Lafzullah

Tafsir Makhi — الليل 92:1 – التين 95:8

المؤلف / المصدر: Tafsir Makhi

المحتويات
  1. الليل 92:1
  2. الليل 92:2
  3. الليل 92:3
  4. الليل 92:4
  5. الليل 92:5
  6. الليل 92:6
  7. الليل 92:7
  8. الليل 92:8
  9. الليل 92:9
  10. الليل 92:10
  11. الليل 92:11
  12. الليل 92:12
  13. الليل 92:13
  14. الليل 92:14
  15. الليل 92:15
  16. الليل 92:16
  17. الليل 92:17
  18. الليل 92:18
  19. الليل 92:19
  20. الليل 92:20
  21. الليل 92:21
  22. الضحى 93:1
  23. الضحى 93:2
  24. الضحى 93:3
  25. الضحى 93:4
  26. الضحى 93:5
  27. الضحى 93:6
  28. الضحى 93:7
  29. الضحى 93:8
  30. الضحى 93:9
  31. الضحى 93:10
  32. الضحى 93:11
  33. الشرح 94:1
  34. الشرح 94:2
  35. الشرح 94:3
  36. الشرح 94:4
  37. الشرح 94:5
  38. الشرح 94:6
  39. الشرح 94:7
  40. الشرح 94:8
  41. التين 95:1
  42. التين 95:2
  43. التين 95:3
  44. التين 95:4
  45. التين 95:5
  46. التين 95:6
  47. التين 95:7
  48. التين 95:8

الليل 92:1

قوله تعالى: ﴿وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ﴾ إلى آخرها. معناه: ورب الليل إذا غشى النهار بظلمته فأذهب ضوءه. وقيل: المعنى: يغشى كل شيء بظلمته فيصير له كالغشاء. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ﴾. أي: (إذا) أضاء وأظهر للأبصار ما أخفته ظلمة الليل. وكان قتادة يذهب - فيما أقسم الله به من الأشياء - أنه إنما أقسم به لعظم حاله عنده. (ثم قال تعالى): ﴿وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ﴾. قيل: "ما" بمعنى "من"، يريد نفسه تعالى جل ذكره. وقيل: "ما" والفعل مصدر، أي: وخلق الذكر والأنثى. (وروى ابن مسعود أن النبي ﷺ قرأ: والذكر والأنثى) بالخفض بغير "ما". وأجاز الفراء: وما خلق الذكر والأنثى بالخفض على البدل من "ما". وقال الأخفش: "ما" بمعنى "الذي"، جعلها لمن يعقل. وروي عن أبي [عمرو] أنه قال: أهل مكة يقولون للرعد: سبحان من سبحت له. * * وقوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ هذا جواب القسم أي: إن عملكم لمختلف أيها الناس، لأن منكم الكافر والمؤمن، والعاصي والمطيع. * * وقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: من أعطى في سبيل الله ومرضاته، واتقى الله فاجتنب المعاصي، وصدق بالجنة. قاله مجاهد. وقال ابن عباس: من أعطي ما عنده من الفضل واتقى ربه. وقال قتادة: من أعطى حق الله واتقى محارمه. وقال عباس: - وهو مروي عن مجاهد أيضاً -. ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: وصدق بالخلف من الله جل وعز على نفقته في ذات الله. وقال الضحاك: ﴿بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ "بـ لا إله إلا الله" وروي ذلك (أيضاً) عن ابن عباس، وقاله [أبو] عبد الرحمن السلمي. وقال قتادة: ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ [أي]: بموعود الله جل وعز على نفقته، فعمل لذلك الموعود الذي وعده الله. وروى أبو الدرداء أن النبي ﷺ قال: "ما من يوم غربت فيه شمسه إلا [وبجنبيها] ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين - الجن والإنس - يقولان: اللهم عجل لمنفق خلفاً، وأعط ممسكاً تلفاً وأنزل الله جل وعز في ذلك من القرآن: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾ (وروى الزبير أن النبي ﷺ قال: ما من صباح يصبح إلا وصارخ يصرخ: أيها الخلائق، سبحوا القدوس وروى أبو ذر) أن النبي ﷺ قال: ما من يوم ولا ليلة ولا ساعة إلا ولله فيها صدقة يمن بها على من يشاء من عباده. وما من الله على عبده بمثل أن يلهمه ذكره وروي أنه ما من يوم إلا وهو ينادي: أنا يوم جديد، وأنا عليكم شهيد (ابن آدم)، إني لن [أمر بك] أبداً، فاتق الله واعمل في خيراً. فإذا هو أمسى قال: اللهم لا تردني إلى الدنيا أبداً. وروي أن هذه الآية (نزلت) في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، روي عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: (كان) أبو بكر (الصديق رضي الله عنه) يعتق على الإسلام بمكة، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه: أي بني، أراك تعتق أناساً ضعفاء، ولو أنك أعتقت رجالاً جلداً يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك؟ فقال: إني أريد ما عند الله. قال: فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية نزلت فيه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ﴾ الآية. وروى محمد بن إسحاق أن أبا بكر رضي الله عنه اشترى تسعة كانوا في أيدي المشركين، فأعتقهم لله جل وعز. فأنزل الله: فأما من [أعطى]... الآية. و (معنى) ﴿لِلْيُسْرَىٰ﴾: للحال اليسرى، أو [الخلة] اليسرى، وهي العمل بما يرضاها الله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ﴾. أي: بخل بالنفقة في سبيل الله، واستغنى عن ربه فلم يرغب [في العمل] بطاعته وما يوجب له رضاء ربه. قال ابن عباس: هو "من أغناه الله [فبخل] بالزكاة. وقال قتادة: من بخل عن الله واستغنى في نفسه عن ربه. والاختلاف في ﴿وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ على نحو الاختلاف في: ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾. * * وقوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ﴾ أي: [للخلة] العسرى في الدنيا، وذلك العمل بالمعاصي. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "كنا في جنازة في بقيع الغرقد، [فأتانا] رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة، فنكس رأسه، فجعل [ينكت] بمخصرته (في الأرض)، ثم قال: ما منكم من نفس منفوسة إلا وقد كتب مكانها من الجنة أو النار [قيل]: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟! فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة (ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى عمل أهل الشقاء)، فقال ﷺ: اعملوا، فكل ميسر، أما أهل السعادة [فييسرون] إلى عمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاء [فييسرون] إلى عمل أهل الشقاء، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ﴾ الآيتين وقال الضحاك: للعسرى: للنار. والتيسير إنما يكون في الخير، وإنما جاء هنا للشر على معنى: الذي يقوم لهم مقام (التيسير). العسرى: مثل: "فبشرهم بعذاب أليم". ومثله ما أنشد سيبويه: ؎ تحيَّةُ بَيْنِهِم ضَرْبٌ وَجِيعُ. وقال الفراء: لما وقع للخير تيسير جاز أن يقع في الشر مثله، ولا يكون ذلك إلا إذا اجتمع الخير والشر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ﴾ أي: وأي شيء يغني عنه ماله الذي بخل به إذا هلك وتركه. قال أبو صالح وقتادة: (إذا تردى)، (أي): إذا سقط في النار فهوى فيها. وقال قتادة: إذا تردى: إذا مات. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ﴾. (أي): إن علينا بيان الحق من الباطل. قال قتادة: على الله بيان حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته. بمعنى الآية - على قوله -: إن علينا للهدى والضلالة. ولكن ترك ذكر الضلالة [للدلالة] عليه، كما قال: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١]، وترك ذكر البرد لدلالة الحر عليه. ومثله ما أنشد سيبويه: ؎ فما أدري إذا [يممت] وجهاً ∗∗∗ (أريد) الخير أيهما يليني فحذف الشر لدلالة الخير عليه. فالأشياء تدل على أضدادها وإن لم تذكر الأضداد، والتقدير: أريد الخير وأكره الشر. وقيل معنى الآية: إن علينا سبيل من [سلك] (سبيل) الهدى. أي: من أخذ سبيل فعلى الله سبيله، كما قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] و﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١]. وكما قال: ﴿وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] أي: من أراد الله عز وجل فهو قاصد للسبيل هذا قول الفراء. وقال في قوله: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَٱلأُولَىٰ﴾، أي: (إن) لنا ثواب هذه وثواب هذه. وقال غيره: معناه: وإن لنا ملك ما في الدنيا والآخرة، نعطي من نشاء ونحرم من نشاء. والمعنى أنه يوفق من [يشاء] من خلقه إلى طاعته في الدنيا فيكرمه بذلك في الآخرة، [ويخذل] من [يشاء] من خلقه عن طاعته في الدنيا، فيهينه بذلك في الآخرة. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّىٰ﴾ أي: أنذرتكم أيها الناس ناراً تتوقد وتتوهج، أعدت لمن عصى الله وكفر به. * * ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ ٱلأَشْقَى﴾ أي: لا يدخلها ويصلى سعيرها إلا الأشقى الذين كذب بآيات الله وأعرض عنها. كان أبو هريرة يقول: لتدخلن الجنة إلا من أبى: قالوا: يا أبا هريرة، ومن يأبى أن يدخل الجنة؟! فقال: الذي كذب وتولى. والمرجئة الذين يقولون: "[الإيمان] قول بلا عمل"، يتعلقون بهذه الآية، وفي تقديرها أقوال، منها: أن المعنى لا يصليها إلا الأشقى، (و) ﴿ٱلَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾. فتكون الواو مضمرة. حكى المبرد وغيره أن العرب تقول: أكلت خبزاً لحماً [تمراً]، فيحذفون حرف العطف. وأنشد أبو زيد: ؎ كيف أصبحت كيف أمسيت ∗∗∗ مما يثبت الود في فؤاد الكريم وإضمار الواو قبيح ليس بكثير في كلام العرب، وفيه نقض للأصول وخروج عن الظاهر. (وقيل: التقدير: لا يصلاها إلا) الأشقى من الكفار والفساق، ثم أعاد ذكر الكفار - خاصة - تنبيهاً عليهم، لأنهم أعظم ذنباً من الفساق. وقيل: التقدير: فأنذرتكم نارا هذه صفتها. وقيل: التقدير: لا يصلاها إلا) أشقى أهل النار، وأشقاهم: الكفار. فدل هذا على أن غير الكفار يدخلون النار بذنوبهم. [وقيل: إن النار طبقات وصفوف مختلفة في شدة العذاب وهوله، فأعلمنا الله في هذه الآية أن هذا الصنف من النار التي تتوهج وتتوقد ولا يدخله إلا الذين كذبوا وتولوا عن الإيمان، وثم أصناف من ذلك عذاب النار دون ذلك يدخلها غير هذا الصنف. وأقل عذاب النار عذاب أليم، أجارنا الله منها]. وقيل: المعنى: لا يخلد فيها إلا الأشقى الذي كذب وتولى، فهذا [للكفار] بإجماع خاصة. وهذا القول أحسن الأقوال عندي. وقال الفراء: ﴿ٱلَّذِي كَذَّبَ﴾ معناه: [الذي] قصر عما أمر به، ليس معناه جحد، وهو مثل قوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢]، أي، تقصير ولا تخلف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى﴾ أي: وسيوقى دخول النار وصليها التقي. "فأفعل" في موضع "فعيل". ثم وصف التقي فقال: ﴿ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ﴾ أي: يعطي ماله في الدنيا يتطهر بذلك من ذنوبه. * * ثم قال: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ﴾ أي: وما لأحد من خلق الله عند هذا الذي يعطي ماله يتزكى به [عند الله] من نعمة يجازيه عليها. أي: ليس يعطي ما يعطي مجازاة لأحد [على] يد له عنده، ولا مكافأة على نعمة سبقت قبله، لكن يعطي ابتغاء وجه ربه الأعلى و "إلا" في هذا المعنى "لكن". وقيل: المعنى: وماله عند أحد في ما أنفق من نعمة يلتمس ثوابها، فيكون على القلب. وهذا أحد قولي الفراء. ومثله قول النابغة: ؎ وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي ∗∗∗ [على وعل من ذي المطارة عاقل] يريد: حتى ما تزيد مخافة وعلٍ (على) مخافتي. وفيه بعد، لأن كتاب الله لا يحمل على القلب إلا إذا لم يكن حمله إلا عليه. ويروى أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه. قال ذلك قتادة وابن جبير وغيرهما. قال هشام بن عروة عن أبيه: أسلم أبو بكر وله أربعون ألفاً فأنفقها، فأنزل الله جل ذكره فيه: ﴿ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ﴾... إلى قوله: ﴿يَرْضَىٰ﴾. قال ابن جبير: أعتق أبو بكر ناساً ستة أو سبعة لم يلتمس مِنهم جزاء ولا شكوراً. منهم: بلال وعامر بن فهيرة. * * وقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ﴾ أي: [ولسوف] يرضى في الآخرة هذا الذي يؤتي ماله يتزكى.

الليل 92:2

قوله تعالى: ﴿وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ﴾ إلى آخرها. معناه: ورب الليل إذا غشى النهار بظلمته فأذهب ضوءه. وقيل: المعنى: يغشى كل شيء بظلمته فيصير له كالغشاء. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ﴾. أي: (إذا) أضاء وأظهر للأبصار ما أخفته ظلمة الليل. وكان قتادة يذهب - فيما أقسم الله به من الأشياء - أنه إنما أقسم به لعظم حاله عنده. (ثم قال تعالى): ﴿وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ﴾. قيل: "ما" بمعنى "من"، يريد نفسه تعالى جل ذكره. وقيل: "ما" والفعل مصدر، أي: وخلق الذكر والأنثى. (وروى ابن مسعود أن النبي ﷺ قرأ: والذكر والأنثى) بالخفض بغير "ما". وأجاز الفراء: وما خلق الذكر والأنثى بالخفض على البدل من "ما". وقال الأخفش: "ما" بمعنى "الذي"، جعلها لمن يعقل. وروي عن أبي [عمرو] أنه قال: أهل مكة يقولون للرعد: سبحان من سبحت له. * * وقوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ هذا جواب القسم أي: إن عملكم لمختلف أيها الناس، لأن منكم الكافر والمؤمن، والعاصي والمطيع. * * وقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: من أعطى في سبيل الله ومرضاته، واتقى الله فاجتنب المعاصي، وصدق بالجنة. قاله مجاهد. وقال ابن عباس: من أعطي ما عنده من الفضل واتقى ربه. وقال قتادة: من أعطى حق الله واتقى محارمه. وقال عباس: - وهو مروي عن مجاهد أيضاً -. ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: وصدق بالخلف من الله جل وعز على نفقته في ذات الله. وقال الضحاك: ﴿بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ "بـ لا إله إلا الله" وروي ذلك (أيضاً) عن ابن عباس، وقاله [أبو] عبد الرحمن السلمي. وقال قتادة: ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ [أي]: بموعود الله جل وعز على نفقته، فعمل لذلك الموعود الذي وعده الله. وروى أبو الدرداء أن النبي ﷺ قال: "ما من يوم غربت فيه شمسه إلا [وبجنبيها] ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين - الجن والإنس - يقولان: اللهم عجل لمنفق خلفاً، وأعط ممسكاً تلفاً وأنزل الله جل وعز في ذلك من القرآن: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾ (وروى الزبير أن النبي ﷺ قال: ما من صباح يصبح إلا وصارخ يصرخ: أيها الخلائق، سبحوا القدوس وروى أبو ذر) أن النبي ﷺ قال: ما من يوم ولا ليلة ولا ساعة إلا ولله فيها صدقة يمن بها على من يشاء من عباده. وما من الله على عبده بمثل أن يلهمه ذكره وروي أنه ما من يوم إلا وهو ينادي: أنا يوم جديد، وأنا عليكم شهيد (ابن آدم)، إني لن [أمر بك] أبداً، فاتق الله واعمل في خيراً. فإذا هو أمسى قال: اللهم لا تردني إلى الدنيا أبداً. وروي أن هذه الآية (نزلت) في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، روي عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: (كان) أبو بكر (الصديق رضي الله عنه) يعتق على الإسلام بمكة، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه: أي بني، أراك تعتق أناساً ضعفاء، ولو أنك أعتقت رجالاً جلداً يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك؟ فقال: إني أريد ما عند الله. قال: فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية نزلت فيه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ﴾ الآية. وروى محمد بن إسحاق أن أبا بكر رضي الله عنه اشترى تسعة كانوا في أيدي المشركين، فأعتقهم لله جل وعز. فأنزل الله: فأما من [أعطى]... الآية. و (معنى) ﴿لِلْيُسْرَىٰ﴾: للحال اليسرى، أو [الخلة] اليسرى، وهي العمل بما يرضاها الله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ﴾. أي: بخل بالنفقة في سبيل الله، واستغنى عن ربه فلم يرغب [في العمل] بطاعته وما يوجب له رضاء ربه. قال ابن عباس: هو "من أغناه الله [فبخل] بالزكاة. وقال قتادة: من بخل عن الله واستغنى في نفسه عن ربه. والاختلاف في ﴿وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ على نحو الاختلاف في: ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾. * * وقوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ﴾ أي: [للخلة] العسرى في الدنيا، وذلك العمل بالمعاصي. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "كنا في جنازة في بقيع الغرقد، [فأتانا] رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة، فنكس رأسه، فجعل [ينكت] بمخصرته (في الأرض)، ثم قال: ما منكم من نفس منفوسة إلا وقد كتب مكانها من الجنة أو النار [قيل]: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟! فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة (ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى عمل أهل الشقاء)، فقال ﷺ: اعملوا، فكل ميسر، أما أهل السعادة [فييسرون] إلى عمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاء [فييسرون] إلى عمل أهل الشقاء، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ﴾ الآيتين وقال الضحاك: للعسرى: للنار. والتيسير إنما يكون في الخير، وإنما جاء هنا للشر على معنى: الذي يقوم لهم مقام (التيسير). العسرى: مثل: "فبشرهم بعذاب أليم". ومثله ما أنشد سيبويه: ؎ تحيَّةُ بَيْنِهِم ضَرْبٌ وَجِيعُ. وقال الفراء: لما وقع للخير تيسير جاز أن يقع في الشر مثله، ولا يكون ذلك إلا إذا اجتمع الخير والشر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ﴾ أي: وأي شيء يغني عنه ماله الذي بخل به إذا هلك وتركه. قال أبو صالح وقتادة: (إذا تردى)، (أي): إذا سقط في النار فهوى فيها. وقال قتادة: إذا تردى: إذا مات. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ﴾. (أي): إن علينا بيان الحق من الباطل. قال قتادة: على الله بيان حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته. بمعنى الآية - على قوله -: إن علينا للهدى والضلالة. ولكن ترك ذكر الضلالة [للدلالة] عليه، كما قال: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١]، وترك ذكر البرد لدلالة الحر عليه. ومثله ما أنشد سيبويه: ؎ فما أدري إذا [يممت] وجهاً ∗∗∗ (أريد) الخير أيهما يليني فحذف الشر لدلالة الخير عليه. فالأشياء تدل على أضدادها وإن لم تذكر الأضداد، والتقدير: أريد الخير وأكره الشر. وقيل معنى الآية: إن علينا سبيل من [سلك] (سبيل) الهدى. أي: من أخذ سبيل فعلى الله سبيله، كما قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] و﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١]. وكما قال: ﴿وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] أي: من أراد الله عز وجل فهو قاصد للسبيل هذا قول الفراء. وقال في قوله: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَٱلأُولَىٰ﴾، أي: (إن) لنا ثواب هذه وثواب هذه. وقال غيره: معناه: وإن لنا ملك ما في الدنيا والآخرة، نعطي من نشاء ونحرم من نشاء. والمعنى أنه يوفق من [يشاء] من خلقه إلى طاعته في الدنيا فيكرمه بذلك في الآخرة، [ويخذل] من [يشاء] من خلقه عن طاعته في الدنيا، فيهينه بذلك في الآخرة. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّىٰ﴾ أي: أنذرتكم أيها الناس ناراً تتوقد وتتوهج، أعدت لمن عصى الله وكفر به. * * ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ ٱلأَشْقَى﴾ أي: لا يدخلها ويصلى سعيرها إلا الأشقى الذين كذب بآيات الله وأعرض عنها. كان أبو هريرة يقول: لتدخلن الجنة إلا من أبى: قالوا: يا أبا هريرة، ومن يأبى أن يدخل الجنة؟! فقال: الذي كذب وتولى. والمرجئة الذين يقولون: "[الإيمان] قول بلا عمل"، يتعلقون بهذه الآية، وفي تقديرها أقوال، منها: أن المعنى لا يصليها إلا الأشقى، (و) ﴿ٱلَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾. فتكون الواو مضمرة. حكى المبرد وغيره أن العرب تقول: أكلت خبزاً لحماً [تمراً]، فيحذفون حرف العطف. وأنشد أبو زيد: ؎ كيف أصبحت كيف أمسيت ∗∗∗ مما يثبت الود في فؤاد الكريم وإضمار الواو قبيح ليس بكثير في كلام العرب، وفيه نقض للأصول وخروج عن الظاهر. (وقيل: التقدير: لا يصلاها إلا) الأشقى من الكفار والفساق، ثم أعاد ذكر الكفار - خاصة - تنبيهاً عليهم، لأنهم أعظم ذنباً من الفساق. وقيل: التقدير: فأنذرتكم نارا هذه صفتها. وقيل: التقدير: لا يصلاها إلا) أشقى أهل النار، وأشقاهم: الكفار. فدل هذا على أن غير الكفار يدخلون النار بذنوبهم. [وقيل: إن النار طبقات وصفوف مختلفة في شدة العذاب وهوله، فأعلمنا الله في هذه الآية أن هذا الصنف من النار التي تتوهج وتتوقد ولا يدخله إلا الذين كذبوا وتولوا عن الإيمان، وثم أصناف من ذلك عذاب النار دون ذلك يدخلها غير هذا الصنف. وأقل عذاب النار عذاب أليم، أجارنا الله منها]. وقيل: المعنى: لا يخلد فيها إلا الأشقى الذي كذب وتولى، فهذا [للكفار] بإجماع خاصة. وهذا القول أحسن الأقوال عندي. وقال الفراء: ﴿ٱلَّذِي كَذَّبَ﴾ معناه: [الذي] قصر عما أمر به، ليس معناه جحد، وهو مثل قوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢]، أي، تقصير ولا تخلف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى﴾ أي: وسيوقى دخول النار وصليها التقي. "فأفعل" في موضع "فعيل". ثم وصف التقي فقال: ﴿ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ﴾ أي: يعطي ماله في الدنيا يتطهر بذلك من ذنوبه. * * ثم قال: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ﴾ أي: وما لأحد من خلق الله عند هذا الذي يعطي ماله يتزكى به [عند الله] من نعمة يجازيه عليها. أي: ليس يعطي ما يعطي مجازاة لأحد [على] يد له عنده، ولا مكافأة على نعمة سبقت قبله، لكن يعطي ابتغاء وجه ربه الأعلى و "إلا" في هذا المعنى "لكن". وقيل: المعنى: وماله عند أحد في ما أنفق من نعمة يلتمس ثوابها، فيكون على القلب. وهذا أحد قولي الفراء. ومثله قول النابغة: ؎ وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي ∗∗∗ [على وعل من ذي المطارة عاقل] يريد: حتى ما تزيد مخافة وعلٍ (على) مخافتي. وفيه بعد، لأن كتاب الله لا يحمل على القلب إلا إذا لم يكن حمله إلا عليه. ويروى أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه. قال ذلك قتادة وابن جبير وغيرهما. قال هشام بن عروة عن أبيه: أسلم أبو بكر وله أربعون ألفاً فأنفقها، فأنزل الله جل ذكره فيه: ﴿ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ﴾... إلى قوله: ﴿يَرْضَىٰ﴾. قال ابن جبير: أعتق أبو بكر ناساً ستة أو سبعة لم يلتمس مِنهم جزاء ولا شكوراً. منهم: بلال وعامر بن فهيرة. * * وقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ﴾ أي: [ولسوف] يرضى في الآخرة هذا الذي يؤتي ماله يتزكى.

الليل 92:3

قوله تعالى: ﴿وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ﴾ إلى آخرها. معناه: ورب الليل إذا غشى النهار بظلمته فأذهب ضوءه. وقيل: المعنى: يغشى كل شيء بظلمته فيصير له كالغشاء. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ﴾. أي: (إذا) أضاء وأظهر للأبصار ما أخفته ظلمة الليل. وكان قتادة يذهب - فيما أقسم الله به من الأشياء - أنه إنما أقسم به لعظم حاله عنده. (ثم قال تعالى): ﴿وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ﴾. قيل: "ما" بمعنى "من"، يريد نفسه تعالى جل ذكره. وقيل: "ما" والفعل مصدر، أي: وخلق الذكر والأنثى. (وروى ابن مسعود أن النبي ﷺ قرأ: والذكر والأنثى) بالخفض بغير "ما". وأجاز الفراء: وما خلق الذكر والأنثى بالخفض على البدل من "ما". وقال الأخفش: "ما" بمعنى "الذي"، جعلها لمن يعقل. وروي عن أبي [عمرو] أنه قال: أهل مكة يقولون للرعد: سبحان من سبحت له. * * وقوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ هذا جواب القسم أي: إن عملكم لمختلف أيها الناس، لأن منكم الكافر والمؤمن، والعاصي والمطيع. * * وقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: من أعطى في سبيل الله ومرضاته، واتقى الله فاجتنب المعاصي، وصدق بالجنة. قاله مجاهد. وقال ابن عباس: من أعطي ما عنده من الفضل واتقى ربه. وقال قتادة: من أعطى حق الله واتقى محارمه. وقال عباس: - وهو مروي عن مجاهد أيضاً -. ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: وصدق بالخلف من الله جل وعز على نفقته في ذات الله. وقال الضحاك: ﴿بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ "بـ لا إله إلا الله" وروي ذلك (أيضاً) عن ابن عباس، وقاله [أبو] عبد الرحمن السلمي. وقال قتادة: ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ [أي]: بموعود الله جل وعز على نفقته، فعمل لذلك الموعود الذي وعده الله. وروى أبو الدرداء أن النبي ﷺ قال: "ما من يوم غربت فيه شمسه إلا [وبجنبيها] ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين - الجن والإنس - يقولان: اللهم عجل لمنفق خلفاً، وأعط ممسكاً تلفاً وأنزل الله جل وعز في ذلك من القرآن: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾ (وروى الزبير أن النبي ﷺ قال: ما من صباح يصبح إلا وصارخ يصرخ: أيها الخلائق، سبحوا القدوس وروى أبو ذر) أن النبي ﷺ قال: ما من يوم ولا ليلة ولا ساعة إلا ولله فيها صدقة يمن بها على من يشاء من عباده. وما من الله على عبده بمثل أن يلهمه ذكره وروي أنه ما من يوم إلا وهو ينادي: أنا يوم جديد، وأنا عليكم شهيد (ابن آدم)، إني لن [أمر بك] أبداً، فاتق الله واعمل في خيراً. فإذا هو أمسى قال: اللهم لا تردني إلى الدنيا أبداً. وروي أن هذه الآية (نزلت) في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، روي عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: (كان) أبو بكر (الصديق رضي الله عنه) يعتق على الإسلام بمكة، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه: أي بني، أراك تعتق أناساً ضعفاء، ولو أنك أعتقت رجالاً جلداً يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك؟ فقال: إني أريد ما عند الله. قال: فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية نزلت فيه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ﴾ الآية. وروى محمد بن إسحاق أن أبا بكر رضي الله عنه اشترى تسعة كانوا في أيدي المشركين، فأعتقهم لله جل وعز. فأنزل الله: فأما من [أعطى]... الآية. و (معنى) ﴿لِلْيُسْرَىٰ﴾: للحال اليسرى، أو [الخلة] اليسرى، وهي العمل بما يرضاها الله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ﴾. أي: بخل بالنفقة في سبيل الله، واستغنى عن ربه فلم يرغب [في العمل] بطاعته وما يوجب له رضاء ربه. قال ابن عباس: هو "من أغناه الله [فبخل] بالزكاة. وقال قتادة: من بخل عن الله واستغنى في نفسه عن ربه. والاختلاف في ﴿وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ على نحو الاختلاف في: ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾. * * وقوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ﴾ أي: [للخلة] العسرى في الدنيا، وذلك العمل بالمعاصي. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "كنا في جنازة في بقيع الغرقد، [فأتانا] رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة، فنكس رأسه، فجعل [ينكت] بمخصرته (في الأرض)، ثم قال: ما منكم من نفس منفوسة إلا وقد كتب مكانها من الجنة أو النار [قيل]: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟! فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة (ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى عمل أهل الشقاء)، فقال ﷺ: اعملوا، فكل ميسر، أما أهل السعادة [فييسرون] إلى عمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاء [فييسرون] إلى عمل أهل الشقاء، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ﴾ الآيتين وقال الضحاك: للعسرى: للنار. والتيسير إنما يكون في الخير، وإنما جاء هنا للشر على معنى: الذي يقوم لهم مقام (التيسير). العسرى: مثل: "فبشرهم بعذاب أليم". ومثله ما أنشد سيبويه: ؎ تحيَّةُ بَيْنِهِم ضَرْبٌ وَجِيعُ. وقال الفراء: لما وقع للخير تيسير جاز أن يقع في الشر مثله، ولا يكون ذلك إلا إذا اجتمع الخير والشر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ﴾ أي: وأي شيء يغني عنه ماله الذي بخل به إذا هلك وتركه. قال أبو صالح وقتادة: (إذا تردى)، (أي): إذا سقط في النار فهوى فيها. وقال قتادة: إذا تردى: إذا مات. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ﴾. (أي): إن علينا بيان الحق من الباطل. قال قتادة: على الله بيان حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته. بمعنى الآية - على قوله -: إن علينا للهدى والضلالة. ولكن ترك ذكر الضلالة [للدلالة] عليه، كما قال: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١]، وترك ذكر البرد لدلالة الحر عليه. ومثله ما أنشد سيبويه: ؎ فما أدري إذا [يممت] وجهاً ∗∗∗ (أريد) الخير أيهما يليني فحذف الشر لدلالة الخير عليه. فالأشياء تدل على أضدادها وإن لم تذكر الأضداد، والتقدير: أريد الخير وأكره الشر. وقيل معنى الآية: إن علينا سبيل من [سلك] (سبيل) الهدى. أي: من أخذ سبيل فعلى الله سبيله، كما قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] و﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١]. وكما قال: ﴿وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] أي: من أراد الله عز وجل فهو قاصد للسبيل هذا قول الفراء. وقال في قوله: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَٱلأُولَىٰ﴾، أي: (إن) لنا ثواب هذه وثواب هذه. وقال غيره: معناه: وإن لنا ملك ما في الدنيا والآخرة، نعطي من نشاء ونحرم من نشاء. والمعنى أنه يوفق من [يشاء] من خلقه إلى طاعته في الدنيا فيكرمه بذلك في الآخرة، [ويخذل] من [يشاء] من خلقه عن طاعته في الدنيا، فيهينه بذلك في الآخرة. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّىٰ﴾ أي: أنذرتكم أيها الناس ناراً تتوقد وتتوهج، أعدت لمن عصى الله وكفر به. * * ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ ٱلأَشْقَى﴾ أي: لا يدخلها ويصلى سعيرها إلا الأشقى الذين كذب بآيات الله وأعرض عنها. كان أبو هريرة يقول: لتدخلن الجنة إلا من أبى: قالوا: يا أبا هريرة، ومن يأبى أن يدخل الجنة؟! فقال: الذي كذب وتولى. والمرجئة الذين يقولون: "[الإيمان] قول بلا عمل"، يتعلقون بهذه الآية، وفي تقديرها أقوال، منها: أن المعنى لا يصليها إلا الأشقى، (و) ﴿ٱلَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾. فتكون الواو مضمرة. حكى المبرد وغيره أن العرب تقول: أكلت خبزاً لحماً [تمراً]، فيحذفون حرف العطف. وأنشد أبو زيد: ؎ كيف أصبحت كيف أمسيت ∗∗∗ مما يثبت الود في فؤاد الكريم وإضمار الواو قبيح ليس بكثير في كلام العرب، وفيه نقض للأصول وخروج عن الظاهر. (وقيل: التقدير: لا يصلاها إلا) الأشقى من الكفار والفساق، ثم أعاد ذكر الكفار - خاصة - تنبيهاً عليهم، لأنهم أعظم ذنباً من الفساق. وقيل: التقدير: فأنذرتكم نارا هذه صفتها. وقيل: التقدير: لا يصلاها إلا) أشقى أهل النار، وأشقاهم: الكفار. فدل هذا على أن غير الكفار يدخلون النار بذنوبهم. [وقيل: إن النار طبقات وصفوف مختلفة في شدة العذاب وهوله، فأعلمنا الله في هذه الآية أن هذا الصنف من النار التي تتوهج وتتوقد ولا يدخله إلا الذين كذبوا وتولوا عن الإيمان، وثم أصناف من ذلك عذاب النار دون ذلك يدخلها غير هذا الصنف. وأقل عذاب النار عذاب أليم، أجارنا الله منها]. وقيل: المعنى: لا يخلد فيها إلا الأشقى الذي كذب وتولى، فهذا [للكفار] بإجماع خاصة. وهذا القول أحسن الأقوال عندي. وقال الفراء: ﴿ٱلَّذِي كَذَّبَ﴾ معناه: [الذي] قصر عما أمر به، ليس معناه جحد، وهو مثل قوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢]، أي، تقصير ولا تخلف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى﴾ أي: وسيوقى دخول النار وصليها التقي. "فأفعل" في موضع "فعيل". ثم وصف التقي فقال: ﴿ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ﴾ أي: يعطي ماله في الدنيا يتطهر بذلك من ذنوبه. * * ثم قال: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ﴾ أي: وما لأحد من خلق الله عند هذا الذي يعطي ماله يتزكى به [عند الله] من نعمة يجازيه عليها. أي: ليس يعطي ما يعطي مجازاة لأحد [على] يد له عنده، ولا مكافأة على نعمة سبقت قبله، لكن يعطي ابتغاء وجه ربه الأعلى و "إلا" في هذا المعنى "لكن". وقيل: المعنى: وماله عند أحد في ما أنفق من نعمة يلتمس ثوابها، فيكون على القلب. وهذا أحد قولي الفراء. ومثله قول النابغة: ؎ وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي ∗∗∗ [على وعل من ذي المطارة عاقل] يريد: حتى ما تزيد مخافة وعلٍ (على) مخافتي. وفيه بعد، لأن كتاب الله لا يحمل على القلب إلا إذا لم يكن حمله إلا عليه. ويروى أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه. قال ذلك قتادة وابن جبير وغيرهما. قال هشام بن عروة عن أبيه: أسلم أبو بكر وله أربعون ألفاً فأنفقها، فأنزل الله جل ذكره فيه: ﴿ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ﴾... إلى قوله: ﴿يَرْضَىٰ﴾. قال ابن جبير: أعتق أبو بكر ناساً ستة أو سبعة لم يلتمس مِنهم جزاء ولا شكوراً. منهم: بلال وعامر بن فهيرة. * * وقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ﴾ أي: [ولسوف] يرضى في الآخرة هذا الذي يؤتي ماله يتزكى.

الليل 92:4

قوله تعالى: ﴿وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ﴾ إلى آخرها. معناه: ورب الليل إذا غشى النهار بظلمته فأذهب ضوءه. وقيل: المعنى: يغشى كل شيء بظلمته فيصير له كالغشاء. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ﴾. أي: (إذا) أضاء وأظهر للأبصار ما أخفته ظلمة الليل. وكان قتادة يذهب - فيما أقسم الله به من الأشياء - أنه إنما أقسم به لعظم حاله عنده. (ثم قال تعالى): ﴿وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ﴾. قيل: "ما" بمعنى "من"، يريد نفسه تعالى جل ذكره. وقيل: "ما" والفعل مصدر، أي: وخلق الذكر والأنثى. (وروى ابن مسعود أن النبي ﷺ قرأ: والذكر والأنثى) بالخفض بغير "ما". وأجاز الفراء: وما خلق الذكر والأنثى بالخفض على البدل من "ما". وقال الأخفش: "ما" بمعنى "الذي"، جعلها لمن يعقل. وروي عن أبي [عمرو] أنه قال: أهل مكة يقولون للرعد: سبحان من سبحت له. * * وقوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ هذا جواب القسم أي: إن عملكم لمختلف أيها الناس، لأن منكم الكافر والمؤمن، والعاصي والمطيع. * * وقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: من أعطى في سبيل الله ومرضاته، واتقى الله فاجتنب المعاصي، وصدق بالجنة. قاله مجاهد. وقال ابن عباس: من أعطي ما عنده من الفضل واتقى ربه. وقال قتادة: من أعطى حق الله واتقى محارمه. وقال عباس: - وهو مروي عن مجاهد أيضاً -. ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: وصدق بالخلف من الله جل وعز على نفقته في ذات الله. وقال الضحاك: ﴿بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ "بـ لا إله إلا الله" وروي ذلك (أيضاً) عن ابن عباس، وقاله [أبو] عبد الرحمن السلمي. وقال قتادة: ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ [أي]: بموعود الله جل وعز على نفقته، فعمل لذلك الموعود الذي وعده الله. وروى أبو الدرداء أن النبي ﷺ قال: "ما من يوم غربت فيه شمسه إلا [وبجنبيها] ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين - الجن والإنس - يقولان: اللهم عجل لمنفق خلفاً، وأعط ممسكاً تلفاً وأنزل الله جل وعز في ذلك من القرآن: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾ (وروى الزبير أن النبي ﷺ قال: ما من صباح يصبح إلا وصارخ يصرخ: أيها الخلائق، سبحوا القدوس وروى أبو ذر) أن النبي ﷺ قال: ما من يوم ولا ليلة ولا ساعة إلا ولله فيها صدقة يمن بها على من يشاء من عباده. وما من الله على عبده بمثل أن يلهمه ذكره وروي أنه ما من يوم إلا وهو ينادي: أنا يوم جديد، وأنا عليكم شهيد (ابن آدم)، إني لن [أمر بك] أبداً، فاتق الله واعمل في خيراً. فإذا هو أمسى قال: اللهم لا تردني إلى الدنيا أبداً. وروي أن هذه الآية (نزلت) في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، روي عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: (كان) أبو بكر (الصديق رضي الله عنه) يعتق على الإسلام بمكة، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه: أي بني، أراك تعتق أناساً ضعفاء، ولو أنك أعتقت رجالاً جلداً يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك؟ فقال: إني أريد ما عند الله. قال: فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية نزلت فيه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ﴾ الآية. وروى محمد بن إسحاق أن أبا بكر رضي الله عنه اشترى تسعة كانوا في أيدي المشركين، فأعتقهم لله جل وعز. فأنزل الله: فأما من [أعطى]... الآية. و (معنى) ﴿لِلْيُسْرَىٰ﴾: للحال اليسرى، أو [الخلة] اليسرى، وهي العمل بما يرضاها الله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ﴾. أي: بخل بالنفقة في سبيل الله، واستغنى عن ربه فلم يرغب [في العمل] بطاعته وما يوجب له رضاء ربه. قال ابن عباس: هو "من أغناه الله [فبخل] بالزكاة. وقال قتادة: من بخل عن الله واستغنى في نفسه عن ربه. والاختلاف في ﴿وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ على نحو الاختلاف في: ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾. * * وقوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ﴾ أي: [للخلة] العسرى في الدنيا، وذلك العمل بالمعاصي. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "كنا في جنازة في بقيع الغرقد، [فأتانا] رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة، فنكس رأسه، فجعل [ينكت] بمخصرته (في الأرض)، ثم قال: ما منكم من نفس منفوسة إلا وقد كتب مكانها من الجنة أو النار [قيل]: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟! فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة (ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى عمل أهل الشقاء)، فقال ﷺ: اعملوا، فكل ميسر، أما أهل السعادة [فييسرون] إلى عمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاء [فييسرون] إلى عمل أهل الشقاء، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ﴾ الآيتين وقال الضحاك: للعسرى: للنار. والتيسير إنما يكون في الخير، وإنما جاء هنا للشر على معنى: الذي يقوم لهم مقام (التيسير). العسرى: مثل: "فبشرهم بعذاب أليم". ومثله ما أنشد سيبويه: ؎ تحيَّةُ بَيْنِهِم ضَرْبٌ وَجِيعُ. وقال الفراء: لما وقع للخير تيسير جاز أن يقع في الشر مثله، ولا يكون ذلك إلا إذا اجتمع الخير والشر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ﴾ أي: وأي شيء يغني عنه ماله الذي بخل به إذا هلك وتركه. قال أبو صالح وقتادة: (إذا تردى)، (أي): إذا سقط في النار فهوى فيها. وقال قتادة: إذا تردى: إذا مات. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ﴾. (أي): إن علينا بيان الحق من الباطل. قال قتادة: على الله بيان حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته. بمعنى الآية - على قوله -: إن علينا للهدى والضلالة. ولكن ترك ذكر الضلالة [للدلالة] عليه، كما قال: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١]، وترك ذكر البرد لدلالة الحر عليه. ومثله ما أنشد سيبويه: ؎ فما أدري إذا [يممت] وجهاً ∗∗∗ (أريد) الخير أيهما يليني فحذف الشر لدلالة الخير عليه. فالأشياء تدل على أضدادها وإن لم تذكر الأضداد، والتقدير: أريد الخير وأكره الشر. وقيل معنى الآية: إن علينا سبيل من [سلك] (سبيل) الهدى. أي: من أخذ سبيل فعلى الله سبيله، كما قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] و﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١]. وكما قال: ﴿وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] أي: من أراد الله عز وجل فهو قاصد للسبيل هذا قول الفراء. وقال في قوله: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَٱلأُولَىٰ﴾، أي: (إن) لنا ثواب هذه وثواب هذه. وقال غيره: معناه: وإن لنا ملك ما في الدنيا والآخرة، نعطي من نشاء ونحرم من نشاء. والمعنى أنه يوفق من [يشاء] من خلقه إلى طاعته في الدنيا فيكرمه بذلك في الآخرة، [ويخذل] من [يشاء] من خلقه عن طاعته في الدنيا، فيهينه بذلك في الآخرة. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّىٰ﴾ أي: أنذرتكم أيها الناس ناراً تتوقد وتتوهج، أعدت لمن عصى الله وكفر به. * * ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ ٱلأَشْقَى﴾ أي: لا يدخلها ويصلى سعيرها إلا الأشقى الذين كذب بآيات الله وأعرض عنها. كان أبو هريرة يقول: لتدخلن الجنة إلا من أبى: قالوا: يا أبا هريرة، ومن يأبى أن يدخل الجنة؟! فقال: الذي كذب وتولى. والمرجئة الذين يقولون: "[الإيمان] قول بلا عمل"، يتعلقون بهذه الآية، وفي تقديرها أقوال، منها: أن المعنى لا يصليها إلا الأشقى، (و) ﴿ٱلَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾. فتكون الواو مضمرة. حكى المبرد وغيره أن العرب تقول: أكلت خبزاً لحماً [تمراً]، فيحذفون حرف العطف. وأنشد أبو زيد: ؎ كيف أصبحت كيف أمسيت ∗∗∗ مما يثبت الود في فؤاد الكريم وإضمار الواو قبيح ليس بكثير في كلام العرب، وفيه نقض للأصول وخروج عن الظاهر. (وقيل: التقدير: لا يصلاها إلا) الأشقى من الكفار والفساق، ثم أعاد ذكر الكفار - خاصة - تنبيهاً عليهم، لأنهم أعظم ذنباً من الفساق. وقيل: التقدير: فأنذرتكم نارا هذه صفتها. وقيل: التقدير: لا يصلاها إلا) أشقى أهل النار، وأشقاهم: الكفار. فدل هذا على أن غير الكفار يدخلون النار بذنوبهم. [وقيل: إن النار طبقات وصفوف مختلفة في شدة العذاب وهوله، فأعلمنا الله في هذه الآية أن هذا الصنف من النار التي تتوهج وتتوقد ولا يدخله إلا الذين كذبوا وتولوا عن الإيمان، وثم أصناف من ذلك عذاب النار دون ذلك يدخلها غير هذا الصنف. وأقل عذاب النار عذاب أليم، أجارنا الله منها]. وقيل: المعنى: لا يخلد فيها إلا الأشقى الذي كذب وتولى، فهذا [للكفار] بإجماع خاصة. وهذا القول أحسن الأقوال عندي. وقال الفراء: ﴿ٱلَّذِي كَذَّبَ﴾ معناه: [الذي] قصر عما أمر به، ليس معناه جحد، وهو مثل قوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢]، أي، تقصير ولا تخلف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى﴾ أي: وسيوقى دخول النار وصليها التقي. "فأفعل" في موضع "فعيل". ثم وصف التقي فقال: ﴿ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ﴾ أي: يعطي ماله في الدنيا يتطهر بذلك من ذنوبه. * * ثم قال: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ﴾ أي: وما لأحد من خلق الله عند هذا الذي يعطي ماله يتزكى به [عند الله] من نعمة يجازيه عليها. أي: ليس يعطي ما يعطي مجازاة لأحد [على] يد له عنده، ولا مكافأة على نعمة سبقت قبله، لكن يعطي ابتغاء وجه ربه الأعلى و "إلا" في هذا المعنى "لكن". وقيل: المعنى: وماله عند أحد في ما أنفق من نعمة يلتمس ثوابها، فيكون على القلب. وهذا أحد قولي الفراء. ومثله قول النابغة: ؎ وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي ∗∗∗ [على وعل من ذي المطارة عاقل] يريد: حتى ما تزيد مخافة وعلٍ (على) مخافتي. وفيه بعد، لأن كتاب الله لا يحمل على القلب إلا إذا لم يكن حمله إلا عليه. ويروى أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه. قال ذلك قتادة وابن جبير وغيرهما. قال هشام بن عروة عن أبيه: أسلم أبو بكر وله أربعون ألفاً فأنفقها، فأنزل الله جل ذكره فيه: ﴿ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ﴾... إلى قوله: ﴿يَرْضَىٰ﴾. قال ابن جبير: أعتق أبو بكر ناساً ستة أو سبعة لم يلتمس مِنهم جزاء ولا شكوراً. منهم: بلال وعامر بن فهيرة. * * وقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ﴾ أي: [ولسوف] يرضى في الآخرة هذا الذي يؤتي ماله يتزكى.

