Tafsir Makhi — العلق 96:1 – الزلزلة 99:8
المحتويات
- العلق 96:1
- العلق 96:2
- العلق 96:3
- العلق 96:4
- العلق 96:5
- العلق 96:6
- العلق 96:7
- العلق 96:8
- العلق 96:9
- العلق 96:10
- العلق 96:11
- العلق 96:12
- العلق 96:13
- العلق 96:14
- العلق 96:15
- العلق 96:16
- العلق 96:17
- العلق 96:18
- العلق 96:19
- القدر 97:1
- القدر 97:2
- القدر 97:3
- القدر 97:4
- القدر 97:5
- البينة 98:1
- البينة 98:2
- البينة 98:3
- البينة 98:4
- البينة 98:5
- البينة 98:6
- البينة 98:7
- البينة 98:8
- الزلزلة 99:1
- الزلزلة 99:2
- الزلزلة 99:3
- الزلزلة 99:4
- الزلزلة 99:5
- الزلزلة 99:6
- الزلزلة 99:7
- الزلزلة 99:8
العلق 96:1
قوله: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى آخر السورة.
أي: اقرأ يا محمد بذكر ربك الذي خلق - ثم بين ما خلق، فقال: ﴿خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾.
أي: من الدم والمراد: من علقة. "وعلق" جمع "علقة"، فجمع: لأن الإنسان بمعنى الجماعة. ومعنى الباء اللزوم، أي: الزم القراءة بذكر ربك.
* *
ثم قال: ﴿ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ﴾ أي: الأكرم من كل شيء.
روى الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أول ما ابتدئ به رسول الله ﷺ من الوحي: الرؤيا [الصادقة]، كانت تجيء مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان بِحَراء يَتَحَنَّثُ فيه اللَّيَالي ذَواتِ العَدَدِ قبل أن يَرْجِعَ إلى أَهْلِهِ فَيَتَزَوَّدُ لمثلها حَتَّى [فَجِئَهُ] الحقَّ فَأَتَاه، فقالَ: يا مُحَمَّدُ، أنتَ رسولُ الله. قالَ رسولُ الله: فَجَثَوْتُ لِرُكْبَتَيَّ وأنا قائِمٌ ثُمَّ رَجِعْتُ يَرْجِفُ فُؤَادِي، ثُمَّ دَخَلْتُ - يريد على خديجة - فَقُلْتُ: زَمِّلُوني، زَمِّلُوني، حتى ذهب عني الروع ثم أتاني فقال: يا محمد، أنت رسول الله. (قال): فلقد هممت أن أطرح نفسي من حالق من جبل، فتبدى لي حين هممت بذلك فقال: يا محمد، أنا جبرائيل، وأنت رسول الله، ثم قال: اقرأ. قلت: ما أقرأ؟
فأخذني [فغطني] ثلاث مرات حتى بلغ مني الجهد، ثم قال: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾ فقرأت، فأتيت خديجة فقلت: لقد أشفقت على نفسي، وأخبرتها خبري، فقالت: أبشر، فوالله لا يحزنك الله أبداً. والله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتؤدي الأمانة، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتصبر على نوائب الحق. قال: ثم انطلقت بي خديجة إلى ورقة بن نفل بن أسد فقالت: اسمع من ابن أخيك. فسألني، فأخبرته خبري. فقال: هذا الناموس الذي أنزل على موسى ابن عمران. ليتني أكون فيها [جذعاً]، ليتني أكون حياً [حين] يخرجك قومك. قلت: [أمخرجي هم]؟! قال: نعم، إنه لم يجيء رجل قط بما جئت به إلا عودي. ولئن أدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً. ثم كان أول ما أنزل علي من القرآن - بعد "أقرأ" - ﴿[نۤ] وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾. حتى قرأ (إلى) ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾، (و) ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾.
﴿وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾
قال مجاهد وعطاء بن يسار وعبيد بن عمير وأبو رجاء [العطاردي]: أول ما نزل على النبي ﷺ: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾، كقول عائشة رضي الله عنها.
والرواية أنه إنما عليه من ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى قوله ﴿عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، ثم نزل باقيها بعد: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] و﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١].
* *
وقوله: ﴿ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ﴾ أي: علم خلقه الكتاب والخط.
قال قتادة: القلم نعمة من الله جل وعز عظيمة، لولا ذلك لم يتم أمر ولم يصلح عيش.
* *
ثم قال: ﴿عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ أي: علمه الخط بالقلم وغيره، ولم يكن يعلمه.
* *
ثم قال: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
قيل: "كلا" ردع ورد، ومعناها: ما هكذا ينبغي أن يكون الإنسان! [ينعم] عليه ربه بتسويته خلقه وتعليمه ما لم يكن يعلم ثم يكفر به!
ثم بين كفره من أين أتاه، فقال: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
أي: إن الإنسان إذا أحس بالغنى طغى واستكبر وكفر. فيوقف على "كلا" [على] هذا التأويل.
قال ابن مسعود: منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا.
فأما طالب العلم فيزداد خيفة. قال الله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وأما طالب الدنيا فيزداد طغيانا. قال الله: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
ويجوز أن [يكون] "كلا" بمعنى: "ألا"، فيبتدأ بها لأن المعنى الذي يكون رداً له لم يظهر لفظه في الآية، [فيبعد] أن [تكون] ردا لما (لم) ينص قبلها.
["ورأى"] هاهنا من رؤية القلب، دل على ذلك [تعدي] [الضمير] إلى المضمر، ولو كان من رؤية العين لم يجز "رآه"، والفاعل هو المفعول.
وإنما كان يقال: "رأى نفسه"، "كضرب نفسه". والمفعول الثاني ["لرأى"]: "استغنى".
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ﴾.
أي: إن إلى ربك - يا محمد - مرجع هذا الإنسان، فذائق من أليم عقابه ما لا طاقة لا به.
* *
ثم قال: ﴿أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ﴾.
روي أن هذه الآية نزلت في أبي جهل بن هشام، وذلك أنه قال: لئن رأيت [محمداً] يصلي عند المقام لأَطَأَنَّ رقبته. وكان ينهى رسول الله ﷺ أن يطي.
فالمعنى: أرأيت يا محمد أبا جهل الذي ينهاك عن الصلاة؟! يعجب نبيه من جهل أبي جهل وجرأته. هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد وقتادة.
قال قتادة: كان يقال: لكل أمة فرعون وفرعون هذه الأمة أبو جهل.
والجواب محذوف (لعلم [السامع]. فالمعنى والتقدير: أرأيت، يا محمد، الذي ينهى عبدا إذا صلى، أمصيب هو، أم هو آمن من العقوبة؟!
والمعنى عند سيبويه: أخبروني عن هذا.
* *
وقوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَىٰ ٱلْهُدَىٰ * أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ﴾.
أي: أرأيت إن كان محمد على الهدى والرشاد في صلاته لربه، أليس الناهي هالكاً ملعوناً؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ﴾.
أي: أو أمر محمد هذا الذي ينهاه عن الصلاة [بالتقوى] فلم يقبل منه، أليس هو مالكاً ملعوناً؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾.
أي: إن كذب أبو جهل بما جاء به محمد ﷺ وأعرض عنه وأدبر فلم يصدقه.
* *
﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ﴾.
[أي: ألم يعلم] أبو جهل بأن الله يراه فيما صنع من نهيه عن الصلاة وتكذيبه وإعراضه عما جاء به محمد ﷺ فيخاف أن تنزل به عقوبة من الله؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ﴾.
قيل: "كلا" رد وردع، والمعنى: لا يتهيأ لأبي جهل أن يتم له نهي النبي ﷺ عن صلاته وعبادته ربه.
وقال الطبري: المعنى: ليس الأمر كما يقول إنه يطأ عنق النبي ﷺ، أي: لا يقدر على ذلك ولا يصل إليه، فيوقف على "كلا" على تقدير التقديرين.
ويجوز أن تكون "كلا" بمعنى "حقاً". وبمعنى "ألا"، فيبتدأ بها، إذ ليس قبلها لفظ ظاهر تكون رداً له، وإنما يحسن الوقوف عليها إذا كان قبلها لفظ منصوص يحسن أن يكون رداً له. والوقف عند القتبي على "كلا"، وعند أبي حاتم: "يرى"، وهو الوجه الظاهر.
* *
وقوله: ﴿لَئِن لَّمْ يَنتَهِ﴾ تهدد ووعيد، أي: لئن لم ينته أبو جهل عن أذى محمد ﴿لَنَسْفَعاً بِٱلنَّاصِيَةِ﴾ أي: [لنأخذن] بمقدم رأسه فلنقهرنه (ولنذلنه).
يقال: سفعت بيده، إذا أخذت بها.
وقيل: معناه: لنسودن وجهه، فاكتفى بذكر الناصية من الوجه، إذا كانت الناصية في مقدم الوجه.
وقيل: معناه: لنأخذن بناصيته إلى النار، كما قال تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِي وَٱلأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: ٤١].
[واللام] في "لئن": لام توطئة للقسم، وهي من [لامات] التأكيد.
[واللام] في "لنسفعاً": لام قسم.
ومعنى "توطئة" أنها تؤذن بإتيان القسم بعدها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ أي: كاذب صاحبها خاطئ، وهي بدل من الأول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾.
أي: فليدع أبو جهل أهل مجلسه وأنصاره وعشيرته لنصرته.
روي أن النبي ﷺ [انتهر أبا] جهل لما نهاه) عن الصلاة، فقال أبو جهل: علام يتوعدني محمد وأنا أكثر أهل الوادي نادياً؟! فأنزل الله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، أي: أهل ناديه، فإن دعاهم ﴿سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ﴾ (لهم). قال ابن عباس: لو دعا ناديه لأخذته زبانية العذاب من ساعته.
قال أبو هريرة: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟
فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى، لئن رأيته يصلي كذلك لأطأن على رقبته. قال: فما [فجئهم] منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه.
قال: [فقيل له: ما لك]؟! قال: إن بيني وبينه خندقاً من نار [وهؤلاء]. قال: فقال رسول الله ﷺ: لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا.
قال ابن عباس: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، أي: "ناصره".
وقال قتادة: عشيرته.
والنادي والندي: المجلس.
والزبانية: ملائكة، وهم عند العرب الشرط، وهو مشتق من "زبنه" إذا دفعه، كأنهم يدفعون الكفار إلى النار. وواحد الزبانية عند أبي عبيدة: زبنية.
وقال عيسى بن عمر واحدهم: زابن.
وقال الأخفش: واحدهم: زباني.
وقال الكسائي: واحدهم: زبني.
قال عبد الله بن أبي الهذيل: "الزبانية: أرجلهم في الأرض ورؤوسهم في السماء".
* *
ثم قال: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ﴾.
أي: ليس الأمر على ما يقول أبو جهل في نهيه إياك يا محمد عن الصلاة وطاعة ربك، لا تطعه فيما أمرك به واسجد لربك واقترب منه بالدعاء والعمل الصالح في السجود.
وفي الحديث: "أقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجداً، (فأكثروا من الدعاء في السجود، فقمن أن يستجاب لكم
قال مجاهد: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، ألم تسمعوا إلى قوله: ﴿وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب﴾.
ويجوز أن تكون "كلا" بمعنى: "حقا"، وبمعنى: "ألا" فيبتدأ بها. وروى ابن وهب عن رجاله أن أبا جهل كان يقول: لئن رأيت محمداً يصلي لأطأن على رقبته، فأمر الله نبيه بالسجود، فقال: ﴿وَٱسْجُدْ﴾، وقال لأبي جهل: "واقترب"، على طريق التهدد، أي: اقترب من محمد إن كنت صادقا في قولك: فقيل لأبي جهل: هذا محمد يسجد، فاقترب منه! فقال: ما أستطيعه، إن بيني وبينه كالفحل، لو اقترتب منه لأهلكني.
هذه رواية ابن وهب، وفيها زيادة تفسير لما روي، وفيها بعض اختصار.
العلق 96:2
قوله: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى آخر السورة.
أي: اقرأ يا محمد بذكر ربك الذي خلق - ثم بين ما خلق، فقال: ﴿خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾.
أي: من الدم والمراد: من علقة. "وعلق" جمع "علقة"، فجمع: لأن الإنسان بمعنى الجماعة. ومعنى الباء اللزوم، أي: الزم القراءة بذكر ربك.
* *
ثم قال: ﴿ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ﴾ أي: الأكرم من كل شيء.
روى الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أول ما ابتدئ به رسول الله ﷺ من الوحي: الرؤيا [الصادقة]، كانت تجيء مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان بِحَراء يَتَحَنَّثُ فيه اللَّيَالي ذَواتِ العَدَدِ قبل أن يَرْجِعَ إلى أَهْلِهِ فَيَتَزَوَّدُ لمثلها حَتَّى [فَجِئَهُ] الحقَّ فَأَتَاه، فقالَ: يا مُحَمَّدُ، أنتَ رسولُ الله. قالَ رسولُ الله: فَجَثَوْتُ لِرُكْبَتَيَّ وأنا قائِمٌ ثُمَّ رَجِعْتُ يَرْجِفُ فُؤَادِي، ثُمَّ دَخَلْتُ - يريد على خديجة - فَقُلْتُ: زَمِّلُوني، زَمِّلُوني، حتى ذهب عني الروع ثم أتاني فقال: يا محمد، أنت رسول الله. (قال): فلقد هممت أن أطرح نفسي من حالق من جبل، فتبدى لي حين هممت بذلك فقال: يا محمد، أنا جبرائيل، وأنت رسول الله، ثم قال: اقرأ. قلت: ما أقرأ؟
فأخذني [فغطني] ثلاث مرات حتى بلغ مني الجهد، ثم قال: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾ فقرأت، فأتيت خديجة فقلت: لقد أشفقت على نفسي، وأخبرتها خبري، فقالت: أبشر، فوالله لا يحزنك الله أبداً. والله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتؤدي الأمانة، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتصبر على نوائب الحق. قال: ثم انطلقت بي خديجة إلى ورقة بن نفل بن أسد فقالت: اسمع من ابن أخيك. فسألني، فأخبرته خبري. فقال: هذا الناموس الذي أنزل على موسى ابن عمران. ليتني أكون فيها [جذعاً]، ليتني أكون حياً [حين] يخرجك قومك. قلت: [أمخرجي هم]؟! قال: نعم، إنه لم يجيء رجل قط بما جئت به إلا عودي. ولئن أدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً. ثم كان أول ما أنزل علي من القرآن - بعد "أقرأ" - ﴿[نۤ] وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾. حتى قرأ (إلى) ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾، (و) ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾.
﴿وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾
قال مجاهد وعطاء بن يسار وعبيد بن عمير وأبو رجاء [العطاردي]: أول ما نزل على النبي ﷺ: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾، كقول عائشة رضي الله عنها.
والرواية أنه إنما عليه من ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى قوله ﴿عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، ثم نزل باقيها بعد: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] و﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١].
* *
وقوله: ﴿ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ﴾ أي: علم خلقه الكتاب والخط.
قال قتادة: القلم نعمة من الله جل وعز عظيمة، لولا ذلك لم يتم أمر ولم يصلح عيش.
* *
ثم قال: ﴿عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ أي: علمه الخط بالقلم وغيره، ولم يكن يعلمه.
* *
ثم قال: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
قيل: "كلا" ردع ورد، ومعناها: ما هكذا ينبغي أن يكون الإنسان! [ينعم] عليه ربه بتسويته خلقه وتعليمه ما لم يكن يعلم ثم يكفر به!
ثم بين كفره من أين أتاه، فقال: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
أي: إن الإنسان إذا أحس بالغنى طغى واستكبر وكفر. فيوقف على "كلا" [على] هذا التأويل.
قال ابن مسعود: منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا.
فأما طالب العلم فيزداد خيفة. قال الله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وأما طالب الدنيا فيزداد طغيانا. قال الله: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
ويجوز أن [يكون] "كلا" بمعنى: "ألا"، فيبتدأ بها لأن المعنى الذي يكون رداً له لم يظهر لفظه في الآية، [فيبعد] أن [تكون] ردا لما (لم) ينص قبلها.
["ورأى"] هاهنا من رؤية القلب، دل على ذلك [تعدي] [الضمير] إلى المضمر، ولو كان من رؤية العين لم يجز "رآه"، والفاعل هو المفعول.
وإنما كان يقال: "رأى نفسه"، "كضرب نفسه". والمفعول الثاني ["لرأى"]: "استغنى".
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ﴾.
أي: إن إلى ربك - يا محمد - مرجع هذا الإنسان، فذائق من أليم عقابه ما لا طاقة لا به.
* *
ثم قال: ﴿أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ﴾.
روي أن هذه الآية نزلت في أبي جهل بن هشام، وذلك أنه قال: لئن رأيت [محمداً] يصلي عند المقام لأَطَأَنَّ رقبته. وكان ينهى رسول الله ﷺ أن يطي.
فالمعنى: أرأيت يا محمد أبا جهل الذي ينهاك عن الصلاة؟! يعجب نبيه من جهل أبي جهل وجرأته. هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد وقتادة.
قال قتادة: كان يقال: لكل أمة فرعون وفرعون هذه الأمة أبو جهل.
والجواب محذوف (لعلم [السامع]. فالمعنى والتقدير: أرأيت، يا محمد، الذي ينهى عبدا إذا صلى، أمصيب هو، أم هو آمن من العقوبة؟!
والمعنى عند سيبويه: أخبروني عن هذا.
* *
وقوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَىٰ ٱلْهُدَىٰ * أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ﴾.
أي: أرأيت إن كان محمد على الهدى والرشاد في صلاته لربه، أليس الناهي هالكاً ملعوناً؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ﴾.
أي: أو أمر محمد هذا الذي ينهاه عن الصلاة [بالتقوى] فلم يقبل منه، أليس هو مالكاً ملعوناً؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾.
أي: إن كذب أبو جهل بما جاء به محمد ﷺ وأعرض عنه وأدبر فلم يصدقه.
* *
﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ﴾.
[أي: ألم يعلم] أبو جهل بأن الله يراه فيما صنع من نهيه عن الصلاة وتكذيبه وإعراضه عما جاء به محمد ﷺ فيخاف أن تنزل به عقوبة من الله؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ﴾.
قيل: "كلا" رد وردع، والمعنى: لا يتهيأ لأبي جهل أن يتم له نهي النبي ﷺ عن صلاته وعبادته ربه.
وقال الطبري: المعنى: ليس الأمر كما يقول إنه يطأ عنق النبي ﷺ، أي: لا يقدر على ذلك ولا يصل إليه، فيوقف على "كلا" على تقدير التقديرين.
ويجوز أن تكون "كلا" بمعنى "حقاً". وبمعنى "ألا"، فيبتدأ بها، إذ ليس قبلها لفظ ظاهر تكون رداً له، وإنما يحسن الوقوف عليها إذا كان قبلها لفظ منصوص يحسن أن يكون رداً له. والوقف عند القتبي على "كلا"، وعند أبي حاتم: "يرى"، وهو الوجه الظاهر.
* *
وقوله: ﴿لَئِن لَّمْ يَنتَهِ﴾ تهدد ووعيد، أي: لئن لم ينته أبو جهل عن أذى محمد ﴿لَنَسْفَعاً بِٱلنَّاصِيَةِ﴾ أي: [لنأخذن] بمقدم رأسه فلنقهرنه (ولنذلنه).
يقال: سفعت بيده، إذا أخذت بها.
وقيل: معناه: لنسودن وجهه، فاكتفى بذكر الناصية من الوجه، إذا كانت الناصية في مقدم الوجه.
وقيل: معناه: لنأخذن بناصيته إلى النار، كما قال تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِي وَٱلأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: ٤١].
[واللام] في "لئن": لام توطئة للقسم، وهي من [لامات] التأكيد.
[واللام] في "لنسفعاً": لام قسم.
ومعنى "توطئة" أنها تؤذن بإتيان القسم بعدها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ أي: كاذب صاحبها خاطئ، وهي بدل من الأول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾.
أي: فليدع أبو جهل أهل مجلسه وأنصاره وعشيرته لنصرته.
روي أن النبي ﷺ [انتهر أبا] جهل لما نهاه) عن الصلاة، فقال أبو جهل: علام يتوعدني محمد وأنا أكثر أهل الوادي نادياً؟! فأنزل الله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، أي: أهل ناديه، فإن دعاهم ﴿سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ﴾ (لهم). قال ابن عباس: لو دعا ناديه لأخذته زبانية العذاب من ساعته.
قال أبو هريرة: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟
فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى، لئن رأيته يصلي كذلك لأطأن على رقبته. قال: فما [فجئهم] منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه.
قال: [فقيل له: ما لك]؟! قال: إن بيني وبينه خندقاً من نار [وهؤلاء]. قال: فقال رسول الله ﷺ: لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا.
قال ابن عباس: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، أي: "ناصره".
وقال قتادة: عشيرته.
والنادي والندي: المجلس.
والزبانية: ملائكة، وهم عند العرب الشرط، وهو مشتق من "زبنه" إذا دفعه، كأنهم يدفعون الكفار إلى النار. وواحد الزبانية عند أبي عبيدة: زبنية.
وقال عيسى بن عمر واحدهم: زابن.
وقال الأخفش: واحدهم: زباني.
وقال الكسائي: واحدهم: زبني.
قال عبد الله بن أبي الهذيل: "الزبانية: أرجلهم في الأرض ورؤوسهم في السماء".
* *
ثم قال: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ﴾.
أي: ليس الأمر على ما يقول أبو جهل في نهيه إياك يا محمد عن الصلاة وطاعة ربك، لا تطعه فيما أمرك به واسجد لربك واقترب منه بالدعاء والعمل الصالح في السجود.
وفي الحديث: "أقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجداً، (فأكثروا من الدعاء في السجود، فقمن أن يستجاب لكم
قال مجاهد: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، ألم تسمعوا إلى قوله: ﴿وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب﴾.
ويجوز أن تكون "كلا" بمعنى: "حقا"، وبمعنى: "ألا" فيبتدأ بها. وروى ابن وهب عن رجاله أن أبا جهل كان يقول: لئن رأيت محمداً يصلي لأطأن على رقبته، فأمر الله نبيه بالسجود، فقال: ﴿وَٱسْجُدْ﴾، وقال لأبي جهل: "واقترب"، على طريق التهدد، أي: اقترب من محمد إن كنت صادقا في قولك: فقيل لأبي جهل: هذا محمد يسجد، فاقترب منه! فقال: ما أستطيعه، إن بيني وبينه كالفحل، لو اقترتب منه لأهلكني.
هذه رواية ابن وهب، وفيها زيادة تفسير لما روي، وفيها بعض اختصار.
العلق 96:3
قوله: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى آخر السورة.
أي: اقرأ يا محمد بذكر ربك الذي خلق - ثم بين ما خلق، فقال: ﴿خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾.
أي: من الدم والمراد: من علقة. "وعلق" جمع "علقة"، فجمع: لأن الإنسان بمعنى الجماعة. ومعنى الباء اللزوم، أي: الزم القراءة بذكر ربك.
* *
ثم قال: ﴿ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ﴾ أي: الأكرم من كل شيء.
روى الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أول ما ابتدئ به رسول الله ﷺ من الوحي: الرؤيا [الصادقة]، كانت تجيء مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان بِحَراء يَتَحَنَّثُ فيه اللَّيَالي ذَواتِ العَدَدِ قبل أن يَرْجِعَ إلى أَهْلِهِ فَيَتَزَوَّدُ لمثلها حَتَّى [فَجِئَهُ] الحقَّ فَأَتَاه، فقالَ: يا مُحَمَّدُ، أنتَ رسولُ الله. قالَ رسولُ الله: فَجَثَوْتُ لِرُكْبَتَيَّ وأنا قائِمٌ ثُمَّ رَجِعْتُ يَرْجِفُ فُؤَادِي، ثُمَّ دَخَلْتُ - يريد على خديجة - فَقُلْتُ: زَمِّلُوني، زَمِّلُوني، حتى ذهب عني الروع ثم أتاني فقال: يا محمد، أنت رسول الله. (قال): فلقد هممت أن أطرح نفسي من حالق من جبل، فتبدى لي حين هممت بذلك فقال: يا محمد، أنا جبرائيل، وأنت رسول الله، ثم قال: اقرأ. قلت: ما أقرأ؟
فأخذني [فغطني] ثلاث مرات حتى بلغ مني الجهد، ثم قال: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾ فقرأت، فأتيت خديجة فقلت: لقد أشفقت على نفسي، وأخبرتها خبري، فقالت: أبشر، فوالله لا يحزنك الله أبداً. والله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتؤدي الأمانة، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتصبر على نوائب الحق. قال: ثم انطلقت بي خديجة إلى ورقة بن نفل بن أسد فقالت: اسمع من ابن أخيك. فسألني، فأخبرته خبري. فقال: هذا الناموس الذي أنزل على موسى ابن عمران. ليتني أكون فيها [جذعاً]، ليتني أكون حياً [حين] يخرجك قومك. قلت: [أمخرجي هم]؟! قال: نعم، إنه لم يجيء رجل قط بما جئت به إلا عودي. ولئن أدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً. ثم كان أول ما أنزل علي من القرآن - بعد "أقرأ" - ﴿[نۤ] وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾. حتى قرأ (إلى) ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾، (و) ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾.
