا إذا أردنا هلاكه وعقوبته. وجمع "حَاجِزِينَ" على معنى "أحد".
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾.
أي: وَإِنَّ هذا القرآن لتذكرة وعظة [يتعظ] بها المتقون، وهم الذين اتقوا الله بأداء فرائضه واجتناب محارمه.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُمْ مُّكَذِّبِينَ﴾.
أي (مكذبين) بهذا القرآن.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ﴾.
أي: وإن التكذيب لحسرة وندامة على الكافرين يوم القيامة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ ٱلْيَقِينِ﴾.
(أي): وإن هذا القرآن لمحض اليقين [و] خالصه، أنه من عند الله لم يتقوله (محمد) من عند نفسه وهذا من إضافة الشيء إلى نفسه عند الكوفيين، وأصله عندهم: "الحق اليقين" على النعت، ثم أضيف (المنعوت) إلى نعته، والنعت هو المنعوت في المعنى، فقد صار من إضافة الشيء إلى نفسه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾.
أي: فسبح بذكر ربك - (يا محمد) -، ﴿ٱلْعَظِيمِ﴾ (أي) الذي كل شيء في عظمته صغير.
الحاقة 69:46
قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ﴾ إلى آخر السورة.
أي: فليس لهذا الكافر - يوم القيامة - قريب ولا صديق ينجيه من عذاب الله. وقيل: المعنى: ليس له في جهنم ماء حار ولا طعام ينتفع به، قاله قطرب.
وقيل: معناه: ليس له في جهنم طعام إلا من غسلين، أي: من صديد أهل النار، وذلك ما يسيل من صديدهم. وقال بعض أهل اللغة: كل جرح غسلته فخرج منه شيء فهو غسلين، وهو "فعلين" من الغسل. قال ابن عباس: غسلين "صديد أهل النار". وقال قتادة: غسلين "شر الطعام وأخبثه وأبشعه". وقال ابن زيد: "الغسلين والزقوم لا يعلم أحد ما هو".
فأما، قوله تعالى في موضع آخر: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] فقد قيل: إن الغسلين من الضريع كما تقول: ما لي طعام إلا الرطب، ما لي طعام (إلا) النخل.
* *
- ثم قال ﴿لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ ٱلْخَاطِئُونَ﴾.
أي: لا يأكل الطعام الذي من غسلين إلا الخاطئون (أي): المذنبون [الذين] ذنوبهم كفر بالله.
* *
- ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * [وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ]﴾.
أي: أقسم [بذلك]، (و "لا" زائدة. وقيل: "لا" رَدٌّ لكلامهم. وَالمعنى: مَا الأمر كما تقولون معشرَ أهل التكذيب بكتاب الله ورسوله، ثم ابتدأ فقال: أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون، أي: أقسم بالأشياء كلها - أي بربها - إن القرآن ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾.
أي: كريم على ربه وهو محمد ﷺ يقرأه ويتلوه عليكم. وقيل: هو جبريل عليه السلام.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ﴾.
أي: وما القرآن بقول شاعر، لأن محمداً لا يحسن قول الشعر فتقولون هو شاعر، قليلا إيمانكم، أي إيماناً قليلاً إيمانكم أو وقتاً قليلاً. وهذا كله خطاب من الله جل ذكره لمشركي قريش.
* *
- ثم قال: ﴿وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾.
أي: وليس هذا القرآن بقول كاهن فيقولون هو من سجع الكهان، قليلاً ما يَعتبرون و [يَذكرون] به.
* *
- ثم قال: ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾.
أي: هو تنزيل من رب العالمين تنزل به جبريل على محمد عليه السلام. وقيل: التقدير: لكنه تنزيل من رب العالمين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ﴾.
أي: لو قال محمد من عند نفسه بعض ما جاءكم به وتَخَرَّصَ علينا.
* *
﴿لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ﴾.
قال ابن عباس: باليمين: بالقوة. (وقيل باليمين): باليد اليمنى، أي: كنا نذله [ونهينه] كما يقول الملك لمن يريد إِذْلاَلَهُ: "خذوا بيده" فاليد هنا في موضع الإهانة. قال إبراهيم بن عرفة: معناه: لأخذنا بيمينه، أي لقبضناها، فمعناه: التصرف. فالمعنى لأخذنا بيمينه ولقطعنا [وتينه]، وهو نياط القلب، لا حياة بعد انقطاعه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿(ثُمَّ) لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ﴾.
