Lafzullah

Tafsir Makhi — المعارج 70:1 – المعارج 70:44

المؤلف / المصدر: Tafsir Makhi

المحتويات
  1. المعارج 70:1
  2. المعارج 70:2
  3. المعارج 70:3
  4. المعارج 70:4
  5. المعارج 70:5
  6. المعارج 70:6
  7. المعارج 70:7
  8. المعارج 70:8
  9. المعارج 70:9
  10. المعارج 70:10
  11. المعارج 70:11
  12. المعارج 70:12
  13. المعارج 70:13
  14. المعارج 70:14
  15. المعارج 70:15
  16. المعارج 70:16
  17. المعارج 70:17
  18. المعارج 70:18
  19. المعارج 70:19
  20. المعارج 70:20
  21. المعارج 70:21
  22. المعارج 70:22
  23. المعارج 70:23
  24. المعارج 70:24
  25. المعارج 70:25
  26. المعارج 70:26
  27. المعارج 70:27
  28. المعارج 70:28
  29. المعارج 70:29
  30. المعارج 70:30
  31. المعارج 70:31
  32. المعارج 70:32
  33. المعارج 70:33
  34. المعارج 70:34
  35. المعارج 70:35
  36. المعارج 70:36
  37. المعارج 70:37
  38. المعارج 70:38
  39. المعارج 70:39
  40. المعارج 70:40
  41. المعارج 70:41
  42. المعارج 70:42
  43. المعارج 70:43
  44. المعارج 70:44

المعارج 70:1

قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾، إلى قوله: ﴿وَنَرَاهُ قَرِيباً﴾. أكثر المفسرين على أنه من السؤال، ونزلت في (النضر بن الحارث) حين قال: ﴿ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ...﴾ [الأنفال: ٣٢] الآية. وأصله الهمز. قال ابن عباس: ذلك سؤال الكفار عن عذاب الله وهو واقع [بهم]. قال مجاهد: ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ﴾ أي: دعا داع بعذاب الله وهو واقع بهم في الآخرة، قال: وهو قولهم ﴿ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ﴾ الآية. قال ابن عباس: [هو قول] النضر بن الحارث بن كلدة. وقال قتادة: (سأل عذاب الله أقوام، فبين الله على من يقع)، على الكافرين. (وروى عروة بن ثابت أنه من السيلان وأنه واحد من أودية جهنم يقال له: سائل. فتكون الهمزة بدلاً من "يا" في سائل. * * وقوله: ﴿بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ معناه بعذاب للكافرين واجب لهم يوم القيامة واقع بهم. وقيل (للكافرين). معناه: على الكافرين، قاله الضحاك، وكذلك هي في قراءة أبي: "على الكافرين"). وقال الفراء: التقدير: بعذاب للكافرين واقع، ولا يجوز عندهم تعلق. "للكافرين" بـ "واقع". وقال الحسن: أنزل الله جل وعز ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ فقالوا: لمن هو؟ وعلى من يقع؟ فأنزل الله: ﴿لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾، فهذا يدل (على) تعلق اللام بـ "واقع". فأما الباء في ﴿بِعَذَابٍ﴾ فإن المبرد يقول: هي متعلقة بالمصدر الذي دَلَّ عليه الفعل. وقال غيره: هي زائدة بمنزلة قوله ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج: ٢٥]. والباء - في قول من جعله من السؤال - بمعنى "عن"، وهو قول الحسن، وقاله من أهل اللغة ابن السّكّيت. - وقوله ﴿لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾. أي: ليس للعذاب الواقع على الكافرين من الله رادٌّ يرده عنهم. - وقوله ﴿ذِي ٱلْمَعَارِجِ﴾: أي: ذو العلو والدرجات والفواضل والنعم، قاله ابن عباس وقتادة. وعن ابن عباس: ﴿ذِي ٱلْمَعَارِجِ﴾ ذي الدرجات. وقيل: إن الملائكة تعرج إليه، فنسب (ذلك إلى نفسه). * * - ثم قال تعالى: ﴿تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ﴾. أي: تصعد الملائكة والروح - وهو جبريل عليه السلام إلى الله. * * ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. أي: كان مقدار صعودهم ذلك - لغيرهم من الخلق - خمسين ألف سنة، وهم يصعدون في يوم يقدره الله، وذلك أنها تصعد من منتهى أمر الله جل ذكره من أسفل الأرض السابعة إلى منتهى أمره من فوق السماوات السبع، هذا معنى قول مجاهد. قال مجاهد: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] يعني بذلك نزول الوحي من السماء إلى الأرض ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد، فذلك مقداره ألف سنة؛ لأن ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة سنة. وقال عكرمة: ﴿كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: في يوم واحد من القضاء كعدل خمسين ألف سنة. وروى عكرمة عن ابن عباس: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: هو يوم القيامة. وهو قول [مجاهد] وقتادة. وقيل: المعنى: لو حكم في ذلك اليوم أعقل الناس وأعدلهم لأقام خمسين ألف سنة قبل أن يحكم بين اثنين. والروح: جبريل عليه السلام. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير والتقدير: سأل سائل بعذاب واقع في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة للكافرين. أي: ذلك اليوم على الكافرين في صعوبته كقدر صعوبة خمسين ألف سنة. * * - ثم قال ﴿تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ قال ابن عباس: جعل الله يوم القيامة على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة، أي: محاسبة الله الخلق [فيه] وإثابتهم أو معاقبتهم مقدار خمسين ألف سنة لو كان غير الله المحاسب والمجازي. ودل على هذا المعنى ما روى أبو سعيد الخدري أنه قيل للنبي عليه السلام: ما أطول هذا اليوم! فقال: "إنه على المؤمن أخف من صلاة مكتوبة يصليها" وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال: الدنيا كلها من أولها إلى آخرها خمسونَ ألف سنة، لا يدري أَحَدٌ كَمْ مضى منها، ولا كَمْ بقي. وروى (عن) ابن عباس توقف عن تفسيره. (وقد قال مجاهد (في قوله) تعالى): ﴿تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ قال: الروح خلق الله مع الملائكة لا تراهم الملائكة كما لا ترون أنتم الملائكة. * * - ثم قال: ﴿فَٱصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾. أي: فاصبر يا محمد على أذاء هؤلاء المشركين لك، ولا يمنعك ما تلقى منهم من المكروه من تبليغ ما أمرك الله (به) من الرسالة (إليهم). * * ومعنى ﴿جَمِيلاً﴾: أي: لا حرج فيه، قال ابن زيد: هذا منسوخ، إنما كان قبل الأمر بالقتال، ثم أمر بالقتال والغلظة (عليهم) والشدة، وقيل: هو محكم؛ لأن النبي عليه السلام لم يزل صابراً عليهم محتملاً. ويقال: الصبر الجميل في المصائب ألا يُعرَف صاحبُ المصيبة بين جماعته [لتجلده] في صبره [واحتسابه]. * * - ثم قال: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً﴾. (أي): إن هؤلاء [المشركين] - الذين سألوا العذاب الواقع عليهم - يرون وقوع العذاب عليهم بعيداً إذ لا يصدقون به، ونحن نراه قريباً؛ لأنه كائن لا بد منه، وكل ما هو كائن فهو قريب.

المعارج 70:2

قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾، إلى قوله: ﴿وَنَرَاهُ قَرِيباً﴾. أكثر المفسرين على أنه من السؤال، ونزلت في (النضر بن الحارث) حين قال: ﴿ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ...﴾ [الأنفال: ٣٢] الآية. وأصله الهمز. قال ابن عباس: ذلك سؤال الكفار عن عذاب الله وهو واقع [بهم]. قال مجاهد: ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ﴾ أي: دعا داع بعذاب الله وهو واقع بهم في الآخرة، قال: وهو قولهم ﴿ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ﴾ الآية. قال ابن عباس: [هو قول] النضر بن الحارث بن كلدة. وقال قتادة: (سأل عذاب الله أقوام، فبين الله على من يقع)، على الكافرين. (وروى عروة بن ثابت أنه من السيلان وأنه واحد من أودية جهنم يقال له: سائل. فتكون الهمزة بدلاً من "يا" في سائل. * * وقوله: ﴿بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ معناه بعذاب للكافرين واجب لهم يوم القيامة واقع بهم. وقيل (للكافرين). معناه: على الكافرين، قاله الضحاك، وكذلك هي في قراءة أبي: "على الكافرين"). وقال الفراء: التقدير: بعذاب للكافرين واقع، ولا يجوز عندهم تعلق. "للكافرين" بـ "واقع". وقال الحسن: أنزل الله جل وعز ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ فقالوا: لمن هو؟ وعلى من يقع؟ فأنزل الله: ﴿لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾، فهذا يدل (على) تعلق اللام بـ "واقع". فأما الباء في ﴿بِعَذَابٍ﴾ فإن المبرد يقول: هي متعلقة بالمصدر الذي دَلَّ عليه الفعل. وقال غيره: هي زائدة بمنزلة قوله ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج: ٢٥]. والباء - في قول من جعله من السؤال - بمعنى "عن"، وهو قول الحسن، وقاله من أهل اللغة ابن السّكّيت. - وقوله ﴿لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾. أي: ليس للعذاب الواقع على الكافرين من الله رادٌّ يرده عنهم. - وقوله ﴿ذِي ٱلْمَعَارِجِ﴾: أي: ذو العلو والدرجات والفواضل والنعم، قاله ابن عباس وقتادة. وعن ابن عباس: ﴿ذِي ٱلْمَعَارِجِ﴾ ذي الدرجات. وقيل: إن الملائكة تعرج إليه، فنسب (ذلك إلى نفسه). * * - ثم قال تعالى: ﴿تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ﴾. أي: تصعد الملائكة والروح - وهو جبريل عليه السلام إلى الله. * * ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. أي: كان مقدار صعودهم ذلك - لغيرهم من الخلق - خمسين ألف سنة، وهم يصعدون في يوم يقدره الله، وذلك أنها تصعد من منتهى أمر الله جل ذكره من أسفل الأرض السابعة إلى منتهى أمره من فوق السماوات السبع، هذا معنى قول مجاهد. قال مجاهد: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] يعني بذلك نزول الوحي من السماء إلى الأرض ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد، فذلك مقداره ألف سنة؛ لأن ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة سنة. وقال عكرمة: ﴿كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: في يوم واحد من القضاء كعدل خمسين ألف سنة. وروى عكرمة عن ابن عباس: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: هو يوم القيامة. وهو قول [مجاهد] وقتادة. وقيل: المعنى: لو حكم في ذلك اليوم أعقل الناس وأعدلهم لأقام خمسين ألف سنة قبل أن يحكم بين اثنين. والروح: جبريل عليه السلام. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير والتقدير: سأل سائل بعذاب واقع في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة للكافرين. أي: ذلك اليوم على الكافرين في صعوبته كقدر صعوبة خمسين ألف سنة. * * - ثم قال ﴿تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ قال ابن عباس: جعل الله يوم القيامة على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة، أي: محاسبة الله الخلق [فيه] وإثابتهم أو معاقبتهم مقدار خمسين ألف سنة لو كان غير الله المحاسب والمجازي. ودل على هذا المعنى ما روى أبو سعيد الخدري أنه قيل للنبي عليه السلام: ما أطول هذا اليوم! فقال: "إنه على المؤمن أخف من صلاة مكتوبة يصليها" وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال: الدنيا كلها من أولها إلى آخرها خمسونَ ألف سنة، لا يدري أَحَدٌ كَمْ مضى منها، ولا كَمْ بقي. وروى (عن) ابن عباس توقف عن تفسيره. (وقد قال مجاهد (في قوله) تعالى): ﴿تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ قال: الروح خلق الله مع الملائكة لا تراهم الملائكة كما لا ترون أنتم الملائكة. * * - ثم قال: ﴿فَٱصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾. أي: فاصبر يا محمد على أذاء هؤلاء المشركين لك، ولا يمنعك ما تلقى منهم من المكروه من تبليغ ما أمرك الله (به) من الرسالة (إليهم). * * ومعنى ﴿جَمِيلاً﴾: أي: لا حرج فيه، قال ابن زيد: هذا منسوخ، إنما كان قبل الأمر بالقتال، ثم أمر بالقتال والغلظة (عليهم) والشدة، وقيل: هو محكم؛ لأن النبي عليه السلام لم يزل صابراً عليهم محتملاً. ويقال: الصبر الجميل في المصائب ألا يُعرَف صاحبُ المصيبة بين جماعته [لتجلده] في صبره [واحتسابه]. * * - ثم قال: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً﴾. (أي): إن هؤلاء [المشركين] - الذين سألوا العذاب الواقع عليهم - يرون وقوع العذاب عليهم بعيداً إذ لا يصدقون به، ونحن نراه قريباً؛ لأنه كائن لا بد منه، وكل ما هو كائن فهو قريب.

المعارج 70:3

قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾، إلى قوله: ﴿وَنَرَاهُ قَرِيباً﴾. أكثر المفسرين على أنه من السؤال، ونزلت في (النضر بن الحارث) حين قال: ﴿ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ...﴾ [الأنفال: ٣٢] الآية. وأصله الهمز. قال ابن عباس: ذلك سؤال الكفار عن عذاب الله وهو واقع [بهم]. قال مجاهد: ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ﴾ أي: دعا داع بعذاب الله وهو واقع بهم في الآخرة، قال: وهو قولهم ﴿ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ﴾ الآية. قال ابن عباس: [هو قول] النضر بن الحارث بن كلدة. وقال قتادة: (سأل عذاب الله أقوام، فبين الله على من يقع)، على الكافرين. (وروى عروة بن ثابت أنه من السيلان وأنه واحد من أودية جهنم يقال له: سائل. فتكون الهمزة بدلاً من "يا" في سائل. * * وقوله: ﴿بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ معناه بعذاب للكافرين واجب لهم يوم القيامة واقع بهم. وقيل (للكافرين). معناه: على الكافرين، قاله الضحاك، وكذلك هي في قراءة أبي: "على الكافرين"). وقال الفراء: التقدير: بعذاب للكافرين واقع، ولا يجوز عندهم تعلق. "للكافرين" بـ "واقع". وقال الحسن: أنزل الله جل وعز ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ فقالوا: لمن هو؟ وعلى من يقع؟ فأنزل الله: ﴿لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾، فهذا يدل (على) تعلق اللام بـ "واقع". فأما الباء في ﴿بِعَذَابٍ﴾ فإن المبرد يقول: هي متعلقة بالمصدر الذي دَلَّ عليه الفعل. وقال غيره: هي زائدة بمنزلة قوله ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج: ٢٥]. والباء - في قول من جعله من السؤال - بمعنى "عن"، وهو قول الحسن، وقاله من أهل اللغة ابن السّكّيت. - وقوله ﴿لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾. أي: ليس للعذاب الواقع على الكافرين من الله رادٌّ يرده عنهم. - وقوله ﴿ذِي ٱلْمَعَارِجِ﴾: أي: ذو العلو والدرجات والفواضل والنعم، قاله ابن عباس وقتادة. وعن ابن عباس: ﴿ذِي ٱلْمَعَارِجِ﴾ ذي الدرجات. وقيل: إن الملائكة تعرج إليه، فنسب (ذلك إلى نفسه). * * - ثم قال تعالى: ﴿تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ﴾. أي: تصعد الملائكة والروح - وهو جبريل عليه السلام إلى الله. * * ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. أي: كان مقدار صعودهم ذلك - لغيرهم من الخلق - خمسين ألف سنة، وهم يصعدون في يوم يقدره الله، وذلك أنها تصعد من منتهى أمر الله جل ذكره من أسفل الأرض السابعة إلى منتهى أمره من فوق السماوات السبع، هذا معنى قول مجاهد. قال مجاهد: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] يعني بذلك نزول الوحي من السماء إلى الأرض ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد، فذلك مقداره ألف سنة؛ لأن ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة سنة. وقال عكرمة: ﴿كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: في يوم واحد من القضاء كعدل خمسين ألف سنة. وروى عكرمة عن ابن عباس: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: هو يوم القيامة. وهو قول [مجاهد] وقتادة. وقيل: المعنى: لو حكم في ذلك اليوم أعقل الناس وأعدلهم لأقام خمسين ألف سنة قبل أن يحكم بين اثنين. والروح: جبريل عليه السلام. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير والتقدير: سأل سائل بعذاب واقع في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة للكافرين. أي: ذلك اليوم على الكافرين في صعوبته كقدر صعوبة خمسين ألف سنة. * * - ثم قال ﴿تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ قال ابن عباس: جعل الله يوم القيامة على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة، أي: محاسبة الله الخلق [فيه] وإثابتهم أو معاقبتهم مقدار خمسين ألف سنة لو كان غير الله المحاسب والمجازي. ودل على هذا المعنى ما روى أبو سعيد الخدري أنه قيل للنبي عليه السلام: ما أطول هذا اليوم! فقال: "إنه على المؤمن أخف من صلاة مكتوبة يصليها" وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال: الدنيا كلها من أولها إلى آخرها خمسونَ ألف سنة، لا يدري أَحَدٌ كَمْ مضى منها، ولا كَمْ بقي. وروى (عن) ابن عباس توقف عن تفسيره. (وقد قال مجاهد (في قوله) تعالى): ﴿تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ قال: الروح خلق الله مع الملائكة لا تراهم الملائكة كما لا ترون أنتم الملائكة. * * - ثم قال: ﴿فَٱصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾. أي: فاصبر يا محمد على أذاء هؤلاء المشركين لك، ولا يمنعك ما تلقى منهم من المكروه من تبليغ ما أمرك الله (به) من الرسالة (إليهم). * * ومعنى ﴿جَمِيلاً﴾: أي: لا حرج فيه، قال ابن زيد: هذا منسوخ، إنما كان قبل الأمر بالقتال، ثم أمر بالقتال والغلظة (عليهم) والشدة، وقيل: هو محكم؛ لأن النبي عليه السلام لم يزل صابراً عليهم محتملاً. ويقال: الصبر الجميل في المصائب ألا يُعرَف صاحبُ المصيبة بين جماعته [لتجلده] في صبره [واحتسابه]. * * - ثم قال: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً﴾. (أي): إن هؤلاء [المشركين] - الذين سألوا العذاب الواقع عليهم - يرون وقوع العذاب عليهم بعيداً إذ لا يصدقون به، ونحن نراه قريباً؛ لأنه كائن لا بد منه، وكل ما هو كائن فهو قريب.

المعارج 70:4

قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾، إلى قوله: ﴿وَنَرَاهُ قَرِيباً﴾. أكثر المفسرين على أنه من السؤال، ونزلت في (النضر بن الحارث) حين قال: ﴿ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ...﴾ [الأنفال: ٣٢] الآية. وأصله الهمز. قال ابن عباس: ذلك سؤال الكفار عن عذاب الله وهو واقع [بهم]. قال مجاهد: ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ﴾ أي: دعا داع بعذاب الله وهو واقع بهم في الآخرة، قال: وهو قولهم ﴿ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ﴾ الآية. قال ابن عباس: [هو قول] النضر بن الحارث بن كلدة. وقال قتادة: (سأل عذاب الله أقوام، فبين الله على من يقع)، على الكافرين. (وروى عروة بن ثابت أنه من السيلان وأنه واحد من أودية جهنم يقال له: سائل. فتكون الهمزة بدلاً من "يا" في سائل. * * وقوله: ﴿بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ معناه بعذاب للكافرين واجب لهم يوم القيامة واقع بهم. وقيل (للكافرين). معناه: على الكافرين، قاله الضحاك، وكذلك هي في قراءة أبي: "على الكافرين"). وقال الفراء: التقدير: بعذاب للكافرين واقع، ولا يجوز عندهم تعلق. "للكافرين" بـ "واقع". وقال الحسن: أنزل الله جل وعز ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ فقالوا: لمن هو؟ وعلى من يقع؟ فأنزل الله: ﴿لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾، فهذا يدل (على) تعلق اللام بـ "واقع". فأما الباء في ﴿بِعَذَابٍ﴾ فإن المبرد يقول: هي متعلقة بالمصدر الذي دَلَّ عليه الفعل. وقال غيره: هي زائدة بمنزلة قوله ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج: ٢٥]. والباء - في قول من جعله من السؤال - بمعنى "عن"، وهو قول الحسن، وقاله من أهل اللغة ابن السّكّيت. - وقوله ﴿لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾. أي: ليس للعذاب الواقع على الكافرين من الله رادٌّ يرده عنهم. - وقوله ﴿ذِي ٱلْمَعَارِجِ﴾: أي: ذو العلو والدرجات والفواضل والنعم، قاله ابن عباس وقتادة. وعن ابن عباس: ﴿ذِي ٱلْمَعَارِجِ﴾ ذي الدرجات. وقيل: إن الملائكة تعرج إليه، فنسب (ذلك إلى نفسه). * * - ثم قال تعالى: ﴿تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ﴾. أي: تصعد الملائكة والروح - وهو جبريل عليه السلام إلى الله. * * ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. أي: كان مقدار صعودهم ذلك - لغيرهم من الخلق - خمسين ألف سنة، وهم يصعدون في يوم يقدره الله، وذلك أنها تصعد من منتهى أمر الله جل ذكره من أسفل الأرض السابعة إلى منتهى أمره من فوق السماوات السبع، هذا معنى قول مجاهد. قال مجاهد: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] يعني بذلك نزول الوحي من السماء إلى الأرض ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد، فذلك مقداره ألف سنة؛ لأن ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة سنة. وقال عكرمة: ﴿كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: في يوم واحد من القضاء كعدل خمسين ألف سنة. وروى عكرمة عن ابن عباس: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: هو يوم القيامة. وهو قول [مجاهد] وقتادة. وقيل: المعنى: لو حكم في ذلك اليوم أعقل الناس وأعدلهم لأقام خمسين ألف سنة قبل أن يحكم بين اثنين. والروح: جبريل عليه السلام. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير والتقدير: سأل سائل بعذاب واقع في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة للكافرين. أي: ذلك اليوم على الكافرين في صعوبته كقدر صعوبة خمسين ألف سنة. * * - ثم قال ﴿تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ قال ابن عباس: جعل الله يوم القيامة على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة، أي: محاسبة الله الخلق [فيه] وإثابتهم أو معاقبتهم مقدار خمسين ألف سنة لو كان غير الله المحاسب والمجازي. ودل على هذا المعنى ما روى أبو سعيد الخدري أنه قيل للنبي عليه السلام: ما أطول هذا اليوم! فقال: "إنه على المؤمن أخف من صلاة مكتوبة يصليها" وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال: الدنيا كلها من أولها إلى آخرها خمسونَ ألف سنة، لا يدري أَحَدٌ كَمْ مضى منها، ولا كَمْ بقي. وروى (عن) ابن عباس توقف عن تفسيره. (وقد قال مجاهد (في قوله) تعالى): ﴿تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ قال: الروح خلق الله مع الملائكة لا تراهم الملائكة كما لا ترون أنتم الملائكة. * * - ثم قال: ﴿فَٱصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾. أي: فاصبر يا محمد على أذاء هؤلاء المشركين لك، ولا يمنعك ما تلقى منهم من المكروه من تبليغ ما أمرك الله (به) من الرسالة (إليهم). * * ومعنى ﴿جَمِيلاً﴾: أي: لا حرج فيه، قال ابن زيد: هذا منسوخ، إنما كان قبل الأمر بالقتال، ثم أمر بالقتال والغلظة (عليهم) والشدة، وقيل: هو محكم؛ لأن النبي عليه السلام لم يزل صابراً عليهم محتملاً. ويقال: الصبر الجميل في المصائب ألا يُعرَف صاحبُ المصيبة بين جماعته [لتجلده] في صبره [واحتسابه]. * * - ثم قال: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً﴾. (أي): إن هؤلاء [المشركين] - الذين سألوا العذاب الواقع عليهم - يرون وقوع العذاب عليهم بعيداً إذ لا يصدقون به، ونحن نراه قريباً؛ لأنه كائن لا بد منه، وكل ما هو كائن فهو قريب.

المعارج 70:5

قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾، إلى قوله: ﴿وَنَرَاهُ قَرِيباً﴾. أكثر المفسرين على أنه من السؤال، ونزلت في (النضر بن الحارث) حين قال: ﴿ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ...﴾ [الأنفال: ٣٢] الآية. وأصله الهمز. قال ابن عباس: ذلك سؤال الكفار عن عذاب الله وهو واقع [بهم]. قال مجاهد: ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ﴾ أي: دعا داع بعذاب الله وهو واقع بهم في الآخرة، قال: وهو قولهم ﴿ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ﴾ الآية. قال ابن عباس: [هو قول] النضر بن الحارث بن كلدة. وقال قتادة: (سأل عذاب الله أقوام، فبين الله على من يقع)، على الكافرين. (وروى عروة بن ثابت أنه من السيلان وأنه واحد من أودية جهنم يقال له: سائل. فتكون الهمزة بدلاً من "يا" في سائل. * * وقوله: ﴿بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ معناه بعذاب للكافرين واجب لهم يوم القيامة واقع بهم. وقيل (للكافرين). معناه: على الكافرين، قاله الضحاك، وكذلك هي في قراءة أبي: "على الكافرين"). وقال الفراء: التقدير: بعذاب للكافرين واقع، ولا يجوز عندهم تعلق. "للكافرين" بـ "واقع". وقال الحسن: أنزل الله جل وعز ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ فقالوا: لمن هو؟ وعلى من يقع؟ فأنزل الله: ﴿لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾، فهذا يدل (على) تعلق اللام بـ "واقع". فأما الباء في ﴿بِعَذَابٍ﴾ فإن المبرد يقول: هي متعلقة بالمصدر الذي دَلَّ عليه الفعل. وقال غيره: هي زائدة بمنزلة قوله ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج: ٢٥]. والباء - في قول من جعله من السؤال - بمعنى "عن"، وهو قول الحسن، وقاله من أهل اللغة ابن السّكّيت. - وقوله ﴿لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾. أي: ليس للعذاب الواقع على الكافرين من الله رادٌّ يرده عنهم. - وقوله ﴿ذِي ٱلْمَعَارِجِ﴾: أي: ذو العلو والدرجات والفواضل والنعم، قاله ابن عباس وقتادة. وعن ابن عباس: ﴿ذِي ٱلْمَعَارِجِ﴾ ذي الدرجات. وقيل: إن الملائكة تعرج إليه، فنسب (ذلك إلى نفسه). * * - ثم قال تعالى: ﴿تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ﴾. أي: تصعد الملائكة والروح - وهو جبريل عليه السلام إلى الله. * * ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. أي: كان مقدار صعودهم ذلك - لغيرهم من الخلق - خمسين ألف سنة، وهم يصعدون في يوم يقدره الله، وذلك أنها تصعد من منتهى أمر الله جل ذكره من أسفل الأرض السابعة إلى منتهى أمره من فوق السماوات السبع، هذا معنى قول مجاهد. قال مجاهد: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] يعني بذلك نزول الوحي من السماء إلى الأرض ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد، فذلك مقداره ألف سنة؛ لأن ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة سنة. وقال عكرمة: ﴿كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: في يوم واحد من القضاء كعدل خمسين ألف سنة. وروى عكرمة عن ابن عباس: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: هو يوم القيامة. وهو قول [مجاهد] وقتادة. وقيل: المعنى: لو حكم في ذلك اليوم أعقل الناس وأعدلهم لأقام خمسين ألف سنة قبل أن يحكم بين اثنين. والروح: جبريل عليه السلام. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير والتقدير: سأل سائل بعذاب واقع في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة للكافرين. أي: ذلك اليوم على الكافرين في صعوبته كقدر صعوبة خمسين ألف سنة. * * - ثم قال ﴿تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ قال ابن عباس: جعل الله يوم القيامة على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة، أي: محاسبة الله الخلق [فيه] وإثابتهم أو معاقبتهم مقدار خمسين ألف سنة لو كان غير الله المحاسب والمجازي. ودل على هذا المعنى ما روى أبو سعيد الخدري أنه قيل للنبي عليه السلام: ما أطول هذا اليوم! فقال: "إنه على المؤمن أخف من صلاة مكتوبة يصليها" وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال: الدنيا كلها من أولها إلى آخرها خمسونَ ألف سنة، لا يدري أَحَدٌ كَمْ مضى منها، ولا كَمْ بقي. وروى (عن) ابن عباس توقف عن تفسيره. (وقد قال مجاهد (في قوله) تعالى): ﴿تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ قال: الروح خلق الله مع الملائكة لا تراهم الملائكة كما لا ترون أنتم الملائكة. * * - ثم قال: ﴿فَٱصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾. أي: فاصبر يا محمد على أذاء هؤلاء المشركين لك، ولا يمنعك ما تلقى منهم من المكروه من تبليغ ما أمرك الله (به) من الرسالة (إليهم). * * ومعنى ﴿جَمِيلاً﴾: أي: لا حرج فيه، قال ابن زيد: هذا منسوخ، إنما كان قبل الأمر بالقتال، ثم أمر بالقتال والغلظة (عليهم) والشدة، وقيل: هو محكم؛ لأن النبي عليه السلام لم يزل صابراً عليهم محتملاً. ويقال: الصبر الجميل في المصائب ألا يُعرَف صاحبُ المصيبة بين جماعته [لتجلده] في صبره [واحتسابه]. * * - ثم قال: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً﴾. (أي): إن هؤلاء [المشركين] - الذين سألوا العذاب الواقع عليهم - يرون وقوع العذاب عليهم بعيداً إذ لا يصدقون به، ونحن نراه قريباً؛ لأنه كائن لا بد منه، وكل ما هو كائن فهو قريب.

المعارج 70:6

قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾، إلى قوله: ﴿وَنَرَاهُ قَرِيباً﴾. أكثر المفسرين على أنه من السؤال، ونزلت في (النضر بن الحارث) حين قال: ﴿ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ...﴾ [الأنفال: ٣٢] الآية. وأصله الهمز. قال ابن عباس: ذلك سؤال الكفار عن عذاب الله وهو واقع [بهم]. قال مجاهد: ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ﴾ أي: دعا داع بعذاب الله وهو واقع بهم في الآخرة، قال: وهو قولهم ﴿ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ﴾ الآية. قال ابن عباس: [هو قول] النضر بن الحارث بن كلدة. وقال قتادة: (سأل عذاب الله أقوام، فبين الله على من يقع)، على الكافرين. (وروى عروة بن ثابت أنه من السيلان وأنه واحد من أودية جهنم يقال له: سائل. فتكون الهمزة بدلاً من "يا" في سائل. * * وقوله: ﴿بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ معناه بعذاب للكافرين واجب لهم يوم القيامة واقع بهم. وقيل (للكافرين). معناه: على الكافرين، قاله الضحاك، وكذلك هي في قراءة أبي: "على الكافرين"). وقال الفراء: التقدير: بعذاب للكافرين واقع، ولا يجوز عندهم تعلق. "للكافرين" بـ "واقع". وقال الحسن: أنزل الله جل وعز ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ فقالوا: لمن هو؟ وعلى من يقع؟ فأنزل الله: ﴿لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾، فهذا يدل (على) تعلق اللام بـ "واقع". فأما الباء في ﴿بِعَذَابٍ﴾ فإن المبرد يقول: هي متعلقة بالمصدر الذي دَلَّ عليه الفعل. وقال غيره: هي زائدة بمنزلة قوله ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج: ٢٥]. والباء - في قول من جعله من السؤال - بمعنى "عن"، وهو قول الحسن، وقاله من أهل اللغة ابن السّكّيت. - وقوله ﴿لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾. أي: ليس للعذاب الواقع على الكافرين من الله رادٌّ يرده عنهم. - وقوله ﴿ذِي ٱلْمَعَارِجِ﴾: أي: ذو العلو والدرجات والفواضل والنعم، قاله ابن عباس وقتادة. وعن ابن عباس: ﴿ذِي ٱلْمَعَارِجِ﴾ ذي الدرجات. وقيل: إن الملائكة تعرج إليه، فنسب (ذلك إلى نفسه). * * - ثم قال تعالى: ﴿تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ﴾. أي: تصعد الملائكة والروح - وهو جبريل عليه السلام إلى الله. * * ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. أي: كان مقدار صعودهم ذلك - لغيرهم من الخلق - خمسين ألف سنة، وهم يصعدون في يوم يقدره الله، وذلك أنها تصعد من منتهى أمر الله جل ذكره من أسفل الأرض السابعة إلى منتهى أمره من فوق السماوات السبع، هذا معنى قول مجاهد. قال مجاهد: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] يعني بذلك نزول الوحي من السماء إلى الأرض ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد، فذلك مقداره ألف سنة؛ لأن ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة سنة. وقال عكرمة: ﴿كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: في يوم واحد من القضاء كعدل خمسين ألف سنة. وروى عكرمة عن ابن عباس: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: هو يوم القيامة. وهو قول [مجاهد] وقتادة. وقيل: المعنى: لو حكم في ذلك اليوم أعقل الناس وأعدلهم لأقام خمسين ألف سنة قبل أن يحكم بين اثنين. والروح: جبريل عليه السلام. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير والتقدير: سأل سائل بعذاب واقع في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة للكافرين. أي: ذلك اليوم على الكافرين في صعوبته كقدر صعوبة خمسين ألف سنة. * * - ثم قال ﴿تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ قال ابن عباس: جعل الله يوم القيامة على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة، أي: محاسبة الله الخلق [فيه] وإثابتهم أو معاقبتهم مقدار خمسين ألف سنة لو كان غير الله المحاسب والمجازي. ودل على هذا المعنى ما روى أبو سعيد الخدري أنه قيل للنبي عليه السلام: ما أطول هذا اليوم! فقال: "إنه على المؤمن أخف من صلاة مكتوبة يصليها" وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال: الدنيا كلها من أولها إلى آخرها خمسونَ ألف سنة، لا يدري أَحَدٌ كَمْ مضى منها، ولا كَمْ بقي. وروى (عن) ابن عباس توقف عن تفسيره. (وقد قال مجاهد (في قوله) تعالى): ﴿تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ قال: الروح خلق الله مع الملائكة لا تراهم الملائكة كما لا ترون أنتم الملائكة. * * - ثم قال: ﴿فَٱصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾. أي: فاصبر يا محمد على أذاء هؤلاء المشركين لك، ولا يمنعك ما تلقى منهم من المكروه من تبليغ ما أمرك الله (به) من الرسالة (إليهم). * * ومعنى ﴿جَمِيلاً﴾: أي: لا حرج فيه، قال ابن زيد: هذا منسوخ، إنما كان قبل الأمر بالقتال، ثم أمر بالقتال والغلظة (عليهم) والشدة، وقيل: هو محكم؛ لأن النبي عليه السلام لم يزل صابراً عليهم محتملاً. ويقال: الصبر الجميل في المصائب ألا يُعرَف صاحبُ المصيبة بين جماعته [لتجلده] في صبره [واحتسابه]. * * - ثم قال: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً﴾. (أي): إن هؤلاء [المشركين] - الذين سألوا العذاب الواقع عليهم - يرون وقوع العذاب عليهم بعيداً إذ لا يصدقون به، ونحن نراه قريباً؛ لأنه كائن لا بد منه، وكل ما هو كائن فهو قريب.

المعارج 70:7

قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾، إلى قوله: ﴿وَنَرَاهُ قَرِيباً﴾. أكثر المفسرين على أنه من السؤال، ونزلت في (النضر بن الحارث) حين قال: ﴿ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ...﴾ [الأنفال: ٣٢] الآية. وأصله الهمز. قال ابن عباس: ذلك سؤال الكفار عن عذاب الله وهو واقع [بهم]. قال مجاهد: ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ﴾ أي: دعا داع بعذاب الله وهو واقع بهم في الآخرة، قال: وهو قولهم ﴿ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ﴾ الآية. قال ابن عباس: [هو قول] النضر بن الحارث بن كلدة. وقال قتادة: (سأل عذاب الله أقوام، فبين الله على من يقع)، على الكافرين. (وروى عروة بن ثابت أنه من السيلان وأنه واحد من أودية جهنم يقال له: سائل. فتكون الهمزة بدلاً من "يا" في سائل. * * وقوله: ﴿بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ معناه بعذاب للكافرين واجب لهم يوم القيامة واقع بهم. وقيل (للكافرين). معناه: على الكافرين، قاله الضحاك، وكذلك هي في قراءة أبي: "على الكافرين"). وقال الفراء: التقدير: بعذاب للكافرين واقع، ولا يجوز عندهم تعلق. "للكافرين" بـ "واقع". وقال الحسن: أنزل الله جل وعز ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ فقالوا: لمن هو؟ وعلى من يقع؟ فأنزل الله: ﴿لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾، فهذا يدل (على) تعلق اللام بـ "واقع". فأما الباء في ﴿بِعَذَابٍ﴾ فإن المبرد يقول: هي متعلقة بالمصدر الذي دَلَّ عليه الفعل. وقال غيره: هي زائدة بمنزلة قوله ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج: ٢٥]. والباء - في قول من جعله من السؤال - بمعنى "عن"، وهو قول الحسن، وقاله من أهل اللغة ابن السّكّيت. - وقوله ﴿لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾. أي: ليس للعذاب الواقع على الكافرين من الله رادٌّ يرده عنهم. - وقوله ﴿ذِي ٱلْمَعَارِجِ﴾: أي: ذو العلو والدرجات والفواضل والنعم، قاله ابن عباس وقتادة. وعن ابن عباس: ﴿ذِي ٱلْمَعَارِجِ﴾ ذي الدرجات. وقيل: إن الملائكة تعرج إليه، فنسب (ذلك إلى نفسه). * * - ثم قال تعالى: ﴿تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ﴾. أي: تصعد الملائكة والروح - وهو جبريل عليه السلام إلى الله. * * ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. أي: كان مقدار صعودهم ذلك - لغيرهم من الخلق - خمسين ألف سنة، وهم يصعدون في يوم يقدره الله، وذلك أنها تصعد من منتهى أمر الله جل ذكره من أسفل الأرض السابعة إلى منتهى أمره من فوق السماوات السبع، هذا معنى قول مجاهد. قال مجاهد: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] يعني بذلك نزول الوحي من السماء إلى الأرض ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد، فذلك مقداره ألف سنة؛ لأن ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة سنة. وقال عكرمة: ﴿كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: في يوم واحد من القضاء كعدل خمسين ألف سنة. وروى عكرمة عن ابن عباس: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: هو يوم القيامة. وهو قول [مجاهد] وقتادة. وقيل: المعنى: لو حكم في ذلك اليوم أعقل الناس وأعدلهم لأقام خمسين ألف سنة قبل أن يحكم بين اثنين. والروح: جبريل عليه السلام. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير والتقدير: سأل سائل بعذاب واقع في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة للكافرين. أي: ذلك اليوم على الكافرين في صعوبته كقدر صعوبة خمسين ألف سنة. * * - ثم قال ﴿تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ قال ابن عباس: جعل الله يوم القيامة على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة، أي: محاسبة الله الخلق [فيه] وإثابتهم أو معاقبتهم مقدار خمسين ألف سنة لو كان غير الله المحاسب والمجازي. ودل على هذا المعنى ما روى أبو سعيد الخدري أنه قيل للنبي عليه السلام: ما أطول هذا اليوم! فقال: "إنه على المؤمن أخف من صلاة مكتوبة يصليها" وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال: الدنيا كلها من أولها إلى آخرها خمسونَ ألف سنة، لا يدري أَحَدٌ كَمْ مضى منها، ولا كَمْ بقي. وروى (عن) ابن عباس توقف عن تفسيره. (وقد قال مجاهد (في قوله) تعالى): ﴿تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ قال: الروح خلق الله مع الملائكة لا تراهم الملائكة كما لا ترون أنتم الملائكة. * * - ثم قال: ﴿فَٱصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾. أي: فاصبر يا محمد على أذاء هؤلاء المشركين لك، ولا يمنعك ما تلقى منهم من المكروه من تبليغ ما أمرك الله (به) من الرسالة (إليهم). * * ومعنى ﴿جَمِيلاً﴾: أي: لا حرج فيه، قال ابن زيد: هذا منسوخ، إنما كان قبل الأمر بالقتال، ثم أمر بالقتال والغلظة (عليهم) والشدة، وقيل: هو محكم؛ لأن النبي عليه السلام لم يزل صابراً عليهم محتملاً. ويقال: الصبر الجميل في المصائب ألا يُعرَف صاحبُ المصيبة بين جماعته [لتجلده] في صبره [واحتسابه]. * * - ثم قال: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً﴾. (أي): إن هؤلاء [المشركين] - الذين سألوا العذاب الواقع عليهم - يرون وقوع العذاب عليهم بعيداً إذ لا يصدقون به، ونحن نراه قريباً؛ لأنه كائن لا بد منه، وكل ما هو كائن فهو قريب.

المعارج 70:8

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ﴾، إلى قوله: ﴿غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾. أي: ونرى العذاب قريباً (في) يوم تكون (فيه) السماء كالمهل. وقيل: التقدير: يبصرونهم يوم [تكون]. وقيل: التقدير: احذروا يوم تكون السماء كالمهل، قال مجاهد: "كعكر الزيت". وقال قتادة: تحول لوناً آخر إلى الخضرة، وقد تقدم ذكر "المهل" بأشبع من هذا. * * ثم قال: ﴿وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ﴾. قال مجاهد: كالصوف. وهو جمع "عهنة"، وأهل اللغة على أنه لا يقال (للصوف) "عهن" حتى يكون مصبوغاً. * * - ثم قال: ﴿وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾. أي: ولا يسأل قريب ولا صديق عن قريبه ولا عن صديقه لشغله بنفسه. * * ومعنى ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ أي: يُبَصَّرُ كلُّ إنسان قَرِينَهُ فيعرفه. قال ابن عباس: يعرف بعضهم بعضاً، ويتعارفون، ثم يفر بعضهم [من] بعضهم، بعد ذلك، يقول الله: ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧]، وهو قول قتادة. فالهاء والميم - على هذا - للأقرباء، والضمير في [يُبَصَّرُونَ] للكفار، فالهاء والميم للأقرباء، أي: يبصر الله الكفار أقرباءهم في القيامة ويعرفهم بهم، فهو تأويل موافق لصدر الآية؛ لأنه قد ذكر القريب وقريبه، وهذا مثل قوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ [عبس: ٣٤-٣٥] الآية. وقال مجاهد: معناه: يبصر الله المؤمنين الكفار في القيامة. فيكون الضمير في "يُبَصَّرونَ" للمؤمنين، والهاء والميم للكفار. وقال ابن زيد: معناه: يبصر الله الكفار الذين أضلوهم في الدنيا في النار. فيكون الضمير في ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ للكفار التابعين، والهاء والميم للمتبوعين. وقد روي عن ابن كثير وأبي جعفر يزيد وشيبة: أنهم قرأوا: "وَلاَ يُسْأَلُ حَمِيمٌ" على ما لم يسم فاعله. ومعناه: لا يقال لقريب: أين قريبك؟، (أي): لا يطلب بعضهم بِبَعْضٍ. ويجوز أن يكون معناه: ولا يسأل إنسان عن ذنب قريبه، مثل قوله: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: ١٦٤]. * * - ثم قال ﴿يَوَدُّ ٱلْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾. (أي: يتمنى الكافر يوم القيامة لو يفتدي من العذاب ببنيه). ﴿وَصَاحِبَتِهِ...﴾ وهي زوجته، ﴿(وَأَخِيهِ)﴾ ﴿وَفَصِيلَتِهِ...﴾: عشيرته، ﴿ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ أي: التي تضمه إلى رحلها ومنزلها لقرابة ما بينها وبينه. * * - ثم قال: ﴿وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ﴾. أي: ويود لو يفتدي بمن في الأرض جميعاً ثم ينجيه ذلك من عذاب الله، أي: لو وجد إلى ذلك سبيلاً من عظيم ما نزل به لفعله. وجواب "لَوْ" قوله: ﴿ثُمَّ يُنجِيهِ﴾، وقيل "ثُمَّ" بمعنى الفاء أي: فَيُنَجِّيه ذلك، فهو مثل قوله ﴿لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] الفاء جواب "لَوْ". قال قتادة: ﴿وَفَصِيلَتِهِ ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ "الأحب فالأحب، والأقرب فالأقرب من أهله وعشيرته...". قال الخليل: الفصيلة فخذ الرجل من قومه. وقال مجاهد: فصيلته: "قبيلته". وقال ابن زيد: "عشيرته". وفاعل "يُنْجِيهِ" محذوف، والتقدير: ثم ينجيه ذلك الافتداء، ودل "يفتدي" على الافتداء. قالت سودة: قال رسول الله ﷺ: يحشر الناس حفاةً عراةً غُرلاً حتى ألجمهم العرق وبلغ شحم الآذان. قالت: (قلت): واسوءتاه يا رسول الله، أينظر بعضنا إلى بعض؟! قال رسول الله ﷺ: شُغِلَ النَّاسُ ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهَا لَظَىٰ * نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ﴾. أي: ليس الأمر على ما يتمنون، ولا يفيدهم (من عذاب الله شيء. ثم ابتدأ بالإخبار عما أَعدَّ لهم من العذاب فقال: ﴿إِنَّهَا) لَظَىٰ﴾، و "لظى" اسم من أسماء جهنم، ولذلك لم تَنْصَرِفْ. ومعنى: "نزاعة للشوى": تنزع جلدة الرأس وأطراف البدن. والشوى جمع: شواة، وهي الأطراف. قال ابن عباس: ﴿نَزَّا(عَةً) لِّلشَّوَىٰ﴾ أي "تنزع أم الرأس". وعنه: يعني "الجلود والهام". وقال مجاهد: "[لجلود] الرأس". وعنه: تنزع اللحم دون العظم. وقال أبو صالح: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "للحم الساقين". [وقاله] مجاهد أيضاً. وقال الحسن: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "للهام، تحرق كل شيء منه ويبقى فؤاده نضيجاً". وقال الضحاك: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "تبدي اللحم والجلد عن العظم حتى لا تترك منه شيئاً". وقال ابن زيد: الشوى: "الأراب العظام، قال: تقطع عظامهم كما ترى ثم تحرق خلقهم وتبدل جلودهم". قال ابن جبير: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾ "للعصب والعقب". وعن مجاهد أيضاً: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: للجلد. وعنه: للأطراف. وقال ثابت البناني: للشوى: لِمَكَارِمِ وجه ابن آدم. * * - ثم قال تعالى: ﴿تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ﴾. أي: تدعو لظى إلى نفسها من أدبر عن طاعة الله وتولى عن الإيمان بالله وبكتبه وَرُسُلِه، هذا معنى قول قتادة. قال ابن زيد: ليس لها سلطان (إلا على من أدبر وتولى [وكفر وتولى]، فأما من آمن بالله ورسوله فليس له عليه سلطان). قال الخليل بن أحمد "ليس دعاؤها كالدعاء: "تعالوا" و "هلم". ولكن دعوتها [إيَاهم] ما تفعل بهم من الأفاعيل، يعنى نار جهنم نعوذ بالله منها. وقيل: معنى "تدعو" تريد وتطلب، كما قال: ﴿وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] أي: يريدون ويطلبون، فهو "يفتعل" من الدعاء. ويقال: تداعت الحيطان إذا انقاضت. وتداعى عليه العدو: إذا أتى من كل جانب. وتداعت القبائل على بني فلان، إذا أقبلوا لحربهم. [ودواعي] الدهر: صروفه. * * - وقوله: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ﴾. أي: وتدعو من جمع مالاً فجعله في وعائه ومنع حق الله منه. ومعنى "أوعى": أحاط بِمَنْعِ المَالِ وحِفْظِه، ومنه: وَعيْت العلم، وأذنٌ واعيةٌ. * * - ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾. الهلوع - عند أهل اللغة -: الجزوع، وهو هنا الذي يستعمل في حال الفقر من الجزع ما لا يجب أن يستعمله، وفي الغنى ما لا ينبغي أن يستعمله من منع الحق الواجب فيه وقلة الشكر. وقيل: الهلع شدة الجزع مع شدة الحرص والضجر. وقد فسر الله جل ذكره لنا الهَلوع من هو فقال: ﴿إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً﴾. وعن ابن عباس: الهلوع الجزوع: الحريص، وهذا كله في الكفار. قال الضحاك ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ﴾ يعني الكافر ﴿خُلِقَ هَلُوعاً﴾ أي: بخيلاً فهو منوع للخير جزوع إذا نزل به البلاء. قال ابن جبير: ﴿هَلُوعاً﴾ "شحيحاً، جزوعاً". وقال عكرمة: ضجوراً. وقال قتادة وابن زيد: الهلوع: الجزوع. - وقوله ﴿إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً﴾ أي: إذا قل ماله وناله الفقر والعدم فهو جزوع من ذلك لا صبر له عليه. ﴿وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ أي: إذا كثر ماله فهو بخيل بما في يديه لا ينفقه في طاعة الله ولا يؤدي منه حق الله. - ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِلاَّ ٱلْمُصَلِّينَ﴾. (أي): إلا الذين يطيعون الله بأداء فرائضه، [فليسوا] بداخلين في عدد من خلق هلوعاً وهو [كافر] بربه. وذكر بعض العلماء أن المصلين هنا الذين كانوا مع رسول الله، وهو قول ابن زيد. وقال غيره: هي في كل من صلى الخمس: قال النخعي ﴿ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ﴾ عني به الصلوات الخمس. وقال [عقبة بن عامر] ﴿دَآئِمُونَ﴾ لا يلتفتون في صلاتهم خلفهم ولا عن أيمانهم ولا عن شمائلهم. * * - ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ فِيۤ أَمْوَٰلِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾. أي: موقت، وهو الزكاة ﴿لِّلسَّآئِلِ﴾ [أي] للذي يسأل ﴿وَٱلْمَحْرُومِ﴾ الذي حرم الغنى وهو فقير لا يسأل. قال قتادة: الحق المعلوم: "الزكاة المفروضة". وعن ابن عباس أنه حقٌّ آخَر غير الزكاة. وسئل ابن عمر عن الحق المعلوم أهو الزكاة؟ فقال: "إن عليك حقوقاً سوى ذلك". وقال الشعبي: "إن في المال حقاً سوى الزكاة"، وهو قول مجاهد. وهذا إنما هو على الندب والترغيب لا على الفرض؛ لأن المسلمين قد أجمعوا (على) ألا فرض في المال سوى الزكاة المعلومة، وقد تقدم (ذكر) اختلافهم في المحروم في "والذّارِيَاتِ" وأضفنا الأقوال إلى أصحابها، ونحن نذكره هنا مجملاً: قيل: هو المحارف الذي لا سهم له في الإسلام. وقيل: هو الذي لا سهم له (في) الغنيمة. وقيل: هو الذي لا ينمى له مال. وقيل: هو الذي اجتيح ماله. وقيل: هو المصاب بزرعه. وقيل: هو "المتعفف". * * - ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ﴾. أي: يؤمنون بالبعث والجزاء والجنة والنار. ﴿وَٱلَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ﴾: أي: هم وَجِلُونَ في الدنيا خوفاً (أن) يعذبهم ربُّهم في الآخرة، فهم من [خوفه] لا يضيعون فرائضه ولا يتعدون إلى ما حرم عليهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾: أي: لا يُؤمَن منه من عصى ربه. والوقف على "لَظَى" جائز حسن في قراءة من رفع "نَزَّاعَةٌ"، على تقدير: هي نزاعة. ومن جعل ﴿لَظَىٰ * (نَزَّاعَةً)﴾ بدلاً من اسم "إن" وجعل "نَزَّاعَةٌ" "خبر" إن لم يقف على "لَظَى". وكذلك إن رفع ﴿نَزَّاعَةً﴾ على البدل من ﴿لَظَىٰ﴾ أَوْ على أنها خبر بعد خبر، وكذلك إن جعل الضمير في "إِنَّهَا" للقصة لم يقف على "لظى"، لأن "نزاعة" خبر "لظى". فإن نصبت "نَزَّاعَةً" فعلى الحال من "لظى"؛ لأنها معرفة. [ولا] يوقف أيضا - على هذا القول - على "لَظَى". وقد رد المبرد النصب ومنع جوازه، [قال]: لأنه لا يجوز أن تكون لظى إلا نزاعة للشوى، وليس كذا سبيل الحال.