﴿وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾
قال مجاهد وعطاء بن يسار وعبيد بن عمير وأبو رجاء [العطاردي]: أول ما نزل على النبي ﷺ: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾، كقول عائشة رضي الله عنها.
والرواية أنه إنما عليه من ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى قوله ﴿عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، ثم نزل باقيها بعد: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] و﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١].
* *
وقوله: ﴿ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ﴾ أي: علم خلقه الكتاب والخط.
قال قتادة: القلم نعمة من الله جل وعز عظيمة، لولا ذلك لم يتم أمر ولم يصلح عيش.
* *
ثم قال: ﴿عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ أي: علمه الخط بالقلم وغيره، ولم يكن يعلمه.
* *
ثم قال: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
قيل: "كلا" ردع ورد، ومعناها: ما هكذا ينبغي أن يكون الإنسان! [ينعم] عليه ربه بتسويته خلقه وتعليمه ما لم يكن يعلم ثم يكفر به!
ثم بين كفره من أين أتاه، فقال: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
أي: إن الإنسان إذا أحس بالغنى طغى واستكبر وكفر. فيوقف على "كلا" [على] هذا التأويل.
قال ابن مسعود: منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا.
فأما طالب العلم فيزداد خيفة. قال الله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وأما طالب الدنيا فيزداد طغيانا. قال الله: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
ويجوز أن [يكون] "كلا" بمعنى: "ألا"، فيبتدأ بها لأن المعنى الذي يكون رداً له لم يظهر لفظه في الآية، [فيبعد] أن [تكون] ردا لما (لم) ينص قبلها.
["ورأى"] هاهنا من رؤية القلب، دل على ذلك [تعدي] [الضمير] إلى المضمر، ولو كان من رؤية العين لم يجز "رآه"، والفاعل هو المفعول.
وإنما كان يقال: "رأى نفسه"، "كضرب نفسه". والمفعول الثاني ["لرأى"]: "استغنى".
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ﴾.
أي: إن إلى ربك - يا محمد - مرجع هذا الإنسان، فذائق من أليم عقابه ما لا طاقة لا به.
* *
ثم قال: ﴿أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ﴾.
روي أن هذه الآية نزلت في أبي جهل بن هشام، وذلك أنه قال: لئن رأيت [محمداً] يصلي عند المقام لأَطَأَنَّ رقبته. وكان ينهى رسول الله ﷺ أن يطي.
فالمعنى: أرأيت يا محمد أبا جهل الذي ينهاك عن الصلاة؟! يعجب نبيه من جهل أبي جهل وجرأته. هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد وقتادة.
قال قتادة: كان يقال: لكل أمة فرعون وفرعون هذه الأمة أبو جهل.
والجواب محذوف (لعلم [السامع]. فالمعنى والتقدير: أرأيت، يا محمد، الذي ينهى عبدا إذا صلى، أمصيب هو، أم هو آمن من العقوبة؟!
والمعنى عند سيبويه: أخبروني عن هذا.
* *
وقوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَىٰ ٱلْهُدَىٰ * أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ﴾.
أي: أرأيت إن كان محمد على الهدى والرشاد في صلاته لربه، أليس الناهي هالكاً ملعوناً؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ﴾.
أي: أو أمر محمد هذا الذي ينهاه عن الصلاة [بالتقوى] فلم يقبل منه، أليس هو مالكاً ملعوناً؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾.
أي: إن كذب أبو جهل بما جاء به محمد ﷺ وأعرض عنه وأدبر فلم يصدقه.
* *
﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ﴾.
[أي: ألم يعلم] أبو جهل بأن الله يراه فيما صنع من نهيه عن الصلاة وتكذيبه وإعراضه عما جاء به محمد ﷺ فيخاف أن تنزل به عقوبة من الله؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ﴾.
قيل: "كلا" رد وردع، والمعنى: لا يتهيأ لأبي جهل أن يتم له نهي النبي ﷺ عن صلاته وعبادته ربه.
وقال الطبري: المعنى: ليس الأمر كما يقول إنه يطأ عنق النبي ﷺ، أي: لا يقدر على ذلك ولا يصل إليه، فيوقف على "كلا" على تقدير التقديرين.
ويجوز أن تكون "كلا" بمعنى "حقاً". وبمعنى "ألا"، فيبتدأ بها، إذ ليس قبلها لفظ ظاهر تكون رداً له، وإنما يحسن الوقوف عليها إذا كان قبلها لفظ منصوص يحسن أن يكون رداً له. والوقف عند القتبي على "كلا"، وعند أبي حاتم: "يرى"، وهو الوجه الظاهر.
* *
وقوله: ﴿لَئِن لَّمْ يَنتَهِ﴾ تهدد ووعيد، أي: لئن لم ينته أبو جهل عن أذى محمد ﴿لَنَسْفَعاً بِٱلنَّاصِيَةِ﴾ أي: [لنأخذن] بمقدم رأسه فلنقهرنه (ولنذلنه).
يقال: سفعت بيده، إذا أخذت بها.
وقيل: معناه: لنسودن وجهه، فاكتفى بذكر الناصية من الوجه، إذا كانت الناصية في مقدم الوجه.
وقيل: معناه: لنأخذن بناصيته إلى النار، كما قال تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِي وَٱلأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: ٤١].
[واللام] في "لئن": لام توطئة للقسم، وهي من [لامات] التأكيد.
[واللام] في "لنسفعاً": لام قسم.
ومعنى "توطئة" أنها تؤذن بإتيان القسم بعدها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ أي: كاذب صاحبها خاطئ، وهي بدل من الأول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾.
أي: فليدع أبو جهل أهل مجلسه وأنصاره وعشيرته لنصرته.
روي أن النبي ﷺ [انتهر أبا] جهل لما نهاه) عن الصلاة، فقال أبو جهل: علام يتوعدني محمد وأنا أكثر أهل الوادي نادياً؟! فأنزل الله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، أي: أهل ناديه، فإن دعاهم ﴿سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ﴾ (لهم). قال ابن عباس: لو دعا ناديه لأخذته زبانية العذاب من ساعته.
قال أبو هريرة: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟
فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى، لئن رأيته يصلي كذلك لأطأن على رقبته. قال: فما [فجئهم] منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه.
قال: [فقيل له: ما لك]؟! قال: إن بيني وبينه خندقاً من نار [وهؤلاء]. قال: فقال رسول الله ﷺ: لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا.
قال ابن عباس: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، أي: "ناصره".
وقال قتادة: عشيرته.
والنادي والندي: المجلس.
والزبانية: ملائكة، وهم عند العرب الشرط، وهو مشتق من "زبنه" إذا دفعه، كأنهم يدفعون الكفار إلى النار. وواحد الزبانية عند أبي عبيدة: زبنية.
وقال عيسى بن عمر واحدهم: زابن.
وقال الأخفش: واحدهم: زباني.
وقال الكسائي: واحدهم: زبني.
قال عبد الله بن أبي الهذيل: "الزبانية: أرجلهم في الأرض ورؤوسهم في السماء".
* *
ثم قال: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ﴾.
أي: ليس الأمر على ما يقول أبو جهل في نهيه إياك يا محمد عن الصلاة وطاعة ربك، لا تطعه فيما أمرك به واسجد لربك واقترب منه بالدعاء والعمل الصالح في السجود.
وفي الحديث: "أقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجداً، (فأكثروا من الدعاء في السجود، فقمن أن يستجاب لكم
قال مجاهد: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، ألم تسمعوا إلى قوله: ﴿وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب﴾.
ويجوز أن تكون "كلا" بمعنى: "حقا"، وبمعنى: "ألا" فيبتدأ بها. وروى ابن وهب عن رجاله أن أبا جهل كان يقول: لئن رأيت محمداً يصلي لأطأن على رقبته، فأمر الله نبيه بالسجود، فقال: ﴿وَٱسْجُدْ﴾، وقال لأبي جهل: "واقترب"، على طريق التهدد، أي: اقترب من محمد إن كنت صادقا في قولك: فقيل لأبي جهل: هذا محمد يسجد، فاقترب منه! فقال: ما أستطيعه، إن بيني وبينه كالفحل، لو اقترتب منه لأهلكني.
هذه رواية ابن وهب، وفيها زيادة تفسير لما روي، وفيها بعض اختصار.
العلق 96:4
قوله: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى آخر السورة.
أي: اقرأ يا محمد بذكر ربك الذي خلق - ثم بين ما خلق، فقال: ﴿خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾.
أي: من الدم والمراد: من علقة. "وعلق" جمع "علقة"، فجمع: لأن الإنسان بمعنى الجماعة. ومعنى الباء اللزوم، أي: الزم القراءة بذكر ربك.
* *
ثم قال: ﴿ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ﴾ أي: الأكرم من كل شيء.
روى الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أول ما ابتدئ به رسول الله ﷺ من الوحي: الرؤيا [الصادقة]، كانت تجيء مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان بِحَراء يَتَحَنَّثُ فيه اللَّيَالي ذَواتِ العَدَدِ قبل أن يَرْجِعَ إلى أَهْلِهِ فَيَتَزَوَّدُ لمثلها حَتَّى [فَجِئَهُ] الحقَّ فَأَتَاه، فقالَ: يا مُحَمَّدُ، أنتَ رسولُ الله. قالَ رسولُ الله: فَجَثَوْتُ لِرُكْبَتَيَّ وأنا قائِمٌ ثُمَّ رَجِعْتُ يَرْجِفُ فُؤَادِي، ثُمَّ دَخَلْتُ - يريد على خديجة - فَقُلْتُ: زَمِّلُوني، زَمِّلُوني، حتى ذهب عني الروع ثم أتاني فقال: يا محمد، أنت رسول الله. (قال): فلقد هممت أن أطرح نفسي من حالق من جبل، فتبدى لي حين هممت بذلك فقال: يا محمد، أنا جبرائيل، وأنت رسول الله، ثم قال: اقرأ. قلت: ما أقرأ؟
فأخذني [فغطني] ثلاث مرات حتى بلغ مني الجهد، ثم قال: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾ فقرأت، فأتيت خديجة فقلت: لقد أشفقت على نفسي، وأخبرتها خبري، فقالت: أبشر، فوالله لا يحزنك الله أبداً. والله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتؤدي الأمانة، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتصبر على نوائب الحق. قال: ثم انطلقت بي خديجة إلى ورقة بن نفل بن أسد فقالت: اسمع من ابن أخيك. فسألني، فأخبرته خبري. فقال: هذا الناموس الذي أنزل على موسى ابن عمران. ليتني أكون فيها [جذعاً]، ليتني أكون حياً [حين] يخرجك قومك. قلت: [أمخرجي هم]؟! قال: نعم، إنه لم يجيء رجل قط بما جئت به إلا عودي. ولئن أدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً. ثم كان أول ما أنزل علي من القرآن - بعد "أقرأ" - ﴿[نۤ] وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾. حتى قرأ (إلى) ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾، (و) ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾.
﴿وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾
قال مجاهد وعطاء بن يسار وعبيد بن عمير وأبو رجاء [العطاردي]: أول ما نزل على النبي ﷺ: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾، كقول عائشة رضي الله عنها.
والرواية أنه إنما عليه من ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى قوله ﴿عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، ثم نزل باقيها بعد: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] و﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١].
* *
وقوله: ﴿ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ﴾ أي: علم خلقه الكتاب والخط.
قال قتادة: القلم نعمة من الله جل وعز عظيمة، لولا ذلك لم يتم أمر ولم يصلح عيش.
* *
ثم قال: ﴿عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ أي: علمه الخط بالقلم وغيره، ولم يكن يعلمه.
* *
ثم قال: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
قيل: "كلا" ردع ورد، ومعناها: ما هكذا ينبغي أن يكون الإنسان! [ينعم] عليه ربه بتسويته خلقه وتعليمه ما لم يكن يعلم ثم يكفر به!
ثم بين كفره من أين أتاه، فقال: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
أي: إن الإنسان إذا أحس بالغنى طغى واستكبر وكفر. فيوقف على "كلا" [على] هذا التأويل.
قال ابن مسعود: منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا.
فأما طالب العلم فيزداد خيفة. قال الله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وأما طالب الدنيا فيزداد طغيانا. قال الله: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
ويجوز أن [يكون] "كلا" بمعنى: "ألا"، فيبتدأ بها لأن المعنى الذي يكون رداً له لم يظهر لفظه في الآية، [فيبعد] أن [تكون] ردا لما (لم) ينص قبلها.
["ورأى"] هاهنا من رؤية القلب، دل على ذلك [تعدي] [الضمير] إلى المضمر، ولو كان من رؤية العين لم يجز "رآه"، والفاعل هو المفعول.
وإنما كان يقال: "رأى نفسه"، "كضرب نفسه". والمفعول الثاني ["لرأى"]: "استغنى".
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ﴾.
أي: إن إلى ربك - يا محمد - مرجع هذا الإنسان، فذائق من أليم عقابه ما لا طاقة لا به.
* *
ثم قال: ﴿أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ﴾.
روي أن هذه الآية نزلت في أبي جهل بن هشام، وذلك أنه قال: لئن رأيت [محمداً] يصلي عند المقام لأَطَأَنَّ رقبته. وكان ينهى رسول الله ﷺ أن يطي.
فالمعنى: أرأيت يا محمد أبا جهل الذي ينهاك عن الصلاة؟! يعجب نبيه من جهل أبي جهل وجرأته. هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد وقتادة.
قال قتادة: كان يقال: لكل أمة فرعون وفرعون هذه الأمة أبو جهل.
والجواب محذوف (لعلم [السامع]. فالمعنى والتقدير: أرأيت، يا محمد، الذي ينهى عبدا إذا صلى، أمصيب هو، أم هو آمن من العقوبة؟!
والمعنى عند سيبويه: أخبروني عن هذا.
* *
وقوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَىٰ ٱلْهُدَىٰ * أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ﴾.
أي: أرأيت إن كان محمد على الهدى والرشاد في صلاته لربه، أليس الناهي هالكاً ملعوناً؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ﴾.
أي: أو أمر محمد هذا الذي ينهاه عن الصلاة [بالتقوى] فلم يقبل منه، أليس هو مالكاً ملعوناً؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾.
أي: إن كذب أبو جهل بما جاء به محمد ﷺ وأعرض عنه وأدبر فلم يصدقه.
* *
﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ﴾.
[أي: ألم يعلم] أبو جهل بأن الله يراه فيما صنع من نهيه عن الصلاة وتكذيبه وإعراضه عما جاء به محمد ﷺ فيخاف أن تنزل به عقوبة من الله؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ﴾.
قيل: "كلا" رد وردع، والمعنى: لا يتهيأ لأبي جهل أن يتم له نهي النبي ﷺ عن صلاته وعبادته ربه.
وقال الطبري: المعنى: ليس الأمر كما يقول إنه يطأ عنق النبي ﷺ، أي: لا يقدر على ذلك ولا يصل إليه، فيوقف على "كلا" على تقدير التقديرين.
ويجوز أن تكون "كلا" بمعنى "حقاً". وبمعنى "ألا"، فيبتدأ بها، إذ ليس قبلها لفظ ظاهر تكون رداً له، وإنما يحسن الوقوف عليها إذا كان قبلها لفظ منصوص يحسن أن يكون رداً له. والوقف عند القتبي على "كلا"، وعند أبي حاتم: "يرى"، وهو الوجه الظاهر.
* *
وقوله: ﴿لَئِن لَّمْ يَنتَهِ﴾ تهدد ووعيد، أي: لئن لم ينته أبو جهل عن أذى محمد ﴿لَنَسْفَعاً بِٱلنَّاصِيَةِ﴾ أي: [لنأخذن] بمقدم رأسه فلنقهرنه (ولنذلنه).
يقال: سفعت بيده، إذا أخذت بها.
وقيل: معناه: لنسودن وجهه، فاكتفى بذكر الناصية من الوجه، إذا كانت الناصية في مقدم الوجه.
وقيل: معناه: لنأخذن بناصيته إلى النار، كما قال تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِي وَٱلأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: ٤١].
[واللام] في "لئن": لام توطئة للقسم، وهي من [لامات] التأكيد.
[واللام] في "لنسفعاً": لام قسم.
ومعنى "توطئة" أنها تؤذن بإتيان القسم بعدها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ أي: كاذب صاحبها خاطئ، وهي بدل من الأول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾.
أي: فليدع أبو جهل أهل مجلسه وأنصاره وعشيرته لنصرته.
روي أن النبي ﷺ [انتهر أبا] جهل لما نهاه) عن الصلاة، فقال أبو جهل: علام يتوعدني محمد وأنا أكثر أهل الوادي نادياً؟! فأنزل الله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، أي: أهل ناديه، فإن دعاهم ﴿سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ﴾ (لهم). قال ابن عباس: لو دعا ناديه لأخذته زبانية العذاب من ساعته.
قال أبو هريرة: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟
فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى، لئن رأيته يصلي كذلك لأطأن على رقبته. قال: فما [فجئهم] منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه.
قال: [فقيل له: ما لك]؟! قال: إن بيني وبينه خندقاً من نار [وهؤلاء]. قال: فقال رسول الله ﷺ: لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا.
قال ابن عباس: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، أي: "ناصره".
وقال قتادة: عشيرته.
والنادي والندي: المجلس.
والزبانية: ملائكة، وهم عند العرب الشرط، وهو مشتق من "زبنه" إذا دفعه، كأنهم يدفعون الكفار إلى النار. وواحد الزبانية عند أبي عبيدة: زبنية.
وقال عيسى بن عمر واحدهم: زابن.
وقال الأخفش: واحدهم: زباني.
وقال الكسائي: واحدهم: زبني.
قال عبد الله بن أبي الهذيل: "الزبانية: أرجلهم في الأرض ورؤوسهم في السماء".
* *
ثم قال: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ﴾.
أي: ليس الأمر على ما يقول أبو جهل في نهيه إياك يا محمد عن الصلاة وطاعة ربك، لا تطعه فيما أمرك به واسجد لربك واقترب منه بالدعاء والعمل الصالح في السجود.
وفي الحديث: "أقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجداً، (فأكثروا من الدعاء في السجود، فقمن أن يستجاب لكم
قال مجاهد: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، ألم تسمعوا إلى قوله: ﴿وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب﴾.
ويجوز أن تكون "كلا" بمعنى: "حقا"، وبمعنى: "ألا" فيبتدأ بها. وروى ابن وهب عن رجاله أن أبا جهل كان يقول: لئن رأيت محمداً يصلي لأطأن على رقبته، فأمر الله نبيه بالسجود، فقال: ﴿وَٱسْجُدْ﴾، وقال لأبي جهل: "واقترب"، على طريق التهدد، أي: اقترب من محمد إن كنت صادقا في قولك: فقيل لأبي جهل: هذا محمد يسجد، فاقترب منه! فقال: ما أستطيعه، إن بيني وبينه كالفحل، لو اقترتب منه لأهلكني.
هذه رواية ابن وهب، وفيها زيادة تفسير لما روي، وفيها بعض اختصار.
العلق 96:5
قوله: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى آخر السورة.
أي: اقرأ يا محمد بذكر ربك الذي خلق - ثم بين ما خلق، فقال: ﴿خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾.
أي: من الدم والمراد: من علقة. "وعلق" جمع "علقة"، فجمع: لأن الإنسان بمعنى الجماعة. ومعنى الباء اللزوم، أي: الزم القراءة بذكر ربك.
* *
ثم قال: ﴿ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ﴾ أي: الأكرم من كل شيء.
روى الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أول ما ابتدئ به رسول الله ﷺ من الوحي: الرؤيا [الصادقة]، كانت تجيء مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان بِحَراء يَتَحَنَّثُ فيه اللَّيَالي ذَواتِ العَدَدِ قبل أن يَرْجِعَ إلى أَهْلِهِ فَيَتَزَوَّدُ لمثلها حَتَّى [فَجِئَهُ] الحقَّ فَأَتَاه، فقالَ: يا مُحَمَّدُ، أنتَ رسولُ الله. قالَ رسولُ الله: فَجَثَوْتُ لِرُكْبَتَيَّ وأنا قائِمٌ ثُمَّ رَجِعْتُ يَرْجِفُ فُؤَادِي، ثُمَّ دَخَلْتُ - يريد على خديجة - فَقُلْتُ: زَمِّلُوني، زَمِّلُوني، حتى ذهب عني الروع ثم أتاني فقال: يا محمد، أنت رسول الله. (قال): فلقد هممت أن أطرح نفسي من حالق من جبل، فتبدى لي حين هممت بذلك فقال: يا محمد، أنا جبرائيل، وأنت رسول الله، ثم قال: اقرأ. قلت: ما أقرأ؟
فأخذني [فغطني] ثلاث مرات حتى بلغ مني الجهد، ثم قال: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾ فقرأت، فأتيت خديجة فقلت: لقد أشفقت على نفسي، وأخبرتها خبري، فقالت: أبشر، فوالله لا يحزنك الله أبداً. والله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتؤدي الأمانة، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتصبر على نوائب الحق. قال: ثم انطلقت بي خديجة إلى ورقة بن نفل بن أسد فقالت: اسمع من ابن أخيك. فسألني، فأخبرته خبري. فقال: هذا الناموس الذي أنزل على موسى ابن عمران. ليتني أكون فيها [جذعاً]، ليتني أكون حياً [حين] يخرجك قومك. قلت: [أمخرجي هم]؟! قال: نعم، إنه لم يجيء رجل قط بما جئت به إلا عودي. ولئن أدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً. ثم كان أول ما أنزل علي من القرآن - بعد "أقرأ" - ﴿[نۤ] وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾. حتى قرأ (إلى) ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾، (و) ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾.
﴿وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾
قال مجاهد وعطاء بن يسار وعبيد بن عمير وأبو رجاء [العطاردي]: أول ما نزل على النبي ﷺ: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾، كقول عائشة رضي الله عنها.
والرواية أنه إنما عليه من ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى قوله ﴿عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، ثم نزل باقيها بعد: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] و﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١].
* *
وقوله: ﴿ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ﴾ أي: علم خلقه الكتاب والخط.
قال قتادة: القلم نعمة من الله جل وعز عظيمة، لولا ذلك لم يتم أمر ولم يصلح عيش.
* *
ثم قال: ﴿عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ أي: علمه الخط بالقلم وغيره، ولم يكن يعلمه.
* *
ثم قال: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
قيل: "كلا" ردع ورد، ومعناها: ما هكذا ينبغي أن يكون الإنسان! [ينعم] عليه ربه بتسويته خلقه وتعليمه ما لم يكن يعلم ثم يكفر به!
ثم بين كفره من أين أتاه، فقال: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
أي: إن الإنسان إذا أحس بالغنى طغى واستكبر وكفر. فيوقف على "كلا" [على] هذا التأويل.
قال ابن مسعود: منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا.
فأما طالب العلم فيزداد خيفة. قال الله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وأما طالب الدنيا فيزداد طغيانا. قال الله: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
ويجوز أن [يكون] "كلا" بمعنى: "ألا"، فيبتدأ بها لأن المعنى الذي يكون رداً له لم يظهر لفظه في الآية، [فيبعد] أن [تكون] ردا لما (لم) ينص قبلها.
["ورأى"] هاهنا من رؤية القلب، دل على ذلك [تعدي] [الضمير] إلى المضمر، ولو كان من رؤية العين لم يجز "رآه"، والفاعل هو المفعول.
وإنما كان يقال: "رأى نفسه"، "كضرب نفسه". والمفعول الثاني ["لرأى"]: "استغنى".
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ﴾.
أي: إن إلى ربك - يا محمد - مرجع هذا الإنسان، فذائق من أليم عقابه ما لا طاقة لا به.
* *
ثم قال: ﴿أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ﴾.
روي أن هذه الآية نزلت في أبي جهل بن هشام، وذلك أنه قال: لئن رأيت [محمداً] يصلي عند المقام لأَطَأَنَّ رقبته. وكان ينهى رسول الله ﷺ أن يطي.
فالمعنى: أرأيت يا محمد أبا جهل الذي ينهاك عن الصلاة؟! يعجب نبيه من جهل أبي جهل وجرأته. هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد وقتادة.
قال قتادة: كان يقال: لكل أمة فرعون وفرعون هذه الأمة أبو جهل.
والجواب محذوف (لعلم [السامع]. فالمعنى والتقدير: أرأيت، يا محمد، الذي ينهى عبدا إذا صلى، أمصيب هو، أم هو آمن من العقوبة؟!
والمعنى عند سيبويه: أخبروني عن هذا.