قال ابن عباس: "الوتين: نياط القلب"، وعنه: "عرق القلب". وقال مجاهد: هو "حبل القلب الذي في الظهر"، وهو قول قتادة. وقال الضحاك: هو "عرق يكون في القلب، فإذا قطع مات الإنسان". وقال ابن زيد: (هو) "نياط القلب الذي القلب متعلق به"، وهو قول ابن جبير.
والمعنى في الآية: لو كذب علينا ما لم نقل لأهلكناه، فكان بمنزلة من قطع وتينه فلم يعش.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾.
أي: فما منكم - أيها الناس - أحد عن محمد ﷺ يحجزنا إذا أردنا هلاكه وعقوبته. وجمع "حَاجِزِينَ" على معنى "أحد".
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾.
أي: وَإِنَّ هذا القرآن لتذكرة وعظة [يتعظ] بها المتقون، وهم الذين اتقوا الله بأداء فرائضه واجتناب محارمه.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُمْ مُّكَذِّبِينَ﴾.
أي (مكذبين) بهذا القرآن.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ﴾.
أي: وإن التكذيب لحسرة وندامة على الكافرين يوم القيامة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ ٱلْيَقِينِ﴾.
(أي): وإن هذا القرآن لمحض اليقين [و] خالصه، أنه من عند الله لم يتقوله (محمد) من عند نفسه وهذا من إضافة الشيء إلى نفسه عند الكوفيين، وأصله عندهم: "الحق اليقين" على النعت، ثم أضيف (المنعوت) إلى نعته، والنعت هو المنعوت في المعنى، فقد صار من إضافة الشيء إلى نفسه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾.
أي: فسبح بذكر ربك - (يا محمد) -، ﴿ٱلْعَظِيمِ﴾ (أي) الذي كل شيء في عظمته صغير.
الحاقة 69:47
قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ﴾ إلى آخر السورة.
أي: فليس لهذا الكافر - يوم القيامة - قريب ولا صديق ينجيه من عذاب الله. وقيل: المعنى: ليس له في جهنم ماء حار ولا طعام ينتفع به، قاله قطرب.
وقيل: معناه: ليس له في جهنم طعام إلا من غسلين، أي: من صديد أهل النار، وذلك ما يسيل من صديدهم. وقال بعض أهل اللغة: كل جرح غسلته فخرج منه شيء فهو غسلين، وهو "فعلين" من الغسل. قال ابن عباس: غسلين "صديد أهل النار". وقال قتادة: غسلين "شر الطعام وأخبثه وأبشعه". وقال ابن زيد: "الغسلين والزقوم لا يعلم أحد ما هو".
فأما، قوله تعالى في موضع آخر: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] فقد قيل: إن الغسلين من الضريع كما تقول: ما لي طعام إلا الرطب، ما لي طعام (إلا) النخل.
* *
- ثم قال ﴿لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ ٱلْخَاطِئُونَ﴾.
أي: لا يأكل الطعام الذي من غسلين إلا الخاطئون (أي): المذنبون [الذين] ذنوبهم كفر بالله.
* *
- ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * [وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ]﴾.
أي: أقسم [بذلك]، (و "لا" زائدة. وقيل: "لا" رَدٌّ لكلامهم. وَالمعنى: مَا الأمر كما تقولون معشرَ أهل التكذيب بكتاب الله ورسوله، ثم ابتدأ فقال: أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون، أي: أقسم بالأشياء كلها - أي بربها - إن القرآن ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾.
أي: كريم على ربه وهو محمد ﷺ يقرأه ويتلوه عليكم. وقيل: هو جبريل عليه السلام.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ﴾.
أي: وما القرآن بقول شاعر، لأن محمداً لا يحسن قول الشعر فتقولون هو شاعر، قليلا إيمانكم، أي إيماناً قليلاً إيمانكم أو وقتاً قليلاً. وهذا كله خطاب من الله جل ذكره لمشركي قريش.
* *
- ثم قال: ﴿وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾.
أي: وليس هذا القرآن بقول كاهن فيقولون هو من سجع الكهان، قليلاً ما يَعتبرون و [يَذكرون] به.
* *
- ثم قال: ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾.
أي: هو تنزيل من رب العالمين تنزل به جبريل على محمد عليه السلام. وقيل: التقدير: لكنه تنزيل من رب العالمين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ﴾.
أي: لو قال محمد من عند نفسه بعض ما جاءكم به وتَخَرَّصَ علينا.
* *
﴿لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ﴾.