المعارج 70:9

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ﴾، إلى قوله: ﴿غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾. أي: ونرى العذاب قريباً (في) يوم تكون (فيه) السماء كالمهل. وقيل: التقدير: يبصرونهم يوم [تكون]. وقيل: التقدير: احذروا يوم تكون السماء كالمهل، قال مجاهد: "كعكر الزيت". وقال قتادة: تحول لوناً آخر إلى الخضرة، وقد تقدم ذكر "المهل" بأشبع من هذا. * * ثم قال: ﴿وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ﴾. قال مجاهد: كالصوف. وهو جمع "عهنة"، وأهل اللغة على أنه لا يقال (للصوف) "عهن" حتى يكون مصبوغاً. * * - ثم قال: ﴿وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾. أي: ولا يسأل قريب ولا صديق عن قريبه ولا عن صديقه لشغله بنفسه. * * ومعنى ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ أي: يُبَصَّرُ كلُّ إنسان قَرِينَهُ فيعرفه. قال ابن عباس: يعرف بعضهم بعضاً، ويتعارفون، ثم يفر بعضهم [من] بعضهم، بعد ذلك، يقول الله: ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧]، وهو قول قتادة. فالهاء والميم - على هذا - للأقرباء، والضمير في [يُبَصَّرُونَ] للكفار، فالهاء والميم للأقرباء، أي: يبصر الله الكفار أقرباءهم في القيامة ويعرفهم بهم، فهو تأويل موافق لصدر الآية؛ لأنه قد ذكر القريب وقريبه، وهذا مثل قوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ [عبس: ٣٤-٣٥] الآية. وقال مجاهد: معناه: يبصر الله المؤمنين الكفار في القيامة. فيكون الضمير في "يُبَصَّرونَ" للمؤمنين، والهاء والميم للكفار. وقال ابن زيد: معناه: يبصر الله الكفار الذين أضلوهم في الدنيا في النار. فيكون الضمير في ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ للكفار التابعين، والهاء والميم للمتبوعين. وقد روي عن ابن كثير وأبي جعفر يزيد وشيبة: أنهم قرأوا: "وَلاَ يُسْأَلُ حَمِيمٌ" على ما لم يسم فاعله. ومعناه: لا يقال لقريب: أين قريبك؟، (أي): لا يطلب بعضهم بِبَعْضٍ. ويجوز أن يكون معناه: ولا يسأل إنسان عن ذنب قريبه، مثل قوله: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: ١٦٤]. * * - ثم قال ﴿يَوَدُّ ٱلْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾. (أي: يتمنى الكافر يوم القيامة لو يفتدي من العذاب ببنيه). ﴿وَصَاحِبَتِهِ...﴾ وهي زوجته، ﴿(وَأَخِيهِ)﴾ ﴿وَفَصِيلَتِهِ...﴾: عشيرته، ﴿ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ أي: التي تضمه إلى رحلها ومنزلها لقرابة ما بينها وبينه. * * - ثم قال: ﴿وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ﴾. أي: ويود لو يفتدي بمن في الأرض جميعاً ثم ينجيه ذلك من عذاب الله، أي: لو وجد إلى ذلك سبيلاً من عظيم ما نزل به لفعله. وجواب "لَوْ" قوله: ﴿ثُمَّ يُنجِيهِ﴾، وقيل "ثُمَّ" بمعنى الفاء أي: فَيُنَجِّيه ذلك، فهو مثل قوله ﴿لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] الفاء جواب "لَوْ". قال قتادة: ﴿وَفَصِيلَتِهِ ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ "الأحب فالأحب، والأقرب فالأقرب من أهله وعشيرته...". قال الخليل: الفصيلة فخذ الرجل من قومه. وقال مجاهد: فصيلته: "قبيلته". وقال ابن زيد: "عشيرته". وفاعل "يُنْجِيهِ" محذوف، والتقدير: ثم ينجيه ذلك الافتداء، ودل "يفتدي" على الافتداء. قالت سودة: قال رسول الله ﷺ: يحشر الناس حفاةً عراةً غُرلاً حتى ألجمهم العرق وبلغ شحم الآذان. قالت: (قلت): واسوءتاه يا رسول الله، أينظر بعضنا إلى بعض؟! قال رسول الله ﷺ: شُغِلَ النَّاسُ ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهَا لَظَىٰ * نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ﴾. أي: ليس الأمر على ما يتمنون، ولا يفيدهم (من عذاب الله شيء. ثم ابتدأ بالإخبار عما أَعدَّ لهم من العذاب فقال: ﴿إِنَّهَا) لَظَىٰ﴾، و "لظى" اسم من أسماء جهنم، ولذلك لم تَنْصَرِفْ. ومعنى: "نزاعة للشوى": تنزع جلدة الرأس وأطراف البدن. والشوى جمع: شواة، وهي الأطراف. قال ابن عباس: ﴿نَزَّا(عَةً) لِّلشَّوَىٰ﴾ أي "تنزع أم الرأس". وعنه: يعني "الجلود والهام". وقال مجاهد: "[لجلود] الرأس". وعنه: تنزع اللحم دون العظم. وقال أبو صالح: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "للحم الساقين". [وقاله] مجاهد أيضاً. وقال الحسن: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "للهام، تحرق كل شيء منه ويبقى فؤاده نضيجاً". وقال الضحاك: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "تبدي اللحم والجلد عن العظم حتى لا تترك منه شيئاً". وقال ابن زيد: الشوى: "الأراب العظام، قال: تقطع عظامهم كما ترى ثم تحرق خلقهم وتبدل جلودهم". قال ابن جبير: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾ "للعصب والعقب". وعن مجاهد أيضاً: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: للجلد. وعنه: للأطراف. وقال ثابت البناني: للشوى: لِمَكَارِمِ وجه ابن آدم. * * - ثم قال تعالى: ﴿تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ﴾. أي: تدعو لظى إلى نفسها من أدبر عن طاعة الله وتولى عن الإيمان بالله وبكتبه وَرُسُلِه، هذا معنى قول قتادة. قال ابن زيد: ليس لها سلطان (إلا على من أدبر وتولى [وكفر وتولى]، فأما من آمن بالله ورسوله فليس له عليه سلطان). قال الخليل بن أحمد "ليس دعاؤها كالدعاء: "تعالوا" و "هلم". ولكن دعوتها [إيَاهم] ما تفعل بهم من الأفاعيل، يعنى نار جهنم نعوذ بالله منها. وقيل: معنى "تدعو" تريد وتطلب، كما قال: ﴿وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] أي: يريدون ويطلبون، فهو "يفتعل" من الدعاء. ويقال: تداعت الحيطان إذا انقاضت. وتداعى عليه العدو: إذا أتى من كل جانب. وتداعت القبائل على بني فلان، إذا أقبلوا لحربهم. [ودواعي] الدهر: صروفه. * * - وقوله: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ﴾. أي: وتدعو من جمع مالاً فجعله في وعائه ومنع حق الله منه. ومعنى "أوعى": أحاط بِمَنْعِ المَالِ وحِفْظِه، ومنه: وَعيْت العلم، وأذنٌ واعيةٌ. * * - ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾. الهلوع - عند أهل اللغة -: الجزوع، وهو هنا الذي يستعمل في حال الفقر من الجزع ما لا يجب أن يستعمله، وفي الغنى ما لا ينبغي أن يستعمله من منع الحق الواجب فيه وقلة الشكر. وقيل: الهلع شدة الجزع مع شدة الحرص والضجر. وقد فسر الله جل ذكره لنا الهَلوع من هو فقال: ﴿إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً﴾. وعن ابن عباس: الهلوع الجزوع: الحريص، وهذا كله في الكفار. قال الضحاك ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ﴾ يعني الكافر ﴿خُلِقَ هَلُوعاً﴾ أي: بخيلاً فهو منوع للخير جزوع إذا نزل به البلاء. قال ابن جبير: ﴿هَلُوعاً﴾ "شحيحاً، جزوعاً". وقال عكرمة: ضجوراً. وقال قتادة وابن زيد: الهلوع: الجزوع. - وقوله ﴿إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً﴾ أي: إذا قل ماله وناله الفقر والعدم فهو جزوع من ذلك لا صبر له عليه. ﴿وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ أي: إذا كثر ماله فهو بخيل بما في يديه لا ينفقه في طاعة الله ولا يؤدي منه حق الله. - ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِلاَّ ٱلْمُصَلِّينَ﴾. (أي): إلا الذين يطيعون الله بأداء فرائضه، [فليسوا] بداخلين في عدد من خلق هلوعاً وهو [كافر] بربه. وذكر بعض العلماء أن المصلين هنا الذين كانوا مع رسول الله، وهو قول ابن زيد. وقال غيره: هي في كل من صلى الخمس: قال النخعي ﴿ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ﴾ عني به الصلوات الخمس. وقال [عقبة بن عامر] ﴿دَآئِمُونَ﴾ لا يلتفتون في صلاتهم خلفهم ولا عن أيمانهم ولا عن شمائلهم. * * - ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ فِيۤ أَمْوَٰلِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾. أي: موقت، وهو الزكاة ﴿لِّلسَّآئِلِ﴾ [أي] للذي يسأل ﴿وَٱلْمَحْرُومِ﴾ الذي حرم الغنى وهو فقير لا يسأل. قال قتادة: الحق المعلوم: "الزكاة المفروضة". وعن ابن عباس أنه حقٌّ آخَر غير الزكاة. وسئل ابن عمر عن الحق المعلوم أهو الزكاة؟ فقال: "إن عليك حقوقاً سوى ذلك". وقال الشعبي: "إن في المال حقاً سوى الزكاة"، وهو قول مجاهد. وهذا إنما هو على الندب والترغيب لا على الفرض؛ لأن المسلمين قد أجمعوا (على) ألا فرض في المال سوى الزكاة المعلومة، وقد تقدم (ذكر) اختلافهم في المحروم في "والذّارِيَاتِ" وأضفنا الأقوال إلى أصحابها، ونحن نذكره هنا مجملاً: قيل: هو المحارف الذي لا سهم له في الإسلام. وقيل: هو الذي لا سهم له (في) الغنيمة. وقيل: هو الذي لا ينمى له مال. وقيل: هو الذي اجتيح ماله. وقيل: هو المصاب بزرعه. وقيل: هو "المتعفف". * * - ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ﴾. أي: يؤمنون بالبعث والجزاء والجنة والنار. ﴿وَٱلَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ﴾: أي: هم وَجِلُونَ في الدنيا خوفاً (أن) يعذبهم ربُّهم في الآخرة، فهم من [خوفه] لا يضيعون فرائضه ولا يتعدون إلى ما حرم عليهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾: أي: لا يُؤمَن منه من عصى ربه. والوقف على "لَظَى" جائز حسن في قراءة من رفع "نَزَّاعَةٌ"، على تقدير: هي نزاعة. ومن جعل ﴿لَظَىٰ * (نَزَّاعَةً)﴾ بدلاً من اسم "إن" وجعل "نَزَّاعَةٌ" "خبر" إن لم يقف على "لَظَى". وكذلك إن رفع ﴿نَزَّاعَةً﴾ على البدل من ﴿لَظَىٰ﴾ أَوْ على أنها خبر بعد خبر، وكذلك إن جعل الضمير في "إِنَّهَا" للقصة لم يقف على "لظى"، لأن "نزاعة" خبر "لظى". فإن نصبت "نَزَّاعَةً" فعلى الحال من "لظى"؛ لأنها معرفة. [ولا] يوقف أيضا - على هذا القول - على "لَظَى". وقد رد المبرد النصب ومنع جوازه، [قال]: لأنه لا يجوز أن تكون لظى إلا نزاعة للشوى، وليس كذا سبيل الحال.

المعارج 70:10

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ﴾، إلى قوله: ﴿غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾. أي: ونرى العذاب قريباً (في) يوم تكون (فيه) السماء كالمهل. وقيل: التقدير: يبصرونهم يوم [تكون]. وقيل: التقدير: احذروا يوم تكون السماء كالمهل، قال مجاهد: "كعكر الزيت". وقال قتادة: تحول لوناً آخر إلى الخضرة، وقد تقدم ذكر "المهل" بأشبع من هذا. * * ثم قال: ﴿وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ﴾. قال مجاهد: كالصوف. وهو جمع "عهنة"، وأهل اللغة على أنه لا يقال (للصوف) "عهن" حتى يكون مصبوغاً. * * - ثم قال: ﴿وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾. أي: ولا يسأل قريب ولا صديق عن قريبه ولا عن صديقه لشغله بنفسه. * * ومعنى ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ أي: يُبَصَّرُ كلُّ إنسان قَرِينَهُ فيعرفه. قال ابن عباس: يعرف بعضهم بعضاً، ويتعارفون، ثم يفر بعضهم [من] بعضهم، بعد ذلك، يقول الله: ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧]، وهو قول قتادة. فالهاء والميم - على هذا - للأقرباء، والضمير في [يُبَصَّرُونَ] للكفار، فالهاء والميم للأقرباء، أي: يبصر الله الكفار أقرباءهم في القيامة ويعرفهم بهم، فهو تأويل موافق لصدر الآية؛ لأنه قد ذكر القريب وقريبه، وهذا مثل قوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ [عبس: ٣٤-٣٥] الآية. وقال مجاهد: معناه: يبصر الله المؤمنين الكفار في القيامة. فيكون الضمير في "يُبَصَّرونَ" للمؤمنين، والهاء والميم للكفار. وقال ابن زيد: معناه: يبصر الله الكفار الذين أضلوهم في الدنيا في النار. فيكون الضمير في ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ للكفار التابعين، والهاء والميم للمتبوعين. وقد روي عن ابن كثير وأبي جعفر يزيد وشيبة: أنهم قرأوا: "وَلاَ يُسْأَلُ حَمِيمٌ" على ما لم يسم فاعله. ومعناه: لا يقال لقريب: أين قريبك؟، (أي): لا يطلب بعضهم بِبَعْضٍ. ويجوز أن يكون معناه: ولا يسأل إنسان عن ذنب قريبه، مثل قوله: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: ١٦٤]. * * - ثم قال ﴿يَوَدُّ ٱلْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾. (أي: يتمنى الكافر يوم القيامة لو يفتدي من العذاب ببنيه). ﴿وَصَاحِبَتِهِ...﴾ وهي زوجته، ﴿(وَأَخِيهِ)﴾ ﴿وَفَصِيلَتِهِ...﴾: عشيرته، ﴿ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ أي: التي تضمه إلى رحلها ومنزلها لقرابة ما بينها وبينه. * * - ثم قال: ﴿وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ﴾. أي: ويود لو يفتدي بمن في الأرض جميعاً ثم ينجيه ذلك من عذاب الله، أي: لو وجد إلى ذلك سبيلاً من عظيم ما نزل به لفعله. وجواب "لَوْ" قوله: ﴿ثُمَّ يُنجِيهِ﴾، وقيل "ثُمَّ" بمعنى الفاء أي: فَيُنَجِّيه ذلك، فهو مثل قوله ﴿لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] الفاء جواب "لَوْ". قال قتادة: ﴿وَفَصِيلَتِهِ ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ "الأحب فالأحب، والأقرب فالأقرب من أهله وعشيرته...". قال الخليل: الفصيلة فخذ الرجل من قومه. وقال مجاهد: فصيلته: "قبيلته". وقال ابن زيد: "عشيرته". وفاعل "يُنْجِيهِ" محذوف، والتقدير: ثم ينجيه ذلك الافتداء، ودل "يفتدي" على الافتداء. قالت سودة: قال رسول الله ﷺ: يحشر الناس حفاةً عراةً غُرلاً حتى ألجمهم العرق وبلغ شحم الآذان. قالت: (قلت): واسوءتاه يا رسول الله، أينظر بعضنا إلى بعض؟! قال رسول الله ﷺ: شُغِلَ النَّاسُ ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهَا لَظَىٰ * نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ﴾. أي: ليس الأمر على ما يتمنون، ولا يفيدهم (من عذاب الله شيء. ثم ابتدأ بالإخبار عما أَعدَّ لهم من العذاب فقال: ﴿إِنَّهَا) لَظَىٰ﴾، و "لظى" اسم من أسماء جهنم، ولذلك لم تَنْصَرِفْ. ومعنى: "نزاعة للشوى": تنزع جلدة الرأس وأطراف البدن. والشوى جمع: شواة، وهي الأطراف. قال ابن عباس: ﴿نَزَّا(عَةً) لِّلشَّوَىٰ﴾ أي "تنزع أم الرأس". وعنه: يعني "الجلود والهام". وقال مجاهد: "[لجلود] الرأس". وعنه: تنزع اللحم دون العظم. وقال أبو صالح: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "للحم الساقين". [وقاله] مجاهد أيضاً. وقال الحسن: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "للهام، تحرق كل شيء منه ويبقى فؤاده نضيجاً". وقال الضحاك: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "تبدي اللحم والجلد عن العظم حتى لا تترك منه شيئاً". وقال ابن زيد: الشوى: "الأراب العظام، قال: تقطع عظامهم كما ترى ثم تحرق خلقهم وتبدل جلودهم". قال ابن جبير: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾ "للعصب والعقب". وعن مجاهد أيضاً: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: للجلد. وعنه: للأطراف. وقال ثابت البناني: للشوى: لِمَكَارِمِ وجه ابن آدم. * * - ثم قال تعالى: ﴿تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ﴾. أي: تدعو لظى إلى نفسها من أدبر عن طاعة الله وتولى عن الإيمان بالله وبكتبه وَرُسُلِه، هذا معنى قول قتادة. قال ابن زيد: ليس لها سلطان (إلا على من أدبر وتولى [وكفر وتولى]، فأما من آمن بالله ورسوله فليس له عليه سلطان). قال الخليل بن أحمد "ليس دعاؤها كالدعاء: "تعالوا" و "هلم". ولكن دعوتها [إيَاهم] ما تفعل بهم من الأفاعيل، يعنى نار جهنم نعوذ بالله منها. وقيل: معنى "تدعو" تريد وتطلب، كما قال: ﴿وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] أي: يريدون ويطلبون، فهو "يفتعل" من الدعاء. ويقال: تداعت الحيطان إذا انقاضت. وتداعى عليه العدو: إذا أتى من كل جانب. وتداعت القبائل على بني فلان، إذا أقبلوا لحربهم. [ودواعي] الدهر: صروفه. * * - وقوله: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ﴾. أي: وتدعو من جمع مالاً فجعله في وعائه ومنع حق الله منه. ومعنى "أوعى": أحاط بِمَنْعِ المَالِ وحِفْظِه، ومنه: وَعيْت العلم، وأذنٌ واعيةٌ. * * - ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾. الهلوع - عند أهل اللغة -: الجزوع، وهو هنا الذي يستعمل في حال الفقر من الجزع ما لا يجب أن يستعمله، وفي الغنى ما لا ينبغي أن يستعمله من منع الحق الواجب فيه وقلة الشكر. وقيل: الهلع شدة الجزع مع شدة الحرص والضجر. وقد فسر الله جل ذكره لنا الهَلوع من هو فقال: ﴿إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً﴾. وعن ابن عباس: الهلوع الجزوع: الحريص، وهذا كله في الكفار. قال الضحاك ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ﴾ يعني الكافر ﴿خُلِقَ هَلُوعاً﴾ أي: بخيلاً فهو منوع للخير جزوع إذا نزل به البلاء. قال ابن جبير: ﴿هَلُوعاً﴾ "شحيحاً، جزوعاً". وقال عكرمة: ضجوراً. وقال قتادة وابن زيد: الهلوع: الجزوع. - وقوله ﴿إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً﴾ أي: إذا قل ماله وناله الفقر والعدم فهو جزوع من ذلك لا صبر له عليه. ﴿وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ أي: إذا كثر ماله فهو بخيل بما في يديه لا ينفقه في طاعة الله ولا يؤدي منه حق الله. - ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِلاَّ ٱلْمُصَلِّينَ﴾. (أي): إلا الذين يطيعون الله بأداء فرائضه، [فليسوا] بداخلين في عدد من خلق هلوعاً وهو [كافر] بربه. وذكر بعض العلماء أن المصلين هنا الذين كانوا مع رسول الله، وهو قول ابن زيد. وقال غيره: هي في كل من صلى الخمس: قال النخعي ﴿ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ﴾ عني به الصلوات الخمس. وقال [عقبة بن عامر] ﴿دَآئِمُونَ﴾ لا يلتفتون في صلاتهم خلفهم ولا عن أيمانهم ولا عن شمائلهم. * * - ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ فِيۤ أَمْوَٰلِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾. أي: موقت، وهو الزكاة ﴿لِّلسَّآئِلِ﴾ [أي] للذي يسأل ﴿وَٱلْمَحْرُومِ﴾ الذي حرم الغنى وهو فقير لا يسأل. قال قتادة: الحق المعلوم: "الزكاة المفروضة". وعن ابن عباس أنه حقٌّ آخَر غير الزكاة. وسئل ابن عمر عن الحق المعلوم أهو الزكاة؟ فقال: "إن عليك حقوقاً سوى ذلك". وقال الشعبي: "إن في المال حقاً سوى الزكاة"، وهو قول مجاهد. وهذا إنما هو على الندب والترغيب لا على الفرض؛ لأن المسلمين قد أجمعوا (على) ألا فرض في المال سوى الزكاة المعلومة، وقد تقدم (ذكر) اختلافهم في المحروم في "والذّارِيَاتِ" وأضفنا الأقوال إلى أصحابها، ونحن نذكره هنا مجملاً: قيل: هو المحارف الذي لا سهم له في الإسلام. وقيل: هو الذي لا سهم له (في) الغنيمة. وقيل: هو الذي لا ينمى له مال. وقيل: هو الذي اجتيح ماله. وقيل: هو المصاب بزرعه. وقيل: هو "المتعفف". * * - ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ﴾. أي: يؤمنون بالبعث والجزاء والجنة والنار. ﴿وَٱلَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ﴾: أي: هم وَجِلُونَ في الدنيا خوفاً (أن) يعذبهم ربُّهم في الآخرة، فهم من [خوفه] لا يضيعون فرائضه ولا يتعدون إلى ما حرم عليهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾: أي: لا يُؤمَن منه من عصى ربه. والوقف على "لَظَى" جائز حسن في قراءة من رفع "نَزَّاعَةٌ"، على تقدير: هي نزاعة. ومن جعل ﴿لَظَىٰ * (نَزَّاعَةً)﴾ بدلاً من اسم "إن" وجعل "نَزَّاعَةٌ" "خبر" إن لم يقف على "لَظَى". وكذلك إن رفع ﴿نَزَّاعَةً﴾ على البدل من ﴿لَظَىٰ﴾ أَوْ على أنها خبر بعد خبر، وكذلك إن جعل الضمير في "إِنَّهَا" للقصة لم يقف على "لظى"، لأن "نزاعة" خبر "لظى". فإن نصبت "نَزَّاعَةً" فعلى الحال من "لظى"؛ لأنها معرفة. [ولا] يوقف أيضا - على هذا القول - على "لَظَى". وقد رد المبرد النصب ومنع جوازه، [قال]: لأنه لا يجوز أن تكون لظى إلا نزاعة للشوى، وليس كذا سبيل الحال.

المعارج 70:11

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ﴾، إلى قوله: ﴿غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾. أي: ونرى العذاب قريباً (في) يوم تكون (فيه) السماء كالمهل. وقيل: التقدير: يبصرونهم يوم [تكون]. وقيل: التقدير: احذروا يوم تكون السماء كالمهل، قال مجاهد: "كعكر الزيت". وقال قتادة: تحول لوناً آخر إلى الخضرة، وقد تقدم ذكر "المهل" بأشبع من هذا. * * ثم قال: ﴿وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ﴾. قال مجاهد: كالصوف. وهو جمع "عهنة"، وأهل اللغة على أنه لا يقال (للصوف) "عهن" حتى يكون مصبوغاً. * * - ثم قال: ﴿وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾. أي: ولا يسأل قريب ولا صديق عن قريبه ولا عن صديقه لشغله بنفسه. * * ومعنى ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ أي: يُبَصَّرُ كلُّ إنسان قَرِينَهُ فيعرفه. قال ابن عباس: يعرف بعضهم بعضاً، ويتعارفون، ثم يفر بعضهم [من] بعضهم، بعد ذلك، يقول الله: ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧]، وهو قول قتادة. فالهاء والميم - على هذا - للأقرباء، والضمير في [يُبَصَّرُونَ] للكفار، فالهاء والميم للأقرباء، أي: يبصر الله الكفار أقرباءهم في القيامة ويعرفهم بهم، فهو تأويل موافق لصدر الآية؛ لأنه قد ذكر القريب وقريبه، وهذا مثل قوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ [عبس: ٣٤-٣٥] الآية. وقال مجاهد: معناه: يبصر الله المؤمنين الكفار في القيامة. فيكون الضمير في "يُبَصَّرونَ" للمؤمنين، والهاء والميم للكفار. وقال ابن زيد: معناه: يبصر الله الكفار الذين أضلوهم في الدنيا في النار. فيكون الضمير في ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ للكفار التابعين، والهاء والميم للمتبوعين. وقد روي عن ابن كثير وأبي جعفر يزيد وشيبة: أنهم قرأوا: "وَلاَ يُسْأَلُ حَمِيمٌ" على ما لم يسم فاعله. ومعناه: لا يقال لقريب: أين قريبك؟، (أي): لا يطلب بعضهم بِبَعْضٍ. ويجوز أن يكون معناه: ولا يسأل إنسان عن ذنب قريبه، مثل قوله: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: ١٦٤]. * * - ثم قال ﴿يَوَدُّ ٱلْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾. (أي: يتمنى الكافر يوم القيامة لو يفتدي من العذاب ببنيه). ﴿وَصَاحِبَتِهِ...﴾ وهي زوجته، ﴿(وَأَخِيهِ)﴾ ﴿وَفَصِيلَتِهِ...﴾: عشيرته، ﴿ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ أي: التي تضمه إلى رحلها ومنزلها لقرابة ما بينها وبينه. * * - ثم قال: ﴿وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ﴾. أي: ويود لو يفتدي بمن في الأرض جميعاً ثم ينجيه ذلك من عذاب الله، أي: لو وجد إلى ذلك سبيلاً من عظيم ما نزل به لفعله. وجواب "لَوْ" قوله: ﴿ثُمَّ يُنجِيهِ﴾، وقيل "ثُمَّ" بمعنى الفاء أي: فَيُنَجِّيه ذلك، فهو مثل قوله ﴿لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] الفاء جواب "لَوْ". قال قتادة: ﴿وَفَصِيلَتِهِ ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ "الأحب فالأحب، والأقرب فالأقرب من أهله وعشيرته...". قال الخليل: الفصيلة فخذ الرجل من قومه. وقال مجاهد: فصيلته: "قبيلته". وقال ابن زيد: "عشيرته". وفاعل "يُنْجِيهِ" محذوف، والتقدير: ثم ينجيه ذلك الافتداء، ودل "يفتدي" على الافتداء. قالت سودة: قال رسول الله ﷺ: يحشر الناس حفاةً عراةً غُرلاً حتى ألجمهم العرق وبلغ شحم الآذان. قالت: (قلت): واسوءتاه يا رسول الله، أينظر بعضنا إلى بعض؟! قال رسول الله ﷺ: شُغِلَ النَّاسُ ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهَا لَظَىٰ * نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ﴾. أي: ليس الأمر على ما يتمنون، ولا يفيدهم (من عذاب الله شيء. ثم ابتدأ بالإخبار عما أَعدَّ لهم من العذاب فقال: ﴿إِنَّهَا) لَظَىٰ﴾، و "لظى" اسم من أسماء جهنم، ولذلك لم تَنْصَرِفْ. ومعنى: "نزاعة للشوى": تنزع جلدة الرأس وأطراف البدن. والشوى جمع: شواة، وهي الأطراف. قال ابن عباس: ﴿نَزَّا(عَةً) لِّلشَّوَىٰ﴾ أي "تنزع أم الرأس". وعنه: يعني "الجلود والهام". وقال مجاهد: "[لجلود] الرأس". وعنه: تنزع اللحم دون العظم. وقال أبو صالح: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "للحم الساقين". [وقاله] مجاهد أيضاً. وقال الحسن: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "للهام، تحرق كل شيء منه ويبقى فؤاده نضيجاً". وقال الضحاك: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "تبدي اللحم والجلد عن العظم حتى لا تترك منه شيئاً". وقال ابن زيد: الشوى: "الأراب العظام، قال: تقطع عظامهم كما ترى ثم تحرق خلقهم وتبدل جلودهم". قال ابن جبير: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾ "للعصب والعقب". وعن مجاهد أيضاً: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: للجلد. وعنه: للأطراف. وقال ثابت البناني: للشوى: لِمَكَارِمِ وجه ابن آدم. * * - ثم قال تعالى: ﴿تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ﴾. أي: تدعو لظى إلى نفسها من أدبر عن طاعة الله وتولى عن الإيمان بالله وبكتبه وَرُسُلِه، هذا معنى قول قتادة. قال ابن زيد: ليس لها سلطان (إلا على من أدبر وتولى [وكفر وتولى]، فأما من آمن بالله ورسوله فليس له عليه سلطان). قال الخليل بن أحمد "ليس دعاؤها كالدعاء: "تعالوا" و "هلم". ولكن دعوتها [إيَاهم] ما تفعل بهم من الأفاعيل، يعنى نار جهنم نعوذ بالله منها. وقيل: معنى "تدعو" تريد وتطلب، كما قال: ﴿وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] أي: يريدون ويطلبون، فهو "يفتعل" من الدعاء. ويقال: تداعت الحيطان إذا انقاضت. وتداعى عليه العدو: إذا أتى من كل جانب. وتداعت القبائل على بني فلان، إذا أقبلوا لحربهم. [ودواعي] الدهر: صروفه. * * - وقوله: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ﴾. أي: وتدعو من جمع مالاً فجعله في وعائه ومنع حق الله منه. ومعنى "أوعى": أحاط بِمَنْعِ المَالِ وحِفْظِه، ومنه: وَعيْت العلم، وأذنٌ واعيةٌ. * * - ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾. الهلوع - عند أهل اللغة -: الجزوع، وهو هنا الذي يستعمل في حال الفقر من الجزع ما لا يجب أن يستعمله، وفي الغنى ما لا ينبغي أن يستعمله من منع الحق الواجب فيه وقلة الشكر. وقيل: الهلع شدة الجزع مع شدة الحرص والضجر. وقد فسر الله جل ذكره لنا الهَلوع من هو فقال: ﴿إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً﴾. وعن ابن عباس: الهلوع الجزوع: الحريص، وهذا كله في الكفار. قال الضحاك ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ﴾ يعني الكافر ﴿خُلِقَ هَلُوعاً﴾ أي: بخيلاً فهو منوع للخير جزوع إذا نزل به البلاء. قال ابن جبير: ﴿هَلُوعاً﴾ "شحيحاً، جزوعاً". وقال عكرمة: ضجوراً. وقال قتادة وابن زيد: الهلوع: الجزوع. - وقوله ﴿إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً﴾ أي: إذا قل ماله وناله الفقر والعدم فهو جزوع من ذلك لا صبر له عليه. ﴿وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ أي: إذا كثر ماله فهو بخيل بما في يديه لا ينفقه في طاعة الله ولا يؤدي منه حق الله. - ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِلاَّ ٱلْمُصَلِّينَ﴾. (أي): إلا الذين يطيعون الله بأداء فرائضه، [فليسوا] بداخلين في عدد من خلق هلوعاً وهو [كافر] بربه. وذكر بعض العلماء أن المصلين هنا الذين كانوا مع رسول الله، وهو قول ابن زيد. وقال غيره: هي في كل من صلى الخمس: قال النخعي ﴿ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ﴾ عني به الصلوات الخمس. وقال [عقبة بن عامر] ﴿دَآئِمُونَ﴾ لا يلتفتون في صلاتهم خلفهم ولا عن أيمانهم ولا عن شمائلهم. * * - ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ فِيۤ أَمْوَٰلِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾. أي: موقت، وهو الزكاة ﴿لِّلسَّآئِلِ﴾ [أي] للذي يسأل ﴿وَٱلْمَحْرُومِ﴾ الذي حرم الغنى وهو فقير لا يسأل. قال قتادة: الحق المعلوم: "الزكاة المفروضة". وعن ابن عباس أنه حقٌّ آخَر غير الزكاة. وسئل ابن عمر عن الحق المعلوم أهو الزكاة؟ فقال: "إن عليك حقوقاً سوى ذلك". وقال الشعبي: "إن في المال حقاً سوى الزكاة"، وهو قول مجاهد. وهذا إنما هو على الندب والترغيب لا على الفرض؛ لأن المسلمين قد أجمعوا (على) ألا فرض في المال سوى الزكاة المعلومة، وقد تقدم (ذكر) اختلافهم في المحروم في "والذّارِيَاتِ" وأضفنا الأقوال إلى أصحابها، ونحن نذكره هنا مجملاً: قيل: هو المحارف الذي لا سهم له في الإسلام. وقيل: هو الذي لا سهم له (في) الغنيمة. وقيل: هو الذي لا ينمى له مال. وقيل: هو الذي اجتيح ماله. وقيل: هو المصاب بزرعه. وقيل: هو "المتعفف". * * - ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ﴾. أي: يؤمنون بالبعث والجزاء والجنة والنار. ﴿وَٱلَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ﴾: أي: هم وَجِلُونَ في الدنيا خوفاً (أن) يعذبهم ربُّهم في الآخرة، فهم من [خوفه] لا يضيعون فرائضه ولا يتعدون إلى ما حرم عليهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾: أي: لا يُؤمَن منه من عصى ربه. والوقف على "لَظَى" جائز حسن في قراءة من رفع "نَزَّاعَةٌ"، على تقدير: هي نزاعة. ومن جعل ﴿لَظَىٰ * (نَزَّاعَةً)﴾ بدلاً من اسم "إن" وجعل "نَزَّاعَةٌ" "خبر" إن لم يقف على "لَظَى". وكذلك إن رفع ﴿نَزَّاعَةً﴾ على البدل من ﴿لَظَىٰ﴾ أَوْ على أنها خبر بعد خبر، وكذلك إن جعل الضمير في "إِنَّهَا" للقصة لم يقف على "لظى"، لأن "نزاعة" خبر "لظى". فإن نصبت "نَزَّاعَةً" فعلى الحال من "لظى"؛ لأنها معرفة. [ولا] يوقف أيضا - على هذا القول - على "لَظَى". وقد رد المبرد النصب ومنع جوازه، [قال]: لأنه لا يجوز أن تكون لظى إلا نزاعة للشوى، وليس كذا سبيل الحال.

المعارج 70:12

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ﴾، إلى قوله: ﴿غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾. أي: ونرى العذاب قريباً (في) يوم تكون (فيه) السماء كالمهل. وقيل: التقدير: يبصرونهم يوم [تكون]. وقيل: التقدير: احذروا يوم تكون السماء كالمهل، قال مجاهد: "كعكر الزيت". وقال قتادة: تحول لوناً آخر إلى الخضرة، وقد تقدم ذكر "المهل" بأشبع من هذا. * * ثم قال: ﴿وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ﴾. قال مجاهد: كالصوف. وهو جمع "عهنة"، وأهل اللغة على أنه لا يقال (للصوف) "عهن" حتى يكون مصبوغاً. * * - ثم قال: ﴿وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾. أي: ولا يسأل قريب ولا صديق عن قريبه ولا عن صديقه لشغله بنفسه. * * ومعنى ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ أي: يُبَصَّرُ كلُّ إنسان قَرِينَهُ فيعرفه. قال ابن عباس: يعرف بعضهم بعضاً، ويتعارفون، ثم يفر بعضهم [من] بعضهم، بعد ذلك، يقول الله: ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧]، وهو قول قتادة. فالهاء والميم - على هذا - للأقرباء، والضمير في [يُبَصَّرُونَ] للكفار، فالهاء والميم للأقرباء، أي: يبصر الله الكفار أقرباءهم في القيامة ويعرفهم بهم، فهو تأويل موافق لصدر الآية؛ لأنه قد ذكر القريب وقريبه، وهذا مثل قوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ [عبس: ٣٤-٣٥] الآية. وقال مجاهد: معناه: يبصر الله المؤمنين الكفار في القيامة. فيكون الضمير في "يُبَصَّرونَ" للمؤمنين، والهاء والميم للكفار. وقال ابن زيد: معناه: يبصر الله الكفار الذين أضلوهم في الدنيا في النار. فيكون الضمير في ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ للكفار التابعين، والهاء والميم للمتبوعين. وقد روي عن ابن كثير وأبي جعفر يزيد وشيبة: أنهم قرأوا: "وَلاَ يُسْأَلُ حَمِيمٌ" على ما لم يسم فاعله. ومعناه: لا يقال لقريب: أين قريبك؟، (أي): لا يطلب بعضهم بِبَعْضٍ. ويجوز أن يكون معناه: ولا يسأل إنسان عن ذنب قريبه، مثل قوله: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: ١٦٤]. * * - ثم قال ﴿يَوَدُّ ٱلْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾. (أي: يتمنى الكافر يوم القيامة لو يفتدي من العذاب ببنيه). ﴿وَصَاحِبَتِهِ...﴾ وهي زوجته، ﴿(وَأَخِيهِ)﴾ ﴿وَفَصِيلَتِهِ...﴾: عشيرته، ﴿ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ أي: التي تضمه إلى رحلها ومنزلها لقرابة ما بينها وبينه. * * - ثم قال: ﴿وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ﴾. أي: ويود لو يفتدي بمن في الأرض جميعاً ثم ينجيه ذلك من عذاب الله، أي: لو وجد إلى ذلك سبيلاً من عظيم ما نزل به لفعله. وجواب "لَوْ" قوله: ﴿ثُمَّ يُنجِيهِ﴾، وقيل "ثُمَّ" بمعنى الفاء أي: فَيُنَجِّيه ذلك، فهو مثل قوله ﴿لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] الفاء جواب "لَوْ". قال قتادة: ﴿وَفَصِيلَتِهِ ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ "الأحب فالأحب، والأقرب فالأقرب من أهله وعشيرته...". قال الخليل: الفصيلة فخذ الرجل من قومه. وقال مجاهد: فصيلته: "قبيلته". وقال ابن زيد: "عشيرته". وفاعل "يُنْجِيهِ" محذوف، والتقدير: ثم ينجيه ذلك الافتداء، ودل "يفتدي" على الافتداء. قالت سودة: قال رسول الله ﷺ: يحشر الناس حفاةً عراةً غُرلاً حتى ألجمهم العرق وبلغ شحم الآذان. قالت: (قلت): واسوءتاه يا رسول الله، أينظر بعضنا إلى بعض؟! قال رسول الله ﷺ: شُغِلَ النَّاسُ ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهَا لَظَىٰ * نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ﴾. أي: ليس الأمر على ما يتمنون، ولا يفيدهم (من عذاب الله شيء. ثم ابتدأ بالإخبار عما أَعدَّ لهم من العذاب فقال: ﴿إِنَّهَا) لَظَىٰ﴾، و "لظى" اسم من أسماء جهنم، ولذلك لم تَنْصَرِفْ. ومعنى: "نزاعة للشوى": تنزع جلدة الرأس وأطراف البدن. والشوى جمع: شواة، وهي الأطراف. قال ابن عباس: ﴿نَزَّا(عَةً) لِّلشَّوَىٰ﴾ أي "تنزع أم الرأس". وعنه: يعني "الجلود والهام". وقال مجاهد: "[لجلود] الرأس". وعنه: تنزع اللحم دون العظم. وقال أبو صالح: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "للحم الساقين". [وقاله] مجاهد أيضاً. وقال الحسن: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "للهام، تحرق كل شيء منه ويبقى فؤاده نضيجاً". وقال الضحاك: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "تبدي اللحم والجلد عن العظم حتى لا تترك منه شيئاً". وقال ابن زيد: الشوى: "الأراب العظام، قال: تقطع عظامهم كما ترى ثم تحرق خلقهم وتبدل جلودهم". قال ابن جبير: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾ "للعصب والعقب". وعن مجاهد أيضاً: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: للجلد. وعنه: للأطراف. وقال ثابت البناني: للشوى: لِمَكَارِمِ وجه ابن آدم. * * - ثم قال تعالى: ﴿تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ﴾. أي: تدعو لظى إلى نفسها من أدبر عن طاعة الله وتولى عن الإيمان بالله وبكتبه وَرُسُلِه، هذا معنى قول قتادة. قال ابن زيد: ليس لها سلطان (إلا على من أدبر وتولى [وكفر وتولى]، فأما من آمن بالله ورسوله فليس له عليه سلطان). قال الخليل بن أحمد "ليس دعاؤها كالدعاء: "تعالوا" و "هلم". ولكن دعوتها [إيَاهم] ما تفعل بهم من الأفاعيل، يعنى نار جهنم نعوذ بالله منها. وقيل: معنى "تدعو" تريد وتطلب، كما قال: ﴿وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] أي: يريدون ويطلبون، فهو "يفتعل" من الدعاء. ويقال: تداعت الحيطان إذا انقاضت. وتداعى عليه العدو: إذا أتى من كل جانب. وتداعت القبائل على بني فلان، إذا أقبلوا لحربهم. [ودواعي] الدهر: صروفه. * * - وقوله: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ﴾. أي: وتدعو من جمع مالاً فجعله في وعائه ومنع حق الله منه. ومعنى "أوعى": أحاط بِمَنْعِ المَالِ وحِفْظِه، ومنه: وَعيْت العلم، وأذنٌ واعيةٌ. * * - ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾. الهلوع - عند أهل اللغة -: الجزوع، وهو هنا الذي يستعمل في حال الفقر من الجزع ما لا يجب أن يستعمله، وفي الغنى ما لا ينبغي أن يستعمله من منع الحق الواجب فيه وقلة الشكر. وقيل: الهلع شدة الجزع مع شدة الحرص والضجر. وقد فسر الله جل ذكره لنا الهَلوع من هو فقال: ﴿إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً﴾. وعن ابن عباس: الهلوع الجزوع: الحريص، وهذا كله في الكفار. قال الضحاك ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ﴾ يعني الكافر ﴿خُلِقَ هَلُوعاً﴾ أي: بخيلاً فهو منوع للخير جزوع إذا نزل به البلاء. قال ابن جبير: ﴿هَلُوعاً﴾ "شحيحاً، جزوعاً". وقال عكرمة: ضجوراً. وقال قتادة وابن زيد: الهلوع: الجزوع. - وقوله ﴿إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً﴾ أي: إذا قل ماله وناله الفقر والعدم فهو جزوع من ذلك لا صبر له عليه. ﴿وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ أي: إذا كثر ماله فهو بخيل بما في يديه لا ينفقه في طاعة الله ولا يؤدي منه حق الله. - ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِلاَّ ٱلْمُصَلِّينَ﴾. (أي): إلا الذين يطيعون الله بأداء فرائضه، [فليسوا] بداخلين في عدد من خلق هلوعاً وهو [كافر] بربه. وذكر بعض العلماء أن المصلين هنا الذين كانوا مع رسول الله، وهو قول ابن زيد. وقال غيره: هي في كل من صلى الخمس: قال النخعي ﴿ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ﴾ عني به الصلوات الخمس. وقال [عقبة بن عامر] ﴿دَآئِمُونَ﴾ لا يلتفتون في صلاتهم خلفهم ولا عن أيمانهم ولا عن شمائلهم. * * - ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ فِيۤ أَمْوَٰلِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾. أي: موقت، وهو الزكاة ﴿لِّلسَّآئِلِ﴾ [أي] للذي يسأل ﴿وَٱلْمَحْرُومِ﴾ الذي حرم الغنى وهو فقير لا يسأل. قال قتادة: الحق المعلوم: "الزكاة المفروضة". وعن ابن عباس أنه حقٌّ آخَر غير الزكاة. وسئل ابن عمر عن الحق المعلوم أهو الزكاة؟ فقال: "إن عليك حقوقاً سوى ذلك". وقال الشعبي: "إن في المال حقاً سوى الزكاة"، وهو قول مجاهد. وهذا إنما هو على الندب والترغيب لا على الفرض؛ لأن المسلمين قد أجمعوا (على) ألا فرض في المال سوى الزكاة المعلومة، وقد تقدم (ذكر) اختلافهم في المحروم في "والذّارِيَاتِ" وأضفنا الأقوال إلى أصحابها، ونحن نذكره هنا مجملاً: قيل: هو المحارف الذي لا سهم له في الإسلام. وقيل: هو الذي لا سهم له (في) الغنيمة. وقيل: هو الذي لا ينمى له مال. وقيل: هو الذي اجتيح ماله. وقيل: هو المصاب بزرعه. وقيل: هو "المتعفف". * * - ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ﴾. أي: يؤمنون بالبعث والجزاء والجنة والنار. ﴿وَٱلَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ﴾: أي: هم وَجِلُونَ في الدنيا خوفاً (أن) يعذبهم ربُّهم في الآخرة، فهم من [خوفه] لا يضيعون فرائضه ولا يتعدون إلى ما حرم عليهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾: أي: لا يُؤمَن منه من عصى ربه. والوقف على "لَظَى" جائز حسن في قراءة من رفع "نَزَّاعَةٌ"، على تقدير: هي نزاعة. ومن جعل ﴿لَظَىٰ * (نَزَّاعَةً)﴾ بدلاً من اسم "إن" وجعل "نَزَّاعَةٌ" "خبر" إن لم يقف على "لَظَى". وكذلك إن رفع ﴿نَزَّاعَةً﴾ على البدل من ﴿لَظَىٰ﴾ أَوْ على أنها خبر بعد خبر، وكذلك إن جعل الضمير في "إِنَّهَا" للقصة لم يقف على "لظى"، لأن "نزاعة" خبر "لظى". فإن نصبت "نَزَّاعَةً" فعلى الحال من "لظى"؛ لأنها معرفة. [ولا] يوقف أيضا - على هذا القول - على "لَظَى". وقد رد المبرد النصب ومنع جوازه، [قال]: لأنه لا يجوز أن تكون لظى إلا نزاعة للشوى، وليس كذا سبيل الحال.