* *
وقوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَىٰ ٱلْهُدَىٰ * أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ﴾.
أي: أرأيت إن كان محمد على الهدى والرشاد في صلاته لربه، أليس الناهي هالكاً ملعوناً؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ﴾.
أي: أو أمر محمد هذا الذي ينهاه عن الصلاة [بالتقوى] فلم يقبل منه، أليس هو مالكاً ملعوناً؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾.
أي: إن كذب أبو جهل بما جاء به محمد ﷺ وأعرض عنه وأدبر فلم يصدقه.
* *
﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ﴾.
[أي: ألم يعلم] أبو جهل بأن الله يراه فيما صنع من نهيه عن الصلاة وتكذيبه وإعراضه عما جاء به محمد ﷺ فيخاف أن تنزل به عقوبة من الله؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ﴾.
قيل: "كلا" رد وردع، والمعنى: لا يتهيأ لأبي جهل أن يتم له نهي النبي ﷺ عن صلاته وعبادته ربه.
وقال الطبري: المعنى: ليس الأمر كما يقول إنه يطأ عنق النبي ﷺ، أي: لا يقدر على ذلك ولا يصل إليه، فيوقف على "كلا" على تقدير التقديرين.
ويجوز أن تكون "كلا" بمعنى "حقاً". وبمعنى "ألا"، فيبتدأ بها، إذ ليس قبلها لفظ ظاهر تكون رداً له، وإنما يحسن الوقوف عليها إذا كان قبلها لفظ منصوص يحسن أن يكون رداً له. والوقف عند القتبي على "كلا"، وعند أبي حاتم: "يرى"، وهو الوجه الظاهر.
* *
وقوله: ﴿لَئِن لَّمْ يَنتَهِ﴾ تهدد ووعيد، أي: لئن لم ينته أبو جهل عن أذى محمد ﴿لَنَسْفَعاً بِٱلنَّاصِيَةِ﴾ أي: [لنأخذن] بمقدم رأسه فلنقهرنه (ولنذلنه).
يقال: سفعت بيده، إذا أخذت بها.
وقيل: معناه: لنسودن وجهه، فاكتفى بذكر الناصية من الوجه، إذا كانت الناصية في مقدم الوجه.
وقيل: معناه: لنأخذن بناصيته إلى النار، كما قال تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِي وَٱلأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: ٤١].
[واللام] في "لئن": لام توطئة للقسم، وهي من [لامات] التأكيد.
[واللام] في "لنسفعاً": لام قسم.
ومعنى "توطئة" أنها تؤذن بإتيان القسم بعدها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ أي: كاذب صاحبها خاطئ، وهي بدل من الأول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾.
أي: فليدع أبو جهل أهل مجلسه وأنصاره وعشيرته لنصرته.
روي أن النبي ﷺ [انتهر أبا] جهل لما نهاه) عن الصلاة، فقال أبو جهل: علام يتوعدني محمد وأنا أكثر أهل الوادي نادياً؟! فأنزل الله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، أي: أهل ناديه، فإن دعاهم ﴿سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ﴾ (لهم). قال ابن عباس: لو دعا ناديه لأخذته زبانية العذاب من ساعته.
قال أبو هريرة: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟
فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى، لئن رأيته يصلي كذلك لأطأن على رقبته. قال: فما [فجئهم] منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه.
قال: [فقيل له: ما لك]؟! قال: إن بيني وبينه خندقاً من نار [وهؤلاء]. قال: فقال رسول الله ﷺ: لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا.
قال ابن عباس: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، أي: "ناصره".
وقال قتادة: عشيرته.
والنادي والندي: المجلس.
والزبانية: ملائكة، وهم عند العرب الشرط، وهو مشتق من "زبنه" إذا دفعه، كأنهم يدفعون الكفار إلى النار. وواحد الزبانية عند أبي عبيدة: زبنية.
وقال عيسى بن عمر واحدهم: زابن.
وقال الأخفش: واحدهم: زباني.
وقال الكسائي: واحدهم: زبني.
قال عبد الله بن أبي الهذيل: "الزبانية: أرجلهم في الأرض ورؤوسهم في السماء".
* *
ثم قال: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ﴾.
أي: ليس الأمر على ما يقول أبو جهل في نهيه إياك يا محمد عن الصلاة وطاعة ربك، لا تطعه فيما أمرك به واسجد لربك واقترب منه بالدعاء والعمل الصالح في السجود.
وفي الحديث: "أقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجداً، (فأكثروا من الدعاء في السجود، فقمن أن يستجاب لكم
قال مجاهد: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، ألم تسمعوا إلى قوله: ﴿وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب﴾.
ويجوز أن تكون "كلا" بمعنى: "حقا"، وبمعنى: "ألا" فيبتدأ بها. وروى ابن وهب عن رجاله أن أبا جهل كان يقول: لئن رأيت محمداً يصلي لأطأن على رقبته، فأمر الله نبيه بالسجود، فقال: ﴿وَٱسْجُدْ﴾، وقال لأبي جهل: "واقترب"، على طريق التهدد، أي: اقترب من محمد إن كنت صادقا في قولك: فقيل لأبي جهل: هذا محمد يسجد، فاقترب منه! فقال: ما أستطيعه، إن بيني وبينه كالفحل، لو اقترتب منه لأهلكني.
هذه رواية ابن وهب، وفيها زيادة تفسير لما روي، وفيها بعض اختصار.
العلق 96:6
قوله: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى آخر السورة.
أي: اقرأ يا محمد بذكر ربك الذي خلق - ثم بين ما خلق، فقال: ﴿خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾.
أي: من الدم والمراد: من علقة. "وعلق" جمع "علقة"، فجمع: لأن الإنسان بمعنى الجماعة. ومعنى الباء اللزوم، أي: الزم القراءة بذكر ربك.
* *
ثم قال: ﴿ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ﴾ أي: الأكرم من كل شيء.
روى الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أول ما ابتدئ به رسول الله ﷺ من الوحي: الرؤيا [الصادقة]، كانت تجيء مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان بِحَراء يَتَحَنَّثُ فيه اللَّيَالي ذَواتِ العَدَدِ قبل أن يَرْجِعَ إلى أَهْلِهِ فَيَتَزَوَّدُ لمثلها حَتَّى [فَجِئَهُ] الحقَّ فَأَتَاه، فقالَ: يا مُحَمَّدُ، أنتَ رسولُ الله. قالَ رسولُ الله: فَجَثَوْتُ لِرُكْبَتَيَّ وأنا قائِمٌ ثُمَّ رَجِعْتُ يَرْجِفُ فُؤَادِي، ثُمَّ دَخَلْتُ - يريد على خديجة - فَقُلْتُ: زَمِّلُوني، زَمِّلُوني، حتى ذهب عني الروع ثم أتاني فقال: يا محمد، أنت رسول الله. (قال): فلقد هممت أن أطرح نفسي من حالق من جبل، فتبدى لي حين هممت بذلك فقال: يا محمد، أنا جبرائيل، وأنت رسول الله، ثم قال: اقرأ. قلت: ما أقرأ؟
فأخذني [فغطني] ثلاث مرات حتى بلغ مني الجهد، ثم قال: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾ فقرأت، فأتيت خديجة فقلت: لقد أشفقت على نفسي، وأخبرتها خبري، فقالت: أبشر، فوالله لا يحزنك الله أبداً. والله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتؤدي الأمانة، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتصبر على نوائب الحق. قال: ثم انطلقت بي خديجة إلى ورقة بن نفل بن أسد فقالت: اسمع من ابن أخيك. فسألني، فأخبرته خبري. فقال: هذا الناموس الذي أنزل على موسى ابن عمران. ليتني أكون فيها [جذعاً]، ليتني أكون حياً [حين] يخرجك قومك. قلت: [أمخرجي هم]؟! قال: نعم، إنه لم يجيء رجل قط بما جئت به إلا عودي. ولئن أدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً. ثم كان أول ما أنزل علي من القرآن - بعد "أقرأ" - ﴿[نۤ] وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾. حتى قرأ (إلى) ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾، (و) ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾.
﴿وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾
قال مجاهد وعطاء بن يسار وعبيد بن عمير وأبو رجاء [العطاردي]: أول ما نزل على النبي ﷺ: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾، كقول عائشة رضي الله عنها.
والرواية أنه إنما عليه من ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى قوله ﴿عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، ثم نزل باقيها بعد: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] و﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١].
* *
وقوله: ﴿ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ﴾ أي: علم خلقه الكتاب والخط.
قال قتادة: القلم نعمة من الله جل وعز عظيمة، لولا ذلك لم يتم أمر ولم يصلح عيش.
* *
ثم قال: ﴿عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ أي: علمه الخط بالقلم وغيره، ولم يكن يعلمه.
* *
ثم قال: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
قيل: "كلا" ردع ورد، ومعناها: ما هكذا ينبغي أن يكون الإنسان! [ينعم] عليه ربه بتسويته خلقه وتعليمه ما لم يكن يعلم ثم يكفر به!
ثم بين كفره من أين أتاه، فقال: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
أي: إن الإنسان إذا أحس بالغنى طغى واستكبر وكفر. فيوقف على "كلا" [على] هذا التأويل.
قال ابن مسعود: منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا.
فأما طالب العلم فيزداد خيفة. قال الله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وأما طالب الدنيا فيزداد طغيانا. قال الله: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
ويجوز أن [يكون] "كلا" بمعنى: "ألا"، فيبتدأ بها لأن المعنى الذي يكون رداً له لم يظهر لفظه في الآية، [فيبعد] أن [تكون] ردا لما (لم) ينص قبلها.
["ورأى"] هاهنا من رؤية القلب، دل على ذلك [تعدي] [الضمير] إلى المضمر، ولو كان من رؤية العين لم يجز "رآه"، والفاعل هو المفعول.
وإنما كان يقال: "رأى نفسه"، "كضرب نفسه". والمفعول الثاني ["لرأى"]: "استغنى".
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ﴾.
أي: إن إلى ربك - يا محمد - مرجع هذا الإنسان، فذائق من أليم عقابه ما لا طاقة لا به.
* *
ثم قال: ﴿أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ﴾.
روي أن هذه الآية نزلت في أبي جهل بن هشام، وذلك أنه قال: لئن رأيت [محمداً] يصلي عند المقام لأَطَأَنَّ رقبته. وكان ينهى رسول الله ﷺ أن يطي.
فالمعنى: أرأيت يا محمد أبا جهل الذي ينهاك عن الصلاة؟! يعجب نبيه من جهل أبي جهل وجرأته. هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد وقتادة.
قال قتادة: كان يقال: لكل أمة فرعون وفرعون هذه الأمة أبو جهل.
والجواب محذوف (لعلم [السامع]. فالمعنى والتقدير: أرأيت، يا محمد، الذي ينهى عبدا إذا صلى، أمصيب هو، أم هو آمن من العقوبة؟!
والمعنى عند سيبويه: أخبروني عن هذا.
* *
وقوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَىٰ ٱلْهُدَىٰ * أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ﴾.
أي: أرأيت إن كان محمد على الهدى والرشاد في صلاته لربه، أليس الناهي هالكاً ملعوناً؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ﴾.
أي: أو أمر محمد هذا الذي ينهاه عن الصلاة [بالتقوى] فلم يقبل منه، أليس هو مالكاً ملعوناً؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾.
أي: إن كذب أبو جهل بما جاء به محمد ﷺ وأعرض عنه وأدبر فلم يصدقه.
* *
﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ﴾.
[أي: ألم يعلم] أبو جهل بأن الله يراه فيما صنع من نهيه عن الصلاة وتكذيبه وإعراضه عما جاء به محمد ﷺ فيخاف أن تنزل به عقوبة من الله؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ﴾.
قيل: "كلا" رد وردع، والمعنى: لا يتهيأ لأبي جهل أن يتم له نهي النبي ﷺ عن صلاته وعبادته ربه.
وقال الطبري: المعنى: ليس الأمر كما يقول إنه يطأ عنق النبي ﷺ، أي: لا يقدر على ذلك ولا يصل إليه، فيوقف على "كلا" على تقدير التقديرين.
ويجوز أن تكون "كلا" بمعنى "حقاً". وبمعنى "ألا"، فيبتدأ بها، إذ ليس قبلها لفظ ظاهر تكون رداً له، وإنما يحسن الوقوف عليها إذا كان قبلها لفظ منصوص يحسن أن يكون رداً له. والوقف عند القتبي على "كلا"، وعند أبي حاتم: "يرى"، وهو الوجه الظاهر.
* *
وقوله: ﴿لَئِن لَّمْ يَنتَهِ﴾ تهدد ووعيد، أي: لئن لم ينته أبو جهل عن أذى محمد ﴿لَنَسْفَعاً بِٱلنَّاصِيَةِ﴾ أي: [لنأخذن] بمقدم رأسه فلنقهرنه (ولنذلنه).
يقال: سفعت بيده، إذا أخذت بها.
وقيل: معناه: لنسودن وجهه، فاكتفى بذكر الناصية من الوجه، إذا كانت الناصية في مقدم الوجه.
وقيل: معناه: لنأخذن بناصيته إلى النار، كما قال تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِي وَٱلأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: ٤١].
[واللام] في "لئن": لام توطئة للقسم، وهي من [لامات] التأكيد.
[واللام] في "لنسفعاً": لام قسم.
ومعنى "توطئة" أنها تؤذن بإتيان القسم بعدها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ أي: كاذب صاحبها خاطئ، وهي بدل من الأول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾.
أي: فليدع أبو جهل أهل مجلسه وأنصاره وعشيرته لنصرته.
روي أن النبي ﷺ [انتهر أبا] جهل لما نهاه) عن الصلاة، فقال أبو جهل: علام يتوعدني محمد وأنا أكثر أهل الوادي نادياً؟! فأنزل الله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، أي: أهل ناديه، فإن دعاهم ﴿سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ﴾ (لهم). قال ابن عباس: لو دعا ناديه لأخذته زبانية العذاب من ساعته.
قال أبو هريرة: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟
فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى، لئن رأيته يصلي كذلك لأطأن على رقبته. قال: فما [فجئهم] منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه.
قال: [فقيل له: ما لك]؟! قال: إن بيني وبينه خندقاً من نار [وهؤلاء]. قال: فقال رسول الله ﷺ: لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا.
قال ابن عباس: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، أي: "ناصره".
وقال قتادة: عشيرته.
والنادي والندي: المجلس.
والزبانية: ملائكة، وهم عند العرب الشرط، وهو مشتق من "زبنه" إذا دفعه، كأنهم يدفعون الكفار إلى النار. وواحد الزبانية عند أبي عبيدة: زبنية.
وقال عيسى بن عمر واحدهم: زابن.
وقال الأخفش: واحدهم: زباني.
وقال الكسائي: واحدهم: زبني.
قال عبد الله بن أبي الهذيل: "الزبانية: أرجلهم في الأرض ورؤوسهم في السماء".
* *
ثم قال: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ﴾.
أي: ليس الأمر على ما يقول أبو جهل في نهيه إياك يا محمد عن الصلاة وطاعة ربك، لا تطعه فيما أمرك به واسجد لربك واقترب منه بالدعاء والعمل الصالح في السجود.
وفي الحديث: "أقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجداً، (فأكثروا من الدعاء في السجود، فقمن أن يستجاب لكم
قال مجاهد: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، ألم تسمعوا إلى قوله: ﴿وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب﴾.
ويجوز أن تكون "كلا" بمعنى: "حقا"، وبمعنى: "ألا" فيبتدأ بها. وروى ابن وهب عن رجاله أن أبا جهل كان يقول: لئن رأيت محمداً يصلي لأطأن على رقبته، فأمر الله نبيه بالسجود، فقال: ﴿وَٱسْجُدْ﴾، وقال لأبي جهل: "واقترب"، على طريق التهدد، أي: اقترب من محمد إن كنت صادقا في قولك: فقيل لأبي جهل: هذا محمد يسجد، فاقترب منه! فقال: ما أستطيعه، إن بيني وبينه كالفحل، لو اقترتب منه لأهلكني.
هذه رواية ابن وهب، وفيها زيادة تفسير لما روي، وفيها بعض اختصار.
العلق 96:7
قوله: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى آخر السورة.
أي: اقرأ يا محمد بذكر ربك الذي خلق - ثم بين ما خلق، فقال: ﴿خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾.
أي: من الدم والمراد: من علقة. "وعلق" جمع "علقة"، فجمع: لأن الإنسان بمعنى الجماعة. ومعنى الباء اللزوم، أي: الزم القراءة بذكر ربك.
* *
ثم قال: ﴿ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ﴾ أي: الأكرم من كل شيء.
روى الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أول ما ابتدئ به رسول الله ﷺ من الوحي: الرؤيا [الصادقة]، كانت تجيء مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان بِحَراء يَتَحَنَّثُ فيه اللَّيَالي ذَواتِ العَدَدِ قبل أن يَرْجِعَ إلى أَهْلِهِ فَيَتَزَوَّدُ لمثلها حَتَّى [فَجِئَهُ] الحقَّ فَأَتَاه، فقالَ: يا مُحَمَّدُ، أنتَ رسولُ الله. قالَ رسولُ الله: فَجَثَوْتُ لِرُكْبَتَيَّ وأنا قائِمٌ ثُمَّ رَجِعْتُ يَرْجِفُ فُؤَادِي، ثُمَّ دَخَلْتُ - يريد على خديجة - فَقُلْتُ: زَمِّلُوني، زَمِّلُوني، حتى ذهب عني الروع ثم أتاني فقال: يا محمد، أنت رسول الله. (قال): فلقد هممت أن أطرح نفسي من حالق من جبل، فتبدى لي حين هممت بذلك فقال: يا محمد، أنا جبرائيل، وأنت رسول الله، ثم قال: اقرأ. قلت: ما أقرأ؟
فأخذني [فغطني] ثلاث مرات حتى بلغ مني الجهد، ثم قال: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾ فقرأت، فأتيت خديجة فقلت: لقد أشفقت على نفسي، وأخبرتها خبري، فقالت: أبشر، فوالله لا يحزنك الله أبداً. والله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتؤدي الأمانة، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتصبر على نوائب الحق. قال: ثم انطلقت بي خديجة إلى ورقة بن نفل بن أسد فقالت: اسمع من ابن أخيك. فسألني، فأخبرته خبري. فقال: هذا الناموس الذي أنزل على موسى ابن عمران. ليتني أكون فيها [جذعاً]، ليتني أكون حياً [حين] يخرجك قومك. قلت: [أمخرجي هم]؟! قال: نعم، إنه لم يجيء رجل قط بما جئت به إلا عودي. ولئن أدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً. ثم كان أول ما أنزل علي من القرآن - بعد "أقرأ" - ﴿[نۤ] وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾. حتى قرأ (إلى) ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾، (و) ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾.
﴿وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾
قال مجاهد وعطاء بن يسار وعبيد بن عمير وأبو رجاء [العطاردي]: أول ما نزل على النبي ﷺ: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾، كقول عائشة رضي الله عنها.
والرواية أنه إنما عليه من ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى قوله ﴿عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، ثم نزل باقيها بعد: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] و﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١].
* *
وقوله: ﴿ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ﴾ أي: علم خلقه الكتاب والخط.
قال قتادة: القلم نعمة من الله جل وعز عظيمة، لولا ذلك لم يتم أمر ولم يصلح عيش.
* *
ثم قال: ﴿عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ أي: علمه الخط بالقلم وغيره، ولم يكن يعلمه.
* *
ثم قال: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
قيل: "كلا" ردع ورد، ومعناها: ما هكذا ينبغي أن يكون الإنسان! [ينعم] عليه ربه بتسويته خلقه وتعليمه ما لم يكن يعلم ثم يكفر به!
ثم بين كفره من أين أتاه، فقال: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
أي: إن الإنسان إذا أحس بالغنى طغى واستكبر وكفر. فيوقف على "كلا" [على] هذا التأويل.
قال ابن مسعود: منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا.
فأما طالب العلم فيزداد خيفة. قال الله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وأما طالب الدنيا فيزداد طغيانا. قال الله: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
ويجوز أن [يكون] "كلا" بمعنى: "ألا"، فيبتدأ بها لأن المعنى الذي يكون رداً له لم يظهر لفظه في الآية، [فيبعد] أن [تكون] ردا لما (لم) ينص قبلها.
["ورأى"] هاهنا من رؤية القلب، دل على ذلك [تعدي] [الضمير] إلى المضمر، ولو كان من رؤية العين لم يجز "رآه"، والفاعل هو المفعول.
وإنما كان يقال: "رأى نفسه"، "كضرب نفسه". والمفعول الثاني ["لرأى"]: "استغنى".
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ﴾.
أي: إن إلى ربك - يا محمد - مرجع هذا الإنسان، فذائق من أليم عقابه ما لا طاقة لا به.
* *
ثم قال: ﴿أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ﴾.
روي أن هذه الآية نزلت في أبي جهل بن هشام، وذلك أنه قال: لئن رأيت [محمداً] يصلي عند المقام لأَطَأَنَّ رقبته. وكان ينهى رسول الله ﷺ أن يطي.
فالمعنى: أرأيت يا محمد أبا جهل الذي ينهاك عن الصلاة؟! يعجب نبيه من جهل أبي جهل وجرأته. هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد وقتادة.
قال قتادة: كان يقال: لكل أمة فرعون وفرعون هذه الأمة أبو جهل.
والجواب محذوف (لعلم [السامع]. فالمعنى والتقدير: أرأيت، يا محمد، الذي ينهى عبدا إذا صلى، أمصيب هو، أم هو آمن من العقوبة؟!
والمعنى عند سيبويه: أخبروني عن هذا.
* *
وقوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَىٰ ٱلْهُدَىٰ * أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ﴾.
أي: أرأيت إن كان محمد على الهدى والرشاد في صلاته لربه، أليس الناهي هالكاً ملعوناً؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ﴾.
أي: أو أمر محمد هذا الذي ينهاه عن الصلاة [بالتقوى] فلم يقبل منه، أليس هو مالكاً ملعوناً؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾.
أي: إن كذب أبو جهل بما جاء به محمد ﷺ وأعرض عنه وأدبر فلم يصدقه.
* *
﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ﴾.
[أي: ألم يعلم] أبو جهل بأن الله يراه فيما صنع من نهيه عن الصلاة وتكذيبه وإعراضه عما جاء به محمد ﷺ فيخاف أن تنزل به عقوبة من الله؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ﴾.
قيل: "كلا" رد وردع، والمعنى: لا يتهيأ لأبي جهل أن يتم له نهي النبي ﷺ عن صلاته وعبادته ربه.
وقال الطبري: المعنى: ليس الأمر كما يقول إنه يطأ عنق النبي ﷺ، أي: لا يقدر على ذلك ولا يصل إليه، فيوقف على "كلا" على تقدير التقديرين.
ويجوز أن تكون "كلا" بمعنى "حقاً". وبمعنى "ألا"، فيبتدأ بها، إذ ليس قبلها لفظ ظاهر تكون رداً له، وإنما يحسن الوقوف عليها إذا كان قبلها لفظ منصوص يحسن أن يكون رداً له. والوقف عند القتبي على "كلا"، وعند أبي حاتم: "يرى"، وهو الوجه الظاهر.
* *
وقوله: ﴿لَئِن لَّمْ يَنتَهِ﴾ تهدد ووعيد، أي: لئن لم ينته أبو جهل عن أذى محمد ﴿لَنَسْفَعاً بِٱلنَّاصِيَةِ﴾ أي: [لنأخذن] بمقدم رأسه فلنقهرنه (ولنذلنه).
يقال: سفعت بيده، إذا أخذت بها.
وقيل: معناه: لنسودن وجهه، فاكتفى بذكر الناصية من الوجه، إذا كانت الناصية في مقدم الوجه.
وقيل: معناه: لنأخذن بناصيته إلى النار، كما قال تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِي وَٱلأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: ٤١].
[واللام] في "لئن": لام توطئة للقسم، وهي من [لامات] التأكيد.
[واللام] في "لنسفعاً": لام قسم.
ومعنى "توطئة" أنها تؤذن بإتيان القسم بعدها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ أي: كاذب صاحبها خاطئ، وهي بدل من الأول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾.
أي: فليدع أبو جهل أهل مجلسه وأنصاره وعشيرته لنصرته.
روي أن النبي ﷺ [انتهر أبا] جهل لما نهاه) عن الصلاة، فقال أبو جهل: علام يتوعدني محمد وأنا أكثر أهل الوادي نادياً؟! فأنزل الله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، أي: أهل ناديه، فإن دعاهم ﴿سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ﴾ (لهم). قال ابن عباس: لو دعا ناديه لأخذته زبانية العذاب من ساعته.
قال أبو هريرة: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟
فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى، لئن رأيته يصلي كذلك لأطأن على رقبته. قال: فما [فجئهم] منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه.