الليل 92:5

قوله تعالى: ﴿وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ﴾ إلى آخرها. معناه: ورب الليل إذا غشى النهار بظلمته فأذهب ضوءه. وقيل: المعنى: يغشى كل شيء بظلمته فيصير له كالغشاء. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ﴾. أي: (إذا) أضاء وأظهر للأبصار ما أخفته ظلمة الليل. وكان قتادة يذهب - فيما أقسم الله به من الأشياء - أنه إنما أقسم به لعظم حاله عنده. (ثم قال تعالى): ﴿وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ﴾. قيل: "ما" بمعنى "من"، يريد نفسه تعالى جل ذكره. وقيل: "ما" والفعل مصدر، أي: وخلق الذكر والأنثى. (وروى ابن مسعود أن النبي ﷺ قرأ: والذكر والأنثى) بالخفض بغير "ما". وأجاز الفراء: وما خلق الذكر والأنثى بالخفض على البدل من "ما". وقال الأخفش: "ما" بمعنى "الذي"، جعلها لمن يعقل. وروي عن أبي [عمرو] أنه قال: أهل مكة يقولون للرعد: سبحان من سبحت له. * * وقوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ هذا جواب القسم أي: إن عملكم لمختلف أيها الناس، لأن منكم الكافر والمؤمن، والعاصي والمطيع. * * وقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: من أعطى في سبيل الله ومرضاته، واتقى الله فاجتنب المعاصي، وصدق بالجنة. قاله مجاهد. وقال ابن عباس: من أعطي ما عنده من الفضل واتقى ربه. وقال قتادة: من أعطى حق الله واتقى محارمه. وقال عباس: - وهو مروي عن مجاهد أيضاً -. ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: وصدق بالخلف من الله جل وعز على نفقته في ذات الله. وقال الضحاك: ﴿بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ "بـ لا إله إلا الله" وروي ذلك (أيضاً) عن ابن عباس، وقاله [أبو] عبد الرحمن السلمي. وقال قتادة: ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ [أي]: بموعود الله جل وعز على نفقته، فعمل لذلك الموعود الذي وعده الله. وروى أبو الدرداء أن النبي ﷺ قال: "ما من يوم غربت فيه شمسه إلا [وبجنبيها] ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين - الجن والإنس - يقولان: اللهم عجل لمنفق خلفاً، وأعط ممسكاً تلفاً وأنزل الله جل وعز في ذلك من القرآن: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾ (وروى الزبير أن النبي ﷺ قال: ما من صباح يصبح إلا وصارخ يصرخ: أيها الخلائق، سبحوا القدوس وروى أبو ذر) أن النبي ﷺ قال: ما من يوم ولا ليلة ولا ساعة إلا ولله فيها صدقة يمن بها على من يشاء من عباده. وما من الله على عبده بمثل أن يلهمه ذكره وروي أنه ما من يوم إلا وهو ينادي: أنا يوم جديد، وأنا عليكم شهيد (ابن آدم)، إني لن [أمر بك] أبداً، فاتق الله واعمل في خيراً. فإذا هو أمسى قال: اللهم لا تردني إلى الدنيا أبداً. وروي أن هذه الآية (نزلت) في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، روي عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: (كان) أبو بكر (الصديق رضي الله عنه) يعتق على الإسلام بمكة، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه: أي بني، أراك تعتق أناساً ضعفاء، ولو أنك أعتقت رجالاً جلداً يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك؟ فقال: إني أريد ما عند الله. قال: فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية نزلت فيه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ﴾ الآية. وروى محمد بن إسحاق أن أبا بكر رضي الله عنه اشترى تسعة كانوا في أيدي المشركين، فأعتقهم لله جل وعز. فأنزل الله: فأما من [أعطى]... الآية. و (معنى) ﴿لِلْيُسْرَىٰ﴾: للحال اليسرى، أو [الخلة] اليسرى، وهي العمل بما يرضاها الله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ﴾. أي: بخل بالنفقة في سبيل الله، واستغنى عن ربه فلم يرغب [في العمل] بطاعته وما يوجب له رضاء ربه. قال ابن عباس: هو "من أغناه الله [فبخل] بالزكاة. وقال قتادة: من بخل عن الله واستغنى في نفسه عن ربه. والاختلاف في ﴿وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ على نحو الاختلاف في: ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾. * * وقوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ﴾ أي: [للخلة] العسرى في الدنيا، وذلك العمل بالمعاصي. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "كنا في جنازة في بقيع الغرقد، [فأتانا] رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة، فنكس رأسه، فجعل [ينكت] بمخصرته (في الأرض)، ثم قال: ما منكم من نفس منفوسة إلا وقد كتب مكانها من الجنة أو النار [قيل]: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟! فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة (ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى عمل أهل الشقاء)، فقال ﷺ: اعملوا، فكل ميسر، أما أهل السعادة [فييسرون] إلى عمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاء [فييسرون] إلى عمل أهل الشقاء، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ﴾ الآيتين وقال الضحاك: للعسرى: للنار. والتيسير إنما يكون في الخير، وإنما جاء هنا للشر على معنى: الذي يقوم لهم مقام (التيسير). العسرى: مثل: "فبشرهم بعذاب أليم". ومثله ما أنشد سيبويه: ؎ تحيَّةُ بَيْنِهِم ضَرْبٌ وَجِيعُ. وقال الفراء: لما وقع للخير تيسير جاز أن يقع في الشر مثله، ولا يكون ذلك إلا إذا اجتمع الخير والشر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ﴾ أي: وأي شيء يغني عنه ماله الذي بخل به إذا هلك وتركه. قال أبو صالح وقتادة: (إذا تردى)، (أي): إذا سقط في النار فهوى فيها. وقال قتادة: إذا تردى: إذا مات. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ﴾. (أي): إن علينا بيان الحق من الباطل. قال قتادة: على الله بيان حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته. بمعنى الآية - على قوله -: إن علينا للهدى والضلالة. ولكن ترك ذكر الضلالة [للدلالة] عليه، كما قال: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١]، وترك ذكر البرد لدلالة الحر عليه. ومثله ما أنشد سيبويه: ؎ فما أدري إذا [يممت] وجهاً ∗∗∗ (أريد) الخير أيهما يليني فحذف الشر لدلالة الخير عليه. فالأشياء تدل على أضدادها وإن لم تذكر الأضداد، والتقدير: أريد الخير وأكره الشر. وقيل معنى الآية: إن علينا سبيل من [سلك] (سبيل) الهدى. أي: من أخذ سبيل فعلى الله سبيله، كما قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] و﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١]. وكما قال: ﴿وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] أي: من أراد الله عز وجل فهو قاصد للسبيل هذا قول الفراء. وقال في قوله: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَٱلأُولَىٰ﴾، أي: (إن) لنا ثواب هذه وثواب هذه. وقال غيره: معناه: وإن لنا ملك ما في الدنيا والآخرة، نعطي من نشاء ونحرم من نشاء. والمعنى أنه يوفق من [يشاء] من خلقه إلى طاعته في الدنيا فيكرمه بذلك في الآخرة، [ويخذل] من [يشاء] من خلقه عن طاعته في الدنيا، فيهينه بذلك في الآخرة. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّىٰ﴾ أي: أنذرتكم أيها الناس ناراً تتوقد وتتوهج، أعدت لمن عصى الله وكفر به. * * ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ ٱلأَشْقَى﴾ أي: لا يدخلها ويصلى سعيرها إلا الأشقى الذين كذب بآيات الله وأعرض عنها. كان أبو هريرة يقول: لتدخلن الجنة إلا من أبى: قالوا: يا أبا هريرة، ومن يأبى أن يدخل الجنة؟! فقال: الذي كذب وتولى. والمرجئة الذين يقولون: "[الإيمان] قول بلا عمل"، يتعلقون بهذه الآية، وفي تقديرها أقوال، منها: أن المعنى لا يصليها إلا الأشقى، (و) ﴿ٱلَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾. فتكون الواو مضمرة. حكى المبرد وغيره أن العرب تقول: أكلت خبزاً لحماً [تمراً]، فيحذفون حرف العطف. وأنشد أبو زيد: ؎ كيف أصبحت كيف أمسيت ∗∗∗ مما يثبت الود في فؤاد الكريم وإضمار الواو قبيح ليس بكثير في كلام العرب، وفيه نقض للأصول وخروج عن الظاهر. (وقيل: التقدير: لا يصلاها إلا) الأشقى من الكفار والفساق، ثم أعاد ذكر الكفار - خاصة - تنبيهاً عليهم، لأنهم أعظم ذنباً من الفساق. وقيل: التقدير: فأنذرتكم نارا هذه صفتها. وقيل: التقدير: لا يصلاها إلا) أشقى أهل النار، وأشقاهم: الكفار. فدل هذا على أن غير الكفار يدخلون النار بذنوبهم. [وقيل: إن النار طبقات وصفوف مختلفة في شدة العذاب وهوله، فأعلمنا الله في هذه الآية أن هذا الصنف من النار التي تتوهج وتتوقد ولا يدخله إلا الذين كذبوا وتولوا عن الإيمان، وثم أصناف من ذلك عذاب النار دون ذلك يدخلها غير هذا الصنف. وأقل عذاب النار عذاب أليم، أجارنا الله منها]. وقيل: المعنى: لا يخلد فيها إلا الأشقى الذي كذب وتولى، فهذا [للكفار] بإجماع خاصة. وهذا القول أحسن الأقوال عندي. وقال الفراء: ﴿ٱلَّذِي كَذَّبَ﴾ معناه: [الذي] قصر عما أمر به، ليس معناه جحد، وهو مثل قوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢]، أي، تقصير ولا تخلف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى﴾ أي: وسيوقى دخول النار وصليها التقي. "فأفعل" في موضع "فعيل". ثم وصف التقي فقال: ﴿ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ﴾ أي: يعطي ماله في الدنيا يتطهر بذلك من ذنوبه. * * ثم قال: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ﴾ أي: وما لأحد من خلق الله عند هذا الذي يعطي ماله يتزكى به [عند الله] من نعمة يجازيه عليها. أي: ليس يعطي ما يعطي مجازاة لأحد [على] يد له عنده، ولا مكافأة على نعمة سبقت قبله، لكن يعطي ابتغاء وجه ربه الأعلى و "إلا" في هذا المعنى "لكن". وقيل: المعنى: وماله عند أحد في ما أنفق من نعمة يلتمس ثوابها، فيكون على القلب. وهذا أحد قولي الفراء. ومثله قول النابغة: ؎ وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي ∗∗∗ [على وعل من ذي المطارة عاقل] يريد: حتى ما تزيد مخافة وعلٍ (على) مخافتي. وفيه بعد، لأن كتاب الله لا يحمل على القلب إلا إذا لم يكن حمله إلا عليه. ويروى أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه. قال ذلك قتادة وابن جبير وغيرهما. قال هشام بن عروة عن أبيه: أسلم أبو بكر وله أربعون ألفاً فأنفقها، فأنزل الله جل ذكره فيه: ﴿ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ﴾... إلى قوله: ﴿يَرْضَىٰ﴾. قال ابن جبير: أعتق أبو بكر ناساً ستة أو سبعة لم يلتمس مِنهم جزاء ولا شكوراً. منهم: بلال وعامر بن فهيرة. * * وقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ﴾ أي: [ولسوف] يرضى في الآخرة هذا الذي يؤتي ماله يتزكى.

الليل 92:6

قوله تعالى: ﴿وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ﴾ إلى آخرها. معناه: ورب الليل إذا غشى النهار بظلمته فأذهب ضوءه. وقيل: المعنى: يغشى كل شيء بظلمته فيصير له كالغشاء. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ﴾. أي: (إذا) أضاء وأظهر للأبصار ما أخفته ظلمة الليل. وكان قتادة يذهب - فيما أقسم الله به من الأشياء - أنه إنما أقسم به لعظم حاله عنده. (ثم قال تعالى): ﴿وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ﴾. قيل: "ما" بمعنى "من"، يريد نفسه تعالى جل ذكره. وقيل: "ما" والفعل مصدر، أي: وخلق الذكر والأنثى. (وروى ابن مسعود أن النبي ﷺ قرأ: والذكر والأنثى) بالخفض بغير "ما". وأجاز الفراء: وما خلق الذكر والأنثى بالخفض على البدل من "ما". وقال الأخفش: "ما" بمعنى "الذي"، جعلها لمن يعقل. وروي عن أبي [عمرو] أنه قال: أهل مكة يقولون للرعد: سبحان من سبحت له. * * وقوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ هذا جواب القسم أي: إن عملكم لمختلف أيها الناس، لأن منكم الكافر والمؤمن، والعاصي والمطيع. * * وقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: من أعطى في سبيل الله ومرضاته، واتقى الله فاجتنب المعاصي، وصدق بالجنة. قاله مجاهد. وقال ابن عباس: من أعطي ما عنده من الفضل واتقى ربه. وقال قتادة: من أعطى حق الله واتقى محارمه. وقال عباس: - وهو مروي عن مجاهد أيضاً -. ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: وصدق بالخلف من الله جل وعز على نفقته في ذات الله. وقال الضحاك: ﴿بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ "بـ لا إله إلا الله" وروي ذلك (أيضاً) عن ابن عباس، وقاله [أبو] عبد الرحمن السلمي. وقال قتادة: ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ [أي]: بموعود الله جل وعز على نفقته، فعمل لذلك الموعود الذي وعده الله. وروى أبو الدرداء أن النبي ﷺ قال: "ما من يوم غربت فيه شمسه إلا [وبجنبيها] ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين - الجن والإنس - يقولان: اللهم عجل لمنفق خلفاً، وأعط ممسكاً تلفاً وأنزل الله جل وعز في ذلك من القرآن: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾ (وروى الزبير أن النبي ﷺ قال: ما من صباح يصبح إلا وصارخ يصرخ: أيها الخلائق، سبحوا القدوس وروى أبو ذر) أن النبي ﷺ قال: ما من يوم ولا ليلة ولا ساعة إلا ولله فيها صدقة يمن بها على من يشاء من عباده. وما من الله على عبده بمثل أن يلهمه ذكره وروي أنه ما من يوم إلا وهو ينادي: أنا يوم جديد، وأنا عليكم شهيد (ابن آدم)، إني لن [أمر بك] أبداً، فاتق الله واعمل في خيراً. فإذا هو أمسى قال: اللهم لا تردني إلى الدنيا أبداً. وروي أن هذه الآية (نزلت) في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، روي عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: (كان) أبو بكر (الصديق رضي الله عنه) يعتق على الإسلام بمكة، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه: أي بني، أراك تعتق أناساً ضعفاء، ولو أنك أعتقت رجالاً جلداً يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك؟ فقال: إني أريد ما عند الله. قال: فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية نزلت فيه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ﴾ الآية. وروى محمد بن إسحاق أن أبا بكر رضي الله عنه اشترى تسعة كانوا في أيدي المشركين، فأعتقهم لله جل وعز. فأنزل الله: فأما من [أعطى]... الآية. و (معنى) ﴿لِلْيُسْرَىٰ﴾: للحال اليسرى، أو [الخلة] اليسرى، وهي العمل بما يرضاها الله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ﴾. أي: بخل بالنفقة في سبيل الله، واستغنى عن ربه فلم يرغب [في العمل] بطاعته وما يوجب له رضاء ربه. قال ابن عباس: هو "من أغناه الله [فبخل] بالزكاة. وقال قتادة: من بخل عن الله واستغنى في نفسه عن ربه. والاختلاف في ﴿وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ على نحو الاختلاف في: ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾. * * وقوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ﴾ أي: [للخلة] العسرى في الدنيا، وذلك العمل بالمعاصي. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "كنا في جنازة في بقيع الغرقد، [فأتانا] رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة، فنكس رأسه، فجعل [ينكت] بمخصرته (في الأرض)، ثم قال: ما منكم من نفس منفوسة إلا وقد كتب مكانها من الجنة أو النار [قيل]: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟! فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة (ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى عمل أهل الشقاء)، فقال ﷺ: اعملوا، فكل ميسر، أما أهل السعادة [فييسرون] إلى عمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاء [فييسرون] إلى عمل أهل الشقاء، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ﴾ الآيتين وقال الضحاك: للعسرى: للنار. والتيسير إنما يكون في الخير، وإنما جاء هنا للشر على معنى: الذي يقوم لهم مقام (التيسير). العسرى: مثل: "فبشرهم بعذاب أليم". ومثله ما أنشد سيبويه: ؎ تحيَّةُ بَيْنِهِم ضَرْبٌ وَجِيعُ. وقال الفراء: لما وقع للخير تيسير جاز أن يقع في الشر مثله، ولا يكون ذلك إلا إذا اجتمع الخير والشر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ﴾ أي: وأي شيء يغني عنه ماله الذي بخل به إذا هلك وتركه. قال أبو صالح وقتادة: (إذا تردى)، (أي): إذا سقط في النار فهوى فيها. وقال قتادة: إذا تردى: إذا مات. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ﴾. (أي): إن علينا بيان الحق من الباطل. قال قتادة: على الله بيان حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته. بمعنى الآية - على قوله -: إن علينا للهدى والضلالة. ولكن ترك ذكر الضلالة [للدلالة] عليه، كما قال: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١]، وترك ذكر البرد لدلالة الحر عليه. ومثله ما أنشد سيبويه: ؎ فما أدري إذا [يممت] وجهاً ∗∗∗ (أريد) الخير أيهما يليني فحذف الشر لدلالة الخير عليه. فالأشياء تدل على أضدادها وإن لم تذكر الأضداد، والتقدير: أريد الخير وأكره الشر. وقيل معنى الآية: إن علينا سبيل من [سلك] (سبيل) الهدى. أي: من أخذ سبيل فعلى الله سبيله، كما قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] و﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١]. وكما قال: ﴿وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] أي: من أراد الله عز وجل فهو قاصد للسبيل هذا قول الفراء. وقال في قوله: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَٱلأُولَىٰ﴾، أي: (إن) لنا ثواب هذه وثواب هذه. وقال غيره: معناه: وإن لنا ملك ما في الدنيا والآخرة، نعطي من نشاء ونحرم من نشاء. والمعنى أنه يوفق من [يشاء] من خلقه إلى طاعته في الدنيا فيكرمه بذلك في الآخرة، [ويخذل] من [يشاء] من خلقه عن طاعته في الدنيا، فيهينه بذلك في الآخرة. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّىٰ﴾ أي: أنذرتكم أيها الناس ناراً تتوقد وتتوهج، أعدت لمن عصى الله وكفر به. * * ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ ٱلأَشْقَى﴾ أي: لا يدخلها ويصلى سعيرها إلا الأشقى الذين كذب بآيات الله وأعرض عنها. كان أبو هريرة يقول: لتدخلن الجنة إلا من أبى: قالوا: يا أبا هريرة، ومن يأبى أن يدخل الجنة؟! فقال: الذي كذب وتولى. والمرجئة الذين يقولون: "[الإيمان] قول بلا عمل"، يتعلقون بهذه الآية، وفي تقديرها أقوال، منها: أن المعنى لا يصليها إلا الأشقى، (و) ﴿ٱلَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾. فتكون الواو مضمرة. حكى المبرد وغيره أن العرب تقول: أكلت خبزاً لحماً [تمراً]، فيحذفون حرف العطف. وأنشد أبو زيد: ؎ كيف أصبحت كيف أمسيت ∗∗∗ مما يثبت الود في فؤاد الكريم وإضمار الواو قبيح ليس بكثير في كلام العرب، وفيه نقض للأصول وخروج عن الظاهر. (وقيل: التقدير: لا يصلاها إلا) الأشقى من الكفار والفساق، ثم أعاد ذكر الكفار - خاصة - تنبيهاً عليهم، لأنهم أعظم ذنباً من الفساق. وقيل: التقدير: فأنذرتكم نارا هذه صفتها. وقيل: التقدير: لا يصلاها إلا) أشقى أهل النار، وأشقاهم: الكفار. فدل هذا على أن غير الكفار يدخلون النار بذنوبهم. [وقيل: إن النار طبقات وصفوف مختلفة في شدة العذاب وهوله، فأعلمنا الله في هذه الآية أن هذا الصنف من النار التي تتوهج وتتوقد ولا يدخله إلا الذين كذبوا وتولوا عن الإيمان، وثم أصناف من ذلك عذاب النار دون ذلك يدخلها غير هذا الصنف. وأقل عذاب النار عذاب أليم، أجارنا الله منها]. وقيل: المعنى: لا يخلد فيها إلا الأشقى الذي كذب وتولى، فهذا [للكفار] بإجماع خاصة. وهذا القول أحسن الأقوال عندي. وقال الفراء: ﴿ٱلَّذِي كَذَّبَ﴾ معناه: [الذي] قصر عما أمر به، ليس معناه جحد، وهو مثل قوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢]، أي، تقصير ولا تخلف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى﴾ أي: وسيوقى دخول النار وصليها التقي. "فأفعل" في موضع "فعيل". ثم وصف التقي فقال: ﴿ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ﴾ أي: يعطي ماله في الدنيا يتطهر بذلك من ذنوبه. * * ثم قال: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ﴾ أي: وما لأحد من خلق الله عند هذا الذي يعطي ماله يتزكى به [عند الله] من نعمة يجازيه عليها. أي: ليس يعطي ما يعطي مجازاة لأحد [على] يد له عنده، ولا مكافأة على نعمة سبقت قبله، لكن يعطي ابتغاء وجه ربه الأعلى و "إلا" في هذا المعنى "لكن". وقيل: المعنى: وماله عند أحد في ما أنفق من نعمة يلتمس ثوابها، فيكون على القلب. وهذا أحد قولي الفراء. ومثله قول النابغة: ؎ وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي ∗∗∗ [على وعل من ذي المطارة عاقل] يريد: حتى ما تزيد مخافة وعلٍ (على) مخافتي. وفيه بعد، لأن كتاب الله لا يحمل على القلب إلا إذا لم يكن حمله إلا عليه. ويروى أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه. قال ذلك قتادة وابن جبير وغيرهما. قال هشام بن عروة عن أبيه: أسلم أبو بكر وله أربعون ألفاً فأنفقها، فأنزل الله جل ذكره فيه: ﴿ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ﴾... إلى قوله: ﴿يَرْضَىٰ﴾. قال ابن جبير: أعتق أبو بكر ناساً ستة أو سبعة لم يلتمس مِنهم جزاء ولا شكوراً. منهم: بلال وعامر بن فهيرة. * * وقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ﴾ أي: [ولسوف] يرضى في الآخرة هذا الذي يؤتي ماله يتزكى.

الليل 92:7

قوله تعالى: ﴿وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ﴾ إلى آخرها. معناه: ورب الليل إذا غشى النهار بظلمته فأذهب ضوءه. وقيل: المعنى: يغشى كل شيء بظلمته فيصير له كالغشاء. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ﴾. أي: (إذا) أضاء وأظهر للأبصار ما أخفته ظلمة الليل. وكان قتادة يذهب - فيما أقسم الله به من الأشياء - أنه إنما أقسم به لعظم حاله عنده. (ثم قال تعالى): ﴿وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ﴾. قيل: "ما" بمعنى "من"، يريد نفسه تعالى جل ذكره. وقيل: "ما" والفعل مصدر، أي: وخلق الذكر والأنثى. (وروى ابن مسعود أن النبي ﷺ قرأ: والذكر والأنثى) بالخفض بغير "ما". وأجاز الفراء: وما خلق الذكر والأنثى بالخفض على البدل من "ما". وقال الأخفش: "ما" بمعنى "الذي"، جعلها لمن يعقل. وروي عن أبي [عمرو] أنه قال: أهل مكة يقولون للرعد: سبحان من سبحت له. * * وقوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ هذا جواب القسم أي: إن عملكم لمختلف أيها الناس، لأن منكم الكافر والمؤمن، والعاصي والمطيع. * * وقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: من أعطى في سبيل الله ومرضاته، واتقى الله فاجتنب المعاصي، وصدق بالجنة. قاله مجاهد. وقال ابن عباس: من أعطي ما عنده من الفضل واتقى ربه. وقال قتادة: من أعطى حق الله واتقى محارمه. وقال عباس: - وهو مروي عن مجاهد أيضاً -. ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: وصدق بالخلف من الله جل وعز على نفقته في ذات الله. وقال الضحاك: ﴿بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ "بـ لا إله إلا الله" وروي ذلك (أيضاً) عن ابن عباس، وقاله [أبو] عبد الرحمن السلمي. وقال قتادة: ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ [أي]: بموعود الله جل وعز على نفقته، فعمل لذلك الموعود الذي وعده الله. وروى أبو الدرداء أن النبي ﷺ قال: "ما من يوم غربت فيه شمسه إلا [وبجنبيها] ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين - الجن والإنس - يقولان: اللهم عجل لمنفق خلفاً، وأعط ممسكاً تلفاً وأنزل الله جل وعز في ذلك من القرآن: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾ (وروى الزبير أن النبي ﷺ قال: ما من صباح يصبح إلا وصارخ يصرخ: أيها الخلائق، سبحوا القدوس وروى أبو ذر) أن النبي ﷺ قال: ما من يوم ولا ليلة ولا ساعة إلا ولله فيها صدقة يمن بها على من يشاء من عباده. وما من الله على عبده بمثل أن يلهمه ذكره وروي أنه ما من يوم إلا وهو ينادي: أنا يوم جديد، وأنا عليكم شهيد (ابن آدم)، إني لن [أمر بك] أبداً، فاتق الله واعمل في خيراً. فإذا هو أمسى قال: اللهم لا تردني إلى الدنيا أبداً. وروي أن هذه الآية (نزلت) في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، روي عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: (كان) أبو بكر (الصديق رضي الله عنه) يعتق على الإسلام بمكة، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه: أي بني، أراك تعتق أناساً ضعفاء، ولو أنك أعتقت رجالاً جلداً يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك؟ فقال: إني أريد ما عند الله. قال: فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية نزلت فيه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ﴾ الآية. وروى محمد بن إسحاق أن أبا بكر رضي الله عنه اشترى تسعة كانوا في أيدي المشركين، فأعتقهم لله جل وعز. فأنزل الله: فأما من [أعطى]... الآية. و (معنى) ﴿لِلْيُسْرَىٰ﴾: للحال اليسرى، أو [الخلة] اليسرى، وهي العمل بما يرضاها الله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ﴾. أي: بخل بالنفقة في سبيل الله، واستغنى عن ربه فلم يرغب [في العمل] بطاعته وما يوجب له رضاء ربه. قال ابن عباس: هو "من أغناه الله [فبخل] بالزكاة. وقال قتادة: من بخل عن الله واستغنى في نفسه عن ربه. والاختلاف في ﴿وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ على نحو الاختلاف في: ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾. * * وقوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ﴾ أي: [للخلة] العسرى في الدنيا، وذلك العمل بالمعاصي. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "كنا في جنازة في بقيع الغرقد، [فأتانا] رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة، فنكس رأسه، فجعل [ينكت] بمخصرته (في الأرض)، ثم قال: ما منكم من نفس منفوسة إلا وقد كتب مكانها من الجنة أو النار [قيل]: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟! فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة (ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى عمل أهل الشقاء)، فقال ﷺ: اعملوا، فكل ميسر، أما أهل السعادة [فييسرون] إلى عمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاء [فييسرون] إلى عمل أهل الشقاء، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ﴾ الآيتين وقال الضحاك: للعسرى: للنار. والتيسير إنما يكون في الخير، وإنما جاء هنا للشر على معنى: الذي يقوم لهم مقام (التيسير). العسرى: مثل: "فبشرهم بعذاب أليم". ومثله ما أنشد سيبويه: ؎ تحيَّةُ بَيْنِهِم ضَرْبٌ وَجِيعُ. وقال الفراء: لما وقع للخير تيسير جاز أن يقع في الشر مثله، ولا يكون ذلك إلا إذا اجتمع الخير والشر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ﴾ أي: وأي شيء يغني عنه ماله الذي بخل به إذا هلك وتركه. قال أبو صالح وقتادة: (إذا تردى)، (أي): إذا سقط في النار فهوى فيها. وقال قتادة: إذا تردى: إذا مات. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ﴾. (أي): إن علينا بيان الحق من الباطل. قال قتادة: على الله بيان حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته. بمعنى الآية - على قوله -: إن علينا للهدى والضلالة. ولكن ترك ذكر الضلالة [للدلالة] عليه، كما قال: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١]، وترك ذكر البرد لدلالة الحر عليه. ومثله ما أنشد سيبويه: ؎ فما أدري إذا [يممت] وجهاً ∗∗∗ (أريد) الخير أيهما يليني فحذف الشر لدلالة الخير عليه. فالأشياء تدل على أضدادها وإن لم تذكر الأضداد، والتقدير: أريد الخير وأكره الشر. وقيل معنى الآية: إن علينا سبيل من [سلك] (سبيل) الهدى. أي: من أخذ سبيل فعلى الله سبيله، كما قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] و﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١]. وكما قال: ﴿وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] أي: من أراد الله عز وجل فهو قاصد للسبيل هذا قول الفراء. وقال في قوله: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَٱلأُولَىٰ﴾، أي: (إن) لنا ثواب هذه وثواب هذه. وقال غيره: معناه: وإن لنا ملك ما في الدنيا والآخرة، نعطي من نشاء ونحرم من نشاء. والمعنى أنه يوفق من [يشاء] من خلقه إلى طاعته في الدنيا فيكرمه بذلك في الآخرة، [ويخذل] من [يشاء] من خلقه عن طاعته في الدنيا، فيهينه بذلك في الآخرة. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّىٰ﴾ أي: أنذرتكم أيها الناس ناراً تتوقد وتتوهج، أعدت لمن عصى الله وكفر به. * * ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ ٱلأَشْقَى﴾ أي: لا يدخلها ويصلى سعيرها إلا الأشقى الذين كذب بآيات الله وأعرض عنها. كان أبو هريرة يقول: لتدخلن الجنة إلا من أبى: قالوا: يا أبا هريرة، ومن يأبى أن يدخل الجنة؟! فقال: الذي كذب وتولى. والمرجئة الذين يقولون: "[الإيمان] قول بلا عمل"، يتعلقون بهذه الآية، وفي تقديرها أقوال، منها: أن المعنى لا يصليها إلا الأشقى، (و) ﴿ٱلَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾. فتكون الواو مضمرة. حكى المبرد وغيره أن العرب تقول: أكلت خبزاً لحماً [تمراً]، فيحذفون حرف العطف. وأنشد أبو زيد: ؎ كيف أصبحت كيف أمسيت ∗∗∗ مما يثبت الود في فؤاد الكريم وإضمار الواو قبيح ليس بكثير في كلام العرب، وفيه نقض للأصول وخروج عن الظاهر. (وقيل: التقدير: لا يصلاها إلا) الأشقى من الكفار والفساق، ثم أعاد ذكر الكفار - خاصة - تنبيهاً عليهم، لأنهم أعظم ذنباً من الفساق. وقيل: التقدير: فأنذرتكم نارا هذه صفتها. وقيل: التقدير: لا يصلاها إلا) أشقى أهل النار، وأشقاهم: الكفار. فدل هذا على أن غير الكفار يدخلون النار بذنوبهم. [وقيل: إن النار طبقات وصفوف مختلفة في شدة العذاب وهوله، فأعلمنا الله في هذه الآية أن هذا الصنف من النار التي تتوهج وتتوقد ولا يدخله إلا الذين كذبوا وتولوا عن الإيمان، وثم أصناف من ذلك عذاب النار دون ذلك يدخلها غير هذا الصنف. وأقل عذاب النار عذاب أليم، أجارنا الله منها]. وقيل: المعنى: لا يخلد فيها إلا الأشقى الذي كذب وتولى، فهذا [للكفار] بإجماع خاصة. وهذا القول أحسن الأقوال عندي. وقال الفراء: ﴿ٱلَّذِي كَذَّبَ﴾ معناه: [الذي] قصر عما أمر به، ليس معناه جحد، وهو مثل قوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢]، أي، تقصير ولا تخلف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى﴾ أي: وسيوقى دخول النار وصليها التقي. "فأفعل" في موضع "فعيل". ثم وصف التقي فقال: ﴿ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ﴾ أي: يعطي ماله في الدنيا يتطهر بذلك من ذنوبه. * * ثم قال: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ﴾ أي: وما لأحد من خلق الله عند هذا الذي يعطي ماله يتزكى به [عند الله] من نعمة يجازيه عليها. أي: ليس يعطي ما يعطي مجازاة لأحد [على] يد له عنده، ولا مكافأة على نعمة سبقت قبله، لكن يعطي ابتغاء وجه ربه الأعلى و "إلا" في هذا المعنى "لكن". وقيل: المعنى: وماله عند أحد في ما أنفق من نعمة يلتمس ثوابها، فيكون على القلب. وهذا أحد قولي الفراء. ومثله قول النابغة: ؎ وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي ∗∗∗ [على وعل من ذي المطارة عاقل] يريد: حتى ما تزيد مخافة وعلٍ (على) مخافتي. وفيه بعد، لأن كتاب الله لا يحمل على القلب إلا إذا لم يكن حمله إلا عليه. ويروى أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه. قال ذلك قتادة وابن جبير وغيرهما. قال هشام بن عروة عن أبيه: أسلم أبو بكر وله أربعون ألفاً فأنفقها، فأنزل الله جل ذكره فيه: ﴿ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ﴾... إلى قوله: ﴿يَرْضَىٰ﴾. قال ابن جبير: أعتق أبو بكر ناساً ستة أو سبعة لم يلتمس مِنهم جزاء ولا شكوراً. منهم: بلال وعامر بن فهيرة. * * وقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ﴾ أي: [ولسوف] يرضى في الآخرة هذا الذي يؤتي ماله يتزكى.

الليل 92:8

قوله تعالى: ﴿وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ﴾ إلى آخرها. معناه: ورب الليل إذا غشى النهار بظلمته فأذهب ضوءه. وقيل: المعنى: يغشى كل شيء بظلمته فيصير له كالغشاء. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ﴾. أي: (إذا) أضاء وأظهر للأبصار ما أخفته ظلمة الليل. وكان قتادة يذهب - فيما أقسم الله به من الأشياء - أنه إنما أقسم به لعظم حاله عنده. (ثم قال تعالى): ﴿وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ﴾. قيل: "ما" بمعنى "من"، يريد نفسه تعالى جل ذكره. وقيل: "ما" والفعل مصدر، أي: وخلق الذكر والأنثى. (وروى ابن مسعود أن النبي ﷺ قرأ: والذكر والأنثى) بالخفض بغير "ما". وأجاز الفراء: وما خلق الذكر والأنثى بالخفض على البدل من "ما". وقال الأخفش: "ما" بمعنى "الذي"، جعلها لمن يعقل. وروي عن أبي [عمرو] أنه قال: أهل مكة يقولون للرعد: سبحان من سبحت له. * * وقوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ هذا جواب القسم أي: إن عملكم لمختلف أيها الناس، لأن منكم الكافر والمؤمن، والعاصي والمطيع. * * وقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: من أعطى في سبيل الله ومرضاته، واتقى الله فاجتنب المعاصي، وصدق بالجنة. قاله مجاهد. وقال ابن عباس: من أعطي ما عنده من الفضل واتقى ربه. وقال قتادة: من أعطى حق الله واتقى محارمه. وقال عباس: - وهو مروي عن مجاهد أيضاً -. ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: وصدق بالخلف من الله جل وعز على نفقته في ذات الله. وقال الضحاك: ﴿بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ "بـ لا إله إلا الله" وروي ذلك (أيضاً) عن ابن عباس، وقاله [أبو] عبد الرحمن السلمي. وقال قتادة: ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ [أي]: بموعود الله جل وعز على نفقته، فعمل لذلك الموعود الذي وعده الله. وروى أبو الدرداء أن النبي ﷺ قال: "ما من يوم غربت فيه شمسه إلا [وبجنبيها] ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين - الجن والإنس - يقولان: اللهم عجل لمنفق خلفاً، وأعط ممسكاً تلفاً وأنزل الله جل وعز في ذلك من القرآن: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾ (وروى الزبير أن النبي ﷺ قال: ما من صباح يصبح إلا وصارخ يصرخ: أيها الخلائق، سبحوا القدوس وروى أبو ذر) أن النبي ﷺ قال: ما من يوم ولا ليلة ولا ساعة إلا ولله فيها صدقة يمن بها على من يشاء من عباده. وما من الله على عبده بمثل أن يلهمه ذكره وروي أنه ما من يوم إلا وهو ينادي: أنا يوم جديد، وأنا عليكم شهيد (ابن آدم)، إني لن [أمر بك] أبداً، فاتق الله واعمل في خيراً. فإذا هو أمسى قال: اللهم لا تردني إلى الدنيا أبداً. وروي أن هذه الآية (نزلت) في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، روي عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: (كان) أبو بكر (الصديق رضي الله عنه) يعتق على الإسلام بمكة، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه: أي بني، أراك تعتق أناساً ضعفاء، ولو أنك أعتقت رجالاً جلداً يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك؟ فقال: إني أريد ما عند الله. قال: فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية نزلت فيه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ﴾ الآية. وروى محمد بن إسحاق أن أبا بكر رضي الله عنه اشترى تسعة كانوا في أيدي المشركين، فأعتقهم لله جل وعز. فأنزل الله: فأما من [أعطى]... الآية. و (معنى) ﴿لِلْيُسْرَىٰ﴾: للحال اليسرى، أو [الخلة] اليسرى، وهي العمل بما يرضاها الله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ﴾. أي: بخل بالنفقة في سبيل الله، واستغنى عن ربه فلم يرغب [في العمل] بطاعته وما يوجب له رضاء ربه. قال ابن عباس: هو "من أغناه الله [فبخل] بالزكاة. وقال قتادة: من بخل عن الله واستغنى في نفسه عن ربه. والاختلاف في ﴿وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ على نحو الاختلاف في: ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾. * * وقوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ﴾ أي: [للخلة] العسرى في الدنيا، وذلك العمل بالمعاصي. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "كنا في جنازة في بقيع الغرقد، [فأتانا] رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة، فنكس رأسه، فجعل [ينكت] بمخصرته (في الأرض)، ثم قال: ما منكم من نفس منفوسة إلا وقد كتب مكانها من الجنة أو النار [قيل]: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟! فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة (ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى عمل أهل الشقاء)، فقال ﷺ: اعملوا، فكل ميسر، أما أهل السعادة [فييسرون] إلى عمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاء [فييسرون] إلى عمل أهل الشقاء، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ﴾ الآيتين وقال الضحاك: للعسرى: للنار. والتيسير إنما يكون في الخير، وإنما جاء هنا للشر على معنى: الذي يقوم لهم مقام (التيسير). العسرى: مثل: "فبشرهم بعذاب أليم". ومثله ما أنشد سيبويه: ؎ تحيَّةُ بَيْنِهِم ضَرْبٌ وَجِيعُ. وقال الفراء: لما وقع للخير تيسير جاز أن يقع في الشر مثله، ولا يكون ذلك إلا إذا اجتمع الخير والشر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ﴾ أي: وأي شيء يغني عنه ماله الذي بخل به إذا هلك وتركه. قال أبو صالح وقتادة: (إذا تردى)، (أي): إذا سقط في النار فهوى فيها. وقال قتادة: إذا تردى: إذا مات. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ﴾. (أي): إن علينا بيان الحق من الباطل. قال قتادة: على الله بيان حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته. بمعنى الآية - على قوله -: إن علينا للهدى والضلالة. ولكن ترك ذكر الضلالة [للدلالة] عليه، كما قال: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١]، وترك ذكر البرد لدلالة الحر عليه. ومثله ما أنشد سيبويه: ؎ فما أدري إذا [يممت] وجهاً ∗∗∗ (أريد) الخير أيهما يليني فحذف الشر لدلالة الخير عليه. فالأشياء تدل على أضدادها وإن لم تذكر الأضداد، والتقدير: أريد الخير وأكره الشر. وقيل معنى الآية: إن علينا سبيل من [سلك] (سبيل) الهدى. أي: من أخذ سبيل فعلى الله سبيله، كما قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] و﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١]. وكما قال: ﴿وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] أي: من أراد الله عز وجل فهو قاصد للسبيل هذا قول الفراء. وقال في قوله: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَٱلأُولَىٰ﴾، أي: (إن) لنا ثواب هذه وثواب هذه. وقال غيره: معناه: وإن لنا ملك ما في الدنيا والآخرة، نعطي من نشاء ونحرم من نشاء. والمعنى أنه يوفق من [يشاء] من خلقه إلى طاعته في الدنيا فيكرمه بذلك في الآخرة، [ويخذل] من [يشاء] من خلقه عن طاعته في الدنيا، فيهينه بذلك في الآخرة. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّىٰ﴾ أي: أنذرتكم أيها الناس ناراً تتوقد وتتوهج، أعدت لمن عصى الله وكفر به. * * ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ ٱلأَشْقَى﴾ أي: لا يدخلها ويصلى سعيرها إلا الأشقى الذين كذب بآيات الله وأعرض عنها. كان أبو هريرة يقول: لتدخلن الجنة إلا من أبى: قالوا: يا أبا هريرة، ومن يأبى أن يدخل الجنة؟! فقال: الذي كذب وتولى. والمرجئة الذين يقولون: "[الإيمان] قول بلا عمل"، يتعلقون بهذه الآية، وفي تقديرها أقوال، منها: أن المعنى لا يصليها إلا الأشقى، (و) ﴿ٱلَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾. فتكون الواو مضمرة. حكى المبرد وغيره أن العرب تقول: أكلت خبزاً لحماً [تمراً]، فيحذفون حرف العطف. وأنشد أبو زيد: ؎ كيف أصبحت كيف أمسيت ∗∗∗ مما يثبت الود في فؤاد الكريم وإضمار الواو قبيح ليس بكثير في كلام العرب، وفيه نقض للأصول وخروج عن الظاهر. (وقيل: التقدير: لا يصلاها إلا) الأشقى من الكفار والفساق، ثم أعاد ذكر الكفار - خاصة - تنبيهاً عليهم، لأنهم أعظم ذنباً من الفساق. وقيل: التقدير: فأنذرتكم نارا هذه صفتها. وقيل: التقدير: لا يصلاها إلا) أشقى أهل النار، وأشقاهم: الكفار. فدل هذا على أن غير الكفار يدخلون النار بذنوبهم. [وقيل: إن النار طبقات وصفوف مختلفة في شدة العذاب وهوله، فأعلمنا الله في هذه الآية أن هذا الصنف من النار التي تتوهج وتتوقد ولا يدخله إلا الذين كذبوا وتولوا عن الإيمان، وثم أصناف من ذلك عذاب النار دون ذلك يدخلها غير هذا الصنف. وأقل عذاب النار عذاب أليم، أجارنا الله منها]. وقيل: المعنى: لا يخلد فيها إلا الأشقى الذي كذب وتولى، فهذا [للكفار] بإجماع خاصة. وهذا القول أحسن الأقوال عندي. وقال الفراء: ﴿ٱلَّذِي كَذَّبَ﴾ معناه: [الذي] قصر عما أمر به، ليس معناه جحد، وهو مثل قوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢]، أي، تقصير ولا تخلف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى﴾ أي: وسيوقى دخول النار وصليها التقي. "فأفعل" في موضع "فعيل". ثم وصف التقي فقال: ﴿ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ﴾ أي: يعطي ماله في الدنيا يتطهر بذلك من ذنوبه. * * ثم قال: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ﴾ أي: وما لأحد من خلق الله عند هذا الذي يعطي ماله يتزكى به [عند الله] من نعمة يجازيه عليها. أي: ليس يعطي ما يعطي مجازاة لأحد [على] يد له عنده، ولا مكافأة على نعمة سبقت قبله، لكن يعطي ابتغاء وجه ربه الأعلى و "إلا" في هذا المعنى "لكن". وقيل: المعنى: وماله عند أحد في ما أنفق من نعمة يلتمس ثوابها، فيكون على القلب. وهذا أحد قولي الفراء. ومثله قول النابغة: ؎ وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي ∗∗∗ [على وعل من ذي المطارة عاقل] يريد: حتى ما تزيد مخافة وعلٍ (على) مخافتي. وفيه بعد، لأن كتاب الله لا يحمل على القلب إلا إذا لم يكن حمله إلا عليه. ويروى أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه. قال ذلك قتادة وابن جبير وغيرهما. قال هشام بن عروة عن أبيه: أسلم أبو بكر وله أربعون ألفاً فأنفقها، فأنزل الله جل ذكره فيه: ﴿ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ﴾... إلى قوله: ﴿يَرْضَىٰ﴾. قال ابن جبير: أعتق أبو بكر ناساً ستة أو سبعة لم يلتمس مِنهم جزاء ولا شكوراً. منهم: بلال وعامر بن فهيرة. * * وقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ﴾ أي: [ولسوف] يرضى في الآخرة هذا الذي يؤتي ماله يتزكى.