المعارج 70:13

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ﴾، إلى قوله: ﴿غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾. أي: ونرى العذاب قريباً (في) يوم تكون (فيه) السماء كالمهل. وقيل: التقدير: يبصرونهم يوم [تكون]. وقيل: التقدير: احذروا يوم تكون السماء كالمهل، قال مجاهد: "كعكر الزيت". وقال قتادة: تحول لوناً آخر إلى الخضرة، وقد تقدم ذكر "المهل" بأشبع من هذا. * * ثم قال: ﴿وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ﴾. قال مجاهد: كالصوف. وهو جمع "عهنة"، وأهل اللغة على أنه لا يقال (للصوف) "عهن" حتى يكون مصبوغاً. * * - ثم قال: ﴿وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾. أي: ولا يسأل قريب ولا صديق عن قريبه ولا عن صديقه لشغله بنفسه. * * ومعنى ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ أي: يُبَصَّرُ كلُّ إنسان قَرِينَهُ فيعرفه. قال ابن عباس: يعرف بعضهم بعضاً، ويتعارفون، ثم يفر بعضهم [من] بعضهم، بعد ذلك، يقول الله: ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧]، وهو قول قتادة. فالهاء والميم - على هذا - للأقرباء، والضمير في [يُبَصَّرُونَ] للكفار، فالهاء والميم للأقرباء، أي: يبصر الله الكفار أقرباءهم في القيامة ويعرفهم بهم، فهو تأويل موافق لصدر الآية؛ لأنه قد ذكر القريب وقريبه، وهذا مثل قوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ [عبس: ٣٤-٣٥] الآية. وقال مجاهد: معناه: يبصر الله المؤمنين الكفار في القيامة. فيكون الضمير في "يُبَصَّرونَ" للمؤمنين، والهاء والميم للكفار. وقال ابن زيد: معناه: يبصر الله الكفار الذين أضلوهم في الدنيا في النار. فيكون الضمير في ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ للكفار التابعين، والهاء والميم للمتبوعين. وقد روي عن ابن كثير وأبي جعفر يزيد وشيبة: أنهم قرأوا: "وَلاَ يُسْأَلُ حَمِيمٌ" على ما لم يسم فاعله. ومعناه: لا يقال لقريب: أين قريبك؟، (أي): لا يطلب بعضهم بِبَعْضٍ. ويجوز أن يكون معناه: ولا يسأل إنسان عن ذنب قريبه، مثل قوله: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: ١٦٤]. * * - ثم قال ﴿يَوَدُّ ٱلْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾. (أي: يتمنى الكافر يوم القيامة لو يفتدي من العذاب ببنيه). ﴿وَصَاحِبَتِهِ...﴾ وهي زوجته، ﴿(وَأَخِيهِ)﴾ ﴿وَفَصِيلَتِهِ...﴾: عشيرته، ﴿ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ أي: التي تضمه إلى رحلها ومنزلها لقرابة ما بينها وبينه. * * - ثم قال: ﴿وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ﴾. أي: ويود لو يفتدي بمن في الأرض جميعاً ثم ينجيه ذلك من عذاب الله، أي: لو وجد إلى ذلك سبيلاً من عظيم ما نزل به لفعله. وجواب "لَوْ" قوله: ﴿ثُمَّ يُنجِيهِ﴾، وقيل "ثُمَّ" بمعنى الفاء أي: فَيُنَجِّيه ذلك، فهو مثل قوله ﴿لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] الفاء جواب "لَوْ". قال قتادة: ﴿وَفَصِيلَتِهِ ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ "الأحب فالأحب، والأقرب فالأقرب من أهله وعشيرته...". قال الخليل: الفصيلة فخذ الرجل من قومه. وقال مجاهد: فصيلته: "قبيلته". وقال ابن زيد: "عشيرته". وفاعل "يُنْجِيهِ" محذوف، والتقدير: ثم ينجيه ذلك الافتداء، ودل "يفتدي" على الافتداء. قالت سودة: قال رسول الله ﷺ: يحشر الناس حفاةً عراةً غُرلاً حتى ألجمهم العرق وبلغ شحم الآذان. قالت: (قلت): واسوءتاه يا رسول الله، أينظر بعضنا إلى بعض؟! قال رسول الله ﷺ: شُغِلَ النَّاسُ ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهَا لَظَىٰ * نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ﴾. أي: ليس الأمر على ما يتمنون، ولا يفيدهم (من عذاب الله شيء. ثم ابتدأ بالإخبار عما أَعدَّ لهم من العذاب فقال: ﴿إِنَّهَا) لَظَىٰ﴾، و "لظى" اسم من أسماء جهنم، ولذلك لم تَنْصَرِفْ. ومعنى: "نزاعة للشوى": تنزع جلدة الرأس وأطراف البدن. والشوى جمع: شواة، وهي الأطراف. قال ابن عباس: ﴿نَزَّا(عَةً) لِّلشَّوَىٰ﴾ أي "تنزع أم الرأس". وعنه: يعني "الجلود والهام". وقال مجاهد: "[لجلود] الرأس". وعنه: تنزع اللحم دون العظم. وقال أبو صالح: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "للحم الساقين". [وقاله] مجاهد أيضاً. وقال الحسن: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "للهام، تحرق كل شيء منه ويبقى فؤاده نضيجاً". وقال الضحاك: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "تبدي اللحم والجلد عن العظم حتى لا تترك منه شيئاً". وقال ابن زيد: الشوى: "الأراب العظام، قال: تقطع عظامهم كما ترى ثم تحرق خلقهم وتبدل جلودهم". قال ابن جبير: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾ "للعصب والعقب". وعن مجاهد أيضاً: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: للجلد. وعنه: للأطراف. وقال ثابت البناني: للشوى: لِمَكَارِمِ وجه ابن آدم. * * - ثم قال تعالى: ﴿تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ﴾. أي: تدعو لظى إلى نفسها من أدبر عن طاعة الله وتولى عن الإيمان بالله وبكتبه وَرُسُلِه، هذا معنى قول قتادة. قال ابن زيد: ليس لها سلطان (إلا على من أدبر وتولى [وكفر وتولى]، فأما من آمن بالله ورسوله فليس له عليه سلطان). قال الخليل بن أحمد "ليس دعاؤها كالدعاء: "تعالوا" و "هلم". ولكن دعوتها [إيَاهم] ما تفعل بهم من الأفاعيل، يعنى نار جهنم نعوذ بالله منها. وقيل: معنى "تدعو" تريد وتطلب، كما قال: ﴿وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] أي: يريدون ويطلبون، فهو "يفتعل" من الدعاء. ويقال: تداعت الحيطان إذا انقاضت. وتداعى عليه العدو: إذا أتى من كل جانب. وتداعت القبائل على بني فلان، إذا أقبلوا لحربهم. [ودواعي] الدهر: صروفه. * * - وقوله: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ﴾. أي: وتدعو من جمع مالاً فجعله في وعائه ومنع حق الله منه. ومعنى "أوعى": أحاط بِمَنْعِ المَالِ وحِفْظِه، ومنه: وَعيْت العلم، وأذنٌ واعيةٌ. * * - ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾. الهلوع - عند أهل اللغة -: الجزوع، وهو هنا الذي يستعمل في حال الفقر من الجزع ما لا يجب أن يستعمله، وفي الغنى ما لا ينبغي أن يستعمله من منع الحق الواجب فيه وقلة الشكر. وقيل: الهلع شدة الجزع مع شدة الحرص والضجر. وقد فسر الله جل ذكره لنا الهَلوع من هو فقال: ﴿إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً﴾. وعن ابن عباس: الهلوع الجزوع: الحريص، وهذا كله في الكفار. قال الضحاك ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ﴾ يعني الكافر ﴿خُلِقَ هَلُوعاً﴾ أي: بخيلاً فهو منوع للخير جزوع إذا نزل به البلاء. قال ابن جبير: ﴿هَلُوعاً﴾ "شحيحاً، جزوعاً". وقال عكرمة: ضجوراً. وقال قتادة وابن زيد: الهلوع: الجزوع. - وقوله ﴿إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً﴾ أي: إذا قل ماله وناله الفقر والعدم فهو جزوع من ذلك لا صبر له عليه. ﴿وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ أي: إذا كثر ماله فهو بخيل بما في يديه لا ينفقه في طاعة الله ولا يؤدي منه حق الله. - ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِلاَّ ٱلْمُصَلِّينَ﴾. (أي): إلا الذين يطيعون الله بأداء فرائضه، [فليسوا] بداخلين في عدد من خلق هلوعاً وهو [كافر] بربه. وذكر بعض العلماء أن المصلين هنا الذين كانوا مع رسول الله، وهو قول ابن زيد. وقال غيره: هي في كل من صلى الخمس: قال النخعي ﴿ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ﴾ عني به الصلوات الخمس. وقال [عقبة بن عامر] ﴿دَآئِمُونَ﴾ لا يلتفتون في صلاتهم خلفهم ولا عن أيمانهم ولا عن شمائلهم. * * - ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ فِيۤ أَمْوَٰلِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾. أي: موقت، وهو الزكاة ﴿لِّلسَّآئِلِ﴾ [أي] للذي يسأل ﴿وَٱلْمَحْرُومِ﴾ الذي حرم الغنى وهو فقير لا يسأل. قال قتادة: الحق المعلوم: "الزكاة المفروضة". وعن ابن عباس أنه حقٌّ آخَر غير الزكاة. وسئل ابن عمر عن الحق المعلوم أهو الزكاة؟ فقال: "إن عليك حقوقاً سوى ذلك". وقال الشعبي: "إن في المال حقاً سوى الزكاة"، وهو قول مجاهد. وهذا إنما هو على الندب والترغيب لا على الفرض؛ لأن المسلمين قد أجمعوا (على) ألا فرض في المال سوى الزكاة المعلومة، وقد تقدم (ذكر) اختلافهم في المحروم في "والذّارِيَاتِ" وأضفنا الأقوال إلى أصحابها، ونحن نذكره هنا مجملاً: قيل: هو المحارف الذي لا سهم له في الإسلام. وقيل: هو الذي لا سهم له (في) الغنيمة. وقيل: هو الذي لا ينمى له مال. وقيل: هو الذي اجتيح ماله. وقيل: هو المصاب بزرعه. وقيل: هو "المتعفف". * * - ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ﴾. أي: يؤمنون بالبعث والجزاء والجنة والنار. ﴿وَٱلَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ﴾: أي: هم وَجِلُونَ في الدنيا خوفاً (أن) يعذبهم ربُّهم في الآخرة، فهم من [خوفه] لا يضيعون فرائضه ولا يتعدون إلى ما حرم عليهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾: أي: لا يُؤمَن منه من عصى ربه. والوقف على "لَظَى" جائز حسن في قراءة من رفع "نَزَّاعَةٌ"، على تقدير: هي نزاعة. ومن جعل ﴿لَظَىٰ * (نَزَّاعَةً)﴾ بدلاً من اسم "إن" وجعل "نَزَّاعَةٌ" "خبر" إن لم يقف على "لَظَى". وكذلك إن رفع ﴿نَزَّاعَةً﴾ على البدل من ﴿لَظَىٰ﴾ أَوْ على أنها خبر بعد خبر، وكذلك إن جعل الضمير في "إِنَّهَا" للقصة لم يقف على "لظى"، لأن "نزاعة" خبر "لظى". فإن نصبت "نَزَّاعَةً" فعلى الحال من "لظى"؛ لأنها معرفة. [ولا] يوقف أيضا - على هذا القول - على "لَظَى". وقد رد المبرد النصب ومنع جوازه، [قال]: لأنه لا يجوز أن تكون لظى إلا نزاعة للشوى، وليس كذا سبيل الحال.

المعارج 70:14

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ﴾، إلى قوله: ﴿غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾. أي: ونرى العذاب قريباً (في) يوم تكون (فيه) السماء كالمهل. وقيل: التقدير: يبصرونهم يوم [تكون]. وقيل: التقدير: احذروا يوم تكون السماء كالمهل، قال مجاهد: "كعكر الزيت". وقال قتادة: تحول لوناً آخر إلى الخضرة، وقد تقدم ذكر "المهل" بأشبع من هذا. * * ثم قال: ﴿وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ﴾. قال مجاهد: كالصوف. وهو جمع "عهنة"، وأهل اللغة على أنه لا يقال (للصوف) "عهن" حتى يكون مصبوغاً. * * - ثم قال: ﴿وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾. أي: ولا يسأل قريب ولا صديق عن قريبه ولا عن صديقه لشغله بنفسه. * * ومعنى ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ أي: يُبَصَّرُ كلُّ إنسان قَرِينَهُ فيعرفه. قال ابن عباس: يعرف بعضهم بعضاً، ويتعارفون، ثم يفر بعضهم [من] بعضهم، بعد ذلك، يقول الله: ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧]، وهو قول قتادة. فالهاء والميم - على هذا - للأقرباء، والضمير في [يُبَصَّرُونَ] للكفار، فالهاء والميم للأقرباء، أي: يبصر الله الكفار أقرباءهم في القيامة ويعرفهم بهم، فهو تأويل موافق لصدر الآية؛ لأنه قد ذكر القريب وقريبه، وهذا مثل قوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ [عبس: ٣٤-٣٥] الآية. وقال مجاهد: معناه: يبصر الله المؤمنين الكفار في القيامة. فيكون الضمير في "يُبَصَّرونَ" للمؤمنين، والهاء والميم للكفار. وقال ابن زيد: معناه: يبصر الله الكفار الذين أضلوهم في الدنيا في النار. فيكون الضمير في ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ للكفار التابعين، والهاء والميم للمتبوعين. وقد روي عن ابن كثير وأبي جعفر يزيد وشيبة: أنهم قرأوا: "وَلاَ يُسْأَلُ حَمِيمٌ" على ما لم يسم فاعله. ومعناه: لا يقال لقريب: أين قريبك؟، (أي): لا يطلب بعضهم بِبَعْضٍ. ويجوز أن يكون معناه: ولا يسأل إنسان عن ذنب قريبه، مثل قوله: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: ١٦٤]. * * - ثم قال ﴿يَوَدُّ ٱلْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾. (أي: يتمنى الكافر يوم القيامة لو يفتدي من العذاب ببنيه). ﴿وَصَاحِبَتِهِ...﴾ وهي زوجته، ﴿(وَأَخِيهِ)﴾ ﴿وَفَصِيلَتِهِ...﴾: عشيرته، ﴿ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ أي: التي تضمه إلى رحلها ومنزلها لقرابة ما بينها وبينه. * * - ثم قال: ﴿وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ﴾. أي: ويود لو يفتدي بمن في الأرض جميعاً ثم ينجيه ذلك من عذاب الله، أي: لو وجد إلى ذلك سبيلاً من عظيم ما نزل به لفعله. وجواب "لَوْ" قوله: ﴿ثُمَّ يُنجِيهِ﴾، وقيل "ثُمَّ" بمعنى الفاء أي: فَيُنَجِّيه ذلك، فهو مثل قوله ﴿لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] الفاء جواب "لَوْ". قال قتادة: ﴿وَفَصِيلَتِهِ ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ "الأحب فالأحب، والأقرب فالأقرب من أهله وعشيرته...". قال الخليل: الفصيلة فخذ الرجل من قومه. وقال مجاهد: فصيلته: "قبيلته". وقال ابن زيد: "عشيرته". وفاعل "يُنْجِيهِ" محذوف، والتقدير: ثم ينجيه ذلك الافتداء، ودل "يفتدي" على الافتداء. قالت سودة: قال رسول الله ﷺ: يحشر الناس حفاةً عراةً غُرلاً حتى ألجمهم العرق وبلغ شحم الآذان. قالت: (قلت): واسوءتاه يا رسول الله، أينظر بعضنا إلى بعض؟! قال رسول الله ﷺ: شُغِلَ النَّاسُ ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهَا لَظَىٰ * نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ﴾. أي: ليس الأمر على ما يتمنون، ولا يفيدهم (من عذاب الله شيء. ثم ابتدأ بالإخبار عما أَعدَّ لهم من العذاب فقال: ﴿إِنَّهَا) لَظَىٰ﴾، و "لظى" اسم من أسماء جهنم، ولذلك لم تَنْصَرِفْ. ومعنى: "نزاعة للشوى": تنزع جلدة الرأس وأطراف البدن. والشوى جمع: شواة، وهي الأطراف. قال ابن عباس: ﴿نَزَّا(عَةً) لِّلشَّوَىٰ﴾ أي "تنزع أم الرأس". وعنه: يعني "الجلود والهام". وقال مجاهد: "[لجلود] الرأس". وعنه: تنزع اللحم دون العظم. وقال أبو صالح: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "للحم الساقين". [وقاله] مجاهد أيضاً. وقال الحسن: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "للهام، تحرق كل شيء منه ويبقى فؤاده نضيجاً". وقال الضحاك: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "تبدي اللحم والجلد عن العظم حتى لا تترك منه شيئاً". وقال ابن زيد: الشوى: "الأراب العظام، قال: تقطع عظامهم كما ترى ثم تحرق خلقهم وتبدل جلودهم". قال ابن جبير: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾ "للعصب والعقب". وعن مجاهد أيضاً: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: للجلد. وعنه: للأطراف. وقال ثابت البناني: للشوى: لِمَكَارِمِ وجه ابن آدم. * * - ثم قال تعالى: ﴿تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ﴾. أي: تدعو لظى إلى نفسها من أدبر عن طاعة الله وتولى عن الإيمان بالله وبكتبه وَرُسُلِه، هذا معنى قول قتادة. قال ابن زيد: ليس لها سلطان (إلا على من أدبر وتولى [وكفر وتولى]، فأما من آمن بالله ورسوله فليس له عليه سلطان). قال الخليل بن أحمد "ليس دعاؤها كالدعاء: "تعالوا" و "هلم". ولكن دعوتها [إيَاهم] ما تفعل بهم من الأفاعيل، يعنى نار جهنم نعوذ بالله منها. وقيل: معنى "تدعو" تريد وتطلب، كما قال: ﴿وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] أي: يريدون ويطلبون، فهو "يفتعل" من الدعاء. ويقال: تداعت الحيطان إذا انقاضت. وتداعى عليه العدو: إذا أتى من كل جانب. وتداعت القبائل على بني فلان، إذا أقبلوا لحربهم. [ودواعي] الدهر: صروفه. * * - وقوله: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ﴾. أي: وتدعو من جمع مالاً فجعله في وعائه ومنع حق الله منه. ومعنى "أوعى": أحاط بِمَنْعِ المَالِ وحِفْظِه، ومنه: وَعيْت العلم، وأذنٌ واعيةٌ. * * - ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾. الهلوع - عند أهل اللغة -: الجزوع، وهو هنا الذي يستعمل في حال الفقر من الجزع ما لا يجب أن يستعمله، وفي الغنى ما لا ينبغي أن يستعمله من منع الحق الواجب فيه وقلة الشكر. وقيل: الهلع شدة الجزع مع شدة الحرص والضجر. وقد فسر الله جل ذكره لنا الهَلوع من هو فقال: ﴿إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً﴾. وعن ابن عباس: الهلوع الجزوع: الحريص، وهذا كله في الكفار. قال الضحاك ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ﴾ يعني الكافر ﴿خُلِقَ هَلُوعاً﴾ أي: بخيلاً فهو منوع للخير جزوع إذا نزل به البلاء. قال ابن جبير: ﴿هَلُوعاً﴾ "شحيحاً، جزوعاً". وقال عكرمة: ضجوراً. وقال قتادة وابن زيد: الهلوع: الجزوع. - وقوله ﴿إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً﴾ أي: إذا قل ماله وناله الفقر والعدم فهو جزوع من ذلك لا صبر له عليه. ﴿وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ أي: إذا كثر ماله فهو بخيل بما في يديه لا ينفقه في طاعة الله ولا يؤدي منه حق الله. - ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِلاَّ ٱلْمُصَلِّينَ﴾. (أي): إلا الذين يطيعون الله بأداء فرائضه، [فليسوا] بداخلين في عدد من خلق هلوعاً وهو [كافر] بربه. وذكر بعض العلماء أن المصلين هنا الذين كانوا مع رسول الله، وهو قول ابن زيد. وقال غيره: هي في كل من صلى الخمس: قال النخعي ﴿ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ﴾ عني به الصلوات الخمس. وقال [عقبة بن عامر] ﴿دَآئِمُونَ﴾ لا يلتفتون في صلاتهم خلفهم ولا عن أيمانهم ولا عن شمائلهم. * * - ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ فِيۤ أَمْوَٰلِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾. أي: موقت، وهو الزكاة ﴿لِّلسَّآئِلِ﴾ [أي] للذي يسأل ﴿وَٱلْمَحْرُومِ﴾ الذي حرم الغنى وهو فقير لا يسأل. قال قتادة: الحق المعلوم: "الزكاة المفروضة". وعن ابن عباس أنه حقٌّ آخَر غير الزكاة. وسئل ابن عمر عن الحق المعلوم أهو الزكاة؟ فقال: "إن عليك حقوقاً سوى ذلك". وقال الشعبي: "إن في المال حقاً سوى الزكاة"، وهو قول مجاهد. وهذا إنما هو على الندب والترغيب لا على الفرض؛ لأن المسلمين قد أجمعوا (على) ألا فرض في المال سوى الزكاة المعلومة، وقد تقدم (ذكر) اختلافهم في المحروم في "والذّارِيَاتِ" وأضفنا الأقوال إلى أصحابها، ونحن نذكره هنا مجملاً: قيل: هو المحارف الذي لا سهم له في الإسلام. وقيل: هو الذي لا سهم له (في) الغنيمة. وقيل: هو الذي لا ينمى له مال. وقيل: هو الذي اجتيح ماله. وقيل: هو المصاب بزرعه. وقيل: هو "المتعفف". * * - ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ﴾. أي: يؤمنون بالبعث والجزاء والجنة والنار. ﴿وَٱلَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ﴾: أي: هم وَجِلُونَ في الدنيا خوفاً (أن) يعذبهم ربُّهم في الآخرة، فهم من [خوفه] لا يضيعون فرائضه ولا يتعدون إلى ما حرم عليهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾: أي: لا يُؤمَن منه من عصى ربه. والوقف على "لَظَى" جائز حسن في قراءة من رفع "نَزَّاعَةٌ"، على تقدير: هي نزاعة. ومن جعل ﴿لَظَىٰ * (نَزَّاعَةً)﴾ بدلاً من اسم "إن" وجعل "نَزَّاعَةٌ" "خبر" إن لم يقف على "لَظَى". وكذلك إن رفع ﴿نَزَّاعَةً﴾ على البدل من ﴿لَظَىٰ﴾ أَوْ على أنها خبر بعد خبر، وكذلك إن جعل الضمير في "إِنَّهَا" للقصة لم يقف على "لظى"، لأن "نزاعة" خبر "لظى". فإن نصبت "نَزَّاعَةً" فعلى الحال من "لظى"؛ لأنها معرفة. [ولا] يوقف أيضا - على هذا القول - على "لَظَى". وقد رد المبرد النصب ومنع جوازه، [قال]: لأنه لا يجوز أن تكون لظى إلا نزاعة للشوى، وليس كذا سبيل الحال.

المعارج 70:15

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ﴾، إلى قوله: ﴿غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾. أي: ونرى العذاب قريباً (في) يوم تكون (فيه) السماء كالمهل. وقيل: التقدير: يبصرونهم يوم [تكون]. وقيل: التقدير: احذروا يوم تكون السماء كالمهل، قال مجاهد: "كعكر الزيت". وقال قتادة: تحول لوناً آخر إلى الخضرة، وقد تقدم ذكر "المهل" بأشبع من هذا. * * ثم قال: ﴿وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ﴾. قال مجاهد: كالصوف. وهو جمع "عهنة"، وأهل اللغة على أنه لا يقال (للصوف) "عهن" حتى يكون مصبوغاً. * * - ثم قال: ﴿وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾. أي: ولا يسأل قريب ولا صديق عن قريبه ولا عن صديقه لشغله بنفسه. * * ومعنى ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ أي: يُبَصَّرُ كلُّ إنسان قَرِينَهُ فيعرفه. قال ابن عباس: يعرف بعضهم بعضاً، ويتعارفون، ثم يفر بعضهم [من] بعضهم، بعد ذلك، يقول الله: ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧]، وهو قول قتادة. فالهاء والميم - على هذا - للأقرباء، والضمير في [يُبَصَّرُونَ] للكفار، فالهاء والميم للأقرباء، أي: يبصر الله الكفار أقرباءهم في القيامة ويعرفهم بهم، فهو تأويل موافق لصدر الآية؛ لأنه قد ذكر القريب وقريبه، وهذا مثل قوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ [عبس: ٣٤-٣٥] الآية. وقال مجاهد: معناه: يبصر الله المؤمنين الكفار في القيامة. فيكون الضمير في "يُبَصَّرونَ" للمؤمنين، والهاء والميم للكفار. وقال ابن زيد: معناه: يبصر الله الكفار الذين أضلوهم في الدنيا في النار. فيكون الضمير في ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ للكفار التابعين، والهاء والميم للمتبوعين. وقد روي عن ابن كثير وأبي جعفر يزيد وشيبة: أنهم قرأوا: "وَلاَ يُسْأَلُ حَمِيمٌ" على ما لم يسم فاعله. ومعناه: لا يقال لقريب: أين قريبك؟، (أي): لا يطلب بعضهم بِبَعْضٍ. ويجوز أن يكون معناه: ولا يسأل إنسان عن ذنب قريبه، مثل قوله: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: ١٦٤]. * * - ثم قال ﴿يَوَدُّ ٱلْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾. (أي: يتمنى الكافر يوم القيامة لو يفتدي من العذاب ببنيه). ﴿وَصَاحِبَتِهِ...﴾ وهي زوجته، ﴿(وَأَخِيهِ)﴾ ﴿وَفَصِيلَتِهِ...﴾: عشيرته، ﴿ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ أي: التي تضمه إلى رحلها ومنزلها لقرابة ما بينها وبينه. * * - ثم قال: ﴿وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ﴾. أي: ويود لو يفتدي بمن في الأرض جميعاً ثم ينجيه ذلك من عذاب الله، أي: لو وجد إلى ذلك سبيلاً من عظيم ما نزل به لفعله. وجواب "لَوْ" قوله: ﴿ثُمَّ يُنجِيهِ﴾، وقيل "ثُمَّ" بمعنى الفاء أي: فَيُنَجِّيه ذلك، فهو مثل قوله ﴿لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] الفاء جواب "لَوْ". قال قتادة: ﴿وَفَصِيلَتِهِ ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ "الأحب فالأحب، والأقرب فالأقرب من أهله وعشيرته...". قال الخليل: الفصيلة فخذ الرجل من قومه. وقال مجاهد: فصيلته: "قبيلته". وقال ابن زيد: "عشيرته". وفاعل "يُنْجِيهِ" محذوف، والتقدير: ثم ينجيه ذلك الافتداء، ودل "يفتدي" على الافتداء. قالت سودة: قال رسول الله ﷺ: يحشر الناس حفاةً عراةً غُرلاً حتى ألجمهم العرق وبلغ شحم الآذان. قالت: (قلت): واسوءتاه يا رسول الله، أينظر بعضنا إلى بعض؟! قال رسول الله ﷺ: شُغِلَ النَّاسُ ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهَا لَظَىٰ * نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ﴾. أي: ليس الأمر على ما يتمنون، ولا يفيدهم (من عذاب الله شيء. ثم ابتدأ بالإخبار عما أَعدَّ لهم من العذاب فقال: ﴿إِنَّهَا) لَظَىٰ﴾، و "لظى" اسم من أسماء جهنم، ولذلك لم تَنْصَرِفْ. ومعنى: "نزاعة للشوى": تنزع جلدة الرأس وأطراف البدن. والشوى جمع: شواة، وهي الأطراف. قال ابن عباس: ﴿نَزَّا(عَةً) لِّلشَّوَىٰ﴾ أي "تنزع أم الرأس". وعنه: يعني "الجلود والهام". وقال مجاهد: "[لجلود] الرأس". وعنه: تنزع اللحم دون العظم. وقال أبو صالح: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "للحم الساقين". [وقاله] مجاهد أيضاً. وقال الحسن: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "للهام، تحرق كل شيء منه ويبقى فؤاده نضيجاً". وقال الضحاك: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "تبدي اللحم والجلد عن العظم حتى لا تترك منه شيئاً". وقال ابن زيد: الشوى: "الأراب العظام، قال: تقطع عظامهم كما ترى ثم تحرق خلقهم وتبدل جلودهم". قال ابن جبير: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾ "للعصب والعقب". وعن مجاهد أيضاً: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: للجلد. وعنه: للأطراف. وقال ثابت البناني: للشوى: لِمَكَارِمِ وجه ابن آدم. * * - ثم قال تعالى: ﴿تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ﴾. أي: تدعو لظى إلى نفسها من أدبر عن طاعة الله وتولى عن الإيمان بالله وبكتبه وَرُسُلِه، هذا معنى قول قتادة. قال ابن زيد: ليس لها سلطان (إلا على من أدبر وتولى [وكفر وتولى]، فأما من آمن بالله ورسوله فليس له عليه سلطان). قال الخليل بن أحمد "ليس دعاؤها كالدعاء: "تعالوا" و "هلم". ولكن دعوتها [إيَاهم] ما تفعل بهم من الأفاعيل، يعنى نار جهنم نعوذ بالله منها. وقيل: معنى "تدعو" تريد وتطلب، كما قال: ﴿وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] أي: يريدون ويطلبون، فهو "يفتعل" من الدعاء. ويقال: تداعت الحيطان إذا انقاضت. وتداعى عليه العدو: إذا أتى من كل جانب. وتداعت القبائل على بني فلان، إذا أقبلوا لحربهم. [ودواعي] الدهر: صروفه. * * - وقوله: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ﴾. أي: وتدعو من جمع مالاً فجعله في وعائه ومنع حق الله منه. ومعنى "أوعى": أحاط بِمَنْعِ المَالِ وحِفْظِه، ومنه: وَعيْت العلم، وأذنٌ واعيةٌ. * * - ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾. الهلوع - عند أهل اللغة -: الجزوع، وهو هنا الذي يستعمل في حال الفقر من الجزع ما لا يجب أن يستعمله، وفي الغنى ما لا ينبغي أن يستعمله من منع الحق الواجب فيه وقلة الشكر. وقيل: الهلع شدة الجزع مع شدة الحرص والضجر. وقد فسر الله جل ذكره لنا الهَلوع من هو فقال: ﴿إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً﴾. وعن ابن عباس: الهلوع الجزوع: الحريص، وهذا كله في الكفار. قال الضحاك ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ﴾ يعني الكافر ﴿خُلِقَ هَلُوعاً﴾ أي: بخيلاً فهو منوع للخير جزوع إذا نزل به البلاء. قال ابن جبير: ﴿هَلُوعاً﴾ "شحيحاً، جزوعاً". وقال عكرمة: ضجوراً. وقال قتادة وابن زيد: الهلوع: الجزوع. - وقوله ﴿إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً﴾ أي: إذا قل ماله وناله الفقر والعدم فهو جزوع من ذلك لا صبر له عليه. ﴿وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ أي: إذا كثر ماله فهو بخيل بما في يديه لا ينفقه في طاعة الله ولا يؤدي منه حق الله. - ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِلاَّ ٱلْمُصَلِّينَ﴾. (أي): إلا الذين يطيعون الله بأداء فرائضه، [فليسوا] بداخلين في عدد من خلق هلوعاً وهو [كافر] بربه. وذكر بعض العلماء أن المصلين هنا الذين كانوا مع رسول الله، وهو قول ابن زيد. وقال غيره: هي في كل من صلى الخمس: قال النخعي ﴿ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ﴾ عني به الصلوات الخمس. وقال [عقبة بن عامر] ﴿دَآئِمُونَ﴾ لا يلتفتون في صلاتهم خلفهم ولا عن أيمانهم ولا عن شمائلهم. * * - ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ فِيۤ أَمْوَٰلِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾. أي: موقت، وهو الزكاة ﴿لِّلسَّآئِلِ﴾ [أي] للذي يسأل ﴿وَٱلْمَحْرُومِ﴾ الذي حرم الغنى وهو فقير لا يسأل. قال قتادة: الحق المعلوم: "الزكاة المفروضة". وعن ابن عباس أنه حقٌّ آخَر غير الزكاة. وسئل ابن عمر عن الحق المعلوم أهو الزكاة؟ فقال: "إن عليك حقوقاً سوى ذلك". وقال الشعبي: "إن في المال حقاً سوى الزكاة"، وهو قول مجاهد. وهذا إنما هو على الندب والترغيب لا على الفرض؛ لأن المسلمين قد أجمعوا (على) ألا فرض في المال سوى الزكاة المعلومة، وقد تقدم (ذكر) اختلافهم في المحروم في "والذّارِيَاتِ" وأضفنا الأقوال إلى أصحابها، ونحن نذكره هنا مجملاً: قيل: هو المحارف الذي لا سهم له في الإسلام. وقيل: هو الذي لا سهم له (في) الغنيمة. وقيل: هو الذي لا ينمى له مال. وقيل: هو الذي اجتيح ماله. وقيل: هو المصاب بزرعه. وقيل: هو "المتعفف". * * - ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ﴾. أي: يؤمنون بالبعث والجزاء والجنة والنار. ﴿وَٱلَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ﴾: أي: هم وَجِلُونَ في الدنيا خوفاً (أن) يعذبهم ربُّهم في الآخرة، فهم من [خوفه] لا يضيعون فرائضه ولا يتعدون إلى ما حرم عليهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾: أي: لا يُؤمَن منه من عصى ربه. والوقف على "لَظَى" جائز حسن في قراءة من رفع "نَزَّاعَةٌ"، على تقدير: هي نزاعة. ومن جعل ﴿لَظَىٰ * (نَزَّاعَةً)﴾ بدلاً من اسم "إن" وجعل "نَزَّاعَةٌ" "خبر" إن لم يقف على "لَظَى". وكذلك إن رفع ﴿نَزَّاعَةً﴾ على البدل من ﴿لَظَىٰ﴾ أَوْ على أنها خبر بعد خبر، وكذلك إن جعل الضمير في "إِنَّهَا" للقصة لم يقف على "لظى"، لأن "نزاعة" خبر "لظى". فإن نصبت "نَزَّاعَةً" فعلى الحال من "لظى"؛ لأنها معرفة. [ولا] يوقف أيضا - على هذا القول - على "لَظَى". وقد رد المبرد النصب ومنع جوازه، [قال]: لأنه لا يجوز أن تكون لظى إلا نزاعة للشوى، وليس كذا سبيل الحال.

المعارج 70:16

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ﴾، إلى قوله: ﴿غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾. أي: ونرى العذاب قريباً (في) يوم تكون (فيه) السماء كالمهل. وقيل: التقدير: يبصرونهم يوم [تكون]. وقيل: التقدير: احذروا يوم تكون السماء كالمهل، قال مجاهد: "كعكر الزيت". وقال قتادة: تحول لوناً آخر إلى الخضرة، وقد تقدم ذكر "المهل" بأشبع من هذا. * * ثم قال: ﴿وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ﴾. قال مجاهد: كالصوف. وهو جمع "عهنة"، وأهل اللغة على أنه لا يقال (للصوف) "عهن" حتى يكون مصبوغاً. * * - ثم قال: ﴿وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾. أي: ولا يسأل قريب ولا صديق عن قريبه ولا عن صديقه لشغله بنفسه. * * ومعنى ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ أي: يُبَصَّرُ كلُّ إنسان قَرِينَهُ فيعرفه. قال ابن عباس: يعرف بعضهم بعضاً، ويتعارفون، ثم يفر بعضهم [من] بعضهم، بعد ذلك، يقول الله: ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧]، وهو قول قتادة. فالهاء والميم - على هذا - للأقرباء، والضمير في [يُبَصَّرُونَ] للكفار، فالهاء والميم للأقرباء، أي: يبصر الله الكفار أقرباءهم في القيامة ويعرفهم بهم، فهو تأويل موافق لصدر الآية؛ لأنه قد ذكر القريب وقريبه، وهذا مثل قوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ [عبس: ٣٤-٣٥] الآية. وقال مجاهد: معناه: يبصر الله المؤمنين الكفار في القيامة. فيكون الضمير في "يُبَصَّرونَ" للمؤمنين، والهاء والميم للكفار. وقال ابن زيد: معناه: يبصر الله الكفار الذين أضلوهم في الدنيا في النار. فيكون الضمير في ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ للكفار التابعين، والهاء والميم للمتبوعين. وقد روي عن ابن كثير وأبي جعفر يزيد وشيبة: أنهم قرأوا: "وَلاَ يُسْأَلُ حَمِيمٌ" على ما لم يسم فاعله. ومعناه: لا يقال لقريب: أين قريبك؟، (أي): لا يطلب بعضهم بِبَعْضٍ. ويجوز أن يكون معناه: ولا يسأل إنسان عن ذنب قريبه، مثل قوله: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: ١٦٤]. * * - ثم قال ﴿يَوَدُّ ٱلْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾. (أي: يتمنى الكافر يوم القيامة لو يفتدي من العذاب ببنيه). ﴿وَصَاحِبَتِهِ...﴾ وهي زوجته، ﴿(وَأَخِيهِ)﴾ ﴿وَفَصِيلَتِهِ...﴾: عشيرته، ﴿ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ أي: التي تضمه إلى رحلها ومنزلها لقرابة ما بينها وبينه. * * - ثم قال: ﴿وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ﴾. أي: ويود لو يفتدي بمن في الأرض جميعاً ثم ينجيه ذلك من عذاب الله، أي: لو وجد إلى ذلك سبيلاً من عظيم ما نزل به لفعله. وجواب "لَوْ" قوله: ﴿ثُمَّ يُنجِيهِ﴾، وقيل "ثُمَّ" بمعنى الفاء أي: فَيُنَجِّيه ذلك، فهو مثل قوله ﴿لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] الفاء جواب "لَوْ". قال قتادة: ﴿وَفَصِيلَتِهِ ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ "الأحب فالأحب، والأقرب فالأقرب من أهله وعشيرته...". قال الخليل: الفصيلة فخذ الرجل من قومه. وقال مجاهد: فصيلته: "قبيلته". وقال ابن زيد: "عشيرته". وفاعل "يُنْجِيهِ" محذوف، والتقدير: ثم ينجيه ذلك الافتداء، ودل "يفتدي" على الافتداء. قالت سودة: قال رسول الله ﷺ: يحشر الناس حفاةً عراةً غُرلاً حتى ألجمهم العرق وبلغ شحم الآذان. قالت: (قلت): واسوءتاه يا رسول الله، أينظر بعضنا إلى بعض؟! قال رسول الله ﷺ: شُغِلَ النَّاسُ ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهَا لَظَىٰ * نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ﴾. أي: ليس الأمر على ما يتمنون، ولا يفيدهم (من عذاب الله شيء. ثم ابتدأ بالإخبار عما أَعدَّ لهم من العذاب فقال: ﴿إِنَّهَا) لَظَىٰ﴾، و "لظى" اسم من أسماء جهنم، ولذلك لم تَنْصَرِفْ. ومعنى: "نزاعة للشوى": تنزع جلدة الرأس وأطراف البدن. والشوى جمع: شواة، وهي الأطراف. قال ابن عباس: ﴿نَزَّا(عَةً) لِّلشَّوَىٰ﴾ أي "تنزع أم الرأس". وعنه: يعني "الجلود والهام". وقال مجاهد: "[لجلود] الرأس". وعنه: تنزع اللحم دون العظم. وقال أبو صالح: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "للحم الساقين". [وقاله] مجاهد أيضاً. وقال الحسن: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "للهام، تحرق كل شيء منه ويبقى فؤاده نضيجاً". وقال الضحاك: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "تبدي اللحم والجلد عن العظم حتى لا تترك منه شيئاً". وقال ابن زيد: الشوى: "الأراب العظام، قال: تقطع عظامهم كما ترى ثم تحرق خلقهم وتبدل جلودهم". قال ابن جبير: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾ "للعصب والعقب". وعن مجاهد أيضاً: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: للجلد. وعنه: للأطراف. وقال ثابت البناني: للشوى: لِمَكَارِمِ وجه ابن آدم. * * - ثم قال تعالى: ﴿تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ﴾. أي: تدعو لظى إلى نفسها من أدبر عن طاعة الله وتولى عن الإيمان بالله وبكتبه وَرُسُلِه، هذا معنى قول قتادة. قال ابن زيد: ليس لها سلطان (إلا على من أدبر وتولى [وكفر وتولى]، فأما من آمن بالله ورسوله فليس له عليه سلطان). قال الخليل بن أحمد "ليس دعاؤها كالدعاء: "تعالوا" و "هلم". ولكن دعوتها [إيَاهم] ما تفعل بهم من الأفاعيل، يعنى نار جهنم نعوذ بالله منها. وقيل: معنى "تدعو" تريد وتطلب، كما قال: ﴿وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] أي: يريدون ويطلبون، فهو "يفتعل" من الدعاء. ويقال: تداعت الحيطان إذا انقاضت. وتداعى عليه العدو: إذا أتى من كل جانب. وتداعت القبائل على بني فلان، إذا أقبلوا لحربهم. [ودواعي] الدهر: صروفه. * * - وقوله: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ﴾. أي: وتدعو من جمع مالاً فجعله في وعائه ومنع حق الله منه. ومعنى "أوعى": أحاط بِمَنْعِ المَالِ وحِفْظِه، ومنه: وَعيْت العلم، وأذنٌ واعيةٌ. * * - ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾. الهلوع - عند أهل اللغة -: الجزوع، وهو هنا الذي يستعمل في حال الفقر من الجزع ما لا يجب أن يستعمله، وفي الغنى ما لا ينبغي أن يستعمله من منع الحق الواجب فيه وقلة الشكر. وقيل: الهلع شدة الجزع مع شدة الحرص والضجر. وقد فسر الله جل ذكره لنا الهَلوع من هو فقال: ﴿إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً﴾. وعن ابن عباس: الهلوع الجزوع: الحريص، وهذا كله في الكفار. قال الضحاك ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ﴾ يعني الكافر ﴿خُلِقَ هَلُوعاً﴾ أي: بخيلاً فهو منوع للخير جزوع إذا نزل به البلاء. قال ابن جبير: ﴿هَلُوعاً﴾ "شحيحاً، جزوعاً". وقال عكرمة: ضجوراً. وقال قتادة وابن زيد: الهلوع: الجزوع. - وقوله ﴿إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً﴾ أي: إذا قل ماله وناله الفقر والعدم فهو جزوع من ذلك لا صبر له عليه. ﴿وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ أي: إذا كثر ماله فهو بخيل بما في يديه لا ينفقه في طاعة الله ولا يؤدي منه حق الله. - ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِلاَّ ٱلْمُصَلِّينَ﴾. (أي): إلا الذين يطيعون الله بأداء فرائضه، [فليسوا] بداخلين في عدد من خلق هلوعاً وهو [كافر] بربه. وذكر بعض العلماء أن المصلين هنا الذين كانوا مع رسول الله، وهو قول ابن زيد. وقال غيره: هي في كل من صلى الخمس: قال النخعي ﴿ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ﴾ عني به الصلوات الخمس. وقال [عقبة بن عامر] ﴿دَآئِمُونَ﴾ لا يلتفتون في صلاتهم خلفهم ولا عن أيمانهم ولا عن شمائلهم. * * - ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ فِيۤ أَمْوَٰلِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾. أي: موقت، وهو الزكاة ﴿لِّلسَّآئِلِ﴾ [أي] للذي يسأل ﴿وَٱلْمَحْرُومِ﴾ الذي حرم الغنى وهو فقير لا يسأل. قال قتادة: الحق المعلوم: "الزكاة المفروضة". وعن ابن عباس أنه حقٌّ آخَر غير الزكاة. وسئل ابن عمر عن الحق المعلوم أهو الزكاة؟ فقال: "إن عليك حقوقاً سوى ذلك". وقال الشعبي: "إن في المال حقاً سوى الزكاة"، وهو قول مجاهد. وهذا إنما هو على الندب والترغيب لا على الفرض؛ لأن المسلمين قد أجمعوا (على) ألا فرض في المال سوى الزكاة المعلومة، وقد تقدم (ذكر) اختلافهم في المحروم في "والذّارِيَاتِ" وأضفنا الأقوال إلى أصحابها، ونحن نذكره هنا مجملاً: قيل: هو المحارف الذي لا سهم له في الإسلام. وقيل: هو الذي لا سهم له (في) الغنيمة. وقيل: هو الذي لا ينمى له مال. وقيل: هو الذي اجتيح ماله. وقيل: هو المصاب بزرعه. وقيل: هو "المتعفف". * * - ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ﴾. أي: يؤمنون بالبعث والجزاء والجنة والنار. ﴿وَٱلَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ﴾: أي: هم وَجِلُونَ في الدنيا خوفاً (أن) يعذبهم ربُّهم في الآخرة، فهم من [خوفه] لا يضيعون فرائضه ولا يتعدون إلى ما حرم عليهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾: أي: لا يُؤمَن منه من عصى ربه. والوقف على "لَظَى" جائز حسن في قراءة من رفع "نَزَّاعَةٌ"، على تقدير: هي نزاعة. ومن جعل ﴿لَظَىٰ * (نَزَّاعَةً)﴾ بدلاً من اسم "إن" وجعل "نَزَّاعَةٌ" "خبر" إن لم يقف على "لَظَى". وكذلك إن رفع ﴿نَزَّاعَةً﴾ على البدل من ﴿لَظَىٰ﴾ أَوْ على أنها خبر بعد خبر، وكذلك إن جعل الضمير في "إِنَّهَا" للقصة لم يقف على "لظى"، لأن "نزاعة" خبر "لظى". فإن نصبت "نَزَّاعَةً" فعلى الحال من "لظى"؛ لأنها معرفة. [ولا] يوقف أيضا - على هذا القول - على "لَظَى". وقد رد المبرد النصب ومنع جوازه، [قال]: لأنه لا يجوز أن تكون لظى إلا نزاعة للشوى، وليس كذا سبيل الحال.

المعارج 70:17

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ﴾، إلى قوله: ﴿غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾. أي: ونرى العذاب قريباً (في) يوم تكون (فيه) السماء كالمهل. وقيل: التقدير: يبصرونهم يوم [تكون]. وقيل: التقدير: احذروا يوم تكون السماء كالمهل، قال مجاهد: "كعكر الزيت". وقال قتادة: تحول لوناً آخر إلى الخضرة، وقد تقدم ذكر "المهل" بأشبع من هذا. * * ثم قال: ﴿وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ﴾. قال مجاهد: كالصوف. وهو جمع "عهنة"، وأهل اللغة على أنه لا يقال (للصوف) "عهن" حتى يكون مصبوغاً. * * - ثم قال: ﴿وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾. أي: ولا يسأل قريب ولا صديق عن قريبه ولا عن صديقه لشغله بنفسه. * * ومعنى ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ أي: يُبَصَّرُ كلُّ إنسان قَرِينَهُ فيعرفه. قال ابن عباس: يعرف بعضهم بعضاً، ويتعارفون، ثم يفر بعضهم [من] بعضهم، بعد ذلك، يقول الله: ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧]، وهو قول قتادة. فالهاء والميم - على هذا - للأقرباء، والضمير في [يُبَصَّرُونَ] للكفار، فالهاء والميم للأقرباء، أي: يبصر الله الكفار أقرباءهم في القيامة ويعرفهم بهم، فهو تأويل موافق لصدر الآية؛ لأنه قد ذكر القريب وقريبه، وهذا مثل قوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ [عبس: ٣٤-٣٥] الآية. وقال مجاهد: معناه: يبصر الله المؤمنين الكفار في القيامة. فيكون الضمير في "يُبَصَّرونَ" للمؤمنين، والهاء والميم للكفار. وقال ابن زيد: معناه: يبصر الله الكفار الذين أضلوهم في الدنيا في النار. فيكون الضمير في ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ للكفار التابعين، والهاء والميم للمتبوعين. وقد روي عن ابن كثير وأبي جعفر يزيد وشيبة: أنهم قرأوا: "وَلاَ يُسْأَلُ حَمِيمٌ" على ما لم يسم فاعله. ومعناه: لا يقال لقريب: أين قريبك؟، (أي): لا يطلب بعضهم بِبَعْضٍ. ويجوز أن يكون معناه: ولا يسأل إنسان عن ذنب قريبه، مثل قوله: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: ١٦٤]. * * - ثم قال ﴿يَوَدُّ ٱلْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾. (أي: يتمنى الكافر يوم القيامة لو يفتدي من العذاب ببنيه). ﴿وَصَاحِبَتِهِ...﴾ وهي زوجته، ﴿(وَأَخِيهِ)﴾ ﴿وَفَصِيلَتِهِ...﴾: عشيرته، ﴿ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ أي: التي تضمه إلى رحلها ومنزلها لقرابة ما بينها وبينه. * * - ثم قال: ﴿وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ﴾. أي: ويود لو يفتدي بمن في الأرض جميعاً ثم ينجيه ذلك من عذاب الله، أي: لو وجد إلى ذلك سبيلاً من عظيم ما نزل به لفعله. وجواب "لَوْ" قوله: ﴿ثُمَّ يُنجِيهِ﴾، وقيل "ثُمَّ" بمعنى الفاء أي: فَيُنَجِّيه ذلك، فهو مثل قوله ﴿لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] الفاء جواب "لَوْ". قال قتادة: ﴿وَفَصِيلَتِهِ ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ "الأحب فالأحب، والأقرب فالأقرب من أهله وعشيرته...". قال الخليل: الفصيلة فخذ الرجل من قومه. وقال مجاهد: فصيلته: "قبيلته". وقال ابن زيد: "عشيرته". وفاعل "يُنْجِيهِ" محذوف، والتقدير: ثم ينجيه ذلك الافتداء، ودل "يفتدي" على الافتداء. قالت سودة: قال رسول الله ﷺ: يحشر الناس حفاةً عراةً غُرلاً حتى ألجمهم العرق وبلغ شحم الآذان. قالت: (قلت): واسوءتاه يا رسول الله، أينظر بعضنا إلى بعض؟! قال رسول الله ﷺ: شُغِلَ النَّاسُ ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهَا لَظَىٰ * نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ﴾. أي: ليس الأمر على ما يتمنون، ولا يفيدهم (من عذاب الله شيء. ثم ابتدأ بالإخبار عما أَعدَّ لهم من العذاب فقال: ﴿إِنَّهَا) لَظَىٰ﴾، و "لظى" اسم من أسماء جهنم، ولذلك لم تَنْصَرِفْ. ومعنى: "نزاعة للشوى": تنزع جلدة الرأس وأطراف البدن. والشوى جمع: شواة، وهي الأطراف. قال ابن عباس: ﴿نَزَّا(عَةً) لِّلشَّوَىٰ﴾ أي "تنزع أم الرأس". وعنه: يعني "الجلود والهام". وقال مجاهد: "[لجلود] الرأس". وعنه: تنزع اللحم دون العظم. وقال أبو صالح: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "للحم الساقين". [وقاله] مجاهد أيضاً. وقال الحسن: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "للهام، تحرق كل شيء منه ويبقى فؤاده نضيجاً". وقال الضحاك: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "تبدي اللحم والجلد عن العظم حتى لا تترك منه شيئاً". وقال ابن زيد: الشوى: "الأراب العظام، قال: تقطع عظامهم كما ترى ثم تحرق خلقهم وتبدل جلودهم". قال ابن جبير: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾ "للعصب والعقب". وعن مجاهد أيضاً: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: للجلد. وعنه: للأطراف. وقال ثابت البناني: للشوى: لِمَكَارِمِ وجه ابن آدم. * * - ثم قال تعالى: ﴿تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ﴾. أي: تدعو لظى إلى نفسها من أدبر عن طاعة الله وتولى عن الإيمان بالله وبكتبه وَرُسُلِه، هذا معنى قول قتادة. قال ابن زيد: ليس لها سلطان (إلا على من أدبر وتولى [وكفر وتولى]، فأما من آمن بالله ورسوله فليس له عليه سلطان). قال الخليل بن أحمد "ليس دعاؤها كالدعاء: "تعالوا" و "هلم". ولكن دعوتها [إيَاهم] ما تفعل بهم من الأفاعيل، يعنى نار جهنم نعوذ بالله منها. وقيل: معنى "تدعو" تريد وتطلب، كما قال: ﴿وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] أي: يريدون ويطلبون، فهو "يفتعل" من الدعاء. ويقال: تداعت الحيطان إذا انقاضت. وتداعى عليه العدو: إذا أتى من كل جانب. وتداعت القبائل على بني فلان، إذا أقبلوا لحربهم. [ودواعي] الدهر: صروفه. * * - وقوله: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ﴾. أي: وتدعو من جمع مالاً فجعله في وعائه ومنع حق الله منه. ومعنى "أوعى": أحاط بِمَنْعِ المَالِ وحِفْظِه، ومنه: وَعيْت العلم، وأذنٌ واعيةٌ. * * - ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾. الهلوع - عند أهل اللغة -: الجزوع، وهو هنا الذي يستعمل في حال الفقر من الجزع ما لا يجب أن يستعمله، وفي الغنى ما لا ينبغي أن يستعمله من منع الحق الواجب فيه وقلة الشكر. وقيل: الهلع شدة الجزع مع شدة الحرص والضجر. وقد فسر الله جل ذكره لنا الهَلوع من هو فقال: ﴿إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً﴾. وعن ابن عباس: الهلوع الجزوع: الحريص، وهذا كله في الكفار. قال الضحاك ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ﴾ يعني الكافر ﴿خُلِقَ هَلُوعاً﴾ أي: بخيلاً فهو منوع للخير جزوع إذا نزل به البلاء. قال ابن جبير: ﴿هَلُوعاً﴾ "شحيحاً، جزوعاً". وقال عكرمة: ضجوراً. وقال قتادة وابن زيد: الهلوع: الجزوع. - وقوله ﴿إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً﴾ أي: إذا قل ماله وناله الفقر والعدم فهو جزوع من ذلك لا صبر له عليه. ﴿وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ أي: إذا كثر ماله فهو بخيل بما في يديه لا ينفقه في طاعة الله ولا يؤدي منه حق الله. - ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِلاَّ ٱلْمُصَلِّينَ﴾. (أي): إلا الذين يطيعون الله بأداء فرائضه، [فليسوا] بداخلين في عدد من خلق هلوعاً وهو [كافر] بربه. وذكر بعض العلماء أن المصلين هنا الذين كانوا مع رسول الله، وهو قول ابن زيد. وقال غيره: هي في كل من صلى الخمس: قال النخعي ﴿ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ﴾ عني به الصلوات الخمس. وقال [عقبة بن عامر] ﴿دَآئِمُونَ﴾ لا يلتفتون في صلاتهم خلفهم ولا عن أيمانهم ولا عن شمائلهم. * * - ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ فِيۤ أَمْوَٰلِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾. أي: موقت، وهو الزكاة ﴿لِّلسَّآئِلِ﴾ [أي] للذي يسأل ﴿وَٱلْمَحْرُومِ﴾ الذي حرم الغنى وهو فقير لا يسأل. قال قتادة: الحق المعلوم: "الزكاة المفروضة". وعن ابن عباس أنه حقٌّ آخَر غير الزكاة. وسئل ابن عمر عن الحق المعلوم أهو الزكاة؟ فقال: "إن عليك حقوقاً سوى ذلك". وقال الشعبي: "إن في المال حقاً سوى الزكاة"، وهو قول مجاهد. وهذا إنما هو على الندب والترغيب لا على الفرض؛ لأن المسلمين قد أجمعوا (على) ألا فرض في المال سوى الزكاة المعلومة، وقد تقدم (ذكر) اختلافهم في المحروم في "والذّارِيَاتِ" وأضفنا الأقوال إلى أصحابها، ونحن نذكره هنا مجملاً: قيل: هو المحارف الذي لا سهم له في الإسلام. وقيل: هو الذي لا سهم له (في) الغنيمة. وقيل: هو الذي لا ينمى له مال. وقيل: هو الذي اجتيح ماله. وقيل: هو المصاب بزرعه. وقيل: هو "المتعفف". * * - ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ﴾. أي: يؤمنون بالبعث والجزاء والجنة والنار. ﴿وَٱلَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ﴾: أي: هم وَجِلُونَ في الدنيا خوفاً (أن) يعذبهم ربُّهم في الآخرة، فهم من [خوفه] لا يضيعون فرائضه ولا يتعدون إلى ما حرم عليهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾: أي: لا يُؤمَن منه من عصى ربه. والوقف على "لَظَى" جائز حسن في قراءة من رفع "نَزَّاعَةٌ"، على تقدير: هي نزاعة. ومن جعل ﴿لَظَىٰ * (نَزَّاعَةً)﴾ بدلاً من اسم "إن" وجعل "نَزَّاعَةٌ" "خبر" إن لم يقف على "لَظَى". وكذلك إن رفع ﴿نَزَّاعَةً﴾ على البدل من ﴿لَظَىٰ﴾ أَوْ على أنها خبر بعد خبر، وكذلك إن جعل الضمير في "إِنَّهَا" للقصة لم يقف على "لظى"، لأن "نزاعة" خبر "لظى". فإن نصبت "نَزَّاعَةً" فعلى الحال من "لظى"؛ لأنها معرفة. [ولا] يوقف أيضا - على هذا القول - على "لَظَى". وقد رد المبرد النصب ومنع جوازه، [قال]: لأنه لا يجوز أن تكون لظى إلا نزاعة للشوى، وليس كذا سبيل الحال.