قال: [فقيل له: ما لك]؟! قال: إن بيني وبينه خندقاً من نار [وهؤلاء]. قال: فقال رسول الله ﷺ: لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا.
قال ابن عباس: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، أي: "ناصره".
وقال قتادة: عشيرته.
والنادي والندي: المجلس.
والزبانية: ملائكة، وهم عند العرب الشرط، وهو مشتق من "زبنه" إذا دفعه، كأنهم يدفعون الكفار إلى النار. وواحد الزبانية عند أبي عبيدة: زبنية.
وقال عيسى بن عمر واحدهم: زابن.
وقال الأخفش: واحدهم: زباني.
وقال الكسائي: واحدهم: زبني.
قال عبد الله بن أبي الهذيل: "الزبانية: أرجلهم في الأرض ورؤوسهم في السماء".
* *
ثم قال: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ﴾.
أي: ليس الأمر على ما يقول أبو جهل في نهيه إياك يا محمد عن الصلاة وطاعة ربك، لا تطعه فيما أمرك به واسجد لربك واقترب منه بالدعاء والعمل الصالح في السجود.
وفي الحديث: "أقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجداً، (فأكثروا من الدعاء في السجود، فقمن أن يستجاب لكم
قال مجاهد: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، ألم تسمعوا إلى قوله: ﴿وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب﴾.
ويجوز أن تكون "كلا" بمعنى: "حقا"، وبمعنى: "ألا" فيبتدأ بها. وروى ابن وهب عن رجاله أن أبا جهل كان يقول: لئن رأيت محمداً يصلي لأطأن على رقبته، فأمر الله نبيه بالسجود، فقال: ﴿وَٱسْجُدْ﴾، وقال لأبي جهل: "واقترب"، على طريق التهدد، أي: اقترب من محمد إن كنت صادقا في قولك: فقيل لأبي جهل: هذا محمد يسجد، فاقترب منه! فقال: ما أستطيعه، إن بيني وبينه كالفحل، لو اقترتب منه لأهلكني.
هذه رواية ابن وهب، وفيها زيادة تفسير لما روي، وفيها بعض اختصار.
العلق 96:8
قوله: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى آخر السورة.
أي: اقرأ يا محمد بذكر ربك الذي خلق - ثم بين ما خلق، فقال: ﴿خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾.
أي: من الدم والمراد: من علقة. "وعلق" جمع "علقة"، فجمع: لأن الإنسان بمعنى الجماعة. ومعنى الباء اللزوم، أي: الزم القراءة بذكر ربك.
* *
ثم قال: ﴿ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ﴾ أي: الأكرم من كل شيء.
روى الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أول ما ابتدئ به رسول الله ﷺ من الوحي: الرؤيا [الصادقة]، كانت تجيء مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان بِحَراء يَتَحَنَّثُ فيه اللَّيَالي ذَواتِ العَدَدِ قبل أن يَرْجِعَ إلى أَهْلِهِ فَيَتَزَوَّدُ لمثلها حَتَّى [فَجِئَهُ] الحقَّ فَأَتَاه، فقالَ: يا مُحَمَّدُ، أنتَ رسولُ الله. قالَ رسولُ الله: فَجَثَوْتُ لِرُكْبَتَيَّ وأنا قائِمٌ ثُمَّ رَجِعْتُ يَرْجِفُ فُؤَادِي، ثُمَّ دَخَلْتُ - يريد على خديجة - فَقُلْتُ: زَمِّلُوني، زَمِّلُوني، حتى ذهب عني الروع ثم أتاني فقال: يا محمد، أنت رسول الله. (قال): فلقد هممت أن أطرح نفسي من حالق من جبل، فتبدى لي حين هممت بذلك فقال: يا محمد، أنا جبرائيل، وأنت رسول الله، ثم قال: اقرأ. قلت: ما أقرأ؟
فأخذني [فغطني] ثلاث مرات حتى بلغ مني الجهد، ثم قال: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾ فقرأت، فأتيت خديجة فقلت: لقد أشفقت على نفسي، وأخبرتها خبري، فقالت: أبشر، فوالله لا يحزنك الله أبداً. والله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتؤدي الأمانة، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتصبر على نوائب الحق. قال: ثم انطلقت بي خديجة إلى ورقة بن نفل بن أسد فقالت: اسمع من ابن أخيك. فسألني، فأخبرته خبري. فقال: هذا الناموس الذي أنزل على موسى ابن عمران. ليتني أكون فيها [جذعاً]، ليتني أكون حياً [حين] يخرجك قومك. قلت: [أمخرجي هم]؟! قال: نعم، إنه لم يجيء رجل قط بما جئت به إلا عودي. ولئن أدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً. ثم كان أول ما أنزل علي من القرآن - بعد "أقرأ" - ﴿[نۤ] وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾. حتى قرأ (إلى) ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾، (و) ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾.
﴿وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾
قال مجاهد وعطاء بن يسار وعبيد بن عمير وأبو رجاء [العطاردي]: أول ما نزل على النبي ﷺ: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾، كقول عائشة رضي الله عنها.
والرواية أنه إنما عليه من ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى قوله ﴿عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، ثم نزل باقيها بعد: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] و﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١].
* *
وقوله: ﴿ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ﴾ أي: علم خلقه الكتاب والخط.
قال قتادة: القلم نعمة من الله جل وعز عظيمة، لولا ذلك لم يتم أمر ولم يصلح عيش.
* *
ثم قال: ﴿عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ أي: علمه الخط بالقلم وغيره، ولم يكن يعلمه.
* *
ثم قال: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
قيل: "كلا" ردع ورد، ومعناها: ما هكذا ينبغي أن يكون الإنسان! [ينعم] عليه ربه بتسويته خلقه وتعليمه ما لم يكن يعلم ثم يكفر به!
ثم بين كفره من أين أتاه، فقال: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
أي: إن الإنسان إذا أحس بالغنى طغى واستكبر وكفر. فيوقف على "كلا" [على] هذا التأويل.
قال ابن مسعود: منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا.
فأما طالب العلم فيزداد خيفة. قال الله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وأما طالب الدنيا فيزداد طغيانا. قال الله: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
ويجوز أن [يكون] "كلا" بمعنى: "ألا"، فيبتدأ بها لأن المعنى الذي يكون رداً له لم يظهر لفظه في الآية، [فيبعد] أن [تكون] ردا لما (لم) ينص قبلها.
["ورأى"] هاهنا من رؤية القلب، دل على ذلك [تعدي] [الضمير] إلى المضمر، ولو كان من رؤية العين لم يجز "رآه"، والفاعل هو المفعول.
وإنما كان يقال: "رأى نفسه"، "كضرب نفسه". والمفعول الثاني ["لرأى"]: "استغنى".
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ﴾.
أي: إن إلى ربك - يا محمد - مرجع هذا الإنسان، فذائق من أليم عقابه ما لا طاقة لا به.
* *
ثم قال: ﴿أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ﴾.
روي أن هذه الآية نزلت في أبي جهل بن هشام، وذلك أنه قال: لئن رأيت [محمداً] يصلي عند المقام لأَطَأَنَّ رقبته. وكان ينهى رسول الله ﷺ أن يطي.
فالمعنى: أرأيت يا محمد أبا جهل الذي ينهاك عن الصلاة؟! يعجب نبيه من جهل أبي جهل وجرأته. هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد وقتادة.
قال قتادة: كان يقال: لكل أمة فرعون وفرعون هذه الأمة أبو جهل.
والجواب محذوف (لعلم [السامع]. فالمعنى والتقدير: أرأيت، يا محمد، الذي ينهى عبدا إذا صلى، أمصيب هو، أم هو آمن من العقوبة؟!
والمعنى عند سيبويه: أخبروني عن هذا.
* *
وقوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَىٰ ٱلْهُدَىٰ * أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ﴾.
أي: أرأيت إن كان محمد على الهدى والرشاد في صلاته لربه، أليس الناهي هالكاً ملعوناً؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ﴾.
أي: أو أمر محمد هذا الذي ينهاه عن الصلاة [بالتقوى] فلم يقبل منه، أليس هو مالكاً ملعوناً؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾.
أي: إن كذب أبو جهل بما جاء به محمد ﷺ وأعرض عنه وأدبر فلم يصدقه.
* *
﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ﴾.
[أي: ألم يعلم] أبو جهل بأن الله يراه فيما صنع من نهيه عن الصلاة وتكذيبه وإعراضه عما جاء به محمد ﷺ فيخاف أن تنزل به عقوبة من الله؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ﴾.
قيل: "كلا" رد وردع، والمعنى: لا يتهيأ لأبي جهل أن يتم له نهي النبي ﷺ عن صلاته وعبادته ربه.
وقال الطبري: المعنى: ليس الأمر كما يقول إنه يطأ عنق النبي ﷺ، أي: لا يقدر على ذلك ولا يصل إليه، فيوقف على "كلا" على تقدير التقديرين.
ويجوز أن تكون "كلا" بمعنى "حقاً". وبمعنى "ألا"، فيبتدأ بها، إذ ليس قبلها لفظ ظاهر تكون رداً له، وإنما يحسن الوقوف عليها إذا كان قبلها لفظ منصوص يحسن أن يكون رداً له. والوقف عند القتبي على "كلا"، وعند أبي حاتم: "يرى"، وهو الوجه الظاهر.
* *
وقوله: ﴿لَئِن لَّمْ يَنتَهِ﴾ تهدد ووعيد، أي: لئن لم ينته أبو جهل عن أذى محمد ﴿لَنَسْفَعاً بِٱلنَّاصِيَةِ﴾ أي: [لنأخذن] بمقدم رأسه فلنقهرنه (ولنذلنه).
يقال: سفعت بيده، إذا أخذت بها.
وقيل: معناه: لنسودن وجهه، فاكتفى بذكر الناصية من الوجه، إذا كانت الناصية في مقدم الوجه.
وقيل: معناه: لنأخذن بناصيته إلى النار، كما قال تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِي وَٱلأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: ٤١].
[واللام] في "لئن": لام توطئة للقسم، وهي من [لامات] التأكيد.
[واللام] في "لنسفعاً": لام قسم.
ومعنى "توطئة" أنها تؤذن بإتيان القسم بعدها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ أي: كاذب صاحبها خاطئ، وهي بدل من الأول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾.
أي: فليدع أبو جهل أهل مجلسه وأنصاره وعشيرته لنصرته.
روي أن النبي ﷺ [انتهر أبا] جهل لما نهاه) عن الصلاة، فقال أبو جهل: علام يتوعدني محمد وأنا أكثر أهل الوادي نادياً؟! فأنزل الله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، أي: أهل ناديه، فإن دعاهم ﴿سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ﴾ (لهم). قال ابن عباس: لو دعا ناديه لأخذته زبانية العذاب من ساعته.
قال أبو هريرة: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟
فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى، لئن رأيته يصلي كذلك لأطأن على رقبته. قال: فما [فجئهم] منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه.
قال: [فقيل له: ما لك]؟! قال: إن بيني وبينه خندقاً من نار [وهؤلاء]. قال: فقال رسول الله ﷺ: لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا.
قال ابن عباس: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، أي: "ناصره".
وقال قتادة: عشيرته.
والنادي والندي: المجلس.
والزبانية: ملائكة، وهم عند العرب الشرط، وهو مشتق من "زبنه" إذا دفعه، كأنهم يدفعون الكفار إلى النار. وواحد الزبانية عند أبي عبيدة: زبنية.
وقال عيسى بن عمر واحدهم: زابن.
وقال الأخفش: واحدهم: زباني.
وقال الكسائي: واحدهم: زبني.
قال عبد الله بن أبي الهذيل: "الزبانية: أرجلهم في الأرض ورؤوسهم في السماء".
* *
ثم قال: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ﴾.
أي: ليس الأمر على ما يقول أبو جهل في نهيه إياك يا محمد عن الصلاة وطاعة ربك، لا تطعه فيما أمرك به واسجد لربك واقترب منه بالدعاء والعمل الصالح في السجود.
وفي الحديث: "أقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجداً، (فأكثروا من الدعاء في السجود، فقمن أن يستجاب لكم
قال مجاهد: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، ألم تسمعوا إلى قوله: ﴿وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب﴾.
ويجوز أن تكون "كلا" بمعنى: "حقا"، وبمعنى: "ألا" فيبتدأ بها. وروى ابن وهب عن رجاله أن أبا جهل كان يقول: لئن رأيت محمداً يصلي لأطأن على رقبته، فأمر الله نبيه بالسجود، فقال: ﴿وَٱسْجُدْ﴾، وقال لأبي جهل: "واقترب"، على طريق التهدد، أي: اقترب من محمد إن كنت صادقا في قولك: فقيل لأبي جهل: هذا محمد يسجد، فاقترب منه! فقال: ما أستطيعه، إن بيني وبينه كالفحل، لو اقترتب منه لأهلكني.
هذه رواية ابن وهب، وفيها زيادة تفسير لما روي، وفيها بعض اختصار.
العلق 96:9
قوله: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى آخر السورة.
أي: اقرأ يا محمد بذكر ربك الذي خلق - ثم بين ما خلق، فقال: ﴿خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾.
أي: من الدم والمراد: من علقة. "وعلق" جمع "علقة"، فجمع: لأن الإنسان بمعنى الجماعة. ومعنى الباء اللزوم، أي: الزم القراءة بذكر ربك.
* *
ثم قال: ﴿ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ﴾ أي: الأكرم من كل شيء.
روى الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أول ما ابتدئ به رسول الله ﷺ من الوحي: الرؤيا [الصادقة]، كانت تجيء مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان بِحَراء يَتَحَنَّثُ فيه اللَّيَالي ذَواتِ العَدَدِ قبل أن يَرْجِعَ إلى أَهْلِهِ فَيَتَزَوَّدُ لمثلها حَتَّى [فَجِئَهُ] الحقَّ فَأَتَاه، فقالَ: يا مُحَمَّدُ، أنتَ رسولُ الله. قالَ رسولُ الله: فَجَثَوْتُ لِرُكْبَتَيَّ وأنا قائِمٌ ثُمَّ رَجِعْتُ يَرْجِفُ فُؤَادِي، ثُمَّ دَخَلْتُ - يريد على خديجة - فَقُلْتُ: زَمِّلُوني، زَمِّلُوني، حتى ذهب عني الروع ثم أتاني فقال: يا محمد، أنت رسول الله. (قال): فلقد هممت أن أطرح نفسي من حالق من جبل، فتبدى لي حين هممت بذلك فقال: يا محمد، أنا جبرائيل، وأنت رسول الله، ثم قال: اقرأ. قلت: ما أقرأ؟
فأخذني [فغطني] ثلاث مرات حتى بلغ مني الجهد، ثم قال: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾ فقرأت، فأتيت خديجة فقلت: لقد أشفقت على نفسي، وأخبرتها خبري، فقالت: أبشر، فوالله لا يحزنك الله أبداً. والله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتؤدي الأمانة، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتصبر على نوائب الحق. قال: ثم انطلقت بي خديجة إلى ورقة بن نفل بن أسد فقالت: اسمع من ابن أخيك. فسألني، فأخبرته خبري. فقال: هذا الناموس الذي أنزل على موسى ابن عمران. ليتني أكون فيها [جذعاً]، ليتني أكون حياً [حين] يخرجك قومك. قلت: [أمخرجي هم]؟! قال: نعم، إنه لم يجيء رجل قط بما جئت به إلا عودي. ولئن أدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً. ثم كان أول ما أنزل علي من القرآن - بعد "أقرأ" - ﴿[نۤ] وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾. حتى قرأ (إلى) ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾، (و) ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾.
﴿وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾
قال مجاهد وعطاء بن يسار وعبيد بن عمير وأبو رجاء [العطاردي]: أول ما نزل على النبي ﷺ: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾، كقول عائشة رضي الله عنها.
والرواية أنه إنما عليه من ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى قوله ﴿عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، ثم نزل باقيها بعد: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] و﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١].
* *
وقوله: ﴿ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ﴾ أي: علم خلقه الكتاب والخط.
قال قتادة: القلم نعمة من الله جل وعز عظيمة، لولا ذلك لم يتم أمر ولم يصلح عيش.
* *
ثم قال: ﴿عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ أي: علمه الخط بالقلم وغيره، ولم يكن يعلمه.
* *
ثم قال: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
قيل: "كلا" ردع ورد، ومعناها: ما هكذا ينبغي أن يكون الإنسان! [ينعم] عليه ربه بتسويته خلقه وتعليمه ما لم يكن يعلم ثم يكفر به!
ثم بين كفره من أين أتاه، فقال: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
أي: إن الإنسان إذا أحس بالغنى طغى واستكبر وكفر. فيوقف على "كلا" [على] هذا التأويل.
قال ابن مسعود: منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا.
فأما طالب العلم فيزداد خيفة. قال الله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وأما طالب الدنيا فيزداد طغيانا. قال الله: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
ويجوز أن [يكون] "كلا" بمعنى: "ألا"، فيبتدأ بها لأن المعنى الذي يكون رداً له لم يظهر لفظه في الآية، [فيبعد] أن [تكون] ردا لما (لم) ينص قبلها.
["ورأى"] هاهنا من رؤية القلب، دل على ذلك [تعدي] [الضمير] إلى المضمر، ولو كان من رؤية العين لم يجز "رآه"، والفاعل هو المفعول.
وإنما كان يقال: "رأى نفسه"، "كضرب نفسه". والمفعول الثاني ["لرأى"]: "استغنى".
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ﴾.
أي: إن إلى ربك - يا محمد - مرجع هذا الإنسان، فذائق من أليم عقابه ما لا طاقة لا به.
* *
ثم قال: ﴿أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ﴾.
روي أن هذه الآية نزلت في أبي جهل بن هشام، وذلك أنه قال: لئن رأيت [محمداً] يصلي عند المقام لأَطَأَنَّ رقبته. وكان ينهى رسول الله ﷺ أن يطي.
فالمعنى: أرأيت يا محمد أبا جهل الذي ينهاك عن الصلاة؟! يعجب نبيه من جهل أبي جهل وجرأته. هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد وقتادة.
قال قتادة: كان يقال: لكل أمة فرعون وفرعون هذه الأمة أبو جهل.
والجواب محذوف (لعلم [السامع]. فالمعنى والتقدير: أرأيت، يا محمد، الذي ينهى عبدا إذا صلى، أمصيب هو، أم هو آمن من العقوبة؟!
والمعنى عند سيبويه: أخبروني عن هذا.
* *
وقوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَىٰ ٱلْهُدَىٰ * أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ﴾.
أي: أرأيت إن كان محمد على الهدى والرشاد في صلاته لربه، أليس الناهي هالكاً ملعوناً؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ﴾.
أي: أو أمر محمد هذا الذي ينهاه عن الصلاة [بالتقوى] فلم يقبل منه، أليس هو مالكاً ملعوناً؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾.
أي: إن كذب أبو جهل بما جاء به محمد ﷺ وأعرض عنه وأدبر فلم يصدقه.
* *
﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ﴾.
[أي: ألم يعلم] أبو جهل بأن الله يراه فيما صنع من نهيه عن الصلاة وتكذيبه وإعراضه عما جاء به محمد ﷺ فيخاف أن تنزل به عقوبة من الله؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ﴾.
قيل: "كلا" رد وردع، والمعنى: لا يتهيأ لأبي جهل أن يتم له نهي النبي ﷺ عن صلاته وعبادته ربه.
وقال الطبري: المعنى: ليس الأمر كما يقول إنه يطأ عنق النبي ﷺ، أي: لا يقدر على ذلك ولا يصل إليه، فيوقف على "كلا" على تقدير التقديرين.
ويجوز أن تكون "كلا" بمعنى "حقاً". وبمعنى "ألا"، فيبتدأ بها، إذ ليس قبلها لفظ ظاهر تكون رداً له، وإنما يحسن الوقوف عليها إذا كان قبلها لفظ منصوص يحسن أن يكون رداً له. والوقف عند القتبي على "كلا"، وعند أبي حاتم: "يرى"، وهو الوجه الظاهر.
* *
وقوله: ﴿لَئِن لَّمْ يَنتَهِ﴾ تهدد ووعيد، أي: لئن لم ينته أبو جهل عن أذى محمد ﴿لَنَسْفَعاً بِٱلنَّاصِيَةِ﴾ أي: [لنأخذن] بمقدم رأسه فلنقهرنه (ولنذلنه).
يقال: سفعت بيده، إذا أخذت بها.
وقيل: معناه: لنسودن وجهه، فاكتفى بذكر الناصية من الوجه، إذا كانت الناصية في مقدم الوجه.
وقيل: معناه: لنأخذن بناصيته إلى النار، كما قال تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِي وَٱلأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: ٤١].
[واللام] في "لئن": لام توطئة للقسم، وهي من [لامات] التأكيد.
[واللام] في "لنسفعاً": لام قسم.
ومعنى "توطئة" أنها تؤذن بإتيان القسم بعدها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ أي: كاذب صاحبها خاطئ، وهي بدل من الأول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾.
أي: فليدع أبو جهل أهل مجلسه وأنصاره وعشيرته لنصرته.
روي أن النبي ﷺ [انتهر أبا] جهل لما نهاه) عن الصلاة، فقال أبو جهل: علام يتوعدني محمد وأنا أكثر أهل الوادي نادياً؟! فأنزل الله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، أي: أهل ناديه، فإن دعاهم ﴿سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ﴾ (لهم). قال ابن عباس: لو دعا ناديه لأخذته زبانية العذاب من ساعته.
قال أبو هريرة: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟
فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى، لئن رأيته يصلي كذلك لأطأن على رقبته. قال: فما [فجئهم] منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه.
قال: [فقيل له: ما لك]؟! قال: إن بيني وبينه خندقاً من نار [وهؤلاء]. قال: فقال رسول الله ﷺ: لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا.
قال ابن عباس: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، أي: "ناصره".
وقال قتادة: عشيرته.
والنادي والندي: المجلس.
والزبانية: ملائكة، وهم عند العرب الشرط، وهو مشتق من "زبنه" إذا دفعه، كأنهم يدفعون الكفار إلى النار. وواحد الزبانية عند أبي عبيدة: زبنية.
وقال عيسى بن عمر واحدهم: زابن.
وقال الأخفش: واحدهم: زباني.
وقال الكسائي: واحدهم: زبني.
قال عبد الله بن أبي الهذيل: "الزبانية: أرجلهم في الأرض ورؤوسهم في السماء".
* *
ثم قال: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ﴾.
أي: ليس الأمر على ما يقول أبو جهل في نهيه إياك يا محمد عن الصلاة وطاعة ربك، لا تطعه فيما أمرك به واسجد لربك واقترب منه بالدعاء والعمل الصالح في السجود.
وفي الحديث: "أقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجداً، (فأكثروا من الدعاء في السجود، فقمن أن يستجاب لكم
قال مجاهد: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، ألم تسمعوا إلى قوله: ﴿وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب﴾.
ويجوز أن تكون "كلا" بمعنى: "حقا"، وبمعنى: "ألا" فيبتدأ بها. وروى ابن وهب عن رجاله أن أبا جهل كان يقول: لئن رأيت محمداً يصلي لأطأن على رقبته، فأمر الله نبيه بالسجود، فقال: ﴿وَٱسْجُدْ﴾، وقال لأبي جهل: "واقترب"، على طريق التهدد، أي: اقترب من محمد إن كنت صادقا في قولك: فقيل لأبي جهل: هذا محمد يسجد، فاقترب منه! فقال: ما أستطيعه، إن بيني وبينه كالفحل، لو اقترتب منه لأهلكني.
هذه رواية ابن وهب، وفيها زيادة تفسير لما روي، وفيها بعض اختصار.
العلق 96:10
قوله: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى آخر السورة.
أي: اقرأ يا محمد بذكر ربك الذي خلق - ثم بين ما خلق، فقال: ﴿خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾.
أي: من الدم والمراد: من علقة. "وعلق" جمع "علقة"، فجمع: لأن الإنسان بمعنى الجماعة. ومعنى الباء اللزوم، أي: الزم القراءة بذكر ربك.
* *
ثم قال: ﴿ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ﴾ أي: الأكرم من كل شيء.