قال ابن عباس: باليمين: بالقوة. (وقيل باليمين): باليد اليمنى، أي: كنا نذله [ونهينه] كما يقول الملك لمن يريد إِذْلاَلَهُ: "خذوا بيده" فاليد هنا في موضع الإهانة. قال إبراهيم بن عرفة: معناه: لأخذنا بيمينه، أي لقبضناها، فمعناه: التصرف. فالمعنى لأخذنا بيمينه ولقطعنا [وتينه]، وهو نياط القلب، لا حياة بعد انقطاعه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿(ثُمَّ) لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ﴾.
قال ابن عباس: "الوتين: نياط القلب"، وعنه: "عرق القلب". وقال مجاهد: هو "حبل القلب الذي في الظهر"، وهو قول قتادة. وقال الضحاك: هو "عرق يكون في القلب، فإذا قطع مات الإنسان". وقال ابن زيد: (هو) "نياط القلب الذي القلب متعلق به"، وهو قول ابن جبير.
والمعنى في الآية: لو كذب علينا ما لم نقل لأهلكناه، فكان بمنزلة من قطع وتينه فلم يعش.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾.
أي: فما منكم - أيها الناس - أحد عن محمد ﷺ يحجزنا إذا أردنا هلاكه وعقوبته. وجمع "حَاجِزِينَ" على معنى "أحد".
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾.
أي: وَإِنَّ هذا القرآن لتذكرة وعظة [يتعظ] بها المتقون، وهم الذين اتقوا الله بأداء فرائضه واجتناب محارمه.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُمْ مُّكَذِّبِينَ﴾.
أي (مكذبين) بهذا القرآن.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ﴾.
أي: وإن التكذيب لحسرة وندامة على الكافرين يوم القيامة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ ٱلْيَقِينِ﴾.
(أي): وإن هذا القرآن لمحض اليقين [و] خالصه، أنه من عند الله لم يتقوله (محمد) من عند نفسه وهذا من إضافة الشيء إلى نفسه عند الكوفيين، وأصله عندهم: "الحق اليقين" على النعت، ثم أضيف (المنعوت) إلى نعته، والنعت هو المنعوت في المعنى، فقد صار من إضافة الشيء إلى نفسه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾.
أي: فسبح بذكر ربك - (يا محمد) -، ﴿ٱلْعَظِيمِ﴾ (أي) الذي كل شيء في عظمته صغير.
الحاقة 69:48
قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ﴾ إلى آخر السورة.
أي: فليس لهذا الكافر - يوم القيامة - قريب ولا صديق ينجيه من عذاب الله. وقيل: المعنى: ليس له في جهنم ماء حار ولا طعام ينتفع به، قاله قطرب.
وقيل: معناه: ليس له في جهنم طعام إلا من غسلين، أي: من صديد أهل النار، وذلك ما يسيل من صديدهم. وقال بعض أهل اللغة: كل جرح غسلته فخرج منه شيء فهو غسلين، وهو "فعلين" من الغسل. قال ابن عباس: غسلين "صديد أهل النار". وقال قتادة: غسلين "شر الطعام وأخبثه وأبشعه". وقال ابن زيد: "الغسلين والزقوم لا يعلم أحد ما هو".
فأما، قوله تعالى في موضع آخر: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] فقد قيل: إن الغسلين من الضريع كما تقول: ما لي طعام إلا الرطب، ما لي طعام (إلا) النخل.
* *
- ثم قال ﴿لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ ٱلْخَاطِئُونَ﴾.
أي: لا يأكل الطعام الذي من غسلين إلا الخاطئون (أي): المذنبون [الذين] ذنوبهم كفر بالله.
* *
- ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * [وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ]﴾.
أي: أقسم [بذلك]، (و "لا" زائدة. وقيل: "لا" رَدٌّ لكلامهم. وَالمعنى: مَا الأمر كما تقولون معشرَ أهل التكذيب بكتاب الله ورسوله، ثم ابتدأ فقال: أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون، أي: أقسم بالأشياء كلها - أي بربها - إن القرآن ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾.
أي: كريم على ربه وهو محمد ﷺ يقرأه ويتلوه عليكم. وقيل: هو جبريل عليه السلام.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ﴾.
أي: وما القرآن بقول شاعر، لأن محمداً لا يحسن قول الشعر فتقولون هو شاعر، قليلا إيمانكم، أي إيماناً قليلاً إيمانكم أو وقتاً قليلاً. وهذا كله خطاب من الله جل ذكره لمشركي قريش.
* *
- ثم قال: ﴿وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾.
أي: وليس هذا القرآن بقول كاهن فيقولون هو من سجع الكهان، قليلاً ما يَعتبرون و [يَذكرون] به.
* *
- ثم قال: ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾.
أي: هو تنزيل من رب العالمين تنزل به جبريل على محمد عليه السلام. وقيل: التقدير: لكنه تنزيل من رب العالمين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ﴾.