المعارج 70:18

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ﴾، إلى قوله: ﴿غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾. أي: ونرى العذاب قريباً (في) يوم تكون (فيه) السماء كالمهل. وقيل: التقدير: يبصرونهم يوم [تكون]. وقيل: التقدير: احذروا يوم تكون السماء كالمهل، قال مجاهد: "كعكر الزيت". وقال قتادة: تحول لوناً آخر إلى الخضرة، وقد تقدم ذكر "المهل" بأشبع من هذا. * * ثم قال: ﴿وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ﴾. قال مجاهد: كالصوف. وهو جمع "عهنة"، وأهل اللغة على أنه لا يقال (للصوف) "عهن" حتى يكون مصبوغاً. * * - ثم قال: ﴿وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾. أي: ولا يسأل قريب ولا صديق عن قريبه ولا عن صديقه لشغله بنفسه. * * ومعنى ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ أي: يُبَصَّرُ كلُّ إنسان قَرِينَهُ فيعرفه. قال ابن عباس: يعرف بعضهم بعضاً، ويتعارفون، ثم يفر بعضهم [من] بعضهم، بعد ذلك، يقول الله: ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧]، وهو قول قتادة. فالهاء والميم - على هذا - للأقرباء، والضمير في [يُبَصَّرُونَ] للكفار، فالهاء والميم للأقرباء، أي: يبصر الله الكفار أقرباءهم في القيامة ويعرفهم بهم، فهو تأويل موافق لصدر الآية؛ لأنه قد ذكر القريب وقريبه، وهذا مثل قوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ [عبس: ٣٤-٣٥] الآية. وقال مجاهد: معناه: يبصر الله المؤمنين الكفار في القيامة. فيكون الضمير في "يُبَصَّرونَ" للمؤمنين، والهاء والميم للكفار. وقال ابن زيد: معناه: يبصر الله الكفار الذين أضلوهم في الدنيا في النار. فيكون الضمير في ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ للكفار التابعين، والهاء والميم للمتبوعين. وقد روي عن ابن كثير وأبي جعفر يزيد وشيبة: أنهم قرأوا: "وَلاَ يُسْأَلُ حَمِيمٌ" على ما لم يسم فاعله. ومعناه: لا يقال لقريب: أين قريبك؟، (أي): لا يطلب بعضهم بِبَعْضٍ. ويجوز أن يكون معناه: ولا يسأل إنسان عن ذنب قريبه، مثل قوله: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: ١٦٤]. * * - ثم قال ﴿يَوَدُّ ٱلْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾. (أي: يتمنى الكافر يوم القيامة لو يفتدي من العذاب ببنيه). ﴿وَصَاحِبَتِهِ...﴾ وهي زوجته، ﴿(وَأَخِيهِ)﴾ ﴿وَفَصِيلَتِهِ...﴾: عشيرته، ﴿ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ أي: التي تضمه إلى رحلها ومنزلها لقرابة ما بينها وبينه. * * - ثم قال: ﴿وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ﴾. أي: ويود لو يفتدي بمن في الأرض جميعاً ثم ينجيه ذلك من عذاب الله، أي: لو وجد إلى ذلك سبيلاً من عظيم ما نزل به لفعله. وجواب "لَوْ" قوله: ﴿ثُمَّ يُنجِيهِ﴾، وقيل "ثُمَّ" بمعنى الفاء أي: فَيُنَجِّيه ذلك، فهو مثل قوله ﴿لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] الفاء جواب "لَوْ". قال قتادة: ﴿وَفَصِيلَتِهِ ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ "الأحب فالأحب، والأقرب فالأقرب من أهله وعشيرته...". قال الخليل: الفصيلة فخذ الرجل من قومه. وقال مجاهد: فصيلته: "قبيلته". وقال ابن زيد: "عشيرته". وفاعل "يُنْجِيهِ" محذوف، والتقدير: ثم ينجيه ذلك الافتداء، ودل "يفتدي" على الافتداء. قالت سودة: قال رسول الله ﷺ: يحشر الناس حفاةً عراةً غُرلاً حتى ألجمهم العرق وبلغ شحم الآذان. قالت: (قلت): واسوءتاه يا رسول الله، أينظر بعضنا إلى بعض؟! قال رسول الله ﷺ: شُغِلَ النَّاسُ ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهَا لَظَىٰ * نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ﴾. أي: ليس الأمر على ما يتمنون، ولا يفيدهم (من عذاب الله شيء. ثم ابتدأ بالإخبار عما أَعدَّ لهم من العذاب فقال: ﴿إِنَّهَا) لَظَىٰ﴾، و "لظى" اسم من أسماء جهنم، ولذلك لم تَنْصَرِفْ. ومعنى: "نزاعة للشوى": تنزع جلدة الرأس وأطراف البدن. والشوى جمع: شواة، وهي الأطراف. قال ابن عباس: ﴿نَزَّا(عَةً) لِّلشَّوَىٰ﴾ أي "تنزع أم الرأس". وعنه: يعني "الجلود والهام". وقال مجاهد: "[لجلود] الرأس". وعنه: تنزع اللحم دون العظم. وقال أبو صالح: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "للحم الساقين". [وقاله] مجاهد أيضاً. وقال الحسن: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "للهام، تحرق كل شيء منه ويبقى فؤاده نضيجاً". وقال الضحاك: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "تبدي اللحم والجلد عن العظم حتى لا تترك منه شيئاً". وقال ابن زيد: الشوى: "الأراب العظام، قال: تقطع عظامهم كما ترى ثم تحرق خلقهم وتبدل جلودهم". قال ابن جبير: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾ "للعصب والعقب". وعن مجاهد أيضاً: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: للجلد. وعنه: للأطراف. وقال ثابت البناني: للشوى: لِمَكَارِمِ وجه ابن آدم. * * - ثم قال تعالى: ﴿تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ﴾. أي: تدعو لظى إلى نفسها من أدبر عن طاعة الله وتولى عن الإيمان بالله وبكتبه وَرُسُلِه، هذا معنى قول قتادة. قال ابن زيد: ليس لها سلطان (إلا على من أدبر وتولى [وكفر وتولى]، فأما من آمن بالله ورسوله فليس له عليه سلطان). قال الخليل بن أحمد "ليس دعاؤها كالدعاء: "تعالوا" و "هلم". ولكن دعوتها [إيَاهم] ما تفعل بهم من الأفاعيل، يعنى نار جهنم نعوذ بالله منها. وقيل: معنى "تدعو" تريد وتطلب، كما قال: ﴿وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] أي: يريدون ويطلبون، فهو "يفتعل" من الدعاء. ويقال: تداعت الحيطان إذا انقاضت. وتداعى عليه العدو: إذا أتى من كل جانب. وتداعت القبائل على بني فلان، إذا أقبلوا لحربهم. [ودواعي] الدهر: صروفه. * * - وقوله: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ﴾. أي: وتدعو من جمع مالاً فجعله في وعائه ومنع حق الله منه. ومعنى "أوعى": أحاط بِمَنْعِ المَالِ وحِفْظِه، ومنه: وَعيْت العلم، وأذنٌ واعيةٌ. * * - ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾. الهلوع - عند أهل اللغة -: الجزوع، وهو هنا الذي يستعمل في حال الفقر من الجزع ما لا يجب أن يستعمله، وفي الغنى ما لا ينبغي أن يستعمله من منع الحق الواجب فيه وقلة الشكر. وقيل: الهلع شدة الجزع مع شدة الحرص والضجر. وقد فسر الله جل ذكره لنا الهَلوع من هو فقال: ﴿إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً﴾. وعن ابن عباس: الهلوع الجزوع: الحريص، وهذا كله في الكفار. قال الضحاك ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ﴾ يعني الكافر ﴿خُلِقَ هَلُوعاً﴾ أي: بخيلاً فهو منوع للخير جزوع إذا نزل به البلاء. قال ابن جبير: ﴿هَلُوعاً﴾ "شحيحاً، جزوعاً". وقال عكرمة: ضجوراً. وقال قتادة وابن زيد: الهلوع: الجزوع. - وقوله ﴿إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً﴾ أي: إذا قل ماله وناله الفقر والعدم فهو جزوع من ذلك لا صبر له عليه. ﴿وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ أي: إذا كثر ماله فهو بخيل بما في يديه لا ينفقه في طاعة الله ولا يؤدي منه حق الله. - ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِلاَّ ٱلْمُصَلِّينَ﴾. (أي): إلا الذين يطيعون الله بأداء فرائضه، [فليسوا] بداخلين في عدد من خلق هلوعاً وهو [كافر] بربه. وذكر بعض العلماء أن المصلين هنا الذين كانوا مع رسول الله، وهو قول ابن زيد. وقال غيره: هي في كل من صلى الخمس: قال النخعي ﴿ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ﴾ عني به الصلوات الخمس. وقال [عقبة بن عامر] ﴿دَآئِمُونَ﴾ لا يلتفتون في صلاتهم خلفهم ولا عن أيمانهم ولا عن شمائلهم. * * - ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ فِيۤ أَمْوَٰلِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾. أي: موقت، وهو الزكاة ﴿لِّلسَّآئِلِ﴾ [أي] للذي يسأل ﴿وَٱلْمَحْرُومِ﴾ الذي حرم الغنى وهو فقير لا يسأل. قال قتادة: الحق المعلوم: "الزكاة المفروضة". وعن ابن عباس أنه حقٌّ آخَر غير الزكاة. وسئل ابن عمر عن الحق المعلوم أهو الزكاة؟ فقال: "إن عليك حقوقاً سوى ذلك". وقال الشعبي: "إن في المال حقاً سوى الزكاة"، وهو قول مجاهد. وهذا إنما هو على الندب والترغيب لا على الفرض؛ لأن المسلمين قد أجمعوا (على) ألا فرض في المال سوى الزكاة المعلومة، وقد تقدم (ذكر) اختلافهم في المحروم في "والذّارِيَاتِ" وأضفنا الأقوال إلى أصحابها، ونحن نذكره هنا مجملاً: قيل: هو المحارف الذي لا سهم له في الإسلام. وقيل: هو الذي لا سهم له (في) الغنيمة. وقيل: هو الذي لا ينمى له مال. وقيل: هو الذي اجتيح ماله. وقيل: هو المصاب بزرعه. وقيل: هو "المتعفف". * * - ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ﴾. أي: يؤمنون بالبعث والجزاء والجنة والنار. ﴿وَٱلَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ﴾: أي: هم وَجِلُونَ في الدنيا خوفاً (أن) يعذبهم ربُّهم في الآخرة، فهم من [خوفه] لا يضيعون فرائضه ولا يتعدون إلى ما حرم عليهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾: أي: لا يُؤمَن منه من عصى ربه. والوقف على "لَظَى" جائز حسن في قراءة من رفع "نَزَّاعَةٌ"، على تقدير: هي نزاعة. ومن جعل ﴿لَظَىٰ * (نَزَّاعَةً)﴾ بدلاً من اسم "إن" وجعل "نَزَّاعَةٌ" "خبر" إن لم يقف على "لَظَى". وكذلك إن رفع ﴿نَزَّاعَةً﴾ على البدل من ﴿لَظَىٰ﴾ أَوْ على أنها خبر بعد خبر، وكذلك إن جعل الضمير في "إِنَّهَا" للقصة لم يقف على "لظى"، لأن "نزاعة" خبر "لظى". فإن نصبت "نَزَّاعَةً" فعلى الحال من "لظى"؛ لأنها معرفة. [ولا] يوقف أيضا - على هذا القول - على "لَظَى". وقد رد المبرد النصب ومنع جوازه، [قال]: لأنه لا يجوز أن تكون لظى إلا نزاعة للشوى، وليس كذا سبيل الحال.

المعارج 70:19

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ﴾، إلى قوله: ﴿غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾. أي: ونرى العذاب قريباً (في) يوم تكون (فيه) السماء كالمهل. وقيل: التقدير: يبصرونهم يوم [تكون]. وقيل: التقدير: احذروا يوم تكون السماء كالمهل، قال مجاهد: "كعكر الزيت". وقال قتادة: تحول لوناً آخر إلى الخضرة، وقد تقدم ذكر "المهل" بأشبع من هذا. * * ثم قال: ﴿وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ﴾. قال مجاهد: كالصوف. وهو جمع "عهنة"، وأهل اللغة على أنه لا يقال (للصوف) "عهن" حتى يكون مصبوغاً. * * - ثم قال: ﴿وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾. أي: ولا يسأل قريب ولا صديق عن قريبه ولا عن صديقه لشغله بنفسه. * * ومعنى ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ أي: يُبَصَّرُ كلُّ إنسان قَرِينَهُ فيعرفه. قال ابن عباس: يعرف بعضهم بعضاً، ويتعارفون، ثم يفر بعضهم [من] بعضهم، بعد ذلك، يقول الله: ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧]، وهو قول قتادة. فالهاء والميم - على هذا - للأقرباء، والضمير في [يُبَصَّرُونَ] للكفار، فالهاء والميم للأقرباء، أي: يبصر الله الكفار أقرباءهم في القيامة ويعرفهم بهم، فهو تأويل موافق لصدر الآية؛ لأنه قد ذكر القريب وقريبه، وهذا مثل قوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ [عبس: ٣٤-٣٥] الآية. وقال مجاهد: معناه: يبصر الله المؤمنين الكفار في القيامة. فيكون الضمير في "يُبَصَّرونَ" للمؤمنين، والهاء والميم للكفار. وقال ابن زيد: معناه: يبصر الله الكفار الذين أضلوهم في الدنيا في النار. فيكون الضمير في ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ للكفار التابعين، والهاء والميم للمتبوعين. وقد روي عن ابن كثير وأبي جعفر يزيد وشيبة: أنهم قرأوا: "وَلاَ يُسْأَلُ حَمِيمٌ" على ما لم يسم فاعله. ومعناه: لا يقال لقريب: أين قريبك؟، (أي): لا يطلب بعضهم بِبَعْضٍ. ويجوز أن يكون معناه: ولا يسأل إنسان عن ذنب قريبه، مثل قوله: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: ١٦٤]. * * - ثم قال ﴿يَوَدُّ ٱلْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾. (أي: يتمنى الكافر يوم القيامة لو يفتدي من العذاب ببنيه). ﴿وَصَاحِبَتِهِ...﴾ وهي زوجته، ﴿(وَأَخِيهِ)﴾ ﴿وَفَصِيلَتِهِ...﴾: عشيرته، ﴿ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ أي: التي تضمه إلى رحلها ومنزلها لقرابة ما بينها وبينه. * * - ثم قال: ﴿وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ﴾. أي: ويود لو يفتدي بمن في الأرض جميعاً ثم ينجيه ذلك من عذاب الله، أي: لو وجد إلى ذلك سبيلاً من عظيم ما نزل به لفعله. وجواب "لَوْ" قوله: ﴿ثُمَّ يُنجِيهِ﴾، وقيل "ثُمَّ" بمعنى الفاء أي: فَيُنَجِّيه ذلك، فهو مثل قوله ﴿لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] الفاء جواب "لَوْ". قال قتادة: ﴿وَفَصِيلَتِهِ ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ "الأحب فالأحب، والأقرب فالأقرب من أهله وعشيرته...". قال الخليل: الفصيلة فخذ الرجل من قومه. وقال مجاهد: فصيلته: "قبيلته". وقال ابن زيد: "عشيرته". وفاعل "يُنْجِيهِ" محذوف، والتقدير: ثم ينجيه ذلك الافتداء، ودل "يفتدي" على الافتداء. قالت سودة: قال رسول الله ﷺ: يحشر الناس حفاةً عراةً غُرلاً حتى ألجمهم العرق وبلغ شحم الآذان. قالت: (قلت): واسوءتاه يا رسول الله، أينظر بعضنا إلى بعض؟! قال رسول الله ﷺ: شُغِلَ النَّاسُ ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهَا لَظَىٰ * نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ﴾. أي: ليس الأمر على ما يتمنون، ولا يفيدهم (من عذاب الله شيء. ثم ابتدأ بالإخبار عما أَعدَّ لهم من العذاب فقال: ﴿إِنَّهَا) لَظَىٰ﴾، و "لظى" اسم من أسماء جهنم، ولذلك لم تَنْصَرِفْ. ومعنى: "نزاعة للشوى": تنزع جلدة الرأس وأطراف البدن. والشوى جمع: شواة، وهي الأطراف. قال ابن عباس: ﴿نَزَّا(عَةً) لِّلشَّوَىٰ﴾ أي "تنزع أم الرأس". وعنه: يعني "الجلود والهام". وقال مجاهد: "[لجلود] الرأس". وعنه: تنزع اللحم دون العظم. وقال أبو صالح: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "للحم الساقين". [وقاله] مجاهد أيضاً. وقال الحسن: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "للهام، تحرق كل شيء منه ويبقى فؤاده نضيجاً". وقال الضحاك: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "تبدي اللحم والجلد عن العظم حتى لا تترك منه شيئاً". وقال ابن زيد: الشوى: "الأراب العظام، قال: تقطع عظامهم كما ترى ثم تحرق خلقهم وتبدل جلودهم". قال ابن جبير: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾ "للعصب والعقب". وعن مجاهد أيضاً: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: للجلد. وعنه: للأطراف. وقال ثابت البناني: للشوى: لِمَكَارِمِ وجه ابن آدم. * * - ثم قال تعالى: ﴿تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ﴾. أي: تدعو لظى إلى نفسها من أدبر عن طاعة الله وتولى عن الإيمان بالله وبكتبه وَرُسُلِه، هذا معنى قول قتادة. قال ابن زيد: ليس لها سلطان (إلا على من أدبر وتولى [وكفر وتولى]، فأما من آمن بالله ورسوله فليس له عليه سلطان). قال الخليل بن أحمد "ليس دعاؤها كالدعاء: "تعالوا" و "هلم". ولكن دعوتها [إيَاهم] ما تفعل بهم من الأفاعيل، يعنى نار جهنم نعوذ بالله منها. وقيل: معنى "تدعو" تريد وتطلب، كما قال: ﴿وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] أي: يريدون ويطلبون، فهو "يفتعل" من الدعاء. ويقال: تداعت الحيطان إذا انقاضت. وتداعى عليه العدو: إذا أتى من كل جانب. وتداعت القبائل على بني فلان، إذا أقبلوا لحربهم. [ودواعي] الدهر: صروفه. * * - وقوله: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ﴾. أي: وتدعو من جمع مالاً فجعله في وعائه ومنع حق الله منه. ومعنى "أوعى": أحاط بِمَنْعِ المَالِ وحِفْظِه، ومنه: وَعيْت العلم، وأذنٌ واعيةٌ. * * - ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾. الهلوع - عند أهل اللغة -: الجزوع، وهو هنا الذي يستعمل في حال الفقر من الجزع ما لا يجب أن يستعمله، وفي الغنى ما لا ينبغي أن يستعمله من منع الحق الواجب فيه وقلة الشكر. وقيل: الهلع شدة الجزع مع شدة الحرص والضجر. وقد فسر الله جل ذكره لنا الهَلوع من هو فقال: ﴿إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً﴾. وعن ابن عباس: الهلوع الجزوع: الحريص، وهذا كله في الكفار. قال الضحاك ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ﴾ يعني الكافر ﴿خُلِقَ هَلُوعاً﴾ أي: بخيلاً فهو منوع للخير جزوع إذا نزل به البلاء. قال ابن جبير: ﴿هَلُوعاً﴾ "شحيحاً، جزوعاً". وقال عكرمة: ضجوراً. وقال قتادة وابن زيد: الهلوع: الجزوع. - وقوله ﴿إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً﴾ أي: إذا قل ماله وناله الفقر والعدم فهو جزوع من ذلك لا صبر له عليه. ﴿وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ أي: إذا كثر ماله فهو بخيل بما في يديه لا ينفقه في طاعة الله ولا يؤدي منه حق الله. - ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِلاَّ ٱلْمُصَلِّينَ﴾. (أي): إلا الذين يطيعون الله بأداء فرائضه، [فليسوا] بداخلين في عدد من خلق هلوعاً وهو [كافر] بربه. وذكر بعض العلماء أن المصلين هنا الذين كانوا مع رسول الله، وهو قول ابن زيد. وقال غيره: هي في كل من صلى الخمس: قال النخعي ﴿ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ﴾ عني به الصلوات الخمس. وقال [عقبة بن عامر] ﴿دَآئِمُونَ﴾ لا يلتفتون في صلاتهم خلفهم ولا عن أيمانهم ولا عن شمائلهم. * * - ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ فِيۤ أَمْوَٰلِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾. أي: موقت، وهو الزكاة ﴿لِّلسَّآئِلِ﴾ [أي] للذي يسأل ﴿وَٱلْمَحْرُومِ﴾ الذي حرم الغنى وهو فقير لا يسأل. قال قتادة: الحق المعلوم: "الزكاة المفروضة". وعن ابن عباس أنه حقٌّ آخَر غير الزكاة. وسئل ابن عمر عن الحق المعلوم أهو الزكاة؟ فقال: "إن عليك حقوقاً سوى ذلك". وقال الشعبي: "إن في المال حقاً سوى الزكاة"، وهو قول مجاهد. وهذا إنما هو على الندب والترغيب لا على الفرض؛ لأن المسلمين قد أجمعوا (على) ألا فرض في المال سوى الزكاة المعلومة، وقد تقدم (ذكر) اختلافهم في المحروم في "والذّارِيَاتِ" وأضفنا الأقوال إلى أصحابها، ونحن نذكره هنا مجملاً: قيل: هو المحارف الذي لا سهم له في الإسلام. وقيل: هو الذي لا سهم له (في) الغنيمة. وقيل: هو الذي لا ينمى له مال. وقيل: هو الذي اجتيح ماله. وقيل: هو المصاب بزرعه. وقيل: هو "المتعفف". * * - ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ﴾. أي: يؤمنون بالبعث والجزاء والجنة والنار. ﴿وَٱلَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ﴾: أي: هم وَجِلُونَ في الدنيا خوفاً (أن) يعذبهم ربُّهم في الآخرة، فهم من [خوفه] لا يضيعون فرائضه ولا يتعدون إلى ما حرم عليهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾: أي: لا يُؤمَن منه من عصى ربه. والوقف على "لَظَى" جائز حسن في قراءة من رفع "نَزَّاعَةٌ"، على تقدير: هي نزاعة. ومن جعل ﴿لَظَىٰ * (نَزَّاعَةً)﴾ بدلاً من اسم "إن" وجعل "نَزَّاعَةٌ" "خبر" إن لم يقف على "لَظَى". وكذلك إن رفع ﴿نَزَّاعَةً﴾ على البدل من ﴿لَظَىٰ﴾ أَوْ على أنها خبر بعد خبر، وكذلك إن جعل الضمير في "إِنَّهَا" للقصة لم يقف على "لظى"، لأن "نزاعة" خبر "لظى". فإن نصبت "نَزَّاعَةً" فعلى الحال من "لظى"؛ لأنها معرفة. [ولا] يوقف أيضا - على هذا القول - على "لَظَى". وقد رد المبرد النصب ومنع جوازه، [قال]: لأنه لا يجوز أن تكون لظى إلا نزاعة للشوى، وليس كذا سبيل الحال.

المعارج 70:20

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ﴾، إلى قوله: ﴿غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾. أي: ونرى العذاب قريباً (في) يوم تكون (فيه) السماء كالمهل. وقيل: التقدير: يبصرونهم يوم [تكون]. وقيل: التقدير: احذروا يوم تكون السماء كالمهل، قال مجاهد: "كعكر الزيت". وقال قتادة: تحول لوناً آخر إلى الخضرة، وقد تقدم ذكر "المهل" بأشبع من هذا. * * ثم قال: ﴿وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ﴾. قال مجاهد: كالصوف. وهو جمع "عهنة"، وأهل اللغة على أنه لا يقال (للصوف) "عهن" حتى يكون مصبوغاً. * * - ثم قال: ﴿وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾. أي: ولا يسأل قريب ولا صديق عن قريبه ولا عن صديقه لشغله بنفسه. * * ومعنى ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ أي: يُبَصَّرُ كلُّ إنسان قَرِينَهُ فيعرفه. قال ابن عباس: يعرف بعضهم بعضاً، ويتعارفون، ثم يفر بعضهم [من] بعضهم، بعد ذلك، يقول الله: ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧]، وهو قول قتادة. فالهاء والميم - على هذا - للأقرباء، والضمير في [يُبَصَّرُونَ] للكفار، فالهاء والميم للأقرباء، أي: يبصر الله الكفار أقرباءهم في القيامة ويعرفهم بهم، فهو تأويل موافق لصدر الآية؛ لأنه قد ذكر القريب وقريبه، وهذا مثل قوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ [عبس: ٣٤-٣٥] الآية. وقال مجاهد: معناه: يبصر الله المؤمنين الكفار في القيامة. فيكون الضمير في "يُبَصَّرونَ" للمؤمنين، والهاء والميم للكفار. وقال ابن زيد: معناه: يبصر الله الكفار الذين أضلوهم في الدنيا في النار. فيكون الضمير في ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ للكفار التابعين، والهاء والميم للمتبوعين. وقد روي عن ابن كثير وأبي جعفر يزيد وشيبة: أنهم قرأوا: "وَلاَ يُسْأَلُ حَمِيمٌ" على ما لم يسم فاعله. ومعناه: لا يقال لقريب: أين قريبك؟، (أي): لا يطلب بعضهم بِبَعْضٍ. ويجوز أن يكون معناه: ولا يسأل إنسان عن ذنب قريبه، مثل قوله: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: ١٦٤]. * * - ثم قال ﴿يَوَدُّ ٱلْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾. (أي: يتمنى الكافر يوم القيامة لو يفتدي من العذاب ببنيه). ﴿وَصَاحِبَتِهِ...﴾ وهي زوجته، ﴿(وَأَخِيهِ)﴾ ﴿وَفَصِيلَتِهِ...﴾: عشيرته، ﴿ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ أي: التي تضمه إلى رحلها ومنزلها لقرابة ما بينها وبينه. * * - ثم قال: ﴿وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ﴾. أي: ويود لو يفتدي بمن في الأرض جميعاً ثم ينجيه ذلك من عذاب الله، أي: لو وجد إلى ذلك سبيلاً من عظيم ما نزل به لفعله. وجواب "لَوْ" قوله: ﴿ثُمَّ يُنجِيهِ﴾، وقيل "ثُمَّ" بمعنى الفاء أي: فَيُنَجِّيه ذلك، فهو مثل قوله ﴿لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] الفاء جواب "لَوْ". قال قتادة: ﴿وَفَصِيلَتِهِ ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ "الأحب فالأحب، والأقرب فالأقرب من أهله وعشيرته...". قال الخليل: الفصيلة فخذ الرجل من قومه. وقال مجاهد: فصيلته: "قبيلته". وقال ابن زيد: "عشيرته". وفاعل "يُنْجِيهِ" محذوف، والتقدير: ثم ينجيه ذلك الافتداء، ودل "يفتدي" على الافتداء. قالت سودة: قال رسول الله ﷺ: يحشر الناس حفاةً عراةً غُرلاً حتى ألجمهم العرق وبلغ شحم الآذان. قالت: (قلت): واسوءتاه يا رسول الله، أينظر بعضنا إلى بعض؟! قال رسول الله ﷺ: شُغِلَ النَّاسُ ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهَا لَظَىٰ * نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ﴾. أي: ليس الأمر على ما يتمنون، ولا يفيدهم (من عذاب الله شيء. ثم ابتدأ بالإخبار عما أَعدَّ لهم من العذاب فقال: ﴿إِنَّهَا) لَظَىٰ﴾، و "لظى" اسم من أسماء جهنم، ولذلك لم تَنْصَرِفْ. ومعنى: "نزاعة للشوى": تنزع جلدة الرأس وأطراف البدن. والشوى جمع: شواة، وهي الأطراف. قال ابن عباس: ﴿نَزَّا(عَةً) لِّلشَّوَىٰ﴾ أي "تنزع أم الرأس". وعنه: يعني "الجلود والهام". وقال مجاهد: "[لجلود] الرأس". وعنه: تنزع اللحم دون العظم. وقال أبو صالح: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "للحم الساقين". [وقاله] مجاهد أيضاً. وقال الحسن: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "للهام، تحرق كل شيء منه ويبقى فؤاده نضيجاً". وقال الضحاك: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "تبدي اللحم والجلد عن العظم حتى لا تترك منه شيئاً". وقال ابن زيد: الشوى: "الأراب العظام، قال: تقطع عظامهم كما ترى ثم تحرق خلقهم وتبدل جلودهم". قال ابن جبير: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾ "للعصب والعقب". وعن مجاهد أيضاً: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: للجلد. وعنه: للأطراف. وقال ثابت البناني: للشوى: لِمَكَارِمِ وجه ابن آدم. * * - ثم قال تعالى: ﴿تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ﴾. أي: تدعو لظى إلى نفسها من أدبر عن طاعة الله وتولى عن الإيمان بالله وبكتبه وَرُسُلِه، هذا معنى قول قتادة. قال ابن زيد: ليس لها سلطان (إلا على من أدبر وتولى [وكفر وتولى]، فأما من آمن بالله ورسوله فليس له عليه سلطان). قال الخليل بن أحمد "ليس دعاؤها كالدعاء: "تعالوا" و "هلم". ولكن دعوتها [إيَاهم] ما تفعل بهم من الأفاعيل، يعنى نار جهنم نعوذ بالله منها. وقيل: معنى "تدعو" تريد وتطلب، كما قال: ﴿وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] أي: يريدون ويطلبون، فهو "يفتعل" من الدعاء. ويقال: تداعت الحيطان إذا انقاضت. وتداعى عليه العدو: إذا أتى من كل جانب. وتداعت القبائل على بني فلان، إذا أقبلوا لحربهم. [ودواعي] الدهر: صروفه. * * - وقوله: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ﴾. أي: وتدعو من جمع مالاً فجعله في وعائه ومنع حق الله منه. ومعنى "أوعى": أحاط بِمَنْعِ المَالِ وحِفْظِه، ومنه: وَعيْت العلم، وأذنٌ واعيةٌ. * * - ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾. الهلوع - عند أهل اللغة -: الجزوع، وهو هنا الذي يستعمل في حال الفقر من الجزع ما لا يجب أن يستعمله، وفي الغنى ما لا ينبغي أن يستعمله من منع الحق الواجب فيه وقلة الشكر. وقيل: الهلع شدة الجزع مع شدة الحرص والضجر. وقد فسر الله جل ذكره لنا الهَلوع من هو فقال: ﴿إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً﴾. وعن ابن عباس: الهلوع الجزوع: الحريص، وهذا كله في الكفار. قال الضحاك ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ﴾ يعني الكافر ﴿خُلِقَ هَلُوعاً﴾ أي: بخيلاً فهو منوع للخير جزوع إذا نزل به البلاء. قال ابن جبير: ﴿هَلُوعاً﴾ "شحيحاً، جزوعاً". وقال عكرمة: ضجوراً. وقال قتادة وابن زيد: الهلوع: الجزوع. - وقوله ﴿إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً﴾ أي: إذا قل ماله وناله الفقر والعدم فهو جزوع من ذلك لا صبر له عليه. ﴿وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ أي: إذا كثر ماله فهو بخيل بما في يديه لا ينفقه في طاعة الله ولا يؤدي منه حق الله. - ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِلاَّ ٱلْمُصَلِّينَ﴾. (أي): إلا الذين يطيعون الله بأداء فرائضه، [فليسوا] بداخلين في عدد من خلق هلوعاً وهو [كافر] بربه. وذكر بعض العلماء أن المصلين هنا الذين كانوا مع رسول الله، وهو قول ابن زيد. وقال غيره: هي في كل من صلى الخمس: قال النخعي ﴿ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ﴾ عني به الصلوات الخمس. وقال [عقبة بن عامر] ﴿دَآئِمُونَ﴾ لا يلتفتون في صلاتهم خلفهم ولا عن أيمانهم ولا عن شمائلهم. * * - ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ فِيۤ أَمْوَٰلِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾. أي: موقت، وهو الزكاة ﴿لِّلسَّآئِلِ﴾ [أي] للذي يسأل ﴿وَٱلْمَحْرُومِ﴾ الذي حرم الغنى وهو فقير لا يسأل. قال قتادة: الحق المعلوم: "الزكاة المفروضة". وعن ابن عباس أنه حقٌّ آخَر غير الزكاة. وسئل ابن عمر عن الحق المعلوم أهو الزكاة؟ فقال: "إن عليك حقوقاً سوى ذلك". وقال الشعبي: "إن في المال حقاً سوى الزكاة"، وهو قول مجاهد. وهذا إنما هو على الندب والترغيب لا على الفرض؛ لأن المسلمين قد أجمعوا (على) ألا فرض في المال سوى الزكاة المعلومة، وقد تقدم (ذكر) اختلافهم في المحروم في "والذّارِيَاتِ" وأضفنا الأقوال إلى أصحابها، ونحن نذكره هنا مجملاً: قيل: هو المحارف الذي لا سهم له في الإسلام. وقيل: هو الذي لا سهم له (في) الغنيمة. وقيل: هو الذي لا ينمى له مال. وقيل: هو الذي اجتيح ماله. وقيل: هو المصاب بزرعه. وقيل: هو "المتعفف". * * - ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ﴾. أي: يؤمنون بالبعث والجزاء والجنة والنار. ﴿وَٱلَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ﴾: أي: هم وَجِلُونَ في الدنيا خوفاً (أن) يعذبهم ربُّهم في الآخرة، فهم من [خوفه] لا يضيعون فرائضه ولا يتعدون إلى ما حرم عليهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾: أي: لا يُؤمَن منه من عصى ربه. والوقف على "لَظَى" جائز حسن في قراءة من رفع "نَزَّاعَةٌ"، على تقدير: هي نزاعة. ومن جعل ﴿لَظَىٰ * (نَزَّاعَةً)﴾ بدلاً من اسم "إن" وجعل "نَزَّاعَةٌ" "خبر" إن لم يقف على "لَظَى". وكذلك إن رفع ﴿نَزَّاعَةً﴾ على البدل من ﴿لَظَىٰ﴾ أَوْ على أنها خبر بعد خبر، وكذلك إن جعل الضمير في "إِنَّهَا" للقصة لم يقف على "لظى"، لأن "نزاعة" خبر "لظى". فإن نصبت "نَزَّاعَةً" فعلى الحال من "لظى"؛ لأنها معرفة. [ولا] يوقف أيضا - على هذا القول - على "لَظَى". وقد رد المبرد النصب ومنع جوازه، [قال]: لأنه لا يجوز أن تكون لظى إلا نزاعة للشوى، وليس كذا سبيل الحال.

المعارج 70:21

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ﴾، إلى قوله: ﴿غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾. أي: ونرى العذاب قريباً (في) يوم تكون (فيه) السماء كالمهل. وقيل: التقدير: يبصرونهم يوم [تكون]. وقيل: التقدير: احذروا يوم تكون السماء كالمهل، قال مجاهد: "كعكر الزيت". وقال قتادة: تحول لوناً آخر إلى الخضرة، وقد تقدم ذكر "المهل" بأشبع من هذا. * * ثم قال: ﴿وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ﴾. قال مجاهد: كالصوف. وهو جمع "عهنة"، وأهل اللغة على أنه لا يقال (للصوف) "عهن" حتى يكون مصبوغاً. * * - ثم قال: ﴿وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾. أي: ولا يسأل قريب ولا صديق عن قريبه ولا عن صديقه لشغله بنفسه. * * ومعنى ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ أي: يُبَصَّرُ كلُّ إنسان قَرِينَهُ فيعرفه. قال ابن عباس: يعرف بعضهم بعضاً، ويتعارفون، ثم يفر بعضهم [من] بعضهم، بعد ذلك، يقول الله: ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧]، وهو قول قتادة. فالهاء والميم - على هذا - للأقرباء، والضمير في [يُبَصَّرُونَ] للكفار، فالهاء والميم للأقرباء، أي: يبصر الله الكفار أقرباءهم في القيامة ويعرفهم بهم، فهو تأويل موافق لصدر الآية؛ لأنه قد ذكر القريب وقريبه، وهذا مثل قوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ [عبس: ٣٤-٣٥] الآية. وقال مجاهد: معناه: يبصر الله المؤمنين الكفار في القيامة. فيكون الضمير في "يُبَصَّرونَ" للمؤمنين، والهاء والميم للكفار. وقال ابن زيد: معناه: يبصر الله الكفار الذين أضلوهم في الدنيا في النار. فيكون الضمير في ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ للكفار التابعين، والهاء والميم للمتبوعين. وقد روي عن ابن كثير وأبي جعفر يزيد وشيبة: أنهم قرأوا: "وَلاَ يُسْأَلُ حَمِيمٌ" على ما لم يسم فاعله. ومعناه: لا يقال لقريب: أين قريبك؟، (أي): لا يطلب بعضهم بِبَعْضٍ. ويجوز أن يكون معناه: ولا يسأل إنسان عن ذنب قريبه، مثل قوله: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: ١٦٤]. * * - ثم قال ﴿يَوَدُّ ٱلْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾. (أي: يتمنى الكافر يوم القيامة لو يفتدي من العذاب ببنيه). ﴿وَصَاحِبَتِهِ...﴾ وهي زوجته، ﴿(وَأَخِيهِ)﴾ ﴿وَفَصِيلَتِهِ...﴾: عشيرته، ﴿ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ أي: التي تضمه إلى رحلها ومنزلها لقرابة ما بينها وبينه. * * - ثم قال: ﴿وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ﴾. أي: ويود لو يفتدي بمن في الأرض جميعاً ثم ينجيه ذلك من عذاب الله، أي: لو وجد إلى ذلك سبيلاً من عظيم ما نزل به لفعله. وجواب "لَوْ" قوله: ﴿ثُمَّ يُنجِيهِ﴾، وقيل "ثُمَّ" بمعنى الفاء أي: فَيُنَجِّيه ذلك، فهو مثل قوله ﴿لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] الفاء جواب "لَوْ". قال قتادة: ﴿وَفَصِيلَتِهِ ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ "الأحب فالأحب، والأقرب فالأقرب من أهله وعشيرته...". قال الخليل: الفصيلة فخذ الرجل من قومه. وقال مجاهد: فصيلته: "قبيلته". وقال ابن زيد: "عشيرته". وفاعل "يُنْجِيهِ" محذوف، والتقدير: ثم ينجيه ذلك الافتداء، ودل "يفتدي" على الافتداء. قالت سودة: قال رسول الله ﷺ: يحشر الناس حفاةً عراةً غُرلاً حتى ألجمهم العرق وبلغ شحم الآذان. قالت: (قلت): واسوءتاه يا رسول الله، أينظر بعضنا إلى بعض؟! قال رسول الله ﷺ: شُغِلَ النَّاسُ ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهَا لَظَىٰ * نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ﴾. أي: ليس الأمر على ما يتمنون، ولا يفيدهم (من عذاب الله شيء. ثم ابتدأ بالإخبار عما أَعدَّ لهم من العذاب فقال: ﴿إِنَّهَا) لَظَىٰ﴾، و "لظى" اسم من أسماء جهنم، ولذلك لم تَنْصَرِفْ. ومعنى: "نزاعة للشوى": تنزع جلدة الرأس وأطراف البدن. والشوى جمع: شواة، وهي الأطراف. قال ابن عباس: ﴿نَزَّا(عَةً) لِّلشَّوَىٰ﴾ أي "تنزع أم الرأس". وعنه: يعني "الجلود والهام". وقال مجاهد: "[لجلود] الرأس". وعنه: تنزع اللحم دون العظم. وقال أبو صالح: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "للحم الساقين". [وقاله] مجاهد أيضاً. وقال الحسن: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "للهام، تحرق كل شيء منه ويبقى فؤاده نضيجاً". وقال الضحاك: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "تبدي اللحم والجلد عن العظم حتى لا تترك منه شيئاً". وقال ابن زيد: الشوى: "الأراب العظام، قال: تقطع عظامهم كما ترى ثم تحرق خلقهم وتبدل جلودهم". قال ابن جبير: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾ "للعصب والعقب". وعن مجاهد أيضاً: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: للجلد. وعنه: للأطراف. وقال ثابت البناني: للشوى: لِمَكَارِمِ وجه ابن آدم. * * - ثم قال تعالى: ﴿تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ﴾. أي: تدعو لظى إلى نفسها من أدبر عن طاعة الله وتولى عن الإيمان بالله وبكتبه وَرُسُلِه، هذا معنى قول قتادة. قال ابن زيد: ليس لها سلطان (إلا على من أدبر وتولى [وكفر وتولى]، فأما من آمن بالله ورسوله فليس له عليه سلطان). قال الخليل بن أحمد "ليس دعاؤها كالدعاء: "تعالوا" و "هلم". ولكن دعوتها [إيَاهم] ما تفعل بهم من الأفاعيل، يعنى نار جهنم نعوذ بالله منها. وقيل: معنى "تدعو" تريد وتطلب، كما قال: ﴿وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] أي: يريدون ويطلبون، فهو "يفتعل" من الدعاء. ويقال: تداعت الحيطان إذا انقاضت. وتداعى عليه العدو: إذا أتى من كل جانب. وتداعت القبائل على بني فلان، إذا أقبلوا لحربهم. [ودواعي] الدهر: صروفه. * * - وقوله: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ﴾. أي: وتدعو من جمع مالاً فجعله في وعائه ومنع حق الله منه. ومعنى "أوعى": أحاط بِمَنْعِ المَالِ وحِفْظِه، ومنه: وَعيْت العلم، وأذنٌ واعيةٌ. * * - ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾. الهلوع - عند أهل اللغة -: الجزوع، وهو هنا الذي يستعمل في حال الفقر من الجزع ما لا يجب أن يستعمله، وفي الغنى ما لا ينبغي أن يستعمله من منع الحق الواجب فيه وقلة الشكر. وقيل: الهلع شدة الجزع مع شدة الحرص والضجر. وقد فسر الله جل ذكره لنا الهَلوع من هو فقال: ﴿إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً﴾. وعن ابن عباس: الهلوع الجزوع: الحريص، وهذا كله في الكفار. قال الضحاك ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ﴾ يعني الكافر ﴿خُلِقَ هَلُوعاً﴾ أي: بخيلاً فهو منوع للخير جزوع إذا نزل به البلاء. قال ابن جبير: ﴿هَلُوعاً﴾ "شحيحاً، جزوعاً". وقال عكرمة: ضجوراً. وقال قتادة وابن زيد: الهلوع: الجزوع. - وقوله ﴿إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً﴾ أي: إذا قل ماله وناله الفقر والعدم فهو جزوع من ذلك لا صبر له عليه. ﴿وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ أي: إذا كثر ماله فهو بخيل بما في يديه لا ينفقه في طاعة الله ولا يؤدي منه حق الله. - ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِلاَّ ٱلْمُصَلِّينَ﴾. (أي): إلا الذين يطيعون الله بأداء فرائضه، [فليسوا] بداخلين في عدد من خلق هلوعاً وهو [كافر] بربه. وذكر بعض العلماء أن المصلين هنا الذين كانوا مع رسول الله، وهو قول ابن زيد. وقال غيره: هي في كل من صلى الخمس: قال النخعي ﴿ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ﴾ عني به الصلوات الخمس. وقال [عقبة بن عامر] ﴿دَآئِمُونَ﴾ لا يلتفتون في صلاتهم خلفهم ولا عن أيمانهم ولا عن شمائلهم. * * - ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ فِيۤ أَمْوَٰلِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾. أي: موقت، وهو الزكاة ﴿لِّلسَّآئِلِ﴾ [أي] للذي يسأل ﴿وَٱلْمَحْرُومِ﴾ الذي حرم الغنى وهو فقير لا يسأل. قال قتادة: الحق المعلوم: "الزكاة المفروضة". وعن ابن عباس أنه حقٌّ آخَر غير الزكاة. وسئل ابن عمر عن الحق المعلوم أهو الزكاة؟ فقال: "إن عليك حقوقاً سوى ذلك". وقال الشعبي: "إن في المال حقاً سوى الزكاة"، وهو قول مجاهد. وهذا إنما هو على الندب والترغيب لا على الفرض؛ لأن المسلمين قد أجمعوا (على) ألا فرض في المال سوى الزكاة المعلومة، وقد تقدم (ذكر) اختلافهم في المحروم في "والذّارِيَاتِ" وأضفنا الأقوال إلى أصحابها، ونحن نذكره هنا مجملاً: قيل: هو المحارف الذي لا سهم له في الإسلام. وقيل: هو الذي لا سهم له (في) الغنيمة. وقيل: هو الذي لا ينمى له مال. وقيل: هو الذي اجتيح ماله. وقيل: هو المصاب بزرعه. وقيل: هو "المتعفف". * * - ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ﴾. أي: يؤمنون بالبعث والجزاء والجنة والنار. ﴿وَٱلَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ﴾: أي: هم وَجِلُونَ في الدنيا خوفاً (أن) يعذبهم ربُّهم في الآخرة، فهم من [خوفه] لا يضيعون فرائضه ولا يتعدون إلى ما حرم عليهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾: أي: لا يُؤمَن منه من عصى ربه. والوقف على "لَظَى" جائز حسن في قراءة من رفع "نَزَّاعَةٌ"، على تقدير: هي نزاعة. ومن جعل ﴿لَظَىٰ * (نَزَّاعَةً)﴾ بدلاً من اسم "إن" وجعل "نَزَّاعَةٌ" "خبر" إن لم يقف على "لَظَى". وكذلك إن رفع ﴿نَزَّاعَةً﴾ على البدل من ﴿لَظَىٰ﴾ أَوْ على أنها خبر بعد خبر، وكذلك إن جعل الضمير في "إِنَّهَا" للقصة لم يقف على "لظى"، لأن "نزاعة" خبر "لظى". فإن نصبت "نَزَّاعَةً" فعلى الحال من "لظى"؛ لأنها معرفة. [ولا] يوقف أيضا - على هذا القول - على "لَظَى". وقد رد المبرد النصب ومنع جوازه، [قال]: لأنه لا يجوز أن تكون لظى إلا نزاعة للشوى، وليس كذا سبيل الحال.