روى الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أول ما ابتدئ به رسول الله ﷺ من الوحي: الرؤيا [الصادقة]، كانت تجيء مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان بِحَراء يَتَحَنَّثُ فيه اللَّيَالي ذَواتِ العَدَدِ قبل أن يَرْجِعَ إلى أَهْلِهِ فَيَتَزَوَّدُ لمثلها حَتَّى [فَجِئَهُ] الحقَّ فَأَتَاه، فقالَ: يا مُحَمَّدُ، أنتَ رسولُ الله. قالَ رسولُ الله: فَجَثَوْتُ لِرُكْبَتَيَّ وأنا قائِمٌ ثُمَّ رَجِعْتُ يَرْجِفُ فُؤَادِي، ثُمَّ دَخَلْتُ - يريد على خديجة - فَقُلْتُ: زَمِّلُوني، زَمِّلُوني، حتى ذهب عني الروع ثم أتاني فقال: يا محمد، أنت رسول الله. (قال): فلقد هممت أن أطرح نفسي من حالق من جبل، فتبدى لي حين هممت بذلك فقال: يا محمد، أنا جبرائيل، وأنت رسول الله، ثم قال: اقرأ. قلت: ما أقرأ؟
فأخذني [فغطني] ثلاث مرات حتى بلغ مني الجهد، ثم قال: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾ فقرأت، فأتيت خديجة فقلت: لقد أشفقت على نفسي، وأخبرتها خبري، فقالت: أبشر، فوالله لا يحزنك الله أبداً. والله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتؤدي الأمانة، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتصبر على نوائب الحق. قال: ثم انطلقت بي خديجة إلى ورقة بن نفل بن أسد فقالت: اسمع من ابن أخيك. فسألني، فأخبرته خبري. فقال: هذا الناموس الذي أنزل على موسى ابن عمران. ليتني أكون فيها [جذعاً]، ليتني أكون حياً [حين] يخرجك قومك. قلت: [أمخرجي هم]؟! قال: نعم، إنه لم يجيء رجل قط بما جئت به إلا عودي. ولئن أدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً. ثم كان أول ما أنزل علي من القرآن - بعد "أقرأ" - ﴿[نۤ] وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾. حتى قرأ (إلى) ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾، (و) ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾.
﴿وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾
قال مجاهد وعطاء بن يسار وعبيد بن عمير وأبو رجاء [العطاردي]: أول ما نزل على النبي ﷺ: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾، كقول عائشة رضي الله عنها.
والرواية أنه إنما عليه من ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى قوله ﴿عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، ثم نزل باقيها بعد: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] و﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١].
* *
وقوله: ﴿ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ﴾ أي: علم خلقه الكتاب والخط.
قال قتادة: القلم نعمة من الله جل وعز عظيمة، لولا ذلك لم يتم أمر ولم يصلح عيش.
* *
ثم قال: ﴿عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ أي: علمه الخط بالقلم وغيره، ولم يكن يعلمه.
* *
ثم قال: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
قيل: "كلا" ردع ورد، ومعناها: ما هكذا ينبغي أن يكون الإنسان! [ينعم] عليه ربه بتسويته خلقه وتعليمه ما لم يكن يعلم ثم يكفر به!
ثم بين كفره من أين أتاه، فقال: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
أي: إن الإنسان إذا أحس بالغنى طغى واستكبر وكفر. فيوقف على "كلا" [على] هذا التأويل.
قال ابن مسعود: منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا.
فأما طالب العلم فيزداد خيفة. قال الله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وأما طالب الدنيا فيزداد طغيانا. قال الله: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
ويجوز أن [يكون] "كلا" بمعنى: "ألا"، فيبتدأ بها لأن المعنى الذي يكون رداً له لم يظهر لفظه في الآية، [فيبعد] أن [تكون] ردا لما (لم) ينص قبلها.
["ورأى"] هاهنا من رؤية القلب، دل على ذلك [تعدي] [الضمير] إلى المضمر، ولو كان من رؤية العين لم يجز "رآه"، والفاعل هو المفعول.
وإنما كان يقال: "رأى نفسه"، "كضرب نفسه". والمفعول الثاني ["لرأى"]: "استغنى".
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ﴾.
أي: إن إلى ربك - يا محمد - مرجع هذا الإنسان، فذائق من أليم عقابه ما لا طاقة لا به.
* *
ثم قال: ﴿أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ﴾.
روي أن هذه الآية نزلت في أبي جهل بن هشام، وذلك أنه قال: لئن رأيت [محمداً] يصلي عند المقام لأَطَأَنَّ رقبته. وكان ينهى رسول الله ﷺ أن يطي.
فالمعنى: أرأيت يا محمد أبا جهل الذي ينهاك عن الصلاة؟! يعجب نبيه من جهل أبي جهل وجرأته. هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد وقتادة.
قال قتادة: كان يقال: لكل أمة فرعون وفرعون هذه الأمة أبو جهل.
والجواب محذوف (لعلم [السامع]. فالمعنى والتقدير: أرأيت، يا محمد، الذي ينهى عبدا إذا صلى، أمصيب هو، أم هو آمن من العقوبة؟!
والمعنى عند سيبويه: أخبروني عن هذا.
* *
وقوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَىٰ ٱلْهُدَىٰ * أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ﴾.
أي: أرأيت إن كان محمد على الهدى والرشاد في صلاته لربه، أليس الناهي هالكاً ملعوناً؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ﴾.
أي: أو أمر محمد هذا الذي ينهاه عن الصلاة [بالتقوى] فلم يقبل منه، أليس هو مالكاً ملعوناً؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾.
أي: إن كذب أبو جهل بما جاء به محمد ﷺ وأعرض عنه وأدبر فلم يصدقه.
* *
﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ﴾.
[أي: ألم يعلم] أبو جهل بأن الله يراه فيما صنع من نهيه عن الصلاة وتكذيبه وإعراضه عما جاء به محمد ﷺ فيخاف أن تنزل به عقوبة من الله؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ﴾.
قيل: "كلا" رد وردع، والمعنى: لا يتهيأ لأبي جهل أن يتم له نهي النبي ﷺ عن صلاته وعبادته ربه.
وقال الطبري: المعنى: ليس الأمر كما يقول إنه يطأ عنق النبي ﷺ، أي: لا يقدر على ذلك ولا يصل إليه، فيوقف على "كلا" على تقدير التقديرين.
ويجوز أن تكون "كلا" بمعنى "حقاً". وبمعنى "ألا"، فيبتدأ بها، إذ ليس قبلها لفظ ظاهر تكون رداً له، وإنما يحسن الوقوف عليها إذا كان قبلها لفظ منصوص يحسن أن يكون رداً له. والوقف عند القتبي على "كلا"، وعند أبي حاتم: "يرى"، وهو الوجه الظاهر.
* *
وقوله: ﴿لَئِن لَّمْ يَنتَهِ﴾ تهدد ووعيد، أي: لئن لم ينته أبو جهل عن أذى محمد ﴿لَنَسْفَعاً بِٱلنَّاصِيَةِ﴾ أي: [لنأخذن] بمقدم رأسه فلنقهرنه (ولنذلنه).
يقال: سفعت بيده، إذا أخذت بها.
وقيل: معناه: لنسودن وجهه، فاكتفى بذكر الناصية من الوجه، إذا كانت الناصية في مقدم الوجه.
وقيل: معناه: لنأخذن بناصيته إلى النار، كما قال تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِي وَٱلأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: ٤١].
[واللام] في "لئن": لام توطئة للقسم، وهي من [لامات] التأكيد.
[واللام] في "لنسفعاً": لام قسم.
ومعنى "توطئة" أنها تؤذن بإتيان القسم بعدها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ أي: كاذب صاحبها خاطئ، وهي بدل من الأول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾.
أي: فليدع أبو جهل أهل مجلسه وأنصاره وعشيرته لنصرته.
روي أن النبي ﷺ [انتهر أبا] جهل لما نهاه) عن الصلاة، فقال أبو جهل: علام يتوعدني محمد وأنا أكثر أهل الوادي نادياً؟! فأنزل الله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، أي: أهل ناديه، فإن دعاهم ﴿سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ﴾ (لهم). قال ابن عباس: لو دعا ناديه لأخذته زبانية العذاب من ساعته.
قال أبو هريرة: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟
فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى، لئن رأيته يصلي كذلك لأطأن على رقبته. قال: فما [فجئهم] منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه.
قال: [فقيل له: ما لك]؟! قال: إن بيني وبينه خندقاً من نار [وهؤلاء]. قال: فقال رسول الله ﷺ: لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا.
قال ابن عباس: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، أي: "ناصره".
وقال قتادة: عشيرته.
والنادي والندي: المجلس.
والزبانية: ملائكة، وهم عند العرب الشرط، وهو مشتق من "زبنه" إذا دفعه، كأنهم يدفعون الكفار إلى النار. وواحد الزبانية عند أبي عبيدة: زبنية.
وقال عيسى بن عمر واحدهم: زابن.
وقال الأخفش: واحدهم: زباني.
وقال الكسائي: واحدهم: زبني.
قال عبد الله بن أبي الهذيل: "الزبانية: أرجلهم في الأرض ورؤوسهم في السماء".
* *
ثم قال: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ﴾.
أي: ليس الأمر على ما يقول أبو جهل في نهيه إياك يا محمد عن الصلاة وطاعة ربك، لا تطعه فيما أمرك به واسجد لربك واقترب منه بالدعاء والعمل الصالح في السجود.
وفي الحديث: "أقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجداً، (فأكثروا من الدعاء في السجود، فقمن أن يستجاب لكم
قال مجاهد: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، ألم تسمعوا إلى قوله: ﴿وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب﴾.
ويجوز أن تكون "كلا" بمعنى: "حقا"، وبمعنى: "ألا" فيبتدأ بها. وروى ابن وهب عن رجاله أن أبا جهل كان يقول: لئن رأيت محمداً يصلي لأطأن على رقبته، فأمر الله نبيه بالسجود، فقال: ﴿وَٱسْجُدْ﴾، وقال لأبي جهل: "واقترب"، على طريق التهدد، أي: اقترب من محمد إن كنت صادقا في قولك: فقيل لأبي جهل: هذا محمد يسجد، فاقترب منه! فقال: ما أستطيعه، إن بيني وبينه كالفحل، لو اقترتب منه لأهلكني.
هذه رواية ابن وهب، وفيها زيادة تفسير لما روي، وفيها بعض اختصار.
العلق 96:11
قوله: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى آخر السورة.
أي: اقرأ يا محمد بذكر ربك الذي خلق - ثم بين ما خلق، فقال: ﴿خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾.
أي: من الدم والمراد: من علقة. "وعلق" جمع "علقة"، فجمع: لأن الإنسان بمعنى الجماعة. ومعنى الباء اللزوم، أي: الزم القراءة بذكر ربك.
* *
ثم قال: ﴿ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ﴾ أي: الأكرم من كل شيء.
روى الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أول ما ابتدئ به رسول الله ﷺ من الوحي: الرؤيا [الصادقة]، كانت تجيء مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان بِحَراء يَتَحَنَّثُ فيه اللَّيَالي ذَواتِ العَدَدِ قبل أن يَرْجِعَ إلى أَهْلِهِ فَيَتَزَوَّدُ لمثلها حَتَّى [فَجِئَهُ] الحقَّ فَأَتَاه، فقالَ: يا مُحَمَّدُ، أنتَ رسولُ الله. قالَ رسولُ الله: فَجَثَوْتُ لِرُكْبَتَيَّ وأنا قائِمٌ ثُمَّ رَجِعْتُ يَرْجِفُ فُؤَادِي، ثُمَّ دَخَلْتُ - يريد على خديجة - فَقُلْتُ: زَمِّلُوني، زَمِّلُوني، حتى ذهب عني الروع ثم أتاني فقال: يا محمد، أنت رسول الله. (قال): فلقد هممت أن أطرح نفسي من حالق من جبل، فتبدى لي حين هممت بذلك فقال: يا محمد، أنا جبرائيل، وأنت رسول الله، ثم قال: اقرأ. قلت: ما أقرأ؟
فأخذني [فغطني] ثلاث مرات حتى بلغ مني الجهد، ثم قال: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾ فقرأت، فأتيت خديجة فقلت: لقد أشفقت على نفسي، وأخبرتها خبري، فقالت: أبشر، فوالله لا يحزنك الله أبداً. والله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتؤدي الأمانة، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتصبر على نوائب الحق. قال: ثم انطلقت بي خديجة إلى ورقة بن نفل بن أسد فقالت: اسمع من ابن أخيك. فسألني، فأخبرته خبري. فقال: هذا الناموس الذي أنزل على موسى ابن عمران. ليتني أكون فيها [جذعاً]، ليتني أكون حياً [حين] يخرجك قومك. قلت: [أمخرجي هم]؟! قال: نعم، إنه لم يجيء رجل قط بما جئت به إلا عودي. ولئن أدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً. ثم كان أول ما أنزل علي من القرآن - بعد "أقرأ" - ﴿[نۤ] وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾. حتى قرأ (إلى) ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾، (و) ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾.
﴿وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾
قال مجاهد وعطاء بن يسار وعبيد بن عمير وأبو رجاء [العطاردي]: أول ما نزل على النبي ﷺ: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾، كقول عائشة رضي الله عنها.
والرواية أنه إنما عليه من ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى قوله ﴿عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، ثم نزل باقيها بعد: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] و﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١].
* *
وقوله: ﴿ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ﴾ أي: علم خلقه الكتاب والخط.
قال قتادة: القلم نعمة من الله جل وعز عظيمة، لولا ذلك لم يتم أمر ولم يصلح عيش.
* *
ثم قال: ﴿عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ أي: علمه الخط بالقلم وغيره، ولم يكن يعلمه.
* *
ثم قال: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
قيل: "كلا" ردع ورد، ومعناها: ما هكذا ينبغي أن يكون الإنسان! [ينعم] عليه ربه بتسويته خلقه وتعليمه ما لم يكن يعلم ثم يكفر به!
ثم بين كفره من أين أتاه، فقال: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
أي: إن الإنسان إذا أحس بالغنى طغى واستكبر وكفر. فيوقف على "كلا" [على] هذا التأويل.
قال ابن مسعود: منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا.
فأما طالب العلم فيزداد خيفة. قال الله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وأما طالب الدنيا فيزداد طغيانا. قال الله: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
ويجوز أن [يكون] "كلا" بمعنى: "ألا"، فيبتدأ بها لأن المعنى الذي يكون رداً له لم يظهر لفظه في الآية، [فيبعد] أن [تكون] ردا لما (لم) ينص قبلها.
["ورأى"] هاهنا من رؤية القلب، دل على ذلك [تعدي] [الضمير] إلى المضمر، ولو كان من رؤية العين لم يجز "رآه"، والفاعل هو المفعول.
وإنما كان يقال: "رأى نفسه"، "كضرب نفسه". والمفعول الثاني ["لرأى"]: "استغنى".
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ﴾.
أي: إن إلى ربك - يا محمد - مرجع هذا الإنسان، فذائق من أليم عقابه ما لا طاقة لا به.
* *
ثم قال: ﴿أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ﴾.
روي أن هذه الآية نزلت في أبي جهل بن هشام، وذلك أنه قال: لئن رأيت [محمداً] يصلي عند المقام لأَطَأَنَّ رقبته. وكان ينهى رسول الله ﷺ أن يطي.
فالمعنى: أرأيت يا محمد أبا جهل الذي ينهاك عن الصلاة؟! يعجب نبيه من جهل أبي جهل وجرأته. هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد وقتادة.
قال قتادة: كان يقال: لكل أمة فرعون وفرعون هذه الأمة أبو جهل.
والجواب محذوف (لعلم [السامع]. فالمعنى والتقدير: أرأيت، يا محمد، الذي ينهى عبدا إذا صلى، أمصيب هو، أم هو آمن من العقوبة؟!
والمعنى عند سيبويه: أخبروني عن هذا.
* *
وقوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَىٰ ٱلْهُدَىٰ * أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ﴾.
أي: أرأيت إن كان محمد على الهدى والرشاد في صلاته لربه، أليس الناهي هالكاً ملعوناً؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ﴾.
أي: أو أمر محمد هذا الذي ينهاه عن الصلاة [بالتقوى] فلم يقبل منه، أليس هو مالكاً ملعوناً؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾.
أي: إن كذب أبو جهل بما جاء به محمد ﷺ وأعرض عنه وأدبر فلم يصدقه.
* *
﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ﴾.
[أي: ألم يعلم] أبو جهل بأن الله يراه فيما صنع من نهيه عن الصلاة وتكذيبه وإعراضه عما جاء به محمد ﷺ فيخاف أن تنزل به عقوبة من الله؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ﴾.
قيل: "كلا" رد وردع، والمعنى: لا يتهيأ لأبي جهل أن يتم له نهي النبي ﷺ عن صلاته وعبادته ربه.
وقال الطبري: المعنى: ليس الأمر كما يقول إنه يطأ عنق النبي ﷺ، أي: لا يقدر على ذلك ولا يصل إليه، فيوقف على "كلا" على تقدير التقديرين.
ويجوز أن تكون "كلا" بمعنى "حقاً". وبمعنى "ألا"، فيبتدأ بها، إذ ليس قبلها لفظ ظاهر تكون رداً له، وإنما يحسن الوقوف عليها إذا كان قبلها لفظ منصوص يحسن أن يكون رداً له. والوقف عند القتبي على "كلا"، وعند أبي حاتم: "يرى"، وهو الوجه الظاهر.
* *
وقوله: ﴿لَئِن لَّمْ يَنتَهِ﴾ تهدد ووعيد، أي: لئن لم ينته أبو جهل عن أذى محمد ﴿لَنَسْفَعاً بِٱلنَّاصِيَةِ﴾ أي: [لنأخذن] بمقدم رأسه فلنقهرنه (ولنذلنه).
يقال: سفعت بيده، إذا أخذت بها.
وقيل: معناه: لنسودن وجهه، فاكتفى بذكر الناصية من الوجه، إذا كانت الناصية في مقدم الوجه.
وقيل: معناه: لنأخذن بناصيته إلى النار، كما قال تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِي وَٱلأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: ٤١].
[واللام] في "لئن": لام توطئة للقسم، وهي من [لامات] التأكيد.
[واللام] في "لنسفعاً": لام قسم.
ومعنى "توطئة" أنها تؤذن بإتيان القسم بعدها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ أي: كاذب صاحبها خاطئ، وهي بدل من الأول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾.
أي: فليدع أبو جهل أهل مجلسه وأنصاره وعشيرته لنصرته.
روي أن النبي ﷺ [انتهر أبا] جهل لما نهاه) عن الصلاة، فقال أبو جهل: علام يتوعدني محمد وأنا أكثر أهل الوادي نادياً؟! فأنزل الله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، أي: أهل ناديه، فإن دعاهم ﴿سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ﴾ (لهم). قال ابن عباس: لو دعا ناديه لأخذته زبانية العذاب من ساعته.
قال أبو هريرة: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟
فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى، لئن رأيته يصلي كذلك لأطأن على رقبته. قال: فما [فجئهم] منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه.
قال: [فقيل له: ما لك]؟! قال: إن بيني وبينه خندقاً من نار [وهؤلاء]. قال: فقال رسول الله ﷺ: لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا.
قال ابن عباس: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، أي: "ناصره".
وقال قتادة: عشيرته.
والنادي والندي: المجلس.
والزبانية: ملائكة، وهم عند العرب الشرط، وهو مشتق من "زبنه" إذا دفعه، كأنهم يدفعون الكفار إلى النار. وواحد الزبانية عند أبي عبيدة: زبنية.
وقال عيسى بن عمر واحدهم: زابن.
وقال الأخفش: واحدهم: زباني.
وقال الكسائي: واحدهم: زبني.
قال عبد الله بن أبي الهذيل: "الزبانية: أرجلهم في الأرض ورؤوسهم في السماء".
* *
ثم قال: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ﴾.
أي: ليس الأمر على ما يقول أبو جهل في نهيه إياك يا محمد عن الصلاة وطاعة ربك، لا تطعه فيما أمرك به واسجد لربك واقترب منه بالدعاء والعمل الصالح في السجود.
وفي الحديث: "أقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجداً، (فأكثروا من الدعاء في السجود، فقمن أن يستجاب لكم
قال مجاهد: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، ألم تسمعوا إلى قوله: ﴿وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب﴾.
ويجوز أن تكون "كلا" بمعنى: "حقا"، وبمعنى: "ألا" فيبتدأ بها. وروى ابن وهب عن رجاله أن أبا جهل كان يقول: لئن رأيت محمداً يصلي لأطأن على رقبته، فأمر الله نبيه بالسجود، فقال: ﴿وَٱسْجُدْ﴾، وقال لأبي جهل: "واقترب"، على طريق التهدد، أي: اقترب من محمد إن كنت صادقا في قولك: فقيل لأبي جهل: هذا محمد يسجد، فاقترب منه! فقال: ما أستطيعه، إن بيني وبينه كالفحل، لو اقترتب منه لأهلكني.
هذه رواية ابن وهب، وفيها زيادة تفسير لما روي، وفيها بعض اختصار.
العلق 96:12
قوله: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى آخر السورة.
أي: اقرأ يا محمد بذكر ربك الذي خلق - ثم بين ما خلق، فقال: ﴿خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾.
أي: من الدم والمراد: من علقة. "وعلق" جمع "علقة"، فجمع: لأن الإنسان بمعنى الجماعة. ومعنى الباء اللزوم، أي: الزم القراءة بذكر ربك.
* *
ثم قال: ﴿ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ﴾ أي: الأكرم من كل شيء.
روى الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أول ما ابتدئ به رسول الله ﷺ من الوحي: الرؤيا [الصادقة]، كانت تجيء مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان بِحَراء يَتَحَنَّثُ فيه اللَّيَالي ذَواتِ العَدَدِ قبل أن يَرْجِعَ إلى أَهْلِهِ فَيَتَزَوَّدُ لمثلها حَتَّى [فَجِئَهُ] الحقَّ فَأَتَاه، فقالَ: يا مُحَمَّدُ، أنتَ رسولُ الله. قالَ رسولُ الله: فَجَثَوْتُ لِرُكْبَتَيَّ وأنا قائِمٌ ثُمَّ رَجِعْتُ يَرْجِفُ فُؤَادِي، ثُمَّ دَخَلْتُ - يريد على خديجة - فَقُلْتُ: زَمِّلُوني، زَمِّلُوني، حتى ذهب عني الروع ثم أتاني فقال: يا محمد، أنت رسول الله. (قال): فلقد هممت أن أطرح نفسي من حالق من جبل، فتبدى لي حين هممت بذلك فقال: يا محمد، أنا جبرائيل، وأنت رسول الله، ثم قال: اقرأ. قلت: ما أقرأ؟
فأخذني [فغطني] ثلاث مرات حتى بلغ مني الجهد، ثم قال: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾ فقرأت، فأتيت خديجة فقلت: لقد أشفقت على نفسي، وأخبرتها خبري، فقالت: أبشر، فوالله لا يحزنك الله أبداً. والله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتؤدي الأمانة، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتصبر على نوائب الحق. قال: ثم انطلقت بي خديجة إلى ورقة بن نفل بن أسد فقالت: اسمع من ابن أخيك. فسألني، فأخبرته خبري. فقال: هذا الناموس الذي أنزل على موسى ابن عمران. ليتني أكون فيها [جذعاً]، ليتني أكون حياً [حين] يخرجك قومك. قلت: [أمخرجي هم]؟! قال: نعم، إنه لم يجيء رجل قط بما جئت به إلا عودي. ولئن أدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً. ثم كان أول ما أنزل علي من القرآن - بعد "أقرأ" - ﴿[نۤ] وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾. حتى قرأ (إلى) ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾، (و) ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾.
﴿وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾
قال مجاهد وعطاء بن يسار وعبيد بن عمير وأبو رجاء [العطاردي]: أول ما نزل على النبي ﷺ: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾، كقول عائشة رضي الله عنها.
والرواية أنه إنما عليه من ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى قوله ﴿عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، ثم نزل باقيها بعد: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] و﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١].
* *
وقوله: ﴿ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ﴾ أي: علم خلقه الكتاب والخط.
قال قتادة: القلم نعمة من الله جل وعز عظيمة، لولا ذلك لم يتم أمر ولم يصلح عيش.
* *
ثم قال: ﴿عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ أي: علمه الخط بالقلم وغيره، ولم يكن يعلمه.
* *
ثم قال: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
قيل: "كلا" ردع ورد، ومعناها: ما هكذا ينبغي أن يكون الإنسان! [ينعم] عليه ربه بتسويته خلقه وتعليمه ما لم يكن يعلم ثم يكفر به!
ثم بين كفره من أين أتاه، فقال: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
أي: إن الإنسان إذا أحس بالغنى طغى واستكبر وكفر. فيوقف على "كلا" [على] هذا التأويل.
قال ابن مسعود: منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا.
فأما طالب العلم فيزداد خيفة. قال الله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وأما طالب الدنيا فيزداد طغيانا. قال الله: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
ويجوز أن [يكون] "كلا" بمعنى: "ألا"، فيبتدأ بها لأن المعنى الذي يكون رداً له لم يظهر لفظه في الآية، [فيبعد] أن [تكون] ردا لما (لم) ينص قبلها.
["ورأى"] هاهنا من رؤية القلب، دل على ذلك [تعدي] [الضمير] إلى المضمر، ولو كان من رؤية العين لم يجز "رآه"، والفاعل هو المفعول.
وإنما كان يقال: "رأى نفسه"، "كضرب نفسه". والمفعول الثاني ["لرأى"]: "استغنى".