أي: لو قال محمد من عند نفسه بعض ما جاءكم به وتَخَرَّصَ علينا.
* *
﴿لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ﴾.
قال ابن عباس: باليمين: بالقوة. (وقيل باليمين): باليد اليمنى، أي: كنا نذله [ونهينه] كما يقول الملك لمن يريد إِذْلاَلَهُ: "خذوا بيده" فاليد هنا في موضع الإهانة. قال إبراهيم بن عرفة: معناه: لأخذنا بيمينه، أي لقبضناها، فمعناه: التصرف. فالمعنى لأخذنا بيمينه ولقطعنا [وتينه]، وهو نياط القلب، لا حياة بعد انقطاعه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿(ثُمَّ) لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ﴾.
قال ابن عباس: "الوتين: نياط القلب"، وعنه: "عرق القلب". وقال مجاهد: هو "حبل القلب الذي في الظهر"، وهو قول قتادة. وقال الضحاك: هو "عرق يكون في القلب، فإذا قطع مات الإنسان". وقال ابن زيد: (هو) "نياط القلب الذي القلب متعلق به"، وهو قول ابن جبير.
والمعنى في الآية: لو كذب علينا ما لم نقل لأهلكناه، فكان بمنزلة من قطع وتينه فلم يعش.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾.
أي: فما منكم - أيها الناس - أحد عن محمد ﷺ يحجزنا إذا أردنا هلاكه وعقوبته. وجمع "حَاجِزِينَ" على معنى "أحد".
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾.
أي: وَإِنَّ هذا القرآن لتذكرة وعظة [يتعظ] بها المتقون، وهم الذين اتقوا الله بأداء فرائضه واجتناب محارمه.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُمْ مُّكَذِّبِينَ﴾.
أي (مكذبين) بهذا القرآن.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ﴾.
أي: وإن التكذيب لحسرة وندامة على الكافرين يوم القيامة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ ٱلْيَقِينِ﴾.
(أي): وإن هذا القرآن لمحض اليقين [و] خالصه، أنه من عند الله لم يتقوله (محمد) من عند نفسه وهذا من إضافة الشيء إلى نفسه عند الكوفيين، وأصله عندهم: "الحق اليقين" على النعت، ثم أضيف (المنعوت) إلى نعته، والنعت هو المنعوت في المعنى، فقد صار من إضافة الشيء إلى نفسه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾.
أي: فسبح بذكر ربك - (يا محمد) -، ﴿ٱلْعَظِيمِ﴾ (أي) الذي كل شيء في عظمته صغير.
الحاقة 69:49
قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ﴾ إلى آخر السورة.
أي: فليس لهذا الكافر - يوم القيامة - قريب ولا صديق ينجيه من عذاب الله. وقيل: المعنى: ليس له في جهنم ماء حار ولا طعام ينتفع به، قاله قطرب.
وقيل: معناه: ليس له في جهنم طعام إلا من غسلين، أي: من صديد أهل النار، وذلك ما يسيل من صديدهم. وقال بعض أهل اللغة: كل جرح غسلته فخرج منه شيء فهو غسلين، وهو "فعلين" من الغسل. قال ابن عباس: غسلين "صديد أهل النار". وقال قتادة: غسلين "شر الطعام وأخبثه وأبشعه". وقال ابن زيد: "الغسلين والزقوم لا يعلم أحد ما هو".
فأما، قوله تعالى في موضع آخر: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] فقد قيل: إن الغسلين من الضريع كما تقول: ما لي طعام إلا الرطب، ما لي طعام (إلا) النخل.
* *
- ثم قال ﴿لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ ٱلْخَاطِئُونَ﴾.
أي: لا يأكل الطعام الذي من غسلين إلا الخاطئون (أي): المذنبون [الذين] ذنوبهم كفر بالله.
* *
- ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * [وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ]﴾.
أي: أقسم [بذلك]، (و "لا" زائدة. وقيل: "لا" رَدٌّ لكلامهم. وَالمعنى: مَا الأمر كما تقولون معشرَ أهل التكذيب بكتاب الله ورسوله، ثم ابتدأ فقال: أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون، أي: أقسم بالأشياء كلها - أي بربها - إن القرآن ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾.
أي: كريم على ربه وهو محمد ﷺ يقرأه ويتلوه عليكم. وقيل: هو جبريل عليه السلام.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ﴾.
أي: وما القرآن بقول شاعر، لأن محمداً لا يحسن قول الشعر فتقولون هو شاعر، قليلا إيمانكم، أي إيماناً قليلاً إيمانكم أو وقتاً قليلاً. وهذا كله خطاب من الله جل ذكره لمشركي قريش.