الليل 92:9

قوله تعالى: ﴿وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ﴾ إلى آخرها. معناه: ورب الليل إذا غشى النهار بظلمته فأذهب ضوءه. وقيل: المعنى: يغشى كل شيء بظلمته فيصير له كالغشاء. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ﴾. أي: (إذا) أضاء وأظهر للأبصار ما أخفته ظلمة الليل. وكان قتادة يذهب - فيما أقسم الله به من الأشياء - أنه إنما أقسم به لعظم حاله عنده. (ثم قال تعالى): ﴿وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ﴾. قيل: "ما" بمعنى "من"، يريد نفسه تعالى جل ذكره. وقيل: "ما" والفعل مصدر، أي: وخلق الذكر والأنثى. (وروى ابن مسعود أن النبي ﷺ قرأ: والذكر والأنثى) بالخفض بغير "ما". وأجاز الفراء: وما خلق الذكر والأنثى بالخفض على البدل من "ما". وقال الأخفش: "ما" بمعنى "الذي"، جعلها لمن يعقل. وروي عن أبي [عمرو] أنه قال: أهل مكة يقولون للرعد: سبحان من سبحت له. * * وقوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ هذا جواب القسم أي: إن عملكم لمختلف أيها الناس، لأن منكم الكافر والمؤمن، والعاصي والمطيع. * * وقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: من أعطى في سبيل الله ومرضاته، واتقى الله فاجتنب المعاصي، وصدق بالجنة. قاله مجاهد. وقال ابن عباس: من أعطي ما عنده من الفضل واتقى ربه. وقال قتادة: من أعطى حق الله واتقى محارمه. وقال عباس: - وهو مروي عن مجاهد أيضاً -. ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: وصدق بالخلف من الله جل وعز على نفقته في ذات الله. وقال الضحاك: ﴿بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ "بـ لا إله إلا الله" وروي ذلك (أيضاً) عن ابن عباس، وقاله [أبو] عبد الرحمن السلمي. وقال قتادة: ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ [أي]: بموعود الله جل وعز على نفقته، فعمل لذلك الموعود الذي وعده الله. وروى أبو الدرداء أن النبي ﷺ قال: "ما من يوم غربت فيه شمسه إلا [وبجنبيها] ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين - الجن والإنس - يقولان: اللهم عجل لمنفق خلفاً، وأعط ممسكاً تلفاً وأنزل الله جل وعز في ذلك من القرآن: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾ (وروى الزبير أن النبي ﷺ قال: ما من صباح يصبح إلا وصارخ يصرخ: أيها الخلائق، سبحوا القدوس وروى أبو ذر) أن النبي ﷺ قال: ما من يوم ولا ليلة ولا ساعة إلا ولله فيها صدقة يمن بها على من يشاء من عباده. وما من الله على عبده بمثل أن يلهمه ذكره وروي أنه ما من يوم إلا وهو ينادي: أنا يوم جديد، وأنا عليكم شهيد (ابن آدم)، إني لن [أمر بك] أبداً، فاتق الله واعمل في خيراً. فإذا هو أمسى قال: اللهم لا تردني إلى الدنيا أبداً. وروي أن هذه الآية (نزلت) في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، روي عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: (كان) أبو بكر (الصديق رضي الله عنه) يعتق على الإسلام بمكة، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه: أي بني، أراك تعتق أناساً ضعفاء، ولو أنك أعتقت رجالاً جلداً يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك؟ فقال: إني أريد ما عند الله. قال: فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية نزلت فيه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ﴾ الآية. وروى محمد بن إسحاق أن أبا بكر رضي الله عنه اشترى تسعة كانوا في أيدي المشركين، فأعتقهم لله جل وعز. فأنزل الله: فأما من [أعطى]... الآية. و (معنى) ﴿لِلْيُسْرَىٰ﴾: للحال اليسرى، أو [الخلة] اليسرى، وهي العمل بما يرضاها الله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ﴾. أي: بخل بالنفقة في سبيل الله، واستغنى عن ربه فلم يرغب [في العمل] بطاعته وما يوجب له رضاء ربه. قال ابن عباس: هو "من أغناه الله [فبخل] بالزكاة. وقال قتادة: من بخل عن الله واستغنى في نفسه عن ربه. والاختلاف في ﴿وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ على نحو الاختلاف في: ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾. * * وقوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ﴾ أي: [للخلة] العسرى في الدنيا، وذلك العمل بالمعاصي. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "كنا في جنازة في بقيع الغرقد، [فأتانا] رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة، فنكس رأسه، فجعل [ينكت] بمخصرته (في الأرض)، ثم قال: ما منكم من نفس منفوسة إلا وقد كتب مكانها من الجنة أو النار [قيل]: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟! فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة (ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى عمل أهل الشقاء)، فقال ﷺ: اعملوا، فكل ميسر، أما أهل السعادة [فييسرون] إلى عمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاء [فييسرون] إلى عمل أهل الشقاء، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ﴾ الآيتين وقال الضحاك: للعسرى: للنار. والتيسير إنما يكون في الخير، وإنما جاء هنا للشر على معنى: الذي يقوم لهم مقام (التيسير). العسرى: مثل: "فبشرهم بعذاب أليم". ومثله ما أنشد سيبويه: ؎ تحيَّةُ بَيْنِهِم ضَرْبٌ وَجِيعُ. وقال الفراء: لما وقع للخير تيسير جاز أن يقع في الشر مثله، ولا يكون ذلك إلا إذا اجتمع الخير والشر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ﴾ أي: وأي شيء يغني عنه ماله الذي بخل به إذا هلك وتركه. قال أبو صالح وقتادة: (إذا تردى)، (أي): إذا سقط في النار فهوى فيها. وقال قتادة: إذا تردى: إذا مات. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ﴾. (أي): إن علينا بيان الحق من الباطل. قال قتادة: على الله بيان حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته. بمعنى الآية - على قوله -: إن علينا للهدى والضلالة. ولكن ترك ذكر الضلالة [للدلالة] عليه، كما قال: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١]، وترك ذكر البرد لدلالة الحر عليه. ومثله ما أنشد سيبويه: ؎ فما أدري إذا [يممت] وجهاً ∗∗∗ (أريد) الخير أيهما يليني فحذف الشر لدلالة الخير عليه. فالأشياء تدل على أضدادها وإن لم تذكر الأضداد، والتقدير: أريد الخير وأكره الشر. وقيل معنى الآية: إن علينا سبيل من [سلك] (سبيل) الهدى. أي: من أخذ سبيل فعلى الله سبيله، كما قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] و﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١]. وكما قال: ﴿وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] أي: من أراد الله عز وجل فهو قاصد للسبيل هذا قول الفراء. وقال في قوله: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَٱلأُولَىٰ﴾، أي: (إن) لنا ثواب هذه وثواب هذه. وقال غيره: معناه: وإن لنا ملك ما في الدنيا والآخرة، نعطي من نشاء ونحرم من نشاء. والمعنى أنه يوفق من [يشاء] من خلقه إلى طاعته في الدنيا فيكرمه بذلك في الآخرة، [ويخذل] من [يشاء] من خلقه عن طاعته في الدنيا، فيهينه بذلك في الآخرة. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّىٰ﴾ أي: أنذرتكم أيها الناس ناراً تتوقد وتتوهج، أعدت لمن عصى الله وكفر به. * * ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ ٱلأَشْقَى﴾ أي: لا يدخلها ويصلى سعيرها إلا الأشقى الذين كذب بآيات الله وأعرض عنها. كان أبو هريرة يقول: لتدخلن الجنة إلا من أبى: قالوا: يا أبا هريرة، ومن يأبى أن يدخل الجنة؟! فقال: الذي كذب وتولى. والمرجئة الذين يقولون: "[الإيمان] قول بلا عمل"، يتعلقون بهذه الآية، وفي تقديرها أقوال، منها: أن المعنى لا يصليها إلا الأشقى، (و) ﴿ٱلَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾. فتكون الواو مضمرة. حكى المبرد وغيره أن العرب تقول: أكلت خبزاً لحماً [تمراً]، فيحذفون حرف العطف. وأنشد أبو زيد: ؎ كيف أصبحت كيف أمسيت ∗∗∗ مما يثبت الود في فؤاد الكريم وإضمار الواو قبيح ليس بكثير في كلام العرب، وفيه نقض للأصول وخروج عن الظاهر. (وقيل: التقدير: لا يصلاها إلا) الأشقى من الكفار والفساق، ثم أعاد ذكر الكفار - خاصة - تنبيهاً عليهم، لأنهم أعظم ذنباً من الفساق. وقيل: التقدير: فأنذرتكم نارا هذه صفتها. وقيل: التقدير: لا يصلاها إلا) أشقى أهل النار، وأشقاهم: الكفار. فدل هذا على أن غير الكفار يدخلون النار بذنوبهم. [وقيل: إن النار طبقات وصفوف مختلفة في شدة العذاب وهوله، فأعلمنا الله في هذه الآية أن هذا الصنف من النار التي تتوهج وتتوقد ولا يدخله إلا الذين كذبوا وتولوا عن الإيمان، وثم أصناف من ذلك عذاب النار دون ذلك يدخلها غير هذا الصنف. وأقل عذاب النار عذاب أليم، أجارنا الله منها]. وقيل: المعنى: لا يخلد فيها إلا الأشقى الذي كذب وتولى، فهذا [للكفار] بإجماع خاصة. وهذا القول أحسن الأقوال عندي. وقال الفراء: ﴿ٱلَّذِي كَذَّبَ﴾ معناه: [الذي] قصر عما أمر به، ليس معناه جحد، وهو مثل قوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢]، أي، تقصير ولا تخلف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى﴾ أي: وسيوقى دخول النار وصليها التقي. "فأفعل" في موضع "فعيل". ثم وصف التقي فقال: ﴿ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ﴾ أي: يعطي ماله في الدنيا يتطهر بذلك من ذنوبه. * * ثم قال: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ﴾ أي: وما لأحد من خلق الله عند هذا الذي يعطي ماله يتزكى به [عند الله] من نعمة يجازيه عليها. أي: ليس يعطي ما يعطي مجازاة لأحد [على] يد له عنده، ولا مكافأة على نعمة سبقت قبله، لكن يعطي ابتغاء وجه ربه الأعلى و "إلا" في هذا المعنى "لكن". وقيل: المعنى: وماله عند أحد في ما أنفق من نعمة يلتمس ثوابها، فيكون على القلب. وهذا أحد قولي الفراء. ومثله قول النابغة: ؎ وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي ∗∗∗ [على وعل من ذي المطارة عاقل] يريد: حتى ما تزيد مخافة وعلٍ (على) مخافتي. وفيه بعد، لأن كتاب الله لا يحمل على القلب إلا إذا لم يكن حمله إلا عليه. ويروى أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه. قال ذلك قتادة وابن جبير وغيرهما. قال هشام بن عروة عن أبيه: أسلم أبو بكر وله أربعون ألفاً فأنفقها، فأنزل الله جل ذكره فيه: ﴿ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ﴾... إلى قوله: ﴿يَرْضَىٰ﴾. قال ابن جبير: أعتق أبو بكر ناساً ستة أو سبعة لم يلتمس مِنهم جزاء ولا شكوراً. منهم: بلال وعامر بن فهيرة. * * وقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ﴾ أي: [ولسوف] يرضى في الآخرة هذا الذي يؤتي ماله يتزكى.

الليل 92:10

قوله تعالى: ﴿وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ﴾ إلى آخرها. معناه: ورب الليل إذا غشى النهار بظلمته فأذهب ضوءه. وقيل: المعنى: يغشى كل شيء بظلمته فيصير له كالغشاء. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ﴾. أي: (إذا) أضاء وأظهر للأبصار ما أخفته ظلمة الليل. وكان قتادة يذهب - فيما أقسم الله به من الأشياء - أنه إنما أقسم به لعظم حاله عنده. (ثم قال تعالى): ﴿وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ﴾. قيل: "ما" بمعنى "من"، يريد نفسه تعالى جل ذكره. وقيل: "ما" والفعل مصدر، أي: وخلق الذكر والأنثى. (وروى ابن مسعود أن النبي ﷺ قرأ: والذكر والأنثى) بالخفض بغير "ما". وأجاز الفراء: وما خلق الذكر والأنثى بالخفض على البدل من "ما". وقال الأخفش: "ما" بمعنى "الذي"، جعلها لمن يعقل. وروي عن أبي [عمرو] أنه قال: أهل مكة يقولون للرعد: سبحان من سبحت له. * * وقوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ هذا جواب القسم أي: إن عملكم لمختلف أيها الناس، لأن منكم الكافر والمؤمن، والعاصي والمطيع. * * وقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: من أعطى في سبيل الله ومرضاته، واتقى الله فاجتنب المعاصي، وصدق بالجنة. قاله مجاهد. وقال ابن عباس: من أعطي ما عنده من الفضل واتقى ربه. وقال قتادة: من أعطى حق الله واتقى محارمه. وقال عباس: - وهو مروي عن مجاهد أيضاً -. ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: وصدق بالخلف من الله جل وعز على نفقته في ذات الله. وقال الضحاك: ﴿بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ "بـ لا إله إلا الله" وروي ذلك (أيضاً) عن ابن عباس، وقاله [أبو] عبد الرحمن السلمي. وقال قتادة: ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ [أي]: بموعود الله جل وعز على نفقته، فعمل لذلك الموعود الذي وعده الله. وروى أبو الدرداء أن النبي ﷺ قال: "ما من يوم غربت فيه شمسه إلا [وبجنبيها] ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين - الجن والإنس - يقولان: اللهم عجل لمنفق خلفاً، وأعط ممسكاً تلفاً وأنزل الله جل وعز في ذلك من القرآن: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾ (وروى الزبير أن النبي ﷺ قال: ما من صباح يصبح إلا وصارخ يصرخ: أيها الخلائق، سبحوا القدوس وروى أبو ذر) أن النبي ﷺ قال: ما من يوم ولا ليلة ولا ساعة إلا ولله فيها صدقة يمن بها على من يشاء من عباده. وما من الله على عبده بمثل أن يلهمه ذكره وروي أنه ما من يوم إلا وهو ينادي: أنا يوم جديد، وأنا عليكم شهيد (ابن آدم)، إني لن [أمر بك] أبداً، فاتق الله واعمل في خيراً. فإذا هو أمسى قال: اللهم لا تردني إلى الدنيا أبداً. وروي أن هذه الآية (نزلت) في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، روي عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: (كان) أبو بكر (الصديق رضي الله عنه) يعتق على الإسلام بمكة، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه: أي بني، أراك تعتق أناساً ضعفاء، ولو أنك أعتقت رجالاً جلداً يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك؟ فقال: إني أريد ما عند الله. قال: فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية نزلت فيه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ﴾ الآية. وروى محمد بن إسحاق أن أبا بكر رضي الله عنه اشترى تسعة كانوا في أيدي المشركين، فأعتقهم لله جل وعز. فأنزل الله: فأما من [أعطى]... الآية. و (معنى) ﴿لِلْيُسْرَىٰ﴾: للحال اليسرى، أو [الخلة] اليسرى، وهي العمل بما يرضاها الله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ﴾. أي: بخل بالنفقة في سبيل الله، واستغنى عن ربه فلم يرغب [في العمل] بطاعته وما يوجب له رضاء ربه. قال ابن عباس: هو "من أغناه الله [فبخل] بالزكاة. وقال قتادة: من بخل عن الله واستغنى في نفسه عن ربه. والاختلاف في ﴿وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ على نحو الاختلاف في: ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾. * * وقوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ﴾ أي: [للخلة] العسرى في الدنيا، وذلك العمل بالمعاصي. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "كنا في جنازة في بقيع الغرقد، [فأتانا] رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة، فنكس رأسه، فجعل [ينكت] بمخصرته (في الأرض)، ثم قال: ما منكم من نفس منفوسة إلا وقد كتب مكانها من الجنة أو النار [قيل]: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟! فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة (ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى عمل أهل الشقاء)، فقال ﷺ: اعملوا، فكل ميسر، أما أهل السعادة [فييسرون] إلى عمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاء [فييسرون] إلى عمل أهل الشقاء، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ﴾ الآيتين وقال الضحاك: للعسرى: للنار. والتيسير إنما يكون في الخير، وإنما جاء هنا للشر على معنى: الذي يقوم لهم مقام (التيسير). العسرى: مثل: "فبشرهم بعذاب أليم". ومثله ما أنشد سيبويه: ؎ تحيَّةُ بَيْنِهِم ضَرْبٌ وَجِيعُ. وقال الفراء: لما وقع للخير تيسير جاز أن يقع في الشر مثله، ولا يكون ذلك إلا إذا اجتمع الخير والشر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ﴾ أي: وأي شيء يغني عنه ماله الذي بخل به إذا هلك وتركه. قال أبو صالح وقتادة: (إذا تردى)، (أي): إذا سقط في النار فهوى فيها. وقال قتادة: إذا تردى: إذا مات. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ﴾. (أي): إن علينا بيان الحق من الباطل. قال قتادة: على الله بيان حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته. بمعنى الآية - على قوله -: إن علينا للهدى والضلالة. ولكن ترك ذكر الضلالة [للدلالة] عليه، كما قال: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١]، وترك ذكر البرد لدلالة الحر عليه. ومثله ما أنشد سيبويه: ؎ فما أدري إذا [يممت] وجهاً ∗∗∗ (أريد) الخير أيهما يليني فحذف الشر لدلالة الخير عليه. فالأشياء تدل على أضدادها وإن لم تذكر الأضداد، والتقدير: أريد الخير وأكره الشر. وقيل معنى الآية: إن علينا سبيل من [سلك] (سبيل) الهدى. أي: من أخذ سبيل فعلى الله سبيله، كما قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] و﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١]. وكما قال: ﴿وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] أي: من أراد الله عز وجل فهو قاصد للسبيل هذا قول الفراء. وقال في قوله: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَٱلأُولَىٰ﴾، أي: (إن) لنا ثواب هذه وثواب هذه. وقال غيره: معناه: وإن لنا ملك ما في الدنيا والآخرة، نعطي من نشاء ونحرم من نشاء. والمعنى أنه يوفق من [يشاء] من خلقه إلى طاعته في الدنيا فيكرمه بذلك في الآخرة، [ويخذل] من [يشاء] من خلقه عن طاعته في الدنيا، فيهينه بذلك في الآخرة. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّىٰ﴾ أي: أنذرتكم أيها الناس ناراً تتوقد وتتوهج، أعدت لمن عصى الله وكفر به. * * ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ ٱلأَشْقَى﴾ أي: لا يدخلها ويصلى سعيرها إلا الأشقى الذين كذب بآيات الله وأعرض عنها. كان أبو هريرة يقول: لتدخلن الجنة إلا من أبى: قالوا: يا أبا هريرة، ومن يأبى أن يدخل الجنة؟! فقال: الذي كذب وتولى. والمرجئة الذين يقولون: "[الإيمان] قول بلا عمل"، يتعلقون بهذه الآية، وفي تقديرها أقوال، منها: أن المعنى لا يصليها إلا الأشقى، (و) ﴿ٱلَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾. فتكون الواو مضمرة. حكى المبرد وغيره أن العرب تقول: أكلت خبزاً لحماً [تمراً]، فيحذفون حرف العطف. وأنشد أبو زيد: ؎ كيف أصبحت كيف أمسيت ∗∗∗ مما يثبت الود في فؤاد الكريم وإضمار الواو قبيح ليس بكثير في كلام العرب، وفيه نقض للأصول وخروج عن الظاهر. (وقيل: التقدير: لا يصلاها إلا) الأشقى من الكفار والفساق، ثم أعاد ذكر الكفار - خاصة - تنبيهاً عليهم، لأنهم أعظم ذنباً من الفساق. وقيل: التقدير: فأنذرتكم نارا هذه صفتها. وقيل: التقدير: لا يصلاها إلا) أشقى أهل النار، وأشقاهم: الكفار. فدل هذا على أن غير الكفار يدخلون النار بذنوبهم. [وقيل: إن النار طبقات وصفوف مختلفة في شدة العذاب وهوله، فأعلمنا الله في هذه الآية أن هذا الصنف من النار التي تتوهج وتتوقد ولا يدخله إلا الذين كذبوا وتولوا عن الإيمان، وثم أصناف من ذلك عذاب النار دون ذلك يدخلها غير هذا الصنف. وأقل عذاب النار عذاب أليم، أجارنا الله منها]. وقيل: المعنى: لا يخلد فيها إلا الأشقى الذي كذب وتولى، فهذا [للكفار] بإجماع خاصة. وهذا القول أحسن الأقوال عندي. وقال الفراء: ﴿ٱلَّذِي كَذَّبَ﴾ معناه: [الذي] قصر عما أمر به، ليس معناه جحد، وهو مثل قوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢]، أي، تقصير ولا تخلف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى﴾ أي: وسيوقى دخول النار وصليها التقي. "فأفعل" في موضع "فعيل". ثم وصف التقي فقال: ﴿ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ﴾ أي: يعطي ماله في الدنيا يتطهر بذلك من ذنوبه. * * ثم قال: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ﴾ أي: وما لأحد من خلق الله عند هذا الذي يعطي ماله يتزكى به [عند الله] من نعمة يجازيه عليها. أي: ليس يعطي ما يعطي مجازاة لأحد [على] يد له عنده، ولا مكافأة على نعمة سبقت قبله، لكن يعطي ابتغاء وجه ربه الأعلى و "إلا" في هذا المعنى "لكن". وقيل: المعنى: وماله عند أحد في ما أنفق من نعمة يلتمس ثوابها، فيكون على القلب. وهذا أحد قولي الفراء. ومثله قول النابغة: ؎ وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي ∗∗∗ [على وعل من ذي المطارة عاقل] يريد: حتى ما تزيد مخافة وعلٍ (على) مخافتي. وفيه بعد، لأن كتاب الله لا يحمل على القلب إلا إذا لم يكن حمله إلا عليه. ويروى أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه. قال ذلك قتادة وابن جبير وغيرهما. قال هشام بن عروة عن أبيه: أسلم أبو بكر وله أربعون ألفاً فأنفقها، فأنزل الله جل ذكره فيه: ﴿ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ﴾... إلى قوله: ﴿يَرْضَىٰ﴾. قال ابن جبير: أعتق أبو بكر ناساً ستة أو سبعة لم يلتمس مِنهم جزاء ولا شكوراً. منهم: بلال وعامر بن فهيرة. * * وقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ﴾ أي: [ولسوف] يرضى في الآخرة هذا الذي يؤتي ماله يتزكى.

الليل 92:11

قوله تعالى: ﴿وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ﴾ إلى آخرها. معناه: ورب الليل إذا غشى النهار بظلمته فأذهب ضوءه. وقيل: المعنى: يغشى كل شيء بظلمته فيصير له كالغشاء. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ﴾. أي: (إذا) أضاء وأظهر للأبصار ما أخفته ظلمة الليل. وكان قتادة يذهب - فيما أقسم الله به من الأشياء - أنه إنما أقسم به لعظم حاله عنده. (ثم قال تعالى): ﴿وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ﴾. قيل: "ما" بمعنى "من"، يريد نفسه تعالى جل ذكره. وقيل: "ما" والفعل مصدر، أي: وخلق الذكر والأنثى. (وروى ابن مسعود أن النبي ﷺ قرأ: والذكر والأنثى) بالخفض بغير "ما". وأجاز الفراء: وما خلق الذكر والأنثى بالخفض على البدل من "ما". وقال الأخفش: "ما" بمعنى "الذي"، جعلها لمن يعقل. وروي عن أبي [عمرو] أنه قال: أهل مكة يقولون للرعد: سبحان من سبحت له. * * وقوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ هذا جواب القسم أي: إن عملكم لمختلف أيها الناس، لأن منكم الكافر والمؤمن، والعاصي والمطيع. * * وقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: من أعطى في سبيل الله ومرضاته، واتقى الله فاجتنب المعاصي، وصدق بالجنة. قاله مجاهد. وقال ابن عباس: من أعطي ما عنده من الفضل واتقى ربه. وقال قتادة: من أعطى حق الله واتقى محارمه. وقال عباس: - وهو مروي عن مجاهد أيضاً -. ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: وصدق بالخلف من الله جل وعز على نفقته في ذات الله. وقال الضحاك: ﴿بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ "بـ لا إله إلا الله" وروي ذلك (أيضاً) عن ابن عباس، وقاله [أبو] عبد الرحمن السلمي. وقال قتادة: ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ [أي]: بموعود الله جل وعز على نفقته، فعمل لذلك الموعود الذي وعده الله. وروى أبو الدرداء أن النبي ﷺ قال: "ما من يوم غربت فيه شمسه إلا [وبجنبيها] ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين - الجن والإنس - يقولان: اللهم عجل لمنفق خلفاً، وأعط ممسكاً تلفاً وأنزل الله جل وعز في ذلك من القرآن: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾ (وروى الزبير أن النبي ﷺ قال: ما من صباح يصبح إلا وصارخ يصرخ: أيها الخلائق، سبحوا القدوس وروى أبو ذر) أن النبي ﷺ قال: ما من يوم ولا ليلة ولا ساعة إلا ولله فيها صدقة يمن بها على من يشاء من عباده. وما من الله على عبده بمثل أن يلهمه ذكره وروي أنه ما من يوم إلا وهو ينادي: أنا يوم جديد، وأنا عليكم شهيد (ابن آدم)، إني لن [أمر بك] أبداً، فاتق الله واعمل في خيراً. فإذا هو أمسى قال: اللهم لا تردني إلى الدنيا أبداً. وروي أن هذه الآية (نزلت) في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، روي عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: (كان) أبو بكر (الصديق رضي الله عنه) يعتق على الإسلام بمكة، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه: أي بني، أراك تعتق أناساً ضعفاء، ولو أنك أعتقت رجالاً جلداً يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك؟ فقال: إني أريد ما عند الله. قال: فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية نزلت فيه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ﴾ الآية. وروى محمد بن إسحاق أن أبا بكر رضي الله عنه اشترى تسعة كانوا في أيدي المشركين، فأعتقهم لله جل وعز. فأنزل الله: فأما من [أعطى]... الآية. و (معنى) ﴿لِلْيُسْرَىٰ﴾: للحال اليسرى، أو [الخلة] اليسرى، وهي العمل بما يرضاها الله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ﴾. أي: بخل بالنفقة في سبيل الله، واستغنى عن ربه فلم يرغب [في العمل] بطاعته وما يوجب له رضاء ربه. قال ابن عباس: هو "من أغناه الله [فبخل] بالزكاة. وقال قتادة: من بخل عن الله واستغنى في نفسه عن ربه. والاختلاف في ﴿وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ على نحو الاختلاف في: ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾. * * وقوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ﴾ أي: [للخلة] العسرى في الدنيا، وذلك العمل بالمعاصي. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "كنا في جنازة في بقيع الغرقد، [فأتانا] رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة، فنكس رأسه، فجعل [ينكت] بمخصرته (في الأرض)، ثم قال: ما منكم من نفس منفوسة إلا وقد كتب مكانها من الجنة أو النار [قيل]: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟! فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة (ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى عمل أهل الشقاء)، فقال ﷺ: اعملوا، فكل ميسر، أما أهل السعادة [فييسرون] إلى عمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاء [فييسرون] إلى عمل أهل الشقاء، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ﴾ الآيتين وقال الضحاك: للعسرى: للنار. والتيسير إنما يكون في الخير، وإنما جاء هنا للشر على معنى: الذي يقوم لهم مقام (التيسير). العسرى: مثل: "فبشرهم بعذاب أليم". ومثله ما أنشد سيبويه: ؎ تحيَّةُ بَيْنِهِم ضَرْبٌ وَجِيعُ. وقال الفراء: لما وقع للخير تيسير جاز أن يقع في الشر مثله، ولا يكون ذلك إلا إذا اجتمع الخير والشر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ﴾ أي: وأي شيء يغني عنه ماله الذي بخل به إذا هلك وتركه. قال أبو صالح وقتادة: (إذا تردى)، (أي): إذا سقط في النار فهوى فيها. وقال قتادة: إذا تردى: إذا مات. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ﴾. (أي): إن علينا بيان الحق من الباطل. قال قتادة: على الله بيان حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته. بمعنى الآية - على قوله -: إن علينا للهدى والضلالة. ولكن ترك ذكر الضلالة [للدلالة] عليه، كما قال: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١]، وترك ذكر البرد لدلالة الحر عليه. ومثله ما أنشد سيبويه: ؎ فما أدري إذا [يممت] وجهاً ∗∗∗ (أريد) الخير أيهما يليني فحذف الشر لدلالة الخير عليه. فالأشياء تدل على أضدادها وإن لم تذكر الأضداد، والتقدير: أريد الخير وأكره الشر. وقيل معنى الآية: إن علينا سبيل من [سلك] (سبيل) الهدى. أي: من أخذ سبيل فعلى الله سبيله، كما قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] و﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١]. وكما قال: ﴿وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] أي: من أراد الله عز وجل فهو قاصد للسبيل هذا قول الفراء. وقال في قوله: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَٱلأُولَىٰ﴾، أي: (إن) لنا ثواب هذه وثواب هذه. وقال غيره: معناه: وإن لنا ملك ما في الدنيا والآخرة، نعطي من نشاء ونحرم من نشاء. والمعنى أنه يوفق من [يشاء] من خلقه إلى طاعته في الدنيا فيكرمه بذلك في الآخرة، [ويخذل] من [يشاء] من خلقه عن طاعته في الدنيا، فيهينه بذلك في الآخرة. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّىٰ﴾ أي: أنذرتكم أيها الناس ناراً تتوقد وتتوهج، أعدت لمن عصى الله وكفر به. * * ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ ٱلأَشْقَى﴾ أي: لا يدخلها ويصلى سعيرها إلا الأشقى الذين كذب بآيات الله وأعرض عنها. كان أبو هريرة يقول: لتدخلن الجنة إلا من أبى: قالوا: يا أبا هريرة، ومن يأبى أن يدخل الجنة؟! فقال: الذي كذب وتولى. والمرجئة الذين يقولون: "[الإيمان] قول بلا عمل"، يتعلقون بهذه الآية، وفي تقديرها أقوال، منها: أن المعنى لا يصليها إلا الأشقى، (و) ﴿ٱلَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾. فتكون الواو مضمرة. حكى المبرد وغيره أن العرب تقول: أكلت خبزاً لحماً [تمراً]، فيحذفون حرف العطف. وأنشد أبو زيد: ؎ كيف أصبحت كيف أمسيت ∗∗∗ مما يثبت الود في فؤاد الكريم وإضمار الواو قبيح ليس بكثير في كلام العرب، وفيه نقض للأصول وخروج عن الظاهر. (وقيل: التقدير: لا يصلاها إلا) الأشقى من الكفار والفساق، ثم أعاد ذكر الكفار - خاصة - تنبيهاً عليهم، لأنهم أعظم ذنباً من الفساق. وقيل: التقدير: فأنذرتكم نارا هذه صفتها. وقيل: التقدير: لا يصلاها إلا) أشقى أهل النار، وأشقاهم: الكفار. فدل هذا على أن غير الكفار يدخلون النار بذنوبهم. [وقيل: إن النار طبقات وصفوف مختلفة في شدة العذاب وهوله، فأعلمنا الله في هذه الآية أن هذا الصنف من النار التي تتوهج وتتوقد ولا يدخله إلا الذين كذبوا وتولوا عن الإيمان، وثم أصناف من ذلك عذاب النار دون ذلك يدخلها غير هذا الصنف. وأقل عذاب النار عذاب أليم، أجارنا الله منها]. وقيل: المعنى: لا يخلد فيها إلا الأشقى الذي كذب وتولى، فهذا [للكفار] بإجماع خاصة. وهذا القول أحسن الأقوال عندي. وقال الفراء: ﴿ٱلَّذِي كَذَّبَ﴾ معناه: [الذي] قصر عما أمر به، ليس معناه جحد، وهو مثل قوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢]، أي، تقصير ولا تخلف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى﴾ أي: وسيوقى دخول النار وصليها التقي. "فأفعل" في موضع "فعيل". ثم وصف التقي فقال: ﴿ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ﴾ أي: يعطي ماله في الدنيا يتطهر بذلك من ذنوبه. * * ثم قال: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ﴾ أي: وما لأحد من خلق الله عند هذا الذي يعطي ماله يتزكى به [عند الله] من نعمة يجازيه عليها. أي: ليس يعطي ما يعطي مجازاة لأحد [على] يد له عنده، ولا مكافأة على نعمة سبقت قبله، لكن يعطي ابتغاء وجه ربه الأعلى و "إلا" في هذا المعنى "لكن". وقيل: المعنى: وماله عند أحد في ما أنفق من نعمة يلتمس ثوابها، فيكون على القلب. وهذا أحد قولي الفراء. ومثله قول النابغة: ؎ وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي ∗∗∗ [على وعل من ذي المطارة عاقل] يريد: حتى ما تزيد مخافة وعلٍ (على) مخافتي. وفيه بعد، لأن كتاب الله لا يحمل على القلب إلا إذا لم يكن حمله إلا عليه. ويروى أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه. قال ذلك قتادة وابن جبير وغيرهما. قال هشام بن عروة عن أبيه: أسلم أبو بكر وله أربعون ألفاً فأنفقها، فأنزل الله جل ذكره فيه: ﴿ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ﴾... إلى قوله: ﴿يَرْضَىٰ﴾. قال ابن جبير: أعتق أبو بكر ناساً ستة أو سبعة لم يلتمس مِنهم جزاء ولا شكوراً. منهم: بلال وعامر بن فهيرة. * * وقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ﴾ أي: [ولسوف] يرضى في الآخرة هذا الذي يؤتي ماله يتزكى.

الليل 92:12

قوله تعالى: ﴿وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ﴾ إلى آخرها. معناه: ورب الليل إذا غشى النهار بظلمته فأذهب ضوءه. وقيل: المعنى: يغشى كل شيء بظلمته فيصير له كالغشاء. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ﴾. أي: (إذا) أضاء وأظهر للأبصار ما أخفته ظلمة الليل. وكان قتادة يذهب - فيما أقسم الله به من الأشياء - أنه إنما أقسم به لعظم حاله عنده. (ثم قال تعالى): ﴿وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ﴾. قيل: "ما" بمعنى "من"، يريد نفسه تعالى جل ذكره. وقيل: "ما" والفعل مصدر، أي: وخلق الذكر والأنثى. (وروى ابن مسعود أن النبي ﷺ قرأ: والذكر والأنثى) بالخفض بغير "ما". وأجاز الفراء: وما خلق الذكر والأنثى بالخفض على البدل من "ما". وقال الأخفش: "ما" بمعنى "الذي"، جعلها لمن يعقل. وروي عن أبي [عمرو] أنه قال: أهل مكة يقولون للرعد: سبحان من سبحت له. * * وقوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ هذا جواب القسم أي: إن عملكم لمختلف أيها الناس، لأن منكم الكافر والمؤمن، والعاصي والمطيع. * * وقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: من أعطى في سبيل الله ومرضاته، واتقى الله فاجتنب المعاصي، وصدق بالجنة. قاله مجاهد. وقال ابن عباس: من أعطي ما عنده من الفضل واتقى ربه. وقال قتادة: من أعطى حق الله واتقى محارمه. وقال عباس: - وهو مروي عن مجاهد أيضاً -. ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: وصدق بالخلف من الله جل وعز على نفقته في ذات الله. وقال الضحاك: ﴿بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ "بـ لا إله إلا الله" وروي ذلك (أيضاً) عن ابن عباس، وقاله [أبو] عبد الرحمن السلمي. وقال قتادة: ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ [أي]: بموعود الله جل وعز على نفقته، فعمل لذلك الموعود الذي وعده الله. وروى أبو الدرداء أن النبي ﷺ قال: "ما من يوم غربت فيه شمسه إلا [وبجنبيها] ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين - الجن والإنس - يقولان: اللهم عجل لمنفق خلفاً، وأعط ممسكاً تلفاً وأنزل الله جل وعز في ذلك من القرآن: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾ (وروى الزبير أن النبي ﷺ قال: ما من صباح يصبح إلا وصارخ يصرخ: أيها الخلائق، سبحوا القدوس وروى أبو ذر) أن النبي ﷺ قال: ما من يوم ولا ليلة ولا ساعة إلا ولله فيها صدقة يمن بها على من يشاء من عباده. وما من الله على عبده بمثل أن يلهمه ذكره وروي أنه ما من يوم إلا وهو ينادي: أنا يوم جديد، وأنا عليكم شهيد (ابن آدم)، إني لن [أمر بك] أبداً، فاتق الله واعمل في خيراً. فإذا هو أمسى قال: اللهم لا تردني إلى الدنيا أبداً. وروي أن هذه الآية (نزلت) في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، روي عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: (كان) أبو بكر (الصديق رضي الله عنه) يعتق على الإسلام بمكة، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه: أي بني، أراك تعتق أناساً ضعفاء، ولو أنك أعتقت رجالاً جلداً يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك؟ فقال: إني أريد ما عند الله. قال: فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية نزلت فيه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ﴾ الآية. وروى محمد بن إسحاق أن أبا بكر رضي الله عنه اشترى تسعة كانوا في أيدي المشركين، فأعتقهم لله جل وعز. فأنزل الله: فأما من [أعطى]... الآية. و (معنى) ﴿لِلْيُسْرَىٰ﴾: للحال اليسرى، أو [الخلة] اليسرى، وهي العمل بما يرضاها الله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ﴾. أي: بخل بالنفقة في سبيل الله، واستغنى عن ربه فلم يرغب [في العمل] بطاعته وما يوجب له رضاء ربه. قال ابن عباس: هو "من أغناه الله [فبخل] بالزكاة. وقال قتادة: من بخل عن الله واستغنى في نفسه عن ربه. والاختلاف في ﴿وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ على نحو الاختلاف في: ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾. * * وقوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ﴾ أي: [للخلة] العسرى في الدنيا، وذلك العمل بالمعاصي. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "كنا في جنازة في بقيع الغرقد، [فأتانا] رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة، فنكس رأسه، فجعل [ينكت] بمخصرته (في الأرض)، ثم قال: ما منكم من نفس منفوسة إلا وقد كتب مكانها من الجنة أو النار [قيل]: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟! فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة (ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى عمل أهل الشقاء)، فقال ﷺ: اعملوا، فكل ميسر، أما أهل السعادة [فييسرون] إلى عمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاء [فييسرون] إلى عمل أهل الشقاء، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ﴾ الآيتين وقال الضحاك: للعسرى: للنار. والتيسير إنما يكون في الخير، وإنما جاء هنا للشر على معنى: الذي يقوم لهم مقام (التيسير). العسرى: مثل: "فبشرهم بعذاب أليم". ومثله ما أنشد سيبويه: ؎ تحيَّةُ بَيْنِهِم ضَرْبٌ وَجِيعُ. وقال الفراء: لما وقع للخير تيسير جاز أن يقع في الشر مثله، ولا يكون ذلك إلا إذا اجتمع الخير والشر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ﴾ أي: وأي شيء يغني عنه ماله الذي بخل به إذا هلك وتركه. قال أبو صالح وقتادة: (إذا تردى)، (أي): إذا سقط في النار فهوى فيها. وقال قتادة: إذا تردى: إذا مات. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ﴾. (أي): إن علينا بيان الحق من الباطل. قال قتادة: على الله بيان حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته. بمعنى الآية - على قوله -: إن علينا للهدى والضلالة. ولكن ترك ذكر الضلالة [للدلالة] عليه، كما قال: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١]، وترك ذكر البرد لدلالة الحر عليه. ومثله ما أنشد سيبويه: ؎ فما أدري إذا [يممت] وجهاً ∗∗∗ (أريد) الخير أيهما يليني فحذف الشر لدلالة الخير عليه. فالأشياء تدل على أضدادها وإن لم تذكر الأضداد، والتقدير: أريد الخير وأكره الشر. وقيل معنى الآية: إن علينا سبيل من [سلك] (سبيل) الهدى. أي: من أخذ سبيل فعلى الله سبيله، كما قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] و﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١]. وكما قال: ﴿وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] أي: من أراد الله عز وجل فهو قاصد للسبيل هذا قول الفراء. وقال في قوله: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَٱلأُولَىٰ﴾، أي: (إن) لنا ثواب هذه وثواب هذه. وقال غيره: معناه: وإن لنا ملك ما في الدنيا والآخرة، نعطي من نشاء ونحرم من نشاء. والمعنى أنه يوفق من [يشاء] من خلقه إلى طاعته في الدنيا فيكرمه بذلك في الآخرة، [ويخذل] من [يشاء] من خلقه عن طاعته في الدنيا، فيهينه بذلك في الآخرة. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّىٰ﴾ أي: أنذرتكم أيها الناس ناراً تتوقد وتتوهج، أعدت لمن عصى الله وكفر به. * * ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ ٱلأَشْقَى﴾ أي: لا يدخلها ويصلى سعيرها إلا الأشقى الذين كذب بآيات الله وأعرض عنها. كان أبو هريرة يقول: لتدخلن الجنة إلا من أبى: قالوا: يا أبا هريرة، ومن يأبى أن يدخل الجنة؟! فقال: الذي كذب وتولى. والمرجئة الذين يقولون: "[الإيمان] قول بلا عمل"، يتعلقون بهذه الآية، وفي تقديرها أقوال، منها: أن المعنى لا يصليها إلا الأشقى، (و) ﴿ٱلَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾. فتكون الواو مضمرة. حكى المبرد وغيره أن العرب تقول: أكلت خبزاً لحماً [تمراً]، فيحذفون حرف العطف. وأنشد أبو زيد: ؎ كيف أصبحت كيف أمسيت ∗∗∗ مما يثبت الود في فؤاد الكريم وإضمار الواو قبيح ليس بكثير في كلام العرب، وفيه نقض للأصول وخروج عن الظاهر. (وقيل: التقدير: لا يصلاها إلا) الأشقى من الكفار والفساق، ثم أعاد ذكر الكفار - خاصة - تنبيهاً عليهم، لأنهم أعظم ذنباً من الفساق. وقيل: التقدير: فأنذرتكم نارا هذه صفتها. وقيل: التقدير: لا يصلاها إلا) أشقى أهل النار، وأشقاهم: الكفار. فدل هذا على أن غير الكفار يدخلون النار بذنوبهم. [وقيل: إن النار طبقات وصفوف مختلفة في شدة العذاب وهوله، فأعلمنا الله في هذه الآية أن هذا الصنف من النار التي تتوهج وتتوقد ولا يدخله إلا الذين كذبوا وتولوا عن الإيمان، وثم أصناف من ذلك عذاب النار دون ذلك يدخلها غير هذا الصنف. وأقل عذاب النار عذاب أليم، أجارنا الله منها]. وقيل: المعنى: لا يخلد فيها إلا الأشقى الذي كذب وتولى، فهذا [للكفار] بإجماع خاصة. وهذا القول أحسن الأقوال عندي. وقال الفراء: ﴿ٱلَّذِي كَذَّبَ﴾ معناه: [الذي] قصر عما أمر به، ليس معناه جحد، وهو مثل قوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢]، أي، تقصير ولا تخلف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى﴾ أي: وسيوقى دخول النار وصليها التقي. "فأفعل" في موضع "فعيل". ثم وصف التقي فقال: ﴿ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ﴾ أي: يعطي ماله في الدنيا يتطهر بذلك من ذنوبه. * * ثم قال: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ﴾ أي: وما لأحد من خلق الله عند هذا الذي يعطي ماله يتزكى به [عند الله] من نعمة يجازيه عليها. أي: ليس يعطي ما يعطي مجازاة لأحد [على] يد له عنده، ولا مكافأة على نعمة سبقت قبله، لكن يعطي ابتغاء وجه ربه الأعلى و "إلا" في هذا المعنى "لكن". وقيل: المعنى: وماله عند أحد في ما أنفق من نعمة يلتمس ثوابها، فيكون على القلب. وهذا أحد قولي الفراء. ومثله قول النابغة: ؎ وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي ∗∗∗ [على وعل من ذي المطارة عاقل] يريد: حتى ما تزيد مخافة وعلٍ (على) مخافتي. وفيه بعد، لأن كتاب الله لا يحمل على القلب إلا إذا لم يكن حمله إلا عليه. ويروى أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه. قال ذلك قتادة وابن جبير وغيرهما. قال هشام بن عروة عن أبيه: أسلم أبو بكر وله أربعون ألفاً فأنفقها، فأنزل الله جل ذكره فيه: ﴿ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ﴾... إلى قوله: ﴿يَرْضَىٰ﴾. قال ابن جبير: أعتق أبو بكر ناساً ستة أو سبعة لم يلتمس مِنهم جزاء ولا شكوراً. منهم: بلال وعامر بن فهيرة. * * وقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ﴾ أي: [ولسوف] يرضى في الآخرة هذا الذي يؤتي ماله يتزكى.

الليل 92:13

قوله تعالى: ﴿وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ﴾ إلى آخرها. معناه: ورب الليل إذا غشى النهار بظلمته فأذهب ضوءه. وقيل: المعنى: يغشى كل شيء بظلمته فيصير له كالغشاء. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ﴾. أي: (إذا) أضاء وأظهر للأبصار ما أخفته ظلمة الليل. وكان قتادة يذهب - فيما أقسم الله به من الأشياء - أنه إنما أقسم به لعظم حاله عنده. (ثم قال تعالى): ﴿وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ﴾. قيل: "ما" بمعنى "من"، يريد نفسه تعالى جل ذكره. وقيل: "ما" والفعل مصدر، أي: وخلق الذكر والأنثى. (وروى ابن مسعود أن النبي ﷺ قرأ: والذكر والأنثى) بالخفض بغير "ما". وأجاز الفراء: وما خلق الذكر والأنثى بالخفض على البدل من "ما". وقال الأخفش: "ما" بمعنى "الذي"، جعلها لمن يعقل. وروي عن أبي [عمرو] أنه قال: أهل مكة يقولون للرعد: سبحان من سبحت له. * * وقوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ هذا جواب القسم أي: إن عملكم لمختلف أيها الناس، لأن منكم الكافر والمؤمن، والعاصي والمطيع. * * وقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: من أعطى في سبيل الله ومرضاته، واتقى الله فاجتنب المعاصي، وصدق بالجنة. قاله مجاهد. وقال ابن عباس: من أعطي ما عنده من الفضل واتقى ربه. وقال قتادة: من أعطى حق الله واتقى محارمه. وقال عباس: - وهو مروي عن مجاهد أيضاً -. ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: وصدق بالخلف من الله جل وعز على نفقته في ذات الله. وقال الضحاك: ﴿بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ "بـ لا إله إلا الله" وروي ذلك (أيضاً) عن ابن عباس، وقاله [أبو] عبد الرحمن السلمي. وقال قتادة: ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ [أي]: بموعود الله جل وعز على نفقته، فعمل لذلك الموعود الذي وعده الله. وروى أبو الدرداء أن النبي ﷺ قال: "ما من يوم غربت فيه شمسه إلا [وبجنبيها] ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين - الجن والإنس - يقولان: اللهم عجل لمنفق خلفاً، وأعط ممسكاً تلفاً وأنزل الله جل وعز في ذلك من القرآن: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾ (وروى الزبير أن النبي ﷺ قال: ما من صباح يصبح إلا وصارخ يصرخ: أيها الخلائق، سبحوا القدوس وروى أبو ذر) أن النبي ﷺ قال: ما من يوم ولا ليلة ولا ساعة إلا ولله فيها صدقة يمن بها على من يشاء من عباده. وما من الله على عبده بمثل أن يلهمه ذكره وروي أنه ما من يوم إلا وهو ينادي: أنا يوم جديد، وأنا عليكم شهيد (ابن آدم)، إني لن [أمر بك] أبداً، فاتق الله واعمل في خيراً. فإذا هو أمسى قال: اللهم لا تردني إلى الدنيا أبداً. وروي أن هذه الآية (نزلت) في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، روي عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: (كان) أبو بكر (الصديق رضي الله عنه) يعتق على الإسلام بمكة، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه: أي بني، أراك تعتق أناساً ضعفاء، ولو أنك أعتقت رجالاً جلداً يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك؟ فقال: إني أريد ما عند الله. قال: فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية نزلت فيه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ﴾ الآية. وروى محمد بن إسحاق أن أبا بكر رضي الله عنه اشترى تسعة كانوا في أيدي المشركين، فأعتقهم لله جل وعز. فأنزل الله: فأما من [أعطى]... الآية. و (معنى) ﴿لِلْيُسْرَىٰ﴾: للحال اليسرى، أو [الخلة] اليسرى، وهي العمل بما يرضاها الله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ﴾. أي: بخل بالنفقة في سبيل الله، واستغنى عن ربه فلم يرغب [في العمل] بطاعته وما يوجب له رضاء ربه. قال ابن عباس: هو "من أغناه الله [فبخل] بالزكاة. وقال قتادة: من بخل عن الله واستغنى في نفسه عن ربه. والاختلاف في ﴿وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ على نحو الاختلاف في: ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾. * * وقوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ﴾ أي: [للخلة] العسرى في الدنيا، وذلك العمل بالمعاصي. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "كنا في جنازة في بقيع الغرقد، [فأتانا] رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة، فنكس رأسه، فجعل [ينكت] بمخصرته (في الأرض)، ثم قال: ما منكم من نفس منفوسة إلا وقد كتب مكانها من الجنة أو النار [قيل]: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟! فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة (ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى عمل أهل الشقاء)، فقال ﷺ: اعملوا، فكل ميسر، أما أهل السعادة [فييسرون] إلى عمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاء [فييسرون] إلى عمل أهل الشقاء، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ﴾ الآيتين وقال الضحاك: للعسرى: للنار. والتيسير إنما يكون في الخير، وإنما جاء هنا للشر على معنى: الذي يقوم لهم مقام (التيسير). العسرى: مثل: "فبشرهم بعذاب أليم". ومثله ما أنشد سيبويه: ؎ تحيَّةُ بَيْنِهِم ضَرْبٌ وَجِيعُ. وقال الفراء: لما وقع للخير تيسير جاز أن يقع في الشر مثله، ولا يكون ذلك إلا إذا اجتمع الخير والشر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ﴾ أي: وأي شيء يغني عنه ماله الذي بخل به إذا هلك وتركه. قال أبو صالح وقتادة: (إذا تردى)، (أي): إذا سقط في النار فهوى فيها. وقال قتادة: إذا تردى: إذا مات. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ﴾. (أي): إن علينا بيان الحق من الباطل. قال قتادة: على الله بيان حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته. بمعنى الآية - على قوله -: إن علينا للهدى والضلالة. ولكن ترك ذكر الضلالة [للدلالة] عليه، كما قال: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١]، وترك ذكر البرد لدلالة الحر عليه. ومثله ما أنشد سيبويه: ؎ فما أدري إذا [يممت] وجهاً ∗∗∗ (أريد) الخير أيهما يليني فحذف الشر لدلالة الخير عليه. فالأشياء تدل على أضدادها وإن لم تذكر الأضداد، والتقدير: أريد الخير وأكره الشر. وقيل معنى الآية: إن علينا سبيل من [سلك] (سبيل) الهدى. أي: من أخذ سبيل فعلى الله سبيله، كما قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] و﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١]. وكما قال: ﴿وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] أي: من أراد الله عز وجل فهو قاصد للسبيل هذا قول الفراء. وقال في قوله: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَٱلأُولَىٰ﴾، أي: (إن) لنا ثواب هذه وثواب هذه. وقال غيره: معناه: وإن لنا ملك ما في الدنيا والآخرة، نعطي من نشاء ونحرم من نشاء. والمعنى أنه يوفق من [يشاء] من خلقه إلى طاعته في الدنيا فيكرمه بذلك في الآخرة، [ويخذل] من [يشاء] من خلقه عن طاعته في الدنيا، فيهينه بذلك في الآخرة. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّىٰ﴾ أي: أنذرتكم أيها الناس ناراً تتوقد وتتوهج، أعدت لمن عصى الله وكفر به. * * ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ ٱلأَشْقَى﴾ أي: لا يدخلها ويصلى سعيرها إلا الأشقى الذين كذب بآيات الله وأعرض عنها. كان أبو هريرة يقول: لتدخلن الجنة إلا من أبى: قالوا: يا أبا هريرة، ومن يأبى أن يدخل الجنة؟! فقال: الذي كذب وتولى. والمرجئة الذين يقولون: "[الإيمان] قول بلا عمل"، يتعلقون بهذه الآية، وفي تقديرها أقوال، منها: أن المعنى لا يصليها إلا الأشقى، (و) ﴿ٱلَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾. فتكون الواو مضمرة. حكى المبرد وغيره أن العرب تقول: أكلت خبزاً لحماً [تمراً]، فيحذفون حرف العطف. وأنشد أبو زيد: ؎ كيف أصبحت كيف أمسيت ∗∗∗ مما يثبت الود في فؤاد الكريم وإضمار الواو قبيح ليس بكثير في كلام العرب، وفيه نقض للأصول وخروج عن الظاهر. (وقيل: التقدير: لا يصلاها إلا) الأشقى من الكفار والفساق، ثم أعاد ذكر الكفار - خاصة - تنبيهاً عليهم، لأنهم أعظم ذنباً من الفساق. وقيل: التقدير: فأنذرتكم نارا هذه صفتها. وقيل: التقدير: لا يصلاها إلا) أشقى أهل النار، وأشقاهم: الكفار. فدل هذا على أن غير الكفار يدخلون النار بذنوبهم. [وقيل: إن النار طبقات وصفوف مختلفة في شدة العذاب وهوله، فأعلمنا الله في هذه الآية أن هذا الصنف من النار التي تتوهج وتتوقد ولا يدخله إلا الذين كذبوا وتولوا عن الإيمان، وثم أصناف من ذلك عذاب النار دون ذلك يدخلها غير هذا الصنف. وأقل عذاب النار عذاب أليم، أجارنا الله منها]. وقيل: المعنى: لا يخلد فيها إلا الأشقى الذي كذب وتولى، فهذا [للكفار] بإجماع خاصة. وهذا القول أحسن الأقوال عندي. وقال الفراء: ﴿ٱلَّذِي كَذَّبَ﴾ معناه: [الذي] قصر عما أمر به، ليس معناه جحد، وهو مثل قوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢]، أي، تقصير ولا تخلف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى﴾ أي: وسيوقى دخول النار وصليها التقي. "فأفعل" في موضع "فعيل". ثم وصف التقي فقال: ﴿ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ﴾ أي: يعطي ماله في الدنيا يتطهر بذلك من ذنوبه. * * ثم قال: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ﴾ أي: وما لأحد من خلق الله عند هذا الذي يعطي ماله يتزكى به [عند الله] من نعمة يجازيه عليها. أي: ليس يعطي ما يعطي مجازاة لأحد [على] يد له عنده، ولا مكافأة على نعمة سبقت قبله، لكن يعطي ابتغاء وجه ربه الأعلى و "إلا" في هذا المعنى "لكن". وقيل: المعنى: وماله عند أحد في ما أنفق من نعمة يلتمس ثوابها، فيكون على القلب. وهذا أحد قولي الفراء. ومثله قول النابغة: ؎ وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي ∗∗∗ [على وعل من ذي المطارة عاقل] يريد: حتى ما تزيد مخافة وعلٍ (على) مخافتي. وفيه بعد، لأن كتاب الله لا يحمل على القلب إلا إذا لم يكن حمله إلا عليه. ويروى أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه. قال ذلك قتادة وابن جبير وغيرهما. قال هشام بن عروة عن أبيه: أسلم أبو بكر وله أربعون ألفاً فأنفقها، فأنزل الله جل ذكره فيه: ﴿ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ﴾... إلى قوله: ﴿يَرْضَىٰ﴾. قال ابن جبير: أعتق أبو بكر ناساً ستة أو سبعة لم يلتمس مِنهم جزاء ولا شكوراً. منهم: بلال وعامر بن فهيرة. * * وقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ﴾ أي: [ولسوف] يرضى في الآخرة هذا الذي يؤتي ماله يتزكى.