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ﴾.
أي: إن إلى ربك - يا محمد - مرجع هذا الإنسان، فذائق من أليم عقابه ما لا طاقة لا به.
* *
ثم قال: ﴿أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ﴾.
روي أن هذه الآية نزلت في أبي جهل بن هشام، وذلك أنه قال: لئن رأيت [محمداً] يصلي عند المقام لأَطَأَنَّ رقبته. وكان ينهى رسول الله ﷺ أن يطي.
فالمعنى: أرأيت يا محمد أبا جهل الذي ينهاك عن الصلاة؟! يعجب نبيه من جهل أبي جهل وجرأته. هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد وقتادة.
قال قتادة: كان يقال: لكل أمة فرعون وفرعون هذه الأمة أبو جهل.
والجواب محذوف (لعلم [السامع]. فالمعنى والتقدير: أرأيت، يا محمد، الذي ينهى عبدا إذا صلى، أمصيب هو، أم هو آمن من العقوبة؟!
والمعنى عند سيبويه: أخبروني عن هذا.
* *
وقوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَىٰ ٱلْهُدَىٰ * أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ﴾.
أي: أرأيت إن كان محمد على الهدى والرشاد في صلاته لربه، أليس الناهي هالكاً ملعوناً؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ﴾.
أي: أو أمر محمد هذا الذي ينهاه عن الصلاة [بالتقوى] فلم يقبل منه، أليس هو مالكاً ملعوناً؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾.
أي: إن كذب أبو جهل بما جاء به محمد ﷺ وأعرض عنه وأدبر فلم يصدقه.
* *
﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ﴾.
[أي: ألم يعلم] أبو جهل بأن الله يراه فيما صنع من نهيه عن الصلاة وتكذيبه وإعراضه عما جاء به محمد ﷺ فيخاف أن تنزل به عقوبة من الله؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ﴾.
قيل: "كلا" رد وردع، والمعنى: لا يتهيأ لأبي جهل أن يتم له نهي النبي ﷺ عن صلاته وعبادته ربه.
وقال الطبري: المعنى: ليس الأمر كما يقول إنه يطأ عنق النبي ﷺ، أي: لا يقدر على ذلك ولا يصل إليه، فيوقف على "كلا" على تقدير التقديرين.
ويجوز أن تكون "كلا" بمعنى "حقاً". وبمعنى "ألا"، فيبتدأ بها، إذ ليس قبلها لفظ ظاهر تكون رداً له، وإنما يحسن الوقوف عليها إذا كان قبلها لفظ منصوص يحسن أن يكون رداً له. والوقف عند القتبي على "كلا"، وعند أبي حاتم: "يرى"، وهو الوجه الظاهر.
* *
وقوله: ﴿لَئِن لَّمْ يَنتَهِ﴾ تهدد ووعيد، أي: لئن لم ينته أبو جهل عن أذى محمد ﴿لَنَسْفَعاً بِٱلنَّاصِيَةِ﴾ أي: [لنأخذن] بمقدم رأسه فلنقهرنه (ولنذلنه).
يقال: سفعت بيده، إذا أخذت بها.
وقيل: معناه: لنسودن وجهه، فاكتفى بذكر الناصية من الوجه، إذا كانت الناصية في مقدم الوجه.
وقيل: معناه: لنأخذن بناصيته إلى النار، كما قال تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِي وَٱلأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: ٤١].
[واللام] في "لئن": لام توطئة للقسم، وهي من [لامات] التأكيد.
[واللام] في "لنسفعاً": لام قسم.
ومعنى "توطئة" أنها تؤذن بإتيان القسم بعدها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ أي: كاذب صاحبها خاطئ، وهي بدل من الأول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾.
أي: فليدع أبو جهل أهل مجلسه وأنصاره وعشيرته لنصرته.
روي أن النبي ﷺ [انتهر أبا] جهل لما نهاه) عن الصلاة، فقال أبو جهل: علام يتوعدني محمد وأنا أكثر أهل الوادي نادياً؟! فأنزل الله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، أي: أهل ناديه، فإن دعاهم ﴿سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ﴾ (لهم). قال ابن عباس: لو دعا ناديه لأخذته زبانية العذاب من ساعته.
قال أبو هريرة: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟
فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى، لئن رأيته يصلي كذلك لأطأن على رقبته. قال: فما [فجئهم] منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه.
قال: [فقيل له: ما لك]؟! قال: إن بيني وبينه خندقاً من نار [وهؤلاء]. قال: فقال رسول الله ﷺ: لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا.
قال ابن عباس: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، أي: "ناصره".
وقال قتادة: عشيرته.
والنادي والندي: المجلس.
والزبانية: ملائكة، وهم عند العرب الشرط، وهو مشتق من "زبنه" إذا دفعه، كأنهم يدفعون الكفار إلى النار. وواحد الزبانية عند أبي عبيدة: زبنية.
وقال عيسى بن عمر واحدهم: زابن.
وقال الأخفش: واحدهم: زباني.
وقال الكسائي: واحدهم: زبني.
قال عبد الله بن أبي الهذيل: "الزبانية: أرجلهم في الأرض ورؤوسهم في السماء".
* *
ثم قال: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ﴾.
أي: ليس الأمر على ما يقول أبو جهل في نهيه إياك يا محمد عن الصلاة وطاعة ربك، لا تطعه فيما أمرك به واسجد لربك واقترب منه بالدعاء والعمل الصالح في السجود.
وفي الحديث: "أقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجداً، (فأكثروا من الدعاء في السجود، فقمن أن يستجاب لكم
قال مجاهد: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، ألم تسمعوا إلى قوله: ﴿وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب﴾.
ويجوز أن تكون "كلا" بمعنى: "حقا"، وبمعنى: "ألا" فيبتدأ بها. وروى ابن وهب عن رجاله أن أبا جهل كان يقول: لئن رأيت محمداً يصلي لأطأن على رقبته، فأمر الله نبيه بالسجود، فقال: ﴿وَٱسْجُدْ﴾، وقال لأبي جهل: "واقترب"، على طريق التهدد، أي: اقترب من محمد إن كنت صادقا في قولك: فقيل لأبي جهل: هذا محمد يسجد، فاقترب منه! فقال: ما أستطيعه، إن بيني وبينه كالفحل، لو اقترتب منه لأهلكني.
هذه رواية ابن وهب، وفيها زيادة تفسير لما روي، وفيها بعض اختصار.
العلق 96:13
قوله: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى آخر السورة.
أي: اقرأ يا محمد بذكر ربك الذي خلق - ثم بين ما خلق، فقال: ﴿خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾.
أي: من الدم والمراد: من علقة. "وعلق" جمع "علقة"، فجمع: لأن الإنسان بمعنى الجماعة. ومعنى الباء اللزوم، أي: الزم القراءة بذكر ربك.
* *
ثم قال: ﴿ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ﴾ أي: الأكرم من كل شيء.
روى الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أول ما ابتدئ به رسول الله ﷺ من الوحي: الرؤيا [الصادقة]، كانت تجيء مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان بِحَراء يَتَحَنَّثُ فيه اللَّيَالي ذَواتِ العَدَدِ قبل أن يَرْجِعَ إلى أَهْلِهِ فَيَتَزَوَّدُ لمثلها حَتَّى [فَجِئَهُ] الحقَّ فَأَتَاه، فقالَ: يا مُحَمَّدُ، أنتَ رسولُ الله. قالَ رسولُ الله: فَجَثَوْتُ لِرُكْبَتَيَّ وأنا قائِمٌ ثُمَّ رَجِعْتُ يَرْجِفُ فُؤَادِي، ثُمَّ دَخَلْتُ - يريد على خديجة - فَقُلْتُ: زَمِّلُوني، زَمِّلُوني، حتى ذهب عني الروع ثم أتاني فقال: يا محمد، أنت رسول الله. (قال): فلقد هممت أن أطرح نفسي من حالق من جبل، فتبدى لي حين هممت بذلك فقال: يا محمد، أنا جبرائيل، وأنت رسول الله، ثم قال: اقرأ. قلت: ما أقرأ؟
فأخذني [فغطني] ثلاث مرات حتى بلغ مني الجهد، ثم قال: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾ فقرأت، فأتيت خديجة فقلت: لقد أشفقت على نفسي، وأخبرتها خبري، فقالت: أبشر، فوالله لا يحزنك الله أبداً. والله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتؤدي الأمانة، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتصبر على نوائب الحق. قال: ثم انطلقت بي خديجة إلى ورقة بن نفل بن أسد فقالت: اسمع من ابن أخيك. فسألني، فأخبرته خبري. فقال: هذا الناموس الذي أنزل على موسى ابن عمران. ليتني أكون فيها [جذعاً]، ليتني أكون حياً [حين] يخرجك قومك. قلت: [أمخرجي هم]؟! قال: نعم، إنه لم يجيء رجل قط بما جئت به إلا عودي. ولئن أدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً. ثم كان أول ما أنزل علي من القرآن - بعد "أقرأ" - ﴿[نۤ] وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾. حتى قرأ (إلى) ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾، (و) ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾.
﴿وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾
قال مجاهد وعطاء بن يسار وعبيد بن عمير وأبو رجاء [العطاردي]: أول ما نزل على النبي ﷺ: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾، كقول عائشة رضي الله عنها.
والرواية أنه إنما عليه من ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى قوله ﴿عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، ثم نزل باقيها بعد: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] و﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١].
* *
وقوله: ﴿ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ﴾ أي: علم خلقه الكتاب والخط.
قال قتادة: القلم نعمة من الله جل وعز عظيمة، لولا ذلك لم يتم أمر ولم يصلح عيش.
* *
ثم قال: ﴿عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ أي: علمه الخط بالقلم وغيره، ولم يكن يعلمه.
* *
ثم قال: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
قيل: "كلا" ردع ورد، ومعناها: ما هكذا ينبغي أن يكون الإنسان! [ينعم] عليه ربه بتسويته خلقه وتعليمه ما لم يكن يعلم ثم يكفر به!
ثم بين كفره من أين أتاه، فقال: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
أي: إن الإنسان إذا أحس بالغنى طغى واستكبر وكفر. فيوقف على "كلا" [على] هذا التأويل.
قال ابن مسعود: منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا.
فأما طالب العلم فيزداد خيفة. قال الله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وأما طالب الدنيا فيزداد طغيانا. قال الله: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
ويجوز أن [يكون] "كلا" بمعنى: "ألا"، فيبتدأ بها لأن المعنى الذي يكون رداً له لم يظهر لفظه في الآية، [فيبعد] أن [تكون] ردا لما (لم) ينص قبلها.
["ورأى"] هاهنا من رؤية القلب، دل على ذلك [تعدي] [الضمير] إلى المضمر، ولو كان من رؤية العين لم يجز "رآه"، والفاعل هو المفعول.
وإنما كان يقال: "رأى نفسه"، "كضرب نفسه". والمفعول الثاني ["لرأى"]: "استغنى".
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ﴾.
أي: إن إلى ربك - يا محمد - مرجع هذا الإنسان، فذائق من أليم عقابه ما لا طاقة لا به.
* *
ثم قال: ﴿أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ﴾.
روي أن هذه الآية نزلت في أبي جهل بن هشام، وذلك أنه قال: لئن رأيت [محمداً] يصلي عند المقام لأَطَأَنَّ رقبته. وكان ينهى رسول الله ﷺ أن يطي.
فالمعنى: أرأيت يا محمد أبا جهل الذي ينهاك عن الصلاة؟! يعجب نبيه من جهل أبي جهل وجرأته. هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد وقتادة.
قال قتادة: كان يقال: لكل أمة فرعون وفرعون هذه الأمة أبو جهل.
والجواب محذوف (لعلم [السامع]. فالمعنى والتقدير: أرأيت، يا محمد، الذي ينهى عبدا إذا صلى، أمصيب هو، أم هو آمن من العقوبة؟!
والمعنى عند سيبويه: أخبروني عن هذا.
* *
وقوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَىٰ ٱلْهُدَىٰ * أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ﴾.
أي: أرأيت إن كان محمد على الهدى والرشاد في صلاته لربه، أليس الناهي هالكاً ملعوناً؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ﴾.
أي: أو أمر محمد هذا الذي ينهاه عن الصلاة [بالتقوى] فلم يقبل منه، أليس هو مالكاً ملعوناً؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾.
أي: إن كذب أبو جهل بما جاء به محمد ﷺ وأعرض عنه وأدبر فلم يصدقه.
* *
﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ﴾.
[أي: ألم يعلم] أبو جهل بأن الله يراه فيما صنع من نهيه عن الصلاة وتكذيبه وإعراضه عما جاء به محمد ﷺ فيخاف أن تنزل به عقوبة من الله؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ﴾.
قيل: "كلا" رد وردع، والمعنى: لا يتهيأ لأبي جهل أن يتم له نهي النبي ﷺ عن صلاته وعبادته ربه.
وقال الطبري: المعنى: ليس الأمر كما يقول إنه يطأ عنق النبي ﷺ، أي: لا يقدر على ذلك ولا يصل إليه، فيوقف على "كلا" على تقدير التقديرين.
ويجوز أن تكون "كلا" بمعنى "حقاً". وبمعنى "ألا"، فيبتدأ بها، إذ ليس قبلها لفظ ظاهر تكون رداً له، وإنما يحسن الوقوف عليها إذا كان قبلها لفظ منصوص يحسن أن يكون رداً له. والوقف عند القتبي على "كلا"، وعند أبي حاتم: "يرى"، وهو الوجه الظاهر.
* *
وقوله: ﴿لَئِن لَّمْ يَنتَهِ﴾ تهدد ووعيد، أي: لئن لم ينته أبو جهل عن أذى محمد ﴿لَنَسْفَعاً بِٱلنَّاصِيَةِ﴾ أي: [لنأخذن] بمقدم رأسه فلنقهرنه (ولنذلنه).
يقال: سفعت بيده، إذا أخذت بها.
وقيل: معناه: لنسودن وجهه، فاكتفى بذكر الناصية من الوجه، إذا كانت الناصية في مقدم الوجه.
وقيل: معناه: لنأخذن بناصيته إلى النار، كما قال تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِي وَٱلأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: ٤١].
[واللام] في "لئن": لام توطئة للقسم، وهي من [لامات] التأكيد.
[واللام] في "لنسفعاً": لام قسم.
ومعنى "توطئة" أنها تؤذن بإتيان القسم بعدها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ أي: كاذب صاحبها خاطئ، وهي بدل من الأول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾.
أي: فليدع أبو جهل أهل مجلسه وأنصاره وعشيرته لنصرته.
روي أن النبي ﷺ [انتهر أبا] جهل لما نهاه) عن الصلاة، فقال أبو جهل: علام يتوعدني محمد وأنا أكثر أهل الوادي نادياً؟! فأنزل الله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، أي: أهل ناديه، فإن دعاهم ﴿سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ﴾ (لهم). قال ابن عباس: لو دعا ناديه لأخذته زبانية العذاب من ساعته.
قال أبو هريرة: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟
فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى، لئن رأيته يصلي كذلك لأطأن على رقبته. قال: فما [فجئهم] منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه.
قال: [فقيل له: ما لك]؟! قال: إن بيني وبينه خندقاً من نار [وهؤلاء]. قال: فقال رسول الله ﷺ: لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا.
قال ابن عباس: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، أي: "ناصره".
وقال قتادة: عشيرته.
والنادي والندي: المجلس.
والزبانية: ملائكة، وهم عند العرب الشرط، وهو مشتق من "زبنه" إذا دفعه، كأنهم يدفعون الكفار إلى النار. وواحد الزبانية عند أبي عبيدة: زبنية.
وقال عيسى بن عمر واحدهم: زابن.
وقال الأخفش: واحدهم: زباني.
وقال الكسائي: واحدهم: زبني.
قال عبد الله بن أبي الهذيل: "الزبانية: أرجلهم في الأرض ورؤوسهم في السماء".
* *
ثم قال: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ﴾.
أي: ليس الأمر على ما يقول أبو جهل في نهيه إياك يا محمد عن الصلاة وطاعة ربك، لا تطعه فيما أمرك به واسجد لربك واقترب منه بالدعاء والعمل الصالح في السجود.
وفي الحديث: "أقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجداً، (فأكثروا من الدعاء في السجود، فقمن أن يستجاب لكم
قال مجاهد: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، ألم تسمعوا إلى قوله: ﴿وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب﴾.
ويجوز أن تكون "كلا" بمعنى: "حقا"، وبمعنى: "ألا" فيبتدأ بها. وروى ابن وهب عن رجاله أن أبا جهل كان يقول: لئن رأيت محمداً يصلي لأطأن على رقبته، فأمر الله نبيه بالسجود، فقال: ﴿وَٱسْجُدْ﴾، وقال لأبي جهل: "واقترب"، على طريق التهدد، أي: اقترب من محمد إن كنت صادقا في قولك: فقيل لأبي جهل: هذا محمد يسجد، فاقترب منه! فقال: ما أستطيعه، إن بيني وبينه كالفحل، لو اقترتب منه لأهلكني.
هذه رواية ابن وهب، وفيها زيادة تفسير لما روي، وفيها بعض اختصار.
العلق 96:14
قوله: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى آخر السورة.
أي: اقرأ يا محمد بذكر ربك الذي خلق - ثم بين ما خلق، فقال: ﴿خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾.
أي: من الدم والمراد: من علقة. "وعلق" جمع "علقة"، فجمع: لأن الإنسان بمعنى الجماعة. ومعنى الباء اللزوم، أي: الزم القراءة بذكر ربك.
* *
ثم قال: ﴿ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ﴾ أي: الأكرم من كل شيء.
روى الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أول ما ابتدئ به رسول الله ﷺ من الوحي: الرؤيا [الصادقة]، كانت تجيء مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان بِحَراء يَتَحَنَّثُ فيه اللَّيَالي ذَواتِ العَدَدِ قبل أن يَرْجِعَ إلى أَهْلِهِ فَيَتَزَوَّدُ لمثلها حَتَّى [فَجِئَهُ] الحقَّ فَأَتَاه، فقالَ: يا مُحَمَّدُ، أنتَ رسولُ الله. قالَ رسولُ الله: فَجَثَوْتُ لِرُكْبَتَيَّ وأنا قائِمٌ ثُمَّ رَجِعْتُ يَرْجِفُ فُؤَادِي، ثُمَّ دَخَلْتُ - يريد على خديجة - فَقُلْتُ: زَمِّلُوني، زَمِّلُوني، حتى ذهب عني الروع ثم أتاني فقال: يا محمد، أنت رسول الله. (قال): فلقد هممت أن أطرح نفسي من حالق من جبل، فتبدى لي حين هممت بذلك فقال: يا محمد، أنا جبرائيل، وأنت رسول الله، ثم قال: اقرأ. قلت: ما أقرأ؟
فأخذني [فغطني] ثلاث مرات حتى بلغ مني الجهد، ثم قال: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾ فقرأت، فأتيت خديجة فقلت: لقد أشفقت على نفسي، وأخبرتها خبري، فقالت: أبشر، فوالله لا يحزنك الله أبداً. والله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتؤدي الأمانة، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتصبر على نوائب الحق. قال: ثم انطلقت بي خديجة إلى ورقة بن نفل بن أسد فقالت: اسمع من ابن أخيك. فسألني، فأخبرته خبري. فقال: هذا الناموس الذي أنزل على موسى ابن عمران. ليتني أكون فيها [جذعاً]، ليتني أكون حياً [حين] يخرجك قومك. قلت: [أمخرجي هم]؟! قال: نعم، إنه لم يجيء رجل قط بما جئت به إلا عودي. ولئن أدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً. ثم كان أول ما أنزل علي من القرآن - بعد "أقرأ" - ﴿[نۤ] وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾. حتى قرأ (إلى) ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾، (و) ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾.
﴿وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾
قال مجاهد وعطاء بن يسار وعبيد بن عمير وأبو رجاء [العطاردي]: أول ما نزل على النبي ﷺ: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾، كقول عائشة رضي الله عنها.
والرواية أنه إنما عليه من ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى قوله ﴿عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، ثم نزل باقيها بعد: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] و﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١].
* *
وقوله: ﴿ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ﴾ أي: علم خلقه الكتاب والخط.
قال قتادة: القلم نعمة من الله جل وعز عظيمة، لولا ذلك لم يتم أمر ولم يصلح عيش.
* *
ثم قال: ﴿عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ أي: علمه الخط بالقلم وغيره، ولم يكن يعلمه.
* *
ثم قال: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
قيل: "كلا" ردع ورد، ومعناها: ما هكذا ينبغي أن يكون الإنسان! [ينعم] عليه ربه بتسويته خلقه وتعليمه ما لم يكن يعلم ثم يكفر به!
ثم بين كفره من أين أتاه، فقال: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
أي: إن الإنسان إذا أحس بالغنى طغى واستكبر وكفر. فيوقف على "كلا" [على] هذا التأويل.
قال ابن مسعود: منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا.
فأما طالب العلم فيزداد خيفة. قال الله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وأما طالب الدنيا فيزداد طغيانا. قال الله: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
ويجوز أن [يكون] "كلا" بمعنى: "ألا"، فيبتدأ بها لأن المعنى الذي يكون رداً له لم يظهر لفظه في الآية، [فيبعد] أن [تكون] ردا لما (لم) ينص قبلها.
["ورأى"] هاهنا من رؤية القلب، دل على ذلك [تعدي] [الضمير] إلى المضمر، ولو كان من رؤية العين لم يجز "رآه"، والفاعل هو المفعول.
وإنما كان يقال: "رأى نفسه"، "كضرب نفسه". والمفعول الثاني ["لرأى"]: "استغنى".
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ﴾.
أي: إن إلى ربك - يا محمد - مرجع هذا الإنسان، فذائق من أليم عقابه ما لا طاقة لا به.
* *
ثم قال: ﴿أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ﴾.
روي أن هذه الآية نزلت في أبي جهل بن هشام، وذلك أنه قال: لئن رأيت [محمداً] يصلي عند المقام لأَطَأَنَّ رقبته. وكان ينهى رسول الله ﷺ أن يطي.
فالمعنى: أرأيت يا محمد أبا جهل الذي ينهاك عن الصلاة؟! يعجب نبيه من جهل أبي جهل وجرأته. هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد وقتادة.
قال قتادة: كان يقال: لكل أمة فرعون وفرعون هذه الأمة أبو جهل.
والجواب محذوف (لعلم [السامع]. فالمعنى والتقدير: أرأيت، يا محمد، الذي ينهى عبدا إذا صلى، أمصيب هو، أم هو آمن من العقوبة؟!
والمعنى عند سيبويه: أخبروني عن هذا.
* *
وقوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَىٰ ٱلْهُدَىٰ * أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ﴾.
أي: أرأيت إن كان محمد على الهدى والرشاد في صلاته لربه، أليس الناهي هالكاً ملعوناً؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ﴾.
أي: أو أمر محمد هذا الذي ينهاه عن الصلاة [بالتقوى] فلم يقبل منه، أليس هو مالكاً ملعوناً؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾.
أي: إن كذب أبو جهل بما جاء به محمد ﷺ وأعرض عنه وأدبر فلم يصدقه.
* *
﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ﴾.
[أي: ألم يعلم] أبو جهل بأن الله يراه فيما صنع من نهيه عن الصلاة وتكذيبه وإعراضه عما جاء به محمد ﷺ فيخاف أن تنزل به عقوبة من الله؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ﴾.
قيل: "كلا" رد وردع، والمعنى: لا يتهيأ لأبي جهل أن يتم له نهي النبي ﷺ عن صلاته وعبادته ربه.
وقال الطبري: المعنى: ليس الأمر كما يقول إنه يطأ عنق النبي ﷺ، أي: لا يقدر على ذلك ولا يصل إليه، فيوقف على "كلا" على تقدير التقديرين.
ويجوز أن تكون "كلا" بمعنى "حقاً". وبمعنى "ألا"، فيبتدأ بها، إذ ليس قبلها لفظ ظاهر تكون رداً له، وإنما يحسن الوقوف عليها إذا كان قبلها لفظ منصوص يحسن أن يكون رداً له. والوقف عند القتبي على "كلا"، وعند أبي حاتم: "يرى"، وهو الوجه الظاهر.
* *
وقوله: ﴿لَئِن لَّمْ يَنتَهِ﴾ تهدد ووعيد، أي: لئن لم ينته أبو جهل عن أذى محمد ﴿لَنَسْفَعاً بِٱلنَّاصِيَةِ﴾ أي: [لنأخذن] بمقدم رأسه فلنقهرنه (ولنذلنه).
يقال: سفعت بيده، إذا أخذت بها.
وقيل: معناه: لنسودن وجهه، فاكتفى بذكر الناصية من الوجه، إذا كانت الناصية في مقدم الوجه.
وقيل: معناه: لنأخذن بناصيته إلى النار، كما قال تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِي وَٱلأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: ٤١].