المعارج 70:22

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ﴾، إلى قوله: ﴿غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾. أي: ونرى العذاب قريباً (في) يوم تكون (فيه) السماء كالمهل. وقيل: التقدير: يبصرونهم يوم [تكون]. وقيل: التقدير: احذروا يوم تكون السماء كالمهل، قال مجاهد: "كعكر الزيت". وقال قتادة: تحول لوناً آخر إلى الخضرة، وقد تقدم ذكر "المهل" بأشبع من هذا. * * ثم قال: ﴿وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ﴾. قال مجاهد: كالصوف. وهو جمع "عهنة"، وأهل اللغة على أنه لا يقال (للصوف) "عهن" حتى يكون مصبوغاً. * * - ثم قال: ﴿وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾. أي: ولا يسأل قريب ولا صديق عن قريبه ولا عن صديقه لشغله بنفسه. * * ومعنى ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ أي: يُبَصَّرُ كلُّ إنسان قَرِينَهُ فيعرفه. قال ابن عباس: يعرف بعضهم بعضاً، ويتعارفون، ثم يفر بعضهم [من] بعضهم، بعد ذلك، يقول الله: ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧]، وهو قول قتادة. فالهاء والميم - على هذا - للأقرباء، والضمير في [يُبَصَّرُونَ] للكفار، فالهاء والميم للأقرباء، أي: يبصر الله الكفار أقرباءهم في القيامة ويعرفهم بهم، فهو تأويل موافق لصدر الآية؛ لأنه قد ذكر القريب وقريبه، وهذا مثل قوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ [عبس: ٣٤-٣٥] الآية. وقال مجاهد: معناه: يبصر الله المؤمنين الكفار في القيامة. فيكون الضمير في "يُبَصَّرونَ" للمؤمنين، والهاء والميم للكفار. وقال ابن زيد: معناه: يبصر الله الكفار الذين أضلوهم في الدنيا في النار. فيكون الضمير في ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ للكفار التابعين، والهاء والميم للمتبوعين. وقد روي عن ابن كثير وأبي جعفر يزيد وشيبة: أنهم قرأوا: "وَلاَ يُسْأَلُ حَمِيمٌ" على ما لم يسم فاعله. ومعناه: لا يقال لقريب: أين قريبك؟، (أي): لا يطلب بعضهم بِبَعْضٍ. ويجوز أن يكون معناه: ولا يسأل إنسان عن ذنب قريبه، مثل قوله: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: ١٦٤]. * * - ثم قال ﴿يَوَدُّ ٱلْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾. (أي: يتمنى الكافر يوم القيامة لو يفتدي من العذاب ببنيه). ﴿وَصَاحِبَتِهِ...﴾ وهي زوجته، ﴿(وَأَخِيهِ)﴾ ﴿وَفَصِيلَتِهِ...﴾: عشيرته، ﴿ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ أي: التي تضمه إلى رحلها ومنزلها لقرابة ما بينها وبينه. * * - ثم قال: ﴿وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ﴾. أي: ويود لو يفتدي بمن في الأرض جميعاً ثم ينجيه ذلك من عذاب الله، أي: لو وجد إلى ذلك سبيلاً من عظيم ما نزل به لفعله. وجواب "لَوْ" قوله: ﴿ثُمَّ يُنجِيهِ﴾، وقيل "ثُمَّ" بمعنى الفاء أي: فَيُنَجِّيه ذلك، فهو مثل قوله ﴿لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] الفاء جواب "لَوْ". قال قتادة: ﴿وَفَصِيلَتِهِ ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ "الأحب فالأحب، والأقرب فالأقرب من أهله وعشيرته...". قال الخليل: الفصيلة فخذ الرجل من قومه. وقال مجاهد: فصيلته: "قبيلته". وقال ابن زيد: "عشيرته". وفاعل "يُنْجِيهِ" محذوف، والتقدير: ثم ينجيه ذلك الافتداء، ودل "يفتدي" على الافتداء. قالت سودة: قال رسول الله ﷺ: يحشر الناس حفاةً عراةً غُرلاً حتى ألجمهم العرق وبلغ شحم الآذان. قالت: (قلت): واسوءتاه يا رسول الله، أينظر بعضنا إلى بعض؟! قال رسول الله ﷺ: شُغِلَ النَّاسُ ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهَا لَظَىٰ * نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ﴾. أي: ليس الأمر على ما يتمنون، ولا يفيدهم (من عذاب الله شيء. ثم ابتدأ بالإخبار عما أَعدَّ لهم من العذاب فقال: ﴿إِنَّهَا) لَظَىٰ﴾، و "لظى" اسم من أسماء جهنم، ولذلك لم تَنْصَرِفْ. ومعنى: "نزاعة للشوى": تنزع جلدة الرأس وأطراف البدن. والشوى جمع: شواة، وهي الأطراف. قال ابن عباس: ﴿نَزَّا(عَةً) لِّلشَّوَىٰ﴾ أي "تنزع أم الرأس". وعنه: يعني "الجلود والهام". وقال مجاهد: "[لجلود] الرأس". وعنه: تنزع اللحم دون العظم. وقال أبو صالح: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "للحم الساقين". [وقاله] مجاهد أيضاً. وقال الحسن: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "للهام، تحرق كل شيء منه ويبقى فؤاده نضيجاً". وقال الضحاك: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "تبدي اللحم والجلد عن العظم حتى لا تترك منه شيئاً". وقال ابن زيد: الشوى: "الأراب العظام، قال: تقطع عظامهم كما ترى ثم تحرق خلقهم وتبدل جلودهم". قال ابن جبير: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾ "للعصب والعقب". وعن مجاهد أيضاً: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: للجلد. وعنه: للأطراف. وقال ثابت البناني: للشوى: لِمَكَارِمِ وجه ابن آدم. * * - ثم قال تعالى: ﴿تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ﴾. أي: تدعو لظى إلى نفسها من أدبر عن طاعة الله وتولى عن الإيمان بالله وبكتبه وَرُسُلِه، هذا معنى قول قتادة. قال ابن زيد: ليس لها سلطان (إلا على من أدبر وتولى [وكفر وتولى]، فأما من آمن بالله ورسوله فليس له عليه سلطان). قال الخليل بن أحمد "ليس دعاؤها كالدعاء: "تعالوا" و "هلم". ولكن دعوتها [إيَاهم] ما تفعل بهم من الأفاعيل، يعنى نار جهنم نعوذ بالله منها. وقيل: معنى "تدعو" تريد وتطلب، كما قال: ﴿وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] أي: يريدون ويطلبون، فهو "يفتعل" من الدعاء. ويقال: تداعت الحيطان إذا انقاضت. وتداعى عليه العدو: إذا أتى من كل جانب. وتداعت القبائل على بني فلان، إذا أقبلوا لحربهم. [ودواعي] الدهر: صروفه. * * - وقوله: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ﴾. أي: وتدعو من جمع مالاً فجعله في وعائه ومنع حق الله منه. ومعنى "أوعى": أحاط بِمَنْعِ المَالِ وحِفْظِه، ومنه: وَعيْت العلم، وأذنٌ واعيةٌ. * * - ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾. الهلوع - عند أهل اللغة -: الجزوع، وهو هنا الذي يستعمل في حال الفقر من الجزع ما لا يجب أن يستعمله، وفي الغنى ما لا ينبغي أن يستعمله من منع الحق الواجب فيه وقلة الشكر. وقيل: الهلع شدة الجزع مع شدة الحرص والضجر. وقد فسر الله جل ذكره لنا الهَلوع من هو فقال: ﴿إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً﴾. وعن ابن عباس: الهلوع الجزوع: الحريص، وهذا كله في الكفار. قال الضحاك ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ﴾ يعني الكافر ﴿خُلِقَ هَلُوعاً﴾ أي: بخيلاً فهو منوع للخير جزوع إذا نزل به البلاء. قال ابن جبير: ﴿هَلُوعاً﴾ "شحيحاً، جزوعاً". وقال عكرمة: ضجوراً. وقال قتادة وابن زيد: الهلوع: الجزوع. - وقوله ﴿إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً﴾ أي: إذا قل ماله وناله الفقر والعدم فهو جزوع من ذلك لا صبر له عليه. ﴿وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ أي: إذا كثر ماله فهو بخيل بما في يديه لا ينفقه في طاعة الله ولا يؤدي منه حق الله. - ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِلاَّ ٱلْمُصَلِّينَ﴾. (أي): إلا الذين يطيعون الله بأداء فرائضه، [فليسوا] بداخلين في عدد من خلق هلوعاً وهو [كافر] بربه. وذكر بعض العلماء أن المصلين هنا الذين كانوا مع رسول الله، وهو قول ابن زيد. وقال غيره: هي في كل من صلى الخمس: قال النخعي ﴿ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ﴾ عني به الصلوات الخمس. وقال [عقبة بن عامر] ﴿دَآئِمُونَ﴾ لا يلتفتون في صلاتهم خلفهم ولا عن أيمانهم ولا عن شمائلهم. * * - ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ فِيۤ أَمْوَٰلِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾. أي: موقت، وهو الزكاة ﴿لِّلسَّآئِلِ﴾ [أي] للذي يسأل ﴿وَٱلْمَحْرُومِ﴾ الذي حرم الغنى وهو فقير لا يسأل. قال قتادة: الحق المعلوم: "الزكاة المفروضة". وعن ابن عباس أنه حقٌّ آخَر غير الزكاة. وسئل ابن عمر عن الحق المعلوم أهو الزكاة؟ فقال: "إن عليك حقوقاً سوى ذلك". وقال الشعبي: "إن في المال حقاً سوى الزكاة"، وهو قول مجاهد. وهذا إنما هو على الندب والترغيب لا على الفرض؛ لأن المسلمين قد أجمعوا (على) ألا فرض في المال سوى الزكاة المعلومة، وقد تقدم (ذكر) اختلافهم في المحروم في "والذّارِيَاتِ" وأضفنا الأقوال إلى أصحابها، ونحن نذكره هنا مجملاً: قيل: هو المحارف الذي لا سهم له في الإسلام. وقيل: هو الذي لا سهم له (في) الغنيمة. وقيل: هو الذي لا ينمى له مال. وقيل: هو الذي اجتيح ماله. وقيل: هو المصاب بزرعه. وقيل: هو "المتعفف". * * - ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ﴾. أي: يؤمنون بالبعث والجزاء والجنة والنار. ﴿وَٱلَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ﴾: أي: هم وَجِلُونَ في الدنيا خوفاً (أن) يعذبهم ربُّهم في الآخرة، فهم من [خوفه] لا يضيعون فرائضه ولا يتعدون إلى ما حرم عليهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾: أي: لا يُؤمَن منه من عصى ربه. والوقف على "لَظَى" جائز حسن في قراءة من رفع "نَزَّاعَةٌ"، على تقدير: هي نزاعة. ومن جعل ﴿لَظَىٰ * (نَزَّاعَةً)﴾ بدلاً من اسم "إن" وجعل "نَزَّاعَةٌ" "خبر" إن لم يقف على "لَظَى". وكذلك إن رفع ﴿نَزَّاعَةً﴾ على البدل من ﴿لَظَىٰ﴾ أَوْ على أنها خبر بعد خبر، وكذلك إن جعل الضمير في "إِنَّهَا" للقصة لم يقف على "لظى"، لأن "نزاعة" خبر "لظى". فإن نصبت "نَزَّاعَةً" فعلى الحال من "لظى"؛ لأنها معرفة. [ولا] يوقف أيضا - على هذا القول - على "لَظَى". وقد رد المبرد النصب ومنع جوازه، [قال]: لأنه لا يجوز أن تكون لظى إلا نزاعة للشوى، وليس كذا سبيل الحال.

المعارج 70:23

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ﴾، إلى قوله: ﴿غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾. أي: ونرى العذاب قريباً (في) يوم تكون (فيه) السماء كالمهل. وقيل: التقدير: يبصرونهم يوم [تكون]. وقيل: التقدير: احذروا يوم تكون السماء كالمهل، قال مجاهد: "كعكر الزيت". وقال قتادة: تحول لوناً آخر إلى الخضرة، وقد تقدم ذكر "المهل" بأشبع من هذا. * * ثم قال: ﴿وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ﴾. قال مجاهد: كالصوف. وهو جمع "عهنة"، وأهل اللغة على أنه لا يقال (للصوف) "عهن" حتى يكون مصبوغاً. * * - ثم قال: ﴿وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾. أي: ولا يسأل قريب ولا صديق عن قريبه ولا عن صديقه لشغله بنفسه. * * ومعنى ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ أي: يُبَصَّرُ كلُّ إنسان قَرِينَهُ فيعرفه. قال ابن عباس: يعرف بعضهم بعضاً، ويتعارفون، ثم يفر بعضهم [من] بعضهم، بعد ذلك، يقول الله: ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧]، وهو قول قتادة. فالهاء والميم - على هذا - للأقرباء، والضمير في [يُبَصَّرُونَ] للكفار، فالهاء والميم للأقرباء، أي: يبصر الله الكفار أقرباءهم في القيامة ويعرفهم بهم، فهو تأويل موافق لصدر الآية؛ لأنه قد ذكر القريب وقريبه، وهذا مثل قوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ [عبس: ٣٤-٣٥] الآية. وقال مجاهد: معناه: يبصر الله المؤمنين الكفار في القيامة. فيكون الضمير في "يُبَصَّرونَ" للمؤمنين، والهاء والميم للكفار. وقال ابن زيد: معناه: يبصر الله الكفار الذين أضلوهم في الدنيا في النار. فيكون الضمير في ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ للكفار التابعين، والهاء والميم للمتبوعين. وقد روي عن ابن كثير وأبي جعفر يزيد وشيبة: أنهم قرأوا: "وَلاَ يُسْأَلُ حَمِيمٌ" على ما لم يسم فاعله. ومعناه: لا يقال لقريب: أين قريبك؟، (أي): لا يطلب بعضهم بِبَعْضٍ. ويجوز أن يكون معناه: ولا يسأل إنسان عن ذنب قريبه، مثل قوله: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: ١٦٤]. * * - ثم قال ﴿يَوَدُّ ٱلْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾. (أي: يتمنى الكافر يوم القيامة لو يفتدي من العذاب ببنيه). ﴿وَصَاحِبَتِهِ...﴾ وهي زوجته، ﴿(وَأَخِيهِ)﴾ ﴿وَفَصِيلَتِهِ...﴾: عشيرته، ﴿ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ أي: التي تضمه إلى رحلها ومنزلها لقرابة ما بينها وبينه. * * - ثم قال: ﴿وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ﴾. أي: ويود لو يفتدي بمن في الأرض جميعاً ثم ينجيه ذلك من عذاب الله، أي: لو وجد إلى ذلك سبيلاً من عظيم ما نزل به لفعله. وجواب "لَوْ" قوله: ﴿ثُمَّ يُنجِيهِ﴾، وقيل "ثُمَّ" بمعنى الفاء أي: فَيُنَجِّيه ذلك، فهو مثل قوله ﴿لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] الفاء جواب "لَوْ". قال قتادة: ﴿وَفَصِيلَتِهِ ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ "الأحب فالأحب، والأقرب فالأقرب من أهله وعشيرته...". قال الخليل: الفصيلة فخذ الرجل من قومه. وقال مجاهد: فصيلته: "قبيلته". وقال ابن زيد: "عشيرته". وفاعل "يُنْجِيهِ" محذوف، والتقدير: ثم ينجيه ذلك الافتداء، ودل "يفتدي" على الافتداء. قالت سودة: قال رسول الله ﷺ: يحشر الناس حفاةً عراةً غُرلاً حتى ألجمهم العرق وبلغ شحم الآذان. قالت: (قلت): واسوءتاه يا رسول الله، أينظر بعضنا إلى بعض؟! قال رسول الله ﷺ: شُغِلَ النَّاسُ ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهَا لَظَىٰ * نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ﴾. أي: ليس الأمر على ما يتمنون، ولا يفيدهم (من عذاب الله شيء. ثم ابتدأ بالإخبار عما أَعدَّ لهم من العذاب فقال: ﴿إِنَّهَا) لَظَىٰ﴾، و "لظى" اسم من أسماء جهنم، ولذلك لم تَنْصَرِفْ. ومعنى: "نزاعة للشوى": تنزع جلدة الرأس وأطراف البدن. والشوى جمع: شواة، وهي الأطراف. قال ابن عباس: ﴿نَزَّا(عَةً) لِّلشَّوَىٰ﴾ أي "تنزع أم الرأس". وعنه: يعني "الجلود والهام". وقال مجاهد: "[لجلود] الرأس". وعنه: تنزع اللحم دون العظم. وقال أبو صالح: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "للحم الساقين". [وقاله] مجاهد أيضاً. وقال الحسن: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "للهام، تحرق كل شيء منه ويبقى فؤاده نضيجاً". وقال الضحاك: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "تبدي اللحم والجلد عن العظم حتى لا تترك منه شيئاً". وقال ابن زيد: الشوى: "الأراب العظام، قال: تقطع عظامهم كما ترى ثم تحرق خلقهم وتبدل جلودهم". قال ابن جبير: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾ "للعصب والعقب". وعن مجاهد أيضاً: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: للجلد. وعنه: للأطراف. وقال ثابت البناني: للشوى: لِمَكَارِمِ وجه ابن آدم. * * - ثم قال تعالى: ﴿تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ﴾. أي: تدعو لظى إلى نفسها من أدبر عن طاعة الله وتولى عن الإيمان بالله وبكتبه وَرُسُلِه، هذا معنى قول قتادة. قال ابن زيد: ليس لها سلطان (إلا على من أدبر وتولى [وكفر وتولى]، فأما من آمن بالله ورسوله فليس له عليه سلطان). قال الخليل بن أحمد "ليس دعاؤها كالدعاء: "تعالوا" و "هلم". ولكن دعوتها [إيَاهم] ما تفعل بهم من الأفاعيل، يعنى نار جهنم نعوذ بالله منها. وقيل: معنى "تدعو" تريد وتطلب، كما قال: ﴿وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] أي: يريدون ويطلبون، فهو "يفتعل" من الدعاء. ويقال: تداعت الحيطان إذا انقاضت. وتداعى عليه العدو: إذا أتى من كل جانب. وتداعت القبائل على بني فلان، إذا أقبلوا لحربهم. [ودواعي] الدهر: صروفه. * * - وقوله: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ﴾. أي: وتدعو من جمع مالاً فجعله في وعائه ومنع حق الله منه. ومعنى "أوعى": أحاط بِمَنْعِ المَالِ وحِفْظِه، ومنه: وَعيْت العلم، وأذنٌ واعيةٌ. * * - ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾. الهلوع - عند أهل اللغة -: الجزوع، وهو هنا الذي يستعمل في حال الفقر من الجزع ما لا يجب أن يستعمله، وفي الغنى ما لا ينبغي أن يستعمله من منع الحق الواجب فيه وقلة الشكر. وقيل: الهلع شدة الجزع مع شدة الحرص والضجر. وقد فسر الله جل ذكره لنا الهَلوع من هو فقال: ﴿إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً﴾. وعن ابن عباس: الهلوع الجزوع: الحريص، وهذا كله في الكفار. قال الضحاك ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ﴾ يعني الكافر ﴿خُلِقَ هَلُوعاً﴾ أي: بخيلاً فهو منوع للخير جزوع إذا نزل به البلاء. قال ابن جبير: ﴿هَلُوعاً﴾ "شحيحاً، جزوعاً". وقال عكرمة: ضجوراً. وقال قتادة وابن زيد: الهلوع: الجزوع. - وقوله ﴿إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً﴾ أي: إذا قل ماله وناله الفقر والعدم فهو جزوع من ذلك لا صبر له عليه. ﴿وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ أي: إذا كثر ماله فهو بخيل بما في يديه لا ينفقه في طاعة الله ولا يؤدي منه حق الله. - ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِلاَّ ٱلْمُصَلِّينَ﴾. (أي): إلا الذين يطيعون الله بأداء فرائضه، [فليسوا] بداخلين في عدد من خلق هلوعاً وهو [كافر] بربه. وذكر بعض العلماء أن المصلين هنا الذين كانوا مع رسول الله، وهو قول ابن زيد. وقال غيره: هي في كل من صلى الخمس: قال النخعي ﴿ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ﴾ عني به الصلوات الخمس. وقال [عقبة بن عامر] ﴿دَآئِمُونَ﴾ لا يلتفتون في صلاتهم خلفهم ولا عن أيمانهم ولا عن شمائلهم. * * - ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ فِيۤ أَمْوَٰلِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾. أي: موقت، وهو الزكاة ﴿لِّلسَّآئِلِ﴾ [أي] للذي يسأل ﴿وَٱلْمَحْرُومِ﴾ الذي حرم الغنى وهو فقير لا يسأل. قال قتادة: الحق المعلوم: "الزكاة المفروضة". وعن ابن عباس أنه حقٌّ آخَر غير الزكاة. وسئل ابن عمر عن الحق المعلوم أهو الزكاة؟ فقال: "إن عليك حقوقاً سوى ذلك". وقال الشعبي: "إن في المال حقاً سوى الزكاة"، وهو قول مجاهد. وهذا إنما هو على الندب والترغيب لا على الفرض؛ لأن المسلمين قد أجمعوا (على) ألا فرض في المال سوى الزكاة المعلومة، وقد تقدم (ذكر) اختلافهم في المحروم في "والذّارِيَاتِ" وأضفنا الأقوال إلى أصحابها، ونحن نذكره هنا مجملاً: قيل: هو المحارف الذي لا سهم له في الإسلام. وقيل: هو الذي لا سهم له (في) الغنيمة. وقيل: هو الذي لا ينمى له مال. وقيل: هو الذي اجتيح ماله. وقيل: هو المصاب بزرعه. وقيل: هو "المتعفف". * * - ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ﴾. أي: يؤمنون بالبعث والجزاء والجنة والنار. ﴿وَٱلَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ﴾: أي: هم وَجِلُونَ في الدنيا خوفاً (أن) يعذبهم ربُّهم في الآخرة، فهم من [خوفه] لا يضيعون فرائضه ولا يتعدون إلى ما حرم عليهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾: أي: لا يُؤمَن منه من عصى ربه. والوقف على "لَظَى" جائز حسن في قراءة من رفع "نَزَّاعَةٌ"، على تقدير: هي نزاعة. ومن جعل ﴿لَظَىٰ * (نَزَّاعَةً)﴾ بدلاً من اسم "إن" وجعل "نَزَّاعَةٌ" "خبر" إن لم يقف على "لَظَى". وكذلك إن رفع ﴿نَزَّاعَةً﴾ على البدل من ﴿لَظَىٰ﴾ أَوْ على أنها خبر بعد خبر، وكذلك إن جعل الضمير في "إِنَّهَا" للقصة لم يقف على "لظى"، لأن "نزاعة" خبر "لظى". فإن نصبت "نَزَّاعَةً" فعلى الحال من "لظى"؛ لأنها معرفة. [ولا] يوقف أيضا - على هذا القول - على "لَظَى". وقد رد المبرد النصب ومنع جوازه، [قال]: لأنه لا يجوز أن تكون لظى إلا نزاعة للشوى، وليس كذا سبيل الحال.

المعارج 70:24

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ﴾، إلى قوله: ﴿غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾. أي: ونرى العذاب قريباً (في) يوم تكون (فيه) السماء كالمهل. وقيل: التقدير: يبصرونهم يوم [تكون]. وقيل: التقدير: احذروا يوم تكون السماء كالمهل، قال مجاهد: "كعكر الزيت". وقال قتادة: تحول لوناً آخر إلى الخضرة، وقد تقدم ذكر "المهل" بأشبع من هذا. * * ثم قال: ﴿وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ﴾. قال مجاهد: كالصوف. وهو جمع "عهنة"، وأهل اللغة على أنه لا يقال (للصوف) "عهن" حتى يكون مصبوغاً. * * - ثم قال: ﴿وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾. أي: ولا يسأل قريب ولا صديق عن قريبه ولا عن صديقه لشغله بنفسه. * * ومعنى ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ أي: يُبَصَّرُ كلُّ إنسان قَرِينَهُ فيعرفه. قال ابن عباس: يعرف بعضهم بعضاً، ويتعارفون، ثم يفر بعضهم [من] بعضهم، بعد ذلك، يقول الله: ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧]، وهو قول قتادة. فالهاء والميم - على هذا - للأقرباء، والضمير في [يُبَصَّرُونَ] للكفار، فالهاء والميم للأقرباء، أي: يبصر الله الكفار أقرباءهم في القيامة ويعرفهم بهم، فهو تأويل موافق لصدر الآية؛ لأنه قد ذكر القريب وقريبه، وهذا مثل قوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ [عبس: ٣٤-٣٥] الآية. وقال مجاهد: معناه: يبصر الله المؤمنين الكفار في القيامة. فيكون الضمير في "يُبَصَّرونَ" للمؤمنين، والهاء والميم للكفار. وقال ابن زيد: معناه: يبصر الله الكفار الذين أضلوهم في الدنيا في النار. فيكون الضمير في ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ للكفار التابعين، والهاء والميم للمتبوعين. وقد روي عن ابن كثير وأبي جعفر يزيد وشيبة: أنهم قرأوا: "وَلاَ يُسْأَلُ حَمِيمٌ" على ما لم يسم فاعله. ومعناه: لا يقال لقريب: أين قريبك؟، (أي): لا يطلب بعضهم بِبَعْضٍ. ويجوز أن يكون معناه: ولا يسأل إنسان عن ذنب قريبه، مثل قوله: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: ١٦٤]. * * - ثم قال ﴿يَوَدُّ ٱلْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾. (أي: يتمنى الكافر يوم القيامة لو يفتدي من العذاب ببنيه). ﴿وَصَاحِبَتِهِ...﴾ وهي زوجته، ﴿(وَأَخِيهِ)﴾ ﴿وَفَصِيلَتِهِ...﴾: عشيرته، ﴿ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ أي: التي تضمه إلى رحلها ومنزلها لقرابة ما بينها وبينه. * * - ثم قال: ﴿وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ﴾. أي: ويود لو يفتدي بمن في الأرض جميعاً ثم ينجيه ذلك من عذاب الله، أي: لو وجد إلى ذلك سبيلاً من عظيم ما نزل به لفعله. وجواب "لَوْ" قوله: ﴿ثُمَّ يُنجِيهِ﴾، وقيل "ثُمَّ" بمعنى الفاء أي: فَيُنَجِّيه ذلك، فهو مثل قوله ﴿لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] الفاء جواب "لَوْ". قال قتادة: ﴿وَفَصِيلَتِهِ ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ "الأحب فالأحب، والأقرب فالأقرب من أهله وعشيرته...". قال الخليل: الفصيلة فخذ الرجل من قومه. وقال مجاهد: فصيلته: "قبيلته". وقال ابن زيد: "عشيرته". وفاعل "يُنْجِيهِ" محذوف، والتقدير: ثم ينجيه ذلك الافتداء، ودل "يفتدي" على الافتداء. قالت سودة: قال رسول الله ﷺ: يحشر الناس حفاةً عراةً غُرلاً حتى ألجمهم العرق وبلغ شحم الآذان. قالت: (قلت): واسوءتاه يا رسول الله، أينظر بعضنا إلى بعض؟! قال رسول الله ﷺ: شُغِلَ النَّاسُ ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهَا لَظَىٰ * نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ﴾. أي: ليس الأمر على ما يتمنون، ولا يفيدهم (من عذاب الله شيء. ثم ابتدأ بالإخبار عما أَعدَّ لهم من العذاب فقال: ﴿إِنَّهَا) لَظَىٰ﴾، و "لظى" اسم من أسماء جهنم، ولذلك لم تَنْصَرِفْ. ومعنى: "نزاعة للشوى": تنزع جلدة الرأس وأطراف البدن. والشوى جمع: شواة، وهي الأطراف. قال ابن عباس: ﴿نَزَّا(عَةً) لِّلشَّوَىٰ﴾ أي "تنزع أم الرأس". وعنه: يعني "الجلود والهام". وقال مجاهد: "[لجلود] الرأس". وعنه: تنزع اللحم دون العظم. وقال أبو صالح: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "للحم الساقين". [وقاله] مجاهد أيضاً. وقال الحسن: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "للهام، تحرق كل شيء منه ويبقى فؤاده نضيجاً". وقال الضحاك: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "تبدي اللحم والجلد عن العظم حتى لا تترك منه شيئاً". وقال ابن زيد: الشوى: "الأراب العظام، قال: تقطع عظامهم كما ترى ثم تحرق خلقهم وتبدل جلودهم". قال ابن جبير: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾ "للعصب والعقب". وعن مجاهد أيضاً: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: للجلد. وعنه: للأطراف. وقال ثابت البناني: للشوى: لِمَكَارِمِ وجه ابن آدم. * * - ثم قال تعالى: ﴿تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ﴾. أي: تدعو لظى إلى نفسها من أدبر عن طاعة الله وتولى عن الإيمان بالله وبكتبه وَرُسُلِه، هذا معنى قول قتادة. قال ابن زيد: ليس لها سلطان (إلا على من أدبر وتولى [وكفر وتولى]، فأما من آمن بالله ورسوله فليس له عليه سلطان). قال الخليل بن أحمد "ليس دعاؤها كالدعاء: "تعالوا" و "هلم". ولكن دعوتها [إيَاهم] ما تفعل بهم من الأفاعيل، يعنى نار جهنم نعوذ بالله منها. وقيل: معنى "تدعو" تريد وتطلب، كما قال: ﴿وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] أي: يريدون ويطلبون، فهو "يفتعل" من الدعاء. ويقال: تداعت الحيطان إذا انقاضت. وتداعى عليه العدو: إذا أتى من كل جانب. وتداعت القبائل على بني فلان، إذا أقبلوا لحربهم. [ودواعي] الدهر: صروفه. * * - وقوله: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ﴾. أي: وتدعو من جمع مالاً فجعله في وعائه ومنع حق الله منه. ومعنى "أوعى": أحاط بِمَنْعِ المَالِ وحِفْظِه، ومنه: وَعيْت العلم، وأذنٌ واعيةٌ. * * - ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾. الهلوع - عند أهل اللغة -: الجزوع، وهو هنا الذي يستعمل في حال الفقر من الجزع ما لا يجب أن يستعمله، وفي الغنى ما لا ينبغي أن يستعمله من منع الحق الواجب فيه وقلة الشكر. وقيل: الهلع شدة الجزع مع شدة الحرص والضجر. وقد فسر الله جل ذكره لنا الهَلوع من هو فقال: ﴿إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً﴾. وعن ابن عباس: الهلوع الجزوع: الحريص، وهذا كله في الكفار. قال الضحاك ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ﴾ يعني الكافر ﴿خُلِقَ هَلُوعاً﴾ أي: بخيلاً فهو منوع للخير جزوع إذا نزل به البلاء. قال ابن جبير: ﴿هَلُوعاً﴾ "شحيحاً، جزوعاً". وقال عكرمة: ضجوراً. وقال قتادة وابن زيد: الهلوع: الجزوع. - وقوله ﴿إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً﴾ أي: إذا قل ماله وناله الفقر والعدم فهو جزوع من ذلك لا صبر له عليه. ﴿وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ أي: إذا كثر ماله فهو بخيل بما في يديه لا ينفقه في طاعة الله ولا يؤدي منه حق الله. - ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِلاَّ ٱلْمُصَلِّينَ﴾. (أي): إلا الذين يطيعون الله بأداء فرائضه، [فليسوا] بداخلين في عدد من خلق هلوعاً وهو [كافر] بربه. وذكر بعض العلماء أن المصلين هنا الذين كانوا مع رسول الله، وهو قول ابن زيد. وقال غيره: هي في كل من صلى الخمس: قال النخعي ﴿ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ﴾ عني به الصلوات الخمس. وقال [عقبة بن عامر] ﴿دَآئِمُونَ﴾ لا يلتفتون في صلاتهم خلفهم ولا عن أيمانهم ولا عن شمائلهم. * * - ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ فِيۤ أَمْوَٰلِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾. أي: موقت، وهو الزكاة ﴿لِّلسَّآئِلِ﴾ [أي] للذي يسأل ﴿وَٱلْمَحْرُومِ﴾ الذي حرم الغنى وهو فقير لا يسأل. قال قتادة: الحق المعلوم: "الزكاة المفروضة". وعن ابن عباس أنه حقٌّ آخَر غير الزكاة. وسئل ابن عمر عن الحق المعلوم أهو الزكاة؟ فقال: "إن عليك حقوقاً سوى ذلك". وقال الشعبي: "إن في المال حقاً سوى الزكاة"، وهو قول مجاهد. وهذا إنما هو على الندب والترغيب لا على الفرض؛ لأن المسلمين قد أجمعوا (على) ألا فرض في المال سوى الزكاة المعلومة، وقد تقدم (ذكر) اختلافهم في المحروم في "والذّارِيَاتِ" وأضفنا الأقوال إلى أصحابها، ونحن نذكره هنا مجملاً: قيل: هو المحارف الذي لا سهم له في الإسلام. وقيل: هو الذي لا سهم له (في) الغنيمة. وقيل: هو الذي لا ينمى له مال. وقيل: هو الذي اجتيح ماله. وقيل: هو المصاب بزرعه. وقيل: هو "المتعفف". * * - ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ﴾. أي: يؤمنون بالبعث والجزاء والجنة والنار. ﴿وَٱلَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ﴾: أي: هم وَجِلُونَ في الدنيا خوفاً (أن) يعذبهم ربُّهم في الآخرة، فهم من [خوفه] لا يضيعون فرائضه ولا يتعدون إلى ما حرم عليهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾: أي: لا يُؤمَن منه من عصى ربه. والوقف على "لَظَى" جائز حسن في قراءة من رفع "نَزَّاعَةٌ"، على تقدير: هي نزاعة. ومن جعل ﴿لَظَىٰ * (نَزَّاعَةً)﴾ بدلاً من اسم "إن" وجعل "نَزَّاعَةٌ" "خبر" إن لم يقف على "لَظَى". وكذلك إن رفع ﴿نَزَّاعَةً﴾ على البدل من ﴿لَظَىٰ﴾ أَوْ على أنها خبر بعد خبر، وكذلك إن جعل الضمير في "إِنَّهَا" للقصة لم يقف على "لظى"، لأن "نزاعة" خبر "لظى". فإن نصبت "نَزَّاعَةً" فعلى الحال من "لظى"؛ لأنها معرفة. [ولا] يوقف أيضا - على هذا القول - على "لَظَى". وقد رد المبرد النصب ومنع جوازه، [قال]: لأنه لا يجوز أن تكون لظى إلا نزاعة للشوى، وليس كذا سبيل الحال.

المعارج 70:25

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ﴾، إلى قوله: ﴿غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾. أي: ونرى العذاب قريباً (في) يوم تكون (فيه) السماء كالمهل. وقيل: التقدير: يبصرونهم يوم [تكون]. وقيل: التقدير: احذروا يوم تكون السماء كالمهل، قال مجاهد: "كعكر الزيت". وقال قتادة: تحول لوناً آخر إلى الخضرة، وقد تقدم ذكر "المهل" بأشبع من هذا. * * ثم قال: ﴿وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ﴾. قال مجاهد: كالصوف. وهو جمع "عهنة"، وأهل اللغة على أنه لا يقال (للصوف) "عهن" حتى يكون مصبوغاً. * * - ثم قال: ﴿وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾. أي: ولا يسأل قريب ولا صديق عن قريبه ولا عن صديقه لشغله بنفسه. * * ومعنى ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ أي: يُبَصَّرُ كلُّ إنسان قَرِينَهُ فيعرفه. قال ابن عباس: يعرف بعضهم بعضاً، ويتعارفون، ثم يفر بعضهم [من] بعضهم، بعد ذلك، يقول الله: ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧]، وهو قول قتادة. فالهاء والميم - على هذا - للأقرباء، والضمير في [يُبَصَّرُونَ] للكفار، فالهاء والميم للأقرباء، أي: يبصر الله الكفار أقرباءهم في القيامة ويعرفهم بهم، فهو تأويل موافق لصدر الآية؛ لأنه قد ذكر القريب وقريبه، وهذا مثل قوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ [عبس: ٣٤-٣٥] الآية. وقال مجاهد: معناه: يبصر الله المؤمنين الكفار في القيامة. فيكون الضمير في "يُبَصَّرونَ" للمؤمنين، والهاء والميم للكفار. وقال ابن زيد: معناه: يبصر الله الكفار الذين أضلوهم في الدنيا في النار. فيكون الضمير في ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ للكفار التابعين، والهاء والميم للمتبوعين. وقد روي عن ابن كثير وأبي جعفر يزيد وشيبة: أنهم قرأوا: "وَلاَ يُسْأَلُ حَمِيمٌ" على ما لم يسم فاعله. ومعناه: لا يقال لقريب: أين قريبك؟، (أي): لا يطلب بعضهم بِبَعْضٍ. ويجوز أن يكون معناه: ولا يسأل إنسان عن ذنب قريبه، مثل قوله: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: ١٦٤]. * * - ثم قال ﴿يَوَدُّ ٱلْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾. (أي: يتمنى الكافر يوم القيامة لو يفتدي من العذاب ببنيه). ﴿وَصَاحِبَتِهِ...﴾ وهي زوجته، ﴿(وَأَخِيهِ)﴾ ﴿وَفَصِيلَتِهِ...﴾: عشيرته، ﴿ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ أي: التي تضمه إلى رحلها ومنزلها لقرابة ما بينها وبينه. * * - ثم قال: ﴿وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ﴾. أي: ويود لو يفتدي بمن في الأرض جميعاً ثم ينجيه ذلك من عذاب الله، أي: لو وجد إلى ذلك سبيلاً من عظيم ما نزل به لفعله. وجواب "لَوْ" قوله: ﴿ثُمَّ يُنجِيهِ﴾، وقيل "ثُمَّ" بمعنى الفاء أي: فَيُنَجِّيه ذلك، فهو مثل قوله ﴿لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] الفاء جواب "لَوْ". قال قتادة: ﴿وَفَصِيلَتِهِ ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ "الأحب فالأحب، والأقرب فالأقرب من أهله وعشيرته...". قال الخليل: الفصيلة فخذ الرجل من قومه. وقال مجاهد: فصيلته: "قبيلته". وقال ابن زيد: "عشيرته". وفاعل "يُنْجِيهِ" محذوف، والتقدير: ثم ينجيه ذلك الافتداء، ودل "يفتدي" على الافتداء. قالت سودة: قال رسول الله ﷺ: يحشر الناس حفاةً عراةً غُرلاً حتى ألجمهم العرق وبلغ شحم الآذان. قالت: (قلت): واسوءتاه يا رسول الله، أينظر بعضنا إلى بعض؟! قال رسول الله ﷺ: شُغِلَ النَّاسُ ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهَا لَظَىٰ * نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ﴾. أي: ليس الأمر على ما يتمنون، ولا يفيدهم (من عذاب الله شيء. ثم ابتدأ بالإخبار عما أَعدَّ لهم من العذاب فقال: ﴿إِنَّهَا) لَظَىٰ﴾، و "لظى" اسم من أسماء جهنم، ولذلك لم تَنْصَرِفْ. ومعنى: "نزاعة للشوى": تنزع جلدة الرأس وأطراف البدن. والشوى جمع: شواة، وهي الأطراف. قال ابن عباس: ﴿نَزَّا(عَةً) لِّلشَّوَىٰ﴾ أي "تنزع أم الرأس". وعنه: يعني "الجلود والهام". وقال مجاهد: "[لجلود] الرأس". وعنه: تنزع اللحم دون العظم. وقال أبو صالح: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "للحم الساقين". [وقاله] مجاهد أيضاً. وقال الحسن: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "للهام، تحرق كل شيء منه ويبقى فؤاده نضيجاً". وقال الضحاك: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "تبدي اللحم والجلد عن العظم حتى لا تترك منه شيئاً". وقال ابن زيد: الشوى: "الأراب العظام، قال: تقطع عظامهم كما ترى ثم تحرق خلقهم وتبدل جلودهم". قال ابن جبير: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾ "للعصب والعقب". وعن مجاهد أيضاً: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: للجلد. وعنه: للأطراف. وقال ثابت البناني: للشوى: لِمَكَارِمِ وجه ابن آدم. * * - ثم قال تعالى: ﴿تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ﴾. أي: تدعو لظى إلى نفسها من أدبر عن طاعة الله وتولى عن الإيمان بالله وبكتبه وَرُسُلِه، هذا معنى قول قتادة. قال ابن زيد: ليس لها سلطان (إلا على من أدبر وتولى [وكفر وتولى]، فأما من آمن بالله ورسوله فليس له عليه سلطان). قال الخليل بن أحمد "ليس دعاؤها كالدعاء: "تعالوا" و "هلم". ولكن دعوتها [إيَاهم] ما تفعل بهم من الأفاعيل، يعنى نار جهنم نعوذ بالله منها. وقيل: معنى "تدعو" تريد وتطلب، كما قال: ﴿وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] أي: يريدون ويطلبون، فهو "يفتعل" من الدعاء. ويقال: تداعت الحيطان إذا انقاضت. وتداعى عليه العدو: إذا أتى من كل جانب. وتداعت القبائل على بني فلان، إذا أقبلوا لحربهم. [ودواعي] الدهر: صروفه. * * - وقوله: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ﴾. أي: وتدعو من جمع مالاً فجعله في وعائه ومنع حق الله منه. ومعنى "أوعى": أحاط بِمَنْعِ المَالِ وحِفْظِه، ومنه: وَعيْت العلم، وأذنٌ واعيةٌ. * * - ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾. الهلوع - عند أهل اللغة -: الجزوع، وهو هنا الذي يستعمل في حال الفقر من الجزع ما لا يجب أن يستعمله، وفي الغنى ما لا ينبغي أن يستعمله من منع الحق الواجب فيه وقلة الشكر. وقيل: الهلع شدة الجزع مع شدة الحرص والضجر. وقد فسر الله جل ذكره لنا الهَلوع من هو فقال: ﴿إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً﴾. وعن ابن عباس: الهلوع الجزوع: الحريص، وهذا كله في الكفار. قال الضحاك ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ﴾ يعني الكافر ﴿خُلِقَ هَلُوعاً﴾ أي: بخيلاً فهو منوع للخير جزوع إذا نزل به البلاء. قال ابن جبير: ﴿هَلُوعاً﴾ "شحيحاً، جزوعاً". وقال عكرمة: ضجوراً. وقال قتادة وابن زيد: الهلوع: الجزوع. - وقوله ﴿إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً﴾ أي: إذا قل ماله وناله الفقر والعدم فهو جزوع من ذلك لا صبر له عليه. ﴿وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ أي: إذا كثر ماله فهو بخيل بما في يديه لا ينفقه في طاعة الله ولا يؤدي منه حق الله. - ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِلاَّ ٱلْمُصَلِّينَ﴾. (أي): إلا الذين يطيعون الله بأداء فرائضه، [فليسوا] بداخلين في عدد من خلق هلوعاً وهو [كافر] بربه. وذكر بعض العلماء أن المصلين هنا الذين كانوا مع رسول الله، وهو قول ابن زيد. وقال غيره: هي في كل من صلى الخمس: قال النخعي ﴿ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ﴾ عني به الصلوات الخمس. وقال [عقبة بن عامر] ﴿دَآئِمُونَ﴾ لا يلتفتون في صلاتهم خلفهم ولا عن أيمانهم ولا عن شمائلهم. * * - ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ فِيۤ أَمْوَٰلِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾. أي: موقت، وهو الزكاة ﴿لِّلسَّآئِلِ﴾ [أي] للذي يسأل ﴿وَٱلْمَحْرُومِ﴾ الذي حرم الغنى وهو فقير لا يسأل. قال قتادة: الحق المعلوم: "الزكاة المفروضة". وعن ابن عباس أنه حقٌّ آخَر غير الزكاة. وسئل ابن عمر عن الحق المعلوم أهو الزكاة؟ فقال: "إن عليك حقوقاً سوى ذلك". وقال الشعبي: "إن في المال حقاً سوى الزكاة"، وهو قول مجاهد. وهذا إنما هو على الندب والترغيب لا على الفرض؛ لأن المسلمين قد أجمعوا (على) ألا فرض في المال سوى الزكاة المعلومة، وقد تقدم (ذكر) اختلافهم في المحروم في "والذّارِيَاتِ" وأضفنا الأقوال إلى أصحابها، ونحن نذكره هنا مجملاً: قيل: هو المحارف الذي لا سهم له في الإسلام. وقيل: هو الذي لا سهم له (في) الغنيمة. وقيل: هو الذي لا ينمى له مال. وقيل: هو الذي اجتيح ماله. وقيل: هو المصاب بزرعه. وقيل: هو "المتعفف". * * - ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ﴾. أي: يؤمنون بالبعث والجزاء والجنة والنار. ﴿وَٱلَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ﴾: أي: هم وَجِلُونَ في الدنيا خوفاً (أن) يعذبهم ربُّهم في الآخرة، فهم من [خوفه] لا يضيعون فرائضه ولا يتعدون إلى ما حرم عليهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾: أي: لا يُؤمَن منه من عصى ربه. والوقف على "لَظَى" جائز حسن في قراءة من رفع "نَزَّاعَةٌ"، على تقدير: هي نزاعة. ومن جعل ﴿لَظَىٰ * (نَزَّاعَةً)﴾ بدلاً من اسم "إن" وجعل "نَزَّاعَةٌ" "خبر" إن لم يقف على "لَظَى". وكذلك إن رفع ﴿نَزَّاعَةً﴾ على البدل من ﴿لَظَىٰ﴾ أَوْ على أنها خبر بعد خبر، وكذلك إن جعل الضمير في "إِنَّهَا" للقصة لم يقف على "لظى"، لأن "نزاعة" خبر "لظى". فإن نصبت "نَزَّاعَةً" فعلى الحال من "لظى"؛ لأنها معرفة. [ولا] يوقف أيضا - على هذا القول - على "لَظَى". وقد رد المبرد النصب ومنع جوازه، [قال]: لأنه لا يجوز أن تكون لظى إلا نزاعة للشوى، وليس كذا سبيل الحال.

المعارج 70:26

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ﴾، إلى قوله: ﴿غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾. أي: ونرى العذاب قريباً (في) يوم تكون (فيه) السماء كالمهل. وقيل: التقدير: يبصرونهم يوم [تكون]. وقيل: التقدير: احذروا يوم تكون السماء كالمهل، قال مجاهد: "كعكر الزيت". وقال قتادة: تحول لوناً آخر إلى الخضرة، وقد تقدم ذكر "المهل" بأشبع من هذا. * * ثم قال: ﴿وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ﴾. قال مجاهد: كالصوف. وهو جمع "عهنة"، وأهل اللغة على أنه لا يقال (للصوف) "عهن" حتى يكون مصبوغاً. * * - ثم قال: ﴿وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾. أي: ولا يسأل قريب ولا صديق عن قريبه ولا عن صديقه لشغله بنفسه. * * ومعنى ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ أي: يُبَصَّرُ كلُّ إنسان قَرِينَهُ فيعرفه. قال ابن عباس: يعرف بعضهم بعضاً، ويتعارفون، ثم يفر بعضهم [من] بعضهم، بعد ذلك، يقول الله: ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧]، وهو قول قتادة. فالهاء والميم - على هذا - للأقرباء، والضمير في [يُبَصَّرُونَ] للكفار، فالهاء والميم للأقرباء، أي: يبصر الله الكفار أقرباءهم في القيامة ويعرفهم بهم، فهو تأويل موافق لصدر الآية؛ لأنه قد ذكر القريب وقريبه، وهذا مثل قوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ [عبس: ٣٤-٣٥] الآية. وقال مجاهد: معناه: يبصر الله المؤمنين الكفار في القيامة. فيكون الضمير في "يُبَصَّرونَ" للمؤمنين، والهاء والميم للكفار. وقال ابن زيد: معناه: يبصر الله الكفار الذين أضلوهم في الدنيا في النار. فيكون الضمير في ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ للكفار التابعين، والهاء والميم للمتبوعين. وقد روي عن ابن كثير وأبي جعفر يزيد وشيبة: أنهم قرأوا: "وَلاَ يُسْأَلُ حَمِيمٌ" على ما لم يسم فاعله. ومعناه: لا يقال لقريب: أين قريبك؟، (أي): لا يطلب بعضهم بِبَعْضٍ. ويجوز أن يكون معناه: ولا يسأل إنسان عن ذنب قريبه، مثل قوله: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: ١٦٤]. * * - ثم قال ﴿يَوَدُّ ٱلْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾. (أي: يتمنى الكافر يوم القيامة لو يفتدي من العذاب ببنيه). ﴿وَصَاحِبَتِهِ...﴾ وهي زوجته، ﴿(وَأَخِيهِ)﴾ ﴿وَفَصِيلَتِهِ...﴾: عشيرته، ﴿ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ أي: التي تضمه إلى رحلها ومنزلها لقرابة ما بينها وبينه. * * - ثم قال: ﴿وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ﴾. أي: ويود لو يفتدي بمن في الأرض جميعاً ثم ينجيه ذلك من عذاب الله، أي: لو وجد إلى ذلك سبيلاً من عظيم ما نزل به لفعله. وجواب "لَوْ" قوله: ﴿ثُمَّ يُنجِيهِ﴾، وقيل "ثُمَّ" بمعنى الفاء أي: فَيُنَجِّيه ذلك، فهو مثل قوله ﴿لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] الفاء جواب "لَوْ". قال قتادة: ﴿وَفَصِيلَتِهِ ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ "الأحب فالأحب، والأقرب فالأقرب من أهله وعشيرته...". قال الخليل: الفصيلة فخذ الرجل من قومه. وقال مجاهد: فصيلته: "قبيلته". وقال ابن زيد: "عشيرته". وفاعل "يُنْجِيهِ" محذوف، والتقدير: ثم ينجيه ذلك الافتداء، ودل "يفتدي" على الافتداء. قالت سودة: قال رسول الله ﷺ: يحشر الناس حفاةً عراةً غُرلاً حتى ألجمهم العرق وبلغ شحم الآذان. قالت: (قلت): واسوءتاه يا رسول الله، أينظر بعضنا إلى بعض؟! قال رسول الله ﷺ: شُغِلَ النَّاسُ ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهَا لَظَىٰ * نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ﴾. أي: ليس الأمر على ما يتمنون، ولا يفيدهم (من عذاب الله شيء. ثم ابتدأ بالإخبار عما أَعدَّ لهم من العذاب فقال: ﴿إِنَّهَا) لَظَىٰ﴾، و "لظى" اسم من أسماء جهنم، ولذلك لم تَنْصَرِفْ. ومعنى: "نزاعة للشوى": تنزع جلدة الرأس وأطراف البدن. والشوى جمع: شواة، وهي الأطراف. قال ابن عباس: ﴿نَزَّا(عَةً) لِّلشَّوَىٰ﴾ أي "تنزع أم الرأس". وعنه: يعني "الجلود والهام". وقال مجاهد: "[لجلود] الرأس". وعنه: تنزع اللحم دون العظم. وقال أبو صالح: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "للحم الساقين". [وقاله] مجاهد أيضاً. وقال الحسن: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "للهام، تحرق كل شيء منه ويبقى فؤاده نضيجاً". وقال الضحاك: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "تبدي اللحم والجلد عن العظم حتى لا تترك منه شيئاً". وقال ابن زيد: الشوى: "الأراب العظام، قال: تقطع عظامهم كما ترى ثم تحرق خلقهم وتبدل جلودهم". قال ابن جبير: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾ "للعصب والعقب". وعن مجاهد أيضاً: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: للجلد. وعنه: للأطراف. وقال ثابت البناني: للشوى: لِمَكَارِمِ وجه ابن آدم. * * - ثم قال تعالى: ﴿تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ﴾. أي: تدعو لظى إلى نفسها من أدبر عن طاعة الله وتولى عن الإيمان بالله وبكتبه وَرُسُلِه، هذا معنى قول قتادة. قال ابن زيد: ليس لها سلطان (إلا على من أدبر وتولى [وكفر وتولى]، فأما من آمن بالله ورسوله فليس له عليه سلطان). قال الخليل بن أحمد "ليس دعاؤها كالدعاء: "تعالوا" و "هلم". ولكن دعوتها [إيَاهم] ما تفعل بهم من الأفاعيل، يعنى نار جهنم نعوذ بالله منها. وقيل: معنى "تدعو" تريد وتطلب، كما قال: ﴿وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] أي: يريدون ويطلبون، فهو "يفتعل" من الدعاء. ويقال: تداعت الحيطان إذا انقاضت. وتداعى عليه العدو: إذا أتى من كل جانب. وتداعت القبائل على بني فلان، إذا أقبلوا لحربهم. [ودواعي] الدهر: صروفه. * * - وقوله: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ﴾. أي: وتدعو من جمع مالاً فجعله في وعائه ومنع حق الله منه. ومعنى "أوعى": أحاط بِمَنْعِ المَالِ وحِفْظِه، ومنه: وَعيْت العلم، وأذنٌ واعيةٌ. * * - ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾. الهلوع - عند أهل اللغة -: الجزوع، وهو هنا الذي يستعمل في حال الفقر من الجزع ما لا يجب أن يستعمله، وفي الغنى ما لا ينبغي أن يستعمله من منع الحق الواجب فيه وقلة الشكر. وقيل: الهلع شدة الجزع مع شدة الحرص والضجر. وقد فسر الله جل ذكره لنا الهَلوع من هو فقال: ﴿إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً﴾. وعن ابن عباس: الهلوع الجزوع: الحريص، وهذا كله في الكفار. قال الضحاك ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ﴾ يعني الكافر ﴿خُلِقَ هَلُوعاً﴾ أي: بخيلاً فهو منوع للخير جزوع إذا نزل به البلاء. قال ابن جبير: ﴿هَلُوعاً﴾ "شحيحاً، جزوعاً". وقال عكرمة: ضجوراً. وقال قتادة وابن زيد: الهلوع: الجزوع. - وقوله ﴿إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً﴾ أي: إذا قل ماله وناله الفقر والعدم فهو جزوع من ذلك لا صبر له عليه. ﴿وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ أي: إذا كثر ماله فهو بخيل بما في يديه لا ينفقه في طاعة الله ولا يؤدي منه حق الله. - ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِلاَّ ٱلْمُصَلِّينَ﴾. (أي): إلا الذين يطيعون الله بأداء فرائضه، [فليسوا] بداخلين في عدد من خلق هلوعاً وهو [كافر] بربه. وذكر بعض العلماء أن المصلين هنا الذين كانوا مع رسول الله، وهو قول ابن زيد. وقال غيره: هي في كل من صلى الخمس: قال النخعي ﴿ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ﴾ عني به الصلوات الخمس. وقال [عقبة بن عامر] ﴿دَآئِمُونَ﴾ لا يلتفتون في صلاتهم خلفهم ولا عن أيمانهم ولا عن شمائلهم. * * - ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ فِيۤ أَمْوَٰلِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾. أي: موقت، وهو الزكاة ﴿لِّلسَّآئِلِ﴾ [أي] للذي يسأل ﴿وَٱلْمَحْرُومِ﴾ الذي حرم الغنى وهو فقير لا يسأل. قال قتادة: الحق المعلوم: "الزكاة المفروضة". وعن ابن عباس أنه حقٌّ آخَر غير الزكاة. وسئل ابن عمر عن الحق المعلوم أهو الزكاة؟ فقال: "إن عليك حقوقاً سوى ذلك". وقال الشعبي: "إن في المال حقاً سوى الزكاة"، وهو قول مجاهد. وهذا إنما هو على الندب والترغيب لا على الفرض؛ لأن المسلمين قد أجمعوا (على) ألا فرض في المال سوى الزكاة المعلومة، وقد تقدم (ذكر) اختلافهم في المحروم في "والذّارِيَاتِ" وأضفنا الأقوال إلى أصحابها، ونحن نذكره هنا مجملاً: قيل: هو المحارف الذي لا سهم له في الإسلام. وقيل: هو الذي لا سهم له (في) الغنيمة. وقيل: هو الذي لا ينمى له مال. وقيل: هو الذي اجتيح ماله. وقيل: هو المصاب بزرعه. وقيل: هو "المتعفف". * * - ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ﴾. أي: يؤمنون بالبعث والجزاء والجنة والنار. ﴿وَٱلَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ﴾: أي: هم وَجِلُونَ في الدنيا خوفاً (أن) يعذبهم ربُّهم في الآخرة، فهم من [خوفه] لا يضيعون فرائضه ولا يتعدون إلى ما حرم عليهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾: أي: لا يُؤمَن منه من عصى ربه. والوقف على "لَظَى" جائز حسن في قراءة من رفع "نَزَّاعَةٌ"، على تقدير: هي نزاعة. ومن جعل ﴿لَظَىٰ * (نَزَّاعَةً)﴾ بدلاً من اسم "إن" وجعل "نَزَّاعَةٌ" "خبر" إن لم يقف على "لَظَى". وكذلك إن رفع ﴿نَزَّاعَةً﴾ على البدل من ﴿لَظَىٰ﴾ أَوْ على أنها خبر بعد خبر، وكذلك إن جعل الضمير في "إِنَّهَا" للقصة لم يقف على "لظى"، لأن "نزاعة" خبر "لظى". فإن نصبت "نَزَّاعَةً" فعلى الحال من "لظى"؛ لأنها معرفة. [ولا] يوقف أيضا - على هذا القول - على "لَظَى". وقد رد المبرد النصب ومنع جوازه، [قال]: لأنه لا يجوز أن تكون لظى إلا نزاعة للشوى، وليس كذا سبيل الحال.