* *
- ثم قال: ﴿وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾.
أي: وليس هذا القرآن بقول كاهن فيقولون هو من سجع الكهان، قليلاً ما يَعتبرون و [يَذكرون] به.
* *
- ثم قال: ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾.
أي: هو تنزيل من رب العالمين تنزل به جبريل على محمد عليه السلام. وقيل: التقدير: لكنه تنزيل من رب العالمين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ﴾.
أي: لو قال محمد من عند نفسه بعض ما جاءكم به وتَخَرَّصَ علينا.
* *
﴿لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ﴾.
قال ابن عباس: باليمين: بالقوة. (وقيل باليمين): باليد اليمنى، أي: كنا نذله [ونهينه] كما يقول الملك لمن يريد إِذْلاَلَهُ: "خذوا بيده" فاليد هنا في موضع الإهانة. قال إبراهيم بن عرفة: معناه: لأخذنا بيمينه، أي لقبضناها، فمعناه: التصرف. فالمعنى لأخذنا بيمينه ولقطعنا [وتينه]، وهو نياط القلب، لا حياة بعد انقطاعه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿(ثُمَّ) لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ﴾.
قال ابن عباس: "الوتين: نياط القلب"، وعنه: "عرق القلب". وقال مجاهد: هو "حبل القلب الذي في الظهر"، وهو قول قتادة. وقال الضحاك: هو "عرق يكون في القلب، فإذا قطع مات الإنسان". وقال ابن زيد: (هو) "نياط القلب الذي القلب متعلق به"، وهو قول ابن جبير.
والمعنى في الآية: لو كذب علينا ما لم نقل لأهلكناه، فكان بمنزلة من قطع وتينه فلم يعش.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾.
أي: فما منكم - أيها الناس - أحد عن محمد ﷺ يحجزنا إذا أردنا هلاكه وعقوبته. وجمع "حَاجِزِينَ" على معنى "أحد".
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾.
أي: وَإِنَّ هذا القرآن لتذكرة وعظة [يتعظ] بها المتقون، وهم الذين اتقوا الله بأداء فرائضه واجتناب محارمه.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُمْ مُّكَذِّبِينَ﴾.
أي (مكذبين) بهذا القرآن.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ﴾.
أي: وإن التكذيب لحسرة وندامة على الكافرين يوم القيامة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ ٱلْيَقِينِ﴾.
(أي): وإن هذا القرآن لمحض اليقين [و] خالصه، أنه من عند الله لم يتقوله (محمد) من عند نفسه وهذا من إضافة الشيء إلى نفسه عند الكوفيين، وأصله عندهم: "الحق اليقين" على النعت، ثم أضيف (المنعوت) إلى نعته، والنعت هو المنعوت في المعنى، فقد صار من إضافة الشيء إلى نفسه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾.
أي: فسبح بذكر ربك - (يا محمد) -، ﴿ٱلْعَظِيمِ﴾ (أي) الذي كل شيء في عظمته صغير.
الحاقة 69:50
قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ﴾ إلى آخر السورة.
أي: فليس لهذا الكافر - يوم القيامة - قريب ولا صديق ينجيه من عذاب الله. وقيل: المعنى: ليس له في جهنم ماء حار ولا طعام ينتفع به، قاله قطرب.
وقيل: معناه: ليس له في جهنم طعام إلا من غسلين، أي: من صديد أهل النار، وذلك ما يسيل من صديدهم. وقال بعض أهل اللغة: كل جرح غسلته فخرج منه شيء فهو غسلين، وهو "فعلين" من الغسل. قال ابن عباس: غسلين "صديد أهل النار". وقال قتادة: غسلين "شر الطعام وأخبثه وأبشعه". وقال ابن زيد: "الغسلين والزقوم لا يعلم أحد ما هو".
فأما، قوله تعالى في موضع آخر: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] فقد قيل: إن الغسلين من الضريع كما تقول: ما لي طعام إلا الرطب، ما لي طعام (إلا) النخل.
* *
- ثم قال ﴿لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ ٱلْخَاطِئُونَ﴾.
أي: لا يأكل الطعام الذي من غسلين إلا الخاطئون (أي): المذنبون [الذين] ذنوبهم كفر بالله.
* *
- ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * [وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ]﴾.
أي: أقسم [بذلك]، (و "لا" زائدة. وقيل: "لا" رَدٌّ لكلامهم. وَالمعنى: مَا الأمر كما تقولون معشرَ أهل التكذيب بكتاب الله ورسوله، ثم ابتدأ فقال: أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون، أي: أقسم بالأشياء كلها - أي بربها - إن القرآن ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾.