[واللام] في "لئن": لام توطئة للقسم، وهي من [لامات] التأكيد.
[واللام] في "لنسفعاً": لام قسم.
ومعنى "توطئة" أنها تؤذن بإتيان القسم بعدها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ أي: كاذب صاحبها خاطئ، وهي بدل من الأول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾.
أي: فليدع أبو جهل أهل مجلسه وأنصاره وعشيرته لنصرته.
روي أن النبي ﷺ [انتهر أبا] جهل لما نهاه) عن الصلاة، فقال أبو جهل: علام يتوعدني محمد وأنا أكثر أهل الوادي نادياً؟! فأنزل الله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، أي: أهل ناديه، فإن دعاهم ﴿سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ﴾ (لهم). قال ابن عباس: لو دعا ناديه لأخذته زبانية العذاب من ساعته.
قال أبو هريرة: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟
فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى، لئن رأيته يصلي كذلك لأطأن على رقبته. قال: فما [فجئهم] منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه.
قال: [فقيل له: ما لك]؟! قال: إن بيني وبينه خندقاً من نار [وهؤلاء]. قال: فقال رسول الله ﷺ: لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا.
قال ابن عباس: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، أي: "ناصره".
وقال قتادة: عشيرته.
والنادي والندي: المجلس.
والزبانية: ملائكة، وهم عند العرب الشرط، وهو مشتق من "زبنه" إذا دفعه، كأنهم يدفعون الكفار إلى النار. وواحد الزبانية عند أبي عبيدة: زبنية.
وقال عيسى بن عمر واحدهم: زابن.
وقال الأخفش: واحدهم: زباني.
وقال الكسائي: واحدهم: زبني.
قال عبد الله بن أبي الهذيل: "الزبانية: أرجلهم في الأرض ورؤوسهم في السماء".
* *
ثم قال: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ﴾.
أي: ليس الأمر على ما يقول أبو جهل في نهيه إياك يا محمد عن الصلاة وطاعة ربك، لا تطعه فيما أمرك به واسجد لربك واقترب منه بالدعاء والعمل الصالح في السجود.
وفي الحديث: "أقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجداً، (فأكثروا من الدعاء في السجود، فقمن أن يستجاب لكم
قال مجاهد: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، ألم تسمعوا إلى قوله: ﴿وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب﴾.
ويجوز أن تكون "كلا" بمعنى: "حقا"، وبمعنى: "ألا" فيبتدأ بها. وروى ابن وهب عن رجاله أن أبا جهل كان يقول: لئن رأيت محمداً يصلي لأطأن على رقبته، فأمر الله نبيه بالسجود، فقال: ﴿وَٱسْجُدْ﴾، وقال لأبي جهل: "واقترب"، على طريق التهدد، أي: اقترب من محمد إن كنت صادقا في قولك: فقيل لأبي جهل: هذا محمد يسجد، فاقترب منه! فقال: ما أستطيعه، إن بيني وبينه كالفحل، لو اقترتب منه لأهلكني.
هذه رواية ابن وهب، وفيها زيادة تفسير لما روي، وفيها بعض اختصار.
العلق 96:15
قوله: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى آخر السورة.
أي: اقرأ يا محمد بذكر ربك الذي خلق - ثم بين ما خلق، فقال: ﴿خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾.
أي: من الدم والمراد: من علقة. "وعلق" جمع "علقة"، فجمع: لأن الإنسان بمعنى الجماعة. ومعنى الباء اللزوم، أي: الزم القراءة بذكر ربك.
* *
ثم قال: ﴿ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ﴾ أي: الأكرم من كل شيء.
روى الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أول ما ابتدئ به رسول الله ﷺ من الوحي: الرؤيا [الصادقة]، كانت تجيء مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان بِحَراء يَتَحَنَّثُ فيه اللَّيَالي ذَواتِ العَدَدِ قبل أن يَرْجِعَ إلى أَهْلِهِ فَيَتَزَوَّدُ لمثلها حَتَّى [فَجِئَهُ] الحقَّ فَأَتَاه، فقالَ: يا مُحَمَّدُ، أنتَ رسولُ الله. قالَ رسولُ الله: فَجَثَوْتُ لِرُكْبَتَيَّ وأنا قائِمٌ ثُمَّ رَجِعْتُ يَرْجِفُ فُؤَادِي، ثُمَّ دَخَلْتُ - يريد على خديجة - فَقُلْتُ: زَمِّلُوني، زَمِّلُوني، حتى ذهب عني الروع ثم أتاني فقال: يا محمد، أنت رسول الله. (قال): فلقد هممت أن أطرح نفسي من حالق من جبل، فتبدى لي حين هممت بذلك فقال: يا محمد، أنا جبرائيل، وأنت رسول الله، ثم قال: اقرأ. قلت: ما أقرأ؟
فأخذني [فغطني] ثلاث مرات حتى بلغ مني الجهد، ثم قال: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾ فقرأت، فأتيت خديجة فقلت: لقد أشفقت على نفسي، وأخبرتها خبري، فقالت: أبشر، فوالله لا يحزنك الله أبداً. والله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتؤدي الأمانة، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتصبر على نوائب الحق. قال: ثم انطلقت بي خديجة إلى ورقة بن نفل بن أسد فقالت: اسمع من ابن أخيك. فسألني، فأخبرته خبري. فقال: هذا الناموس الذي أنزل على موسى ابن عمران. ليتني أكون فيها [جذعاً]، ليتني أكون حياً [حين] يخرجك قومك. قلت: [أمخرجي هم]؟! قال: نعم، إنه لم يجيء رجل قط بما جئت به إلا عودي. ولئن أدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً. ثم كان أول ما أنزل علي من القرآن - بعد "أقرأ" - ﴿[نۤ] وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾. حتى قرأ (إلى) ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾، (و) ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾.
﴿وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾
قال مجاهد وعطاء بن يسار وعبيد بن عمير وأبو رجاء [العطاردي]: أول ما نزل على النبي ﷺ: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾، كقول عائشة رضي الله عنها.
والرواية أنه إنما عليه من ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى قوله ﴿عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، ثم نزل باقيها بعد: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] و﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١].
* *
وقوله: ﴿ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ﴾ أي: علم خلقه الكتاب والخط.
قال قتادة: القلم نعمة من الله جل وعز عظيمة، لولا ذلك لم يتم أمر ولم يصلح عيش.
* *
ثم قال: ﴿عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ أي: علمه الخط بالقلم وغيره، ولم يكن يعلمه.
* *
ثم قال: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
قيل: "كلا" ردع ورد، ومعناها: ما هكذا ينبغي أن يكون الإنسان! [ينعم] عليه ربه بتسويته خلقه وتعليمه ما لم يكن يعلم ثم يكفر به!
ثم بين كفره من أين أتاه، فقال: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
أي: إن الإنسان إذا أحس بالغنى طغى واستكبر وكفر. فيوقف على "كلا" [على] هذا التأويل.
قال ابن مسعود: منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا.
فأما طالب العلم فيزداد خيفة. قال الله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وأما طالب الدنيا فيزداد طغيانا. قال الله: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
ويجوز أن [يكون] "كلا" بمعنى: "ألا"، فيبتدأ بها لأن المعنى الذي يكون رداً له لم يظهر لفظه في الآية، [فيبعد] أن [تكون] ردا لما (لم) ينص قبلها.
["ورأى"] هاهنا من رؤية القلب، دل على ذلك [تعدي] [الضمير] إلى المضمر، ولو كان من رؤية العين لم يجز "رآه"، والفاعل هو المفعول.
وإنما كان يقال: "رأى نفسه"، "كضرب نفسه". والمفعول الثاني ["لرأى"]: "استغنى".
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ﴾.
أي: إن إلى ربك - يا محمد - مرجع هذا الإنسان، فذائق من أليم عقابه ما لا طاقة لا به.
* *
ثم قال: ﴿أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ﴾.
روي أن هذه الآية نزلت في أبي جهل بن هشام، وذلك أنه قال: لئن رأيت [محمداً] يصلي عند المقام لأَطَأَنَّ رقبته. وكان ينهى رسول الله ﷺ أن يطي.
فالمعنى: أرأيت يا محمد أبا جهل الذي ينهاك عن الصلاة؟! يعجب نبيه من جهل أبي جهل وجرأته. هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد وقتادة.
قال قتادة: كان يقال: لكل أمة فرعون وفرعون هذه الأمة أبو جهل.
والجواب محذوف (لعلم [السامع]. فالمعنى والتقدير: أرأيت، يا محمد، الذي ينهى عبدا إذا صلى، أمصيب هو، أم هو آمن من العقوبة؟!
والمعنى عند سيبويه: أخبروني عن هذا.
* *
وقوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَىٰ ٱلْهُدَىٰ * أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ﴾.
أي: أرأيت إن كان محمد على الهدى والرشاد في صلاته لربه، أليس الناهي هالكاً ملعوناً؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ﴾.
أي: أو أمر محمد هذا الذي ينهاه عن الصلاة [بالتقوى] فلم يقبل منه، أليس هو مالكاً ملعوناً؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾.
أي: إن كذب أبو جهل بما جاء به محمد ﷺ وأعرض عنه وأدبر فلم يصدقه.
* *
﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ﴾.
[أي: ألم يعلم] أبو جهل بأن الله يراه فيما صنع من نهيه عن الصلاة وتكذيبه وإعراضه عما جاء به محمد ﷺ فيخاف أن تنزل به عقوبة من الله؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ﴾.
قيل: "كلا" رد وردع، والمعنى: لا يتهيأ لأبي جهل أن يتم له نهي النبي ﷺ عن صلاته وعبادته ربه.
وقال الطبري: المعنى: ليس الأمر كما يقول إنه يطأ عنق النبي ﷺ، أي: لا يقدر على ذلك ولا يصل إليه، فيوقف على "كلا" على تقدير التقديرين.
ويجوز أن تكون "كلا" بمعنى "حقاً". وبمعنى "ألا"، فيبتدأ بها، إذ ليس قبلها لفظ ظاهر تكون رداً له، وإنما يحسن الوقوف عليها إذا كان قبلها لفظ منصوص يحسن أن يكون رداً له. والوقف عند القتبي على "كلا"، وعند أبي حاتم: "يرى"، وهو الوجه الظاهر.
* *
وقوله: ﴿لَئِن لَّمْ يَنتَهِ﴾ تهدد ووعيد، أي: لئن لم ينته أبو جهل عن أذى محمد ﴿لَنَسْفَعاً بِٱلنَّاصِيَةِ﴾ أي: [لنأخذن] بمقدم رأسه فلنقهرنه (ولنذلنه).
يقال: سفعت بيده، إذا أخذت بها.
وقيل: معناه: لنسودن وجهه، فاكتفى بذكر الناصية من الوجه، إذا كانت الناصية في مقدم الوجه.
وقيل: معناه: لنأخذن بناصيته إلى النار، كما قال تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِي وَٱلأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: ٤١].
[واللام] في "لئن": لام توطئة للقسم، وهي من [لامات] التأكيد.
[واللام] في "لنسفعاً": لام قسم.
ومعنى "توطئة" أنها تؤذن بإتيان القسم بعدها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ أي: كاذب صاحبها خاطئ، وهي بدل من الأول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾.
أي: فليدع أبو جهل أهل مجلسه وأنصاره وعشيرته لنصرته.
روي أن النبي ﷺ [انتهر أبا] جهل لما نهاه) عن الصلاة، فقال أبو جهل: علام يتوعدني محمد وأنا أكثر أهل الوادي نادياً؟! فأنزل الله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، أي: أهل ناديه، فإن دعاهم ﴿سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ﴾ (لهم). قال ابن عباس: لو دعا ناديه لأخذته زبانية العذاب من ساعته.
قال أبو هريرة: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟
فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى، لئن رأيته يصلي كذلك لأطأن على رقبته. قال: فما [فجئهم] منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه.
قال: [فقيل له: ما لك]؟! قال: إن بيني وبينه خندقاً من نار [وهؤلاء]. قال: فقال رسول الله ﷺ: لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا.
قال ابن عباس: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، أي: "ناصره".
وقال قتادة: عشيرته.
والنادي والندي: المجلس.
والزبانية: ملائكة، وهم عند العرب الشرط، وهو مشتق من "زبنه" إذا دفعه، كأنهم يدفعون الكفار إلى النار. وواحد الزبانية عند أبي عبيدة: زبنية.
وقال عيسى بن عمر واحدهم: زابن.
وقال الأخفش: واحدهم: زباني.
وقال الكسائي: واحدهم: زبني.
قال عبد الله بن أبي الهذيل: "الزبانية: أرجلهم في الأرض ورؤوسهم في السماء".
* *
ثم قال: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ﴾.
أي: ليس الأمر على ما يقول أبو جهل في نهيه إياك يا محمد عن الصلاة وطاعة ربك، لا تطعه فيما أمرك به واسجد لربك واقترب منه بالدعاء والعمل الصالح في السجود.
وفي الحديث: "أقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجداً، (فأكثروا من الدعاء في السجود، فقمن أن يستجاب لكم
قال مجاهد: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، ألم تسمعوا إلى قوله: ﴿وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب﴾.
ويجوز أن تكون "كلا" بمعنى: "حقا"، وبمعنى: "ألا" فيبتدأ بها. وروى ابن وهب عن رجاله أن أبا جهل كان يقول: لئن رأيت محمداً يصلي لأطأن على رقبته، فأمر الله نبيه بالسجود، فقال: ﴿وَٱسْجُدْ﴾، وقال لأبي جهل: "واقترب"، على طريق التهدد، أي: اقترب من محمد إن كنت صادقا في قولك: فقيل لأبي جهل: هذا محمد يسجد، فاقترب منه! فقال: ما أستطيعه، إن بيني وبينه كالفحل، لو اقترتب منه لأهلكني.
هذه رواية ابن وهب، وفيها زيادة تفسير لما روي، وفيها بعض اختصار.
العلق 96:16
قوله: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى آخر السورة.
أي: اقرأ يا محمد بذكر ربك الذي خلق - ثم بين ما خلق، فقال: ﴿خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾.
أي: من الدم والمراد: من علقة. "وعلق" جمع "علقة"، فجمع: لأن الإنسان بمعنى الجماعة. ومعنى الباء اللزوم، أي: الزم القراءة بذكر ربك.
* *
ثم قال: ﴿ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ﴾ أي: الأكرم من كل شيء.
روى الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أول ما ابتدئ به رسول الله ﷺ من الوحي: الرؤيا [الصادقة]، كانت تجيء مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان بِحَراء يَتَحَنَّثُ فيه اللَّيَالي ذَواتِ العَدَدِ قبل أن يَرْجِعَ إلى أَهْلِهِ فَيَتَزَوَّدُ لمثلها حَتَّى [فَجِئَهُ] الحقَّ فَأَتَاه، فقالَ: يا مُحَمَّدُ، أنتَ رسولُ الله. قالَ رسولُ الله: فَجَثَوْتُ لِرُكْبَتَيَّ وأنا قائِمٌ ثُمَّ رَجِعْتُ يَرْجِفُ فُؤَادِي، ثُمَّ دَخَلْتُ - يريد على خديجة - فَقُلْتُ: زَمِّلُوني، زَمِّلُوني، حتى ذهب عني الروع ثم أتاني فقال: يا محمد، أنت رسول الله. (قال): فلقد هممت أن أطرح نفسي من حالق من جبل، فتبدى لي حين هممت بذلك فقال: يا محمد، أنا جبرائيل، وأنت رسول الله، ثم قال: اقرأ. قلت: ما أقرأ؟
فأخذني [فغطني] ثلاث مرات حتى بلغ مني الجهد، ثم قال: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾ فقرأت، فأتيت خديجة فقلت: لقد أشفقت على نفسي، وأخبرتها خبري، فقالت: أبشر، فوالله لا يحزنك الله أبداً. والله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتؤدي الأمانة، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتصبر على نوائب الحق. قال: ثم انطلقت بي خديجة إلى ورقة بن نفل بن أسد فقالت: اسمع من ابن أخيك. فسألني، فأخبرته خبري. فقال: هذا الناموس الذي أنزل على موسى ابن عمران. ليتني أكون فيها [جذعاً]، ليتني أكون حياً [حين] يخرجك قومك. قلت: [أمخرجي هم]؟! قال: نعم، إنه لم يجيء رجل قط بما جئت به إلا عودي. ولئن أدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً. ثم كان أول ما أنزل علي من القرآن - بعد "أقرأ" - ﴿[نۤ] وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾. حتى قرأ (إلى) ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾، (و) ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾.
﴿وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾
قال مجاهد وعطاء بن يسار وعبيد بن عمير وأبو رجاء [العطاردي]: أول ما نزل على النبي ﷺ: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾، كقول عائشة رضي الله عنها.
والرواية أنه إنما عليه من ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى قوله ﴿عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، ثم نزل باقيها بعد: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] و﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١].
* *
وقوله: ﴿ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ﴾ أي: علم خلقه الكتاب والخط.
قال قتادة: القلم نعمة من الله جل وعز عظيمة، لولا ذلك لم يتم أمر ولم يصلح عيش.
* *
ثم قال: ﴿عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ أي: علمه الخط بالقلم وغيره، ولم يكن يعلمه.
* *
ثم قال: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
قيل: "كلا" ردع ورد، ومعناها: ما هكذا ينبغي أن يكون الإنسان! [ينعم] عليه ربه بتسويته خلقه وتعليمه ما لم يكن يعلم ثم يكفر به!
ثم بين كفره من أين أتاه، فقال: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
أي: إن الإنسان إذا أحس بالغنى طغى واستكبر وكفر. فيوقف على "كلا" [على] هذا التأويل.
قال ابن مسعود: منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا.
فأما طالب العلم فيزداد خيفة. قال الله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وأما طالب الدنيا فيزداد طغيانا. قال الله: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
ويجوز أن [يكون] "كلا" بمعنى: "ألا"، فيبتدأ بها لأن المعنى الذي يكون رداً له لم يظهر لفظه في الآية، [فيبعد] أن [تكون] ردا لما (لم) ينص قبلها.
["ورأى"] هاهنا من رؤية القلب، دل على ذلك [تعدي] [الضمير] إلى المضمر، ولو كان من رؤية العين لم يجز "رآه"، والفاعل هو المفعول.
وإنما كان يقال: "رأى نفسه"، "كضرب نفسه". والمفعول الثاني ["لرأى"]: "استغنى".
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ﴾.
أي: إن إلى ربك - يا محمد - مرجع هذا الإنسان، فذائق من أليم عقابه ما لا طاقة لا به.
* *
ثم قال: ﴿أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ﴾.
روي أن هذه الآية نزلت في أبي جهل بن هشام، وذلك أنه قال: لئن رأيت [محمداً] يصلي عند المقام لأَطَأَنَّ رقبته. وكان ينهى رسول الله ﷺ أن يطي.
فالمعنى: أرأيت يا محمد أبا جهل الذي ينهاك عن الصلاة؟! يعجب نبيه من جهل أبي جهل وجرأته. هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد وقتادة.
قال قتادة: كان يقال: لكل أمة فرعون وفرعون هذه الأمة أبو جهل.
والجواب محذوف (لعلم [السامع]. فالمعنى والتقدير: أرأيت، يا محمد، الذي ينهى عبدا إذا صلى، أمصيب هو، أم هو آمن من العقوبة؟!
والمعنى عند سيبويه: أخبروني عن هذا.
* *
وقوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَىٰ ٱلْهُدَىٰ * أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ﴾.
أي: أرأيت إن كان محمد على الهدى والرشاد في صلاته لربه، أليس الناهي هالكاً ملعوناً؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ﴾.
أي: أو أمر محمد هذا الذي ينهاه عن الصلاة [بالتقوى] فلم يقبل منه، أليس هو مالكاً ملعوناً؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾.
أي: إن كذب أبو جهل بما جاء به محمد ﷺ وأعرض عنه وأدبر فلم يصدقه.
* *
﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ﴾.
[أي: ألم يعلم] أبو جهل بأن الله يراه فيما صنع من نهيه عن الصلاة وتكذيبه وإعراضه عما جاء به محمد ﷺ فيخاف أن تنزل به عقوبة من الله؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ﴾.
قيل: "كلا" رد وردع، والمعنى: لا يتهيأ لأبي جهل أن يتم له نهي النبي ﷺ عن صلاته وعبادته ربه.
وقال الطبري: المعنى: ليس الأمر كما يقول إنه يطأ عنق النبي ﷺ، أي: لا يقدر على ذلك ولا يصل إليه، فيوقف على "كلا" على تقدير التقديرين.
ويجوز أن تكون "كلا" بمعنى "حقاً". وبمعنى "ألا"، فيبتدأ بها، إذ ليس قبلها لفظ ظاهر تكون رداً له، وإنما يحسن الوقوف عليها إذا كان قبلها لفظ منصوص يحسن أن يكون رداً له. والوقف عند القتبي على "كلا"، وعند أبي حاتم: "يرى"، وهو الوجه الظاهر.
* *
وقوله: ﴿لَئِن لَّمْ يَنتَهِ﴾ تهدد ووعيد، أي: لئن لم ينته أبو جهل عن أذى محمد ﴿لَنَسْفَعاً بِٱلنَّاصِيَةِ﴾ أي: [لنأخذن] بمقدم رأسه فلنقهرنه (ولنذلنه).
يقال: سفعت بيده، إذا أخذت بها.
وقيل: معناه: لنسودن وجهه، فاكتفى بذكر الناصية من الوجه، إذا كانت الناصية في مقدم الوجه.
وقيل: معناه: لنأخذن بناصيته إلى النار، كما قال تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِي وَٱلأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: ٤١].
[واللام] في "لئن": لام توطئة للقسم، وهي من [لامات] التأكيد.
[واللام] في "لنسفعاً": لام قسم.
ومعنى "توطئة" أنها تؤذن بإتيان القسم بعدها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ أي: كاذب صاحبها خاطئ، وهي بدل من الأول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾.
أي: فليدع أبو جهل أهل مجلسه وأنصاره وعشيرته لنصرته.
روي أن النبي ﷺ [انتهر أبا] جهل لما نهاه) عن الصلاة، فقال أبو جهل: علام يتوعدني محمد وأنا أكثر أهل الوادي نادياً؟! فأنزل الله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، أي: أهل ناديه، فإن دعاهم ﴿سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ﴾ (لهم). قال ابن عباس: لو دعا ناديه لأخذته زبانية العذاب من ساعته.
قال أبو هريرة: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟
فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى، لئن رأيته يصلي كذلك لأطأن على رقبته. قال: فما [فجئهم] منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه.
قال: [فقيل له: ما لك]؟! قال: إن بيني وبينه خندقاً من نار [وهؤلاء]. قال: فقال رسول الله ﷺ: لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا.
قال ابن عباس: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، أي: "ناصره".
وقال قتادة: عشيرته.
والنادي والندي: المجلس.
والزبانية: ملائكة، وهم عند العرب الشرط، وهو مشتق من "زبنه" إذا دفعه، كأنهم يدفعون الكفار إلى النار. وواحد الزبانية عند أبي عبيدة: زبنية.
وقال عيسى بن عمر واحدهم: زابن.
وقال الأخفش: واحدهم: زباني.
وقال الكسائي: واحدهم: زبني.
قال عبد الله بن أبي الهذيل: "الزبانية: أرجلهم في الأرض ورؤوسهم في السماء".
* *
ثم قال: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ﴾.
أي: ليس الأمر على ما يقول أبو جهل في نهيه إياك يا محمد عن الصلاة وطاعة ربك، لا تطعه فيما أمرك به واسجد لربك واقترب منه بالدعاء والعمل الصالح في السجود.
وفي الحديث: "أقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجداً، (فأكثروا من الدعاء في السجود، فقمن أن يستجاب لكم
قال مجاهد: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، ألم تسمعوا إلى قوله: ﴿وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب﴾.
ويجوز أن تكون "كلا" بمعنى: "حقا"، وبمعنى: "ألا" فيبتدأ بها. وروى ابن وهب عن رجاله أن أبا جهل كان يقول: لئن رأيت محمداً يصلي لأطأن على رقبته، فأمر الله نبيه بالسجود، فقال: ﴿وَٱسْجُدْ﴾، وقال لأبي جهل: "واقترب"، على طريق التهدد، أي: اقترب من محمد إن كنت صادقا في قولك: فقيل لأبي جهل: هذا محمد يسجد، فاقترب منه! فقال: ما أستطيعه، إن بيني وبينه كالفحل، لو اقترتب منه لأهلكني.
هذه رواية ابن وهب، وفيها زيادة تفسير لما روي، وفيها بعض اختصار.
العلق 96:17
قوله: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى آخر السورة.
أي: اقرأ يا محمد بذكر ربك الذي خلق - ثم بين ما خلق، فقال: ﴿خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾.