المعارج 70:27

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ﴾، إلى قوله: ﴿غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾. أي: ونرى العذاب قريباً (في) يوم تكون (فيه) السماء كالمهل. وقيل: التقدير: يبصرونهم يوم [تكون]. وقيل: التقدير: احذروا يوم تكون السماء كالمهل، قال مجاهد: "كعكر الزيت". وقال قتادة: تحول لوناً آخر إلى الخضرة، وقد تقدم ذكر "المهل" بأشبع من هذا. * * ثم قال: ﴿وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ﴾. قال مجاهد: كالصوف. وهو جمع "عهنة"، وأهل اللغة على أنه لا يقال (للصوف) "عهن" حتى يكون مصبوغاً. * * - ثم قال: ﴿وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾. أي: ولا يسأل قريب ولا صديق عن قريبه ولا عن صديقه لشغله بنفسه. * * ومعنى ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ أي: يُبَصَّرُ كلُّ إنسان قَرِينَهُ فيعرفه. قال ابن عباس: يعرف بعضهم بعضاً، ويتعارفون، ثم يفر بعضهم [من] بعضهم، بعد ذلك، يقول الله: ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧]، وهو قول قتادة. فالهاء والميم - على هذا - للأقرباء، والضمير في [يُبَصَّرُونَ] للكفار، فالهاء والميم للأقرباء، أي: يبصر الله الكفار أقرباءهم في القيامة ويعرفهم بهم، فهو تأويل موافق لصدر الآية؛ لأنه قد ذكر القريب وقريبه، وهذا مثل قوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ [عبس: ٣٤-٣٥] الآية. وقال مجاهد: معناه: يبصر الله المؤمنين الكفار في القيامة. فيكون الضمير في "يُبَصَّرونَ" للمؤمنين، والهاء والميم للكفار. وقال ابن زيد: معناه: يبصر الله الكفار الذين أضلوهم في الدنيا في النار. فيكون الضمير في ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ للكفار التابعين، والهاء والميم للمتبوعين. وقد روي عن ابن كثير وأبي جعفر يزيد وشيبة: أنهم قرأوا: "وَلاَ يُسْأَلُ حَمِيمٌ" على ما لم يسم فاعله. ومعناه: لا يقال لقريب: أين قريبك؟، (أي): لا يطلب بعضهم بِبَعْضٍ. ويجوز أن يكون معناه: ولا يسأل إنسان عن ذنب قريبه، مثل قوله: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: ١٦٤]. * * - ثم قال ﴿يَوَدُّ ٱلْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾. (أي: يتمنى الكافر يوم القيامة لو يفتدي من العذاب ببنيه). ﴿وَصَاحِبَتِهِ...﴾ وهي زوجته، ﴿(وَأَخِيهِ)﴾ ﴿وَفَصِيلَتِهِ...﴾: عشيرته، ﴿ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ أي: التي تضمه إلى رحلها ومنزلها لقرابة ما بينها وبينه. * * - ثم قال: ﴿وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ﴾. أي: ويود لو يفتدي بمن في الأرض جميعاً ثم ينجيه ذلك من عذاب الله، أي: لو وجد إلى ذلك سبيلاً من عظيم ما نزل به لفعله. وجواب "لَوْ" قوله: ﴿ثُمَّ يُنجِيهِ﴾، وقيل "ثُمَّ" بمعنى الفاء أي: فَيُنَجِّيه ذلك، فهو مثل قوله ﴿لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] الفاء جواب "لَوْ". قال قتادة: ﴿وَفَصِيلَتِهِ ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ "الأحب فالأحب، والأقرب فالأقرب من أهله وعشيرته...". قال الخليل: الفصيلة فخذ الرجل من قومه. وقال مجاهد: فصيلته: "قبيلته". وقال ابن زيد: "عشيرته". وفاعل "يُنْجِيهِ" محذوف، والتقدير: ثم ينجيه ذلك الافتداء، ودل "يفتدي" على الافتداء. قالت سودة: قال رسول الله ﷺ: يحشر الناس حفاةً عراةً غُرلاً حتى ألجمهم العرق وبلغ شحم الآذان. قالت: (قلت): واسوءتاه يا رسول الله، أينظر بعضنا إلى بعض؟! قال رسول الله ﷺ: شُغِلَ النَّاسُ ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهَا لَظَىٰ * نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ﴾. أي: ليس الأمر على ما يتمنون، ولا يفيدهم (من عذاب الله شيء. ثم ابتدأ بالإخبار عما أَعدَّ لهم من العذاب فقال: ﴿إِنَّهَا) لَظَىٰ﴾، و "لظى" اسم من أسماء جهنم، ولذلك لم تَنْصَرِفْ. ومعنى: "نزاعة للشوى": تنزع جلدة الرأس وأطراف البدن. والشوى جمع: شواة، وهي الأطراف. قال ابن عباس: ﴿نَزَّا(عَةً) لِّلشَّوَىٰ﴾ أي "تنزع أم الرأس". وعنه: يعني "الجلود والهام". وقال مجاهد: "[لجلود] الرأس". وعنه: تنزع اللحم دون العظم. وقال أبو صالح: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "للحم الساقين". [وقاله] مجاهد أيضاً. وقال الحسن: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "للهام، تحرق كل شيء منه ويبقى فؤاده نضيجاً". وقال الضحاك: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "تبدي اللحم والجلد عن العظم حتى لا تترك منه شيئاً". وقال ابن زيد: الشوى: "الأراب العظام، قال: تقطع عظامهم كما ترى ثم تحرق خلقهم وتبدل جلودهم". قال ابن جبير: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾ "للعصب والعقب". وعن مجاهد أيضاً: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: للجلد. وعنه: للأطراف. وقال ثابت البناني: للشوى: لِمَكَارِمِ وجه ابن آدم. * * - ثم قال تعالى: ﴿تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ﴾. أي: تدعو لظى إلى نفسها من أدبر عن طاعة الله وتولى عن الإيمان بالله وبكتبه وَرُسُلِه، هذا معنى قول قتادة. قال ابن زيد: ليس لها سلطان (إلا على من أدبر وتولى [وكفر وتولى]، فأما من آمن بالله ورسوله فليس له عليه سلطان). قال الخليل بن أحمد "ليس دعاؤها كالدعاء: "تعالوا" و "هلم". ولكن دعوتها [إيَاهم] ما تفعل بهم من الأفاعيل، يعنى نار جهنم نعوذ بالله منها. وقيل: معنى "تدعو" تريد وتطلب، كما قال: ﴿وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] أي: يريدون ويطلبون، فهو "يفتعل" من الدعاء. ويقال: تداعت الحيطان إذا انقاضت. وتداعى عليه العدو: إذا أتى من كل جانب. وتداعت القبائل على بني فلان، إذا أقبلوا لحربهم. [ودواعي] الدهر: صروفه. * * - وقوله: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ﴾. أي: وتدعو من جمع مالاً فجعله في وعائه ومنع حق الله منه. ومعنى "أوعى": أحاط بِمَنْعِ المَالِ وحِفْظِه، ومنه: وَعيْت العلم، وأذنٌ واعيةٌ. * * - ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾. الهلوع - عند أهل اللغة -: الجزوع، وهو هنا الذي يستعمل في حال الفقر من الجزع ما لا يجب أن يستعمله، وفي الغنى ما لا ينبغي أن يستعمله من منع الحق الواجب فيه وقلة الشكر. وقيل: الهلع شدة الجزع مع شدة الحرص والضجر. وقد فسر الله جل ذكره لنا الهَلوع من هو فقال: ﴿إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً﴾. وعن ابن عباس: الهلوع الجزوع: الحريص، وهذا كله في الكفار. قال الضحاك ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ﴾ يعني الكافر ﴿خُلِقَ هَلُوعاً﴾ أي: بخيلاً فهو منوع للخير جزوع إذا نزل به البلاء. قال ابن جبير: ﴿هَلُوعاً﴾ "شحيحاً، جزوعاً". وقال عكرمة: ضجوراً. وقال قتادة وابن زيد: الهلوع: الجزوع. - وقوله ﴿إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً﴾ أي: إذا قل ماله وناله الفقر والعدم فهو جزوع من ذلك لا صبر له عليه. ﴿وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ أي: إذا كثر ماله فهو بخيل بما في يديه لا ينفقه في طاعة الله ولا يؤدي منه حق الله. - ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِلاَّ ٱلْمُصَلِّينَ﴾. (أي): إلا الذين يطيعون الله بأداء فرائضه، [فليسوا] بداخلين في عدد من خلق هلوعاً وهو [كافر] بربه. وذكر بعض العلماء أن المصلين هنا الذين كانوا مع رسول الله، وهو قول ابن زيد. وقال غيره: هي في كل من صلى الخمس: قال النخعي ﴿ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ﴾ عني به الصلوات الخمس. وقال [عقبة بن عامر] ﴿دَآئِمُونَ﴾ لا يلتفتون في صلاتهم خلفهم ولا عن أيمانهم ولا عن شمائلهم. * * - ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ فِيۤ أَمْوَٰلِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾. أي: موقت، وهو الزكاة ﴿لِّلسَّآئِلِ﴾ [أي] للذي يسأل ﴿وَٱلْمَحْرُومِ﴾ الذي حرم الغنى وهو فقير لا يسأل. قال قتادة: الحق المعلوم: "الزكاة المفروضة". وعن ابن عباس أنه حقٌّ آخَر غير الزكاة. وسئل ابن عمر عن الحق المعلوم أهو الزكاة؟ فقال: "إن عليك حقوقاً سوى ذلك". وقال الشعبي: "إن في المال حقاً سوى الزكاة"، وهو قول مجاهد. وهذا إنما هو على الندب والترغيب لا على الفرض؛ لأن المسلمين قد أجمعوا (على) ألا فرض في المال سوى الزكاة المعلومة، وقد تقدم (ذكر) اختلافهم في المحروم في "والذّارِيَاتِ" وأضفنا الأقوال إلى أصحابها، ونحن نذكره هنا مجملاً: قيل: هو المحارف الذي لا سهم له في الإسلام. وقيل: هو الذي لا سهم له (في) الغنيمة. وقيل: هو الذي لا ينمى له مال. وقيل: هو الذي اجتيح ماله. وقيل: هو المصاب بزرعه. وقيل: هو "المتعفف". * * - ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ﴾. أي: يؤمنون بالبعث والجزاء والجنة والنار. ﴿وَٱلَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ﴾: أي: هم وَجِلُونَ في الدنيا خوفاً (أن) يعذبهم ربُّهم في الآخرة، فهم من [خوفه] لا يضيعون فرائضه ولا يتعدون إلى ما حرم عليهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾: أي: لا يُؤمَن منه من عصى ربه. والوقف على "لَظَى" جائز حسن في قراءة من رفع "نَزَّاعَةٌ"، على تقدير: هي نزاعة. ومن جعل ﴿لَظَىٰ * (نَزَّاعَةً)﴾ بدلاً من اسم "إن" وجعل "نَزَّاعَةٌ" "خبر" إن لم يقف على "لَظَى". وكذلك إن رفع ﴿نَزَّاعَةً﴾ على البدل من ﴿لَظَىٰ﴾ أَوْ على أنها خبر بعد خبر، وكذلك إن جعل الضمير في "إِنَّهَا" للقصة لم يقف على "لظى"، لأن "نزاعة" خبر "لظى". فإن نصبت "نَزَّاعَةً" فعلى الحال من "لظى"؛ لأنها معرفة. [ولا] يوقف أيضا - على هذا القول - على "لَظَى". وقد رد المبرد النصب ومنع جوازه، [قال]: لأنه لا يجوز أن تكون لظى إلا نزاعة للشوى، وليس كذا سبيل الحال.

المعارج 70:28

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ﴾، إلى قوله: ﴿غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾. أي: ونرى العذاب قريباً (في) يوم تكون (فيه) السماء كالمهل. وقيل: التقدير: يبصرونهم يوم [تكون]. وقيل: التقدير: احذروا يوم تكون السماء كالمهل، قال مجاهد: "كعكر الزيت". وقال قتادة: تحول لوناً آخر إلى الخضرة، وقد تقدم ذكر "المهل" بأشبع من هذا. * * ثم قال: ﴿وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ﴾. قال مجاهد: كالصوف. وهو جمع "عهنة"، وأهل اللغة على أنه لا يقال (للصوف) "عهن" حتى يكون مصبوغاً. * * - ثم قال: ﴿وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾. أي: ولا يسأل قريب ولا صديق عن قريبه ولا عن صديقه لشغله بنفسه. * * ومعنى ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ أي: يُبَصَّرُ كلُّ إنسان قَرِينَهُ فيعرفه. قال ابن عباس: يعرف بعضهم بعضاً، ويتعارفون، ثم يفر بعضهم [من] بعضهم، بعد ذلك، يقول الله: ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧]، وهو قول قتادة. فالهاء والميم - على هذا - للأقرباء، والضمير في [يُبَصَّرُونَ] للكفار، فالهاء والميم للأقرباء، أي: يبصر الله الكفار أقرباءهم في القيامة ويعرفهم بهم، فهو تأويل موافق لصدر الآية؛ لأنه قد ذكر القريب وقريبه، وهذا مثل قوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ [عبس: ٣٤-٣٥] الآية. وقال مجاهد: معناه: يبصر الله المؤمنين الكفار في القيامة. فيكون الضمير في "يُبَصَّرونَ" للمؤمنين، والهاء والميم للكفار. وقال ابن زيد: معناه: يبصر الله الكفار الذين أضلوهم في الدنيا في النار. فيكون الضمير في ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ للكفار التابعين، والهاء والميم للمتبوعين. وقد روي عن ابن كثير وأبي جعفر يزيد وشيبة: أنهم قرأوا: "وَلاَ يُسْأَلُ حَمِيمٌ" على ما لم يسم فاعله. ومعناه: لا يقال لقريب: أين قريبك؟، (أي): لا يطلب بعضهم بِبَعْضٍ. ويجوز أن يكون معناه: ولا يسأل إنسان عن ذنب قريبه، مثل قوله: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: ١٦٤]. * * - ثم قال ﴿يَوَدُّ ٱلْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾. (أي: يتمنى الكافر يوم القيامة لو يفتدي من العذاب ببنيه). ﴿وَصَاحِبَتِهِ...﴾ وهي زوجته، ﴿(وَأَخِيهِ)﴾ ﴿وَفَصِيلَتِهِ...﴾: عشيرته، ﴿ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ أي: التي تضمه إلى رحلها ومنزلها لقرابة ما بينها وبينه. * * - ثم قال: ﴿وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ﴾. أي: ويود لو يفتدي بمن في الأرض جميعاً ثم ينجيه ذلك من عذاب الله، أي: لو وجد إلى ذلك سبيلاً من عظيم ما نزل به لفعله. وجواب "لَوْ" قوله: ﴿ثُمَّ يُنجِيهِ﴾، وقيل "ثُمَّ" بمعنى الفاء أي: فَيُنَجِّيه ذلك، فهو مثل قوله ﴿لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] الفاء جواب "لَوْ". قال قتادة: ﴿وَفَصِيلَتِهِ ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ "الأحب فالأحب، والأقرب فالأقرب من أهله وعشيرته...". قال الخليل: الفصيلة فخذ الرجل من قومه. وقال مجاهد: فصيلته: "قبيلته". وقال ابن زيد: "عشيرته". وفاعل "يُنْجِيهِ" محذوف، والتقدير: ثم ينجيه ذلك الافتداء، ودل "يفتدي" على الافتداء. قالت سودة: قال رسول الله ﷺ: يحشر الناس حفاةً عراةً غُرلاً حتى ألجمهم العرق وبلغ شحم الآذان. قالت: (قلت): واسوءتاه يا رسول الله، أينظر بعضنا إلى بعض؟! قال رسول الله ﷺ: شُغِلَ النَّاسُ ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهَا لَظَىٰ * نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ﴾. أي: ليس الأمر على ما يتمنون، ولا يفيدهم (من عذاب الله شيء. ثم ابتدأ بالإخبار عما أَعدَّ لهم من العذاب فقال: ﴿إِنَّهَا) لَظَىٰ﴾، و "لظى" اسم من أسماء جهنم، ولذلك لم تَنْصَرِفْ. ومعنى: "نزاعة للشوى": تنزع جلدة الرأس وأطراف البدن. والشوى جمع: شواة، وهي الأطراف. قال ابن عباس: ﴿نَزَّا(عَةً) لِّلشَّوَىٰ﴾ أي "تنزع أم الرأس". وعنه: يعني "الجلود والهام". وقال مجاهد: "[لجلود] الرأس". وعنه: تنزع اللحم دون العظم. وقال أبو صالح: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "للحم الساقين". [وقاله] مجاهد أيضاً. وقال الحسن: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "للهام، تحرق كل شيء منه ويبقى فؤاده نضيجاً". وقال الضحاك: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: "تبدي اللحم والجلد عن العظم حتى لا تترك منه شيئاً". وقال ابن زيد: الشوى: "الأراب العظام، قال: تقطع عظامهم كما ترى ثم تحرق خلقهم وتبدل جلودهم". قال ابن جبير: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾ "للعصب والعقب". وعن مجاهد أيضاً: ﴿لِّلشَّوَىٰ﴾: للجلد. وعنه: للأطراف. وقال ثابت البناني: للشوى: لِمَكَارِمِ وجه ابن آدم. * * - ثم قال تعالى: ﴿تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ﴾. أي: تدعو لظى إلى نفسها من أدبر عن طاعة الله وتولى عن الإيمان بالله وبكتبه وَرُسُلِه، هذا معنى قول قتادة. قال ابن زيد: ليس لها سلطان (إلا على من أدبر وتولى [وكفر وتولى]، فأما من آمن بالله ورسوله فليس له عليه سلطان). قال الخليل بن أحمد "ليس دعاؤها كالدعاء: "تعالوا" و "هلم". ولكن دعوتها [إيَاهم] ما تفعل بهم من الأفاعيل، يعنى نار جهنم نعوذ بالله منها. وقيل: معنى "تدعو" تريد وتطلب، كما قال: ﴿وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] أي: يريدون ويطلبون، فهو "يفتعل" من الدعاء. ويقال: تداعت الحيطان إذا انقاضت. وتداعى عليه العدو: إذا أتى من كل جانب. وتداعت القبائل على بني فلان، إذا أقبلوا لحربهم. [ودواعي] الدهر: صروفه. * * - وقوله: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ﴾. أي: وتدعو من جمع مالاً فجعله في وعائه ومنع حق الله منه. ومعنى "أوعى": أحاط بِمَنْعِ المَالِ وحِفْظِه، ومنه: وَعيْت العلم، وأذنٌ واعيةٌ. * * - ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾. الهلوع - عند أهل اللغة -: الجزوع، وهو هنا الذي يستعمل في حال الفقر من الجزع ما لا يجب أن يستعمله، وفي الغنى ما لا ينبغي أن يستعمله من منع الحق الواجب فيه وقلة الشكر. وقيل: الهلع شدة الجزع مع شدة الحرص والضجر. وقد فسر الله جل ذكره لنا الهَلوع من هو فقال: ﴿إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً﴾. وعن ابن عباس: الهلوع الجزوع: الحريص، وهذا كله في الكفار. قال الضحاك ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ﴾ يعني الكافر ﴿خُلِقَ هَلُوعاً﴾ أي: بخيلاً فهو منوع للخير جزوع إذا نزل به البلاء. قال ابن جبير: ﴿هَلُوعاً﴾ "شحيحاً، جزوعاً". وقال عكرمة: ضجوراً. وقال قتادة وابن زيد: الهلوع: الجزوع. - وقوله ﴿إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً﴾ أي: إذا قل ماله وناله الفقر والعدم فهو جزوع من ذلك لا صبر له عليه. ﴿وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ أي: إذا كثر ماله فهو بخيل بما في يديه لا ينفقه في طاعة الله ولا يؤدي منه حق الله. - ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِلاَّ ٱلْمُصَلِّينَ﴾. (أي): إلا الذين يطيعون الله بأداء فرائضه، [فليسوا] بداخلين في عدد من خلق هلوعاً وهو [كافر] بربه. وذكر بعض العلماء أن المصلين هنا الذين كانوا مع رسول الله، وهو قول ابن زيد. وقال غيره: هي في كل من صلى الخمس: قال النخعي ﴿ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ﴾ عني به الصلوات الخمس. وقال [عقبة بن عامر] ﴿دَآئِمُونَ﴾ لا يلتفتون في صلاتهم خلفهم ولا عن أيمانهم ولا عن شمائلهم. * * - ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ فِيۤ أَمْوَٰلِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾. أي: موقت، وهو الزكاة ﴿لِّلسَّآئِلِ﴾ [أي] للذي يسأل ﴿وَٱلْمَحْرُومِ﴾ الذي حرم الغنى وهو فقير لا يسأل. قال قتادة: الحق المعلوم: "الزكاة المفروضة". وعن ابن عباس أنه حقٌّ آخَر غير الزكاة. وسئل ابن عمر عن الحق المعلوم أهو الزكاة؟ فقال: "إن عليك حقوقاً سوى ذلك". وقال الشعبي: "إن في المال حقاً سوى الزكاة"، وهو قول مجاهد. وهذا إنما هو على الندب والترغيب لا على الفرض؛ لأن المسلمين قد أجمعوا (على) ألا فرض في المال سوى الزكاة المعلومة، وقد تقدم (ذكر) اختلافهم في المحروم في "والذّارِيَاتِ" وأضفنا الأقوال إلى أصحابها، ونحن نذكره هنا مجملاً: قيل: هو المحارف الذي لا سهم له في الإسلام. وقيل: هو الذي لا سهم له (في) الغنيمة. وقيل: هو الذي لا ينمى له مال. وقيل: هو الذي اجتيح ماله. وقيل: هو المصاب بزرعه. وقيل: هو "المتعفف". * * - ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ﴾. أي: يؤمنون بالبعث والجزاء والجنة والنار. ﴿وَٱلَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ﴾: أي: هم وَجِلُونَ في الدنيا خوفاً (أن) يعذبهم ربُّهم في الآخرة، فهم من [خوفه] لا يضيعون فرائضه ولا يتعدون إلى ما حرم عليهم. * * - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾: أي: لا يُؤمَن منه من عصى ربه. والوقف على "لَظَى" جائز حسن في قراءة من رفع "نَزَّاعَةٌ"، على تقدير: هي نزاعة. ومن جعل ﴿لَظَىٰ * (نَزَّاعَةً)﴾ بدلاً من اسم "إن" وجعل "نَزَّاعَةٌ" "خبر" إن لم يقف على "لَظَى". وكذلك إن رفع ﴿نَزَّاعَةً﴾ على البدل من ﴿لَظَىٰ﴾ أَوْ على أنها خبر بعد خبر، وكذلك إن جعل الضمير في "إِنَّهَا" للقصة لم يقف على "لظى"، لأن "نزاعة" خبر "لظى". فإن نصبت "نَزَّاعَةً" فعلى الحال من "لظى"؛ لأنها معرفة. [ولا] يوقف أيضا - على هذا القول - على "لَظَى". وقد رد المبرد النصب ومنع جوازه، [قال]: لأنه لا يجوز أن تكون لظى إلا نزاعة للشوى، وليس كذا سبيل الحال.

المعارج 70:29

قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ إلى آخر السورة. أي: وإلا الذين [يحفظون] فروجهم فلا يطئون إلا أزواجهم أو مملوكاتهم فلا لوم عليهم في ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذَلِكَ﴾ أي: فمن التمس لفرجه منكحاً سوى زوجته ومملوكته فهو متعد إلى ما حرم الله عليه، ملوم على فعله. * * - ثم قال ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾. أي: وإلا الذين يحافظون على أداء أماناتهم من فروضهم - التي ألزمهم الله إياها - وأَمَاناتِ عباده التي ائتمنوهم عليها، والوفاء بعهودهم التي أخذها الله عليهم، وعهود عباده عندهم. * * - ثم قال ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِم قَائِمُونَ﴾. أي: وإلا الذين هم لا يكتمون ما أشهدوا عليه، ولكن يؤدونه حيث يلزمهم أداؤه غير مبدلين ولا مغيرين. * * - ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾. أي: وإلا الذين يحافظون على أداء صلواتهم بفروضها في أوقاتها، بحدودها لا يضيعون شيئاً من ذلك ثم أخبر عن مصير هؤلاء الذين تقدمت صفتهم في الاستثناء من الإنسان الهلوع فقال: * * ﴿أُوْلَـٰئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ﴾. أي: الذين تقدمت صفتهم - من قوله: "إِلاَّ المُصَلِّينَ" - في بساتين يكرمهم الله بكرامته. * * ثم قال تعالى: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾. أي: فما شأن الذين كفروا نحوك عامدين: قال قتادة: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ "عامدين". وقال ابن زيد: المهطع "الذي [لا يطرف"]. وقال الحسن: ﴿مُهْطِعِينَ﴾: "منطلقين". وقال أبو عبيدة: مسرعين. فالمعنى: فما شأن الذين كفروا مسرعين بالتكذيب لك. وقيل: بالاستماع منك، لِيَعِيبُوكَ. * * - ثم قال ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ عِزِينَ﴾. روي عن ابن عباس (أنه قال): [العزون]: العصب من الناس عن يمين وشمال معرضين عن محمد يستهزئون به. وقال مجاهد (عزين: مجالس مجالس). قال قتادة: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ عامدين، ﴿عِزِينَ﴾ فرق حول رسول الله لا يرغبون في كتاب الله ولا في نبيه. وقال الضحاك: عزين: (حلقاً) وفرقاً. قال ابن زيد: عزين: مجالس. * * ومعنى ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ﴾ أي: عن يمينك وشمالك جماعات متفرقة في أديانهم مخالفين للإسلام. وقال الطبري: ﴿عِزِينَ﴾ متفرقين حلقاً حلقاً ومجالس مجالس، [جماعة جماعة] متفرقين عنك وعن كتاب الله. * * - ثم قال ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ * كَلاَّ﴾ [أي]: أيطمع كل إنسان منهم أن ينجو من عذاب الله فيدخل الجنة التي ينعم مَن دخلها؟! لا يكون ذلك. * * - ثم قال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾. أي: مِن مَني حقير لا يستوجب (به) دخول الجنة، إنما يستوجب دخولها بالطاعة لله. قال قتادة: ﴿مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾ من مني قذر، فَاتَّقِ الله يا ابن آدم. وقيل: هو إشارة إلى إعلامهم أنهم كسائر الخلق ليس لهم فضل بأن يؤتى كل أحد منهم ما يريد من دخول الله، بل حكم جميع الخلق ألا يدخل أحد الجنة إلا بالإيمان والعمل الصالح، وأنتم أيها المخاطبون مثل جميع الخلق خلقتم من نطفة. * * - ثم قال تعالى ﴿فَلآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ إِنَّا لَقَٰدِرُونَ * عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ خَيْراً مِّنْهُمْ﴾. "لا" زائدة، والتقدير: [أقسم برب: مشارق الشمس] وهي ثلاثمائة وستون، وبرب مغاربها، وهي ثلاثمائة وستون. * * - ﴿إِنَّا لَقَٰدِرُونَ﴾. على أن نخلق خيراً من هؤلاء المشركين ونهلكهم. - ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾: أي ما يفوتنا أحد نريد هلاكه ولا أمر نريد إتمامه. قال ابن عباس: "(إن) الشمس تطلع كل سنة في ثلاثمائة وستين كُوَّة، تطلع كل يوم في كوة لا ترجع إلى تلك الكوة إلى ذلك اليوم من العام المقبل، ولا تطلع إلا وهي كارهة، [تقول]: يا رب، لا تطلعني على عبادك، فإني أراهم يعصونك ويعملون بمعاصيك". وعن ابن عباس أيضاً في قوله: ﴿فَلآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ﴾ أنه قال: "هو مطلع الشمس ومغربها ومطلع القمر ومغربه". * * - ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ (يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ) حَتَّىٰ يُلَٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ﴾. هذا تهدد ووعيد لكفار قريش ومن كان على دينهم. أي: دع يا محمد هؤلاء المشركين - المهطعين عن اليمين وعن الشمال عزين - يخوضوا في [باطلهم] ويلعبوا في هذه الدنيا حتى يلاقوا يوم القيامة الذي وعدوا به. ثم بَيَّنَ [يومهم] الذي يوعدون فقال: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ سِرَاعاً...﴾، فهو يوم بدلٌ من "يوم" الأول. فالمعنى [فَذَرْهُمْ] يا محمد حتى يلاقوا يوم يخرجون من القبور مسرعين إلى الداعي. * * - ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾. أي: كأنهم إلى عَلَم قد نصب لهم يستبقون، [و "نَصْب" مصدر: نَصَبْتُ الشيء] نَصْباً فتأويله كأنهم إلى صنم منصوب (لهم) يسرعون ذليلين. وروي عن عاصم أنه [قرأ: ﴿نُصُبٍ﴾] بضم النون والصاد، جعله [واحداً لأنصاب]، وَهي آلهتهم التي كانوا يعبدون، كطُنُب وأطناب. وقيل: هو جمع نَصْبٍ، والنَّصْبُ: الصنم الذي ينصب لهم فيكون كرَهْن ورُهُن، وهو قول أبي عبيدة. وقيل: هو جمع نصاب، والنصاب الحجر أو الضم ينصب فيذبح عنده. وقرأ قتادة: ﴿نُصُبٍ﴾ بضم النون وإسكان الصاد فهو مخفف من "نُصُب". وقد قيل: إن نَصْباً ونُصْباً ثلاث لغات بمعنىً، كما يقال عَمْرٌو وعُمْرٌو وعُمُرٌو. فأما قوله تعالى ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] فهو جمع نصاب عند كل العلماء، وهو الذي ينصب ليذبحوا لآلهتهم عنده وقد مضى ذكره. قال: أبو العالية ﴿إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ أي: كأنهم إلى غايات يستبقون. وقال ابن عباس: إلى غايات يسعون. وقال الضحاك: إلى ("علم ينطلقون"). وقال ابن زيد: [﴿إِلَىٰ نُصُبٍ﴾]: النَّصْبُ حجارة طوال يعبدونها يسمونها نَصْباً، قال: و ﴿يُوفِضُونَ﴾: يسرعون إليه. وقال الحسن: ﴿(كَأَنَّهُمْ) إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ أي: يبْتَدِرون نصبهم أيهم يسْتلمه أول، قال: وذلك إذا طلعت الشمس لا يلوي أولهم على آخرهم. * * - وقوله: ﴿خَٰشِعَةً أَبْصَٰرُهُمْ﴾ أي: خاضعة ذليلة لما نزل بهم من الخزي والهوان. * * - ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ أي: تغشاهم ذلة. والعامل في "خاشعةً" "يخرجون" أو "ترهقهم"، * * - ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ ٱلْيَوْمُ (ٱلَّذِي) كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾. أي: هذا اليوم الذي تقدمت صفته هو اليوم الذي كانوا يوعدون به في الدنيا فلا يصدقون به.

المعارج 70:30

قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ إلى آخر السورة. أي: وإلا الذين [يحفظون] فروجهم فلا يطئون إلا أزواجهم أو مملوكاتهم فلا لوم عليهم في ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذَلِكَ﴾ أي: فمن التمس لفرجه منكحاً سوى زوجته ومملوكته فهو متعد إلى ما حرم الله عليه، ملوم على فعله. * * - ثم قال ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾. أي: وإلا الذين يحافظون على أداء أماناتهم من فروضهم - التي ألزمهم الله إياها - وأَمَاناتِ عباده التي ائتمنوهم عليها، والوفاء بعهودهم التي أخذها الله عليهم، وعهود عباده عندهم. * * - ثم قال ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِم قَائِمُونَ﴾. أي: وإلا الذين هم لا يكتمون ما أشهدوا عليه، ولكن يؤدونه حيث يلزمهم أداؤه غير مبدلين ولا مغيرين. * * - ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾. أي: وإلا الذين يحافظون على أداء صلواتهم بفروضها في أوقاتها، بحدودها لا يضيعون شيئاً من ذلك ثم أخبر عن مصير هؤلاء الذين تقدمت صفتهم في الاستثناء من الإنسان الهلوع فقال: * * ﴿أُوْلَـٰئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ﴾. أي: الذين تقدمت صفتهم - من قوله: "إِلاَّ المُصَلِّينَ" - في بساتين يكرمهم الله بكرامته. * * ثم قال تعالى: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾. أي: فما شأن الذين كفروا نحوك عامدين: قال قتادة: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ "عامدين". وقال ابن زيد: المهطع "الذي [لا يطرف"]. وقال الحسن: ﴿مُهْطِعِينَ﴾: "منطلقين". وقال أبو عبيدة: مسرعين. فالمعنى: فما شأن الذين كفروا مسرعين بالتكذيب لك. وقيل: بالاستماع منك، لِيَعِيبُوكَ. * * - ثم قال ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ عِزِينَ﴾. روي عن ابن عباس (أنه قال): [العزون]: العصب من الناس عن يمين وشمال معرضين عن محمد يستهزئون به. وقال مجاهد (عزين: مجالس مجالس). قال قتادة: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ عامدين، ﴿عِزِينَ﴾ فرق حول رسول الله لا يرغبون في كتاب الله ولا في نبيه. وقال الضحاك: عزين: (حلقاً) وفرقاً. قال ابن زيد: عزين: مجالس. * * ومعنى ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ﴾ أي: عن يمينك وشمالك جماعات متفرقة في أديانهم مخالفين للإسلام. وقال الطبري: ﴿عِزِينَ﴾ متفرقين حلقاً حلقاً ومجالس مجالس، [جماعة جماعة] متفرقين عنك وعن كتاب الله. * * - ثم قال ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ * كَلاَّ﴾ [أي]: أيطمع كل إنسان منهم أن ينجو من عذاب الله فيدخل الجنة التي ينعم مَن دخلها؟! لا يكون ذلك. * * - ثم قال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾. أي: مِن مَني حقير لا يستوجب (به) دخول الجنة، إنما يستوجب دخولها بالطاعة لله. قال قتادة: ﴿مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾ من مني قذر، فَاتَّقِ الله يا ابن آدم. وقيل: هو إشارة إلى إعلامهم أنهم كسائر الخلق ليس لهم فضل بأن يؤتى كل أحد منهم ما يريد من دخول الله، بل حكم جميع الخلق ألا يدخل أحد الجنة إلا بالإيمان والعمل الصالح، وأنتم أيها المخاطبون مثل جميع الخلق خلقتم من نطفة. * * - ثم قال تعالى ﴿فَلآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ إِنَّا لَقَٰدِرُونَ * عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ خَيْراً مِّنْهُمْ﴾. "لا" زائدة، والتقدير: [أقسم برب: مشارق الشمس] وهي ثلاثمائة وستون، وبرب مغاربها، وهي ثلاثمائة وستون. * * - ﴿إِنَّا لَقَٰدِرُونَ﴾. على أن نخلق خيراً من هؤلاء المشركين ونهلكهم. - ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾: أي ما يفوتنا أحد نريد هلاكه ولا أمر نريد إتمامه. قال ابن عباس: "(إن) الشمس تطلع كل سنة في ثلاثمائة وستين كُوَّة، تطلع كل يوم في كوة لا ترجع إلى تلك الكوة إلى ذلك اليوم من العام المقبل، ولا تطلع إلا وهي كارهة، [تقول]: يا رب، لا تطلعني على عبادك، فإني أراهم يعصونك ويعملون بمعاصيك". وعن ابن عباس أيضاً في قوله: ﴿فَلآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ﴾ أنه قال: "هو مطلع الشمس ومغربها ومطلع القمر ومغربه". * * - ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ (يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ) حَتَّىٰ يُلَٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ﴾. هذا تهدد ووعيد لكفار قريش ومن كان على دينهم. أي: دع يا محمد هؤلاء المشركين - المهطعين عن اليمين وعن الشمال عزين - يخوضوا في [باطلهم] ويلعبوا في هذه الدنيا حتى يلاقوا يوم القيامة الذي وعدوا به. ثم بَيَّنَ [يومهم] الذي يوعدون فقال: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ سِرَاعاً...﴾، فهو يوم بدلٌ من "يوم" الأول. فالمعنى [فَذَرْهُمْ] يا محمد حتى يلاقوا يوم يخرجون من القبور مسرعين إلى الداعي. * * - ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾. أي: كأنهم إلى عَلَم قد نصب لهم يستبقون، [و "نَصْب" مصدر: نَصَبْتُ الشيء] نَصْباً فتأويله كأنهم إلى صنم منصوب (لهم) يسرعون ذليلين. وروي عن عاصم أنه [قرأ: ﴿نُصُبٍ﴾] بضم النون والصاد، جعله [واحداً لأنصاب]، وَهي آلهتهم التي كانوا يعبدون، كطُنُب وأطناب. وقيل: هو جمع نَصْبٍ، والنَّصْبُ: الصنم الذي ينصب لهم فيكون كرَهْن ورُهُن، وهو قول أبي عبيدة. وقيل: هو جمع نصاب، والنصاب الحجر أو الضم ينصب فيذبح عنده. وقرأ قتادة: ﴿نُصُبٍ﴾ بضم النون وإسكان الصاد فهو مخفف من "نُصُب". وقد قيل: إن نَصْباً ونُصْباً ثلاث لغات بمعنىً، كما يقال عَمْرٌو وعُمْرٌو وعُمُرٌو. فأما قوله تعالى ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] فهو جمع نصاب عند كل العلماء، وهو الذي ينصب ليذبحوا لآلهتهم عنده وقد مضى ذكره. قال: أبو العالية ﴿إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ أي: كأنهم إلى غايات يستبقون. وقال ابن عباس: إلى غايات يسعون. وقال الضحاك: إلى ("علم ينطلقون"). وقال ابن زيد: [﴿إِلَىٰ نُصُبٍ﴾]: النَّصْبُ حجارة طوال يعبدونها يسمونها نَصْباً، قال: و ﴿يُوفِضُونَ﴾: يسرعون إليه. وقال الحسن: ﴿(كَأَنَّهُمْ) إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ أي: يبْتَدِرون نصبهم أيهم يسْتلمه أول، قال: وذلك إذا طلعت الشمس لا يلوي أولهم على آخرهم. * * - وقوله: ﴿خَٰشِعَةً أَبْصَٰرُهُمْ﴾ أي: خاضعة ذليلة لما نزل بهم من الخزي والهوان. * * - ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ أي: تغشاهم ذلة. والعامل في "خاشعةً" "يخرجون" أو "ترهقهم"، * * - ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ ٱلْيَوْمُ (ٱلَّذِي) كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾. أي: هذا اليوم الذي تقدمت صفته هو اليوم الذي كانوا يوعدون به في الدنيا فلا يصدقون به.

المعارج 70:31

قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ إلى آخر السورة. أي: وإلا الذين [يحفظون] فروجهم فلا يطئون إلا أزواجهم أو مملوكاتهم فلا لوم عليهم في ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذَلِكَ﴾ أي: فمن التمس لفرجه منكحاً سوى زوجته ومملوكته فهو متعد إلى ما حرم الله عليه، ملوم على فعله. * * - ثم قال ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾. أي: وإلا الذين يحافظون على أداء أماناتهم من فروضهم - التي ألزمهم الله إياها - وأَمَاناتِ عباده التي ائتمنوهم عليها، والوفاء بعهودهم التي أخذها الله عليهم، وعهود عباده عندهم. * * - ثم قال ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِم قَائِمُونَ﴾. أي: وإلا الذين هم لا يكتمون ما أشهدوا عليه، ولكن يؤدونه حيث يلزمهم أداؤه غير مبدلين ولا مغيرين. * * - ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾. أي: وإلا الذين يحافظون على أداء صلواتهم بفروضها في أوقاتها، بحدودها لا يضيعون شيئاً من ذلك ثم أخبر عن مصير هؤلاء الذين تقدمت صفتهم في الاستثناء من الإنسان الهلوع فقال: * * ﴿أُوْلَـٰئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ﴾. أي: الذين تقدمت صفتهم - من قوله: "إِلاَّ المُصَلِّينَ" - في بساتين يكرمهم الله بكرامته. * * ثم قال تعالى: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾. أي: فما شأن الذين كفروا نحوك عامدين: قال قتادة: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ "عامدين". وقال ابن زيد: المهطع "الذي [لا يطرف"]. وقال الحسن: ﴿مُهْطِعِينَ﴾: "منطلقين". وقال أبو عبيدة: مسرعين. فالمعنى: فما شأن الذين كفروا مسرعين بالتكذيب لك. وقيل: بالاستماع منك، لِيَعِيبُوكَ. * * - ثم قال ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ عِزِينَ﴾. روي عن ابن عباس (أنه قال): [العزون]: العصب من الناس عن يمين وشمال معرضين عن محمد يستهزئون به. وقال مجاهد (عزين: مجالس مجالس). قال قتادة: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ عامدين، ﴿عِزِينَ﴾ فرق حول رسول الله لا يرغبون في كتاب الله ولا في نبيه. وقال الضحاك: عزين: (حلقاً) وفرقاً. قال ابن زيد: عزين: مجالس. * * ومعنى ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ﴾ أي: عن يمينك وشمالك جماعات متفرقة في أديانهم مخالفين للإسلام. وقال الطبري: ﴿عِزِينَ﴾ متفرقين حلقاً حلقاً ومجالس مجالس، [جماعة جماعة] متفرقين عنك وعن كتاب الله. * * - ثم قال ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ * كَلاَّ﴾ [أي]: أيطمع كل إنسان منهم أن ينجو من عذاب الله فيدخل الجنة التي ينعم مَن دخلها؟! لا يكون ذلك. * * - ثم قال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾. أي: مِن مَني حقير لا يستوجب (به) دخول الجنة، إنما يستوجب دخولها بالطاعة لله. قال قتادة: ﴿مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾ من مني قذر، فَاتَّقِ الله يا ابن آدم. وقيل: هو إشارة إلى إعلامهم أنهم كسائر الخلق ليس لهم فضل بأن يؤتى كل أحد منهم ما يريد من دخول الله، بل حكم جميع الخلق ألا يدخل أحد الجنة إلا بالإيمان والعمل الصالح، وأنتم أيها المخاطبون مثل جميع الخلق خلقتم من نطفة. * * - ثم قال تعالى ﴿فَلآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ إِنَّا لَقَٰدِرُونَ * عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ خَيْراً مِّنْهُمْ﴾. "لا" زائدة، والتقدير: [أقسم برب: مشارق الشمس] وهي ثلاثمائة وستون، وبرب مغاربها، وهي ثلاثمائة وستون. * * - ﴿إِنَّا لَقَٰدِرُونَ﴾. على أن نخلق خيراً من هؤلاء المشركين ونهلكهم. - ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾: أي ما يفوتنا أحد نريد هلاكه ولا أمر نريد إتمامه. قال ابن عباس: "(إن) الشمس تطلع كل سنة في ثلاثمائة وستين كُوَّة، تطلع كل يوم في كوة لا ترجع إلى تلك الكوة إلى ذلك اليوم من العام المقبل، ولا تطلع إلا وهي كارهة، [تقول]: يا رب، لا تطلعني على عبادك، فإني أراهم يعصونك ويعملون بمعاصيك". وعن ابن عباس أيضاً في قوله: ﴿فَلآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ﴾ أنه قال: "هو مطلع الشمس ومغربها ومطلع القمر ومغربه". * * - ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ (يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ) حَتَّىٰ يُلَٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ﴾. هذا تهدد ووعيد لكفار قريش ومن كان على دينهم. أي: دع يا محمد هؤلاء المشركين - المهطعين عن اليمين وعن الشمال عزين - يخوضوا في [باطلهم] ويلعبوا في هذه الدنيا حتى يلاقوا يوم القيامة الذي وعدوا به. ثم بَيَّنَ [يومهم] الذي يوعدون فقال: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ سِرَاعاً...﴾، فهو يوم بدلٌ من "يوم" الأول. فالمعنى [فَذَرْهُمْ] يا محمد حتى يلاقوا يوم يخرجون من القبور مسرعين إلى الداعي. * * - ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾. أي: كأنهم إلى عَلَم قد نصب لهم يستبقون، [و "نَصْب" مصدر: نَصَبْتُ الشيء] نَصْباً فتأويله كأنهم إلى صنم منصوب (لهم) يسرعون ذليلين. وروي عن عاصم أنه [قرأ: ﴿نُصُبٍ﴾] بضم النون والصاد، جعله [واحداً لأنصاب]، وَهي آلهتهم التي كانوا يعبدون، كطُنُب وأطناب. وقيل: هو جمع نَصْبٍ، والنَّصْبُ: الصنم الذي ينصب لهم فيكون كرَهْن ورُهُن، وهو قول أبي عبيدة. وقيل: هو جمع نصاب، والنصاب الحجر أو الضم ينصب فيذبح عنده. وقرأ قتادة: ﴿نُصُبٍ﴾ بضم النون وإسكان الصاد فهو مخفف من "نُصُب". وقد قيل: إن نَصْباً ونُصْباً ثلاث لغات بمعنىً، كما يقال عَمْرٌو وعُمْرٌو وعُمُرٌو. فأما قوله تعالى ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] فهو جمع نصاب عند كل العلماء، وهو الذي ينصب ليذبحوا لآلهتهم عنده وقد مضى ذكره. قال: أبو العالية ﴿إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ أي: كأنهم إلى غايات يستبقون. وقال ابن عباس: إلى غايات يسعون. وقال الضحاك: إلى ("علم ينطلقون"). وقال ابن زيد: [﴿إِلَىٰ نُصُبٍ﴾]: النَّصْبُ حجارة طوال يعبدونها يسمونها نَصْباً، قال: و ﴿يُوفِضُونَ﴾: يسرعون إليه. وقال الحسن: ﴿(كَأَنَّهُمْ) إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ أي: يبْتَدِرون نصبهم أيهم يسْتلمه أول، قال: وذلك إذا طلعت الشمس لا يلوي أولهم على آخرهم. * * - وقوله: ﴿خَٰشِعَةً أَبْصَٰرُهُمْ﴾ أي: خاضعة ذليلة لما نزل بهم من الخزي والهوان. * * - ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ أي: تغشاهم ذلة. والعامل في "خاشعةً" "يخرجون" أو "ترهقهم"، * * - ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ ٱلْيَوْمُ (ٱلَّذِي) كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾. أي: هذا اليوم الذي تقدمت صفته هو اليوم الذي كانوا يوعدون به في الدنيا فلا يصدقون به.