الليل 92:14

قوله تعالى: ﴿وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ﴾ إلى آخرها. معناه: ورب الليل إذا غشى النهار بظلمته فأذهب ضوءه. وقيل: المعنى: يغشى كل شيء بظلمته فيصير له كالغشاء. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ﴾. أي: (إذا) أضاء وأظهر للأبصار ما أخفته ظلمة الليل. وكان قتادة يذهب - فيما أقسم الله به من الأشياء - أنه إنما أقسم به لعظم حاله عنده. (ثم قال تعالى): ﴿وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ﴾. قيل: "ما" بمعنى "من"، يريد نفسه تعالى جل ذكره. وقيل: "ما" والفعل مصدر، أي: وخلق الذكر والأنثى. (وروى ابن مسعود أن النبي ﷺ قرأ: والذكر والأنثى) بالخفض بغير "ما". وأجاز الفراء: وما خلق الذكر والأنثى بالخفض على البدل من "ما". وقال الأخفش: "ما" بمعنى "الذي"، جعلها لمن يعقل. وروي عن أبي [عمرو] أنه قال: أهل مكة يقولون للرعد: سبحان من سبحت له. * * وقوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ هذا جواب القسم أي: إن عملكم لمختلف أيها الناس، لأن منكم الكافر والمؤمن، والعاصي والمطيع. * * وقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: من أعطى في سبيل الله ومرضاته، واتقى الله فاجتنب المعاصي، وصدق بالجنة. قاله مجاهد. وقال ابن عباس: من أعطي ما عنده من الفضل واتقى ربه. وقال قتادة: من أعطى حق الله واتقى محارمه. وقال عباس: - وهو مروي عن مجاهد أيضاً -. ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: وصدق بالخلف من الله جل وعز على نفقته في ذات الله. وقال الضحاك: ﴿بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ "بـ لا إله إلا الله" وروي ذلك (أيضاً) عن ابن عباس، وقاله [أبو] عبد الرحمن السلمي. وقال قتادة: ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ [أي]: بموعود الله جل وعز على نفقته، فعمل لذلك الموعود الذي وعده الله. وروى أبو الدرداء أن النبي ﷺ قال: "ما من يوم غربت فيه شمسه إلا [وبجنبيها] ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين - الجن والإنس - يقولان: اللهم عجل لمنفق خلفاً، وأعط ممسكاً تلفاً وأنزل الله جل وعز في ذلك من القرآن: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾ (وروى الزبير أن النبي ﷺ قال: ما من صباح يصبح إلا وصارخ يصرخ: أيها الخلائق، سبحوا القدوس وروى أبو ذر) أن النبي ﷺ قال: ما من يوم ولا ليلة ولا ساعة إلا ولله فيها صدقة يمن بها على من يشاء من عباده. وما من الله على عبده بمثل أن يلهمه ذكره وروي أنه ما من يوم إلا وهو ينادي: أنا يوم جديد، وأنا عليكم شهيد (ابن آدم)، إني لن [أمر بك] أبداً، فاتق الله واعمل في خيراً. فإذا هو أمسى قال: اللهم لا تردني إلى الدنيا أبداً. وروي أن هذه الآية (نزلت) في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، روي عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: (كان) أبو بكر (الصديق رضي الله عنه) يعتق على الإسلام بمكة، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه: أي بني، أراك تعتق أناساً ضعفاء، ولو أنك أعتقت رجالاً جلداً يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك؟ فقال: إني أريد ما عند الله. قال: فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية نزلت فيه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ﴾ الآية. وروى محمد بن إسحاق أن أبا بكر رضي الله عنه اشترى تسعة كانوا في أيدي المشركين، فأعتقهم لله جل وعز. فأنزل الله: فأما من [أعطى]... الآية. و (معنى) ﴿لِلْيُسْرَىٰ﴾: للحال اليسرى، أو [الخلة] اليسرى، وهي العمل بما يرضاها الله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ﴾. أي: بخل بالنفقة في سبيل الله، واستغنى عن ربه فلم يرغب [في العمل] بطاعته وما يوجب له رضاء ربه. قال ابن عباس: هو "من أغناه الله [فبخل] بالزكاة. وقال قتادة: من بخل عن الله واستغنى في نفسه عن ربه. والاختلاف في ﴿وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ على نحو الاختلاف في: ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾. * * وقوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ﴾ أي: [للخلة] العسرى في الدنيا، وذلك العمل بالمعاصي. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "كنا في جنازة في بقيع الغرقد، [فأتانا] رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة، فنكس رأسه، فجعل [ينكت] بمخصرته (في الأرض)، ثم قال: ما منكم من نفس منفوسة إلا وقد كتب مكانها من الجنة أو النار [قيل]: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟! فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة (ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى عمل أهل الشقاء)، فقال ﷺ: اعملوا، فكل ميسر، أما أهل السعادة [فييسرون] إلى عمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاء [فييسرون] إلى عمل أهل الشقاء، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ﴾ الآيتين وقال الضحاك: للعسرى: للنار. والتيسير إنما يكون في الخير، وإنما جاء هنا للشر على معنى: الذي يقوم لهم مقام (التيسير). العسرى: مثل: "فبشرهم بعذاب أليم". ومثله ما أنشد سيبويه: ؎ تحيَّةُ بَيْنِهِم ضَرْبٌ وَجِيعُ. وقال الفراء: لما وقع للخير تيسير جاز أن يقع في الشر مثله، ولا يكون ذلك إلا إذا اجتمع الخير والشر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ﴾ أي: وأي شيء يغني عنه ماله الذي بخل به إذا هلك وتركه. قال أبو صالح وقتادة: (إذا تردى)، (أي): إذا سقط في النار فهوى فيها. وقال قتادة: إذا تردى: إذا مات. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ﴾. (أي): إن علينا بيان الحق من الباطل. قال قتادة: على الله بيان حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته. بمعنى الآية - على قوله -: إن علينا للهدى والضلالة. ولكن ترك ذكر الضلالة [للدلالة] عليه، كما قال: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١]، وترك ذكر البرد لدلالة الحر عليه. ومثله ما أنشد سيبويه: ؎ فما أدري إذا [يممت] وجهاً ∗∗∗ (أريد) الخير أيهما يليني فحذف الشر لدلالة الخير عليه. فالأشياء تدل على أضدادها وإن لم تذكر الأضداد، والتقدير: أريد الخير وأكره الشر. وقيل معنى الآية: إن علينا سبيل من [سلك] (سبيل) الهدى. أي: من أخذ سبيل فعلى الله سبيله، كما قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] و﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١]. وكما قال: ﴿وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] أي: من أراد الله عز وجل فهو قاصد للسبيل هذا قول الفراء. وقال في قوله: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَٱلأُولَىٰ﴾، أي: (إن) لنا ثواب هذه وثواب هذه. وقال غيره: معناه: وإن لنا ملك ما في الدنيا والآخرة، نعطي من نشاء ونحرم من نشاء. والمعنى أنه يوفق من [يشاء] من خلقه إلى طاعته في الدنيا فيكرمه بذلك في الآخرة، [ويخذل] من [يشاء] من خلقه عن طاعته في الدنيا، فيهينه بذلك في الآخرة. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّىٰ﴾ أي: أنذرتكم أيها الناس ناراً تتوقد وتتوهج، أعدت لمن عصى الله وكفر به. * * ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ ٱلأَشْقَى﴾ أي: لا يدخلها ويصلى سعيرها إلا الأشقى الذين كذب بآيات الله وأعرض عنها. كان أبو هريرة يقول: لتدخلن الجنة إلا من أبى: قالوا: يا أبا هريرة، ومن يأبى أن يدخل الجنة؟! فقال: الذي كذب وتولى. والمرجئة الذين يقولون: "[الإيمان] قول بلا عمل"، يتعلقون بهذه الآية، وفي تقديرها أقوال، منها: أن المعنى لا يصليها إلا الأشقى، (و) ﴿ٱلَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾. فتكون الواو مضمرة. حكى المبرد وغيره أن العرب تقول: أكلت خبزاً لحماً [تمراً]، فيحذفون حرف العطف. وأنشد أبو زيد: ؎ كيف أصبحت كيف أمسيت ∗∗∗ مما يثبت الود في فؤاد الكريم وإضمار الواو قبيح ليس بكثير في كلام العرب، وفيه نقض للأصول وخروج عن الظاهر. (وقيل: التقدير: لا يصلاها إلا) الأشقى من الكفار والفساق، ثم أعاد ذكر الكفار - خاصة - تنبيهاً عليهم، لأنهم أعظم ذنباً من الفساق. وقيل: التقدير: فأنذرتكم نارا هذه صفتها. وقيل: التقدير: لا يصلاها إلا) أشقى أهل النار، وأشقاهم: الكفار. فدل هذا على أن غير الكفار يدخلون النار بذنوبهم. [وقيل: إن النار طبقات وصفوف مختلفة في شدة العذاب وهوله، فأعلمنا الله في هذه الآية أن هذا الصنف من النار التي تتوهج وتتوقد ولا يدخله إلا الذين كذبوا وتولوا عن الإيمان، وثم أصناف من ذلك عذاب النار دون ذلك يدخلها غير هذا الصنف. وأقل عذاب النار عذاب أليم، أجارنا الله منها]. وقيل: المعنى: لا يخلد فيها إلا الأشقى الذي كذب وتولى، فهذا [للكفار] بإجماع خاصة. وهذا القول أحسن الأقوال عندي. وقال الفراء: ﴿ٱلَّذِي كَذَّبَ﴾ معناه: [الذي] قصر عما أمر به، ليس معناه جحد، وهو مثل قوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢]، أي، تقصير ولا تخلف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى﴾ أي: وسيوقى دخول النار وصليها التقي. "فأفعل" في موضع "فعيل". ثم وصف التقي فقال: ﴿ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ﴾ أي: يعطي ماله في الدنيا يتطهر بذلك من ذنوبه. * * ثم قال: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ﴾ أي: وما لأحد من خلق الله عند هذا الذي يعطي ماله يتزكى به [عند الله] من نعمة يجازيه عليها. أي: ليس يعطي ما يعطي مجازاة لأحد [على] يد له عنده، ولا مكافأة على نعمة سبقت قبله، لكن يعطي ابتغاء وجه ربه الأعلى و "إلا" في هذا المعنى "لكن". وقيل: المعنى: وماله عند أحد في ما أنفق من نعمة يلتمس ثوابها، فيكون على القلب. وهذا أحد قولي الفراء. ومثله قول النابغة: ؎ وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي ∗∗∗ [على وعل من ذي المطارة عاقل] يريد: حتى ما تزيد مخافة وعلٍ (على) مخافتي. وفيه بعد، لأن كتاب الله لا يحمل على القلب إلا إذا لم يكن حمله إلا عليه. ويروى أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه. قال ذلك قتادة وابن جبير وغيرهما. قال هشام بن عروة عن أبيه: أسلم أبو بكر وله أربعون ألفاً فأنفقها، فأنزل الله جل ذكره فيه: ﴿ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ﴾... إلى قوله: ﴿يَرْضَىٰ﴾. قال ابن جبير: أعتق أبو بكر ناساً ستة أو سبعة لم يلتمس مِنهم جزاء ولا شكوراً. منهم: بلال وعامر بن فهيرة. * * وقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ﴾ أي: [ولسوف] يرضى في الآخرة هذا الذي يؤتي ماله يتزكى.

الليل 92:15

قوله تعالى: ﴿وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ﴾ إلى آخرها. معناه: ورب الليل إذا غشى النهار بظلمته فأذهب ضوءه. وقيل: المعنى: يغشى كل شيء بظلمته فيصير له كالغشاء. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ﴾. أي: (إذا) أضاء وأظهر للأبصار ما أخفته ظلمة الليل. وكان قتادة يذهب - فيما أقسم الله به من الأشياء - أنه إنما أقسم به لعظم حاله عنده. (ثم قال تعالى): ﴿وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ﴾. قيل: "ما" بمعنى "من"، يريد نفسه تعالى جل ذكره. وقيل: "ما" والفعل مصدر، أي: وخلق الذكر والأنثى. (وروى ابن مسعود أن النبي ﷺ قرأ: والذكر والأنثى) بالخفض بغير "ما". وأجاز الفراء: وما خلق الذكر والأنثى بالخفض على البدل من "ما". وقال الأخفش: "ما" بمعنى "الذي"، جعلها لمن يعقل. وروي عن أبي [عمرو] أنه قال: أهل مكة يقولون للرعد: سبحان من سبحت له. * * وقوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ هذا جواب القسم أي: إن عملكم لمختلف أيها الناس، لأن منكم الكافر والمؤمن، والعاصي والمطيع. * * وقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: من أعطى في سبيل الله ومرضاته، واتقى الله فاجتنب المعاصي، وصدق بالجنة. قاله مجاهد. وقال ابن عباس: من أعطي ما عنده من الفضل واتقى ربه. وقال قتادة: من أعطى حق الله واتقى محارمه. وقال عباس: - وهو مروي عن مجاهد أيضاً -. ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: وصدق بالخلف من الله جل وعز على نفقته في ذات الله. وقال الضحاك: ﴿بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ "بـ لا إله إلا الله" وروي ذلك (أيضاً) عن ابن عباس، وقاله [أبو] عبد الرحمن السلمي. وقال قتادة: ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ [أي]: بموعود الله جل وعز على نفقته، فعمل لذلك الموعود الذي وعده الله. وروى أبو الدرداء أن النبي ﷺ قال: "ما من يوم غربت فيه شمسه إلا [وبجنبيها] ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين - الجن والإنس - يقولان: اللهم عجل لمنفق خلفاً، وأعط ممسكاً تلفاً وأنزل الله جل وعز في ذلك من القرآن: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾ (وروى الزبير أن النبي ﷺ قال: ما من صباح يصبح إلا وصارخ يصرخ: أيها الخلائق، سبحوا القدوس وروى أبو ذر) أن النبي ﷺ قال: ما من يوم ولا ليلة ولا ساعة إلا ولله فيها صدقة يمن بها على من يشاء من عباده. وما من الله على عبده بمثل أن يلهمه ذكره وروي أنه ما من يوم إلا وهو ينادي: أنا يوم جديد، وأنا عليكم شهيد (ابن آدم)، إني لن [أمر بك] أبداً، فاتق الله واعمل في خيراً. فإذا هو أمسى قال: اللهم لا تردني إلى الدنيا أبداً. وروي أن هذه الآية (نزلت) في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، روي عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: (كان) أبو بكر (الصديق رضي الله عنه) يعتق على الإسلام بمكة، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه: أي بني، أراك تعتق أناساً ضعفاء، ولو أنك أعتقت رجالاً جلداً يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك؟ فقال: إني أريد ما عند الله. قال: فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية نزلت فيه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ﴾ الآية. وروى محمد بن إسحاق أن أبا بكر رضي الله عنه اشترى تسعة كانوا في أيدي المشركين، فأعتقهم لله جل وعز. فأنزل الله: فأما من [أعطى]... الآية. و (معنى) ﴿لِلْيُسْرَىٰ﴾: للحال اليسرى، أو [الخلة] اليسرى، وهي العمل بما يرضاها الله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ﴾. أي: بخل بالنفقة في سبيل الله، واستغنى عن ربه فلم يرغب [في العمل] بطاعته وما يوجب له رضاء ربه. قال ابن عباس: هو "من أغناه الله [فبخل] بالزكاة. وقال قتادة: من بخل عن الله واستغنى في نفسه عن ربه. والاختلاف في ﴿وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ على نحو الاختلاف في: ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾. * * وقوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ﴾ أي: [للخلة] العسرى في الدنيا، وذلك العمل بالمعاصي. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "كنا في جنازة في بقيع الغرقد، [فأتانا] رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة، فنكس رأسه، فجعل [ينكت] بمخصرته (في الأرض)، ثم قال: ما منكم من نفس منفوسة إلا وقد كتب مكانها من الجنة أو النار [قيل]: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟! فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة (ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى عمل أهل الشقاء)، فقال ﷺ: اعملوا، فكل ميسر، أما أهل السعادة [فييسرون] إلى عمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاء [فييسرون] إلى عمل أهل الشقاء، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ﴾ الآيتين وقال الضحاك: للعسرى: للنار. والتيسير إنما يكون في الخير، وإنما جاء هنا للشر على معنى: الذي يقوم لهم مقام (التيسير). العسرى: مثل: "فبشرهم بعذاب أليم". ومثله ما أنشد سيبويه: ؎ تحيَّةُ بَيْنِهِم ضَرْبٌ وَجِيعُ. وقال الفراء: لما وقع للخير تيسير جاز أن يقع في الشر مثله، ولا يكون ذلك إلا إذا اجتمع الخير والشر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ﴾ أي: وأي شيء يغني عنه ماله الذي بخل به إذا هلك وتركه. قال أبو صالح وقتادة: (إذا تردى)، (أي): إذا سقط في النار فهوى فيها. وقال قتادة: إذا تردى: إذا مات. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ﴾. (أي): إن علينا بيان الحق من الباطل. قال قتادة: على الله بيان حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته. بمعنى الآية - على قوله -: إن علينا للهدى والضلالة. ولكن ترك ذكر الضلالة [للدلالة] عليه، كما قال: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١]، وترك ذكر البرد لدلالة الحر عليه. ومثله ما أنشد سيبويه: ؎ فما أدري إذا [يممت] وجهاً ∗∗∗ (أريد) الخير أيهما يليني فحذف الشر لدلالة الخير عليه. فالأشياء تدل على أضدادها وإن لم تذكر الأضداد، والتقدير: أريد الخير وأكره الشر. وقيل معنى الآية: إن علينا سبيل من [سلك] (سبيل) الهدى. أي: من أخذ سبيل فعلى الله سبيله، كما قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] و﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١]. وكما قال: ﴿وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] أي: من أراد الله عز وجل فهو قاصد للسبيل هذا قول الفراء. وقال في قوله: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَٱلأُولَىٰ﴾، أي: (إن) لنا ثواب هذه وثواب هذه. وقال غيره: معناه: وإن لنا ملك ما في الدنيا والآخرة، نعطي من نشاء ونحرم من نشاء. والمعنى أنه يوفق من [يشاء] من خلقه إلى طاعته في الدنيا فيكرمه بذلك في الآخرة، [ويخذل] من [يشاء] من خلقه عن طاعته في الدنيا، فيهينه بذلك في الآخرة. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّىٰ﴾ أي: أنذرتكم أيها الناس ناراً تتوقد وتتوهج، أعدت لمن عصى الله وكفر به. * * ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ ٱلأَشْقَى﴾ أي: لا يدخلها ويصلى سعيرها إلا الأشقى الذين كذب بآيات الله وأعرض عنها. كان أبو هريرة يقول: لتدخلن الجنة إلا من أبى: قالوا: يا أبا هريرة، ومن يأبى أن يدخل الجنة؟! فقال: الذي كذب وتولى. والمرجئة الذين يقولون: "[الإيمان] قول بلا عمل"، يتعلقون بهذه الآية، وفي تقديرها أقوال، منها: أن المعنى لا يصليها إلا الأشقى، (و) ﴿ٱلَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾. فتكون الواو مضمرة. حكى المبرد وغيره أن العرب تقول: أكلت خبزاً لحماً [تمراً]، فيحذفون حرف العطف. وأنشد أبو زيد: ؎ كيف أصبحت كيف أمسيت ∗∗∗ مما يثبت الود في فؤاد الكريم وإضمار الواو قبيح ليس بكثير في كلام العرب، وفيه نقض للأصول وخروج عن الظاهر. (وقيل: التقدير: لا يصلاها إلا) الأشقى من الكفار والفساق، ثم أعاد ذكر الكفار - خاصة - تنبيهاً عليهم، لأنهم أعظم ذنباً من الفساق. وقيل: التقدير: فأنذرتكم نارا هذه صفتها. وقيل: التقدير: لا يصلاها إلا) أشقى أهل النار، وأشقاهم: الكفار. فدل هذا على أن غير الكفار يدخلون النار بذنوبهم. [وقيل: إن النار طبقات وصفوف مختلفة في شدة العذاب وهوله، فأعلمنا الله في هذه الآية أن هذا الصنف من النار التي تتوهج وتتوقد ولا يدخله إلا الذين كذبوا وتولوا عن الإيمان، وثم أصناف من ذلك عذاب النار دون ذلك يدخلها غير هذا الصنف. وأقل عذاب النار عذاب أليم، أجارنا الله منها]. وقيل: المعنى: لا يخلد فيها إلا الأشقى الذي كذب وتولى، فهذا [للكفار] بإجماع خاصة. وهذا القول أحسن الأقوال عندي. وقال الفراء: ﴿ٱلَّذِي كَذَّبَ﴾ معناه: [الذي] قصر عما أمر به، ليس معناه جحد، وهو مثل قوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢]، أي، تقصير ولا تخلف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى﴾ أي: وسيوقى دخول النار وصليها التقي. "فأفعل" في موضع "فعيل". ثم وصف التقي فقال: ﴿ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ﴾ أي: يعطي ماله في الدنيا يتطهر بذلك من ذنوبه. * * ثم قال: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ﴾ أي: وما لأحد من خلق الله عند هذا الذي يعطي ماله يتزكى به [عند الله] من نعمة يجازيه عليها. أي: ليس يعطي ما يعطي مجازاة لأحد [على] يد له عنده، ولا مكافأة على نعمة سبقت قبله، لكن يعطي ابتغاء وجه ربه الأعلى و "إلا" في هذا المعنى "لكن". وقيل: المعنى: وماله عند أحد في ما أنفق من نعمة يلتمس ثوابها، فيكون على القلب. وهذا أحد قولي الفراء. ومثله قول النابغة: ؎ وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي ∗∗∗ [على وعل من ذي المطارة عاقل] يريد: حتى ما تزيد مخافة وعلٍ (على) مخافتي. وفيه بعد، لأن كتاب الله لا يحمل على القلب إلا إذا لم يكن حمله إلا عليه. ويروى أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه. قال ذلك قتادة وابن جبير وغيرهما. قال هشام بن عروة عن أبيه: أسلم أبو بكر وله أربعون ألفاً فأنفقها، فأنزل الله جل ذكره فيه: ﴿ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ﴾... إلى قوله: ﴿يَرْضَىٰ﴾. قال ابن جبير: أعتق أبو بكر ناساً ستة أو سبعة لم يلتمس مِنهم جزاء ولا شكوراً. منهم: بلال وعامر بن فهيرة. * * وقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ﴾ أي: [ولسوف] يرضى في الآخرة هذا الذي يؤتي ماله يتزكى.

الليل 92:16

قوله تعالى: ﴿وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ﴾ إلى آخرها. معناه: ورب الليل إذا غشى النهار بظلمته فأذهب ضوءه. وقيل: المعنى: يغشى كل شيء بظلمته فيصير له كالغشاء. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ﴾. أي: (إذا) أضاء وأظهر للأبصار ما أخفته ظلمة الليل. وكان قتادة يذهب - فيما أقسم الله به من الأشياء - أنه إنما أقسم به لعظم حاله عنده. (ثم قال تعالى): ﴿وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ﴾. قيل: "ما" بمعنى "من"، يريد نفسه تعالى جل ذكره. وقيل: "ما" والفعل مصدر، أي: وخلق الذكر والأنثى. (وروى ابن مسعود أن النبي ﷺ قرأ: والذكر والأنثى) بالخفض بغير "ما". وأجاز الفراء: وما خلق الذكر والأنثى بالخفض على البدل من "ما". وقال الأخفش: "ما" بمعنى "الذي"، جعلها لمن يعقل. وروي عن أبي [عمرو] أنه قال: أهل مكة يقولون للرعد: سبحان من سبحت له. * * وقوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ هذا جواب القسم أي: إن عملكم لمختلف أيها الناس، لأن منكم الكافر والمؤمن، والعاصي والمطيع. * * وقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: من أعطى في سبيل الله ومرضاته، واتقى الله فاجتنب المعاصي، وصدق بالجنة. قاله مجاهد. وقال ابن عباس: من أعطي ما عنده من الفضل واتقى ربه. وقال قتادة: من أعطى حق الله واتقى محارمه. وقال عباس: - وهو مروي عن مجاهد أيضاً -. ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: وصدق بالخلف من الله جل وعز على نفقته في ذات الله. وقال الضحاك: ﴿بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ "بـ لا إله إلا الله" وروي ذلك (أيضاً) عن ابن عباس، وقاله [أبو] عبد الرحمن السلمي. وقال قتادة: ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ [أي]: بموعود الله جل وعز على نفقته، فعمل لذلك الموعود الذي وعده الله. وروى أبو الدرداء أن النبي ﷺ قال: "ما من يوم غربت فيه شمسه إلا [وبجنبيها] ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين - الجن والإنس - يقولان: اللهم عجل لمنفق خلفاً، وأعط ممسكاً تلفاً وأنزل الله جل وعز في ذلك من القرآن: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾ (وروى الزبير أن النبي ﷺ قال: ما من صباح يصبح إلا وصارخ يصرخ: أيها الخلائق، سبحوا القدوس وروى أبو ذر) أن النبي ﷺ قال: ما من يوم ولا ليلة ولا ساعة إلا ولله فيها صدقة يمن بها على من يشاء من عباده. وما من الله على عبده بمثل أن يلهمه ذكره وروي أنه ما من يوم إلا وهو ينادي: أنا يوم جديد، وأنا عليكم شهيد (ابن آدم)، إني لن [أمر بك] أبداً، فاتق الله واعمل في خيراً. فإذا هو أمسى قال: اللهم لا تردني إلى الدنيا أبداً. وروي أن هذه الآية (نزلت) في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، روي عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: (كان) أبو بكر (الصديق رضي الله عنه) يعتق على الإسلام بمكة، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه: أي بني، أراك تعتق أناساً ضعفاء، ولو أنك أعتقت رجالاً جلداً يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك؟ فقال: إني أريد ما عند الله. قال: فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية نزلت فيه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ﴾ الآية. وروى محمد بن إسحاق أن أبا بكر رضي الله عنه اشترى تسعة كانوا في أيدي المشركين، فأعتقهم لله جل وعز. فأنزل الله: فأما من [أعطى]... الآية. و (معنى) ﴿لِلْيُسْرَىٰ﴾: للحال اليسرى، أو [الخلة] اليسرى، وهي العمل بما يرضاها الله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ﴾. أي: بخل بالنفقة في سبيل الله، واستغنى عن ربه فلم يرغب [في العمل] بطاعته وما يوجب له رضاء ربه. قال ابن عباس: هو "من أغناه الله [فبخل] بالزكاة. وقال قتادة: من بخل عن الله واستغنى في نفسه عن ربه. والاختلاف في ﴿وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ على نحو الاختلاف في: ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾. * * وقوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ﴾ أي: [للخلة] العسرى في الدنيا، وذلك العمل بالمعاصي. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "كنا في جنازة في بقيع الغرقد، [فأتانا] رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة، فنكس رأسه، فجعل [ينكت] بمخصرته (في الأرض)، ثم قال: ما منكم من نفس منفوسة إلا وقد كتب مكانها من الجنة أو النار [قيل]: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟! فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة (ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى عمل أهل الشقاء)، فقال ﷺ: اعملوا، فكل ميسر، أما أهل السعادة [فييسرون] إلى عمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاء [فييسرون] إلى عمل أهل الشقاء، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ﴾ الآيتين وقال الضحاك: للعسرى: للنار. والتيسير إنما يكون في الخير، وإنما جاء هنا للشر على معنى: الذي يقوم لهم مقام (التيسير). العسرى: مثل: "فبشرهم بعذاب أليم". ومثله ما أنشد سيبويه: ؎ تحيَّةُ بَيْنِهِم ضَرْبٌ وَجِيعُ. وقال الفراء: لما وقع للخير تيسير جاز أن يقع في الشر مثله، ولا يكون ذلك إلا إذا اجتمع الخير والشر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ﴾ أي: وأي شيء يغني عنه ماله الذي بخل به إذا هلك وتركه. قال أبو صالح وقتادة: (إذا تردى)، (أي): إذا سقط في النار فهوى فيها. وقال قتادة: إذا تردى: إذا مات. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ﴾. (أي): إن علينا بيان الحق من الباطل. قال قتادة: على الله بيان حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته. بمعنى الآية - على قوله -: إن علينا للهدى والضلالة. ولكن ترك ذكر الضلالة [للدلالة] عليه، كما قال: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١]، وترك ذكر البرد لدلالة الحر عليه. ومثله ما أنشد سيبويه: ؎ فما أدري إذا [يممت] وجهاً ∗∗∗ (أريد) الخير أيهما يليني فحذف الشر لدلالة الخير عليه. فالأشياء تدل على أضدادها وإن لم تذكر الأضداد، والتقدير: أريد الخير وأكره الشر. وقيل معنى الآية: إن علينا سبيل من [سلك] (سبيل) الهدى. أي: من أخذ سبيل فعلى الله سبيله، كما قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] و﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١]. وكما قال: ﴿وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] أي: من أراد الله عز وجل فهو قاصد للسبيل هذا قول الفراء. وقال في قوله: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَٱلأُولَىٰ﴾، أي: (إن) لنا ثواب هذه وثواب هذه. وقال غيره: معناه: وإن لنا ملك ما في الدنيا والآخرة، نعطي من نشاء ونحرم من نشاء. والمعنى أنه يوفق من [يشاء] من خلقه إلى طاعته في الدنيا فيكرمه بذلك في الآخرة، [ويخذل] من [يشاء] من خلقه عن طاعته في الدنيا، فيهينه بذلك في الآخرة. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّىٰ﴾ أي: أنذرتكم أيها الناس ناراً تتوقد وتتوهج، أعدت لمن عصى الله وكفر به. * * ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ ٱلأَشْقَى﴾ أي: لا يدخلها ويصلى سعيرها إلا الأشقى الذين كذب بآيات الله وأعرض عنها. كان أبو هريرة يقول: لتدخلن الجنة إلا من أبى: قالوا: يا أبا هريرة، ومن يأبى أن يدخل الجنة؟! فقال: الذي كذب وتولى. والمرجئة الذين يقولون: "[الإيمان] قول بلا عمل"، يتعلقون بهذه الآية، وفي تقديرها أقوال، منها: أن المعنى لا يصليها إلا الأشقى، (و) ﴿ٱلَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾. فتكون الواو مضمرة. حكى المبرد وغيره أن العرب تقول: أكلت خبزاً لحماً [تمراً]، فيحذفون حرف العطف. وأنشد أبو زيد: ؎ كيف أصبحت كيف أمسيت ∗∗∗ مما يثبت الود في فؤاد الكريم وإضمار الواو قبيح ليس بكثير في كلام العرب، وفيه نقض للأصول وخروج عن الظاهر. (وقيل: التقدير: لا يصلاها إلا) الأشقى من الكفار والفساق، ثم أعاد ذكر الكفار - خاصة - تنبيهاً عليهم، لأنهم أعظم ذنباً من الفساق. وقيل: التقدير: فأنذرتكم نارا هذه صفتها. وقيل: التقدير: لا يصلاها إلا) أشقى أهل النار، وأشقاهم: الكفار. فدل هذا على أن غير الكفار يدخلون النار بذنوبهم. [وقيل: إن النار طبقات وصفوف مختلفة في شدة العذاب وهوله، فأعلمنا الله في هذه الآية أن هذا الصنف من النار التي تتوهج وتتوقد ولا يدخله إلا الذين كذبوا وتولوا عن الإيمان، وثم أصناف من ذلك عذاب النار دون ذلك يدخلها غير هذا الصنف. وأقل عذاب النار عذاب أليم، أجارنا الله منها]. وقيل: المعنى: لا يخلد فيها إلا الأشقى الذي كذب وتولى، فهذا [للكفار] بإجماع خاصة. وهذا القول أحسن الأقوال عندي. وقال الفراء: ﴿ٱلَّذِي كَذَّبَ﴾ معناه: [الذي] قصر عما أمر به، ليس معناه جحد، وهو مثل قوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢]، أي، تقصير ولا تخلف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى﴾ أي: وسيوقى دخول النار وصليها التقي. "فأفعل" في موضع "فعيل". ثم وصف التقي فقال: ﴿ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ﴾ أي: يعطي ماله في الدنيا يتطهر بذلك من ذنوبه. * * ثم قال: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ﴾ أي: وما لأحد من خلق الله عند هذا الذي يعطي ماله يتزكى به [عند الله] من نعمة يجازيه عليها. أي: ليس يعطي ما يعطي مجازاة لأحد [على] يد له عنده، ولا مكافأة على نعمة سبقت قبله، لكن يعطي ابتغاء وجه ربه الأعلى و "إلا" في هذا المعنى "لكن". وقيل: المعنى: وماله عند أحد في ما أنفق من نعمة يلتمس ثوابها، فيكون على القلب. وهذا أحد قولي الفراء. ومثله قول النابغة: ؎ وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي ∗∗∗ [على وعل من ذي المطارة عاقل] يريد: حتى ما تزيد مخافة وعلٍ (على) مخافتي. وفيه بعد، لأن كتاب الله لا يحمل على القلب إلا إذا لم يكن حمله إلا عليه. ويروى أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه. قال ذلك قتادة وابن جبير وغيرهما. قال هشام بن عروة عن أبيه: أسلم أبو بكر وله أربعون ألفاً فأنفقها، فأنزل الله جل ذكره فيه: ﴿ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ﴾... إلى قوله: ﴿يَرْضَىٰ﴾. قال ابن جبير: أعتق أبو بكر ناساً ستة أو سبعة لم يلتمس مِنهم جزاء ولا شكوراً. منهم: بلال وعامر بن فهيرة. * * وقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ﴾ أي: [ولسوف] يرضى في الآخرة هذا الذي يؤتي ماله يتزكى.

الليل 92:17

قوله تعالى: ﴿وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ﴾ إلى آخرها. معناه: ورب الليل إذا غشى النهار بظلمته فأذهب ضوءه. وقيل: المعنى: يغشى كل شيء بظلمته فيصير له كالغشاء. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ﴾. أي: (إذا) أضاء وأظهر للأبصار ما أخفته ظلمة الليل. وكان قتادة يذهب - فيما أقسم الله به من الأشياء - أنه إنما أقسم به لعظم حاله عنده. (ثم قال تعالى): ﴿وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ﴾. قيل: "ما" بمعنى "من"، يريد نفسه تعالى جل ذكره. وقيل: "ما" والفعل مصدر، أي: وخلق الذكر والأنثى. (وروى ابن مسعود أن النبي ﷺ قرأ: والذكر والأنثى) بالخفض بغير "ما". وأجاز الفراء: وما خلق الذكر والأنثى بالخفض على البدل من "ما". وقال الأخفش: "ما" بمعنى "الذي"، جعلها لمن يعقل. وروي عن أبي [عمرو] أنه قال: أهل مكة يقولون للرعد: سبحان من سبحت له. * * وقوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ هذا جواب القسم أي: إن عملكم لمختلف أيها الناس، لأن منكم الكافر والمؤمن، والعاصي والمطيع. * * وقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: من أعطى في سبيل الله ومرضاته، واتقى الله فاجتنب المعاصي، وصدق بالجنة. قاله مجاهد. وقال ابن عباس: من أعطي ما عنده من الفضل واتقى ربه. وقال قتادة: من أعطى حق الله واتقى محارمه. وقال عباس: - وهو مروي عن مجاهد أيضاً -. ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: وصدق بالخلف من الله جل وعز على نفقته في ذات الله. وقال الضحاك: ﴿بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ "بـ لا إله إلا الله" وروي ذلك (أيضاً) عن ابن عباس، وقاله [أبو] عبد الرحمن السلمي. وقال قتادة: ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ [أي]: بموعود الله جل وعز على نفقته، فعمل لذلك الموعود الذي وعده الله. وروى أبو الدرداء أن النبي ﷺ قال: "ما من يوم غربت فيه شمسه إلا [وبجنبيها] ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين - الجن والإنس - يقولان: اللهم عجل لمنفق خلفاً، وأعط ممسكاً تلفاً وأنزل الله جل وعز في ذلك من القرآن: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾ (وروى الزبير أن النبي ﷺ قال: ما من صباح يصبح إلا وصارخ يصرخ: أيها الخلائق، سبحوا القدوس وروى أبو ذر) أن النبي ﷺ قال: ما من يوم ولا ليلة ولا ساعة إلا ولله فيها صدقة يمن بها على من يشاء من عباده. وما من الله على عبده بمثل أن يلهمه ذكره وروي أنه ما من يوم إلا وهو ينادي: أنا يوم جديد، وأنا عليكم شهيد (ابن آدم)، إني لن [أمر بك] أبداً، فاتق الله واعمل في خيراً. فإذا هو أمسى قال: اللهم لا تردني إلى الدنيا أبداً. وروي أن هذه الآية (نزلت) في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، روي عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: (كان) أبو بكر (الصديق رضي الله عنه) يعتق على الإسلام بمكة، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه: أي بني، أراك تعتق أناساً ضعفاء، ولو أنك أعتقت رجالاً جلداً يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك؟ فقال: إني أريد ما عند الله. قال: فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية نزلت فيه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ﴾ الآية. وروى محمد بن إسحاق أن أبا بكر رضي الله عنه اشترى تسعة كانوا في أيدي المشركين، فأعتقهم لله جل وعز. فأنزل الله: فأما من [أعطى]... الآية. و (معنى) ﴿لِلْيُسْرَىٰ﴾: للحال اليسرى، أو [الخلة] اليسرى، وهي العمل بما يرضاها الله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ﴾. أي: بخل بالنفقة في سبيل الله، واستغنى عن ربه فلم يرغب [في العمل] بطاعته وما يوجب له رضاء ربه. قال ابن عباس: هو "من أغناه الله [فبخل] بالزكاة. وقال قتادة: من بخل عن الله واستغنى في نفسه عن ربه. والاختلاف في ﴿وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ على نحو الاختلاف في: ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾. * * وقوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ﴾ أي: [للخلة] العسرى في الدنيا، وذلك العمل بالمعاصي. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "كنا في جنازة في بقيع الغرقد، [فأتانا] رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة، فنكس رأسه، فجعل [ينكت] بمخصرته (في الأرض)، ثم قال: ما منكم من نفس منفوسة إلا وقد كتب مكانها من الجنة أو النار [قيل]: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟! فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة (ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى عمل أهل الشقاء)، فقال ﷺ: اعملوا، فكل ميسر، أما أهل السعادة [فييسرون] إلى عمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاء [فييسرون] إلى عمل أهل الشقاء، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ﴾ الآيتين وقال الضحاك: للعسرى: للنار. والتيسير إنما يكون في الخير، وإنما جاء هنا للشر على معنى: الذي يقوم لهم مقام (التيسير). العسرى: مثل: "فبشرهم بعذاب أليم". ومثله ما أنشد سيبويه: ؎ تحيَّةُ بَيْنِهِم ضَرْبٌ وَجِيعُ. وقال الفراء: لما وقع للخير تيسير جاز أن يقع في الشر مثله، ولا يكون ذلك إلا إذا اجتمع الخير والشر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ﴾ أي: وأي شيء يغني عنه ماله الذي بخل به إذا هلك وتركه. قال أبو صالح وقتادة: (إذا تردى)، (أي): إذا سقط في النار فهوى فيها. وقال قتادة: إذا تردى: إذا مات. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ﴾. (أي): إن علينا بيان الحق من الباطل. قال قتادة: على الله بيان حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته. بمعنى الآية - على قوله -: إن علينا للهدى والضلالة. ولكن ترك ذكر الضلالة [للدلالة] عليه، كما قال: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١]، وترك ذكر البرد لدلالة الحر عليه. ومثله ما أنشد سيبويه: ؎ فما أدري إذا [يممت] وجهاً ∗∗∗ (أريد) الخير أيهما يليني فحذف الشر لدلالة الخير عليه. فالأشياء تدل على أضدادها وإن لم تذكر الأضداد، والتقدير: أريد الخير وأكره الشر. وقيل معنى الآية: إن علينا سبيل من [سلك] (سبيل) الهدى. أي: من أخذ سبيل فعلى الله سبيله، كما قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] و﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١]. وكما قال: ﴿وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] أي: من أراد الله عز وجل فهو قاصد للسبيل هذا قول الفراء. وقال في قوله: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَٱلأُولَىٰ﴾، أي: (إن) لنا ثواب هذه وثواب هذه. وقال غيره: معناه: وإن لنا ملك ما في الدنيا والآخرة، نعطي من نشاء ونحرم من نشاء. والمعنى أنه يوفق من [يشاء] من خلقه إلى طاعته في الدنيا فيكرمه بذلك في الآخرة، [ويخذل] من [يشاء] من خلقه عن طاعته في الدنيا، فيهينه بذلك في الآخرة. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّىٰ﴾ أي: أنذرتكم أيها الناس ناراً تتوقد وتتوهج، أعدت لمن عصى الله وكفر به. * * ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ ٱلأَشْقَى﴾ أي: لا يدخلها ويصلى سعيرها إلا الأشقى الذين كذب بآيات الله وأعرض عنها. كان أبو هريرة يقول: لتدخلن الجنة إلا من أبى: قالوا: يا أبا هريرة، ومن يأبى أن يدخل الجنة؟! فقال: الذي كذب وتولى. والمرجئة الذين يقولون: "[الإيمان] قول بلا عمل"، يتعلقون بهذه الآية، وفي تقديرها أقوال، منها: أن المعنى لا يصليها إلا الأشقى، (و) ﴿ٱلَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾. فتكون الواو مضمرة. حكى المبرد وغيره أن العرب تقول: أكلت خبزاً لحماً [تمراً]، فيحذفون حرف العطف. وأنشد أبو زيد: ؎ كيف أصبحت كيف أمسيت ∗∗∗ مما يثبت الود في فؤاد الكريم وإضمار الواو قبيح ليس بكثير في كلام العرب، وفيه نقض للأصول وخروج عن الظاهر. (وقيل: التقدير: لا يصلاها إلا) الأشقى من الكفار والفساق، ثم أعاد ذكر الكفار - خاصة - تنبيهاً عليهم، لأنهم أعظم ذنباً من الفساق. وقيل: التقدير: فأنذرتكم نارا هذه صفتها. وقيل: التقدير: لا يصلاها إلا) أشقى أهل النار، وأشقاهم: الكفار. فدل هذا على أن غير الكفار يدخلون النار بذنوبهم. [وقيل: إن النار طبقات وصفوف مختلفة في شدة العذاب وهوله، فأعلمنا الله في هذه الآية أن هذا الصنف من النار التي تتوهج وتتوقد ولا يدخله إلا الذين كذبوا وتولوا عن الإيمان، وثم أصناف من ذلك عذاب النار دون ذلك يدخلها غير هذا الصنف. وأقل عذاب النار عذاب أليم، أجارنا الله منها]. وقيل: المعنى: لا يخلد فيها إلا الأشقى الذي كذب وتولى، فهذا [للكفار] بإجماع خاصة. وهذا القول أحسن الأقوال عندي. وقال الفراء: ﴿ٱلَّذِي كَذَّبَ﴾ معناه: [الذي] قصر عما أمر به، ليس معناه جحد، وهو مثل قوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢]، أي، تقصير ولا تخلف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى﴾ أي: وسيوقى دخول النار وصليها التقي. "فأفعل" في موضع "فعيل". ثم وصف التقي فقال: ﴿ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ﴾ أي: يعطي ماله في الدنيا يتطهر بذلك من ذنوبه. * * ثم قال: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ﴾ أي: وما لأحد من خلق الله عند هذا الذي يعطي ماله يتزكى به [عند الله] من نعمة يجازيه عليها. أي: ليس يعطي ما يعطي مجازاة لأحد [على] يد له عنده، ولا مكافأة على نعمة سبقت قبله، لكن يعطي ابتغاء وجه ربه الأعلى و "إلا" في هذا المعنى "لكن". وقيل: المعنى: وماله عند أحد في ما أنفق من نعمة يلتمس ثوابها، فيكون على القلب. وهذا أحد قولي الفراء. ومثله قول النابغة: ؎ وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي ∗∗∗ [على وعل من ذي المطارة عاقل] يريد: حتى ما تزيد مخافة وعلٍ (على) مخافتي. وفيه بعد، لأن كتاب الله لا يحمل على القلب إلا إذا لم يكن حمله إلا عليه. ويروى أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه. قال ذلك قتادة وابن جبير وغيرهما. قال هشام بن عروة عن أبيه: أسلم أبو بكر وله أربعون ألفاً فأنفقها، فأنزل الله جل ذكره فيه: ﴿ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ﴾... إلى قوله: ﴿يَرْضَىٰ﴾. قال ابن جبير: أعتق أبو بكر ناساً ستة أو سبعة لم يلتمس مِنهم جزاء ولا شكوراً. منهم: بلال وعامر بن فهيرة. * * وقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ﴾ أي: [ولسوف] يرضى في الآخرة هذا الذي يؤتي ماله يتزكى.