أي: كريم على ربه وهو محمد ﷺ يقرأه ويتلوه عليكم. وقيل: هو جبريل عليه السلام.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ﴾.
أي: وما القرآن بقول شاعر، لأن محمداً لا يحسن قول الشعر فتقولون هو شاعر، قليلا إيمانكم، أي إيماناً قليلاً إيمانكم أو وقتاً قليلاً. وهذا كله خطاب من الله جل ذكره لمشركي قريش.
* *
- ثم قال: ﴿وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾.
أي: وليس هذا القرآن بقول كاهن فيقولون هو من سجع الكهان، قليلاً ما يَعتبرون و [يَذكرون] به.
* *
- ثم قال: ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾.
أي: هو تنزيل من رب العالمين تنزل به جبريل على محمد عليه السلام. وقيل: التقدير: لكنه تنزيل من رب العالمين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ﴾.
أي: لو قال محمد من عند نفسه بعض ما جاءكم به وتَخَرَّصَ علينا.
* *
﴿لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ﴾.
قال ابن عباس: باليمين: بالقوة. (وقيل باليمين): باليد اليمنى، أي: كنا نذله [ونهينه] كما يقول الملك لمن يريد إِذْلاَلَهُ: "خذوا بيده" فاليد هنا في موضع الإهانة. قال إبراهيم بن عرفة: معناه: لأخذنا بيمينه، أي لقبضناها، فمعناه: التصرف. فالمعنى لأخذنا بيمينه ولقطعنا [وتينه]، وهو نياط القلب، لا حياة بعد انقطاعه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿(ثُمَّ) لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ﴾.
قال ابن عباس: "الوتين: نياط القلب"، وعنه: "عرق القلب". وقال مجاهد: هو "حبل القلب الذي في الظهر"، وهو قول قتادة. وقال الضحاك: هو "عرق يكون في القلب، فإذا قطع مات الإنسان". وقال ابن زيد: (هو) "نياط القلب الذي القلب متعلق به"، وهو قول ابن جبير.
والمعنى في الآية: لو كذب علينا ما لم نقل لأهلكناه، فكان بمنزلة من قطع وتينه فلم يعش.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾.
أي: فما منكم - أيها الناس - أحد عن محمد ﷺ يحجزنا إذا أردنا هلاكه وعقوبته. وجمع "حَاجِزِينَ" على معنى "أحد".
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾.
أي: وَإِنَّ هذا القرآن لتذكرة وعظة [يتعظ] بها المتقون، وهم الذين اتقوا الله بأداء فرائضه واجتناب محارمه.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُمْ مُّكَذِّبِينَ﴾.
أي (مكذبين) بهذا القرآن.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ﴾.
أي: وإن التكذيب لحسرة وندامة على الكافرين يوم القيامة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ ٱلْيَقِينِ﴾.
(أي): وإن هذا القرآن لمحض اليقين [و] خالصه، أنه من عند الله لم يتقوله (محمد) من عند نفسه وهذا من إضافة الشيء إلى نفسه عند الكوفيين، وأصله عندهم: "الحق اليقين" على النعت، ثم أضيف (المنعوت) إلى نعته، والنعت هو المنعوت في المعنى، فقد صار من إضافة الشيء إلى نفسه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾.
أي: فسبح بذكر ربك - (يا محمد) -، ﴿ٱلْعَظِيمِ﴾ (أي) الذي كل شيء في عظمته صغير.
الحاقة 69:51
قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ﴾ إلى آخر السورة.
أي: فليس لهذا الكافر - يوم القيامة - قريب ولا صديق ينجيه من عذاب الله. وقيل: المعنى: ليس له في جهنم ماء حار ولا طعام ينتفع به، قاله قطرب.
وقيل: معناه: ليس له في جهنم طعام إلا من غسلين، أي: من صديد أهل النار، وذلك ما يسيل من صديدهم. وقال بعض أهل اللغة: كل جرح غسلته فخرج منه شيء فهو غسلين، وهو "فعلين" من الغسل. قال ابن عباس: غسلين "صديد أهل النار". وقال قتادة: غسلين "شر الطعام وأخبثه وأبشعه". وقال ابن زيد: "الغسلين والزقوم لا يعلم أحد ما هو".
فأما، قوله تعالى في موضع آخر: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] فقد قيل: إن الغسلين من الضريع كما تقول: ما لي طعام إلا الرطب، ما لي طعام (إلا) النخل.