المعارج 70:32

قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ إلى آخر السورة. أي: وإلا الذين [يحفظون] فروجهم فلا يطئون إلا أزواجهم أو مملوكاتهم فلا لوم عليهم في ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذَلِكَ﴾ أي: فمن التمس لفرجه منكحاً سوى زوجته ومملوكته فهو متعد إلى ما حرم الله عليه، ملوم على فعله. * * - ثم قال ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾. أي: وإلا الذين يحافظون على أداء أماناتهم من فروضهم - التي ألزمهم الله إياها - وأَمَاناتِ عباده التي ائتمنوهم عليها، والوفاء بعهودهم التي أخذها الله عليهم، وعهود عباده عندهم. * * - ثم قال ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِم قَائِمُونَ﴾. أي: وإلا الذين هم لا يكتمون ما أشهدوا عليه، ولكن يؤدونه حيث يلزمهم أداؤه غير مبدلين ولا مغيرين. * * - ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾. أي: وإلا الذين يحافظون على أداء صلواتهم بفروضها في أوقاتها، بحدودها لا يضيعون شيئاً من ذلك ثم أخبر عن مصير هؤلاء الذين تقدمت صفتهم في الاستثناء من الإنسان الهلوع فقال: * * ﴿أُوْلَـٰئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ﴾. أي: الذين تقدمت صفتهم - من قوله: "إِلاَّ المُصَلِّينَ" - في بساتين يكرمهم الله بكرامته. * * ثم قال تعالى: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾. أي: فما شأن الذين كفروا نحوك عامدين: قال قتادة: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ "عامدين". وقال ابن زيد: المهطع "الذي [لا يطرف"]. وقال الحسن: ﴿مُهْطِعِينَ﴾: "منطلقين". وقال أبو عبيدة: مسرعين. فالمعنى: فما شأن الذين كفروا مسرعين بالتكذيب لك. وقيل: بالاستماع منك، لِيَعِيبُوكَ. * * - ثم قال ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ عِزِينَ﴾. روي عن ابن عباس (أنه قال): [العزون]: العصب من الناس عن يمين وشمال معرضين عن محمد يستهزئون به. وقال مجاهد (عزين: مجالس مجالس). قال قتادة: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ عامدين، ﴿عِزِينَ﴾ فرق حول رسول الله لا يرغبون في كتاب الله ولا في نبيه. وقال الضحاك: عزين: (حلقاً) وفرقاً. قال ابن زيد: عزين: مجالس. * * ومعنى ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ﴾ أي: عن يمينك وشمالك جماعات متفرقة في أديانهم مخالفين للإسلام. وقال الطبري: ﴿عِزِينَ﴾ متفرقين حلقاً حلقاً ومجالس مجالس، [جماعة جماعة] متفرقين عنك وعن كتاب الله. * * - ثم قال ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ * كَلاَّ﴾ [أي]: أيطمع كل إنسان منهم أن ينجو من عذاب الله فيدخل الجنة التي ينعم مَن دخلها؟! لا يكون ذلك. * * - ثم قال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾. أي: مِن مَني حقير لا يستوجب (به) دخول الجنة، إنما يستوجب دخولها بالطاعة لله. قال قتادة: ﴿مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾ من مني قذر، فَاتَّقِ الله يا ابن آدم. وقيل: هو إشارة إلى إعلامهم أنهم كسائر الخلق ليس لهم فضل بأن يؤتى كل أحد منهم ما يريد من دخول الله، بل حكم جميع الخلق ألا يدخل أحد الجنة إلا بالإيمان والعمل الصالح، وأنتم أيها المخاطبون مثل جميع الخلق خلقتم من نطفة. * * - ثم قال تعالى ﴿فَلآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ إِنَّا لَقَٰدِرُونَ * عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ خَيْراً مِّنْهُمْ﴾. "لا" زائدة، والتقدير: [أقسم برب: مشارق الشمس] وهي ثلاثمائة وستون، وبرب مغاربها، وهي ثلاثمائة وستون. * * - ﴿إِنَّا لَقَٰدِرُونَ﴾. على أن نخلق خيراً من هؤلاء المشركين ونهلكهم. - ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾: أي ما يفوتنا أحد نريد هلاكه ولا أمر نريد إتمامه. قال ابن عباس: "(إن) الشمس تطلع كل سنة في ثلاثمائة وستين كُوَّة، تطلع كل يوم في كوة لا ترجع إلى تلك الكوة إلى ذلك اليوم من العام المقبل، ولا تطلع إلا وهي كارهة، [تقول]: يا رب، لا تطلعني على عبادك، فإني أراهم يعصونك ويعملون بمعاصيك". وعن ابن عباس أيضاً في قوله: ﴿فَلآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ﴾ أنه قال: "هو مطلع الشمس ومغربها ومطلع القمر ومغربه". * * - ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ (يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ) حَتَّىٰ يُلَٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ﴾. هذا تهدد ووعيد لكفار قريش ومن كان على دينهم. أي: دع يا محمد هؤلاء المشركين - المهطعين عن اليمين وعن الشمال عزين - يخوضوا في [باطلهم] ويلعبوا في هذه الدنيا حتى يلاقوا يوم القيامة الذي وعدوا به. ثم بَيَّنَ [يومهم] الذي يوعدون فقال: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ سِرَاعاً...﴾، فهو يوم بدلٌ من "يوم" الأول. فالمعنى [فَذَرْهُمْ] يا محمد حتى يلاقوا يوم يخرجون من القبور مسرعين إلى الداعي. * * - ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾. أي: كأنهم إلى عَلَم قد نصب لهم يستبقون، [و "نَصْب" مصدر: نَصَبْتُ الشيء] نَصْباً فتأويله كأنهم إلى صنم منصوب (لهم) يسرعون ذليلين. وروي عن عاصم أنه [قرأ: ﴿نُصُبٍ﴾] بضم النون والصاد، جعله [واحداً لأنصاب]، وَهي آلهتهم التي كانوا يعبدون، كطُنُب وأطناب. وقيل: هو جمع نَصْبٍ، والنَّصْبُ: الصنم الذي ينصب لهم فيكون كرَهْن ورُهُن، وهو قول أبي عبيدة. وقيل: هو جمع نصاب، والنصاب الحجر أو الضم ينصب فيذبح عنده. وقرأ قتادة: ﴿نُصُبٍ﴾ بضم النون وإسكان الصاد فهو مخفف من "نُصُب". وقد قيل: إن نَصْباً ونُصْباً ثلاث لغات بمعنىً، كما يقال عَمْرٌو وعُمْرٌو وعُمُرٌو. فأما قوله تعالى ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] فهو جمع نصاب عند كل العلماء، وهو الذي ينصب ليذبحوا لآلهتهم عنده وقد مضى ذكره. قال: أبو العالية ﴿إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ أي: كأنهم إلى غايات يستبقون. وقال ابن عباس: إلى غايات يسعون. وقال الضحاك: إلى ("علم ينطلقون"). وقال ابن زيد: [﴿إِلَىٰ نُصُبٍ﴾]: النَّصْبُ حجارة طوال يعبدونها يسمونها نَصْباً، قال: و ﴿يُوفِضُونَ﴾: يسرعون إليه. وقال الحسن: ﴿(كَأَنَّهُمْ) إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ أي: يبْتَدِرون نصبهم أيهم يسْتلمه أول، قال: وذلك إذا طلعت الشمس لا يلوي أولهم على آخرهم. * * - وقوله: ﴿خَٰشِعَةً أَبْصَٰرُهُمْ﴾ أي: خاضعة ذليلة لما نزل بهم من الخزي والهوان. * * - ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ أي: تغشاهم ذلة. والعامل في "خاشعةً" "يخرجون" أو "ترهقهم"، * * - ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ ٱلْيَوْمُ (ٱلَّذِي) كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾. أي: هذا اليوم الذي تقدمت صفته هو اليوم الذي كانوا يوعدون به في الدنيا فلا يصدقون به.

المعارج 70:33

قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ إلى آخر السورة. أي: وإلا الذين [يحفظون] فروجهم فلا يطئون إلا أزواجهم أو مملوكاتهم فلا لوم عليهم في ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذَلِكَ﴾ أي: فمن التمس لفرجه منكحاً سوى زوجته ومملوكته فهو متعد إلى ما حرم الله عليه، ملوم على فعله. * * - ثم قال ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾. أي: وإلا الذين يحافظون على أداء أماناتهم من فروضهم - التي ألزمهم الله إياها - وأَمَاناتِ عباده التي ائتمنوهم عليها، والوفاء بعهودهم التي أخذها الله عليهم، وعهود عباده عندهم. * * - ثم قال ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِم قَائِمُونَ﴾. أي: وإلا الذين هم لا يكتمون ما أشهدوا عليه، ولكن يؤدونه حيث يلزمهم أداؤه غير مبدلين ولا مغيرين. * * - ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾. أي: وإلا الذين يحافظون على أداء صلواتهم بفروضها في أوقاتها، بحدودها لا يضيعون شيئاً من ذلك ثم أخبر عن مصير هؤلاء الذين تقدمت صفتهم في الاستثناء من الإنسان الهلوع فقال: * * ﴿أُوْلَـٰئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ﴾. أي: الذين تقدمت صفتهم - من قوله: "إِلاَّ المُصَلِّينَ" - في بساتين يكرمهم الله بكرامته. * * ثم قال تعالى: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾. أي: فما شأن الذين كفروا نحوك عامدين: قال قتادة: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ "عامدين". وقال ابن زيد: المهطع "الذي [لا يطرف"]. وقال الحسن: ﴿مُهْطِعِينَ﴾: "منطلقين". وقال أبو عبيدة: مسرعين. فالمعنى: فما شأن الذين كفروا مسرعين بالتكذيب لك. وقيل: بالاستماع منك، لِيَعِيبُوكَ. * * - ثم قال ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ عِزِينَ﴾. روي عن ابن عباس (أنه قال): [العزون]: العصب من الناس عن يمين وشمال معرضين عن محمد يستهزئون به. وقال مجاهد (عزين: مجالس مجالس). قال قتادة: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ عامدين، ﴿عِزِينَ﴾ فرق حول رسول الله لا يرغبون في كتاب الله ولا في نبيه. وقال الضحاك: عزين: (حلقاً) وفرقاً. قال ابن زيد: عزين: مجالس. * * ومعنى ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ﴾ أي: عن يمينك وشمالك جماعات متفرقة في أديانهم مخالفين للإسلام. وقال الطبري: ﴿عِزِينَ﴾ متفرقين حلقاً حلقاً ومجالس مجالس، [جماعة جماعة] متفرقين عنك وعن كتاب الله. * * - ثم قال ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ * كَلاَّ﴾ [أي]: أيطمع كل إنسان منهم أن ينجو من عذاب الله فيدخل الجنة التي ينعم مَن دخلها؟! لا يكون ذلك. * * - ثم قال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾. أي: مِن مَني حقير لا يستوجب (به) دخول الجنة، إنما يستوجب دخولها بالطاعة لله. قال قتادة: ﴿مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾ من مني قذر، فَاتَّقِ الله يا ابن آدم. وقيل: هو إشارة إلى إعلامهم أنهم كسائر الخلق ليس لهم فضل بأن يؤتى كل أحد منهم ما يريد من دخول الله، بل حكم جميع الخلق ألا يدخل أحد الجنة إلا بالإيمان والعمل الصالح، وأنتم أيها المخاطبون مثل جميع الخلق خلقتم من نطفة. * * - ثم قال تعالى ﴿فَلآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ إِنَّا لَقَٰدِرُونَ * عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ خَيْراً مِّنْهُمْ﴾. "لا" زائدة، والتقدير: [أقسم برب: مشارق الشمس] وهي ثلاثمائة وستون، وبرب مغاربها، وهي ثلاثمائة وستون. * * - ﴿إِنَّا لَقَٰدِرُونَ﴾. على أن نخلق خيراً من هؤلاء المشركين ونهلكهم. - ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾: أي ما يفوتنا أحد نريد هلاكه ولا أمر نريد إتمامه. قال ابن عباس: "(إن) الشمس تطلع كل سنة في ثلاثمائة وستين كُوَّة، تطلع كل يوم في كوة لا ترجع إلى تلك الكوة إلى ذلك اليوم من العام المقبل، ولا تطلع إلا وهي كارهة، [تقول]: يا رب، لا تطلعني على عبادك، فإني أراهم يعصونك ويعملون بمعاصيك". وعن ابن عباس أيضاً في قوله: ﴿فَلآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ﴾ أنه قال: "هو مطلع الشمس ومغربها ومطلع القمر ومغربه". * * - ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ (يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ) حَتَّىٰ يُلَٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ﴾. هذا تهدد ووعيد لكفار قريش ومن كان على دينهم. أي: دع يا محمد هؤلاء المشركين - المهطعين عن اليمين وعن الشمال عزين - يخوضوا في [باطلهم] ويلعبوا في هذه الدنيا حتى يلاقوا يوم القيامة الذي وعدوا به. ثم بَيَّنَ [يومهم] الذي يوعدون فقال: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ سِرَاعاً...﴾، فهو يوم بدلٌ من "يوم" الأول. فالمعنى [فَذَرْهُمْ] يا محمد حتى يلاقوا يوم يخرجون من القبور مسرعين إلى الداعي. * * - ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾. أي: كأنهم إلى عَلَم قد نصب لهم يستبقون، [و "نَصْب" مصدر: نَصَبْتُ الشيء] نَصْباً فتأويله كأنهم إلى صنم منصوب (لهم) يسرعون ذليلين. وروي عن عاصم أنه [قرأ: ﴿نُصُبٍ﴾] بضم النون والصاد، جعله [واحداً لأنصاب]، وَهي آلهتهم التي كانوا يعبدون، كطُنُب وأطناب. وقيل: هو جمع نَصْبٍ، والنَّصْبُ: الصنم الذي ينصب لهم فيكون كرَهْن ورُهُن، وهو قول أبي عبيدة. وقيل: هو جمع نصاب، والنصاب الحجر أو الضم ينصب فيذبح عنده. وقرأ قتادة: ﴿نُصُبٍ﴾ بضم النون وإسكان الصاد فهو مخفف من "نُصُب". وقد قيل: إن نَصْباً ونُصْباً ثلاث لغات بمعنىً، كما يقال عَمْرٌو وعُمْرٌو وعُمُرٌو. فأما قوله تعالى ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] فهو جمع نصاب عند كل العلماء، وهو الذي ينصب ليذبحوا لآلهتهم عنده وقد مضى ذكره. قال: أبو العالية ﴿إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ أي: كأنهم إلى غايات يستبقون. وقال ابن عباس: إلى غايات يسعون. وقال الضحاك: إلى ("علم ينطلقون"). وقال ابن زيد: [﴿إِلَىٰ نُصُبٍ﴾]: النَّصْبُ حجارة طوال يعبدونها يسمونها نَصْباً، قال: و ﴿يُوفِضُونَ﴾: يسرعون إليه. وقال الحسن: ﴿(كَأَنَّهُمْ) إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ أي: يبْتَدِرون نصبهم أيهم يسْتلمه أول، قال: وذلك إذا طلعت الشمس لا يلوي أولهم على آخرهم. * * - وقوله: ﴿خَٰشِعَةً أَبْصَٰرُهُمْ﴾ أي: خاضعة ذليلة لما نزل بهم من الخزي والهوان. * * - ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ أي: تغشاهم ذلة. والعامل في "خاشعةً" "يخرجون" أو "ترهقهم"، * * - ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ ٱلْيَوْمُ (ٱلَّذِي) كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾. أي: هذا اليوم الذي تقدمت صفته هو اليوم الذي كانوا يوعدون به في الدنيا فلا يصدقون به.

المعارج 70:34

قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ إلى آخر السورة. أي: وإلا الذين [يحفظون] فروجهم فلا يطئون إلا أزواجهم أو مملوكاتهم فلا لوم عليهم في ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذَلِكَ﴾ أي: فمن التمس لفرجه منكحاً سوى زوجته ومملوكته فهو متعد إلى ما حرم الله عليه، ملوم على فعله. * * - ثم قال ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾. أي: وإلا الذين يحافظون على أداء أماناتهم من فروضهم - التي ألزمهم الله إياها - وأَمَاناتِ عباده التي ائتمنوهم عليها، والوفاء بعهودهم التي أخذها الله عليهم، وعهود عباده عندهم. * * - ثم قال ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِم قَائِمُونَ﴾. أي: وإلا الذين هم لا يكتمون ما أشهدوا عليه، ولكن يؤدونه حيث يلزمهم أداؤه غير مبدلين ولا مغيرين. * * - ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾. أي: وإلا الذين يحافظون على أداء صلواتهم بفروضها في أوقاتها، بحدودها لا يضيعون شيئاً من ذلك ثم أخبر عن مصير هؤلاء الذين تقدمت صفتهم في الاستثناء من الإنسان الهلوع فقال: * * ﴿أُوْلَـٰئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ﴾. أي: الذين تقدمت صفتهم - من قوله: "إِلاَّ المُصَلِّينَ" - في بساتين يكرمهم الله بكرامته. * * ثم قال تعالى: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾. أي: فما شأن الذين كفروا نحوك عامدين: قال قتادة: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ "عامدين". وقال ابن زيد: المهطع "الذي [لا يطرف"]. وقال الحسن: ﴿مُهْطِعِينَ﴾: "منطلقين". وقال أبو عبيدة: مسرعين. فالمعنى: فما شأن الذين كفروا مسرعين بالتكذيب لك. وقيل: بالاستماع منك، لِيَعِيبُوكَ. * * - ثم قال ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ عِزِينَ﴾. روي عن ابن عباس (أنه قال): [العزون]: العصب من الناس عن يمين وشمال معرضين عن محمد يستهزئون به. وقال مجاهد (عزين: مجالس مجالس). قال قتادة: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ عامدين، ﴿عِزِينَ﴾ فرق حول رسول الله لا يرغبون في كتاب الله ولا في نبيه. وقال الضحاك: عزين: (حلقاً) وفرقاً. قال ابن زيد: عزين: مجالس. * * ومعنى ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ﴾ أي: عن يمينك وشمالك جماعات متفرقة في أديانهم مخالفين للإسلام. وقال الطبري: ﴿عِزِينَ﴾ متفرقين حلقاً حلقاً ومجالس مجالس، [جماعة جماعة] متفرقين عنك وعن كتاب الله. * * - ثم قال ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ * كَلاَّ﴾ [أي]: أيطمع كل إنسان منهم أن ينجو من عذاب الله فيدخل الجنة التي ينعم مَن دخلها؟! لا يكون ذلك. * * - ثم قال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾. أي: مِن مَني حقير لا يستوجب (به) دخول الجنة، إنما يستوجب دخولها بالطاعة لله. قال قتادة: ﴿مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾ من مني قذر، فَاتَّقِ الله يا ابن آدم. وقيل: هو إشارة إلى إعلامهم أنهم كسائر الخلق ليس لهم فضل بأن يؤتى كل أحد منهم ما يريد من دخول الله، بل حكم جميع الخلق ألا يدخل أحد الجنة إلا بالإيمان والعمل الصالح، وأنتم أيها المخاطبون مثل جميع الخلق خلقتم من نطفة. * * - ثم قال تعالى ﴿فَلآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ إِنَّا لَقَٰدِرُونَ * عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ خَيْراً مِّنْهُمْ﴾. "لا" زائدة، والتقدير: [أقسم برب: مشارق الشمس] وهي ثلاثمائة وستون، وبرب مغاربها، وهي ثلاثمائة وستون. * * - ﴿إِنَّا لَقَٰدِرُونَ﴾. على أن نخلق خيراً من هؤلاء المشركين ونهلكهم. - ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾: أي ما يفوتنا أحد نريد هلاكه ولا أمر نريد إتمامه. قال ابن عباس: "(إن) الشمس تطلع كل سنة في ثلاثمائة وستين كُوَّة، تطلع كل يوم في كوة لا ترجع إلى تلك الكوة إلى ذلك اليوم من العام المقبل، ولا تطلع إلا وهي كارهة، [تقول]: يا رب، لا تطلعني على عبادك، فإني أراهم يعصونك ويعملون بمعاصيك". وعن ابن عباس أيضاً في قوله: ﴿فَلآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ﴾ أنه قال: "هو مطلع الشمس ومغربها ومطلع القمر ومغربه". * * - ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ (يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ) حَتَّىٰ يُلَٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ﴾. هذا تهدد ووعيد لكفار قريش ومن كان على دينهم. أي: دع يا محمد هؤلاء المشركين - المهطعين عن اليمين وعن الشمال عزين - يخوضوا في [باطلهم] ويلعبوا في هذه الدنيا حتى يلاقوا يوم القيامة الذي وعدوا به. ثم بَيَّنَ [يومهم] الذي يوعدون فقال: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ سِرَاعاً...﴾، فهو يوم بدلٌ من "يوم" الأول. فالمعنى [فَذَرْهُمْ] يا محمد حتى يلاقوا يوم يخرجون من القبور مسرعين إلى الداعي. * * - ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾. أي: كأنهم إلى عَلَم قد نصب لهم يستبقون، [و "نَصْب" مصدر: نَصَبْتُ الشيء] نَصْباً فتأويله كأنهم إلى صنم منصوب (لهم) يسرعون ذليلين. وروي عن عاصم أنه [قرأ: ﴿نُصُبٍ﴾] بضم النون والصاد، جعله [واحداً لأنصاب]، وَهي آلهتهم التي كانوا يعبدون، كطُنُب وأطناب. وقيل: هو جمع نَصْبٍ، والنَّصْبُ: الصنم الذي ينصب لهم فيكون كرَهْن ورُهُن، وهو قول أبي عبيدة. وقيل: هو جمع نصاب، والنصاب الحجر أو الضم ينصب فيذبح عنده. وقرأ قتادة: ﴿نُصُبٍ﴾ بضم النون وإسكان الصاد فهو مخفف من "نُصُب". وقد قيل: إن نَصْباً ونُصْباً ثلاث لغات بمعنىً، كما يقال عَمْرٌو وعُمْرٌو وعُمُرٌو. فأما قوله تعالى ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] فهو جمع نصاب عند كل العلماء، وهو الذي ينصب ليذبحوا لآلهتهم عنده وقد مضى ذكره. قال: أبو العالية ﴿إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ أي: كأنهم إلى غايات يستبقون. وقال ابن عباس: إلى غايات يسعون. وقال الضحاك: إلى ("علم ينطلقون"). وقال ابن زيد: [﴿إِلَىٰ نُصُبٍ﴾]: النَّصْبُ حجارة طوال يعبدونها يسمونها نَصْباً، قال: و ﴿يُوفِضُونَ﴾: يسرعون إليه. وقال الحسن: ﴿(كَأَنَّهُمْ) إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ أي: يبْتَدِرون نصبهم أيهم يسْتلمه أول، قال: وذلك إذا طلعت الشمس لا يلوي أولهم على آخرهم. * * - وقوله: ﴿خَٰشِعَةً أَبْصَٰرُهُمْ﴾ أي: خاضعة ذليلة لما نزل بهم من الخزي والهوان. * * - ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ أي: تغشاهم ذلة. والعامل في "خاشعةً" "يخرجون" أو "ترهقهم"، * * - ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ ٱلْيَوْمُ (ٱلَّذِي) كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾. أي: هذا اليوم الذي تقدمت صفته هو اليوم الذي كانوا يوعدون به في الدنيا فلا يصدقون به.

المعارج 70:35

قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ إلى آخر السورة. أي: وإلا الذين [يحفظون] فروجهم فلا يطئون إلا أزواجهم أو مملوكاتهم فلا لوم عليهم في ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذَلِكَ﴾ أي: فمن التمس لفرجه منكحاً سوى زوجته ومملوكته فهو متعد إلى ما حرم الله عليه، ملوم على فعله. * * - ثم قال ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾. أي: وإلا الذين يحافظون على أداء أماناتهم من فروضهم - التي ألزمهم الله إياها - وأَمَاناتِ عباده التي ائتمنوهم عليها، والوفاء بعهودهم التي أخذها الله عليهم، وعهود عباده عندهم. * * - ثم قال ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِم قَائِمُونَ﴾. أي: وإلا الذين هم لا يكتمون ما أشهدوا عليه، ولكن يؤدونه حيث يلزمهم أداؤه غير مبدلين ولا مغيرين. * * - ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾. أي: وإلا الذين يحافظون على أداء صلواتهم بفروضها في أوقاتها، بحدودها لا يضيعون شيئاً من ذلك ثم أخبر عن مصير هؤلاء الذين تقدمت صفتهم في الاستثناء من الإنسان الهلوع فقال: * * ﴿أُوْلَـٰئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ﴾. أي: الذين تقدمت صفتهم - من قوله: "إِلاَّ المُصَلِّينَ" - في بساتين يكرمهم الله بكرامته. * * ثم قال تعالى: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾. أي: فما شأن الذين كفروا نحوك عامدين: قال قتادة: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ "عامدين". وقال ابن زيد: المهطع "الذي [لا يطرف"]. وقال الحسن: ﴿مُهْطِعِينَ﴾: "منطلقين". وقال أبو عبيدة: مسرعين. فالمعنى: فما شأن الذين كفروا مسرعين بالتكذيب لك. وقيل: بالاستماع منك، لِيَعِيبُوكَ. * * - ثم قال ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ عِزِينَ﴾. روي عن ابن عباس (أنه قال): [العزون]: العصب من الناس عن يمين وشمال معرضين عن محمد يستهزئون به. وقال مجاهد (عزين: مجالس مجالس). قال قتادة: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ عامدين، ﴿عِزِينَ﴾ فرق حول رسول الله لا يرغبون في كتاب الله ولا في نبيه. وقال الضحاك: عزين: (حلقاً) وفرقاً. قال ابن زيد: عزين: مجالس. * * ومعنى ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ﴾ أي: عن يمينك وشمالك جماعات متفرقة في أديانهم مخالفين للإسلام. وقال الطبري: ﴿عِزِينَ﴾ متفرقين حلقاً حلقاً ومجالس مجالس، [جماعة جماعة] متفرقين عنك وعن كتاب الله. * * - ثم قال ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ * كَلاَّ﴾ [أي]: أيطمع كل إنسان منهم أن ينجو من عذاب الله فيدخل الجنة التي ينعم مَن دخلها؟! لا يكون ذلك. * * - ثم قال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾. أي: مِن مَني حقير لا يستوجب (به) دخول الجنة، إنما يستوجب دخولها بالطاعة لله. قال قتادة: ﴿مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾ من مني قذر، فَاتَّقِ الله يا ابن آدم. وقيل: هو إشارة إلى إعلامهم أنهم كسائر الخلق ليس لهم فضل بأن يؤتى كل أحد منهم ما يريد من دخول الله، بل حكم جميع الخلق ألا يدخل أحد الجنة إلا بالإيمان والعمل الصالح، وأنتم أيها المخاطبون مثل جميع الخلق خلقتم من نطفة. * * - ثم قال تعالى ﴿فَلآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ إِنَّا لَقَٰدِرُونَ * عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ خَيْراً مِّنْهُمْ﴾. "لا" زائدة، والتقدير: [أقسم برب: مشارق الشمس] وهي ثلاثمائة وستون، وبرب مغاربها، وهي ثلاثمائة وستون. * * - ﴿إِنَّا لَقَٰدِرُونَ﴾. على أن نخلق خيراً من هؤلاء المشركين ونهلكهم. - ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾: أي ما يفوتنا أحد نريد هلاكه ولا أمر نريد إتمامه. قال ابن عباس: "(إن) الشمس تطلع كل سنة في ثلاثمائة وستين كُوَّة، تطلع كل يوم في كوة لا ترجع إلى تلك الكوة إلى ذلك اليوم من العام المقبل، ولا تطلع إلا وهي كارهة، [تقول]: يا رب، لا تطلعني على عبادك، فإني أراهم يعصونك ويعملون بمعاصيك". وعن ابن عباس أيضاً في قوله: ﴿فَلآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ﴾ أنه قال: "هو مطلع الشمس ومغربها ومطلع القمر ومغربه". * * - ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ (يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ) حَتَّىٰ يُلَٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ﴾. هذا تهدد ووعيد لكفار قريش ومن كان على دينهم. أي: دع يا محمد هؤلاء المشركين - المهطعين عن اليمين وعن الشمال عزين - يخوضوا في [باطلهم] ويلعبوا في هذه الدنيا حتى يلاقوا يوم القيامة الذي وعدوا به. ثم بَيَّنَ [يومهم] الذي يوعدون فقال: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ سِرَاعاً...﴾، فهو يوم بدلٌ من "يوم" الأول. فالمعنى [فَذَرْهُمْ] يا محمد حتى يلاقوا يوم يخرجون من القبور مسرعين إلى الداعي. * * - ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾. أي: كأنهم إلى عَلَم قد نصب لهم يستبقون، [و "نَصْب" مصدر: نَصَبْتُ الشيء] نَصْباً فتأويله كأنهم إلى صنم منصوب (لهم) يسرعون ذليلين. وروي عن عاصم أنه [قرأ: ﴿نُصُبٍ﴾] بضم النون والصاد، جعله [واحداً لأنصاب]، وَهي آلهتهم التي كانوا يعبدون، كطُنُب وأطناب. وقيل: هو جمع نَصْبٍ، والنَّصْبُ: الصنم الذي ينصب لهم فيكون كرَهْن ورُهُن، وهو قول أبي عبيدة. وقيل: هو جمع نصاب، والنصاب الحجر أو الضم ينصب فيذبح عنده. وقرأ قتادة: ﴿نُصُبٍ﴾ بضم النون وإسكان الصاد فهو مخفف من "نُصُب". وقد قيل: إن نَصْباً ونُصْباً ثلاث لغات بمعنىً، كما يقال عَمْرٌو وعُمْرٌو وعُمُرٌو. فأما قوله تعالى ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] فهو جمع نصاب عند كل العلماء، وهو الذي ينصب ليذبحوا لآلهتهم عنده وقد مضى ذكره. قال: أبو العالية ﴿إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ أي: كأنهم إلى غايات يستبقون. وقال ابن عباس: إلى غايات يسعون. وقال الضحاك: إلى ("علم ينطلقون"). وقال ابن زيد: [﴿إِلَىٰ نُصُبٍ﴾]: النَّصْبُ حجارة طوال يعبدونها يسمونها نَصْباً، قال: و ﴿يُوفِضُونَ﴾: يسرعون إليه. وقال الحسن: ﴿(كَأَنَّهُمْ) إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ أي: يبْتَدِرون نصبهم أيهم يسْتلمه أول، قال: وذلك إذا طلعت الشمس لا يلوي أولهم على آخرهم. * * - وقوله: ﴿خَٰشِعَةً أَبْصَٰرُهُمْ﴾ أي: خاضعة ذليلة لما نزل بهم من الخزي والهوان. * * - ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ أي: تغشاهم ذلة. والعامل في "خاشعةً" "يخرجون" أو "ترهقهم"، * * - ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ ٱلْيَوْمُ (ٱلَّذِي) كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾. أي: هذا اليوم الذي تقدمت صفته هو اليوم الذي كانوا يوعدون به في الدنيا فلا يصدقون به.

المعارج 70:36

قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ إلى آخر السورة. أي: وإلا الذين [يحفظون] فروجهم فلا يطئون إلا أزواجهم أو مملوكاتهم فلا لوم عليهم في ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذَلِكَ﴾ أي: فمن التمس لفرجه منكحاً سوى زوجته ومملوكته فهو متعد إلى ما حرم الله عليه، ملوم على فعله. * * - ثم قال ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾. أي: وإلا الذين يحافظون على أداء أماناتهم من فروضهم - التي ألزمهم الله إياها - وأَمَاناتِ عباده التي ائتمنوهم عليها، والوفاء بعهودهم التي أخذها الله عليهم، وعهود عباده عندهم. * * - ثم قال ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِم قَائِمُونَ﴾. أي: وإلا الذين هم لا يكتمون ما أشهدوا عليه، ولكن يؤدونه حيث يلزمهم أداؤه غير مبدلين ولا مغيرين. * * - ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾. أي: وإلا الذين يحافظون على أداء صلواتهم بفروضها في أوقاتها، بحدودها لا يضيعون شيئاً من ذلك ثم أخبر عن مصير هؤلاء الذين تقدمت صفتهم في الاستثناء من الإنسان الهلوع فقال: * * ﴿أُوْلَـٰئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ﴾. أي: الذين تقدمت صفتهم - من قوله: "إِلاَّ المُصَلِّينَ" - في بساتين يكرمهم الله بكرامته. * * ثم قال تعالى: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾. أي: فما شأن الذين كفروا نحوك عامدين: قال قتادة: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ "عامدين". وقال ابن زيد: المهطع "الذي [لا يطرف"]. وقال الحسن: ﴿مُهْطِعِينَ﴾: "منطلقين". وقال أبو عبيدة: مسرعين. فالمعنى: فما شأن الذين كفروا مسرعين بالتكذيب لك. وقيل: بالاستماع منك، لِيَعِيبُوكَ. * * - ثم قال ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ عِزِينَ﴾. روي عن ابن عباس (أنه قال): [العزون]: العصب من الناس عن يمين وشمال معرضين عن محمد يستهزئون به. وقال مجاهد (عزين: مجالس مجالس). قال قتادة: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ عامدين، ﴿عِزِينَ﴾ فرق حول رسول الله لا يرغبون في كتاب الله ولا في نبيه. وقال الضحاك: عزين: (حلقاً) وفرقاً. قال ابن زيد: عزين: مجالس. * * ومعنى ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ﴾ أي: عن يمينك وشمالك جماعات متفرقة في أديانهم مخالفين للإسلام. وقال الطبري: ﴿عِزِينَ﴾ متفرقين حلقاً حلقاً ومجالس مجالس، [جماعة جماعة] متفرقين عنك وعن كتاب الله. * * - ثم قال ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ * كَلاَّ﴾ [أي]: أيطمع كل إنسان منهم أن ينجو من عذاب الله فيدخل الجنة التي ينعم مَن دخلها؟! لا يكون ذلك. * * - ثم قال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾. أي: مِن مَني حقير لا يستوجب (به) دخول الجنة، إنما يستوجب دخولها بالطاعة لله. قال قتادة: ﴿مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾ من مني قذر، فَاتَّقِ الله يا ابن آدم. وقيل: هو إشارة إلى إعلامهم أنهم كسائر الخلق ليس لهم فضل بأن يؤتى كل أحد منهم ما يريد من دخول الله، بل حكم جميع الخلق ألا يدخل أحد الجنة إلا بالإيمان والعمل الصالح، وأنتم أيها المخاطبون مثل جميع الخلق خلقتم من نطفة. * * - ثم قال تعالى ﴿فَلآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ إِنَّا لَقَٰدِرُونَ * عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ خَيْراً مِّنْهُمْ﴾. "لا" زائدة، والتقدير: [أقسم برب: مشارق الشمس] وهي ثلاثمائة وستون، وبرب مغاربها، وهي ثلاثمائة وستون. * * - ﴿إِنَّا لَقَٰدِرُونَ﴾. على أن نخلق خيراً من هؤلاء المشركين ونهلكهم. - ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾: أي ما يفوتنا أحد نريد هلاكه ولا أمر نريد إتمامه. قال ابن عباس: "(إن) الشمس تطلع كل سنة في ثلاثمائة وستين كُوَّة، تطلع كل يوم في كوة لا ترجع إلى تلك الكوة إلى ذلك اليوم من العام المقبل، ولا تطلع إلا وهي كارهة، [تقول]: يا رب، لا تطلعني على عبادك، فإني أراهم يعصونك ويعملون بمعاصيك". وعن ابن عباس أيضاً في قوله: ﴿فَلآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ﴾ أنه قال: "هو مطلع الشمس ومغربها ومطلع القمر ومغربه". * * - ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ (يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ) حَتَّىٰ يُلَٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ﴾. هذا تهدد ووعيد لكفار قريش ومن كان على دينهم. أي: دع يا محمد هؤلاء المشركين - المهطعين عن اليمين وعن الشمال عزين - يخوضوا في [باطلهم] ويلعبوا في هذه الدنيا حتى يلاقوا يوم القيامة الذي وعدوا به. ثم بَيَّنَ [يومهم] الذي يوعدون فقال: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ سِرَاعاً...﴾، فهو يوم بدلٌ من "يوم" الأول. فالمعنى [فَذَرْهُمْ] يا محمد حتى يلاقوا يوم يخرجون من القبور مسرعين إلى الداعي. * * - ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾. أي: كأنهم إلى عَلَم قد نصب لهم يستبقون، [و "نَصْب" مصدر: نَصَبْتُ الشيء] نَصْباً فتأويله كأنهم إلى صنم منصوب (لهم) يسرعون ذليلين. وروي عن عاصم أنه [قرأ: ﴿نُصُبٍ﴾] بضم النون والصاد، جعله [واحداً لأنصاب]، وَهي آلهتهم التي كانوا يعبدون، كطُنُب وأطناب. وقيل: هو جمع نَصْبٍ، والنَّصْبُ: الصنم الذي ينصب لهم فيكون كرَهْن ورُهُن، وهو قول أبي عبيدة. وقيل: هو جمع نصاب، والنصاب الحجر أو الضم ينصب فيذبح عنده. وقرأ قتادة: ﴿نُصُبٍ﴾ بضم النون وإسكان الصاد فهو مخفف من "نُصُب". وقد قيل: إن نَصْباً ونُصْباً ثلاث لغات بمعنىً، كما يقال عَمْرٌو وعُمْرٌو وعُمُرٌو. فأما قوله تعالى ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] فهو جمع نصاب عند كل العلماء، وهو الذي ينصب ليذبحوا لآلهتهم عنده وقد مضى ذكره. قال: أبو العالية ﴿إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ أي: كأنهم إلى غايات يستبقون. وقال ابن عباس: إلى غايات يسعون. وقال الضحاك: إلى ("علم ينطلقون"). وقال ابن زيد: [﴿إِلَىٰ نُصُبٍ﴾]: النَّصْبُ حجارة طوال يعبدونها يسمونها نَصْباً، قال: و ﴿يُوفِضُونَ﴾: يسرعون إليه. وقال الحسن: ﴿(كَأَنَّهُمْ) إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ أي: يبْتَدِرون نصبهم أيهم يسْتلمه أول، قال: وذلك إذا طلعت الشمس لا يلوي أولهم على آخرهم. * * - وقوله: ﴿خَٰشِعَةً أَبْصَٰرُهُمْ﴾ أي: خاضعة ذليلة لما نزل بهم من الخزي والهوان. * * - ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ أي: تغشاهم ذلة. والعامل في "خاشعةً" "يخرجون" أو "ترهقهم"، * * - ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ ٱلْيَوْمُ (ٱلَّذِي) كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾. أي: هذا اليوم الذي تقدمت صفته هو اليوم الذي كانوا يوعدون به في الدنيا فلا يصدقون به.

المعارج 70:37

قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ إلى آخر السورة. أي: وإلا الذين [يحفظون] فروجهم فلا يطئون إلا أزواجهم أو مملوكاتهم فلا لوم عليهم في ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذَلِكَ﴾ أي: فمن التمس لفرجه منكحاً سوى زوجته ومملوكته فهو متعد إلى ما حرم الله عليه، ملوم على فعله. * * - ثم قال ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾. أي: وإلا الذين يحافظون على أداء أماناتهم من فروضهم - التي ألزمهم الله إياها - وأَمَاناتِ عباده التي ائتمنوهم عليها، والوفاء بعهودهم التي أخذها الله عليهم، وعهود عباده عندهم. * * - ثم قال ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِم قَائِمُونَ﴾. أي: وإلا الذين هم لا يكتمون ما أشهدوا عليه، ولكن يؤدونه حيث يلزمهم أداؤه غير مبدلين ولا مغيرين. * * - ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾. أي: وإلا الذين يحافظون على أداء صلواتهم بفروضها في أوقاتها، بحدودها لا يضيعون شيئاً من ذلك ثم أخبر عن مصير هؤلاء الذين تقدمت صفتهم في الاستثناء من الإنسان الهلوع فقال: * * ﴿أُوْلَـٰئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ﴾. أي: الذين تقدمت صفتهم - من قوله: "إِلاَّ المُصَلِّينَ" - في بساتين يكرمهم الله بكرامته. * * ثم قال تعالى: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾. أي: فما شأن الذين كفروا نحوك عامدين: قال قتادة: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ "عامدين". وقال ابن زيد: المهطع "الذي [لا يطرف"]. وقال الحسن: ﴿مُهْطِعِينَ﴾: "منطلقين". وقال أبو عبيدة: مسرعين. فالمعنى: فما شأن الذين كفروا مسرعين بالتكذيب لك. وقيل: بالاستماع منك، لِيَعِيبُوكَ. * * - ثم قال ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ عِزِينَ﴾. روي عن ابن عباس (أنه قال): [العزون]: العصب من الناس عن يمين وشمال معرضين عن محمد يستهزئون به. وقال مجاهد (عزين: مجالس مجالس). قال قتادة: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ عامدين، ﴿عِزِينَ﴾ فرق حول رسول الله لا يرغبون في كتاب الله ولا في نبيه. وقال الضحاك: عزين: (حلقاً) وفرقاً. قال ابن زيد: عزين: مجالس. * * ومعنى ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ﴾ أي: عن يمينك وشمالك جماعات متفرقة في أديانهم مخالفين للإسلام. وقال الطبري: ﴿عِزِينَ﴾ متفرقين حلقاً حلقاً ومجالس مجالس، [جماعة جماعة] متفرقين عنك وعن كتاب الله. * * - ثم قال ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ * كَلاَّ﴾ [أي]: أيطمع كل إنسان منهم أن ينجو من عذاب الله فيدخل الجنة التي ينعم مَن دخلها؟! لا يكون ذلك. * * - ثم قال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾. أي: مِن مَني حقير لا يستوجب (به) دخول الجنة، إنما يستوجب دخولها بالطاعة لله. قال قتادة: ﴿مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾ من مني قذر، فَاتَّقِ الله يا ابن آدم. وقيل: هو إشارة إلى إعلامهم أنهم كسائر الخلق ليس لهم فضل بأن يؤتى كل أحد منهم ما يريد من دخول الله، بل حكم جميع الخلق ألا يدخل أحد الجنة إلا بالإيمان والعمل الصالح، وأنتم أيها المخاطبون مثل جميع الخلق خلقتم من نطفة. * * - ثم قال تعالى ﴿فَلآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ إِنَّا لَقَٰدِرُونَ * عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ خَيْراً مِّنْهُمْ﴾. "لا" زائدة، والتقدير: [أقسم برب: مشارق الشمس] وهي ثلاثمائة وستون، وبرب مغاربها، وهي ثلاثمائة وستون. * * - ﴿إِنَّا لَقَٰدِرُونَ﴾. على أن نخلق خيراً من هؤلاء المشركين ونهلكهم. - ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾: أي ما يفوتنا أحد نريد هلاكه ولا أمر نريد إتمامه. قال ابن عباس: "(إن) الشمس تطلع كل سنة في ثلاثمائة وستين كُوَّة، تطلع كل يوم في كوة لا ترجع إلى تلك الكوة إلى ذلك اليوم من العام المقبل، ولا تطلع إلا وهي كارهة، [تقول]: يا رب، لا تطلعني على عبادك، فإني أراهم يعصونك ويعملون بمعاصيك". وعن ابن عباس أيضاً في قوله: ﴿فَلآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ﴾ أنه قال: "هو مطلع الشمس ومغربها ومطلع القمر ومغربه". * * - ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ (يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ) حَتَّىٰ يُلَٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ﴾. هذا تهدد ووعيد لكفار قريش ومن كان على دينهم. أي: دع يا محمد هؤلاء المشركين - المهطعين عن اليمين وعن الشمال عزين - يخوضوا في [باطلهم] ويلعبوا في هذه الدنيا حتى يلاقوا يوم القيامة الذي وعدوا به. ثم بَيَّنَ [يومهم] الذي يوعدون فقال: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ سِرَاعاً...﴾، فهو يوم بدلٌ من "يوم" الأول. فالمعنى [فَذَرْهُمْ] يا محمد حتى يلاقوا يوم يخرجون من القبور مسرعين إلى الداعي. * * - ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾. أي: كأنهم إلى عَلَم قد نصب لهم يستبقون، [و "نَصْب" مصدر: نَصَبْتُ الشيء] نَصْباً فتأويله كأنهم إلى صنم منصوب (لهم) يسرعون ذليلين. وروي عن عاصم أنه [قرأ: ﴿نُصُبٍ﴾] بضم النون والصاد، جعله [واحداً لأنصاب]، وَهي آلهتهم التي كانوا يعبدون، كطُنُب وأطناب. وقيل: هو جمع نَصْبٍ، والنَّصْبُ: الصنم الذي ينصب لهم فيكون كرَهْن ورُهُن، وهو قول أبي عبيدة. وقيل: هو جمع نصاب، والنصاب الحجر أو الضم ينصب فيذبح عنده. وقرأ قتادة: ﴿نُصُبٍ﴾ بضم النون وإسكان الصاد فهو مخفف من "نُصُب". وقد قيل: إن نَصْباً ونُصْباً ثلاث لغات بمعنىً، كما يقال عَمْرٌو وعُمْرٌو وعُمُرٌو. فأما قوله تعالى ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] فهو جمع نصاب عند كل العلماء، وهو الذي ينصب ليذبحوا لآلهتهم عنده وقد مضى ذكره. قال: أبو العالية ﴿إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ أي: كأنهم إلى غايات يستبقون. وقال ابن عباس: إلى غايات يسعون. وقال الضحاك: إلى ("علم ينطلقون"). وقال ابن زيد: [﴿إِلَىٰ نُصُبٍ﴾]: النَّصْبُ حجارة طوال يعبدونها يسمونها نَصْباً، قال: و ﴿يُوفِضُونَ﴾: يسرعون إليه. وقال الحسن: ﴿(كَأَنَّهُمْ) إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ أي: يبْتَدِرون نصبهم أيهم يسْتلمه أول، قال: وذلك إذا طلعت الشمس لا يلوي أولهم على آخرهم. * * - وقوله: ﴿خَٰشِعَةً أَبْصَٰرُهُمْ﴾ أي: خاضعة ذليلة لما نزل بهم من الخزي والهوان. * * - ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ أي: تغشاهم ذلة. والعامل في "خاشعةً" "يخرجون" أو "ترهقهم"، * * - ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ ٱلْيَوْمُ (ٱلَّذِي) كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾. أي: هذا اليوم الذي تقدمت صفته هو اليوم الذي كانوا يوعدون به في الدنيا فلا يصدقون به.