الليل 92:18

قوله تعالى: ﴿وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ﴾ إلى آخرها. معناه: ورب الليل إذا غشى النهار بظلمته فأذهب ضوءه. وقيل: المعنى: يغشى كل شيء بظلمته فيصير له كالغشاء. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ﴾. أي: (إذا) أضاء وأظهر للأبصار ما أخفته ظلمة الليل. وكان قتادة يذهب - فيما أقسم الله به من الأشياء - أنه إنما أقسم به لعظم حاله عنده. (ثم قال تعالى): ﴿وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ﴾. قيل: "ما" بمعنى "من"، يريد نفسه تعالى جل ذكره. وقيل: "ما" والفعل مصدر، أي: وخلق الذكر والأنثى. (وروى ابن مسعود أن النبي ﷺ قرأ: والذكر والأنثى) بالخفض بغير "ما". وأجاز الفراء: وما خلق الذكر والأنثى بالخفض على البدل من "ما". وقال الأخفش: "ما" بمعنى "الذي"، جعلها لمن يعقل. وروي عن أبي [عمرو] أنه قال: أهل مكة يقولون للرعد: سبحان من سبحت له. * * وقوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ هذا جواب القسم أي: إن عملكم لمختلف أيها الناس، لأن منكم الكافر والمؤمن، والعاصي والمطيع. * * وقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: من أعطى في سبيل الله ومرضاته، واتقى الله فاجتنب المعاصي، وصدق بالجنة. قاله مجاهد. وقال ابن عباس: من أعطي ما عنده من الفضل واتقى ربه. وقال قتادة: من أعطى حق الله واتقى محارمه. وقال عباس: - وهو مروي عن مجاهد أيضاً -. ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: وصدق بالخلف من الله جل وعز على نفقته في ذات الله. وقال الضحاك: ﴿بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ "بـ لا إله إلا الله" وروي ذلك (أيضاً) عن ابن عباس، وقاله [أبو] عبد الرحمن السلمي. وقال قتادة: ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ [أي]: بموعود الله جل وعز على نفقته، فعمل لذلك الموعود الذي وعده الله. وروى أبو الدرداء أن النبي ﷺ قال: "ما من يوم غربت فيه شمسه إلا [وبجنبيها] ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين - الجن والإنس - يقولان: اللهم عجل لمنفق خلفاً، وأعط ممسكاً تلفاً وأنزل الله جل وعز في ذلك من القرآن: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾ (وروى الزبير أن النبي ﷺ قال: ما من صباح يصبح إلا وصارخ يصرخ: أيها الخلائق، سبحوا القدوس وروى أبو ذر) أن النبي ﷺ قال: ما من يوم ولا ليلة ولا ساعة إلا ولله فيها صدقة يمن بها على من يشاء من عباده. وما من الله على عبده بمثل أن يلهمه ذكره وروي أنه ما من يوم إلا وهو ينادي: أنا يوم جديد، وأنا عليكم شهيد (ابن آدم)، إني لن [أمر بك] أبداً، فاتق الله واعمل في خيراً. فإذا هو أمسى قال: اللهم لا تردني إلى الدنيا أبداً. وروي أن هذه الآية (نزلت) في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، روي عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: (كان) أبو بكر (الصديق رضي الله عنه) يعتق على الإسلام بمكة، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه: أي بني، أراك تعتق أناساً ضعفاء، ولو أنك أعتقت رجالاً جلداً يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك؟ فقال: إني أريد ما عند الله. قال: فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية نزلت فيه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ﴾ الآية. وروى محمد بن إسحاق أن أبا بكر رضي الله عنه اشترى تسعة كانوا في أيدي المشركين، فأعتقهم لله جل وعز. فأنزل الله: فأما من [أعطى]... الآية. و (معنى) ﴿لِلْيُسْرَىٰ﴾: للحال اليسرى، أو [الخلة] اليسرى، وهي العمل بما يرضاها الله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ﴾. أي: بخل بالنفقة في سبيل الله، واستغنى عن ربه فلم يرغب [في العمل] بطاعته وما يوجب له رضاء ربه. قال ابن عباس: هو "من أغناه الله [فبخل] بالزكاة. وقال قتادة: من بخل عن الله واستغنى في نفسه عن ربه. والاختلاف في ﴿وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ على نحو الاختلاف في: ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾. * * وقوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ﴾ أي: [للخلة] العسرى في الدنيا، وذلك العمل بالمعاصي. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "كنا في جنازة في بقيع الغرقد، [فأتانا] رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة، فنكس رأسه، فجعل [ينكت] بمخصرته (في الأرض)، ثم قال: ما منكم من نفس منفوسة إلا وقد كتب مكانها من الجنة أو النار [قيل]: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟! فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة (ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى عمل أهل الشقاء)، فقال ﷺ: اعملوا، فكل ميسر، أما أهل السعادة [فييسرون] إلى عمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاء [فييسرون] إلى عمل أهل الشقاء، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ﴾ الآيتين وقال الضحاك: للعسرى: للنار. والتيسير إنما يكون في الخير، وإنما جاء هنا للشر على معنى: الذي يقوم لهم مقام (التيسير). العسرى: مثل: "فبشرهم بعذاب أليم". ومثله ما أنشد سيبويه: ؎ تحيَّةُ بَيْنِهِم ضَرْبٌ وَجِيعُ. وقال الفراء: لما وقع للخير تيسير جاز أن يقع في الشر مثله، ولا يكون ذلك إلا إذا اجتمع الخير والشر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ﴾ أي: وأي شيء يغني عنه ماله الذي بخل به إذا هلك وتركه. قال أبو صالح وقتادة: (إذا تردى)، (أي): إذا سقط في النار فهوى فيها. وقال قتادة: إذا تردى: إذا مات. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ﴾. (أي): إن علينا بيان الحق من الباطل. قال قتادة: على الله بيان حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته. بمعنى الآية - على قوله -: إن علينا للهدى والضلالة. ولكن ترك ذكر الضلالة [للدلالة] عليه، كما قال: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١]، وترك ذكر البرد لدلالة الحر عليه. ومثله ما أنشد سيبويه: ؎ فما أدري إذا [يممت] وجهاً ∗∗∗ (أريد) الخير أيهما يليني فحذف الشر لدلالة الخير عليه. فالأشياء تدل على أضدادها وإن لم تذكر الأضداد، والتقدير: أريد الخير وأكره الشر. وقيل معنى الآية: إن علينا سبيل من [سلك] (سبيل) الهدى. أي: من أخذ سبيل فعلى الله سبيله، كما قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] و﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١]. وكما قال: ﴿وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] أي: من أراد الله عز وجل فهو قاصد للسبيل هذا قول الفراء. وقال في قوله: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَٱلأُولَىٰ﴾، أي: (إن) لنا ثواب هذه وثواب هذه. وقال غيره: معناه: وإن لنا ملك ما في الدنيا والآخرة، نعطي من نشاء ونحرم من نشاء. والمعنى أنه يوفق من [يشاء] من خلقه إلى طاعته في الدنيا فيكرمه بذلك في الآخرة، [ويخذل] من [يشاء] من خلقه عن طاعته في الدنيا، فيهينه بذلك في الآخرة. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّىٰ﴾ أي: أنذرتكم أيها الناس ناراً تتوقد وتتوهج، أعدت لمن عصى الله وكفر به. * * ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ ٱلأَشْقَى﴾ أي: لا يدخلها ويصلى سعيرها إلا الأشقى الذين كذب بآيات الله وأعرض عنها. كان أبو هريرة يقول: لتدخلن الجنة إلا من أبى: قالوا: يا أبا هريرة، ومن يأبى أن يدخل الجنة؟! فقال: الذي كذب وتولى. والمرجئة الذين يقولون: "[الإيمان] قول بلا عمل"، يتعلقون بهذه الآية، وفي تقديرها أقوال، منها: أن المعنى لا يصليها إلا الأشقى، (و) ﴿ٱلَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾. فتكون الواو مضمرة. حكى المبرد وغيره أن العرب تقول: أكلت خبزاً لحماً [تمراً]، فيحذفون حرف العطف. وأنشد أبو زيد: ؎ كيف أصبحت كيف أمسيت ∗∗∗ مما يثبت الود في فؤاد الكريم وإضمار الواو قبيح ليس بكثير في كلام العرب، وفيه نقض للأصول وخروج عن الظاهر. (وقيل: التقدير: لا يصلاها إلا) الأشقى من الكفار والفساق، ثم أعاد ذكر الكفار - خاصة - تنبيهاً عليهم، لأنهم أعظم ذنباً من الفساق. وقيل: التقدير: فأنذرتكم نارا هذه صفتها. وقيل: التقدير: لا يصلاها إلا) أشقى أهل النار، وأشقاهم: الكفار. فدل هذا على أن غير الكفار يدخلون النار بذنوبهم. [وقيل: إن النار طبقات وصفوف مختلفة في شدة العذاب وهوله، فأعلمنا الله في هذه الآية أن هذا الصنف من النار التي تتوهج وتتوقد ولا يدخله إلا الذين كذبوا وتولوا عن الإيمان، وثم أصناف من ذلك عذاب النار دون ذلك يدخلها غير هذا الصنف. وأقل عذاب النار عذاب أليم، أجارنا الله منها]. وقيل: المعنى: لا يخلد فيها إلا الأشقى الذي كذب وتولى، فهذا [للكفار] بإجماع خاصة. وهذا القول أحسن الأقوال عندي. وقال الفراء: ﴿ٱلَّذِي كَذَّبَ﴾ معناه: [الذي] قصر عما أمر به، ليس معناه جحد، وهو مثل قوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢]، أي، تقصير ولا تخلف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى﴾ أي: وسيوقى دخول النار وصليها التقي. "فأفعل" في موضع "فعيل". ثم وصف التقي فقال: ﴿ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ﴾ أي: يعطي ماله في الدنيا يتطهر بذلك من ذنوبه. * * ثم قال: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ﴾ أي: وما لأحد من خلق الله عند هذا الذي يعطي ماله يتزكى به [عند الله] من نعمة يجازيه عليها. أي: ليس يعطي ما يعطي مجازاة لأحد [على] يد له عنده، ولا مكافأة على نعمة سبقت قبله، لكن يعطي ابتغاء وجه ربه الأعلى و "إلا" في هذا المعنى "لكن". وقيل: المعنى: وماله عند أحد في ما أنفق من نعمة يلتمس ثوابها، فيكون على القلب. وهذا أحد قولي الفراء. ومثله قول النابغة: ؎ وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي ∗∗∗ [على وعل من ذي المطارة عاقل] يريد: حتى ما تزيد مخافة وعلٍ (على) مخافتي. وفيه بعد، لأن كتاب الله لا يحمل على القلب إلا إذا لم يكن حمله إلا عليه. ويروى أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه. قال ذلك قتادة وابن جبير وغيرهما. قال هشام بن عروة عن أبيه: أسلم أبو بكر وله أربعون ألفاً فأنفقها، فأنزل الله جل ذكره فيه: ﴿ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ﴾... إلى قوله: ﴿يَرْضَىٰ﴾. قال ابن جبير: أعتق أبو بكر ناساً ستة أو سبعة لم يلتمس مِنهم جزاء ولا شكوراً. منهم: بلال وعامر بن فهيرة. * * وقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ﴾ أي: [ولسوف] يرضى في الآخرة هذا الذي يؤتي ماله يتزكى.

الليل 92:19

قوله تعالى: ﴿وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ﴾ إلى آخرها. معناه: ورب الليل إذا غشى النهار بظلمته فأذهب ضوءه. وقيل: المعنى: يغشى كل شيء بظلمته فيصير له كالغشاء. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ﴾. أي: (إذا) أضاء وأظهر للأبصار ما أخفته ظلمة الليل. وكان قتادة يذهب - فيما أقسم الله به من الأشياء - أنه إنما أقسم به لعظم حاله عنده. (ثم قال تعالى): ﴿وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ﴾. قيل: "ما" بمعنى "من"، يريد نفسه تعالى جل ذكره. وقيل: "ما" والفعل مصدر، أي: وخلق الذكر والأنثى. (وروى ابن مسعود أن النبي ﷺ قرأ: والذكر والأنثى) بالخفض بغير "ما". وأجاز الفراء: وما خلق الذكر والأنثى بالخفض على البدل من "ما". وقال الأخفش: "ما" بمعنى "الذي"، جعلها لمن يعقل. وروي عن أبي [عمرو] أنه قال: أهل مكة يقولون للرعد: سبحان من سبحت له. * * وقوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ هذا جواب القسم أي: إن عملكم لمختلف أيها الناس، لأن منكم الكافر والمؤمن، والعاصي والمطيع. * * وقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: من أعطى في سبيل الله ومرضاته، واتقى الله فاجتنب المعاصي، وصدق بالجنة. قاله مجاهد. وقال ابن عباس: من أعطي ما عنده من الفضل واتقى ربه. وقال قتادة: من أعطى حق الله واتقى محارمه. وقال عباس: - وهو مروي عن مجاهد أيضاً -. ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: وصدق بالخلف من الله جل وعز على نفقته في ذات الله. وقال الضحاك: ﴿بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ "بـ لا إله إلا الله" وروي ذلك (أيضاً) عن ابن عباس، وقاله [أبو] عبد الرحمن السلمي. وقال قتادة: ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ [أي]: بموعود الله جل وعز على نفقته، فعمل لذلك الموعود الذي وعده الله. وروى أبو الدرداء أن النبي ﷺ قال: "ما من يوم غربت فيه شمسه إلا [وبجنبيها] ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين - الجن والإنس - يقولان: اللهم عجل لمنفق خلفاً، وأعط ممسكاً تلفاً وأنزل الله جل وعز في ذلك من القرآن: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾ (وروى الزبير أن النبي ﷺ قال: ما من صباح يصبح إلا وصارخ يصرخ: أيها الخلائق، سبحوا القدوس وروى أبو ذر) أن النبي ﷺ قال: ما من يوم ولا ليلة ولا ساعة إلا ولله فيها صدقة يمن بها على من يشاء من عباده. وما من الله على عبده بمثل أن يلهمه ذكره وروي أنه ما من يوم إلا وهو ينادي: أنا يوم جديد، وأنا عليكم شهيد (ابن آدم)، إني لن [أمر بك] أبداً، فاتق الله واعمل في خيراً. فإذا هو أمسى قال: اللهم لا تردني إلى الدنيا أبداً. وروي أن هذه الآية (نزلت) في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، روي عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: (كان) أبو بكر (الصديق رضي الله عنه) يعتق على الإسلام بمكة، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه: أي بني، أراك تعتق أناساً ضعفاء، ولو أنك أعتقت رجالاً جلداً يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك؟ فقال: إني أريد ما عند الله. قال: فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية نزلت فيه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ﴾ الآية. وروى محمد بن إسحاق أن أبا بكر رضي الله عنه اشترى تسعة كانوا في أيدي المشركين، فأعتقهم لله جل وعز. فأنزل الله: فأما من [أعطى]... الآية. و (معنى) ﴿لِلْيُسْرَىٰ﴾: للحال اليسرى، أو [الخلة] اليسرى، وهي العمل بما يرضاها الله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ﴾. أي: بخل بالنفقة في سبيل الله، واستغنى عن ربه فلم يرغب [في العمل] بطاعته وما يوجب له رضاء ربه. قال ابن عباس: هو "من أغناه الله [فبخل] بالزكاة. وقال قتادة: من بخل عن الله واستغنى في نفسه عن ربه. والاختلاف في ﴿وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ على نحو الاختلاف في: ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾. * * وقوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ﴾ أي: [للخلة] العسرى في الدنيا، وذلك العمل بالمعاصي. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "كنا في جنازة في بقيع الغرقد، [فأتانا] رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة، فنكس رأسه، فجعل [ينكت] بمخصرته (في الأرض)، ثم قال: ما منكم من نفس منفوسة إلا وقد كتب مكانها من الجنة أو النار [قيل]: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟! فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة (ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى عمل أهل الشقاء)، فقال ﷺ: اعملوا، فكل ميسر، أما أهل السعادة [فييسرون] إلى عمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاء [فييسرون] إلى عمل أهل الشقاء، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ﴾ الآيتين وقال الضحاك: للعسرى: للنار. والتيسير إنما يكون في الخير، وإنما جاء هنا للشر على معنى: الذي يقوم لهم مقام (التيسير). العسرى: مثل: "فبشرهم بعذاب أليم". ومثله ما أنشد سيبويه: ؎ تحيَّةُ بَيْنِهِم ضَرْبٌ وَجِيعُ. وقال الفراء: لما وقع للخير تيسير جاز أن يقع في الشر مثله، ولا يكون ذلك إلا إذا اجتمع الخير والشر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ﴾ أي: وأي شيء يغني عنه ماله الذي بخل به إذا هلك وتركه. قال أبو صالح وقتادة: (إذا تردى)، (أي): إذا سقط في النار فهوى فيها. وقال قتادة: إذا تردى: إذا مات. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ﴾. (أي): إن علينا بيان الحق من الباطل. قال قتادة: على الله بيان حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته. بمعنى الآية - على قوله -: إن علينا للهدى والضلالة. ولكن ترك ذكر الضلالة [للدلالة] عليه، كما قال: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١]، وترك ذكر البرد لدلالة الحر عليه. ومثله ما أنشد سيبويه: ؎ فما أدري إذا [يممت] وجهاً ∗∗∗ (أريد) الخير أيهما يليني فحذف الشر لدلالة الخير عليه. فالأشياء تدل على أضدادها وإن لم تذكر الأضداد، والتقدير: أريد الخير وأكره الشر. وقيل معنى الآية: إن علينا سبيل من [سلك] (سبيل) الهدى. أي: من أخذ سبيل فعلى الله سبيله، كما قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] و﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١]. وكما قال: ﴿وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] أي: من أراد الله عز وجل فهو قاصد للسبيل هذا قول الفراء. وقال في قوله: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَٱلأُولَىٰ﴾، أي: (إن) لنا ثواب هذه وثواب هذه. وقال غيره: معناه: وإن لنا ملك ما في الدنيا والآخرة، نعطي من نشاء ونحرم من نشاء. والمعنى أنه يوفق من [يشاء] من خلقه إلى طاعته في الدنيا فيكرمه بذلك في الآخرة، [ويخذل] من [يشاء] من خلقه عن طاعته في الدنيا، فيهينه بذلك في الآخرة. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّىٰ﴾ أي: أنذرتكم أيها الناس ناراً تتوقد وتتوهج، أعدت لمن عصى الله وكفر به. * * ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ ٱلأَشْقَى﴾ أي: لا يدخلها ويصلى سعيرها إلا الأشقى الذين كذب بآيات الله وأعرض عنها. كان أبو هريرة يقول: لتدخلن الجنة إلا من أبى: قالوا: يا أبا هريرة، ومن يأبى أن يدخل الجنة؟! فقال: الذي كذب وتولى. والمرجئة الذين يقولون: "[الإيمان] قول بلا عمل"، يتعلقون بهذه الآية، وفي تقديرها أقوال، منها: أن المعنى لا يصليها إلا الأشقى، (و) ﴿ٱلَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾. فتكون الواو مضمرة. حكى المبرد وغيره أن العرب تقول: أكلت خبزاً لحماً [تمراً]، فيحذفون حرف العطف. وأنشد أبو زيد: ؎ كيف أصبحت كيف أمسيت ∗∗∗ مما يثبت الود في فؤاد الكريم وإضمار الواو قبيح ليس بكثير في كلام العرب، وفيه نقض للأصول وخروج عن الظاهر. (وقيل: التقدير: لا يصلاها إلا) الأشقى من الكفار والفساق، ثم أعاد ذكر الكفار - خاصة - تنبيهاً عليهم، لأنهم أعظم ذنباً من الفساق. وقيل: التقدير: فأنذرتكم نارا هذه صفتها. وقيل: التقدير: لا يصلاها إلا) أشقى أهل النار، وأشقاهم: الكفار. فدل هذا على أن غير الكفار يدخلون النار بذنوبهم. [وقيل: إن النار طبقات وصفوف مختلفة في شدة العذاب وهوله، فأعلمنا الله في هذه الآية أن هذا الصنف من النار التي تتوهج وتتوقد ولا يدخله إلا الذين كذبوا وتولوا عن الإيمان، وثم أصناف من ذلك عذاب النار دون ذلك يدخلها غير هذا الصنف. وأقل عذاب النار عذاب أليم، أجارنا الله منها]. وقيل: المعنى: لا يخلد فيها إلا الأشقى الذي كذب وتولى، فهذا [للكفار] بإجماع خاصة. وهذا القول أحسن الأقوال عندي. وقال الفراء: ﴿ٱلَّذِي كَذَّبَ﴾ معناه: [الذي] قصر عما أمر به، ليس معناه جحد، وهو مثل قوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢]، أي، تقصير ولا تخلف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى﴾ أي: وسيوقى دخول النار وصليها التقي. "فأفعل" في موضع "فعيل". ثم وصف التقي فقال: ﴿ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ﴾ أي: يعطي ماله في الدنيا يتطهر بذلك من ذنوبه. * * ثم قال: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ﴾ أي: وما لأحد من خلق الله عند هذا الذي يعطي ماله يتزكى به [عند الله] من نعمة يجازيه عليها. أي: ليس يعطي ما يعطي مجازاة لأحد [على] يد له عنده، ولا مكافأة على نعمة سبقت قبله، لكن يعطي ابتغاء وجه ربه الأعلى و "إلا" في هذا المعنى "لكن". وقيل: المعنى: وماله عند أحد في ما أنفق من نعمة يلتمس ثوابها، فيكون على القلب. وهذا أحد قولي الفراء. ومثله قول النابغة: ؎ وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي ∗∗∗ [على وعل من ذي المطارة عاقل] يريد: حتى ما تزيد مخافة وعلٍ (على) مخافتي. وفيه بعد، لأن كتاب الله لا يحمل على القلب إلا إذا لم يكن حمله إلا عليه. ويروى أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه. قال ذلك قتادة وابن جبير وغيرهما. قال هشام بن عروة عن أبيه: أسلم أبو بكر وله أربعون ألفاً فأنفقها، فأنزل الله جل ذكره فيه: ﴿ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ﴾... إلى قوله: ﴿يَرْضَىٰ﴾. قال ابن جبير: أعتق أبو بكر ناساً ستة أو سبعة لم يلتمس مِنهم جزاء ولا شكوراً. منهم: بلال وعامر بن فهيرة. * * وقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ﴾ أي: [ولسوف] يرضى في الآخرة هذا الذي يؤتي ماله يتزكى.

الليل 92:20

قوله تعالى: ﴿وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ﴾ إلى آخرها. معناه: ورب الليل إذا غشى النهار بظلمته فأذهب ضوءه. وقيل: المعنى: يغشى كل شيء بظلمته فيصير له كالغشاء. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ﴾. أي: (إذا) أضاء وأظهر للأبصار ما أخفته ظلمة الليل. وكان قتادة يذهب - فيما أقسم الله به من الأشياء - أنه إنما أقسم به لعظم حاله عنده. (ثم قال تعالى): ﴿وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ﴾. قيل: "ما" بمعنى "من"، يريد نفسه تعالى جل ذكره. وقيل: "ما" والفعل مصدر، أي: وخلق الذكر والأنثى. (وروى ابن مسعود أن النبي ﷺ قرأ: والذكر والأنثى) بالخفض بغير "ما". وأجاز الفراء: وما خلق الذكر والأنثى بالخفض على البدل من "ما". وقال الأخفش: "ما" بمعنى "الذي"، جعلها لمن يعقل. وروي عن أبي [عمرو] أنه قال: أهل مكة يقولون للرعد: سبحان من سبحت له. * * وقوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ هذا جواب القسم أي: إن عملكم لمختلف أيها الناس، لأن منكم الكافر والمؤمن، والعاصي والمطيع. * * وقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: من أعطى في سبيل الله ومرضاته، واتقى الله فاجتنب المعاصي، وصدق بالجنة. قاله مجاهد. وقال ابن عباس: من أعطي ما عنده من الفضل واتقى ربه. وقال قتادة: من أعطى حق الله واتقى محارمه. وقال عباس: - وهو مروي عن مجاهد أيضاً -. ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: وصدق بالخلف من الله جل وعز على نفقته في ذات الله. وقال الضحاك: ﴿بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ "بـ لا إله إلا الله" وروي ذلك (أيضاً) عن ابن عباس، وقاله [أبو] عبد الرحمن السلمي. وقال قتادة: ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ [أي]: بموعود الله جل وعز على نفقته، فعمل لذلك الموعود الذي وعده الله. وروى أبو الدرداء أن النبي ﷺ قال: "ما من يوم غربت فيه شمسه إلا [وبجنبيها] ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين - الجن والإنس - يقولان: اللهم عجل لمنفق خلفاً، وأعط ممسكاً تلفاً وأنزل الله جل وعز في ذلك من القرآن: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾ (وروى الزبير أن النبي ﷺ قال: ما من صباح يصبح إلا وصارخ يصرخ: أيها الخلائق، سبحوا القدوس وروى أبو ذر) أن النبي ﷺ قال: ما من يوم ولا ليلة ولا ساعة إلا ولله فيها صدقة يمن بها على من يشاء من عباده. وما من الله على عبده بمثل أن يلهمه ذكره وروي أنه ما من يوم إلا وهو ينادي: أنا يوم جديد، وأنا عليكم شهيد (ابن آدم)، إني لن [أمر بك] أبداً، فاتق الله واعمل في خيراً. فإذا هو أمسى قال: اللهم لا تردني إلى الدنيا أبداً. وروي أن هذه الآية (نزلت) في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، روي عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: (كان) أبو بكر (الصديق رضي الله عنه) يعتق على الإسلام بمكة، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه: أي بني، أراك تعتق أناساً ضعفاء، ولو أنك أعتقت رجالاً جلداً يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك؟ فقال: إني أريد ما عند الله. قال: فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية نزلت فيه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ﴾ الآية. وروى محمد بن إسحاق أن أبا بكر رضي الله عنه اشترى تسعة كانوا في أيدي المشركين، فأعتقهم لله جل وعز. فأنزل الله: فأما من [أعطى]... الآية. و (معنى) ﴿لِلْيُسْرَىٰ﴾: للحال اليسرى، أو [الخلة] اليسرى، وهي العمل بما يرضاها الله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ﴾. أي: بخل بالنفقة في سبيل الله، واستغنى عن ربه فلم يرغب [في العمل] بطاعته وما يوجب له رضاء ربه. قال ابن عباس: هو "من أغناه الله [فبخل] بالزكاة. وقال قتادة: من بخل عن الله واستغنى في نفسه عن ربه. والاختلاف في ﴿وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ على نحو الاختلاف في: ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾. * * وقوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ﴾ أي: [للخلة] العسرى في الدنيا، وذلك العمل بالمعاصي. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "كنا في جنازة في بقيع الغرقد، [فأتانا] رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة، فنكس رأسه، فجعل [ينكت] بمخصرته (في الأرض)، ثم قال: ما منكم من نفس منفوسة إلا وقد كتب مكانها من الجنة أو النار [قيل]: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟! فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة (ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى عمل أهل الشقاء)، فقال ﷺ: اعملوا، فكل ميسر، أما أهل السعادة [فييسرون] إلى عمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاء [فييسرون] إلى عمل أهل الشقاء، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ﴾ الآيتين وقال الضحاك: للعسرى: للنار. والتيسير إنما يكون في الخير، وإنما جاء هنا للشر على معنى: الذي يقوم لهم مقام (التيسير). العسرى: مثل: "فبشرهم بعذاب أليم". ومثله ما أنشد سيبويه: ؎ تحيَّةُ بَيْنِهِم ضَرْبٌ وَجِيعُ. وقال الفراء: لما وقع للخير تيسير جاز أن يقع في الشر مثله، ولا يكون ذلك إلا إذا اجتمع الخير والشر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ﴾ أي: وأي شيء يغني عنه ماله الذي بخل به إذا هلك وتركه. قال أبو صالح وقتادة: (إذا تردى)، (أي): إذا سقط في النار فهوى فيها. وقال قتادة: إذا تردى: إذا مات. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ﴾. (أي): إن علينا بيان الحق من الباطل. قال قتادة: على الله بيان حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته. بمعنى الآية - على قوله -: إن علينا للهدى والضلالة. ولكن ترك ذكر الضلالة [للدلالة] عليه، كما قال: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١]، وترك ذكر البرد لدلالة الحر عليه. ومثله ما أنشد سيبويه: ؎ فما أدري إذا [يممت] وجهاً ∗∗∗ (أريد) الخير أيهما يليني فحذف الشر لدلالة الخير عليه. فالأشياء تدل على أضدادها وإن لم تذكر الأضداد، والتقدير: أريد الخير وأكره الشر. وقيل معنى الآية: إن علينا سبيل من [سلك] (سبيل) الهدى. أي: من أخذ سبيل فعلى الله سبيله، كما قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] و﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١]. وكما قال: ﴿وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] أي: من أراد الله عز وجل فهو قاصد للسبيل هذا قول الفراء. وقال في قوله: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَٱلأُولَىٰ﴾، أي: (إن) لنا ثواب هذه وثواب هذه. وقال غيره: معناه: وإن لنا ملك ما في الدنيا والآخرة، نعطي من نشاء ونحرم من نشاء. والمعنى أنه يوفق من [يشاء] من خلقه إلى طاعته في الدنيا فيكرمه بذلك في الآخرة، [ويخذل] من [يشاء] من خلقه عن طاعته في الدنيا، فيهينه بذلك في الآخرة. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّىٰ﴾ أي: أنذرتكم أيها الناس ناراً تتوقد وتتوهج، أعدت لمن عصى الله وكفر به. * * ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ ٱلأَشْقَى﴾ أي: لا يدخلها ويصلى سعيرها إلا الأشقى الذين كذب بآيات الله وأعرض عنها. كان أبو هريرة يقول: لتدخلن الجنة إلا من أبى: قالوا: يا أبا هريرة، ومن يأبى أن يدخل الجنة؟! فقال: الذي كذب وتولى. والمرجئة الذين يقولون: "[الإيمان] قول بلا عمل"، يتعلقون بهذه الآية، وفي تقديرها أقوال، منها: أن المعنى لا يصليها إلا الأشقى، (و) ﴿ٱلَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾. فتكون الواو مضمرة. حكى المبرد وغيره أن العرب تقول: أكلت خبزاً لحماً [تمراً]، فيحذفون حرف العطف. وأنشد أبو زيد: ؎ كيف أصبحت كيف أمسيت ∗∗∗ مما يثبت الود في فؤاد الكريم وإضمار الواو قبيح ليس بكثير في كلام العرب، وفيه نقض للأصول وخروج عن الظاهر. (وقيل: التقدير: لا يصلاها إلا) الأشقى من الكفار والفساق، ثم أعاد ذكر الكفار - خاصة - تنبيهاً عليهم، لأنهم أعظم ذنباً من الفساق. وقيل: التقدير: فأنذرتكم نارا هذه صفتها. وقيل: التقدير: لا يصلاها إلا) أشقى أهل النار، وأشقاهم: الكفار. فدل هذا على أن غير الكفار يدخلون النار بذنوبهم. [وقيل: إن النار طبقات وصفوف مختلفة في شدة العذاب وهوله، فأعلمنا الله في هذه الآية أن هذا الصنف من النار التي تتوهج وتتوقد ولا يدخله إلا الذين كذبوا وتولوا عن الإيمان، وثم أصناف من ذلك عذاب النار دون ذلك يدخلها غير هذا الصنف. وأقل عذاب النار عذاب أليم، أجارنا الله منها]. وقيل: المعنى: لا يخلد فيها إلا الأشقى الذي كذب وتولى، فهذا [للكفار] بإجماع خاصة. وهذا القول أحسن الأقوال عندي. وقال الفراء: ﴿ٱلَّذِي كَذَّبَ﴾ معناه: [الذي] قصر عما أمر به، ليس معناه جحد، وهو مثل قوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢]، أي، تقصير ولا تخلف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى﴾ أي: وسيوقى دخول النار وصليها التقي. "فأفعل" في موضع "فعيل". ثم وصف التقي فقال: ﴿ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ﴾ أي: يعطي ماله في الدنيا يتطهر بذلك من ذنوبه. * * ثم قال: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ﴾ أي: وما لأحد من خلق الله عند هذا الذي يعطي ماله يتزكى به [عند الله] من نعمة يجازيه عليها. أي: ليس يعطي ما يعطي مجازاة لأحد [على] يد له عنده، ولا مكافأة على نعمة سبقت قبله، لكن يعطي ابتغاء وجه ربه الأعلى و "إلا" في هذا المعنى "لكن". وقيل: المعنى: وماله عند أحد في ما أنفق من نعمة يلتمس ثوابها، فيكون على القلب. وهذا أحد قولي الفراء. ومثله قول النابغة: ؎ وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي ∗∗∗ [على وعل من ذي المطارة عاقل] يريد: حتى ما تزيد مخافة وعلٍ (على) مخافتي. وفيه بعد، لأن كتاب الله لا يحمل على القلب إلا إذا لم يكن حمله إلا عليه. ويروى أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه. قال ذلك قتادة وابن جبير وغيرهما. قال هشام بن عروة عن أبيه: أسلم أبو بكر وله أربعون ألفاً فأنفقها، فأنزل الله جل ذكره فيه: ﴿ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ﴾... إلى قوله: ﴿يَرْضَىٰ﴾. قال ابن جبير: أعتق أبو بكر ناساً ستة أو سبعة لم يلتمس مِنهم جزاء ولا شكوراً. منهم: بلال وعامر بن فهيرة. * * وقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ﴾ أي: [ولسوف] يرضى في الآخرة هذا الذي يؤتي ماله يتزكى.

الليل 92:21

قوله تعالى: ﴿وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ﴾ إلى آخرها. معناه: ورب الليل إذا غشى النهار بظلمته فأذهب ضوءه. وقيل: المعنى: يغشى كل شيء بظلمته فيصير له كالغشاء. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ﴾. أي: (إذا) أضاء وأظهر للأبصار ما أخفته ظلمة الليل. وكان قتادة يذهب - فيما أقسم الله به من الأشياء - أنه إنما أقسم به لعظم حاله عنده. (ثم قال تعالى): ﴿وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ﴾. قيل: "ما" بمعنى "من"، يريد نفسه تعالى جل ذكره. وقيل: "ما" والفعل مصدر، أي: وخلق الذكر والأنثى. (وروى ابن مسعود أن النبي ﷺ قرأ: والذكر والأنثى) بالخفض بغير "ما". وأجاز الفراء: وما خلق الذكر والأنثى بالخفض على البدل من "ما". وقال الأخفش: "ما" بمعنى "الذي"، جعلها لمن يعقل. وروي عن أبي [عمرو] أنه قال: أهل مكة يقولون للرعد: سبحان من سبحت له. * * وقوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ هذا جواب القسم أي: إن عملكم لمختلف أيها الناس، لأن منكم الكافر والمؤمن، والعاصي والمطيع. * * وقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: من أعطى في سبيل الله ومرضاته، واتقى الله فاجتنب المعاصي، وصدق بالجنة. قاله مجاهد. وقال ابن عباس: من أعطي ما عنده من الفضل واتقى ربه. وقال قتادة: من أعطى حق الله واتقى محارمه. وقال عباس: - وهو مروي عن مجاهد أيضاً -. ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: وصدق بالخلف من الله جل وعز على نفقته في ذات الله. وقال الضحاك: ﴿بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ "بـ لا إله إلا الله" وروي ذلك (أيضاً) عن ابن عباس، وقاله [أبو] عبد الرحمن السلمي. وقال قتادة: ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ [أي]: بموعود الله جل وعز على نفقته، فعمل لذلك الموعود الذي وعده الله. وروى أبو الدرداء أن النبي ﷺ قال: "ما من يوم غربت فيه شمسه إلا [وبجنبيها] ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين - الجن والإنس - يقولان: اللهم عجل لمنفق خلفاً، وأعط ممسكاً تلفاً وأنزل الله جل وعز في ذلك من القرآن: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾ (وروى الزبير أن النبي ﷺ قال: ما من صباح يصبح إلا وصارخ يصرخ: أيها الخلائق، سبحوا القدوس وروى أبو ذر) أن النبي ﷺ قال: ما من يوم ولا ليلة ولا ساعة إلا ولله فيها صدقة يمن بها على من يشاء من عباده. وما من الله على عبده بمثل أن يلهمه ذكره وروي أنه ما من يوم إلا وهو ينادي: أنا يوم جديد، وأنا عليكم شهيد (ابن آدم)، إني لن [أمر بك] أبداً، فاتق الله واعمل في خيراً. فإذا هو أمسى قال: اللهم لا تردني إلى الدنيا أبداً. وروي أن هذه الآية (نزلت) في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، روي عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: (كان) أبو بكر (الصديق رضي الله عنه) يعتق على الإسلام بمكة، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه: أي بني، أراك تعتق أناساً ضعفاء، ولو أنك أعتقت رجالاً جلداً يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك؟ فقال: إني أريد ما عند الله. قال: فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية نزلت فيه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ﴾ الآية. وروى محمد بن إسحاق أن أبا بكر رضي الله عنه اشترى تسعة كانوا في أيدي المشركين، فأعتقهم لله جل وعز. فأنزل الله: فأما من [أعطى]... الآية. و (معنى) ﴿لِلْيُسْرَىٰ﴾: للحال اليسرى، أو [الخلة] اليسرى، وهي العمل بما يرضاها الله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ﴾. أي: بخل بالنفقة في سبيل الله، واستغنى عن ربه فلم يرغب [في العمل] بطاعته وما يوجب له رضاء ربه. قال ابن عباس: هو "من أغناه الله [فبخل] بالزكاة. وقال قتادة: من بخل عن الله واستغنى في نفسه عن ربه. والاختلاف في ﴿وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾ على نحو الاختلاف في: ﴿وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ﴾. * * وقوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ﴾ أي: [للخلة] العسرى في الدنيا، وذلك العمل بالمعاصي. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "كنا في جنازة في بقيع الغرقد، [فأتانا] رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة، فنكس رأسه، فجعل [ينكت] بمخصرته (في الأرض)، ثم قال: ما منكم من نفس منفوسة إلا وقد كتب مكانها من الجنة أو النار [قيل]: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟! فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة (ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى عمل أهل الشقاء)، فقال ﷺ: اعملوا، فكل ميسر، أما أهل السعادة [فييسرون] إلى عمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاء [فييسرون] إلى عمل أهل الشقاء، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ﴾ الآيتين وقال الضحاك: للعسرى: للنار. والتيسير إنما يكون في الخير، وإنما جاء هنا للشر على معنى: الذي يقوم لهم مقام (التيسير). العسرى: مثل: "فبشرهم بعذاب أليم". ومثله ما أنشد سيبويه: ؎ تحيَّةُ بَيْنِهِم ضَرْبٌ وَجِيعُ. وقال الفراء: لما وقع للخير تيسير جاز أن يقع في الشر مثله، ولا يكون ذلك إلا إذا اجتمع الخير والشر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ﴾ أي: وأي شيء يغني عنه ماله الذي بخل به إذا هلك وتركه. قال أبو صالح وقتادة: (إذا تردى)، (أي): إذا سقط في النار فهوى فيها. وقال قتادة: إذا تردى: إذا مات. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ﴾. (أي): إن علينا بيان الحق من الباطل. قال قتادة: على الله بيان حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته. بمعنى الآية - على قوله -: إن علينا للهدى والضلالة. ولكن ترك ذكر الضلالة [للدلالة] عليه، كما قال: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١]، وترك ذكر البرد لدلالة الحر عليه. ومثله ما أنشد سيبويه: ؎ فما أدري إذا [يممت] وجهاً ∗∗∗ (أريد) الخير أيهما يليني فحذف الشر لدلالة الخير عليه. فالأشياء تدل على أضدادها وإن لم تذكر الأضداد، والتقدير: أريد الخير وأكره الشر. وقيل معنى الآية: إن علينا سبيل من [سلك] (سبيل) الهدى. أي: من أخذ سبيل فعلى الله سبيله، كما قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] و﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١]. وكما قال: ﴿وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] أي: من أراد الله عز وجل فهو قاصد للسبيل هذا قول الفراء. وقال في قوله: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَٱلأُولَىٰ﴾، أي: (إن) لنا ثواب هذه وثواب هذه. وقال غيره: معناه: وإن لنا ملك ما في الدنيا والآخرة، نعطي من نشاء ونحرم من نشاء. والمعنى أنه يوفق من [يشاء] من خلقه إلى طاعته في الدنيا فيكرمه بذلك في الآخرة، [ويخذل] من [يشاء] من خلقه عن طاعته في الدنيا، فيهينه بذلك في الآخرة. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّىٰ﴾ أي: أنذرتكم أيها الناس ناراً تتوقد وتتوهج، أعدت لمن عصى الله وكفر به. * * ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ ٱلأَشْقَى﴾ أي: لا يدخلها ويصلى سعيرها إلا الأشقى الذين كذب بآيات الله وأعرض عنها. كان أبو هريرة يقول: لتدخلن الجنة إلا من أبى: قالوا: يا أبا هريرة، ومن يأبى أن يدخل الجنة؟! فقال: الذي كذب وتولى. والمرجئة الذين يقولون: "[الإيمان] قول بلا عمل"، يتعلقون بهذه الآية، وفي تقديرها أقوال، منها: أن المعنى لا يصليها إلا الأشقى، (و) ﴿ٱلَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾. فتكون الواو مضمرة. حكى المبرد وغيره أن العرب تقول: أكلت خبزاً لحماً [تمراً]، فيحذفون حرف العطف. وأنشد أبو زيد: ؎ كيف أصبحت كيف أمسيت ∗∗∗ مما يثبت الود في فؤاد الكريم وإضمار الواو قبيح ليس بكثير في كلام العرب، وفيه نقض للأصول وخروج عن الظاهر. (وقيل: التقدير: لا يصلاها إلا) الأشقى من الكفار والفساق، ثم أعاد ذكر الكفار - خاصة - تنبيهاً عليهم، لأنهم أعظم ذنباً من الفساق. وقيل: التقدير: فأنذرتكم نارا هذه صفتها. وقيل: التقدير: لا يصلاها إلا) أشقى أهل النار، وأشقاهم: الكفار. فدل هذا على أن غير الكفار يدخلون النار بذنوبهم. [وقيل: إن النار طبقات وصفوف مختلفة في شدة العذاب وهوله، فأعلمنا الله في هذه الآية أن هذا الصنف من النار التي تتوهج وتتوقد ولا يدخله إلا الذين كذبوا وتولوا عن الإيمان، وثم أصناف من ذلك عذاب النار دون ذلك يدخلها غير هذا الصنف. وأقل عذاب النار عذاب أليم، أجارنا الله منها]. وقيل: المعنى: لا يخلد فيها إلا الأشقى الذي كذب وتولى، فهذا [للكفار] بإجماع خاصة. وهذا القول أحسن الأقوال عندي. وقال الفراء: ﴿ٱلَّذِي كَذَّبَ﴾ معناه: [الذي] قصر عما أمر به، ليس معناه جحد، وهو مثل قوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢]، أي، تقصير ولا تخلف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى﴾ أي: وسيوقى دخول النار وصليها التقي. "فأفعل" في موضع "فعيل". ثم وصف التقي فقال: ﴿ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ﴾ أي: يعطي ماله في الدنيا يتطهر بذلك من ذنوبه. * * ثم قال: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ﴾ أي: وما لأحد من خلق الله عند هذا الذي يعطي ماله يتزكى به [عند الله] من نعمة يجازيه عليها. أي: ليس يعطي ما يعطي مجازاة لأحد [على] يد له عنده، ولا مكافأة على نعمة سبقت قبله، لكن يعطي ابتغاء وجه ربه الأعلى و "إلا" في هذا المعنى "لكن". وقيل: المعنى: وماله عند أحد في ما أنفق من نعمة يلتمس ثوابها، فيكون على القلب. وهذا أحد قولي الفراء. ومثله قول النابغة: ؎ وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي ∗∗∗ [على وعل من ذي المطارة عاقل] يريد: حتى ما تزيد مخافة وعلٍ (على) مخافتي. وفيه بعد، لأن كتاب الله لا يحمل على القلب إلا إذا لم يكن حمله إلا عليه. ويروى أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه. قال ذلك قتادة وابن جبير وغيرهما. قال هشام بن عروة عن أبيه: أسلم أبو بكر وله أربعون ألفاً فأنفقها، فأنزل الله جل ذكره فيه: ﴿ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ﴾... إلى قوله: ﴿يَرْضَىٰ﴾. قال ابن جبير: أعتق أبو بكر ناساً ستة أو سبعة لم يلتمس مِنهم جزاء ولا شكوراً. منهم: بلال وعامر بن فهيرة. * * وقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ﴾ أي: [ولسوف] يرضى في الآخرة هذا الذي يؤتي ماله يتزكى.

الضحى 93:1

قوله تعالى: ﴿وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾ إلى آخرها. أقسم الله جل ذكره بالضحى، وهو النهار كله عند الفراء. وعند غيره: هو أول (النهار)، قال قتادة: الضحى: "ساعة من ساعات النهار"، والمعنى: ورب الضحى، وخالق الضحى، ونحوه. * * وقوله: ﴿إِذَا سَجَىٰ﴾ قال ابن عباس: ﴿سَجَىٰ﴾: أقبل. وعنه أيضاً: "سجى": ذهب. وقال مجاهد: ﴿سَجَىٰ﴾ استوى. وقال قتادة: ﴿سَجَىٰ﴾: "سكن بالخلق". وقال الضحاك: ﴿سَجَىٰ﴾: استقر وسكن. وهو قول ابن زيد. * * ثم قال تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾. هذا جواب القسم، أي: ما تركك ربك يا محمد وما أبغضك. فالمفعول من "قلى" محذوف. وروي أن الوحي أبطأ على النبي ﷺ فقالت قريش: قد ودع محمداً ربه وقلاه، فأنزل الله جل ذكره: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾. وروى هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: أبطأ جبريل عن النبي ﷺ، فقالت له خديجة: أحسب ربك قد [قلاك]، فأنزل الله: ﴿وَٱلضُّحَىٰ﴾ إلى آخرها. وقال ابن عباس: أري النبي ﷺ ما هو مفتوح على أمته، فسر بذلك، فأنزل الله ﴿وَٱلضُّحَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ (قال) فأعطاه الله ألف قصر في الجنة، ترابها المسك في كل قصر ما ينبغي (له) من الأزواج والخدم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ﴾ أي: ولنعيم الآخرة خير لك من نكد (الدنيا). (ثم) قال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ أي: ولسوف يعطيك يا محمد ربك في الآخرة من فواضل نعمه حتى ترضى. قال ابن عباس: عرض على النبي ﷺ ما هو مفتوح على أمته من بعده، فسر بذلك، فانزل الله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾، قال: فأعطاه (الله) ألف قصر من لؤلؤ ترابها المسك، وفيها ما يصلحها. وعن ابن عباس أنه قال: ما رضي محمد ﷺ أن يدخل أحد من أهل بيته النار. وروى جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ دخل على بنته فاطمة وعليها كساء (من [جلة]) الإبل وهي تطحن بيدها، فلما رآها دمعت عيناه، وقال: يا فاطمة، تعجلي مرارة الدنيا لحلاوة الآخرة، فأنزل الله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ [وروي عن بعض أن النبي ﷺ [قال]: ليس في القرآن أرجى من قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾]، ولا يرضى رسول الله ﷺ أن يدخل أحد من أمته النار هذا معنى قوله المروي عنه. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ﴾. أي: كنت يا محمد يتيماً في حجر عمك أبي طالب فجعل الله لك مأوى تأوي إليه، ومنزلاً تنزله. وقيل: كنت يتيما فآواك إلى عمك أبي طالب. * * ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ﴾. أي: ووجدك على غير الذي أنت عليه اليوم فهداك (للذي أنت عليه. وقيل: وجدك ضالاً عن النبوة فهداك إليها. وقال الفراء: معناه ووجدك في قوم ضلال فهداك) للإيمان. وقيل: ضالاً عن الشريعة. وقيل: ضالاً، أي: منسوباً إلى الضلالة. وقيل: معنى فهدى: فبين أمرك بالبراهين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فَأَغْنَىٰ﴾. أي: فقيراً فأغناك، يقال: عال يعيل عيلة: إذا افتقر، وأعال يعيل: إذا كثر عياله. وفي مصحف عبد الله: "ووجدك عديماً فأغنى". وهذه كلها نعم من الله على النبي ﷺ يذكره بها وينبهه على شكرها ويعددها عليه ليذكرها. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ﴾. أي: لا تظلمه فتذهب بحقه استضعافاً منك له. قال قتادة: ﴿فَلاَ تَقْهَرْ﴾: فلا تظلم. وفي مصحف عبد الله: "فلا تكهر". وقال الأخفش: هما لغتان بمعنى، وقال غيره: معنى [تكهر]: لا تشدد عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ﴾. أي: وأما من سألك من ذوي الحاجة فلا تنهره، (ولكن أعطه، أو رده رداً جميلاً. قال مجاهد: "فلا تنهر": فلا تغضبه. [قال الحسن: ليس سائل الطعام والشراب، ولكنه سائل العلم إذا أتاك، فأنزل الله كيف، ليفهم عنك وتفهم عنه]. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾. قال مجاهد: بنعمة ربك فحدث، أي: بالنبوة التي أعطاكها، فاذكره. قال [أبو نضرة]: "كان المسلمون يرون أن من شكر النعم أن يحدث بها". وفي الحديث: "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده فالمعنى: وأما بنعمة ربك يا محمد فحدث الناس بها وأظهرها وأحمد الله عليها، فإن ذلك من الشكر، وهو لفظ خاص للنبي ﷺ، (عام) في جميع أمته.