* *
- ثم قال ﴿لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ ٱلْخَاطِئُونَ﴾.
أي: لا يأكل الطعام الذي من غسلين إلا الخاطئون (أي): المذنبون [الذين] ذنوبهم كفر بالله.
* *
- ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * [وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ]﴾.
أي: أقسم [بذلك]، (و "لا" زائدة. وقيل: "لا" رَدٌّ لكلامهم. وَالمعنى: مَا الأمر كما تقولون معشرَ أهل التكذيب بكتاب الله ورسوله، ثم ابتدأ فقال: أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون، أي: أقسم بالأشياء كلها - أي بربها - إن القرآن ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾.
أي: كريم على ربه وهو محمد ﷺ يقرأه ويتلوه عليكم. وقيل: هو جبريل عليه السلام.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ﴾.
أي: وما القرآن بقول شاعر، لأن محمداً لا يحسن قول الشعر فتقولون هو شاعر، قليلا إيمانكم، أي إيماناً قليلاً إيمانكم أو وقتاً قليلاً. وهذا كله خطاب من الله جل ذكره لمشركي قريش.
* *
- ثم قال: ﴿وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾.
أي: وليس هذا القرآن بقول كاهن فيقولون هو من سجع الكهان، قليلاً ما يَعتبرون و [يَذكرون] به.
* *
- ثم قال: ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾.
أي: هو تنزيل من رب العالمين تنزل به جبريل على محمد عليه السلام. وقيل: التقدير: لكنه تنزيل من رب العالمين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ﴾.
أي: لو قال محمد من عند نفسه بعض ما جاءكم به وتَخَرَّصَ علينا.
* *
﴿لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ﴾.
قال ابن عباس: باليمين: بالقوة. (وقيل باليمين): باليد اليمنى، أي: كنا نذله [ونهينه] كما يقول الملك لمن يريد إِذْلاَلَهُ: "خذوا بيده" فاليد هنا في موضع الإهانة. قال إبراهيم بن عرفة: معناه: لأخذنا بيمينه، أي لقبضناها، فمعناه: التصرف. فالمعنى لأخذنا بيمينه ولقطعنا [وتينه]، وهو نياط القلب، لا حياة بعد انقطاعه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿(ثُمَّ) لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ﴾.
قال ابن عباس: "الوتين: نياط القلب"، وعنه: "عرق القلب". وقال مجاهد: هو "حبل القلب الذي في الظهر"، وهو قول قتادة. وقال الضحاك: هو "عرق يكون في القلب، فإذا قطع مات الإنسان". وقال ابن زيد: (هو) "نياط القلب الذي القلب متعلق به"، وهو قول ابن جبير.
والمعنى في الآية: لو كذب علينا ما لم نقل لأهلكناه، فكان بمنزلة من قطع وتينه فلم يعش.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾.
أي: فما منكم - أيها الناس - أحد عن محمد ﷺ يحجزنا إذا أردنا هلاكه وعقوبته. وجمع "حَاجِزِينَ" على معنى "أحد".
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾.
أي: وَإِنَّ هذا القرآن لتذكرة وعظة [يتعظ] بها المتقون، وهم الذين اتقوا الله بأداء فرائضه واجتناب محارمه.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُمْ مُّكَذِّبِينَ﴾.
أي (مكذبين) بهذا القرآن.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ﴾.
أي: وإن التكذيب لحسرة وندامة على الكافرين يوم القيامة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ ٱلْيَقِينِ﴾.
(أي): وإن هذا القرآن لمحض اليقين [و] خالصه، أنه من عند الله لم يتقوله (محمد) من عند نفسه وهذا من إضافة الشيء إلى نفسه عند الكوفيين، وأصله عندهم: "الحق اليقين" على النعت، ثم أضيف (المنعوت) إلى نعته، والنعت هو المنعوت في المعنى، فقد صار من إضافة الشيء إلى نفسه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾.
أي: فسبح بذكر ربك - (يا محمد) -، ﴿ٱلْعَظِيمِ﴾ (أي) الذي كل شيء في عظمته صغير.
الحاقة 69:52
قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ﴾ إلى آخر السورة.
أي: فليس لهذا الكافر - يوم القيامة - قريب ولا صديق ينجيه من عذاب الله. وقيل: المعنى: ليس له في جهنم ماء حار ولا طعام ينتفع به، قاله قطرب.
وقيل: معناه: ليس له في جهنم طعام إلا من غسلين، أي: من صديد أهل النار، وذلك ما يسيل من صديدهم. وقال بعض أهل اللغة: كل جرح غسلته فخرج منه شيء فهو غسلين، وهو "فعلين" من الغسل. قال ابن عباس: غسلين "صديد أهل النار". وقال قتادة: غسلين "شر الطعام وأخبثه وأبشعه". وقال ابن زيد: "الغسلين والزقوم لا يعلم أحد ما هو".