المعارج 70:38

قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ إلى آخر السورة. أي: وإلا الذين [يحفظون] فروجهم فلا يطئون إلا أزواجهم أو مملوكاتهم فلا لوم عليهم في ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذَلِكَ﴾ أي: فمن التمس لفرجه منكحاً سوى زوجته ومملوكته فهو متعد إلى ما حرم الله عليه، ملوم على فعله. * * - ثم قال ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾. أي: وإلا الذين يحافظون على أداء أماناتهم من فروضهم - التي ألزمهم الله إياها - وأَمَاناتِ عباده التي ائتمنوهم عليها، والوفاء بعهودهم التي أخذها الله عليهم، وعهود عباده عندهم. * * - ثم قال ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِم قَائِمُونَ﴾. أي: وإلا الذين هم لا يكتمون ما أشهدوا عليه، ولكن يؤدونه حيث يلزمهم أداؤه غير مبدلين ولا مغيرين. * * - ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾. أي: وإلا الذين يحافظون على أداء صلواتهم بفروضها في أوقاتها، بحدودها لا يضيعون شيئاً من ذلك ثم أخبر عن مصير هؤلاء الذين تقدمت صفتهم في الاستثناء من الإنسان الهلوع فقال: * * ﴿أُوْلَـٰئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ﴾. أي: الذين تقدمت صفتهم - من قوله: "إِلاَّ المُصَلِّينَ" - في بساتين يكرمهم الله بكرامته. * * ثم قال تعالى: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾. أي: فما شأن الذين كفروا نحوك عامدين: قال قتادة: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ "عامدين". وقال ابن زيد: المهطع "الذي [لا يطرف"]. وقال الحسن: ﴿مُهْطِعِينَ﴾: "منطلقين". وقال أبو عبيدة: مسرعين. فالمعنى: فما شأن الذين كفروا مسرعين بالتكذيب لك. وقيل: بالاستماع منك، لِيَعِيبُوكَ. * * - ثم قال ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ عِزِينَ﴾. روي عن ابن عباس (أنه قال): [العزون]: العصب من الناس عن يمين وشمال معرضين عن محمد يستهزئون به. وقال مجاهد (عزين: مجالس مجالس). قال قتادة: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ عامدين، ﴿عِزِينَ﴾ فرق حول رسول الله لا يرغبون في كتاب الله ولا في نبيه. وقال الضحاك: عزين: (حلقاً) وفرقاً. قال ابن زيد: عزين: مجالس. * * ومعنى ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ﴾ أي: عن يمينك وشمالك جماعات متفرقة في أديانهم مخالفين للإسلام. وقال الطبري: ﴿عِزِينَ﴾ متفرقين حلقاً حلقاً ومجالس مجالس، [جماعة جماعة] متفرقين عنك وعن كتاب الله. * * - ثم قال ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ * كَلاَّ﴾ [أي]: أيطمع كل إنسان منهم أن ينجو من عذاب الله فيدخل الجنة التي ينعم مَن دخلها؟! لا يكون ذلك. * * - ثم قال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾. أي: مِن مَني حقير لا يستوجب (به) دخول الجنة، إنما يستوجب دخولها بالطاعة لله. قال قتادة: ﴿مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾ من مني قذر، فَاتَّقِ الله يا ابن آدم. وقيل: هو إشارة إلى إعلامهم أنهم كسائر الخلق ليس لهم فضل بأن يؤتى كل أحد منهم ما يريد من دخول الله، بل حكم جميع الخلق ألا يدخل أحد الجنة إلا بالإيمان والعمل الصالح، وأنتم أيها المخاطبون مثل جميع الخلق خلقتم من نطفة. * * - ثم قال تعالى ﴿فَلآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ إِنَّا لَقَٰدِرُونَ * عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ خَيْراً مِّنْهُمْ﴾. "لا" زائدة، والتقدير: [أقسم برب: مشارق الشمس] وهي ثلاثمائة وستون، وبرب مغاربها، وهي ثلاثمائة وستون. * * - ﴿إِنَّا لَقَٰدِرُونَ﴾. على أن نخلق خيراً من هؤلاء المشركين ونهلكهم. - ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾: أي ما يفوتنا أحد نريد هلاكه ولا أمر نريد إتمامه. قال ابن عباس: "(إن) الشمس تطلع كل سنة في ثلاثمائة وستين كُوَّة، تطلع كل يوم في كوة لا ترجع إلى تلك الكوة إلى ذلك اليوم من العام المقبل، ولا تطلع إلا وهي كارهة، [تقول]: يا رب، لا تطلعني على عبادك، فإني أراهم يعصونك ويعملون بمعاصيك". وعن ابن عباس أيضاً في قوله: ﴿فَلآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ﴾ أنه قال: "هو مطلع الشمس ومغربها ومطلع القمر ومغربه". * * - ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ (يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ) حَتَّىٰ يُلَٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ﴾. هذا تهدد ووعيد لكفار قريش ومن كان على دينهم. أي: دع يا محمد هؤلاء المشركين - المهطعين عن اليمين وعن الشمال عزين - يخوضوا في [باطلهم] ويلعبوا في هذه الدنيا حتى يلاقوا يوم القيامة الذي وعدوا به. ثم بَيَّنَ [يومهم] الذي يوعدون فقال: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ سِرَاعاً...﴾، فهو يوم بدلٌ من "يوم" الأول. فالمعنى [فَذَرْهُمْ] يا محمد حتى يلاقوا يوم يخرجون من القبور مسرعين إلى الداعي. * * - ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾. أي: كأنهم إلى عَلَم قد نصب لهم يستبقون، [و "نَصْب" مصدر: نَصَبْتُ الشيء] نَصْباً فتأويله كأنهم إلى صنم منصوب (لهم) يسرعون ذليلين. وروي عن عاصم أنه [قرأ: ﴿نُصُبٍ﴾] بضم النون والصاد، جعله [واحداً لأنصاب]، وَهي آلهتهم التي كانوا يعبدون، كطُنُب وأطناب. وقيل: هو جمع نَصْبٍ، والنَّصْبُ: الصنم الذي ينصب لهم فيكون كرَهْن ورُهُن، وهو قول أبي عبيدة. وقيل: هو جمع نصاب، والنصاب الحجر أو الضم ينصب فيذبح عنده. وقرأ قتادة: ﴿نُصُبٍ﴾ بضم النون وإسكان الصاد فهو مخفف من "نُصُب". وقد قيل: إن نَصْباً ونُصْباً ثلاث لغات بمعنىً، كما يقال عَمْرٌو وعُمْرٌو وعُمُرٌو. فأما قوله تعالى ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] فهو جمع نصاب عند كل العلماء، وهو الذي ينصب ليذبحوا لآلهتهم عنده وقد مضى ذكره. قال: أبو العالية ﴿إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ أي: كأنهم إلى غايات يستبقون. وقال ابن عباس: إلى غايات يسعون. وقال الضحاك: إلى ("علم ينطلقون"). وقال ابن زيد: [﴿إِلَىٰ نُصُبٍ﴾]: النَّصْبُ حجارة طوال يعبدونها يسمونها نَصْباً، قال: و ﴿يُوفِضُونَ﴾: يسرعون إليه. وقال الحسن: ﴿(كَأَنَّهُمْ) إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ أي: يبْتَدِرون نصبهم أيهم يسْتلمه أول، قال: وذلك إذا طلعت الشمس لا يلوي أولهم على آخرهم. * * - وقوله: ﴿خَٰشِعَةً أَبْصَٰرُهُمْ﴾ أي: خاضعة ذليلة لما نزل بهم من الخزي والهوان. * * - ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ أي: تغشاهم ذلة. والعامل في "خاشعةً" "يخرجون" أو "ترهقهم"، * * - ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ ٱلْيَوْمُ (ٱلَّذِي) كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾. أي: هذا اليوم الذي تقدمت صفته هو اليوم الذي كانوا يوعدون به في الدنيا فلا يصدقون به.

المعارج 70:39

قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ إلى آخر السورة. أي: وإلا الذين [يحفظون] فروجهم فلا يطئون إلا أزواجهم أو مملوكاتهم فلا لوم عليهم في ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذَلِكَ﴾ أي: فمن التمس لفرجه منكحاً سوى زوجته ومملوكته فهو متعد إلى ما حرم الله عليه، ملوم على فعله. * * - ثم قال ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾. أي: وإلا الذين يحافظون على أداء أماناتهم من فروضهم - التي ألزمهم الله إياها - وأَمَاناتِ عباده التي ائتمنوهم عليها، والوفاء بعهودهم التي أخذها الله عليهم، وعهود عباده عندهم. * * - ثم قال ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِم قَائِمُونَ﴾. أي: وإلا الذين هم لا يكتمون ما أشهدوا عليه، ولكن يؤدونه حيث يلزمهم أداؤه غير مبدلين ولا مغيرين. * * - ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾. أي: وإلا الذين يحافظون على أداء صلواتهم بفروضها في أوقاتها، بحدودها لا يضيعون شيئاً من ذلك ثم أخبر عن مصير هؤلاء الذين تقدمت صفتهم في الاستثناء من الإنسان الهلوع فقال: * * ﴿أُوْلَـٰئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ﴾. أي: الذين تقدمت صفتهم - من قوله: "إِلاَّ المُصَلِّينَ" - في بساتين يكرمهم الله بكرامته. * * ثم قال تعالى: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾. أي: فما شأن الذين كفروا نحوك عامدين: قال قتادة: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ "عامدين". وقال ابن زيد: المهطع "الذي [لا يطرف"]. وقال الحسن: ﴿مُهْطِعِينَ﴾: "منطلقين". وقال أبو عبيدة: مسرعين. فالمعنى: فما شأن الذين كفروا مسرعين بالتكذيب لك. وقيل: بالاستماع منك، لِيَعِيبُوكَ. * * - ثم قال ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ عِزِينَ﴾. روي عن ابن عباس (أنه قال): [العزون]: العصب من الناس عن يمين وشمال معرضين عن محمد يستهزئون به. وقال مجاهد (عزين: مجالس مجالس). قال قتادة: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ عامدين، ﴿عِزِينَ﴾ فرق حول رسول الله لا يرغبون في كتاب الله ولا في نبيه. وقال الضحاك: عزين: (حلقاً) وفرقاً. قال ابن زيد: عزين: مجالس. * * ومعنى ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ﴾ أي: عن يمينك وشمالك جماعات متفرقة في أديانهم مخالفين للإسلام. وقال الطبري: ﴿عِزِينَ﴾ متفرقين حلقاً حلقاً ومجالس مجالس، [جماعة جماعة] متفرقين عنك وعن كتاب الله. * * - ثم قال ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ * كَلاَّ﴾ [أي]: أيطمع كل إنسان منهم أن ينجو من عذاب الله فيدخل الجنة التي ينعم مَن دخلها؟! لا يكون ذلك. * * - ثم قال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾. أي: مِن مَني حقير لا يستوجب (به) دخول الجنة، إنما يستوجب دخولها بالطاعة لله. قال قتادة: ﴿مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾ من مني قذر، فَاتَّقِ الله يا ابن آدم. وقيل: هو إشارة إلى إعلامهم أنهم كسائر الخلق ليس لهم فضل بأن يؤتى كل أحد منهم ما يريد من دخول الله، بل حكم جميع الخلق ألا يدخل أحد الجنة إلا بالإيمان والعمل الصالح، وأنتم أيها المخاطبون مثل جميع الخلق خلقتم من نطفة. * * - ثم قال تعالى ﴿فَلآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ إِنَّا لَقَٰدِرُونَ * عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ خَيْراً مِّنْهُمْ﴾. "لا" زائدة، والتقدير: [أقسم برب: مشارق الشمس] وهي ثلاثمائة وستون، وبرب مغاربها، وهي ثلاثمائة وستون. * * - ﴿إِنَّا لَقَٰدِرُونَ﴾. على أن نخلق خيراً من هؤلاء المشركين ونهلكهم. - ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾: أي ما يفوتنا أحد نريد هلاكه ولا أمر نريد إتمامه. قال ابن عباس: "(إن) الشمس تطلع كل سنة في ثلاثمائة وستين كُوَّة، تطلع كل يوم في كوة لا ترجع إلى تلك الكوة إلى ذلك اليوم من العام المقبل، ولا تطلع إلا وهي كارهة، [تقول]: يا رب، لا تطلعني على عبادك، فإني أراهم يعصونك ويعملون بمعاصيك". وعن ابن عباس أيضاً في قوله: ﴿فَلآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ﴾ أنه قال: "هو مطلع الشمس ومغربها ومطلع القمر ومغربه". * * - ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ (يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ) حَتَّىٰ يُلَٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ﴾. هذا تهدد ووعيد لكفار قريش ومن كان على دينهم. أي: دع يا محمد هؤلاء المشركين - المهطعين عن اليمين وعن الشمال عزين - يخوضوا في [باطلهم] ويلعبوا في هذه الدنيا حتى يلاقوا يوم القيامة الذي وعدوا به. ثم بَيَّنَ [يومهم] الذي يوعدون فقال: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ سِرَاعاً...﴾، فهو يوم بدلٌ من "يوم" الأول. فالمعنى [فَذَرْهُمْ] يا محمد حتى يلاقوا يوم يخرجون من القبور مسرعين إلى الداعي. * * - ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾. أي: كأنهم إلى عَلَم قد نصب لهم يستبقون، [و "نَصْب" مصدر: نَصَبْتُ الشيء] نَصْباً فتأويله كأنهم إلى صنم منصوب (لهم) يسرعون ذليلين. وروي عن عاصم أنه [قرأ: ﴿نُصُبٍ﴾] بضم النون والصاد، جعله [واحداً لأنصاب]، وَهي آلهتهم التي كانوا يعبدون، كطُنُب وأطناب. وقيل: هو جمع نَصْبٍ، والنَّصْبُ: الصنم الذي ينصب لهم فيكون كرَهْن ورُهُن، وهو قول أبي عبيدة. وقيل: هو جمع نصاب، والنصاب الحجر أو الضم ينصب فيذبح عنده. وقرأ قتادة: ﴿نُصُبٍ﴾ بضم النون وإسكان الصاد فهو مخفف من "نُصُب". وقد قيل: إن نَصْباً ونُصْباً ثلاث لغات بمعنىً، كما يقال عَمْرٌو وعُمْرٌو وعُمُرٌو. فأما قوله تعالى ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] فهو جمع نصاب عند كل العلماء، وهو الذي ينصب ليذبحوا لآلهتهم عنده وقد مضى ذكره. قال: أبو العالية ﴿إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ أي: كأنهم إلى غايات يستبقون. وقال ابن عباس: إلى غايات يسعون. وقال الضحاك: إلى ("علم ينطلقون"). وقال ابن زيد: [﴿إِلَىٰ نُصُبٍ﴾]: النَّصْبُ حجارة طوال يعبدونها يسمونها نَصْباً، قال: و ﴿يُوفِضُونَ﴾: يسرعون إليه. وقال الحسن: ﴿(كَأَنَّهُمْ) إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ أي: يبْتَدِرون نصبهم أيهم يسْتلمه أول، قال: وذلك إذا طلعت الشمس لا يلوي أولهم على آخرهم. * * - وقوله: ﴿خَٰشِعَةً أَبْصَٰرُهُمْ﴾ أي: خاضعة ذليلة لما نزل بهم من الخزي والهوان. * * - ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ أي: تغشاهم ذلة. والعامل في "خاشعةً" "يخرجون" أو "ترهقهم"، * * - ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ ٱلْيَوْمُ (ٱلَّذِي) كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾. أي: هذا اليوم الذي تقدمت صفته هو اليوم الذي كانوا يوعدون به في الدنيا فلا يصدقون به.

المعارج 70:40

قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ إلى آخر السورة. أي: وإلا الذين [يحفظون] فروجهم فلا يطئون إلا أزواجهم أو مملوكاتهم فلا لوم عليهم في ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذَلِكَ﴾ أي: فمن التمس لفرجه منكحاً سوى زوجته ومملوكته فهو متعد إلى ما حرم الله عليه، ملوم على فعله. * * - ثم قال ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾. أي: وإلا الذين يحافظون على أداء أماناتهم من فروضهم - التي ألزمهم الله إياها - وأَمَاناتِ عباده التي ائتمنوهم عليها، والوفاء بعهودهم التي أخذها الله عليهم، وعهود عباده عندهم. * * - ثم قال ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِم قَائِمُونَ﴾. أي: وإلا الذين هم لا يكتمون ما أشهدوا عليه، ولكن يؤدونه حيث يلزمهم أداؤه غير مبدلين ولا مغيرين. * * - ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾. أي: وإلا الذين يحافظون على أداء صلواتهم بفروضها في أوقاتها، بحدودها لا يضيعون شيئاً من ذلك ثم أخبر عن مصير هؤلاء الذين تقدمت صفتهم في الاستثناء من الإنسان الهلوع فقال: * * ﴿أُوْلَـٰئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ﴾. أي: الذين تقدمت صفتهم - من قوله: "إِلاَّ المُصَلِّينَ" - في بساتين يكرمهم الله بكرامته. * * ثم قال تعالى: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾. أي: فما شأن الذين كفروا نحوك عامدين: قال قتادة: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ "عامدين". وقال ابن زيد: المهطع "الذي [لا يطرف"]. وقال الحسن: ﴿مُهْطِعِينَ﴾: "منطلقين". وقال أبو عبيدة: مسرعين. فالمعنى: فما شأن الذين كفروا مسرعين بالتكذيب لك. وقيل: بالاستماع منك، لِيَعِيبُوكَ. * * - ثم قال ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ عِزِينَ﴾. روي عن ابن عباس (أنه قال): [العزون]: العصب من الناس عن يمين وشمال معرضين عن محمد يستهزئون به. وقال مجاهد (عزين: مجالس مجالس). قال قتادة: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ عامدين، ﴿عِزِينَ﴾ فرق حول رسول الله لا يرغبون في كتاب الله ولا في نبيه. وقال الضحاك: عزين: (حلقاً) وفرقاً. قال ابن زيد: عزين: مجالس. * * ومعنى ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ﴾ أي: عن يمينك وشمالك جماعات متفرقة في أديانهم مخالفين للإسلام. وقال الطبري: ﴿عِزِينَ﴾ متفرقين حلقاً حلقاً ومجالس مجالس، [جماعة جماعة] متفرقين عنك وعن كتاب الله. * * - ثم قال ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ * كَلاَّ﴾ [أي]: أيطمع كل إنسان منهم أن ينجو من عذاب الله فيدخل الجنة التي ينعم مَن دخلها؟! لا يكون ذلك. * * - ثم قال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾. أي: مِن مَني حقير لا يستوجب (به) دخول الجنة، إنما يستوجب دخولها بالطاعة لله. قال قتادة: ﴿مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾ من مني قذر، فَاتَّقِ الله يا ابن آدم. وقيل: هو إشارة إلى إعلامهم أنهم كسائر الخلق ليس لهم فضل بأن يؤتى كل أحد منهم ما يريد من دخول الله، بل حكم جميع الخلق ألا يدخل أحد الجنة إلا بالإيمان والعمل الصالح، وأنتم أيها المخاطبون مثل جميع الخلق خلقتم من نطفة. * * - ثم قال تعالى ﴿فَلآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ إِنَّا لَقَٰدِرُونَ * عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ خَيْراً مِّنْهُمْ﴾. "لا" زائدة، والتقدير: [أقسم برب: مشارق الشمس] وهي ثلاثمائة وستون، وبرب مغاربها، وهي ثلاثمائة وستون. * * - ﴿إِنَّا لَقَٰدِرُونَ﴾. على أن نخلق خيراً من هؤلاء المشركين ونهلكهم. - ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾: أي ما يفوتنا أحد نريد هلاكه ولا أمر نريد إتمامه. قال ابن عباس: "(إن) الشمس تطلع كل سنة في ثلاثمائة وستين كُوَّة، تطلع كل يوم في كوة لا ترجع إلى تلك الكوة إلى ذلك اليوم من العام المقبل، ولا تطلع إلا وهي كارهة، [تقول]: يا رب، لا تطلعني على عبادك، فإني أراهم يعصونك ويعملون بمعاصيك". وعن ابن عباس أيضاً في قوله: ﴿فَلآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ﴾ أنه قال: "هو مطلع الشمس ومغربها ومطلع القمر ومغربه". * * - ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ (يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ) حَتَّىٰ يُلَٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ﴾. هذا تهدد ووعيد لكفار قريش ومن كان على دينهم. أي: دع يا محمد هؤلاء المشركين - المهطعين عن اليمين وعن الشمال عزين - يخوضوا في [باطلهم] ويلعبوا في هذه الدنيا حتى يلاقوا يوم القيامة الذي وعدوا به. ثم بَيَّنَ [يومهم] الذي يوعدون فقال: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ سِرَاعاً...﴾، فهو يوم بدلٌ من "يوم" الأول. فالمعنى [فَذَرْهُمْ] يا محمد حتى يلاقوا يوم يخرجون من القبور مسرعين إلى الداعي. * * - ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾. أي: كأنهم إلى عَلَم قد نصب لهم يستبقون، [و "نَصْب" مصدر: نَصَبْتُ الشيء] نَصْباً فتأويله كأنهم إلى صنم منصوب (لهم) يسرعون ذليلين. وروي عن عاصم أنه [قرأ: ﴿نُصُبٍ﴾] بضم النون والصاد، جعله [واحداً لأنصاب]، وَهي آلهتهم التي كانوا يعبدون، كطُنُب وأطناب. وقيل: هو جمع نَصْبٍ، والنَّصْبُ: الصنم الذي ينصب لهم فيكون كرَهْن ورُهُن، وهو قول أبي عبيدة. وقيل: هو جمع نصاب، والنصاب الحجر أو الضم ينصب فيذبح عنده. وقرأ قتادة: ﴿نُصُبٍ﴾ بضم النون وإسكان الصاد فهو مخفف من "نُصُب". وقد قيل: إن نَصْباً ونُصْباً ثلاث لغات بمعنىً، كما يقال عَمْرٌو وعُمْرٌو وعُمُرٌو. فأما قوله تعالى ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] فهو جمع نصاب عند كل العلماء، وهو الذي ينصب ليذبحوا لآلهتهم عنده وقد مضى ذكره. قال: أبو العالية ﴿إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ أي: كأنهم إلى غايات يستبقون. وقال ابن عباس: إلى غايات يسعون. وقال الضحاك: إلى ("علم ينطلقون"). وقال ابن زيد: [﴿إِلَىٰ نُصُبٍ﴾]: النَّصْبُ حجارة طوال يعبدونها يسمونها نَصْباً، قال: و ﴿يُوفِضُونَ﴾: يسرعون إليه. وقال الحسن: ﴿(كَأَنَّهُمْ) إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ أي: يبْتَدِرون نصبهم أيهم يسْتلمه أول، قال: وذلك إذا طلعت الشمس لا يلوي أولهم على آخرهم. * * - وقوله: ﴿خَٰشِعَةً أَبْصَٰرُهُمْ﴾ أي: خاضعة ذليلة لما نزل بهم من الخزي والهوان. * * - ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ أي: تغشاهم ذلة. والعامل في "خاشعةً" "يخرجون" أو "ترهقهم"، * * - ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ ٱلْيَوْمُ (ٱلَّذِي) كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾. أي: هذا اليوم الذي تقدمت صفته هو اليوم الذي كانوا يوعدون به في الدنيا فلا يصدقون به.

المعارج 70:41

قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ إلى آخر السورة. أي: وإلا الذين [يحفظون] فروجهم فلا يطئون إلا أزواجهم أو مملوكاتهم فلا لوم عليهم في ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذَلِكَ﴾ أي: فمن التمس لفرجه منكحاً سوى زوجته ومملوكته فهو متعد إلى ما حرم الله عليه، ملوم على فعله. * * - ثم قال ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾. أي: وإلا الذين يحافظون على أداء أماناتهم من فروضهم - التي ألزمهم الله إياها - وأَمَاناتِ عباده التي ائتمنوهم عليها، والوفاء بعهودهم التي أخذها الله عليهم، وعهود عباده عندهم. * * - ثم قال ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِم قَائِمُونَ﴾. أي: وإلا الذين هم لا يكتمون ما أشهدوا عليه، ولكن يؤدونه حيث يلزمهم أداؤه غير مبدلين ولا مغيرين. * * - ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾. أي: وإلا الذين يحافظون على أداء صلواتهم بفروضها في أوقاتها، بحدودها لا يضيعون شيئاً من ذلك ثم أخبر عن مصير هؤلاء الذين تقدمت صفتهم في الاستثناء من الإنسان الهلوع فقال: * * ﴿أُوْلَـٰئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ﴾. أي: الذين تقدمت صفتهم - من قوله: "إِلاَّ المُصَلِّينَ" - في بساتين يكرمهم الله بكرامته. * * ثم قال تعالى: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾. أي: فما شأن الذين كفروا نحوك عامدين: قال قتادة: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ "عامدين". وقال ابن زيد: المهطع "الذي [لا يطرف"]. وقال الحسن: ﴿مُهْطِعِينَ﴾: "منطلقين". وقال أبو عبيدة: مسرعين. فالمعنى: فما شأن الذين كفروا مسرعين بالتكذيب لك. وقيل: بالاستماع منك، لِيَعِيبُوكَ. * * - ثم قال ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ عِزِينَ﴾. روي عن ابن عباس (أنه قال): [العزون]: العصب من الناس عن يمين وشمال معرضين عن محمد يستهزئون به. وقال مجاهد (عزين: مجالس مجالس). قال قتادة: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ عامدين، ﴿عِزِينَ﴾ فرق حول رسول الله لا يرغبون في كتاب الله ولا في نبيه. وقال الضحاك: عزين: (حلقاً) وفرقاً. قال ابن زيد: عزين: مجالس. * * ومعنى ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ﴾ أي: عن يمينك وشمالك جماعات متفرقة في أديانهم مخالفين للإسلام. وقال الطبري: ﴿عِزِينَ﴾ متفرقين حلقاً حلقاً ومجالس مجالس، [جماعة جماعة] متفرقين عنك وعن كتاب الله. * * - ثم قال ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ * كَلاَّ﴾ [أي]: أيطمع كل إنسان منهم أن ينجو من عذاب الله فيدخل الجنة التي ينعم مَن دخلها؟! لا يكون ذلك. * * - ثم قال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾. أي: مِن مَني حقير لا يستوجب (به) دخول الجنة، إنما يستوجب دخولها بالطاعة لله. قال قتادة: ﴿مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾ من مني قذر، فَاتَّقِ الله يا ابن آدم. وقيل: هو إشارة إلى إعلامهم أنهم كسائر الخلق ليس لهم فضل بأن يؤتى كل أحد منهم ما يريد من دخول الله، بل حكم جميع الخلق ألا يدخل أحد الجنة إلا بالإيمان والعمل الصالح، وأنتم أيها المخاطبون مثل جميع الخلق خلقتم من نطفة. * * - ثم قال تعالى ﴿فَلآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ إِنَّا لَقَٰدِرُونَ * عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ خَيْراً مِّنْهُمْ﴾. "لا" زائدة، والتقدير: [أقسم برب: مشارق الشمس] وهي ثلاثمائة وستون، وبرب مغاربها، وهي ثلاثمائة وستون. * * - ﴿إِنَّا لَقَٰدِرُونَ﴾. على أن نخلق خيراً من هؤلاء المشركين ونهلكهم. - ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾: أي ما يفوتنا أحد نريد هلاكه ولا أمر نريد إتمامه. قال ابن عباس: "(إن) الشمس تطلع كل سنة في ثلاثمائة وستين كُوَّة، تطلع كل يوم في كوة لا ترجع إلى تلك الكوة إلى ذلك اليوم من العام المقبل، ولا تطلع إلا وهي كارهة، [تقول]: يا رب، لا تطلعني على عبادك، فإني أراهم يعصونك ويعملون بمعاصيك". وعن ابن عباس أيضاً في قوله: ﴿فَلآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ﴾ أنه قال: "هو مطلع الشمس ومغربها ومطلع القمر ومغربه". * * - ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ (يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ) حَتَّىٰ يُلَٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ﴾. هذا تهدد ووعيد لكفار قريش ومن كان على دينهم. أي: دع يا محمد هؤلاء المشركين - المهطعين عن اليمين وعن الشمال عزين - يخوضوا في [باطلهم] ويلعبوا في هذه الدنيا حتى يلاقوا يوم القيامة الذي وعدوا به. ثم بَيَّنَ [يومهم] الذي يوعدون فقال: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ سِرَاعاً...﴾، فهو يوم بدلٌ من "يوم" الأول. فالمعنى [فَذَرْهُمْ] يا محمد حتى يلاقوا يوم يخرجون من القبور مسرعين إلى الداعي. * * - ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾. أي: كأنهم إلى عَلَم قد نصب لهم يستبقون، [و "نَصْب" مصدر: نَصَبْتُ الشيء] نَصْباً فتأويله كأنهم إلى صنم منصوب (لهم) يسرعون ذليلين. وروي عن عاصم أنه [قرأ: ﴿نُصُبٍ﴾] بضم النون والصاد، جعله [واحداً لأنصاب]، وَهي آلهتهم التي كانوا يعبدون، كطُنُب وأطناب. وقيل: هو جمع نَصْبٍ، والنَّصْبُ: الصنم الذي ينصب لهم فيكون كرَهْن ورُهُن، وهو قول أبي عبيدة. وقيل: هو جمع نصاب، والنصاب الحجر أو الضم ينصب فيذبح عنده. وقرأ قتادة: ﴿نُصُبٍ﴾ بضم النون وإسكان الصاد فهو مخفف من "نُصُب". وقد قيل: إن نَصْباً ونُصْباً ثلاث لغات بمعنىً، كما يقال عَمْرٌو وعُمْرٌو وعُمُرٌو. فأما قوله تعالى ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] فهو جمع نصاب عند كل العلماء، وهو الذي ينصب ليذبحوا لآلهتهم عنده وقد مضى ذكره. قال: أبو العالية ﴿إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ أي: كأنهم إلى غايات يستبقون. وقال ابن عباس: إلى غايات يسعون. وقال الضحاك: إلى ("علم ينطلقون"). وقال ابن زيد: [﴿إِلَىٰ نُصُبٍ﴾]: النَّصْبُ حجارة طوال يعبدونها يسمونها نَصْباً، قال: و ﴿يُوفِضُونَ﴾: يسرعون إليه. وقال الحسن: ﴿(كَأَنَّهُمْ) إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ أي: يبْتَدِرون نصبهم أيهم يسْتلمه أول، قال: وذلك إذا طلعت الشمس لا يلوي أولهم على آخرهم. * * - وقوله: ﴿خَٰشِعَةً أَبْصَٰرُهُمْ﴾ أي: خاضعة ذليلة لما نزل بهم من الخزي والهوان. * * - ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ أي: تغشاهم ذلة. والعامل في "خاشعةً" "يخرجون" أو "ترهقهم"، * * - ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ ٱلْيَوْمُ (ٱلَّذِي) كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾. أي: هذا اليوم الذي تقدمت صفته هو اليوم الذي كانوا يوعدون به في الدنيا فلا يصدقون به.

المعارج 70:42

قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ إلى آخر السورة. أي: وإلا الذين [يحفظون] فروجهم فلا يطئون إلا أزواجهم أو مملوكاتهم فلا لوم عليهم في ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذَلِكَ﴾ أي: فمن التمس لفرجه منكحاً سوى زوجته ومملوكته فهو متعد إلى ما حرم الله عليه، ملوم على فعله. * * - ثم قال ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾. أي: وإلا الذين يحافظون على أداء أماناتهم من فروضهم - التي ألزمهم الله إياها - وأَمَاناتِ عباده التي ائتمنوهم عليها، والوفاء بعهودهم التي أخذها الله عليهم، وعهود عباده عندهم. * * - ثم قال ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِم قَائِمُونَ﴾. أي: وإلا الذين هم لا يكتمون ما أشهدوا عليه، ولكن يؤدونه حيث يلزمهم أداؤه غير مبدلين ولا مغيرين. * * - ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾. أي: وإلا الذين يحافظون على أداء صلواتهم بفروضها في أوقاتها، بحدودها لا يضيعون شيئاً من ذلك ثم أخبر عن مصير هؤلاء الذين تقدمت صفتهم في الاستثناء من الإنسان الهلوع فقال: * * ﴿أُوْلَـٰئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ﴾. أي: الذين تقدمت صفتهم - من قوله: "إِلاَّ المُصَلِّينَ" - في بساتين يكرمهم الله بكرامته. * * ثم قال تعالى: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾. أي: فما شأن الذين كفروا نحوك عامدين: قال قتادة: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ "عامدين". وقال ابن زيد: المهطع "الذي [لا يطرف"]. وقال الحسن: ﴿مُهْطِعِينَ﴾: "منطلقين". وقال أبو عبيدة: مسرعين. فالمعنى: فما شأن الذين كفروا مسرعين بالتكذيب لك. وقيل: بالاستماع منك، لِيَعِيبُوكَ. * * - ثم قال ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ عِزِينَ﴾. روي عن ابن عباس (أنه قال): [العزون]: العصب من الناس عن يمين وشمال معرضين عن محمد يستهزئون به. وقال مجاهد (عزين: مجالس مجالس). قال قتادة: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ عامدين، ﴿عِزِينَ﴾ فرق حول رسول الله لا يرغبون في كتاب الله ولا في نبيه. وقال الضحاك: عزين: (حلقاً) وفرقاً. قال ابن زيد: عزين: مجالس. * * ومعنى ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ﴾ أي: عن يمينك وشمالك جماعات متفرقة في أديانهم مخالفين للإسلام. وقال الطبري: ﴿عِزِينَ﴾ متفرقين حلقاً حلقاً ومجالس مجالس، [جماعة جماعة] متفرقين عنك وعن كتاب الله. * * - ثم قال ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ * كَلاَّ﴾ [أي]: أيطمع كل إنسان منهم أن ينجو من عذاب الله فيدخل الجنة التي ينعم مَن دخلها؟! لا يكون ذلك. * * - ثم قال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾. أي: مِن مَني حقير لا يستوجب (به) دخول الجنة، إنما يستوجب دخولها بالطاعة لله. قال قتادة: ﴿مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾ من مني قذر، فَاتَّقِ الله يا ابن آدم. وقيل: هو إشارة إلى إعلامهم أنهم كسائر الخلق ليس لهم فضل بأن يؤتى كل أحد منهم ما يريد من دخول الله، بل حكم جميع الخلق ألا يدخل أحد الجنة إلا بالإيمان والعمل الصالح، وأنتم أيها المخاطبون مثل جميع الخلق خلقتم من نطفة. * * - ثم قال تعالى ﴿فَلآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ إِنَّا لَقَٰدِرُونَ * عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ خَيْراً مِّنْهُمْ﴾. "لا" زائدة، والتقدير: [أقسم برب: مشارق الشمس] وهي ثلاثمائة وستون، وبرب مغاربها، وهي ثلاثمائة وستون. * * - ﴿إِنَّا لَقَٰدِرُونَ﴾. على أن نخلق خيراً من هؤلاء المشركين ونهلكهم. - ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾: أي ما يفوتنا أحد نريد هلاكه ولا أمر نريد إتمامه. قال ابن عباس: "(إن) الشمس تطلع كل سنة في ثلاثمائة وستين كُوَّة، تطلع كل يوم في كوة لا ترجع إلى تلك الكوة إلى ذلك اليوم من العام المقبل، ولا تطلع إلا وهي كارهة، [تقول]: يا رب، لا تطلعني على عبادك، فإني أراهم يعصونك ويعملون بمعاصيك". وعن ابن عباس أيضاً في قوله: ﴿فَلآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ﴾ أنه قال: "هو مطلع الشمس ومغربها ومطلع القمر ومغربه". * * - ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ (يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ) حَتَّىٰ يُلَٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ﴾. هذا تهدد ووعيد لكفار قريش ومن كان على دينهم. أي: دع يا محمد هؤلاء المشركين - المهطعين عن اليمين وعن الشمال عزين - يخوضوا في [باطلهم] ويلعبوا في هذه الدنيا حتى يلاقوا يوم القيامة الذي وعدوا به. ثم بَيَّنَ [يومهم] الذي يوعدون فقال: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ سِرَاعاً...﴾، فهو يوم بدلٌ من "يوم" الأول. فالمعنى [فَذَرْهُمْ] يا محمد حتى يلاقوا يوم يخرجون من القبور مسرعين إلى الداعي. * * - ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾. أي: كأنهم إلى عَلَم قد نصب لهم يستبقون، [و "نَصْب" مصدر: نَصَبْتُ الشيء] نَصْباً فتأويله كأنهم إلى صنم منصوب (لهم) يسرعون ذليلين. وروي عن عاصم أنه [قرأ: ﴿نُصُبٍ﴾] بضم النون والصاد، جعله [واحداً لأنصاب]، وَهي آلهتهم التي كانوا يعبدون، كطُنُب وأطناب. وقيل: هو جمع نَصْبٍ، والنَّصْبُ: الصنم الذي ينصب لهم فيكون كرَهْن ورُهُن، وهو قول أبي عبيدة. وقيل: هو جمع نصاب، والنصاب الحجر أو الضم ينصب فيذبح عنده. وقرأ قتادة: ﴿نُصُبٍ﴾ بضم النون وإسكان الصاد فهو مخفف من "نُصُب". وقد قيل: إن نَصْباً ونُصْباً ثلاث لغات بمعنىً، كما يقال عَمْرٌو وعُمْرٌو وعُمُرٌو. فأما قوله تعالى ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] فهو جمع نصاب عند كل العلماء، وهو الذي ينصب ليذبحوا لآلهتهم عنده وقد مضى ذكره. قال: أبو العالية ﴿إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ أي: كأنهم إلى غايات يستبقون. وقال ابن عباس: إلى غايات يسعون. وقال الضحاك: إلى ("علم ينطلقون"). وقال ابن زيد: [﴿إِلَىٰ نُصُبٍ﴾]: النَّصْبُ حجارة طوال يعبدونها يسمونها نَصْباً، قال: و ﴿يُوفِضُونَ﴾: يسرعون إليه. وقال الحسن: ﴿(كَأَنَّهُمْ) إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ أي: يبْتَدِرون نصبهم أيهم يسْتلمه أول، قال: وذلك إذا طلعت الشمس لا يلوي أولهم على آخرهم. * * - وقوله: ﴿خَٰشِعَةً أَبْصَٰرُهُمْ﴾ أي: خاضعة ذليلة لما نزل بهم من الخزي والهوان. * * - ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ أي: تغشاهم ذلة. والعامل في "خاشعةً" "يخرجون" أو "ترهقهم"، * * - ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ ٱلْيَوْمُ (ٱلَّذِي) كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾. أي: هذا اليوم الذي تقدمت صفته هو اليوم الذي كانوا يوعدون به في الدنيا فلا يصدقون به.

المعارج 70:43

قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ إلى آخر السورة. أي: وإلا الذين [يحفظون] فروجهم فلا يطئون إلا أزواجهم أو مملوكاتهم فلا لوم عليهم في ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذَلِكَ﴾ أي: فمن التمس لفرجه منكحاً سوى زوجته ومملوكته فهو متعد إلى ما حرم الله عليه، ملوم على فعله. * * - ثم قال ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾. أي: وإلا الذين يحافظون على أداء أماناتهم من فروضهم - التي ألزمهم الله إياها - وأَمَاناتِ عباده التي ائتمنوهم عليها، والوفاء بعهودهم التي أخذها الله عليهم، وعهود عباده عندهم. * * - ثم قال ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِم قَائِمُونَ﴾. أي: وإلا الذين هم لا يكتمون ما أشهدوا عليه، ولكن يؤدونه حيث يلزمهم أداؤه غير مبدلين ولا مغيرين. * * - ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾. أي: وإلا الذين يحافظون على أداء صلواتهم بفروضها في أوقاتها، بحدودها لا يضيعون شيئاً من ذلك ثم أخبر عن مصير هؤلاء الذين تقدمت صفتهم في الاستثناء من الإنسان الهلوع فقال: * * ﴿أُوْلَـٰئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ﴾. أي: الذين تقدمت صفتهم - من قوله: "إِلاَّ المُصَلِّينَ" - في بساتين يكرمهم الله بكرامته. * * ثم قال تعالى: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾. أي: فما شأن الذين كفروا نحوك عامدين: قال قتادة: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ "عامدين". وقال ابن زيد: المهطع "الذي [لا يطرف"]. وقال الحسن: ﴿مُهْطِعِينَ﴾: "منطلقين". وقال أبو عبيدة: مسرعين. فالمعنى: فما شأن الذين كفروا مسرعين بالتكذيب لك. وقيل: بالاستماع منك، لِيَعِيبُوكَ. * * - ثم قال ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ عِزِينَ﴾. روي عن ابن عباس (أنه قال): [العزون]: العصب من الناس عن يمين وشمال معرضين عن محمد يستهزئون به. وقال مجاهد (عزين: مجالس مجالس). قال قتادة: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ عامدين، ﴿عِزِينَ﴾ فرق حول رسول الله لا يرغبون في كتاب الله ولا في نبيه. وقال الضحاك: عزين: (حلقاً) وفرقاً. قال ابن زيد: عزين: مجالس. * * ومعنى ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ﴾ أي: عن يمينك وشمالك جماعات متفرقة في أديانهم مخالفين للإسلام. وقال الطبري: ﴿عِزِينَ﴾ متفرقين حلقاً حلقاً ومجالس مجالس، [جماعة جماعة] متفرقين عنك وعن كتاب الله. * * - ثم قال ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ * كَلاَّ﴾ [أي]: أيطمع كل إنسان منهم أن ينجو من عذاب الله فيدخل الجنة التي ينعم مَن دخلها؟! لا يكون ذلك. * * - ثم قال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾. أي: مِن مَني حقير لا يستوجب (به) دخول الجنة، إنما يستوجب دخولها بالطاعة لله. قال قتادة: ﴿مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾ من مني قذر، فَاتَّقِ الله يا ابن آدم. وقيل: هو إشارة إلى إعلامهم أنهم كسائر الخلق ليس لهم فضل بأن يؤتى كل أحد منهم ما يريد من دخول الله، بل حكم جميع الخلق ألا يدخل أحد الجنة إلا بالإيمان والعمل الصالح، وأنتم أيها المخاطبون مثل جميع الخلق خلقتم من نطفة. * * - ثم قال تعالى ﴿فَلآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ إِنَّا لَقَٰدِرُونَ * عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ خَيْراً مِّنْهُمْ﴾. "لا" زائدة، والتقدير: [أقسم برب: مشارق الشمس] وهي ثلاثمائة وستون، وبرب مغاربها، وهي ثلاثمائة وستون. * * - ﴿إِنَّا لَقَٰدِرُونَ﴾. على أن نخلق خيراً من هؤلاء المشركين ونهلكهم. - ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾: أي ما يفوتنا أحد نريد هلاكه ولا أمر نريد إتمامه. قال ابن عباس: "(إن) الشمس تطلع كل سنة في ثلاثمائة وستين كُوَّة، تطلع كل يوم في كوة لا ترجع إلى تلك الكوة إلى ذلك اليوم من العام المقبل، ولا تطلع إلا وهي كارهة، [تقول]: يا رب، لا تطلعني على عبادك، فإني أراهم يعصونك ويعملون بمعاصيك". وعن ابن عباس أيضاً في قوله: ﴿فَلآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ﴾ أنه قال: "هو مطلع الشمس ومغربها ومطلع القمر ومغربه". * * - ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ (يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ) حَتَّىٰ يُلَٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ﴾. هذا تهدد ووعيد لكفار قريش ومن كان على دينهم. أي: دع يا محمد هؤلاء المشركين - المهطعين عن اليمين وعن الشمال عزين - يخوضوا في [باطلهم] ويلعبوا في هذه الدنيا حتى يلاقوا يوم القيامة الذي وعدوا به. ثم بَيَّنَ [يومهم] الذي يوعدون فقال: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ سِرَاعاً...﴾، فهو يوم بدلٌ من "يوم" الأول. فالمعنى [فَذَرْهُمْ] يا محمد حتى يلاقوا يوم يخرجون من القبور مسرعين إلى الداعي. * * - ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾. أي: كأنهم إلى عَلَم قد نصب لهم يستبقون، [و "نَصْب" مصدر: نَصَبْتُ الشيء] نَصْباً فتأويله كأنهم إلى صنم منصوب (لهم) يسرعون ذليلين. وروي عن عاصم أنه [قرأ: ﴿نُصُبٍ﴾] بضم النون والصاد، جعله [واحداً لأنصاب]، وَهي آلهتهم التي كانوا يعبدون، كطُنُب وأطناب. وقيل: هو جمع نَصْبٍ، والنَّصْبُ: الصنم الذي ينصب لهم فيكون كرَهْن ورُهُن، وهو قول أبي عبيدة. وقيل: هو جمع نصاب، والنصاب الحجر أو الضم ينصب فيذبح عنده. وقرأ قتادة: ﴿نُصُبٍ﴾ بضم النون وإسكان الصاد فهو مخفف من "نُصُب". وقد قيل: إن نَصْباً ونُصْباً ثلاث لغات بمعنىً، كما يقال عَمْرٌو وعُمْرٌو وعُمُرٌو. فأما قوله تعالى ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] فهو جمع نصاب عند كل العلماء، وهو الذي ينصب ليذبحوا لآلهتهم عنده وقد مضى ذكره. قال: أبو العالية ﴿إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ أي: كأنهم إلى غايات يستبقون. وقال ابن عباس: إلى غايات يسعون. وقال الضحاك: إلى ("علم ينطلقون"). وقال ابن زيد: [﴿إِلَىٰ نُصُبٍ﴾]: النَّصْبُ حجارة طوال يعبدونها يسمونها نَصْباً، قال: و ﴿يُوفِضُونَ﴾: يسرعون إليه. وقال الحسن: ﴿(كَأَنَّهُمْ) إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ أي: يبْتَدِرون نصبهم أيهم يسْتلمه أول، قال: وذلك إذا طلعت الشمس لا يلوي أولهم على آخرهم. * * - وقوله: ﴿خَٰشِعَةً أَبْصَٰرُهُمْ﴾ أي: خاضعة ذليلة لما نزل بهم من الخزي والهوان. * * - ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ أي: تغشاهم ذلة. والعامل في "خاشعةً" "يخرجون" أو "ترهقهم"، * * - ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ ٱلْيَوْمُ (ٱلَّذِي) كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾. أي: هذا اليوم الذي تقدمت صفته هو اليوم الذي كانوا يوعدون به في الدنيا فلا يصدقون به.

المعارج 70:44

قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ إلى آخر السورة. أي: وإلا الذين [يحفظون] فروجهم فلا يطئون إلا أزواجهم أو مملوكاتهم فلا لوم عليهم في ذلك. * * - ثم قال تعالى: ﴿فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذَلِكَ﴾ أي: فمن التمس لفرجه منكحاً سوى زوجته ومملوكته فهو متعد إلى ما حرم الله عليه، ملوم على فعله. * * - ثم قال ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾. أي: وإلا الذين يحافظون على أداء أماناتهم من فروضهم - التي ألزمهم الله إياها - وأَمَاناتِ عباده التي ائتمنوهم عليها، والوفاء بعهودهم التي أخذها الله عليهم، وعهود عباده عندهم. * * - ثم قال ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِم قَائِمُونَ﴾. أي: وإلا الذين هم لا يكتمون ما أشهدوا عليه، ولكن يؤدونه حيث يلزمهم أداؤه غير مبدلين ولا مغيرين. * * - ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾. أي: وإلا الذين يحافظون على أداء صلواتهم بفروضها في أوقاتها، بحدودها لا يضيعون شيئاً من ذلك ثم أخبر عن مصير هؤلاء الذين تقدمت صفتهم في الاستثناء من الإنسان الهلوع فقال: * * ﴿أُوْلَـٰئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ﴾. أي: الذين تقدمت صفتهم - من قوله: "إِلاَّ المُصَلِّينَ" - في بساتين يكرمهم الله بكرامته. * * ثم قال تعالى: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾. أي: فما شأن الذين كفروا نحوك عامدين: قال قتادة: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ "عامدين". وقال ابن زيد: المهطع "الذي [لا يطرف"]. وقال الحسن: ﴿مُهْطِعِينَ﴾: "منطلقين". وقال أبو عبيدة: مسرعين. فالمعنى: فما شأن الذين كفروا مسرعين بالتكذيب لك. وقيل: بالاستماع منك، لِيَعِيبُوكَ. * * - ثم قال ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ عِزِينَ﴾. روي عن ابن عباس (أنه قال): [العزون]: العصب من الناس عن يمين وشمال معرضين عن محمد يستهزئون به. وقال مجاهد (عزين: مجالس مجالس). قال قتادة: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ عامدين، ﴿عِزِينَ﴾ فرق حول رسول الله لا يرغبون في كتاب الله ولا في نبيه. وقال الضحاك: عزين: (حلقاً) وفرقاً. قال ابن زيد: عزين: مجالس. * * ومعنى ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ﴾ أي: عن يمينك وشمالك جماعات متفرقة في أديانهم مخالفين للإسلام. وقال الطبري: ﴿عِزِينَ﴾ متفرقين حلقاً حلقاً ومجالس مجالس، [جماعة جماعة] متفرقين عنك وعن كتاب الله. * * - ثم قال ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ * كَلاَّ﴾ [أي]: أيطمع كل إنسان منهم أن ينجو من عذاب الله فيدخل الجنة التي ينعم مَن دخلها؟! لا يكون ذلك. * * - ثم قال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾. أي: مِن مَني حقير لا يستوجب (به) دخول الجنة، إنما يستوجب دخولها بالطاعة لله. قال قتادة: ﴿مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾ من مني قذر، فَاتَّقِ الله يا ابن آدم. وقيل: هو إشارة إلى إعلامهم أنهم كسائر الخلق ليس لهم فضل بأن يؤتى كل أحد منهم ما يريد من دخول الله، بل حكم جميع الخلق ألا يدخل أحد الجنة إلا بالإيمان والعمل الصالح، وأنتم أيها المخاطبون مثل جميع الخلق خلقتم من نطفة. * * - ثم قال تعالى ﴿فَلآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ إِنَّا لَقَٰدِرُونَ * عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ خَيْراً مِّنْهُمْ﴾. "لا" زائدة، والتقدير: [أقسم برب: مشارق الشمس] وهي ثلاثمائة وستون، وبرب مغاربها، وهي ثلاثمائة وستون. * * - ﴿إِنَّا لَقَٰدِرُونَ﴾. على أن نخلق خيراً من هؤلاء المشركين ونهلكهم. - ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾: أي ما يفوتنا أحد نريد هلاكه ولا أمر نريد إتمامه. قال ابن عباس: "(إن) الشمس تطلع كل سنة في ثلاثمائة وستين كُوَّة، تطلع كل يوم في كوة لا ترجع إلى تلك الكوة إلى ذلك اليوم من العام المقبل، ولا تطلع إلا وهي كارهة، [تقول]: يا رب، لا تطلعني على عبادك، فإني أراهم يعصونك ويعملون بمعاصيك". وعن ابن عباس أيضاً في قوله: ﴿فَلآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ﴾ أنه قال: "هو مطلع الشمس ومغربها ومطلع القمر ومغربه". * * - ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ (يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ) حَتَّىٰ يُلَٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ﴾. هذا تهدد ووعيد لكفار قريش ومن كان على دينهم. أي: دع يا محمد هؤلاء المشركين - المهطعين عن اليمين وعن الشمال عزين - يخوضوا في [باطلهم] ويلعبوا في هذه الدنيا حتى يلاقوا يوم القيامة الذي وعدوا به. ثم بَيَّنَ [يومهم] الذي يوعدون فقال: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ سِرَاعاً...﴾، فهو يوم بدلٌ من "يوم" الأول. فالمعنى [فَذَرْهُمْ] يا محمد حتى يلاقوا يوم يخرجون من القبور مسرعين إلى الداعي. * * - ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾. أي: كأنهم إلى عَلَم قد نصب لهم يستبقون، [و "نَصْب" مصدر: نَصَبْتُ الشيء] نَصْباً فتأويله كأنهم إلى صنم منصوب (لهم) يسرعون ذليلين. وروي عن عاصم أنه [قرأ: ﴿نُصُبٍ﴾] بضم النون والصاد، جعله [واحداً لأنصاب]، وَهي آلهتهم التي كانوا يعبدون، كطُنُب وأطناب. وقيل: هو جمع نَصْبٍ، والنَّصْبُ: الصنم الذي ينصب لهم فيكون كرَهْن ورُهُن، وهو قول أبي عبيدة. وقيل: هو جمع نصاب، والنصاب الحجر أو الضم ينصب فيذبح عنده. وقرأ قتادة: ﴿نُصُبٍ﴾ بضم النون وإسكان الصاد فهو مخفف من "نُصُب". وقد قيل: إن نَصْباً ونُصْباً ثلاث لغات بمعنىً، كما يقال عَمْرٌو وعُمْرٌو وعُمُرٌو. فأما قوله تعالى ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] فهو جمع نصاب عند كل العلماء، وهو الذي ينصب ليذبحوا لآلهتهم عنده وقد مضى ذكره. قال: أبو العالية ﴿إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ أي: كأنهم إلى غايات يستبقون. وقال ابن عباس: إلى غايات يسعون. وقال الضحاك: إلى ("علم ينطلقون"). وقال ابن زيد: [﴿إِلَىٰ نُصُبٍ﴾]: النَّصْبُ حجارة طوال يعبدونها يسمونها نَصْباً، قال: و ﴿يُوفِضُونَ﴾: يسرعون إليه. وقال الحسن: ﴿(كَأَنَّهُمْ) إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ أي: يبْتَدِرون نصبهم أيهم يسْتلمه أول، قال: وذلك إذا طلعت الشمس لا يلوي أولهم على آخرهم. * * - وقوله: ﴿خَٰشِعَةً أَبْصَٰرُهُمْ﴾ أي: خاضعة ذليلة لما نزل بهم من الخزي والهوان. * * - ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ أي: تغشاهم ذلة. والعامل في "خاشعةً" "يخرجون" أو "ترهقهم"، * * - ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ ٱلْيَوْمُ (ٱلَّذِي) كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾. أي: هذا اليوم الذي تقدمت صفته هو اليوم الذي كانوا يوعدون به في الدنيا فلا يصدقون به.