الضحى 93:2

قوله تعالى: ﴿وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾ إلى آخرها. أقسم الله جل ذكره بالضحى، وهو النهار كله عند الفراء. وعند غيره: هو أول (النهار)، قال قتادة: الضحى: "ساعة من ساعات النهار"، والمعنى: ورب الضحى، وخالق الضحى، ونحوه. * * وقوله: ﴿إِذَا سَجَىٰ﴾ قال ابن عباس: ﴿سَجَىٰ﴾: أقبل. وعنه أيضاً: "سجى": ذهب. وقال مجاهد: ﴿سَجَىٰ﴾ استوى. وقال قتادة: ﴿سَجَىٰ﴾: "سكن بالخلق". وقال الضحاك: ﴿سَجَىٰ﴾: استقر وسكن. وهو قول ابن زيد. * * ثم قال تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾. هذا جواب القسم، أي: ما تركك ربك يا محمد وما أبغضك. فالمفعول من "قلى" محذوف. وروي أن الوحي أبطأ على النبي ﷺ فقالت قريش: قد ودع محمداً ربه وقلاه، فأنزل الله جل ذكره: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾. وروى هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: أبطأ جبريل عن النبي ﷺ، فقالت له خديجة: أحسب ربك قد [قلاك]، فأنزل الله: ﴿وَٱلضُّحَىٰ﴾ إلى آخرها. وقال ابن عباس: أري النبي ﷺ ما هو مفتوح على أمته، فسر بذلك، فأنزل الله ﴿وَٱلضُّحَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ (قال) فأعطاه الله ألف قصر في الجنة، ترابها المسك في كل قصر ما ينبغي (له) من الأزواج والخدم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ﴾ أي: ولنعيم الآخرة خير لك من نكد (الدنيا). (ثم) قال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ أي: ولسوف يعطيك يا محمد ربك في الآخرة من فواضل نعمه حتى ترضى. قال ابن عباس: عرض على النبي ﷺ ما هو مفتوح على أمته من بعده، فسر بذلك، فانزل الله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾، قال: فأعطاه (الله) ألف قصر من لؤلؤ ترابها المسك، وفيها ما يصلحها. وعن ابن عباس أنه قال: ما رضي محمد ﷺ أن يدخل أحد من أهل بيته النار. وروى جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ دخل على بنته فاطمة وعليها كساء (من [جلة]) الإبل وهي تطحن بيدها، فلما رآها دمعت عيناه، وقال: يا فاطمة، تعجلي مرارة الدنيا لحلاوة الآخرة، فأنزل الله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ [وروي عن بعض أن النبي ﷺ [قال]: ليس في القرآن أرجى من قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾]، ولا يرضى رسول الله ﷺ أن يدخل أحد من أمته النار هذا معنى قوله المروي عنه. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ﴾. أي: كنت يا محمد يتيماً في حجر عمك أبي طالب فجعل الله لك مأوى تأوي إليه، ومنزلاً تنزله. وقيل: كنت يتيما فآواك إلى عمك أبي طالب. * * ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ﴾. أي: ووجدك على غير الذي أنت عليه اليوم فهداك (للذي أنت عليه. وقيل: وجدك ضالاً عن النبوة فهداك إليها. وقال الفراء: معناه ووجدك في قوم ضلال فهداك) للإيمان. وقيل: ضالاً عن الشريعة. وقيل: ضالاً، أي: منسوباً إلى الضلالة. وقيل: معنى فهدى: فبين أمرك بالبراهين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فَأَغْنَىٰ﴾. أي: فقيراً فأغناك، يقال: عال يعيل عيلة: إذا افتقر، وأعال يعيل: إذا كثر عياله. وفي مصحف عبد الله: "ووجدك عديماً فأغنى". وهذه كلها نعم من الله على النبي ﷺ يذكره بها وينبهه على شكرها ويعددها عليه ليذكرها. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ﴾. أي: لا تظلمه فتذهب بحقه استضعافاً منك له. قال قتادة: ﴿فَلاَ تَقْهَرْ﴾: فلا تظلم. وفي مصحف عبد الله: "فلا تكهر". وقال الأخفش: هما لغتان بمعنى، وقال غيره: معنى [تكهر]: لا تشدد عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ﴾. أي: وأما من سألك من ذوي الحاجة فلا تنهره، (ولكن أعطه، أو رده رداً جميلاً. قال مجاهد: "فلا تنهر": فلا تغضبه. [قال الحسن: ليس سائل الطعام والشراب، ولكنه سائل العلم إذا أتاك، فأنزل الله كيف، ليفهم عنك وتفهم عنه]. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾. قال مجاهد: بنعمة ربك فحدث، أي: بالنبوة التي أعطاكها، فاذكره. قال [أبو نضرة]: "كان المسلمون يرون أن من شكر النعم أن يحدث بها". وفي الحديث: "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده فالمعنى: وأما بنعمة ربك يا محمد فحدث الناس بها وأظهرها وأحمد الله عليها، فإن ذلك من الشكر، وهو لفظ خاص للنبي ﷺ، (عام) في جميع أمته.

الضحى 93:3

قوله تعالى: ﴿وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾ إلى آخرها. أقسم الله جل ذكره بالضحى، وهو النهار كله عند الفراء. وعند غيره: هو أول (النهار)، قال قتادة: الضحى: "ساعة من ساعات النهار"، والمعنى: ورب الضحى، وخالق الضحى، ونحوه. * * وقوله: ﴿إِذَا سَجَىٰ﴾ قال ابن عباس: ﴿سَجَىٰ﴾: أقبل. وعنه أيضاً: "سجى": ذهب. وقال مجاهد: ﴿سَجَىٰ﴾ استوى. وقال قتادة: ﴿سَجَىٰ﴾: "سكن بالخلق". وقال الضحاك: ﴿سَجَىٰ﴾: استقر وسكن. وهو قول ابن زيد. * * ثم قال تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾. هذا جواب القسم، أي: ما تركك ربك يا محمد وما أبغضك. فالمفعول من "قلى" محذوف. وروي أن الوحي أبطأ على النبي ﷺ فقالت قريش: قد ودع محمداً ربه وقلاه، فأنزل الله جل ذكره: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾. وروى هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: أبطأ جبريل عن النبي ﷺ، فقالت له خديجة: أحسب ربك قد [قلاك]، فأنزل الله: ﴿وَٱلضُّحَىٰ﴾ إلى آخرها. وقال ابن عباس: أري النبي ﷺ ما هو مفتوح على أمته، فسر بذلك، فأنزل الله ﴿وَٱلضُّحَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ (قال) فأعطاه الله ألف قصر في الجنة، ترابها المسك في كل قصر ما ينبغي (له) من الأزواج والخدم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ﴾ أي: ولنعيم الآخرة خير لك من نكد (الدنيا). (ثم) قال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ أي: ولسوف يعطيك يا محمد ربك في الآخرة من فواضل نعمه حتى ترضى. قال ابن عباس: عرض على النبي ﷺ ما هو مفتوح على أمته من بعده، فسر بذلك، فانزل الله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾، قال: فأعطاه (الله) ألف قصر من لؤلؤ ترابها المسك، وفيها ما يصلحها. وعن ابن عباس أنه قال: ما رضي محمد ﷺ أن يدخل أحد من أهل بيته النار. وروى جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ دخل على بنته فاطمة وعليها كساء (من [جلة]) الإبل وهي تطحن بيدها، فلما رآها دمعت عيناه، وقال: يا فاطمة، تعجلي مرارة الدنيا لحلاوة الآخرة، فأنزل الله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ [وروي عن بعض أن النبي ﷺ [قال]: ليس في القرآن أرجى من قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾]، ولا يرضى رسول الله ﷺ أن يدخل أحد من أمته النار هذا معنى قوله المروي عنه. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ﴾. أي: كنت يا محمد يتيماً في حجر عمك أبي طالب فجعل الله لك مأوى تأوي إليه، ومنزلاً تنزله. وقيل: كنت يتيما فآواك إلى عمك أبي طالب. * * ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ﴾. أي: ووجدك على غير الذي أنت عليه اليوم فهداك (للذي أنت عليه. وقيل: وجدك ضالاً عن النبوة فهداك إليها. وقال الفراء: معناه ووجدك في قوم ضلال فهداك) للإيمان. وقيل: ضالاً عن الشريعة. وقيل: ضالاً، أي: منسوباً إلى الضلالة. وقيل: معنى فهدى: فبين أمرك بالبراهين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فَأَغْنَىٰ﴾. أي: فقيراً فأغناك، يقال: عال يعيل عيلة: إذا افتقر، وأعال يعيل: إذا كثر عياله. وفي مصحف عبد الله: "ووجدك عديماً فأغنى". وهذه كلها نعم من الله على النبي ﷺ يذكره بها وينبهه على شكرها ويعددها عليه ليذكرها. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ﴾. أي: لا تظلمه فتذهب بحقه استضعافاً منك له. قال قتادة: ﴿فَلاَ تَقْهَرْ﴾: فلا تظلم. وفي مصحف عبد الله: "فلا تكهر". وقال الأخفش: هما لغتان بمعنى، وقال غيره: معنى [تكهر]: لا تشدد عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ﴾. أي: وأما من سألك من ذوي الحاجة فلا تنهره، (ولكن أعطه، أو رده رداً جميلاً. قال مجاهد: "فلا تنهر": فلا تغضبه. [قال الحسن: ليس سائل الطعام والشراب، ولكنه سائل العلم إذا أتاك، فأنزل الله كيف، ليفهم عنك وتفهم عنه]. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾. قال مجاهد: بنعمة ربك فحدث، أي: بالنبوة التي أعطاكها، فاذكره. قال [أبو نضرة]: "كان المسلمون يرون أن من شكر النعم أن يحدث بها". وفي الحديث: "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده فالمعنى: وأما بنعمة ربك يا محمد فحدث الناس بها وأظهرها وأحمد الله عليها، فإن ذلك من الشكر، وهو لفظ خاص للنبي ﷺ، (عام) في جميع أمته.

الضحى 93:4

قوله تعالى: ﴿وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾ إلى آخرها. أقسم الله جل ذكره بالضحى، وهو النهار كله عند الفراء. وعند غيره: هو أول (النهار)، قال قتادة: الضحى: "ساعة من ساعات النهار"، والمعنى: ورب الضحى، وخالق الضحى، ونحوه. * * وقوله: ﴿إِذَا سَجَىٰ﴾ قال ابن عباس: ﴿سَجَىٰ﴾: أقبل. وعنه أيضاً: "سجى": ذهب. وقال مجاهد: ﴿سَجَىٰ﴾ استوى. وقال قتادة: ﴿سَجَىٰ﴾: "سكن بالخلق". وقال الضحاك: ﴿سَجَىٰ﴾: استقر وسكن. وهو قول ابن زيد. * * ثم قال تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾. هذا جواب القسم، أي: ما تركك ربك يا محمد وما أبغضك. فالمفعول من "قلى" محذوف. وروي أن الوحي أبطأ على النبي ﷺ فقالت قريش: قد ودع محمداً ربه وقلاه، فأنزل الله جل ذكره: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾. وروى هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: أبطأ جبريل عن النبي ﷺ، فقالت له خديجة: أحسب ربك قد [قلاك]، فأنزل الله: ﴿وَٱلضُّحَىٰ﴾ إلى آخرها. وقال ابن عباس: أري النبي ﷺ ما هو مفتوح على أمته، فسر بذلك، فأنزل الله ﴿وَٱلضُّحَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ (قال) فأعطاه الله ألف قصر في الجنة، ترابها المسك في كل قصر ما ينبغي (له) من الأزواج والخدم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ﴾ أي: ولنعيم الآخرة خير لك من نكد (الدنيا). (ثم) قال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ أي: ولسوف يعطيك يا محمد ربك في الآخرة من فواضل نعمه حتى ترضى. قال ابن عباس: عرض على النبي ﷺ ما هو مفتوح على أمته من بعده، فسر بذلك، فانزل الله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾، قال: فأعطاه (الله) ألف قصر من لؤلؤ ترابها المسك، وفيها ما يصلحها. وعن ابن عباس أنه قال: ما رضي محمد ﷺ أن يدخل أحد من أهل بيته النار. وروى جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ دخل على بنته فاطمة وعليها كساء (من [جلة]) الإبل وهي تطحن بيدها، فلما رآها دمعت عيناه، وقال: يا فاطمة، تعجلي مرارة الدنيا لحلاوة الآخرة، فأنزل الله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ [وروي عن بعض أن النبي ﷺ [قال]: ليس في القرآن أرجى من قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾]، ولا يرضى رسول الله ﷺ أن يدخل أحد من أمته النار هذا معنى قوله المروي عنه. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ﴾. أي: كنت يا محمد يتيماً في حجر عمك أبي طالب فجعل الله لك مأوى تأوي إليه، ومنزلاً تنزله. وقيل: كنت يتيما فآواك إلى عمك أبي طالب. * * ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ﴾. أي: ووجدك على غير الذي أنت عليه اليوم فهداك (للذي أنت عليه. وقيل: وجدك ضالاً عن النبوة فهداك إليها. وقال الفراء: معناه ووجدك في قوم ضلال فهداك) للإيمان. وقيل: ضالاً عن الشريعة. وقيل: ضالاً، أي: منسوباً إلى الضلالة. وقيل: معنى فهدى: فبين أمرك بالبراهين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فَأَغْنَىٰ﴾. أي: فقيراً فأغناك، يقال: عال يعيل عيلة: إذا افتقر، وأعال يعيل: إذا كثر عياله. وفي مصحف عبد الله: "ووجدك عديماً فأغنى". وهذه كلها نعم من الله على النبي ﷺ يذكره بها وينبهه على شكرها ويعددها عليه ليذكرها. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ﴾. أي: لا تظلمه فتذهب بحقه استضعافاً منك له. قال قتادة: ﴿فَلاَ تَقْهَرْ﴾: فلا تظلم. وفي مصحف عبد الله: "فلا تكهر". وقال الأخفش: هما لغتان بمعنى، وقال غيره: معنى [تكهر]: لا تشدد عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ﴾. أي: وأما من سألك من ذوي الحاجة فلا تنهره، (ولكن أعطه، أو رده رداً جميلاً. قال مجاهد: "فلا تنهر": فلا تغضبه. [قال الحسن: ليس سائل الطعام والشراب، ولكنه سائل العلم إذا أتاك، فأنزل الله كيف، ليفهم عنك وتفهم عنه]. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾. قال مجاهد: بنعمة ربك فحدث، أي: بالنبوة التي أعطاكها، فاذكره. قال [أبو نضرة]: "كان المسلمون يرون أن من شكر النعم أن يحدث بها". وفي الحديث: "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده فالمعنى: وأما بنعمة ربك يا محمد فحدث الناس بها وأظهرها وأحمد الله عليها، فإن ذلك من الشكر، وهو لفظ خاص للنبي ﷺ، (عام) في جميع أمته.

الضحى 93:5

قوله تعالى: ﴿وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾ إلى آخرها. أقسم الله جل ذكره بالضحى، وهو النهار كله عند الفراء. وعند غيره: هو أول (النهار)، قال قتادة: الضحى: "ساعة من ساعات النهار"، والمعنى: ورب الضحى، وخالق الضحى، ونحوه. * * وقوله: ﴿إِذَا سَجَىٰ﴾ قال ابن عباس: ﴿سَجَىٰ﴾: أقبل. وعنه أيضاً: "سجى": ذهب. وقال مجاهد: ﴿سَجَىٰ﴾ استوى. وقال قتادة: ﴿سَجَىٰ﴾: "سكن بالخلق". وقال الضحاك: ﴿سَجَىٰ﴾: استقر وسكن. وهو قول ابن زيد. * * ثم قال تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾. هذا جواب القسم، أي: ما تركك ربك يا محمد وما أبغضك. فالمفعول من "قلى" محذوف. وروي أن الوحي أبطأ على النبي ﷺ فقالت قريش: قد ودع محمداً ربه وقلاه، فأنزل الله جل ذكره: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾. وروى هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: أبطأ جبريل عن النبي ﷺ، فقالت له خديجة: أحسب ربك قد [قلاك]، فأنزل الله: ﴿وَٱلضُّحَىٰ﴾ إلى آخرها. وقال ابن عباس: أري النبي ﷺ ما هو مفتوح على أمته، فسر بذلك، فأنزل الله ﴿وَٱلضُّحَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ (قال) فأعطاه الله ألف قصر في الجنة، ترابها المسك في كل قصر ما ينبغي (له) من الأزواج والخدم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ﴾ أي: ولنعيم الآخرة خير لك من نكد (الدنيا). (ثم) قال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ أي: ولسوف يعطيك يا محمد ربك في الآخرة من فواضل نعمه حتى ترضى. قال ابن عباس: عرض على النبي ﷺ ما هو مفتوح على أمته من بعده، فسر بذلك، فانزل الله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾، قال: فأعطاه (الله) ألف قصر من لؤلؤ ترابها المسك، وفيها ما يصلحها. وعن ابن عباس أنه قال: ما رضي محمد ﷺ أن يدخل أحد من أهل بيته النار. وروى جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ دخل على بنته فاطمة وعليها كساء (من [جلة]) الإبل وهي تطحن بيدها، فلما رآها دمعت عيناه، وقال: يا فاطمة، تعجلي مرارة الدنيا لحلاوة الآخرة، فأنزل الله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ [وروي عن بعض أن النبي ﷺ [قال]: ليس في القرآن أرجى من قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾]، ولا يرضى رسول الله ﷺ أن يدخل أحد من أمته النار هذا معنى قوله المروي عنه. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ﴾. أي: كنت يا محمد يتيماً في حجر عمك أبي طالب فجعل الله لك مأوى تأوي إليه، ومنزلاً تنزله. وقيل: كنت يتيما فآواك إلى عمك أبي طالب. * * ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ﴾. أي: ووجدك على غير الذي أنت عليه اليوم فهداك (للذي أنت عليه. وقيل: وجدك ضالاً عن النبوة فهداك إليها. وقال الفراء: معناه ووجدك في قوم ضلال فهداك) للإيمان. وقيل: ضالاً عن الشريعة. وقيل: ضالاً، أي: منسوباً إلى الضلالة. وقيل: معنى فهدى: فبين أمرك بالبراهين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فَأَغْنَىٰ﴾. أي: فقيراً فأغناك، يقال: عال يعيل عيلة: إذا افتقر، وأعال يعيل: إذا كثر عياله. وفي مصحف عبد الله: "ووجدك عديماً فأغنى". وهذه كلها نعم من الله على النبي ﷺ يذكره بها وينبهه على شكرها ويعددها عليه ليذكرها. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ﴾. أي: لا تظلمه فتذهب بحقه استضعافاً منك له. قال قتادة: ﴿فَلاَ تَقْهَرْ﴾: فلا تظلم. وفي مصحف عبد الله: "فلا تكهر". وقال الأخفش: هما لغتان بمعنى، وقال غيره: معنى [تكهر]: لا تشدد عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ﴾. أي: وأما من سألك من ذوي الحاجة فلا تنهره، (ولكن أعطه، أو رده رداً جميلاً. قال مجاهد: "فلا تنهر": فلا تغضبه. [قال الحسن: ليس سائل الطعام والشراب، ولكنه سائل العلم إذا أتاك، فأنزل الله كيف، ليفهم عنك وتفهم عنه]. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾. قال مجاهد: بنعمة ربك فحدث، أي: بالنبوة التي أعطاكها، فاذكره. قال [أبو نضرة]: "كان المسلمون يرون أن من شكر النعم أن يحدث بها". وفي الحديث: "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده فالمعنى: وأما بنعمة ربك يا محمد فحدث الناس بها وأظهرها وأحمد الله عليها، فإن ذلك من الشكر، وهو لفظ خاص للنبي ﷺ، (عام) في جميع أمته.

الضحى 93:6

قوله تعالى: ﴿وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾ إلى آخرها. أقسم الله جل ذكره بالضحى، وهو النهار كله عند الفراء. وعند غيره: هو أول (النهار)، قال قتادة: الضحى: "ساعة من ساعات النهار"، والمعنى: ورب الضحى، وخالق الضحى، ونحوه. * * وقوله: ﴿إِذَا سَجَىٰ﴾ قال ابن عباس: ﴿سَجَىٰ﴾: أقبل. وعنه أيضاً: "سجى": ذهب. وقال مجاهد: ﴿سَجَىٰ﴾ استوى. وقال قتادة: ﴿سَجَىٰ﴾: "سكن بالخلق". وقال الضحاك: ﴿سَجَىٰ﴾: استقر وسكن. وهو قول ابن زيد. * * ثم قال تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾. هذا جواب القسم، أي: ما تركك ربك يا محمد وما أبغضك. فالمفعول من "قلى" محذوف. وروي أن الوحي أبطأ على النبي ﷺ فقالت قريش: قد ودع محمداً ربه وقلاه، فأنزل الله جل ذكره: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾. وروى هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: أبطأ جبريل عن النبي ﷺ، فقالت له خديجة: أحسب ربك قد [قلاك]، فأنزل الله: ﴿وَٱلضُّحَىٰ﴾ إلى آخرها. وقال ابن عباس: أري النبي ﷺ ما هو مفتوح على أمته، فسر بذلك، فأنزل الله ﴿وَٱلضُّحَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ (قال) فأعطاه الله ألف قصر في الجنة، ترابها المسك في كل قصر ما ينبغي (له) من الأزواج والخدم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ﴾ أي: ولنعيم الآخرة خير لك من نكد (الدنيا). (ثم) قال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ أي: ولسوف يعطيك يا محمد ربك في الآخرة من فواضل نعمه حتى ترضى. قال ابن عباس: عرض على النبي ﷺ ما هو مفتوح على أمته من بعده، فسر بذلك، فانزل الله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾، قال: فأعطاه (الله) ألف قصر من لؤلؤ ترابها المسك، وفيها ما يصلحها. وعن ابن عباس أنه قال: ما رضي محمد ﷺ أن يدخل أحد من أهل بيته النار. وروى جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ دخل على بنته فاطمة وعليها كساء (من [جلة]) الإبل وهي تطحن بيدها، فلما رآها دمعت عيناه، وقال: يا فاطمة، تعجلي مرارة الدنيا لحلاوة الآخرة، فأنزل الله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ [وروي عن بعض أن النبي ﷺ [قال]: ليس في القرآن أرجى من قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾]، ولا يرضى رسول الله ﷺ أن يدخل أحد من أمته النار هذا معنى قوله المروي عنه. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ﴾. أي: كنت يا محمد يتيماً في حجر عمك أبي طالب فجعل الله لك مأوى تأوي إليه، ومنزلاً تنزله. وقيل: كنت يتيما فآواك إلى عمك أبي طالب. * * ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ﴾. أي: ووجدك على غير الذي أنت عليه اليوم فهداك (للذي أنت عليه. وقيل: وجدك ضالاً عن النبوة فهداك إليها. وقال الفراء: معناه ووجدك في قوم ضلال فهداك) للإيمان. وقيل: ضالاً عن الشريعة. وقيل: ضالاً، أي: منسوباً إلى الضلالة. وقيل: معنى فهدى: فبين أمرك بالبراهين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فَأَغْنَىٰ﴾. أي: فقيراً فأغناك، يقال: عال يعيل عيلة: إذا افتقر، وأعال يعيل: إذا كثر عياله. وفي مصحف عبد الله: "ووجدك عديماً فأغنى". وهذه كلها نعم من الله على النبي ﷺ يذكره بها وينبهه على شكرها ويعددها عليه ليذكرها. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ﴾. أي: لا تظلمه فتذهب بحقه استضعافاً منك له. قال قتادة: ﴿فَلاَ تَقْهَرْ﴾: فلا تظلم. وفي مصحف عبد الله: "فلا تكهر". وقال الأخفش: هما لغتان بمعنى، وقال غيره: معنى [تكهر]: لا تشدد عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ﴾. أي: وأما من سألك من ذوي الحاجة فلا تنهره، (ولكن أعطه، أو رده رداً جميلاً. قال مجاهد: "فلا تنهر": فلا تغضبه. [قال الحسن: ليس سائل الطعام والشراب، ولكنه سائل العلم إذا أتاك، فأنزل الله كيف، ليفهم عنك وتفهم عنه]. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾. قال مجاهد: بنعمة ربك فحدث، أي: بالنبوة التي أعطاكها، فاذكره. قال [أبو نضرة]: "كان المسلمون يرون أن من شكر النعم أن يحدث بها". وفي الحديث: "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده فالمعنى: وأما بنعمة ربك يا محمد فحدث الناس بها وأظهرها وأحمد الله عليها، فإن ذلك من الشكر، وهو لفظ خاص للنبي ﷺ، (عام) في جميع أمته.

الضحى 93:7

قوله تعالى: ﴿وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾ إلى آخرها. أقسم الله جل ذكره بالضحى، وهو النهار كله عند الفراء. وعند غيره: هو أول (النهار)، قال قتادة: الضحى: "ساعة من ساعات النهار"، والمعنى: ورب الضحى، وخالق الضحى، ونحوه. * * وقوله: ﴿إِذَا سَجَىٰ﴾ قال ابن عباس: ﴿سَجَىٰ﴾: أقبل. وعنه أيضاً: "سجى": ذهب. وقال مجاهد: ﴿سَجَىٰ﴾ استوى. وقال قتادة: ﴿سَجَىٰ﴾: "سكن بالخلق". وقال الضحاك: ﴿سَجَىٰ﴾: استقر وسكن. وهو قول ابن زيد. * * ثم قال تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾. هذا جواب القسم، أي: ما تركك ربك يا محمد وما أبغضك. فالمفعول من "قلى" محذوف. وروي أن الوحي أبطأ على النبي ﷺ فقالت قريش: قد ودع محمداً ربه وقلاه، فأنزل الله جل ذكره: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾. وروى هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: أبطأ جبريل عن النبي ﷺ، فقالت له خديجة: أحسب ربك قد [قلاك]، فأنزل الله: ﴿وَٱلضُّحَىٰ﴾ إلى آخرها. وقال ابن عباس: أري النبي ﷺ ما هو مفتوح على أمته، فسر بذلك، فأنزل الله ﴿وَٱلضُّحَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ (قال) فأعطاه الله ألف قصر في الجنة، ترابها المسك في كل قصر ما ينبغي (له) من الأزواج والخدم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ﴾ أي: ولنعيم الآخرة خير لك من نكد (الدنيا). (ثم) قال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ أي: ولسوف يعطيك يا محمد ربك في الآخرة من فواضل نعمه حتى ترضى. قال ابن عباس: عرض على النبي ﷺ ما هو مفتوح على أمته من بعده، فسر بذلك، فانزل الله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾، قال: فأعطاه (الله) ألف قصر من لؤلؤ ترابها المسك، وفيها ما يصلحها. وعن ابن عباس أنه قال: ما رضي محمد ﷺ أن يدخل أحد من أهل بيته النار. وروى جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ دخل على بنته فاطمة وعليها كساء (من [جلة]) الإبل وهي تطحن بيدها، فلما رآها دمعت عيناه، وقال: يا فاطمة، تعجلي مرارة الدنيا لحلاوة الآخرة، فأنزل الله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ [وروي عن بعض أن النبي ﷺ [قال]: ليس في القرآن أرجى من قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾]، ولا يرضى رسول الله ﷺ أن يدخل أحد من أمته النار هذا معنى قوله المروي عنه. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ﴾. أي: كنت يا محمد يتيماً في حجر عمك أبي طالب فجعل الله لك مأوى تأوي إليه، ومنزلاً تنزله. وقيل: كنت يتيما فآواك إلى عمك أبي طالب. * * ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ﴾. أي: ووجدك على غير الذي أنت عليه اليوم فهداك (للذي أنت عليه. وقيل: وجدك ضالاً عن النبوة فهداك إليها. وقال الفراء: معناه ووجدك في قوم ضلال فهداك) للإيمان. وقيل: ضالاً عن الشريعة. وقيل: ضالاً، أي: منسوباً إلى الضلالة. وقيل: معنى فهدى: فبين أمرك بالبراهين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فَأَغْنَىٰ﴾. أي: فقيراً فأغناك، يقال: عال يعيل عيلة: إذا افتقر، وأعال يعيل: إذا كثر عياله. وفي مصحف عبد الله: "ووجدك عديماً فأغنى". وهذه كلها نعم من الله على النبي ﷺ يذكره بها وينبهه على شكرها ويعددها عليه ليذكرها. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ﴾. أي: لا تظلمه فتذهب بحقه استضعافاً منك له. قال قتادة: ﴿فَلاَ تَقْهَرْ﴾: فلا تظلم. وفي مصحف عبد الله: "فلا تكهر". وقال الأخفش: هما لغتان بمعنى، وقال غيره: معنى [تكهر]: لا تشدد عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ﴾. أي: وأما من سألك من ذوي الحاجة فلا تنهره، (ولكن أعطه، أو رده رداً جميلاً. قال مجاهد: "فلا تنهر": فلا تغضبه. [قال الحسن: ليس سائل الطعام والشراب، ولكنه سائل العلم إذا أتاك، فأنزل الله كيف، ليفهم عنك وتفهم عنه]. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾. قال مجاهد: بنعمة ربك فحدث، أي: بالنبوة التي أعطاكها، فاذكره. قال [أبو نضرة]: "كان المسلمون يرون أن من شكر النعم أن يحدث بها". وفي الحديث: "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده فالمعنى: وأما بنعمة ربك يا محمد فحدث الناس بها وأظهرها وأحمد الله عليها، فإن ذلك من الشكر، وهو لفظ خاص للنبي ﷺ، (عام) في جميع أمته.

الضحى 93:8

قوله تعالى: ﴿وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾ إلى آخرها. أقسم الله جل ذكره بالضحى، وهو النهار كله عند الفراء. وعند غيره: هو أول (النهار)، قال قتادة: الضحى: "ساعة من ساعات النهار"، والمعنى: ورب الضحى، وخالق الضحى، ونحوه. * * وقوله: ﴿إِذَا سَجَىٰ﴾ قال ابن عباس: ﴿سَجَىٰ﴾: أقبل. وعنه أيضاً: "سجى": ذهب. وقال مجاهد: ﴿سَجَىٰ﴾ استوى. وقال قتادة: ﴿سَجَىٰ﴾: "سكن بالخلق". وقال الضحاك: ﴿سَجَىٰ﴾: استقر وسكن. وهو قول ابن زيد. * * ثم قال تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾. هذا جواب القسم، أي: ما تركك ربك يا محمد وما أبغضك. فالمفعول من "قلى" محذوف. وروي أن الوحي أبطأ على النبي ﷺ فقالت قريش: قد ودع محمداً ربه وقلاه، فأنزل الله جل ذكره: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾. وروى هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: أبطأ جبريل عن النبي ﷺ، فقالت له خديجة: أحسب ربك قد [قلاك]، فأنزل الله: ﴿وَٱلضُّحَىٰ﴾ إلى آخرها. وقال ابن عباس: أري النبي ﷺ ما هو مفتوح على أمته، فسر بذلك، فأنزل الله ﴿وَٱلضُّحَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ (قال) فأعطاه الله ألف قصر في الجنة، ترابها المسك في كل قصر ما ينبغي (له) من الأزواج والخدم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ﴾ أي: ولنعيم الآخرة خير لك من نكد (الدنيا). (ثم) قال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ أي: ولسوف يعطيك يا محمد ربك في الآخرة من فواضل نعمه حتى ترضى. قال ابن عباس: عرض على النبي ﷺ ما هو مفتوح على أمته من بعده، فسر بذلك، فانزل الله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾، قال: فأعطاه (الله) ألف قصر من لؤلؤ ترابها المسك، وفيها ما يصلحها. وعن ابن عباس أنه قال: ما رضي محمد ﷺ أن يدخل أحد من أهل بيته النار. وروى جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ دخل على بنته فاطمة وعليها كساء (من [جلة]) الإبل وهي تطحن بيدها، فلما رآها دمعت عيناه، وقال: يا فاطمة، تعجلي مرارة الدنيا لحلاوة الآخرة، فأنزل الله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ [وروي عن بعض أن النبي ﷺ [قال]: ليس في القرآن أرجى من قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾]، ولا يرضى رسول الله ﷺ أن يدخل أحد من أمته النار هذا معنى قوله المروي عنه. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ﴾. أي: كنت يا محمد يتيماً في حجر عمك أبي طالب فجعل الله لك مأوى تأوي إليه، ومنزلاً تنزله. وقيل: كنت يتيما فآواك إلى عمك أبي طالب. * * ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ﴾. أي: ووجدك على غير الذي أنت عليه اليوم فهداك (للذي أنت عليه. وقيل: وجدك ضالاً عن النبوة فهداك إليها. وقال الفراء: معناه ووجدك في قوم ضلال فهداك) للإيمان. وقيل: ضالاً عن الشريعة. وقيل: ضالاً، أي: منسوباً إلى الضلالة. وقيل: معنى فهدى: فبين أمرك بالبراهين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فَأَغْنَىٰ﴾. أي: فقيراً فأغناك، يقال: عال يعيل عيلة: إذا افتقر، وأعال يعيل: إذا كثر عياله. وفي مصحف عبد الله: "ووجدك عديماً فأغنى". وهذه كلها نعم من الله على النبي ﷺ يذكره بها وينبهه على شكرها ويعددها عليه ليذكرها. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ﴾. أي: لا تظلمه فتذهب بحقه استضعافاً منك له. قال قتادة: ﴿فَلاَ تَقْهَرْ﴾: فلا تظلم. وفي مصحف عبد الله: "فلا تكهر". وقال الأخفش: هما لغتان بمعنى، وقال غيره: معنى [تكهر]: لا تشدد عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ﴾. أي: وأما من سألك من ذوي الحاجة فلا تنهره، (ولكن أعطه، أو رده رداً جميلاً. قال مجاهد: "فلا تنهر": فلا تغضبه. [قال الحسن: ليس سائل الطعام والشراب، ولكنه سائل العلم إذا أتاك، فأنزل الله كيف، ليفهم عنك وتفهم عنه]. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾. قال مجاهد: بنعمة ربك فحدث، أي: بالنبوة التي أعطاكها، فاذكره. قال [أبو نضرة]: "كان المسلمون يرون أن من شكر النعم أن يحدث بها". وفي الحديث: "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده فالمعنى: وأما بنعمة ربك يا محمد فحدث الناس بها وأظهرها وأحمد الله عليها، فإن ذلك من الشكر، وهو لفظ خاص للنبي ﷺ، (عام) في جميع أمته.

الضحى 93:9

قوله تعالى: ﴿وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾ إلى آخرها. أقسم الله جل ذكره بالضحى، وهو النهار كله عند الفراء. وعند غيره: هو أول (النهار)، قال قتادة: الضحى: "ساعة من ساعات النهار"، والمعنى: ورب الضحى، وخالق الضحى، ونحوه. * * وقوله: ﴿إِذَا سَجَىٰ﴾ قال ابن عباس: ﴿سَجَىٰ﴾: أقبل. وعنه أيضاً: "سجى": ذهب. وقال مجاهد: ﴿سَجَىٰ﴾ استوى. وقال قتادة: ﴿سَجَىٰ﴾: "سكن بالخلق". وقال الضحاك: ﴿سَجَىٰ﴾: استقر وسكن. وهو قول ابن زيد. * * ثم قال تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾. هذا جواب القسم، أي: ما تركك ربك يا محمد وما أبغضك. فالمفعول من "قلى" محذوف. وروي أن الوحي أبطأ على النبي ﷺ فقالت قريش: قد ودع محمداً ربه وقلاه، فأنزل الله جل ذكره: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾. وروى هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: أبطأ جبريل عن النبي ﷺ، فقالت له خديجة: أحسب ربك قد [قلاك]، فأنزل الله: ﴿وَٱلضُّحَىٰ﴾ إلى آخرها. وقال ابن عباس: أري النبي ﷺ ما هو مفتوح على أمته، فسر بذلك، فأنزل الله ﴿وَٱلضُّحَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ (قال) فأعطاه الله ألف قصر في الجنة، ترابها المسك في كل قصر ما ينبغي (له) من الأزواج والخدم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ﴾ أي: ولنعيم الآخرة خير لك من نكد (الدنيا). (ثم) قال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ أي: ولسوف يعطيك يا محمد ربك في الآخرة من فواضل نعمه حتى ترضى. قال ابن عباس: عرض على النبي ﷺ ما هو مفتوح على أمته من بعده، فسر بذلك، فانزل الله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾، قال: فأعطاه (الله) ألف قصر من لؤلؤ ترابها المسك، وفيها ما يصلحها. وعن ابن عباس أنه قال: ما رضي محمد ﷺ أن يدخل أحد من أهل بيته النار. وروى جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ دخل على بنته فاطمة وعليها كساء (من [جلة]) الإبل وهي تطحن بيدها، فلما رآها دمعت عيناه، وقال: يا فاطمة، تعجلي مرارة الدنيا لحلاوة الآخرة، فأنزل الله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ [وروي عن بعض أن النبي ﷺ [قال]: ليس في القرآن أرجى من قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾]، ولا يرضى رسول الله ﷺ أن يدخل أحد من أمته النار هذا معنى قوله المروي عنه. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ﴾. أي: كنت يا محمد يتيماً في حجر عمك أبي طالب فجعل الله لك مأوى تأوي إليه، ومنزلاً تنزله. وقيل: كنت يتيما فآواك إلى عمك أبي طالب. * * ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ﴾. أي: ووجدك على غير الذي أنت عليه اليوم فهداك (للذي أنت عليه. وقيل: وجدك ضالاً عن النبوة فهداك إليها. وقال الفراء: معناه ووجدك في قوم ضلال فهداك) للإيمان. وقيل: ضالاً عن الشريعة. وقيل: ضالاً، أي: منسوباً إلى الضلالة. وقيل: معنى فهدى: فبين أمرك بالبراهين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فَأَغْنَىٰ﴾. أي: فقيراً فأغناك، يقال: عال يعيل عيلة: إذا افتقر، وأعال يعيل: إذا كثر عياله. وفي مصحف عبد الله: "ووجدك عديماً فأغنى". وهذه كلها نعم من الله على النبي ﷺ يذكره بها وينبهه على شكرها ويعددها عليه ليذكرها. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ﴾. أي: لا تظلمه فتذهب بحقه استضعافاً منك له. قال قتادة: ﴿فَلاَ تَقْهَرْ﴾: فلا تظلم. وفي مصحف عبد الله: "فلا تكهر". وقال الأخفش: هما لغتان بمعنى، وقال غيره: معنى [تكهر]: لا تشدد عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ﴾. أي: وأما من سألك من ذوي الحاجة فلا تنهره، (ولكن أعطه، أو رده رداً جميلاً. قال مجاهد: "فلا تنهر": فلا تغضبه. [قال الحسن: ليس سائل الطعام والشراب، ولكنه سائل العلم إذا أتاك، فأنزل الله كيف، ليفهم عنك وتفهم عنه]. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾. قال مجاهد: بنعمة ربك فحدث، أي: بالنبوة التي أعطاكها، فاذكره. قال [أبو نضرة]: "كان المسلمون يرون أن من شكر النعم أن يحدث بها". وفي الحديث: "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده فالمعنى: وأما بنعمة ربك يا محمد فحدث الناس بها وأظهرها وأحمد الله عليها، فإن ذلك من الشكر، وهو لفظ خاص للنبي ﷺ، (عام) في جميع أمته.

الضحى 93:10

قوله تعالى: ﴿وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾ إلى آخرها. أقسم الله جل ذكره بالضحى، وهو النهار كله عند الفراء. وعند غيره: هو أول (النهار)، قال قتادة: الضحى: "ساعة من ساعات النهار"، والمعنى: ورب الضحى، وخالق الضحى، ونحوه. * * وقوله: ﴿إِذَا سَجَىٰ﴾ قال ابن عباس: ﴿سَجَىٰ﴾: أقبل. وعنه أيضاً: "سجى": ذهب. وقال مجاهد: ﴿سَجَىٰ﴾ استوى. وقال قتادة: ﴿سَجَىٰ﴾: "سكن بالخلق". وقال الضحاك: ﴿سَجَىٰ﴾: استقر وسكن. وهو قول ابن زيد. * * ثم قال تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾. هذا جواب القسم، أي: ما تركك ربك يا محمد وما أبغضك. فالمفعول من "قلى" محذوف. وروي أن الوحي أبطأ على النبي ﷺ فقالت قريش: قد ودع محمداً ربه وقلاه، فأنزل الله جل ذكره: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾. وروى هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: أبطأ جبريل عن النبي ﷺ، فقالت له خديجة: أحسب ربك قد [قلاك]، فأنزل الله: ﴿وَٱلضُّحَىٰ﴾ إلى آخرها. وقال ابن عباس: أري النبي ﷺ ما هو مفتوح على أمته، فسر بذلك، فأنزل الله ﴿وَٱلضُّحَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ (قال) فأعطاه الله ألف قصر في الجنة، ترابها المسك في كل قصر ما ينبغي (له) من الأزواج والخدم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ﴾ أي: ولنعيم الآخرة خير لك من نكد (الدنيا). (ثم) قال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ أي: ولسوف يعطيك يا محمد ربك في الآخرة من فواضل نعمه حتى ترضى. قال ابن عباس: عرض على النبي ﷺ ما هو مفتوح على أمته من بعده، فسر بذلك، فانزل الله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾، قال: فأعطاه (الله) ألف قصر من لؤلؤ ترابها المسك، وفيها ما يصلحها. وعن ابن عباس أنه قال: ما رضي محمد ﷺ أن يدخل أحد من أهل بيته النار. وروى جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ دخل على بنته فاطمة وعليها كساء (من [جلة]) الإبل وهي تطحن بيدها، فلما رآها دمعت عيناه، وقال: يا فاطمة، تعجلي مرارة الدنيا لحلاوة الآخرة، فأنزل الله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ [وروي عن بعض أن النبي ﷺ [قال]: ليس في القرآن أرجى من قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾]، ولا يرضى رسول الله ﷺ أن يدخل أحد من أمته النار هذا معنى قوله المروي عنه. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ﴾. أي: كنت يا محمد يتيماً في حجر عمك أبي طالب فجعل الله لك مأوى تأوي إليه، ومنزلاً تنزله. وقيل: كنت يتيما فآواك إلى عمك أبي طالب. * * ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ﴾. أي: ووجدك على غير الذي أنت عليه اليوم فهداك (للذي أنت عليه. وقيل: وجدك ضالاً عن النبوة فهداك إليها. وقال الفراء: معناه ووجدك في قوم ضلال فهداك) للإيمان. وقيل: ضالاً عن الشريعة. وقيل: ضالاً، أي: منسوباً إلى الضلالة. وقيل: معنى فهدى: فبين أمرك بالبراهين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فَأَغْنَىٰ﴾. أي: فقيراً فأغناك، يقال: عال يعيل عيلة: إذا افتقر، وأعال يعيل: إذا كثر عياله. وفي مصحف عبد الله: "ووجدك عديماً فأغنى". وهذه كلها نعم من الله على النبي ﷺ يذكره بها وينبهه على شكرها ويعددها عليه ليذكرها. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ﴾. أي: لا تظلمه فتذهب بحقه استضعافاً منك له. قال قتادة: ﴿فَلاَ تَقْهَرْ﴾: فلا تظلم. وفي مصحف عبد الله: "فلا تكهر". وقال الأخفش: هما لغتان بمعنى، وقال غيره: معنى [تكهر]: لا تشدد عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ﴾. أي: وأما من سألك من ذوي الحاجة فلا تنهره، (ولكن أعطه، أو رده رداً جميلاً. قال مجاهد: "فلا تنهر": فلا تغضبه. [قال الحسن: ليس سائل الطعام والشراب، ولكنه سائل العلم إذا أتاك، فأنزل الله كيف، ليفهم عنك وتفهم عنه]. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾. قال مجاهد: بنعمة ربك فحدث، أي: بالنبوة التي أعطاكها، فاذكره. قال [أبو نضرة]: "كان المسلمون يرون أن من شكر النعم أن يحدث بها". وفي الحديث: "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده فالمعنى: وأما بنعمة ربك يا محمد فحدث الناس بها وأظهرها وأحمد الله عليها، فإن ذلك من الشكر، وهو لفظ خاص للنبي ﷺ، (عام) في جميع أمته.