فأما، قوله تعالى في موضع آخر: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] فقد قيل: إن الغسلين من الضريع كما تقول: ما لي طعام إلا الرطب، ما لي طعام (إلا) النخل.
* *
- ثم قال ﴿لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ ٱلْخَاطِئُونَ﴾.
أي: لا يأكل الطعام الذي من غسلين إلا الخاطئون (أي): المذنبون [الذين] ذنوبهم كفر بالله.
* *
- ثم قال: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * [وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ]﴾.
أي: أقسم [بذلك]، (و "لا" زائدة. وقيل: "لا" رَدٌّ لكلامهم. وَالمعنى: مَا الأمر كما تقولون معشرَ أهل التكذيب بكتاب الله ورسوله، ثم ابتدأ فقال: أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون، أي: أقسم بالأشياء كلها - أي بربها - إن القرآن ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾.
أي: كريم على ربه وهو محمد ﷺ يقرأه ويتلوه عليكم. وقيل: هو جبريل عليه السلام.
* *
- ثم قال: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ﴾.
أي: وما القرآن بقول شاعر، لأن محمداً لا يحسن قول الشعر فتقولون هو شاعر، قليلا إيمانكم، أي إيماناً قليلاً إيمانكم أو وقتاً قليلاً. وهذا كله خطاب من الله جل ذكره لمشركي قريش.
* *
- ثم قال: ﴿وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾.
أي: وليس هذا القرآن بقول كاهن فيقولون هو من سجع الكهان، قليلاً ما يَعتبرون و [يَذكرون] به.
* *
- ثم قال: ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾.
أي: هو تنزيل من رب العالمين تنزل به جبريل على محمد عليه السلام. وقيل: التقدير: لكنه تنزيل من رب العالمين.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ﴾.
أي: لو قال محمد من عند نفسه بعض ما جاءكم به وتَخَرَّصَ علينا.
* *
﴿لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ﴾.
قال ابن عباس: باليمين: بالقوة. (وقيل باليمين): باليد اليمنى، أي: كنا نذله [ونهينه] كما يقول الملك لمن يريد إِذْلاَلَهُ: "خذوا بيده" فاليد هنا في موضع الإهانة. قال إبراهيم بن عرفة: معناه: لأخذنا بيمينه، أي لقبضناها، فمعناه: التصرف. فالمعنى لأخذنا بيمينه ولقطعنا [وتينه]، وهو نياط القلب، لا حياة بعد انقطاعه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿(ثُمَّ) لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ﴾.
قال ابن عباس: "الوتين: نياط القلب"، وعنه: "عرق القلب". وقال مجاهد: هو "حبل القلب الذي في الظهر"، وهو قول قتادة. وقال الضحاك: هو "عرق يكون في القلب، فإذا قطع مات الإنسان". وقال ابن زيد: (هو) "نياط القلب الذي القلب متعلق به"، وهو قول ابن جبير.
والمعنى في الآية: لو كذب علينا ما لم نقل لأهلكناه، فكان بمنزلة من قطع وتينه فلم يعش.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾.
أي: فما منكم - أيها الناس - أحد عن محمد ﷺ يحجزنا إذا أردنا هلاكه وعقوبته. وجمع "حَاجِزِينَ" على معنى "أحد".
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾.
أي: وَإِنَّ هذا القرآن لتذكرة وعظة [يتعظ] بها المتقون، وهم الذين اتقوا الله بأداء فرائضه واجتناب محارمه.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُمْ مُّكَذِّبِينَ﴾.
أي (مكذبين) بهذا القرآن.
* *
- ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ﴾.
أي: وإن التكذيب لحسرة وندامة على الكافرين يوم القيامة.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ ٱلْيَقِينِ﴾.
(أي): وإن هذا القرآن لمحض اليقين [و] خالصه، أنه من عند الله لم يتقوله (محمد) من عند نفسه وهذا من إضافة الشيء إلى نفسه عند الكوفيين، وأصله عندهم: "الحق اليقين" على النعت، ثم أضيف (المنعوت) إلى نعته، والنعت هو المنعوت في المعنى، فقد صار من إضافة الشيء إلى نفسه.
* *
- ثم قال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾.
أي: فسبح بذكر ربك - (يا محمد) -، ﴿ٱلْعَظِيمِ﴾ (أي) الذي كل شيء في عظمته صغير.