الضحى 93:11

قوله تعالى: ﴿وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾ إلى آخرها. أقسم الله جل ذكره بالضحى، وهو النهار كله عند الفراء. وعند غيره: هو أول (النهار)، قال قتادة: الضحى: "ساعة من ساعات النهار"، والمعنى: ورب الضحى، وخالق الضحى، ونحوه. * * وقوله: ﴿إِذَا سَجَىٰ﴾ قال ابن عباس: ﴿سَجَىٰ﴾: أقبل. وعنه أيضاً: "سجى": ذهب. وقال مجاهد: ﴿سَجَىٰ﴾ استوى. وقال قتادة: ﴿سَجَىٰ﴾: "سكن بالخلق". وقال الضحاك: ﴿سَجَىٰ﴾: استقر وسكن. وهو قول ابن زيد. * * ثم قال تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾. هذا جواب القسم، أي: ما تركك ربك يا محمد وما أبغضك. فالمفعول من "قلى" محذوف. وروي أن الوحي أبطأ على النبي ﷺ فقالت قريش: قد ودع محمداً ربه وقلاه، فأنزل الله جل ذكره: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾. وروى هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: أبطأ جبريل عن النبي ﷺ، فقالت له خديجة: أحسب ربك قد [قلاك]، فأنزل الله: ﴿وَٱلضُّحَىٰ﴾ إلى آخرها. وقال ابن عباس: أري النبي ﷺ ما هو مفتوح على أمته، فسر بذلك، فأنزل الله ﴿وَٱلضُّحَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ (قال) فأعطاه الله ألف قصر في الجنة، ترابها المسك في كل قصر ما ينبغي (له) من الأزواج والخدم. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ﴾ أي: ولنعيم الآخرة خير لك من نكد (الدنيا). (ثم) قال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ أي: ولسوف يعطيك يا محمد ربك في الآخرة من فواضل نعمه حتى ترضى. قال ابن عباس: عرض على النبي ﷺ ما هو مفتوح على أمته من بعده، فسر بذلك، فانزل الله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾، قال: فأعطاه (الله) ألف قصر من لؤلؤ ترابها المسك، وفيها ما يصلحها. وعن ابن عباس أنه قال: ما رضي محمد ﷺ أن يدخل أحد من أهل بيته النار. وروى جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ دخل على بنته فاطمة وعليها كساء (من [جلة]) الإبل وهي تطحن بيدها، فلما رآها دمعت عيناه، وقال: يا فاطمة، تعجلي مرارة الدنيا لحلاوة الآخرة، فأنزل الله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ [وروي عن بعض أن النبي ﷺ [قال]: ليس في القرآن أرجى من قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾]، ولا يرضى رسول الله ﷺ أن يدخل أحد من أمته النار هذا معنى قوله المروي عنه. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ﴾. أي: كنت يا محمد يتيماً في حجر عمك أبي طالب فجعل الله لك مأوى تأوي إليه، ومنزلاً تنزله. وقيل: كنت يتيما فآواك إلى عمك أبي طالب. * * ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ﴾. أي: ووجدك على غير الذي أنت عليه اليوم فهداك (للذي أنت عليه. وقيل: وجدك ضالاً عن النبوة فهداك إليها. وقال الفراء: معناه ووجدك في قوم ضلال فهداك) للإيمان. وقيل: ضالاً عن الشريعة. وقيل: ضالاً، أي: منسوباً إلى الضلالة. وقيل: معنى فهدى: فبين أمرك بالبراهين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فَأَغْنَىٰ﴾. أي: فقيراً فأغناك، يقال: عال يعيل عيلة: إذا افتقر، وأعال يعيل: إذا كثر عياله. وفي مصحف عبد الله: "ووجدك عديماً فأغنى". وهذه كلها نعم من الله على النبي ﷺ يذكره بها وينبهه على شكرها ويعددها عليه ليذكرها. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ﴾. أي: لا تظلمه فتذهب بحقه استضعافاً منك له. قال قتادة: ﴿فَلاَ تَقْهَرْ﴾: فلا تظلم. وفي مصحف عبد الله: "فلا تكهر". وقال الأخفش: هما لغتان بمعنى، وقال غيره: معنى [تكهر]: لا تشدد عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ﴾. أي: وأما من سألك من ذوي الحاجة فلا تنهره، (ولكن أعطه، أو رده رداً جميلاً. قال مجاهد: "فلا تنهر": فلا تغضبه. [قال الحسن: ليس سائل الطعام والشراب، ولكنه سائل العلم إذا أتاك، فأنزل الله كيف، ليفهم عنك وتفهم عنه]. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾. قال مجاهد: بنعمة ربك فحدث، أي: بالنبوة التي أعطاكها، فاذكره. قال [أبو نضرة]: "كان المسلمون يرون أن من شكر النعم أن يحدث بها". وفي الحديث: "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده فالمعنى: وأما بنعمة ربك يا محمد فحدث الناس بها وأظهرها وأحمد الله عليها، فإن ذلك من الشكر، وهو لفظ خاص للنبي ﷺ، (عام) في جميع أمته.

الشرح 94:1

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ إلى آخرها. هذه ألف استفهام في اللفظ ومعناها التوقيف على النعم والآلاء، والمعنى: ألم نلين لك يا محمد صدرك ونوسعه لك للهدى ووعي الحكمة وقبول الإيمان؟ ومعنى: نشرح: [نفسح] ونوسع. وروي أنها [لما] نزلت قيل: يا رسول الله، أينشرح الصدر؟ قال: نعم [وينفسح]. قالوا: يا رسول الله، ألذلك علامة؟ قال: نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والإعداد للموت قبل نزول الفوت والصدر محل العلم والقرآن، بدليل قوله: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩]. والمراد به القلب، لأنه وعاء الفهم (والعلم). ولكن ذكر الصدر لقربه من القلب وامتزاجه به. * * ثم قال تعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾. أي: وغفرنا لك ما سلف من ذنبك، فحططنا عنك ثقل آثام الجاهلية. وفي قراءة عبد الله: وحللنا عنك ذنبك. ﴿ٱلَّذِيۤ أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾ أي: [أثقل] ظهرك وأوهنه. قال قتادة: كانت للنبي ﷺ ذنوب أثقلته، فغفرها الله عز وجل له، يعني بذلك: ما كان قبل أن ينبأ. وهو قول ابن زيد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾. أي: لا أذكر إلا ذكرت معي. وذلك قول المؤمنين: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. قال مجاهد: (وهو) قول المؤذن: أشهد أن لا إله [إلا الله]، وأشهد أن محمداً رسول الله. وقال قتادة: ورفعنا لك ذكرك في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا يقول: أشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وروى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: أتاني جبريل [عليه] السلام فقال: إن ربي وربك يقول: كيف رفعت (ذكرك)؟ قال: الله (أعلم، (قال): إذا ذكرت ذكرت معي ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً﴾. أي: فإن مع الشدة التي) أنت فيها من جهاد قومك رخاء وفرجاً بأن يظفرك الله بهم حتى ينقادوا إلى الحق أو السيف. ولما نزلت هذه الآية، بشر النبي ﷺ (بها) أصحابه وقال: لن يغلب عسر يسرين. قال الحسن: "قال ﷺ لأصحابه: "أبشروا، أتاكم اليسر، لن يغلب عسر يسرين قال ابن مسعود: "لو دخل العسر في جحر لجاء اليسر حتى يدخل عليه"، ثم قرأ الآية. وإنما كان هذا، لأن العسر (الأول بالألف واللام، ثم كرر كذلك، فهو واليسر نكرة، فلما كرر كان الثاني غير الأول، فصار العسر) واحداً، واليسر يسرين. وقد قيل: إن معنى التكرير التوكيد. وقيل: الأول للحال، والثاني للاستقبال. * * ثم قال: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَٱنصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرْغَبْ﴾. قال ابن عباس: معناه: فإذا فرغت من صلاتك فارغب إلى ربك في الدعاء، وانصب إليه. وقال مجاهد: معناه: فإذا قمت إلى صلاتك فانصب في حاجتك إلى ربك. وقال الضحاك: فإذا فرغت من صلاتك المكتوبة قبل أن تسلم فانصب. [وقال] قتادة: أمره تعالى إذا فرغ من صلاته أن يبالغ في دعائه. وقال الحسن: معناه: إن الله أمر نبيه إذا فرغ من جهاد عدوه أن يجتهد في الدعاء والعبادة. وهو قول ابن زيد. وعن مجاهد أن معناه: فإذا فرغت من أمر دنياك فانصب في عبادة ربك. وقال ابن مسعود: فانصب في قيام الليل. فيكون هذا على قوله - منسوخاً بما نسخ قيام الليل. * * وقوله: ﴿وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرْغَبْ﴾ أي: واجعل رغبتك إلى ربك دون من سواه من خلقه. وعن مجاهد: "وإلى ربك فارغب"، أي: "إذا قمت إلى الصلاة". وقيل: معنى الآية: إذا فرغت من فرائضك فانصب في النوافل "وارغب" إلى ربك دون غيره.

الشرح 94:2

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ إلى آخرها. هذه ألف استفهام في اللفظ ومعناها التوقيف على النعم والآلاء، والمعنى: ألم نلين لك يا محمد صدرك ونوسعه لك للهدى ووعي الحكمة وقبول الإيمان؟ ومعنى: نشرح: [نفسح] ونوسع. وروي أنها [لما] نزلت قيل: يا رسول الله، أينشرح الصدر؟ قال: نعم [وينفسح]. قالوا: يا رسول الله، ألذلك علامة؟ قال: نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والإعداد للموت قبل نزول الفوت والصدر محل العلم والقرآن، بدليل قوله: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩]. والمراد به القلب، لأنه وعاء الفهم (والعلم). ولكن ذكر الصدر لقربه من القلب وامتزاجه به. * * ثم قال تعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾. أي: وغفرنا لك ما سلف من ذنبك، فحططنا عنك ثقل آثام الجاهلية. وفي قراءة عبد الله: وحللنا عنك ذنبك. ﴿ٱلَّذِيۤ أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾ أي: [أثقل] ظهرك وأوهنه. قال قتادة: كانت للنبي ﷺ ذنوب أثقلته، فغفرها الله عز وجل له، يعني بذلك: ما كان قبل أن ينبأ. وهو قول ابن زيد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾. أي: لا أذكر إلا ذكرت معي. وذلك قول المؤمنين: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. قال مجاهد: (وهو) قول المؤذن: أشهد أن لا إله [إلا الله]، وأشهد أن محمداً رسول الله. وقال قتادة: ورفعنا لك ذكرك في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا يقول: أشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وروى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: أتاني جبريل [عليه] السلام فقال: إن ربي وربك يقول: كيف رفعت (ذكرك)؟ قال: الله (أعلم، (قال): إذا ذكرت ذكرت معي ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً﴾. أي: فإن مع الشدة التي) أنت فيها من جهاد قومك رخاء وفرجاً بأن يظفرك الله بهم حتى ينقادوا إلى الحق أو السيف. ولما نزلت هذه الآية، بشر النبي ﷺ (بها) أصحابه وقال: لن يغلب عسر يسرين. قال الحسن: "قال ﷺ لأصحابه: "أبشروا، أتاكم اليسر، لن يغلب عسر يسرين قال ابن مسعود: "لو دخل العسر في جحر لجاء اليسر حتى يدخل عليه"، ثم قرأ الآية. وإنما كان هذا، لأن العسر (الأول بالألف واللام، ثم كرر كذلك، فهو واليسر نكرة، فلما كرر كان الثاني غير الأول، فصار العسر) واحداً، واليسر يسرين. وقد قيل: إن معنى التكرير التوكيد. وقيل: الأول للحال، والثاني للاستقبال. * * ثم قال: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَٱنصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرْغَبْ﴾. قال ابن عباس: معناه: فإذا فرغت من صلاتك فارغب إلى ربك في الدعاء، وانصب إليه. وقال مجاهد: معناه: فإذا قمت إلى صلاتك فانصب في حاجتك إلى ربك. وقال الضحاك: فإذا فرغت من صلاتك المكتوبة قبل أن تسلم فانصب. [وقال] قتادة: أمره تعالى إذا فرغ من صلاته أن يبالغ في دعائه. وقال الحسن: معناه: إن الله أمر نبيه إذا فرغ من جهاد عدوه أن يجتهد في الدعاء والعبادة. وهو قول ابن زيد. وعن مجاهد أن معناه: فإذا فرغت من أمر دنياك فانصب في عبادة ربك. وقال ابن مسعود: فانصب في قيام الليل. فيكون هذا على قوله - منسوخاً بما نسخ قيام الليل. * * وقوله: ﴿وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرْغَبْ﴾ أي: واجعل رغبتك إلى ربك دون من سواه من خلقه. وعن مجاهد: "وإلى ربك فارغب"، أي: "إذا قمت إلى الصلاة". وقيل: معنى الآية: إذا فرغت من فرائضك فانصب في النوافل "وارغب" إلى ربك دون غيره.

الشرح 94:3

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ إلى آخرها. هذه ألف استفهام في اللفظ ومعناها التوقيف على النعم والآلاء، والمعنى: ألم نلين لك يا محمد صدرك ونوسعه لك للهدى ووعي الحكمة وقبول الإيمان؟ ومعنى: نشرح: [نفسح] ونوسع. وروي أنها [لما] نزلت قيل: يا رسول الله، أينشرح الصدر؟ قال: نعم [وينفسح]. قالوا: يا رسول الله، ألذلك علامة؟ قال: نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والإعداد للموت قبل نزول الفوت والصدر محل العلم والقرآن، بدليل قوله: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩]. والمراد به القلب، لأنه وعاء الفهم (والعلم). ولكن ذكر الصدر لقربه من القلب وامتزاجه به. * * ثم قال تعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾. أي: وغفرنا لك ما سلف من ذنبك، فحططنا عنك ثقل آثام الجاهلية. وفي قراءة عبد الله: وحللنا عنك ذنبك. ﴿ٱلَّذِيۤ أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾ أي: [أثقل] ظهرك وأوهنه. قال قتادة: كانت للنبي ﷺ ذنوب أثقلته، فغفرها الله عز وجل له، يعني بذلك: ما كان قبل أن ينبأ. وهو قول ابن زيد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾. أي: لا أذكر إلا ذكرت معي. وذلك قول المؤمنين: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. قال مجاهد: (وهو) قول المؤذن: أشهد أن لا إله [إلا الله]، وأشهد أن محمداً رسول الله. وقال قتادة: ورفعنا لك ذكرك في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا يقول: أشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وروى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: أتاني جبريل [عليه] السلام فقال: إن ربي وربك يقول: كيف رفعت (ذكرك)؟ قال: الله (أعلم، (قال): إذا ذكرت ذكرت معي ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً﴾. أي: فإن مع الشدة التي) أنت فيها من جهاد قومك رخاء وفرجاً بأن يظفرك الله بهم حتى ينقادوا إلى الحق أو السيف. ولما نزلت هذه الآية، بشر النبي ﷺ (بها) أصحابه وقال: لن يغلب عسر يسرين. قال الحسن: "قال ﷺ لأصحابه: "أبشروا، أتاكم اليسر، لن يغلب عسر يسرين قال ابن مسعود: "لو دخل العسر في جحر لجاء اليسر حتى يدخل عليه"، ثم قرأ الآية. وإنما كان هذا، لأن العسر (الأول بالألف واللام، ثم كرر كذلك، فهو واليسر نكرة، فلما كرر كان الثاني غير الأول، فصار العسر) واحداً، واليسر يسرين. وقد قيل: إن معنى التكرير التوكيد. وقيل: الأول للحال، والثاني للاستقبال. * * ثم قال: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَٱنصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرْغَبْ﴾. قال ابن عباس: معناه: فإذا فرغت من صلاتك فارغب إلى ربك في الدعاء، وانصب إليه. وقال مجاهد: معناه: فإذا قمت إلى صلاتك فانصب في حاجتك إلى ربك. وقال الضحاك: فإذا فرغت من صلاتك المكتوبة قبل أن تسلم فانصب. [وقال] قتادة: أمره تعالى إذا فرغ من صلاته أن يبالغ في دعائه. وقال الحسن: معناه: إن الله أمر نبيه إذا فرغ من جهاد عدوه أن يجتهد في الدعاء والعبادة. وهو قول ابن زيد. وعن مجاهد أن معناه: فإذا فرغت من أمر دنياك فانصب في عبادة ربك. وقال ابن مسعود: فانصب في قيام الليل. فيكون هذا على قوله - منسوخاً بما نسخ قيام الليل. * * وقوله: ﴿وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرْغَبْ﴾ أي: واجعل رغبتك إلى ربك دون من سواه من خلقه. وعن مجاهد: "وإلى ربك فارغب"، أي: "إذا قمت إلى الصلاة". وقيل: معنى الآية: إذا فرغت من فرائضك فانصب في النوافل "وارغب" إلى ربك دون غيره.

الشرح 94:4

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ إلى آخرها. هذه ألف استفهام في اللفظ ومعناها التوقيف على النعم والآلاء، والمعنى: ألم نلين لك يا محمد صدرك ونوسعه لك للهدى ووعي الحكمة وقبول الإيمان؟ ومعنى: نشرح: [نفسح] ونوسع. وروي أنها [لما] نزلت قيل: يا رسول الله، أينشرح الصدر؟ قال: نعم [وينفسح]. قالوا: يا رسول الله، ألذلك علامة؟ قال: نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والإعداد للموت قبل نزول الفوت والصدر محل العلم والقرآن، بدليل قوله: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩]. والمراد به القلب، لأنه وعاء الفهم (والعلم). ولكن ذكر الصدر لقربه من القلب وامتزاجه به. * * ثم قال تعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾. أي: وغفرنا لك ما سلف من ذنبك، فحططنا عنك ثقل آثام الجاهلية. وفي قراءة عبد الله: وحللنا عنك ذنبك. ﴿ٱلَّذِيۤ أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾ أي: [أثقل] ظهرك وأوهنه. قال قتادة: كانت للنبي ﷺ ذنوب أثقلته، فغفرها الله عز وجل له، يعني بذلك: ما كان قبل أن ينبأ. وهو قول ابن زيد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾. أي: لا أذكر إلا ذكرت معي. وذلك قول المؤمنين: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. قال مجاهد: (وهو) قول المؤذن: أشهد أن لا إله [إلا الله]، وأشهد أن محمداً رسول الله. وقال قتادة: ورفعنا لك ذكرك في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا يقول: أشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وروى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: أتاني جبريل [عليه] السلام فقال: إن ربي وربك يقول: كيف رفعت (ذكرك)؟ قال: الله (أعلم، (قال): إذا ذكرت ذكرت معي ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً﴾. أي: فإن مع الشدة التي) أنت فيها من جهاد قومك رخاء وفرجاً بأن يظفرك الله بهم حتى ينقادوا إلى الحق أو السيف. ولما نزلت هذه الآية، بشر النبي ﷺ (بها) أصحابه وقال: لن يغلب عسر يسرين. قال الحسن: "قال ﷺ لأصحابه: "أبشروا، أتاكم اليسر، لن يغلب عسر يسرين قال ابن مسعود: "لو دخل العسر في جحر لجاء اليسر حتى يدخل عليه"، ثم قرأ الآية. وإنما كان هذا، لأن العسر (الأول بالألف واللام، ثم كرر كذلك، فهو واليسر نكرة، فلما كرر كان الثاني غير الأول، فصار العسر) واحداً، واليسر يسرين. وقد قيل: إن معنى التكرير التوكيد. وقيل: الأول للحال، والثاني للاستقبال. * * ثم قال: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَٱنصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرْغَبْ﴾. قال ابن عباس: معناه: فإذا فرغت من صلاتك فارغب إلى ربك في الدعاء، وانصب إليه. وقال مجاهد: معناه: فإذا قمت إلى صلاتك فانصب في حاجتك إلى ربك. وقال الضحاك: فإذا فرغت من صلاتك المكتوبة قبل أن تسلم فانصب. [وقال] قتادة: أمره تعالى إذا فرغ من صلاته أن يبالغ في دعائه. وقال الحسن: معناه: إن الله أمر نبيه إذا فرغ من جهاد عدوه أن يجتهد في الدعاء والعبادة. وهو قول ابن زيد. وعن مجاهد أن معناه: فإذا فرغت من أمر دنياك فانصب في عبادة ربك. وقال ابن مسعود: فانصب في قيام الليل. فيكون هذا على قوله - منسوخاً بما نسخ قيام الليل. * * وقوله: ﴿وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرْغَبْ﴾ أي: واجعل رغبتك إلى ربك دون من سواه من خلقه. وعن مجاهد: "وإلى ربك فارغب"، أي: "إذا قمت إلى الصلاة". وقيل: معنى الآية: إذا فرغت من فرائضك فانصب في النوافل "وارغب" إلى ربك دون غيره.

الشرح 94:5

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ إلى آخرها. هذه ألف استفهام في اللفظ ومعناها التوقيف على النعم والآلاء، والمعنى: ألم نلين لك يا محمد صدرك ونوسعه لك للهدى ووعي الحكمة وقبول الإيمان؟ ومعنى: نشرح: [نفسح] ونوسع. وروي أنها [لما] نزلت قيل: يا رسول الله، أينشرح الصدر؟ قال: نعم [وينفسح]. قالوا: يا رسول الله، ألذلك علامة؟ قال: نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والإعداد للموت قبل نزول الفوت والصدر محل العلم والقرآن، بدليل قوله: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩]. والمراد به القلب، لأنه وعاء الفهم (والعلم). ولكن ذكر الصدر لقربه من القلب وامتزاجه به. * * ثم قال تعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾. أي: وغفرنا لك ما سلف من ذنبك، فحططنا عنك ثقل آثام الجاهلية. وفي قراءة عبد الله: وحللنا عنك ذنبك. ﴿ٱلَّذِيۤ أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾ أي: [أثقل] ظهرك وأوهنه. قال قتادة: كانت للنبي ﷺ ذنوب أثقلته، فغفرها الله عز وجل له، يعني بذلك: ما كان قبل أن ينبأ. وهو قول ابن زيد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾. أي: لا أذكر إلا ذكرت معي. وذلك قول المؤمنين: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. قال مجاهد: (وهو) قول المؤذن: أشهد أن لا إله [إلا الله]، وأشهد أن محمداً رسول الله. وقال قتادة: ورفعنا لك ذكرك في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا يقول: أشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وروى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: أتاني جبريل [عليه] السلام فقال: إن ربي وربك يقول: كيف رفعت (ذكرك)؟ قال: الله (أعلم، (قال): إذا ذكرت ذكرت معي ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً﴾. أي: فإن مع الشدة التي) أنت فيها من جهاد قومك رخاء وفرجاً بأن يظفرك الله بهم حتى ينقادوا إلى الحق أو السيف. ولما نزلت هذه الآية، بشر النبي ﷺ (بها) أصحابه وقال: لن يغلب عسر يسرين. قال الحسن: "قال ﷺ لأصحابه: "أبشروا، أتاكم اليسر، لن يغلب عسر يسرين قال ابن مسعود: "لو دخل العسر في جحر لجاء اليسر حتى يدخل عليه"، ثم قرأ الآية. وإنما كان هذا، لأن العسر (الأول بالألف واللام، ثم كرر كذلك، فهو واليسر نكرة، فلما كرر كان الثاني غير الأول، فصار العسر) واحداً، واليسر يسرين. وقد قيل: إن معنى التكرير التوكيد. وقيل: الأول للحال، والثاني للاستقبال. * * ثم قال: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَٱنصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرْغَبْ﴾. قال ابن عباس: معناه: فإذا فرغت من صلاتك فارغب إلى ربك في الدعاء، وانصب إليه. وقال مجاهد: معناه: فإذا قمت إلى صلاتك فانصب في حاجتك إلى ربك. وقال الضحاك: فإذا فرغت من صلاتك المكتوبة قبل أن تسلم فانصب. [وقال] قتادة: أمره تعالى إذا فرغ من صلاته أن يبالغ في دعائه. وقال الحسن: معناه: إن الله أمر نبيه إذا فرغ من جهاد عدوه أن يجتهد في الدعاء والعبادة. وهو قول ابن زيد. وعن مجاهد أن معناه: فإذا فرغت من أمر دنياك فانصب في عبادة ربك. وقال ابن مسعود: فانصب في قيام الليل. فيكون هذا على قوله - منسوخاً بما نسخ قيام الليل. * * وقوله: ﴿وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرْغَبْ﴾ أي: واجعل رغبتك إلى ربك دون من سواه من خلقه. وعن مجاهد: "وإلى ربك فارغب"، أي: "إذا قمت إلى الصلاة". وقيل: معنى الآية: إذا فرغت من فرائضك فانصب في النوافل "وارغب" إلى ربك دون غيره.

الشرح 94:6

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ إلى آخرها. هذه ألف استفهام في اللفظ ومعناها التوقيف على النعم والآلاء، والمعنى: ألم نلين لك يا محمد صدرك ونوسعه لك للهدى ووعي الحكمة وقبول الإيمان؟ ومعنى: نشرح: [نفسح] ونوسع. وروي أنها [لما] نزلت قيل: يا رسول الله، أينشرح الصدر؟ قال: نعم [وينفسح]. قالوا: يا رسول الله، ألذلك علامة؟ قال: نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والإعداد للموت قبل نزول الفوت والصدر محل العلم والقرآن، بدليل قوله: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩]. والمراد به القلب، لأنه وعاء الفهم (والعلم). ولكن ذكر الصدر لقربه من القلب وامتزاجه به. * * ثم قال تعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾. أي: وغفرنا لك ما سلف من ذنبك، فحططنا عنك ثقل آثام الجاهلية. وفي قراءة عبد الله: وحللنا عنك ذنبك. ﴿ٱلَّذِيۤ أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾ أي: [أثقل] ظهرك وأوهنه. قال قتادة: كانت للنبي ﷺ ذنوب أثقلته، فغفرها الله عز وجل له، يعني بذلك: ما كان قبل أن ينبأ. وهو قول ابن زيد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾. أي: لا أذكر إلا ذكرت معي. وذلك قول المؤمنين: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. قال مجاهد: (وهو) قول المؤذن: أشهد أن لا إله [إلا الله]، وأشهد أن محمداً رسول الله. وقال قتادة: ورفعنا لك ذكرك في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا يقول: أشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وروى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: أتاني جبريل [عليه] السلام فقال: إن ربي وربك يقول: كيف رفعت (ذكرك)؟ قال: الله (أعلم، (قال): إذا ذكرت ذكرت معي ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً﴾. أي: فإن مع الشدة التي) أنت فيها من جهاد قومك رخاء وفرجاً بأن يظفرك الله بهم حتى ينقادوا إلى الحق أو السيف. ولما نزلت هذه الآية، بشر النبي ﷺ (بها) أصحابه وقال: لن يغلب عسر يسرين. قال الحسن: "قال ﷺ لأصحابه: "أبشروا، أتاكم اليسر، لن يغلب عسر يسرين قال ابن مسعود: "لو دخل العسر في جحر لجاء اليسر حتى يدخل عليه"، ثم قرأ الآية. وإنما كان هذا، لأن العسر (الأول بالألف واللام، ثم كرر كذلك، فهو واليسر نكرة، فلما كرر كان الثاني غير الأول، فصار العسر) واحداً، واليسر يسرين. وقد قيل: إن معنى التكرير التوكيد. وقيل: الأول للحال، والثاني للاستقبال. * * ثم قال: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَٱنصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرْغَبْ﴾. قال ابن عباس: معناه: فإذا فرغت من صلاتك فارغب إلى ربك في الدعاء، وانصب إليه. وقال مجاهد: معناه: فإذا قمت إلى صلاتك فانصب في حاجتك إلى ربك. وقال الضحاك: فإذا فرغت من صلاتك المكتوبة قبل أن تسلم فانصب. [وقال] قتادة: أمره تعالى إذا فرغ من صلاته أن يبالغ في دعائه. وقال الحسن: معناه: إن الله أمر نبيه إذا فرغ من جهاد عدوه أن يجتهد في الدعاء والعبادة. وهو قول ابن زيد. وعن مجاهد أن معناه: فإذا فرغت من أمر دنياك فانصب في عبادة ربك. وقال ابن مسعود: فانصب في قيام الليل. فيكون هذا على قوله - منسوخاً بما نسخ قيام الليل. * * وقوله: ﴿وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرْغَبْ﴾ أي: واجعل رغبتك إلى ربك دون من سواه من خلقه. وعن مجاهد: "وإلى ربك فارغب"، أي: "إذا قمت إلى الصلاة". وقيل: معنى الآية: إذا فرغت من فرائضك فانصب في النوافل "وارغب" إلى ربك دون غيره.

الشرح 94:7

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ إلى آخرها. هذه ألف استفهام في اللفظ ومعناها التوقيف على النعم والآلاء، والمعنى: ألم نلين لك يا محمد صدرك ونوسعه لك للهدى ووعي الحكمة وقبول الإيمان؟ ومعنى: نشرح: [نفسح] ونوسع. وروي أنها [لما] نزلت قيل: يا رسول الله، أينشرح الصدر؟ قال: نعم [وينفسح]. قالوا: يا رسول الله، ألذلك علامة؟ قال: نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والإعداد للموت قبل نزول الفوت والصدر محل العلم والقرآن، بدليل قوله: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩]. والمراد به القلب، لأنه وعاء الفهم (والعلم). ولكن ذكر الصدر لقربه من القلب وامتزاجه به. * * ثم قال تعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾. أي: وغفرنا لك ما سلف من ذنبك، فحططنا عنك ثقل آثام الجاهلية. وفي قراءة عبد الله: وحللنا عنك ذنبك. ﴿ٱلَّذِيۤ أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾ أي: [أثقل] ظهرك وأوهنه. قال قتادة: كانت للنبي ﷺ ذنوب أثقلته، فغفرها الله عز وجل له، يعني بذلك: ما كان قبل أن ينبأ. وهو قول ابن زيد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾. أي: لا أذكر إلا ذكرت معي. وذلك قول المؤمنين: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. قال مجاهد: (وهو) قول المؤذن: أشهد أن لا إله [إلا الله]، وأشهد أن محمداً رسول الله. وقال قتادة: ورفعنا لك ذكرك في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا يقول: أشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وروى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: أتاني جبريل [عليه] السلام فقال: إن ربي وربك يقول: كيف رفعت (ذكرك)؟ قال: الله (أعلم، (قال): إذا ذكرت ذكرت معي ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً﴾. أي: فإن مع الشدة التي) أنت فيها من جهاد قومك رخاء وفرجاً بأن يظفرك الله بهم حتى ينقادوا إلى الحق أو السيف. ولما نزلت هذه الآية، بشر النبي ﷺ (بها) أصحابه وقال: لن يغلب عسر يسرين. قال الحسن: "قال ﷺ لأصحابه: "أبشروا، أتاكم اليسر، لن يغلب عسر يسرين قال ابن مسعود: "لو دخل العسر في جحر لجاء اليسر حتى يدخل عليه"، ثم قرأ الآية. وإنما كان هذا، لأن العسر (الأول بالألف واللام، ثم كرر كذلك، فهو واليسر نكرة، فلما كرر كان الثاني غير الأول، فصار العسر) واحداً، واليسر يسرين. وقد قيل: إن معنى التكرير التوكيد. وقيل: الأول للحال، والثاني للاستقبال. * * ثم قال: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَٱنصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرْغَبْ﴾. قال ابن عباس: معناه: فإذا فرغت من صلاتك فارغب إلى ربك في الدعاء، وانصب إليه. وقال مجاهد: معناه: فإذا قمت إلى صلاتك فانصب في حاجتك إلى ربك. وقال الضحاك: فإذا فرغت من صلاتك المكتوبة قبل أن تسلم فانصب. [وقال] قتادة: أمره تعالى إذا فرغ من صلاته أن يبالغ في دعائه. وقال الحسن: معناه: إن الله أمر نبيه إذا فرغ من جهاد عدوه أن يجتهد في الدعاء والعبادة. وهو قول ابن زيد. وعن مجاهد أن معناه: فإذا فرغت من أمر دنياك فانصب في عبادة ربك. وقال ابن مسعود: فانصب في قيام الليل. فيكون هذا على قوله - منسوخاً بما نسخ قيام الليل. * * وقوله: ﴿وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرْغَبْ﴾ أي: واجعل رغبتك إلى ربك دون من سواه من خلقه. وعن مجاهد: "وإلى ربك فارغب"، أي: "إذا قمت إلى الصلاة". وقيل: معنى الآية: إذا فرغت من فرائضك فانصب في النوافل "وارغب" إلى ربك دون غيره.

الشرح 94:8

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ إلى آخرها. هذه ألف استفهام في اللفظ ومعناها التوقيف على النعم والآلاء، والمعنى: ألم نلين لك يا محمد صدرك ونوسعه لك للهدى ووعي الحكمة وقبول الإيمان؟ ومعنى: نشرح: [نفسح] ونوسع. وروي أنها [لما] نزلت قيل: يا رسول الله، أينشرح الصدر؟ قال: نعم [وينفسح]. قالوا: يا رسول الله، ألذلك علامة؟ قال: نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والإعداد للموت قبل نزول الفوت والصدر محل العلم والقرآن، بدليل قوله: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩]. والمراد به القلب، لأنه وعاء الفهم (والعلم). ولكن ذكر الصدر لقربه من القلب وامتزاجه به. * * ثم قال تعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾. أي: وغفرنا لك ما سلف من ذنبك، فحططنا عنك ثقل آثام الجاهلية. وفي قراءة عبد الله: وحللنا عنك ذنبك. ﴿ٱلَّذِيۤ أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾ أي: [أثقل] ظهرك وأوهنه. قال قتادة: كانت للنبي ﷺ ذنوب أثقلته، فغفرها الله عز وجل له، يعني بذلك: ما كان قبل أن ينبأ. وهو قول ابن زيد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾. أي: لا أذكر إلا ذكرت معي. وذلك قول المؤمنين: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. قال مجاهد: (وهو) قول المؤذن: أشهد أن لا إله [إلا الله]، وأشهد أن محمداً رسول الله. وقال قتادة: ورفعنا لك ذكرك في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا يقول: أشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وروى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: أتاني جبريل [عليه] السلام فقال: إن ربي وربك يقول: كيف رفعت (ذكرك)؟ قال: الله (أعلم، (قال): إذا ذكرت ذكرت معي ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً﴾. أي: فإن مع الشدة التي) أنت فيها من جهاد قومك رخاء وفرجاً بأن يظفرك الله بهم حتى ينقادوا إلى الحق أو السيف. ولما نزلت هذه الآية، بشر النبي ﷺ (بها) أصحابه وقال: لن يغلب عسر يسرين. قال الحسن: "قال ﷺ لأصحابه: "أبشروا، أتاكم اليسر، لن يغلب عسر يسرين قال ابن مسعود: "لو دخل العسر في جحر لجاء اليسر حتى يدخل عليه"، ثم قرأ الآية. وإنما كان هذا، لأن العسر (الأول بالألف واللام، ثم كرر كذلك، فهو واليسر نكرة، فلما كرر كان الثاني غير الأول، فصار العسر) واحداً، واليسر يسرين. وقد قيل: إن معنى التكرير التوكيد. وقيل: الأول للحال، والثاني للاستقبال. * * ثم قال: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَٱنصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرْغَبْ﴾. قال ابن عباس: معناه: فإذا فرغت من صلاتك فارغب إلى ربك في الدعاء، وانصب إليه. وقال مجاهد: معناه: فإذا قمت إلى صلاتك فانصب في حاجتك إلى ربك. وقال الضحاك: فإذا فرغت من صلاتك المكتوبة قبل أن تسلم فانصب. [وقال] قتادة: أمره تعالى إذا فرغ من صلاته أن يبالغ في دعائه. وقال الحسن: معناه: إن الله أمر نبيه إذا فرغ من جهاد عدوه أن يجتهد في الدعاء والعبادة. وهو قول ابن زيد. وعن مجاهد أن معناه: فإذا فرغت من أمر دنياك فانصب في عبادة ربك. وقال ابن مسعود: فانصب في قيام الليل. فيكون هذا على قوله - منسوخاً بما نسخ قيام الليل. * * وقوله: ﴿وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرْغَبْ﴾ أي: واجعل رغبتك إلى ربك دون من سواه من خلقه. وعن مجاهد: "وإلى ربك فارغب"، أي: "إذا قمت إلى الصلاة". وقيل: معنى الآية: إذا فرغت من فرائضك فانصب في النوافل "وارغب" إلى ربك دون غيره.

التين 95:1

قوله: ﴿وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ﴾... إلى آخرها. قال الحسن: هو تينكم هذا الذي يؤكل، وزيتونكم الذي يعصر. وهو قول عكرمة ومجاهد، وهو اختيار الطبري. وقال كعب الأحبار: التين مسجد دمشق، والزيتون بيت المقدس. وهو قول ابن زيد. وقال قتادة: التين: الجبل الذي عليه دمشق، والزيتون: [(الجبل) الذي عليه] بيت المقدس. وعن ابن عباس أن "التين مسجد نوح، والزيتون مسجد (بيت المقدس"). وعن عكرمة أنهما جبلان بالشام. وقال محمد بن كعب: التين: مسجد أصحاب الكهف، والزيتون: مسجد) إيلياء. والتقدير على جميع هذه الأقوال: ورب التين والزيتون. * * وقوله: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾. قال قتادة: طور سينين: مسجد عيسى عليه السلام. وقال ابن عباس والحسن: هو الجبل، وهو الطور. وقال عكرمة: الطور: الجبل، و "سينين": حسن في لغة الحبشة. وقال مجاهد: هو جبل. وكذلك روي عن عمر رضي الله عنه. وعن مجاهد أن "الطور" جبل، و "سينين": مبارك حسن. وقاله قتادة: وقال: هو "جبل بالشام، مبارك حسن". ويلزم على هذا التأويل أن ينوّن طور، [لأنه لا يضاف إلى نعته]. وقيل: ﴿سِينِينَ﴾ هو قوله: "طور سيناء" أتى بلغتين. والعرب تغير الأسماء الأعجمية. والطور في اللغة جبل نو النبات، فيكون قد أضيف إلى سنين للتعريف. [وبعيد] أن يكون "سينين" نعتاً لـ "طور". وكان الأخفش يقول: "طور": الجبل، "وسينين": شجر، [واحده: سينينة]. فكأنه قال: وجبل شجر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ٱلأَمِينِ﴾. يعني: مكة، والأمين: بمعنى الأمن، أي: الأمن من أعدائه أن يحاربوا أهله (فيه) أو يغزوهم. وهو قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً﴾ [العنكبوت: ٦٧]. * * ثم قال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. هذا جواب القسم، والمعنى: لقد خلقنا الإنسان في أعدل خلق وأحسن صورة. وقيل: معناه: بلغنا به بعد خلقه استواء شبابه وقوته. وذلك أحسن ما يكون، وأعدل ما يكون، وأقوى ما يكون. وقال عكرمة: ﴿فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ هو "الشاب القوي الجلد". وقيل: يعني بالإنسان (ها) هنا (آدم) في أحسن صورة. ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ يعني: الكافر من ولده. وعن ابن عباس أن معناه أنه خلق معتدلاً مقوماً، وليس شيء من الحيوان إلا خلق منكباً على وجهه إلا الإنسان. وتقدير الكلام: لقد خلقنا الإنسان في تقويم أحسن تقويم، ثم حذف الموصوف وقامت الصفة مقامه. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ أي: إلى أرذل العمر من الكبر. [قاله] قتادة والضحاك والنخعي. وروي أنها نزلت في نفر (كبروا على عهد رسول الله ﷺ) فسفهت عقولهم، فسئل عنهم النبي ﷺ، فأنزل الله فيهم: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. أي: لهم أجرهم [الذي] عملوا قبل أن تذهب عقولهم، ومثله جار عليهم بعد ذهاب عقولهم. وقال أبو العالية: معناه: ثم رددناه إلى النار في أقبح صورة، في صورة خنزير. وهو قول مجاهد: والحسن وابن زيد. ويكون الاستثناء على هذا القول معناه: إلا الذين آمنوا فلهم الجنة. والإنسان: اسم للجنس، فلذلك وقع الاستثناء منه. ويدل على أنه بمعنى الجماعة قوله: ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ ولو أريد به الواحد لقال: "أسفل سافل". تقول: "هذا أفضل قائم"، ولا تقول: "أفضل قائمين"، لأن المشار إليه واحد. ولو قلت: "هؤلاء أفضل قائمين" حسن، لأن الأول جمع. وقال عكرمة: ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾: أرذل العمر، لكنه قال: من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر. يريد: إذا قرأه وهو كبير هرم، فلم يرد إلى أرذل العمر. واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً﴾ [النحل: ٧٠]. ومن قرأ القرآن فهو عالم بأشياء، فيكون قوله: "أسفل السافلين" على هذا القول الخاص من الناس. ولذلك، استثنى منهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فإنهم لا يردون إلى أرذل العمر وإن كبروا وهرموا. وقيل: إن قوله: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ استثناء منقطع، بدلالة حسن "أن" مع "إلا" وتقديره: إلا (أن) الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون بعد أن [يردوا] (إلى) أرذل العمر، أي: أجرهم جار عليهم على مثال أعمالهم في صحتهم. قال ابن عباس: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ﴾ الآية: هو إذا كان الرجل يعمل بطاعة الله جل وعز في شبابه كله ثم كبر حتى ذهب عقله، كتب له مثل عمله الصالح الذي كان يعمل في شبيبته، ولم يؤاخذ بشيء مما عمل في كبره وذهاب عقله من أجل أنه مؤمن كان يطيع الله في صحته وشبيبته. وقال إبراهيم: إذا بلغ المؤمن أرذل العمر، كتب له أحسن ما كان يعمل في شبابه وصحته، فهو قوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. وقال ابن عباس أيضاً: معناه: إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فإنهم تكتب لهم حسناتهم ويتجاوز عن سيئاتهم، وقال: هم الذين أدركهم الكبر. لا يؤاخذون بعمل عملوه في كبرهم وهم لا يعقلون. وروي في معنى هذا الاستثناء أن العبد إذا كان في شبابه كثير فعل الخير، ثم كبر وضعف عما كان يعمل، أجرى الله أجر ذلك العمل عليه تفضلاً منه. ومعنى: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾: غير منقطع. وقيل: معناه لا يمن بذلك عليهم. والأول أحسن. وقال عكرمة: يوفيهم الله أجرهم ولا يؤاخذهم إذا ردوا إلى أرذل العمر. وقال قتادة: معناه: أن من أدركه الكبر والهرم وكان يعمل عملاً صالحاً، كان له مثل أجره. وقال ابن عباس: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾: غير منقوص. وقال مجاهد وإبراهيم: "غير [محسوب]". وقيل: غير مقطوع. وقيل: لا يمن عليهم (به). ثم قال تعالى: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِٱلدِّينِ﴾. قال الفراء والأخفش: "ما" بمعنى "من"، والتقدير: فمن يكذبك يا محمد بالجزاء والبعث بعد هذه الحجج والبراهين والآيات؟! وهو اختيار الطبري. كأنه قال: فمن يقدر على تكذيبك - يا محمد - [بأن] الناس يدانون بأعمالهم ويجازون ويحاسبون.؟! وقيل: "ما" على بابها. والمعنى: فما شيء يكذبك أيها المكذب؟! أي: فأي شيء يحملك على التكذيب بالجزاء والبعث بعد ظهور الآيات والبراهين؟! فيكون "يكذب - على هذين القولين - لغير النبي ﷺ. وهو قول مجاهد، وغيره. وقال قتادة: عني به النبي ﷺ، وهو معنى القول الأول أنه خطاب للنبي ﷺ، ومعناه: استيقن - مع ما جاءك من الله من البيان - أني الله أحكم الحاكمين. قال ابن عباس: (معناه): أليس الله - يا محمد - بأحكم من حكم؟! قال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله عليه السلام كان إذا قرأ هذا قال: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين، ويقول "بلى" في آخر القيامة، ويقول في آخر "والمرسلات": آمنت بالله وبما أنزل. وقال بن جبير: كان يقول: "سبحانك اللهم، وبلى" في آخر "والتين".

التين 95:2

قوله: ﴿وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ﴾... إلى آخرها. قال الحسن: هو تينكم هذا الذي يؤكل، وزيتونكم الذي يعصر. وهو قول عكرمة ومجاهد، وهو اختيار الطبري. وقال كعب الأحبار: التين مسجد دمشق، والزيتون بيت المقدس. وهو قول ابن زيد. وقال قتادة: التين: الجبل الذي عليه دمشق، والزيتون: [(الجبل) الذي عليه] بيت المقدس. وعن ابن عباس أن "التين مسجد نوح، والزيتون مسجد (بيت المقدس"). وعن عكرمة أنهما جبلان بالشام. وقال محمد بن كعب: التين: مسجد أصحاب الكهف، والزيتون: مسجد) إيلياء. والتقدير على جميع هذه الأقوال: ورب التين والزيتون. * * وقوله: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾. قال قتادة: طور سينين: مسجد عيسى عليه السلام. وقال ابن عباس والحسن: هو الجبل، وهو الطور. وقال عكرمة: الطور: الجبل، و "سينين": حسن في لغة الحبشة. وقال مجاهد: هو جبل. وكذلك روي عن عمر رضي الله عنه. وعن مجاهد أن "الطور" جبل، و "سينين": مبارك حسن. وقاله قتادة: وقال: هو "جبل بالشام، مبارك حسن". ويلزم على هذا التأويل أن ينوّن طور، [لأنه لا يضاف إلى نعته]. وقيل: ﴿سِينِينَ﴾ هو قوله: "طور سيناء" أتى بلغتين. والعرب تغير الأسماء الأعجمية. والطور في اللغة جبل نو النبات، فيكون قد أضيف إلى سنين للتعريف. [وبعيد] أن يكون "سينين" نعتاً لـ "طور". وكان الأخفش يقول: "طور": الجبل، "وسينين": شجر، [واحده: سينينة]. فكأنه قال: وجبل شجر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ٱلأَمِينِ﴾. يعني: مكة، والأمين: بمعنى الأمن، أي: الأمن من أعدائه أن يحاربوا أهله (فيه) أو يغزوهم. وهو قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً﴾ [العنكبوت: ٦٧]. * * ثم قال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. هذا جواب القسم، والمعنى: لقد خلقنا الإنسان في أعدل خلق وأحسن صورة. وقيل: معناه: بلغنا به بعد خلقه استواء شبابه وقوته. وذلك أحسن ما يكون، وأعدل ما يكون، وأقوى ما يكون. وقال عكرمة: ﴿فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ هو "الشاب القوي الجلد". وقيل: يعني بالإنسان (ها) هنا (آدم) في أحسن صورة. ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ يعني: الكافر من ولده. وعن ابن عباس أن معناه أنه خلق معتدلاً مقوماً، وليس شيء من الحيوان إلا خلق منكباً على وجهه إلا الإنسان. وتقدير الكلام: لقد خلقنا الإنسان في تقويم أحسن تقويم، ثم حذف الموصوف وقامت الصفة مقامه. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ أي: إلى أرذل العمر من الكبر. [قاله] قتادة والضحاك والنخعي. وروي أنها نزلت في نفر (كبروا على عهد رسول الله ﷺ) فسفهت عقولهم، فسئل عنهم النبي ﷺ، فأنزل الله فيهم: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. أي: لهم أجرهم [الذي] عملوا قبل أن تذهب عقولهم، ومثله جار عليهم بعد ذهاب عقولهم. وقال أبو العالية: معناه: ثم رددناه إلى النار في أقبح صورة، في صورة خنزير. وهو قول مجاهد: والحسن وابن زيد. ويكون الاستثناء على هذا القول معناه: إلا الذين آمنوا فلهم الجنة. والإنسان: اسم للجنس، فلذلك وقع الاستثناء منه. ويدل على أنه بمعنى الجماعة قوله: ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ ولو أريد به الواحد لقال: "أسفل سافل". تقول: "هذا أفضل قائم"، ولا تقول: "أفضل قائمين"، لأن المشار إليه واحد. ولو قلت: "هؤلاء أفضل قائمين" حسن، لأن الأول جمع. وقال عكرمة: ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾: أرذل العمر، لكنه قال: من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر. يريد: إذا قرأه وهو كبير هرم، فلم يرد إلى أرذل العمر. واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً﴾ [النحل: ٧٠]. ومن قرأ القرآن فهو عالم بأشياء، فيكون قوله: "أسفل السافلين" على هذا القول الخاص من الناس. ولذلك، استثنى منهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فإنهم لا يردون إلى أرذل العمر وإن كبروا وهرموا. وقيل: إن قوله: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ استثناء منقطع، بدلالة حسن "أن" مع "إلا" وتقديره: إلا (أن) الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون بعد أن [يردوا] (إلى) أرذل العمر، أي: أجرهم جار عليهم على مثال أعمالهم في صحتهم. قال ابن عباس: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ﴾ الآية: هو إذا كان الرجل يعمل بطاعة الله جل وعز في شبابه كله ثم كبر حتى ذهب عقله، كتب له مثل عمله الصالح الذي كان يعمل في شبيبته، ولم يؤاخذ بشيء مما عمل في كبره وذهاب عقله من أجل أنه مؤمن كان يطيع الله في صحته وشبيبته. وقال إبراهيم: إذا بلغ المؤمن أرذل العمر، كتب له أحسن ما كان يعمل في شبابه وصحته، فهو قوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. وقال ابن عباس أيضاً: معناه: إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فإنهم تكتب لهم حسناتهم ويتجاوز عن سيئاتهم، وقال: هم الذين أدركهم الكبر. لا يؤاخذون بعمل عملوه في كبرهم وهم لا يعقلون. وروي في معنى هذا الاستثناء أن العبد إذا كان في شبابه كثير فعل الخير، ثم كبر وضعف عما كان يعمل، أجرى الله أجر ذلك العمل عليه تفضلاً منه. ومعنى: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾: غير منقطع. وقيل: معناه لا يمن بذلك عليهم. والأول أحسن. وقال عكرمة: يوفيهم الله أجرهم ولا يؤاخذهم إذا ردوا إلى أرذل العمر. وقال قتادة: معناه: أن من أدركه الكبر والهرم وكان يعمل عملاً صالحاً، كان له مثل أجره. وقال ابن عباس: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾: غير منقوص. وقال مجاهد وإبراهيم: "غير [محسوب]". وقيل: غير مقطوع. وقيل: لا يمن عليهم (به). ثم قال تعالى: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِٱلدِّينِ﴾. قال الفراء والأخفش: "ما" بمعنى "من"، والتقدير: فمن يكذبك يا محمد بالجزاء والبعث بعد هذه الحجج والبراهين والآيات؟! وهو اختيار الطبري. كأنه قال: فمن يقدر على تكذيبك - يا محمد - [بأن] الناس يدانون بأعمالهم ويجازون ويحاسبون.؟! وقيل: "ما" على بابها. والمعنى: فما شيء يكذبك أيها المكذب؟! أي: فأي شيء يحملك على التكذيب بالجزاء والبعث بعد ظهور الآيات والبراهين؟! فيكون "يكذب - على هذين القولين - لغير النبي ﷺ. وهو قول مجاهد، وغيره. وقال قتادة: عني به النبي ﷺ، وهو معنى القول الأول أنه خطاب للنبي ﷺ، ومعناه: استيقن - مع ما جاءك من الله من البيان - أني الله أحكم الحاكمين. قال ابن عباس: (معناه): أليس الله - يا محمد - بأحكم من حكم؟! قال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله عليه السلام كان إذا قرأ هذا قال: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين، ويقول "بلى" في آخر القيامة، ويقول في آخر "والمرسلات": آمنت بالله وبما أنزل. وقال بن جبير: كان يقول: "سبحانك اللهم، وبلى" في آخر "والتين".

التين 95:3

قوله: ﴿وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ﴾... إلى آخرها. قال الحسن: هو تينكم هذا الذي يؤكل، وزيتونكم الذي يعصر. وهو قول عكرمة ومجاهد، وهو اختيار الطبري. وقال كعب الأحبار: التين مسجد دمشق، والزيتون بيت المقدس. وهو قول ابن زيد. وقال قتادة: التين: الجبل الذي عليه دمشق، والزيتون: [(الجبل) الذي عليه] بيت المقدس. وعن ابن عباس أن "التين مسجد نوح، والزيتون مسجد (بيت المقدس"). وعن عكرمة أنهما جبلان بالشام. وقال محمد بن كعب: التين: مسجد أصحاب الكهف، والزيتون: مسجد) إيلياء. والتقدير على جميع هذه الأقوال: ورب التين والزيتون. * * وقوله: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾. قال قتادة: طور سينين: مسجد عيسى عليه السلام. وقال ابن عباس والحسن: هو الجبل، وهو الطور. وقال عكرمة: الطور: الجبل، و "سينين": حسن في لغة الحبشة. وقال مجاهد: هو جبل. وكذلك روي عن عمر رضي الله عنه. وعن مجاهد أن "الطور" جبل، و "سينين": مبارك حسن. وقاله قتادة: وقال: هو "جبل بالشام، مبارك حسن". ويلزم على هذا التأويل أن ينوّن طور، [لأنه لا يضاف إلى نعته]. وقيل: ﴿سِينِينَ﴾ هو قوله: "طور سيناء" أتى بلغتين. والعرب تغير الأسماء الأعجمية. والطور في اللغة جبل نو النبات، فيكون قد أضيف إلى سنين للتعريف. [وبعيد] أن يكون "سينين" نعتاً لـ "طور". وكان الأخفش يقول: "طور": الجبل، "وسينين": شجر، [واحده: سينينة]. فكأنه قال: وجبل شجر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ٱلأَمِينِ﴾. يعني: مكة، والأمين: بمعنى الأمن، أي: الأمن من أعدائه أن يحاربوا أهله (فيه) أو يغزوهم. وهو قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً﴾ [العنكبوت: ٦٧]. * * ثم قال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. هذا جواب القسم، والمعنى: لقد خلقنا الإنسان في أعدل خلق وأحسن صورة. وقيل: معناه: بلغنا به بعد خلقه استواء شبابه وقوته. وذلك أحسن ما يكون، وأعدل ما يكون، وأقوى ما يكون. وقال عكرمة: ﴿فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ هو "الشاب القوي الجلد". وقيل: يعني بالإنسان (ها) هنا (آدم) في أحسن صورة. ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ يعني: الكافر من ولده. وعن ابن عباس أن معناه أنه خلق معتدلاً مقوماً، وليس شيء من الحيوان إلا خلق منكباً على وجهه إلا الإنسان. وتقدير الكلام: لقد خلقنا الإنسان في تقويم أحسن تقويم، ثم حذف الموصوف وقامت الصفة مقامه. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ أي: إلى أرذل العمر من الكبر. [قاله] قتادة والضحاك والنخعي. وروي أنها نزلت في نفر (كبروا على عهد رسول الله ﷺ) فسفهت عقولهم، فسئل عنهم النبي ﷺ، فأنزل الله فيهم: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. أي: لهم أجرهم [الذي] عملوا قبل أن تذهب عقولهم، ومثله جار عليهم بعد ذهاب عقولهم. وقال أبو العالية: معناه: ثم رددناه إلى النار في أقبح صورة، في صورة خنزير. وهو قول مجاهد: والحسن وابن زيد. ويكون الاستثناء على هذا القول معناه: إلا الذين آمنوا فلهم الجنة. والإنسان: اسم للجنس، فلذلك وقع الاستثناء منه. ويدل على أنه بمعنى الجماعة قوله: ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ ولو أريد به الواحد لقال: "أسفل سافل". تقول: "هذا أفضل قائم"، ولا تقول: "أفضل قائمين"، لأن المشار إليه واحد. ولو قلت: "هؤلاء أفضل قائمين" حسن، لأن الأول جمع. وقال عكرمة: ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾: أرذل العمر، لكنه قال: من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر. يريد: إذا قرأه وهو كبير هرم، فلم يرد إلى أرذل العمر. واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً﴾ [النحل: ٧٠]. ومن قرأ القرآن فهو عالم بأشياء، فيكون قوله: "أسفل السافلين" على هذا القول الخاص من الناس. ولذلك، استثنى منهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فإنهم لا يردون إلى أرذل العمر وإن كبروا وهرموا. وقيل: إن قوله: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ استثناء منقطع، بدلالة حسن "أن" مع "إلا" وتقديره: إلا (أن) الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون بعد أن [يردوا] (إلى) أرذل العمر، أي: أجرهم جار عليهم على مثال أعمالهم في صحتهم. قال ابن عباس: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ﴾ الآية: هو إذا كان الرجل يعمل بطاعة الله جل وعز في شبابه كله ثم كبر حتى ذهب عقله، كتب له مثل عمله الصالح الذي كان يعمل في شبيبته، ولم يؤاخذ بشيء مما عمل في كبره وذهاب عقله من أجل أنه مؤمن كان يطيع الله في صحته وشبيبته. وقال إبراهيم: إذا بلغ المؤمن أرذل العمر، كتب له أحسن ما كان يعمل في شبابه وصحته، فهو قوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. وقال ابن عباس أيضاً: معناه: إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فإنهم تكتب لهم حسناتهم ويتجاوز عن سيئاتهم، وقال: هم الذين أدركهم الكبر. لا يؤاخذون بعمل عملوه في كبرهم وهم لا يعقلون. وروي في معنى هذا الاستثناء أن العبد إذا كان في شبابه كثير فعل الخير، ثم كبر وضعف عما كان يعمل، أجرى الله أجر ذلك العمل عليه تفضلاً منه. ومعنى: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾: غير منقطع. وقيل: معناه لا يمن بذلك عليهم. والأول أحسن. وقال عكرمة: يوفيهم الله أجرهم ولا يؤاخذهم إذا ردوا إلى أرذل العمر. وقال قتادة: معناه: أن من أدركه الكبر والهرم وكان يعمل عملاً صالحاً، كان له مثل أجره. وقال ابن عباس: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾: غير منقوص. وقال مجاهد وإبراهيم: "غير [محسوب]". وقيل: غير مقطوع. وقيل: لا يمن عليهم (به). ثم قال تعالى: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِٱلدِّينِ﴾. قال الفراء والأخفش: "ما" بمعنى "من"، والتقدير: فمن يكذبك يا محمد بالجزاء والبعث بعد هذه الحجج والبراهين والآيات؟! وهو اختيار الطبري. كأنه قال: فمن يقدر على تكذيبك - يا محمد - [بأن] الناس يدانون بأعمالهم ويجازون ويحاسبون.؟! وقيل: "ما" على بابها. والمعنى: فما شيء يكذبك أيها المكذب؟! أي: فأي شيء يحملك على التكذيب بالجزاء والبعث بعد ظهور الآيات والبراهين؟! فيكون "يكذب - على هذين القولين - لغير النبي ﷺ. وهو قول مجاهد، وغيره. وقال قتادة: عني به النبي ﷺ، وهو معنى القول الأول أنه خطاب للنبي ﷺ، ومعناه: استيقن - مع ما جاءك من الله من البيان - أني الله أحكم الحاكمين. قال ابن عباس: (معناه): أليس الله - يا محمد - بأحكم من حكم؟! قال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله عليه السلام كان إذا قرأ هذا قال: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين، ويقول "بلى" في آخر القيامة، ويقول في آخر "والمرسلات": آمنت بالله وبما أنزل. وقال بن جبير: كان يقول: "سبحانك اللهم، وبلى" في آخر "والتين".

التين 95:4

قوله: ﴿وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ﴾... إلى آخرها. قال الحسن: هو تينكم هذا الذي يؤكل، وزيتونكم الذي يعصر. وهو قول عكرمة ومجاهد، وهو اختيار الطبري. وقال كعب الأحبار: التين مسجد دمشق، والزيتون بيت المقدس. وهو قول ابن زيد. وقال قتادة: التين: الجبل الذي عليه دمشق، والزيتون: [(الجبل) الذي عليه] بيت المقدس. وعن ابن عباس أن "التين مسجد نوح، والزيتون مسجد (بيت المقدس"). وعن عكرمة أنهما جبلان بالشام. وقال محمد بن كعب: التين: مسجد أصحاب الكهف، والزيتون: مسجد) إيلياء. والتقدير على جميع هذه الأقوال: ورب التين والزيتون. * * وقوله: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾. قال قتادة: طور سينين: مسجد عيسى عليه السلام. وقال ابن عباس والحسن: هو الجبل، وهو الطور. وقال عكرمة: الطور: الجبل، و "سينين": حسن في لغة الحبشة. وقال مجاهد: هو جبل. وكذلك روي عن عمر رضي الله عنه. وعن مجاهد أن "الطور" جبل، و "سينين": مبارك حسن. وقاله قتادة: وقال: هو "جبل بالشام، مبارك حسن". ويلزم على هذا التأويل أن ينوّن طور، [لأنه لا يضاف إلى نعته]. وقيل: ﴿سِينِينَ﴾ هو قوله: "طور سيناء" أتى بلغتين. والعرب تغير الأسماء الأعجمية. والطور في اللغة جبل نو النبات، فيكون قد أضيف إلى سنين للتعريف. [وبعيد] أن يكون "سينين" نعتاً لـ "طور". وكان الأخفش يقول: "طور": الجبل، "وسينين": شجر، [واحده: سينينة]. فكأنه قال: وجبل شجر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ٱلأَمِينِ﴾. يعني: مكة، والأمين: بمعنى الأمن، أي: الأمن من أعدائه أن يحاربوا أهله (فيه) أو يغزوهم. وهو قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً﴾ [العنكبوت: ٦٧]. * * ثم قال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. هذا جواب القسم، والمعنى: لقد خلقنا الإنسان في أعدل خلق وأحسن صورة. وقيل: معناه: بلغنا به بعد خلقه استواء شبابه وقوته. وذلك أحسن ما يكون، وأعدل ما يكون، وأقوى ما يكون. وقال عكرمة: ﴿فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ هو "الشاب القوي الجلد". وقيل: يعني بالإنسان (ها) هنا (آدم) في أحسن صورة. ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ يعني: الكافر من ولده. وعن ابن عباس أن معناه أنه خلق معتدلاً مقوماً، وليس شيء من الحيوان إلا خلق منكباً على وجهه إلا الإنسان. وتقدير الكلام: لقد خلقنا الإنسان في تقويم أحسن تقويم، ثم حذف الموصوف وقامت الصفة مقامه. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ أي: إلى أرذل العمر من الكبر. [قاله] قتادة والضحاك والنخعي. وروي أنها نزلت في نفر (كبروا على عهد رسول الله ﷺ) فسفهت عقولهم، فسئل عنهم النبي ﷺ، فأنزل الله فيهم: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. أي: لهم أجرهم [الذي] عملوا قبل أن تذهب عقولهم، ومثله جار عليهم بعد ذهاب عقولهم. وقال أبو العالية: معناه: ثم رددناه إلى النار في أقبح صورة، في صورة خنزير. وهو قول مجاهد: والحسن وابن زيد. ويكون الاستثناء على هذا القول معناه: إلا الذين آمنوا فلهم الجنة. والإنسان: اسم للجنس، فلذلك وقع الاستثناء منه. ويدل على أنه بمعنى الجماعة قوله: ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ ولو أريد به الواحد لقال: "أسفل سافل". تقول: "هذا أفضل قائم"، ولا تقول: "أفضل قائمين"، لأن المشار إليه واحد. ولو قلت: "هؤلاء أفضل قائمين" حسن، لأن الأول جمع. وقال عكرمة: ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾: أرذل العمر، لكنه قال: من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر. يريد: إذا قرأه وهو كبير هرم، فلم يرد إلى أرذل العمر. واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً﴾ [النحل: ٧٠]. ومن قرأ القرآن فهو عالم بأشياء، فيكون قوله: "أسفل السافلين" على هذا القول الخاص من الناس. ولذلك، استثنى منهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فإنهم لا يردون إلى أرذل العمر وإن كبروا وهرموا. وقيل: إن قوله: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ استثناء منقطع، بدلالة حسن "أن" مع "إلا" وتقديره: إلا (أن) الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون بعد أن [يردوا] (إلى) أرذل العمر، أي: أجرهم جار عليهم على مثال أعمالهم في صحتهم. قال ابن عباس: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ﴾ الآية: هو إذا كان الرجل يعمل بطاعة الله جل وعز في شبابه كله ثم كبر حتى ذهب عقله، كتب له مثل عمله الصالح الذي كان يعمل في شبيبته، ولم يؤاخذ بشيء مما عمل في كبره وذهاب عقله من أجل أنه مؤمن كان يطيع الله في صحته وشبيبته. وقال إبراهيم: إذا بلغ المؤمن أرذل العمر، كتب له أحسن ما كان يعمل في شبابه وصحته، فهو قوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. وقال ابن عباس أيضاً: معناه: إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فإنهم تكتب لهم حسناتهم ويتجاوز عن سيئاتهم، وقال: هم الذين أدركهم الكبر. لا يؤاخذون بعمل عملوه في كبرهم وهم لا يعقلون. وروي في معنى هذا الاستثناء أن العبد إذا كان في شبابه كثير فعل الخير، ثم كبر وضعف عما كان يعمل، أجرى الله أجر ذلك العمل عليه تفضلاً منه. ومعنى: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾: غير منقطع. وقيل: معناه لا يمن بذلك عليهم. والأول أحسن. وقال عكرمة: يوفيهم الله أجرهم ولا يؤاخذهم إذا ردوا إلى أرذل العمر. وقال قتادة: معناه: أن من أدركه الكبر والهرم وكان يعمل عملاً صالحاً، كان له مثل أجره. وقال ابن عباس: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾: غير منقوص. وقال مجاهد وإبراهيم: "غير [محسوب]". وقيل: غير مقطوع. وقيل: لا يمن عليهم (به). ثم قال تعالى: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِٱلدِّينِ﴾. قال الفراء والأخفش: "ما" بمعنى "من"، والتقدير: فمن يكذبك يا محمد بالجزاء والبعث بعد هذه الحجج والبراهين والآيات؟! وهو اختيار الطبري. كأنه قال: فمن يقدر على تكذيبك - يا محمد - [بأن] الناس يدانون بأعمالهم ويجازون ويحاسبون.؟! وقيل: "ما" على بابها. والمعنى: فما شيء يكذبك أيها المكذب؟! أي: فأي شيء يحملك على التكذيب بالجزاء والبعث بعد ظهور الآيات والبراهين؟! فيكون "يكذب - على هذين القولين - لغير النبي ﷺ. وهو قول مجاهد، وغيره. وقال قتادة: عني به النبي ﷺ، وهو معنى القول الأول أنه خطاب للنبي ﷺ، ومعناه: استيقن - مع ما جاءك من الله من البيان - أني الله أحكم الحاكمين. قال ابن عباس: (معناه): أليس الله - يا محمد - بأحكم من حكم؟! قال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله عليه السلام كان إذا قرأ هذا قال: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين، ويقول "بلى" في آخر القيامة، ويقول في آخر "والمرسلات": آمنت بالله وبما أنزل. وقال بن جبير: كان يقول: "سبحانك اللهم، وبلى" في آخر "والتين".

التين 95:5

قوله: ﴿وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ﴾... إلى آخرها. قال الحسن: هو تينكم هذا الذي يؤكل، وزيتونكم الذي يعصر. وهو قول عكرمة ومجاهد، وهو اختيار الطبري. وقال كعب الأحبار: التين مسجد دمشق، والزيتون بيت المقدس. وهو قول ابن زيد. وقال قتادة: التين: الجبل الذي عليه دمشق، والزيتون: [(الجبل) الذي عليه] بيت المقدس. وعن ابن عباس أن "التين مسجد نوح، والزيتون مسجد (بيت المقدس"). وعن عكرمة أنهما جبلان بالشام. وقال محمد بن كعب: التين: مسجد أصحاب الكهف، والزيتون: مسجد) إيلياء. والتقدير على جميع هذه الأقوال: ورب التين والزيتون. * * وقوله: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾. قال قتادة: طور سينين: مسجد عيسى عليه السلام. وقال ابن عباس والحسن: هو الجبل، وهو الطور. وقال عكرمة: الطور: الجبل، و "سينين": حسن في لغة الحبشة. وقال مجاهد: هو جبل. وكذلك روي عن عمر رضي الله عنه. وعن مجاهد أن "الطور" جبل، و "سينين": مبارك حسن. وقاله قتادة: وقال: هو "جبل بالشام، مبارك حسن". ويلزم على هذا التأويل أن ينوّن طور، [لأنه لا يضاف إلى نعته]. وقيل: ﴿سِينِينَ﴾ هو قوله: "طور سيناء" أتى بلغتين. والعرب تغير الأسماء الأعجمية. والطور في اللغة جبل نو النبات، فيكون قد أضيف إلى سنين للتعريف. [وبعيد] أن يكون "سينين" نعتاً لـ "طور". وكان الأخفش يقول: "طور": الجبل، "وسينين": شجر، [واحده: سينينة]. فكأنه قال: وجبل شجر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ٱلأَمِينِ﴾. يعني: مكة، والأمين: بمعنى الأمن، أي: الأمن من أعدائه أن يحاربوا أهله (فيه) أو يغزوهم. وهو قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً﴾ [العنكبوت: ٦٧]. * * ثم قال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. هذا جواب القسم، والمعنى: لقد خلقنا الإنسان في أعدل خلق وأحسن صورة. وقيل: معناه: بلغنا به بعد خلقه استواء شبابه وقوته. وذلك أحسن ما يكون، وأعدل ما يكون، وأقوى ما يكون. وقال عكرمة: ﴿فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ هو "الشاب القوي الجلد". وقيل: يعني بالإنسان (ها) هنا (آدم) في أحسن صورة. ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ يعني: الكافر من ولده. وعن ابن عباس أن معناه أنه خلق معتدلاً مقوماً، وليس شيء من الحيوان إلا خلق منكباً على وجهه إلا الإنسان. وتقدير الكلام: لقد خلقنا الإنسان في تقويم أحسن تقويم، ثم حذف الموصوف وقامت الصفة مقامه. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ أي: إلى أرذل العمر من الكبر. [قاله] قتادة والضحاك والنخعي. وروي أنها نزلت في نفر (كبروا على عهد رسول الله ﷺ) فسفهت عقولهم، فسئل عنهم النبي ﷺ، فأنزل الله فيهم: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. أي: لهم أجرهم [الذي] عملوا قبل أن تذهب عقولهم، ومثله جار عليهم بعد ذهاب عقولهم. وقال أبو العالية: معناه: ثم رددناه إلى النار في أقبح صورة، في صورة خنزير. وهو قول مجاهد: والحسن وابن زيد. ويكون الاستثناء على هذا القول معناه: إلا الذين آمنوا فلهم الجنة. والإنسان: اسم للجنس، فلذلك وقع الاستثناء منه. ويدل على أنه بمعنى الجماعة قوله: ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ ولو أريد به الواحد لقال: "أسفل سافل". تقول: "هذا أفضل قائم"، ولا تقول: "أفضل قائمين"، لأن المشار إليه واحد. ولو قلت: "هؤلاء أفضل قائمين" حسن، لأن الأول جمع. وقال عكرمة: ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾: أرذل العمر، لكنه قال: من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر. يريد: إذا قرأه وهو كبير هرم، فلم يرد إلى أرذل العمر. واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً﴾ [النحل: ٧٠]. ومن قرأ القرآن فهو عالم بأشياء، فيكون قوله: "أسفل السافلين" على هذا القول الخاص من الناس. ولذلك، استثنى منهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فإنهم لا يردون إلى أرذل العمر وإن كبروا وهرموا. وقيل: إن قوله: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ استثناء منقطع، بدلالة حسن "أن" مع "إلا" وتقديره: إلا (أن) الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون بعد أن [يردوا] (إلى) أرذل العمر، أي: أجرهم جار عليهم على مثال أعمالهم في صحتهم. قال ابن عباس: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ﴾ الآية: هو إذا كان الرجل يعمل بطاعة الله جل وعز في شبابه كله ثم كبر حتى ذهب عقله، كتب له مثل عمله الصالح الذي كان يعمل في شبيبته، ولم يؤاخذ بشيء مما عمل في كبره وذهاب عقله من أجل أنه مؤمن كان يطيع الله في صحته وشبيبته. وقال إبراهيم: إذا بلغ المؤمن أرذل العمر، كتب له أحسن ما كان يعمل في شبابه وصحته، فهو قوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. وقال ابن عباس أيضاً: معناه: إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فإنهم تكتب لهم حسناتهم ويتجاوز عن سيئاتهم، وقال: هم الذين أدركهم الكبر. لا يؤاخذون بعمل عملوه في كبرهم وهم لا يعقلون. وروي في معنى هذا الاستثناء أن العبد إذا كان في شبابه كثير فعل الخير، ثم كبر وضعف عما كان يعمل، أجرى الله أجر ذلك العمل عليه تفضلاً منه. ومعنى: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾: غير منقطع. وقيل: معناه لا يمن بذلك عليهم. والأول أحسن. وقال عكرمة: يوفيهم الله أجرهم ولا يؤاخذهم إذا ردوا إلى أرذل العمر. وقال قتادة: معناه: أن من أدركه الكبر والهرم وكان يعمل عملاً صالحاً، كان له مثل أجره. وقال ابن عباس: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾: غير منقوص. وقال مجاهد وإبراهيم: "غير [محسوب]". وقيل: غير مقطوع. وقيل: لا يمن عليهم (به). ثم قال تعالى: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِٱلدِّينِ﴾. قال الفراء والأخفش: "ما" بمعنى "من"، والتقدير: فمن يكذبك يا محمد بالجزاء والبعث بعد هذه الحجج والبراهين والآيات؟! وهو اختيار الطبري. كأنه قال: فمن يقدر على تكذيبك - يا محمد - [بأن] الناس يدانون بأعمالهم ويجازون ويحاسبون.؟! وقيل: "ما" على بابها. والمعنى: فما شيء يكذبك أيها المكذب؟! أي: فأي شيء يحملك على التكذيب بالجزاء والبعث بعد ظهور الآيات والبراهين؟! فيكون "يكذب - على هذين القولين - لغير النبي ﷺ. وهو قول مجاهد، وغيره. وقال قتادة: عني به النبي ﷺ، وهو معنى القول الأول أنه خطاب للنبي ﷺ، ومعناه: استيقن - مع ما جاءك من الله من البيان - أني الله أحكم الحاكمين. قال ابن عباس: (معناه): أليس الله - يا محمد - بأحكم من حكم؟! قال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله عليه السلام كان إذا قرأ هذا قال: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين، ويقول "بلى" في آخر القيامة، ويقول في آخر "والمرسلات": آمنت بالله وبما أنزل. وقال بن جبير: كان يقول: "سبحانك اللهم، وبلى" في آخر "والتين".

التين 95:6

قوله: ﴿وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ﴾... إلى آخرها. قال الحسن: هو تينكم هذا الذي يؤكل، وزيتونكم الذي يعصر. وهو قول عكرمة ومجاهد، وهو اختيار الطبري. وقال كعب الأحبار: التين مسجد دمشق، والزيتون بيت المقدس. وهو قول ابن زيد. وقال قتادة: التين: الجبل الذي عليه دمشق، والزيتون: [(الجبل) الذي عليه] بيت المقدس. وعن ابن عباس أن "التين مسجد نوح، والزيتون مسجد (بيت المقدس"). وعن عكرمة أنهما جبلان بالشام. وقال محمد بن كعب: التين: مسجد أصحاب الكهف، والزيتون: مسجد) إيلياء. والتقدير على جميع هذه الأقوال: ورب التين والزيتون. * * وقوله: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾. قال قتادة: طور سينين: مسجد عيسى عليه السلام. وقال ابن عباس والحسن: هو الجبل، وهو الطور. وقال عكرمة: الطور: الجبل، و "سينين": حسن في لغة الحبشة. وقال مجاهد: هو جبل. وكذلك روي عن عمر رضي الله عنه. وعن مجاهد أن "الطور" جبل، و "سينين": مبارك حسن. وقاله قتادة: وقال: هو "جبل بالشام، مبارك حسن". ويلزم على هذا التأويل أن ينوّن طور، [لأنه لا يضاف إلى نعته]. وقيل: ﴿سِينِينَ﴾ هو قوله: "طور سيناء" أتى بلغتين. والعرب تغير الأسماء الأعجمية. والطور في اللغة جبل نو النبات، فيكون قد أضيف إلى سنين للتعريف. [وبعيد] أن يكون "سينين" نعتاً لـ "طور". وكان الأخفش يقول: "طور": الجبل، "وسينين": شجر، [واحده: سينينة]. فكأنه قال: وجبل شجر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ٱلأَمِينِ﴾. يعني: مكة، والأمين: بمعنى الأمن، أي: الأمن من أعدائه أن يحاربوا أهله (فيه) أو يغزوهم. وهو قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً﴾ [العنكبوت: ٦٧]. * * ثم قال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. هذا جواب القسم، والمعنى: لقد خلقنا الإنسان في أعدل خلق وأحسن صورة. وقيل: معناه: بلغنا به بعد خلقه استواء شبابه وقوته. وذلك أحسن ما يكون، وأعدل ما يكون، وأقوى ما يكون. وقال عكرمة: ﴿فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ هو "الشاب القوي الجلد". وقيل: يعني بالإنسان (ها) هنا (آدم) في أحسن صورة. ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ يعني: الكافر من ولده. وعن ابن عباس أن معناه أنه خلق معتدلاً مقوماً، وليس شيء من الحيوان إلا خلق منكباً على وجهه إلا الإنسان. وتقدير الكلام: لقد خلقنا الإنسان في تقويم أحسن تقويم، ثم حذف الموصوف وقامت الصفة مقامه. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ أي: إلى أرذل العمر من الكبر. [قاله] قتادة والضحاك والنخعي. وروي أنها نزلت في نفر (كبروا على عهد رسول الله ﷺ) فسفهت عقولهم، فسئل عنهم النبي ﷺ، فأنزل الله فيهم: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. أي: لهم أجرهم [الذي] عملوا قبل أن تذهب عقولهم، ومثله جار عليهم بعد ذهاب عقولهم. وقال أبو العالية: معناه: ثم رددناه إلى النار في أقبح صورة، في صورة خنزير. وهو قول مجاهد: والحسن وابن زيد. ويكون الاستثناء على هذا القول معناه: إلا الذين آمنوا فلهم الجنة. والإنسان: اسم للجنس، فلذلك وقع الاستثناء منه. ويدل على أنه بمعنى الجماعة قوله: ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ ولو أريد به الواحد لقال: "أسفل سافل". تقول: "هذا أفضل قائم"، ولا تقول: "أفضل قائمين"، لأن المشار إليه واحد. ولو قلت: "هؤلاء أفضل قائمين" حسن، لأن الأول جمع. وقال عكرمة: ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾: أرذل العمر، لكنه قال: من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر. يريد: إذا قرأه وهو كبير هرم، فلم يرد إلى أرذل العمر. واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً﴾ [النحل: ٧٠]. ومن قرأ القرآن فهو عالم بأشياء، فيكون قوله: "أسفل السافلين" على هذا القول الخاص من الناس. ولذلك، استثنى منهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فإنهم لا يردون إلى أرذل العمر وإن كبروا وهرموا. وقيل: إن قوله: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ استثناء منقطع، بدلالة حسن "أن" مع "إلا" وتقديره: إلا (أن) الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون بعد أن [يردوا] (إلى) أرذل العمر، أي: أجرهم جار عليهم على مثال أعمالهم في صحتهم. قال ابن عباس: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ﴾ الآية: هو إذا كان الرجل يعمل بطاعة الله جل وعز في شبابه كله ثم كبر حتى ذهب عقله، كتب له مثل عمله الصالح الذي كان يعمل في شبيبته، ولم يؤاخذ بشيء مما عمل في كبره وذهاب عقله من أجل أنه مؤمن كان يطيع الله في صحته وشبيبته. وقال إبراهيم: إذا بلغ المؤمن أرذل العمر، كتب له أحسن ما كان يعمل في شبابه وصحته، فهو قوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. وقال ابن عباس أيضاً: معناه: إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فإنهم تكتب لهم حسناتهم ويتجاوز عن سيئاتهم، وقال: هم الذين أدركهم الكبر. لا يؤاخذون بعمل عملوه في كبرهم وهم لا يعقلون. وروي في معنى هذا الاستثناء أن العبد إذا كان في شبابه كثير فعل الخير، ثم كبر وضعف عما كان يعمل، أجرى الله أجر ذلك العمل عليه تفضلاً منه. ومعنى: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾: غير منقطع. وقيل: معناه لا يمن بذلك عليهم. والأول أحسن. وقال عكرمة: يوفيهم الله أجرهم ولا يؤاخذهم إذا ردوا إلى أرذل العمر. وقال قتادة: معناه: أن من أدركه الكبر والهرم وكان يعمل عملاً صالحاً، كان له مثل أجره. وقال ابن عباس: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾: غير منقوص. وقال مجاهد وإبراهيم: "غير [محسوب]". وقيل: غير مقطوع. وقيل: لا يمن عليهم (به). ثم قال تعالى: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِٱلدِّينِ﴾. قال الفراء والأخفش: "ما" بمعنى "من"، والتقدير: فمن يكذبك يا محمد بالجزاء والبعث بعد هذه الحجج والبراهين والآيات؟! وهو اختيار الطبري. كأنه قال: فمن يقدر على تكذيبك - يا محمد - [بأن] الناس يدانون بأعمالهم ويجازون ويحاسبون.؟! وقيل: "ما" على بابها. والمعنى: فما شيء يكذبك أيها المكذب؟! أي: فأي شيء يحملك على التكذيب بالجزاء والبعث بعد ظهور الآيات والبراهين؟! فيكون "يكذب - على هذين القولين - لغير النبي ﷺ. وهو قول مجاهد، وغيره. وقال قتادة: عني به النبي ﷺ، وهو معنى القول الأول أنه خطاب للنبي ﷺ، ومعناه: استيقن - مع ما جاءك من الله من البيان - أني الله أحكم الحاكمين. قال ابن عباس: (معناه): أليس الله - يا محمد - بأحكم من حكم؟! قال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله عليه السلام كان إذا قرأ هذا قال: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين، ويقول "بلى" في آخر القيامة، ويقول في آخر "والمرسلات": آمنت بالله وبما أنزل. وقال بن جبير: كان يقول: "سبحانك اللهم، وبلى" في آخر "والتين".

التين 95:7

قوله: ﴿وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ﴾... إلى آخرها. قال الحسن: هو تينكم هذا الذي يؤكل، وزيتونكم الذي يعصر. وهو قول عكرمة ومجاهد، وهو اختيار الطبري. وقال كعب الأحبار: التين مسجد دمشق، والزيتون بيت المقدس. وهو قول ابن زيد. وقال قتادة: التين: الجبل الذي عليه دمشق، والزيتون: [(الجبل) الذي عليه] بيت المقدس. وعن ابن عباس أن "التين مسجد نوح، والزيتون مسجد (بيت المقدس"). وعن عكرمة أنهما جبلان بالشام. وقال محمد بن كعب: التين: مسجد أصحاب الكهف، والزيتون: مسجد) إيلياء. والتقدير على جميع هذه الأقوال: ورب التين والزيتون. * * وقوله: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾. قال قتادة: طور سينين: مسجد عيسى عليه السلام. وقال ابن عباس والحسن: هو الجبل، وهو الطور. وقال عكرمة: الطور: الجبل، و "سينين": حسن في لغة الحبشة. وقال مجاهد: هو جبل. وكذلك روي عن عمر رضي الله عنه. وعن مجاهد أن "الطور" جبل، و "سينين": مبارك حسن. وقاله قتادة: وقال: هو "جبل بالشام، مبارك حسن". ويلزم على هذا التأويل أن ينوّن طور، [لأنه لا يضاف إلى نعته]. وقيل: ﴿سِينِينَ﴾ هو قوله: "طور سيناء" أتى بلغتين. والعرب تغير الأسماء الأعجمية. والطور في اللغة جبل نو النبات، فيكون قد أضيف إلى سنين للتعريف. [وبعيد] أن يكون "سينين" نعتاً لـ "طور". وكان الأخفش يقول: "طور": الجبل، "وسينين": شجر، [واحده: سينينة]. فكأنه قال: وجبل شجر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ٱلأَمِينِ﴾. يعني: مكة، والأمين: بمعنى الأمن، أي: الأمن من أعدائه أن يحاربوا أهله (فيه) أو يغزوهم. وهو قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً﴾ [العنكبوت: ٦٧]. * * ثم قال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. هذا جواب القسم، والمعنى: لقد خلقنا الإنسان في أعدل خلق وأحسن صورة. وقيل: معناه: بلغنا به بعد خلقه استواء شبابه وقوته. وذلك أحسن ما يكون، وأعدل ما يكون، وأقوى ما يكون. وقال عكرمة: ﴿فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ هو "الشاب القوي الجلد". وقيل: يعني بالإنسان (ها) هنا (آدم) في أحسن صورة. ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ يعني: الكافر من ولده. وعن ابن عباس أن معناه أنه خلق معتدلاً مقوماً، وليس شيء من الحيوان إلا خلق منكباً على وجهه إلا الإنسان. وتقدير الكلام: لقد خلقنا الإنسان في تقويم أحسن تقويم، ثم حذف الموصوف وقامت الصفة مقامه. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ أي: إلى أرذل العمر من الكبر. [قاله] قتادة والضحاك والنخعي. وروي أنها نزلت في نفر (كبروا على عهد رسول الله ﷺ) فسفهت عقولهم، فسئل عنهم النبي ﷺ، فأنزل الله فيهم: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. أي: لهم أجرهم [الذي] عملوا قبل أن تذهب عقولهم، ومثله جار عليهم بعد ذهاب عقولهم. وقال أبو العالية: معناه: ثم رددناه إلى النار في أقبح صورة، في صورة خنزير. وهو قول مجاهد: والحسن وابن زيد. ويكون الاستثناء على هذا القول معناه: إلا الذين آمنوا فلهم الجنة. والإنسان: اسم للجنس، فلذلك وقع الاستثناء منه. ويدل على أنه بمعنى الجماعة قوله: ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ ولو أريد به الواحد لقال: "أسفل سافل". تقول: "هذا أفضل قائم"، ولا تقول: "أفضل قائمين"، لأن المشار إليه واحد. ولو قلت: "هؤلاء أفضل قائمين" حسن، لأن الأول جمع. وقال عكرمة: ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾: أرذل العمر، لكنه قال: من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر. يريد: إذا قرأه وهو كبير هرم، فلم يرد إلى أرذل العمر. واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً﴾ [النحل: ٧٠]. ومن قرأ القرآن فهو عالم بأشياء، فيكون قوله: "أسفل السافلين" على هذا القول الخاص من الناس. ولذلك، استثنى منهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فإنهم لا يردون إلى أرذل العمر وإن كبروا وهرموا. وقيل: إن قوله: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ استثناء منقطع، بدلالة حسن "أن" مع "إلا" وتقديره: إلا (أن) الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون بعد أن [يردوا] (إلى) أرذل العمر، أي: أجرهم جار عليهم على مثال أعمالهم في صحتهم. قال ابن عباس: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ﴾ الآية: هو إذا كان الرجل يعمل بطاعة الله جل وعز في شبابه كله ثم كبر حتى ذهب عقله، كتب له مثل عمله الصالح الذي كان يعمل في شبيبته، ولم يؤاخذ بشيء مما عمل في كبره وذهاب عقله من أجل أنه مؤمن كان يطيع الله في صحته وشبيبته. وقال إبراهيم: إذا بلغ المؤمن أرذل العمر، كتب له أحسن ما كان يعمل في شبابه وصحته، فهو قوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. وقال ابن عباس أيضاً: معناه: إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فإنهم تكتب لهم حسناتهم ويتجاوز عن سيئاتهم، وقال: هم الذين أدركهم الكبر. لا يؤاخذون بعمل عملوه في كبرهم وهم لا يعقلون. وروي في معنى هذا الاستثناء أن العبد إذا كان في شبابه كثير فعل الخير، ثم كبر وضعف عما كان يعمل، أجرى الله أجر ذلك العمل عليه تفضلاً منه. ومعنى: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾: غير منقطع. وقيل: معناه لا يمن بذلك عليهم. والأول أحسن. وقال عكرمة: يوفيهم الله أجرهم ولا يؤاخذهم إذا ردوا إلى أرذل العمر. وقال قتادة: معناه: أن من أدركه الكبر والهرم وكان يعمل عملاً صالحاً، كان له مثل أجره. وقال ابن عباس: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾: غير منقوص. وقال مجاهد وإبراهيم: "غير [محسوب]". وقيل: غير مقطوع. وقيل: لا يمن عليهم (به). ثم قال تعالى: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِٱلدِّينِ﴾. قال الفراء والأخفش: "ما" بمعنى "من"، والتقدير: فمن يكذبك يا محمد بالجزاء والبعث بعد هذه الحجج والبراهين والآيات؟! وهو اختيار الطبري. كأنه قال: فمن يقدر على تكذيبك - يا محمد - [بأن] الناس يدانون بأعمالهم ويجازون ويحاسبون.؟! وقيل: "ما" على بابها. والمعنى: فما شيء يكذبك أيها المكذب؟! أي: فأي شيء يحملك على التكذيب بالجزاء والبعث بعد ظهور الآيات والبراهين؟! فيكون "يكذب - على هذين القولين - لغير النبي ﷺ. وهو قول مجاهد، وغيره. وقال قتادة: عني به النبي ﷺ، وهو معنى القول الأول أنه خطاب للنبي ﷺ، ومعناه: استيقن - مع ما جاءك من الله من البيان - أني الله أحكم الحاكمين. قال ابن عباس: (معناه): أليس الله - يا محمد - بأحكم من حكم؟! قال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله عليه السلام كان إذا قرأ هذا قال: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين، ويقول "بلى" في آخر القيامة، ويقول في آخر "والمرسلات": آمنت بالله وبما أنزل. وقال بن جبير: كان يقول: "سبحانك اللهم، وبلى" في آخر "والتين".

التين 95:8

قوله: ﴿وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ﴾... إلى آخرها. قال الحسن: هو تينكم هذا الذي يؤكل، وزيتونكم الذي يعصر. وهو قول عكرمة ومجاهد، وهو اختيار الطبري. وقال كعب الأحبار: التين مسجد دمشق، والزيتون بيت المقدس. وهو قول ابن زيد. وقال قتادة: التين: الجبل الذي عليه دمشق، والزيتون: [(الجبل) الذي عليه] بيت المقدس. وعن ابن عباس أن "التين مسجد نوح، والزيتون مسجد (بيت المقدس"). وعن عكرمة أنهما جبلان بالشام. وقال محمد بن كعب: التين: مسجد أصحاب الكهف، والزيتون: مسجد) إيلياء. والتقدير على جميع هذه الأقوال: ورب التين والزيتون. * * وقوله: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾. قال قتادة: طور سينين: مسجد عيسى عليه السلام. وقال ابن عباس والحسن: هو الجبل، وهو الطور. وقال عكرمة: الطور: الجبل، و "سينين": حسن في لغة الحبشة. وقال مجاهد: هو جبل. وكذلك روي عن عمر رضي الله عنه. وعن مجاهد أن "الطور" جبل، و "سينين": مبارك حسن. وقاله قتادة: وقال: هو "جبل بالشام، مبارك حسن". ويلزم على هذا التأويل أن ينوّن طور، [لأنه لا يضاف إلى نعته]. وقيل: ﴿سِينِينَ﴾ هو قوله: "طور سيناء" أتى بلغتين. والعرب تغير الأسماء الأعجمية. والطور في اللغة جبل نو النبات، فيكون قد أضيف إلى سنين للتعريف. [وبعيد] أن يكون "سينين" نعتاً لـ "طور". وكان الأخفش يقول: "طور": الجبل، "وسينين": شجر، [واحده: سينينة]. فكأنه قال: وجبل شجر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ٱلأَمِينِ﴾. يعني: مكة، والأمين: بمعنى الأمن، أي: الأمن من أعدائه أن يحاربوا أهله (فيه) أو يغزوهم. وهو قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً﴾ [العنكبوت: ٦٧]. * * ثم قال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. هذا جواب القسم، والمعنى: لقد خلقنا الإنسان في أعدل خلق وأحسن صورة. وقيل: معناه: بلغنا به بعد خلقه استواء شبابه وقوته. وذلك أحسن ما يكون، وأعدل ما يكون، وأقوى ما يكون. وقال عكرمة: ﴿فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ هو "الشاب القوي الجلد". وقيل: يعني بالإنسان (ها) هنا (آدم) في أحسن صورة. ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ يعني: الكافر من ولده. وعن ابن عباس أن معناه أنه خلق معتدلاً مقوماً، وليس شيء من الحيوان إلا خلق منكباً على وجهه إلا الإنسان. وتقدير الكلام: لقد خلقنا الإنسان في تقويم أحسن تقويم، ثم حذف الموصوف وقامت الصفة مقامه. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ أي: إلى أرذل العمر من الكبر. [قاله] قتادة والضحاك والنخعي. وروي أنها نزلت في نفر (كبروا على عهد رسول الله ﷺ) فسفهت عقولهم، فسئل عنهم النبي ﷺ، فأنزل الله فيهم: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. أي: لهم أجرهم [الذي] عملوا قبل أن تذهب عقولهم، ومثله جار عليهم بعد ذهاب عقولهم. وقال أبو العالية: معناه: ثم رددناه إلى النار في أقبح صورة، في صورة خنزير. وهو قول مجاهد: والحسن وابن زيد. ويكون الاستثناء على هذا القول معناه: إلا الذين آمنوا فلهم الجنة. والإنسان: اسم للجنس، فلذلك وقع الاستثناء منه. ويدل على أنه بمعنى الجماعة قوله: ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ ولو أريد به الواحد لقال: "أسفل سافل". تقول: "هذا أفضل قائم"، ولا تقول: "أفضل قائمين"، لأن المشار إليه واحد. ولو قلت: "هؤلاء أفضل قائمين" حسن، لأن الأول جمع. وقال عكرمة: ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾: أرذل العمر، لكنه قال: من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر. يريد: إذا قرأه وهو كبير هرم، فلم يرد إلى أرذل العمر. واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً﴾ [النحل: ٧٠]. ومن قرأ القرآن فهو عالم بأشياء، فيكون قوله: "أسفل السافلين" على هذا القول الخاص من الناس. ولذلك، استثنى منهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فإنهم لا يردون إلى أرذل العمر وإن كبروا وهرموا. وقيل: إن قوله: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ استثناء منقطع، بدلالة حسن "أن" مع "إلا" وتقديره: إلا (أن) الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون بعد أن [يردوا] (إلى) أرذل العمر، أي: أجرهم جار عليهم على مثال أعمالهم في صحتهم. قال ابن عباس: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ﴾ الآية: هو إذا كان الرجل يعمل بطاعة الله جل وعز في شبابه كله ثم كبر حتى ذهب عقله، كتب له مثل عمله الصالح الذي كان يعمل في شبيبته، ولم يؤاخذ بشيء مما عمل في كبره وذهاب عقله من أجل أنه مؤمن كان يطيع الله في صحته وشبيبته. وقال إبراهيم: إذا بلغ المؤمن أرذل العمر، كتب له أحسن ما كان يعمل في شبابه وصحته، فهو قوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. وقال ابن عباس أيضاً: معناه: إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فإنهم تكتب لهم حسناتهم ويتجاوز عن سيئاتهم، وقال: هم الذين أدركهم الكبر. لا يؤاخذون بعمل عملوه في كبرهم وهم لا يعقلون. وروي في معنى هذا الاستثناء أن العبد إذا كان في شبابه كثير فعل الخير، ثم كبر وضعف عما كان يعمل، أجرى الله أجر ذلك العمل عليه تفضلاً منه. ومعنى: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾: غير منقطع. وقيل: معناه لا يمن بذلك عليهم. والأول أحسن. وقال عكرمة: يوفيهم الله أجرهم ولا يؤاخذهم إذا ردوا إلى أرذل العمر. وقال قتادة: معناه: أن من أدركه الكبر والهرم وكان يعمل عملاً صالحاً، كان له مثل أجره. وقال ابن عباس: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾: غير منقوص. وقال مجاهد وإبراهيم: "غير [محسوب]". وقيل: غير مقطوع. وقيل: لا يمن عليهم (به). ثم قال تعالى: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِٱلدِّينِ﴾. قال الفراء والأخفش: "ما" بمعنى "من"، والتقدير: فمن يكذبك يا محمد بالجزاء والبعث بعد هذه الحجج والبراهين والآيات؟! وهو اختيار الطبري. كأنه قال: فمن يقدر على تكذيبك - يا محمد - [بأن] الناس يدانون بأعمالهم ويجازون ويحاسبون.؟! وقيل: "ما" على بابها. والمعنى: فما شيء يكذبك أيها المكذب؟! أي: فأي شيء يحملك على التكذيب بالجزاء والبعث بعد ظهور الآيات والبراهين؟! فيكون "يكذب - على هذين القولين - لغير النبي ﷺ. وهو قول مجاهد، وغيره. وقال قتادة: عني به النبي ﷺ، وهو معنى القول الأول أنه خطاب للنبي ﷺ، ومعناه: استيقن - مع ما جاءك من الله من البيان - أني الله أحكم الحاكمين. قال ابن عباس: (معناه): أليس الله - يا محمد - بأحكم من حكم؟! قال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله عليه السلام كان إذا قرأ هذا قال: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين، ويقول "بلى" في آخر القيامة، ويقول في آخر "والمرسلات": آمنت بالله وبما أنزل. وقال بن جبير: كان يقول: "سبحانك اللهم، وبلى" في آخر "والتين".