أي: من الدم والمراد: من علقة. "وعلق" جمع "علقة"، فجمع: لأن الإنسان بمعنى الجماعة. ومعنى الباء اللزوم، أي: الزم القراءة بذكر ربك.
* *
ثم قال: ﴿ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ﴾ أي: الأكرم من كل شيء.
روى الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أول ما ابتدئ به رسول الله ﷺ من الوحي: الرؤيا [الصادقة]، كانت تجيء مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان بِحَراء يَتَحَنَّثُ فيه اللَّيَالي ذَواتِ العَدَدِ قبل أن يَرْجِعَ إلى أَهْلِهِ فَيَتَزَوَّدُ لمثلها حَتَّى [فَجِئَهُ] الحقَّ فَأَتَاه، فقالَ: يا مُحَمَّدُ، أنتَ رسولُ الله. قالَ رسولُ الله: فَجَثَوْتُ لِرُكْبَتَيَّ وأنا قائِمٌ ثُمَّ رَجِعْتُ يَرْجِفُ فُؤَادِي، ثُمَّ دَخَلْتُ - يريد على خديجة - فَقُلْتُ: زَمِّلُوني، زَمِّلُوني، حتى ذهب عني الروع ثم أتاني فقال: يا محمد، أنت رسول الله. (قال): فلقد هممت أن أطرح نفسي من حالق من جبل، فتبدى لي حين هممت بذلك فقال: يا محمد، أنا جبرائيل، وأنت رسول الله، ثم قال: اقرأ. قلت: ما أقرأ؟
فأخذني [فغطني] ثلاث مرات حتى بلغ مني الجهد، ثم قال: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾ فقرأت، فأتيت خديجة فقلت: لقد أشفقت على نفسي، وأخبرتها خبري، فقالت: أبشر، فوالله لا يحزنك الله أبداً. والله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتؤدي الأمانة، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتصبر على نوائب الحق. قال: ثم انطلقت بي خديجة إلى ورقة بن نفل بن أسد فقالت: اسمع من ابن أخيك. فسألني، فأخبرته خبري. فقال: هذا الناموس الذي أنزل على موسى ابن عمران. ليتني أكون فيها [جذعاً]، ليتني أكون حياً [حين] يخرجك قومك. قلت: [أمخرجي هم]؟! قال: نعم، إنه لم يجيء رجل قط بما جئت به إلا عودي. ولئن أدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً. ثم كان أول ما أنزل علي من القرآن - بعد "أقرأ" - ﴿[نۤ] وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾. حتى قرأ (إلى) ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾، (و) ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾.
﴿وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾
قال مجاهد وعطاء بن يسار وعبيد بن عمير وأبو رجاء [العطاردي]: أول ما نزل على النبي ﷺ: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾، كقول عائشة رضي الله عنها.
والرواية أنه إنما عليه من ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى قوله ﴿عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، ثم نزل باقيها بعد: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] و﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١].
* *
وقوله: ﴿ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ﴾ أي: علم خلقه الكتاب والخط.
قال قتادة: القلم نعمة من الله جل وعز عظيمة، لولا ذلك لم يتم أمر ولم يصلح عيش.
* *
ثم قال: ﴿عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ أي: علمه الخط بالقلم وغيره، ولم يكن يعلمه.
* *
ثم قال: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
قيل: "كلا" ردع ورد، ومعناها: ما هكذا ينبغي أن يكون الإنسان! [ينعم] عليه ربه بتسويته خلقه وتعليمه ما لم يكن يعلم ثم يكفر به!
ثم بين كفره من أين أتاه، فقال: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
أي: إن الإنسان إذا أحس بالغنى طغى واستكبر وكفر. فيوقف على "كلا" [على] هذا التأويل.
قال ابن مسعود: منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا.
فأما طالب العلم فيزداد خيفة. قال الله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وأما طالب الدنيا فيزداد طغيانا. قال الله: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
ويجوز أن [يكون] "كلا" بمعنى: "ألا"، فيبتدأ بها لأن المعنى الذي يكون رداً له لم يظهر لفظه في الآية، [فيبعد] أن [تكون] ردا لما (لم) ينص قبلها.
["ورأى"] هاهنا من رؤية القلب، دل على ذلك [تعدي] [الضمير] إلى المضمر، ولو كان من رؤية العين لم يجز "رآه"، والفاعل هو المفعول.
وإنما كان يقال: "رأى نفسه"، "كضرب نفسه". والمفعول الثاني ["لرأى"]: "استغنى".
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ﴾.
أي: إن إلى ربك - يا محمد - مرجع هذا الإنسان، فذائق من أليم عقابه ما لا طاقة لا به.
* *
ثم قال: ﴿أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ﴾.
روي أن هذه الآية نزلت في أبي جهل بن هشام، وذلك أنه قال: لئن رأيت [محمداً] يصلي عند المقام لأَطَأَنَّ رقبته. وكان ينهى رسول الله ﷺ أن يطي.
فالمعنى: أرأيت يا محمد أبا جهل الذي ينهاك عن الصلاة؟! يعجب نبيه من جهل أبي جهل وجرأته. هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد وقتادة.
قال قتادة: كان يقال: لكل أمة فرعون وفرعون هذه الأمة أبو جهل.
والجواب محذوف (لعلم [السامع]. فالمعنى والتقدير: أرأيت، يا محمد، الذي ينهى عبدا إذا صلى، أمصيب هو، أم هو آمن من العقوبة؟!
والمعنى عند سيبويه: أخبروني عن هذا.
* *
وقوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَىٰ ٱلْهُدَىٰ * أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ﴾.
أي: أرأيت إن كان محمد على الهدى والرشاد في صلاته لربه، أليس الناهي هالكاً ملعوناً؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ﴾.
أي: أو أمر محمد هذا الذي ينهاه عن الصلاة [بالتقوى] فلم يقبل منه، أليس هو مالكاً ملعوناً؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾.
أي: إن كذب أبو جهل بما جاء به محمد ﷺ وأعرض عنه وأدبر فلم يصدقه.
* *
﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ﴾.
[أي: ألم يعلم] أبو جهل بأن الله يراه فيما صنع من نهيه عن الصلاة وتكذيبه وإعراضه عما جاء به محمد ﷺ فيخاف أن تنزل به عقوبة من الله؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ﴾.
قيل: "كلا" رد وردع، والمعنى: لا يتهيأ لأبي جهل أن يتم له نهي النبي ﷺ عن صلاته وعبادته ربه.
وقال الطبري: المعنى: ليس الأمر كما يقول إنه يطأ عنق النبي ﷺ، أي: لا يقدر على ذلك ولا يصل إليه، فيوقف على "كلا" على تقدير التقديرين.
ويجوز أن تكون "كلا" بمعنى "حقاً". وبمعنى "ألا"، فيبتدأ بها، إذ ليس قبلها لفظ ظاهر تكون رداً له، وإنما يحسن الوقوف عليها إذا كان قبلها لفظ منصوص يحسن أن يكون رداً له. والوقف عند القتبي على "كلا"، وعند أبي حاتم: "يرى"، وهو الوجه الظاهر.
* *
وقوله: ﴿لَئِن لَّمْ يَنتَهِ﴾ تهدد ووعيد، أي: لئن لم ينته أبو جهل عن أذى محمد ﴿لَنَسْفَعاً بِٱلنَّاصِيَةِ﴾ أي: [لنأخذن] بمقدم رأسه فلنقهرنه (ولنذلنه).
يقال: سفعت بيده، إذا أخذت بها.
وقيل: معناه: لنسودن وجهه، فاكتفى بذكر الناصية من الوجه، إذا كانت الناصية في مقدم الوجه.
وقيل: معناه: لنأخذن بناصيته إلى النار، كما قال تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِي وَٱلأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: ٤١].
[واللام] في "لئن": لام توطئة للقسم، وهي من [لامات] التأكيد.
[واللام] في "لنسفعاً": لام قسم.
ومعنى "توطئة" أنها تؤذن بإتيان القسم بعدها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ أي: كاذب صاحبها خاطئ، وهي بدل من الأول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾.
أي: فليدع أبو جهل أهل مجلسه وأنصاره وعشيرته لنصرته.
روي أن النبي ﷺ [انتهر أبا] جهل لما نهاه) عن الصلاة، فقال أبو جهل: علام يتوعدني محمد وأنا أكثر أهل الوادي نادياً؟! فأنزل الله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، أي: أهل ناديه، فإن دعاهم ﴿سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ﴾ (لهم). قال ابن عباس: لو دعا ناديه لأخذته زبانية العذاب من ساعته.
قال أبو هريرة: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟
فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى، لئن رأيته يصلي كذلك لأطأن على رقبته. قال: فما [فجئهم] منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه.
قال: [فقيل له: ما لك]؟! قال: إن بيني وبينه خندقاً من نار [وهؤلاء]. قال: فقال رسول الله ﷺ: لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا.
قال ابن عباس: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، أي: "ناصره".
وقال قتادة: عشيرته.
والنادي والندي: المجلس.
والزبانية: ملائكة، وهم عند العرب الشرط، وهو مشتق من "زبنه" إذا دفعه، كأنهم يدفعون الكفار إلى النار. وواحد الزبانية عند أبي عبيدة: زبنية.
وقال عيسى بن عمر واحدهم: زابن.
وقال الأخفش: واحدهم: زباني.
وقال الكسائي: واحدهم: زبني.
قال عبد الله بن أبي الهذيل: "الزبانية: أرجلهم في الأرض ورؤوسهم في السماء".
* *
ثم قال: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ﴾.
أي: ليس الأمر على ما يقول أبو جهل في نهيه إياك يا محمد عن الصلاة وطاعة ربك، لا تطعه فيما أمرك به واسجد لربك واقترب منه بالدعاء والعمل الصالح في السجود.
وفي الحديث: "أقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجداً، (فأكثروا من الدعاء في السجود، فقمن أن يستجاب لكم
قال مجاهد: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، ألم تسمعوا إلى قوله: ﴿وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب﴾.
ويجوز أن تكون "كلا" بمعنى: "حقا"، وبمعنى: "ألا" فيبتدأ بها. وروى ابن وهب عن رجاله أن أبا جهل كان يقول: لئن رأيت محمداً يصلي لأطأن على رقبته، فأمر الله نبيه بالسجود، فقال: ﴿وَٱسْجُدْ﴾، وقال لأبي جهل: "واقترب"، على طريق التهدد، أي: اقترب من محمد إن كنت صادقا في قولك: فقيل لأبي جهل: هذا محمد يسجد، فاقترب منه! فقال: ما أستطيعه، إن بيني وبينه كالفحل، لو اقترتب منه لأهلكني.
هذه رواية ابن وهب، وفيها زيادة تفسير لما روي، وفيها بعض اختصار.
العلق 96:18
قوله: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى آخر السورة.
أي: اقرأ يا محمد بذكر ربك الذي خلق - ثم بين ما خلق، فقال: ﴿خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾.
أي: من الدم والمراد: من علقة. "وعلق" جمع "علقة"، فجمع: لأن الإنسان بمعنى الجماعة. ومعنى الباء اللزوم، أي: الزم القراءة بذكر ربك.
* *
ثم قال: ﴿ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ﴾ أي: الأكرم من كل شيء.
روى الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أول ما ابتدئ به رسول الله ﷺ من الوحي: الرؤيا [الصادقة]، كانت تجيء مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان بِحَراء يَتَحَنَّثُ فيه اللَّيَالي ذَواتِ العَدَدِ قبل أن يَرْجِعَ إلى أَهْلِهِ فَيَتَزَوَّدُ لمثلها حَتَّى [فَجِئَهُ] الحقَّ فَأَتَاه، فقالَ: يا مُحَمَّدُ، أنتَ رسولُ الله. قالَ رسولُ الله: فَجَثَوْتُ لِرُكْبَتَيَّ وأنا قائِمٌ ثُمَّ رَجِعْتُ يَرْجِفُ فُؤَادِي، ثُمَّ دَخَلْتُ - يريد على خديجة - فَقُلْتُ: زَمِّلُوني، زَمِّلُوني، حتى ذهب عني الروع ثم أتاني فقال: يا محمد، أنت رسول الله. (قال): فلقد هممت أن أطرح نفسي من حالق من جبل، فتبدى لي حين هممت بذلك فقال: يا محمد، أنا جبرائيل، وأنت رسول الله، ثم قال: اقرأ. قلت: ما أقرأ؟
فأخذني [فغطني] ثلاث مرات حتى بلغ مني الجهد، ثم قال: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾ فقرأت، فأتيت خديجة فقلت: لقد أشفقت على نفسي، وأخبرتها خبري، فقالت: أبشر، فوالله لا يحزنك الله أبداً. والله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتؤدي الأمانة، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتصبر على نوائب الحق. قال: ثم انطلقت بي خديجة إلى ورقة بن نفل بن أسد فقالت: اسمع من ابن أخيك. فسألني، فأخبرته خبري. فقال: هذا الناموس الذي أنزل على موسى ابن عمران. ليتني أكون فيها [جذعاً]، ليتني أكون حياً [حين] يخرجك قومك. قلت: [أمخرجي هم]؟! قال: نعم، إنه لم يجيء رجل قط بما جئت به إلا عودي. ولئن أدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً. ثم كان أول ما أنزل علي من القرآن - بعد "أقرأ" - ﴿[نۤ] وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾. حتى قرأ (إلى) ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾، (و) ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾.
﴿وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾
قال مجاهد وعطاء بن يسار وعبيد بن عمير وأبو رجاء [العطاردي]: أول ما نزل على النبي ﷺ: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾، كقول عائشة رضي الله عنها.
والرواية أنه إنما عليه من ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى قوله ﴿عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، ثم نزل باقيها بعد: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] و﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١].
* *
وقوله: ﴿ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ﴾ أي: علم خلقه الكتاب والخط.
قال قتادة: القلم نعمة من الله جل وعز عظيمة، لولا ذلك لم يتم أمر ولم يصلح عيش.
* *
ثم قال: ﴿عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ أي: علمه الخط بالقلم وغيره، ولم يكن يعلمه.
* *
ثم قال: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
قيل: "كلا" ردع ورد، ومعناها: ما هكذا ينبغي أن يكون الإنسان! [ينعم] عليه ربه بتسويته خلقه وتعليمه ما لم يكن يعلم ثم يكفر به!
ثم بين كفره من أين أتاه، فقال: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
أي: إن الإنسان إذا أحس بالغنى طغى واستكبر وكفر. فيوقف على "كلا" [على] هذا التأويل.
قال ابن مسعود: منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا.
فأما طالب العلم فيزداد خيفة. قال الله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وأما طالب الدنيا فيزداد طغيانا. قال الله: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
ويجوز أن [يكون] "كلا" بمعنى: "ألا"، فيبتدأ بها لأن المعنى الذي يكون رداً له لم يظهر لفظه في الآية، [فيبعد] أن [تكون] ردا لما (لم) ينص قبلها.
["ورأى"] هاهنا من رؤية القلب، دل على ذلك [تعدي] [الضمير] إلى المضمر، ولو كان من رؤية العين لم يجز "رآه"، والفاعل هو المفعول.
وإنما كان يقال: "رأى نفسه"، "كضرب نفسه". والمفعول الثاني ["لرأى"]: "استغنى".
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ﴾.
أي: إن إلى ربك - يا محمد - مرجع هذا الإنسان، فذائق من أليم عقابه ما لا طاقة لا به.
* *
ثم قال: ﴿أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ﴾.
روي أن هذه الآية نزلت في أبي جهل بن هشام، وذلك أنه قال: لئن رأيت [محمداً] يصلي عند المقام لأَطَأَنَّ رقبته. وكان ينهى رسول الله ﷺ أن يطي.
فالمعنى: أرأيت يا محمد أبا جهل الذي ينهاك عن الصلاة؟! يعجب نبيه من جهل أبي جهل وجرأته. هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد وقتادة.
قال قتادة: كان يقال: لكل أمة فرعون وفرعون هذه الأمة أبو جهل.
والجواب محذوف (لعلم [السامع]. فالمعنى والتقدير: أرأيت، يا محمد، الذي ينهى عبدا إذا صلى، أمصيب هو، أم هو آمن من العقوبة؟!
والمعنى عند سيبويه: أخبروني عن هذا.
* *
وقوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَىٰ ٱلْهُدَىٰ * أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ﴾.
أي: أرأيت إن كان محمد على الهدى والرشاد في صلاته لربه، أليس الناهي هالكاً ملعوناً؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ﴾.
أي: أو أمر محمد هذا الذي ينهاه عن الصلاة [بالتقوى] فلم يقبل منه، أليس هو مالكاً ملعوناً؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾.
أي: إن كذب أبو جهل بما جاء به محمد ﷺ وأعرض عنه وأدبر فلم يصدقه.
* *
﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ﴾.
[أي: ألم يعلم] أبو جهل بأن الله يراه فيما صنع من نهيه عن الصلاة وتكذيبه وإعراضه عما جاء به محمد ﷺ فيخاف أن تنزل به عقوبة من الله؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ﴾.
قيل: "كلا" رد وردع، والمعنى: لا يتهيأ لأبي جهل أن يتم له نهي النبي ﷺ عن صلاته وعبادته ربه.
وقال الطبري: المعنى: ليس الأمر كما يقول إنه يطأ عنق النبي ﷺ، أي: لا يقدر على ذلك ولا يصل إليه، فيوقف على "كلا" على تقدير التقديرين.
ويجوز أن تكون "كلا" بمعنى "حقاً". وبمعنى "ألا"، فيبتدأ بها، إذ ليس قبلها لفظ ظاهر تكون رداً له، وإنما يحسن الوقوف عليها إذا كان قبلها لفظ منصوص يحسن أن يكون رداً له. والوقف عند القتبي على "كلا"، وعند أبي حاتم: "يرى"، وهو الوجه الظاهر.
* *
وقوله: ﴿لَئِن لَّمْ يَنتَهِ﴾ تهدد ووعيد، أي: لئن لم ينته أبو جهل عن أذى محمد ﴿لَنَسْفَعاً بِٱلنَّاصِيَةِ﴾ أي: [لنأخذن] بمقدم رأسه فلنقهرنه (ولنذلنه).
يقال: سفعت بيده، إذا أخذت بها.
وقيل: معناه: لنسودن وجهه، فاكتفى بذكر الناصية من الوجه، إذا كانت الناصية في مقدم الوجه.
وقيل: معناه: لنأخذن بناصيته إلى النار، كما قال تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِي وَٱلأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: ٤١].
[واللام] في "لئن": لام توطئة للقسم، وهي من [لامات] التأكيد.
[واللام] في "لنسفعاً": لام قسم.
ومعنى "توطئة" أنها تؤذن بإتيان القسم بعدها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ أي: كاذب صاحبها خاطئ، وهي بدل من الأول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾.
أي: فليدع أبو جهل أهل مجلسه وأنصاره وعشيرته لنصرته.
روي أن النبي ﷺ [انتهر أبا] جهل لما نهاه) عن الصلاة، فقال أبو جهل: علام يتوعدني محمد وأنا أكثر أهل الوادي نادياً؟! فأنزل الله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، أي: أهل ناديه، فإن دعاهم ﴿سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ﴾ (لهم). قال ابن عباس: لو دعا ناديه لأخذته زبانية العذاب من ساعته.
قال أبو هريرة: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟
فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى، لئن رأيته يصلي كذلك لأطأن على رقبته. قال: فما [فجئهم] منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه.
قال: [فقيل له: ما لك]؟! قال: إن بيني وبينه خندقاً من نار [وهؤلاء]. قال: فقال رسول الله ﷺ: لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا.
قال ابن عباس: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، أي: "ناصره".
وقال قتادة: عشيرته.
والنادي والندي: المجلس.
والزبانية: ملائكة، وهم عند العرب الشرط، وهو مشتق من "زبنه" إذا دفعه، كأنهم يدفعون الكفار إلى النار. وواحد الزبانية عند أبي عبيدة: زبنية.
وقال عيسى بن عمر واحدهم: زابن.
وقال الأخفش: واحدهم: زباني.
وقال الكسائي: واحدهم: زبني.
قال عبد الله بن أبي الهذيل: "الزبانية: أرجلهم في الأرض ورؤوسهم في السماء".
* *
ثم قال: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ﴾.
أي: ليس الأمر على ما يقول أبو جهل في نهيه إياك يا محمد عن الصلاة وطاعة ربك، لا تطعه فيما أمرك به واسجد لربك واقترب منه بالدعاء والعمل الصالح في السجود.
وفي الحديث: "أقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجداً، (فأكثروا من الدعاء في السجود، فقمن أن يستجاب لكم
قال مجاهد: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، ألم تسمعوا إلى قوله: ﴿وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب﴾.
ويجوز أن تكون "كلا" بمعنى: "حقا"، وبمعنى: "ألا" فيبتدأ بها. وروى ابن وهب عن رجاله أن أبا جهل كان يقول: لئن رأيت محمداً يصلي لأطأن على رقبته، فأمر الله نبيه بالسجود، فقال: ﴿وَٱسْجُدْ﴾، وقال لأبي جهل: "واقترب"، على طريق التهدد، أي: اقترب من محمد إن كنت صادقا في قولك: فقيل لأبي جهل: هذا محمد يسجد، فاقترب منه! فقال: ما أستطيعه، إن بيني وبينه كالفحل، لو اقترتب منه لأهلكني.
هذه رواية ابن وهب، وفيها زيادة تفسير لما روي، وفيها بعض اختصار.
العلق 96:19
قوله: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى آخر السورة.
أي: اقرأ يا محمد بذكر ربك الذي خلق - ثم بين ما خلق، فقال: ﴿خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾.
أي: من الدم والمراد: من علقة. "وعلق" جمع "علقة"، فجمع: لأن الإنسان بمعنى الجماعة. ومعنى الباء اللزوم، أي: الزم القراءة بذكر ربك.
* *
ثم قال: ﴿ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ﴾ أي: الأكرم من كل شيء.
روى الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أول ما ابتدئ به رسول الله ﷺ من الوحي: الرؤيا [الصادقة]، كانت تجيء مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان بِحَراء يَتَحَنَّثُ فيه اللَّيَالي ذَواتِ العَدَدِ قبل أن يَرْجِعَ إلى أَهْلِهِ فَيَتَزَوَّدُ لمثلها حَتَّى [فَجِئَهُ] الحقَّ فَأَتَاه، فقالَ: يا مُحَمَّدُ، أنتَ رسولُ الله. قالَ رسولُ الله: فَجَثَوْتُ لِرُكْبَتَيَّ وأنا قائِمٌ ثُمَّ رَجِعْتُ يَرْجِفُ فُؤَادِي، ثُمَّ دَخَلْتُ - يريد على خديجة - فَقُلْتُ: زَمِّلُوني، زَمِّلُوني، حتى ذهب عني الروع ثم أتاني فقال: يا محمد، أنت رسول الله. (قال): فلقد هممت أن أطرح نفسي من حالق من جبل، فتبدى لي حين هممت بذلك فقال: يا محمد، أنا جبرائيل، وأنت رسول الله، ثم قال: اقرأ. قلت: ما أقرأ؟
فأخذني [فغطني] ثلاث مرات حتى بلغ مني الجهد، ثم قال: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾ فقرأت، فأتيت خديجة فقلت: لقد أشفقت على نفسي، وأخبرتها خبري، فقالت: أبشر، فوالله لا يحزنك الله أبداً. والله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتؤدي الأمانة، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتصبر على نوائب الحق. قال: ثم انطلقت بي خديجة إلى ورقة بن نفل بن أسد فقالت: اسمع من ابن أخيك. فسألني، فأخبرته خبري. فقال: هذا الناموس الذي أنزل على موسى ابن عمران. ليتني أكون فيها [جذعاً]، ليتني أكون حياً [حين] يخرجك قومك. قلت: [أمخرجي هم]؟! قال: نعم، إنه لم يجيء رجل قط بما جئت به إلا عودي. ولئن أدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً. ثم كان أول ما أنزل علي من القرآن - بعد "أقرأ" - ﴿[نۤ] وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾. حتى قرأ (إلى) ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾، (و) ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾.
﴿وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾
قال مجاهد وعطاء بن يسار وعبيد بن عمير وأبو رجاء [العطاردي]: أول ما نزل على النبي ﷺ: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾، كقول عائشة رضي الله عنها.
والرواية أنه إنما عليه من ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى قوله ﴿عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، ثم نزل باقيها بعد: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] و﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١].
* *
وقوله: ﴿ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ﴾ أي: علم خلقه الكتاب والخط.
قال قتادة: القلم نعمة من الله جل وعز عظيمة، لولا ذلك لم يتم أمر ولم يصلح عيش.
* *
ثم قال: ﴿عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ أي: علمه الخط بالقلم وغيره، ولم يكن يعلمه.
* *
ثم قال: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
قيل: "كلا" ردع ورد، ومعناها: ما هكذا ينبغي أن يكون الإنسان! [ينعم] عليه ربه بتسويته خلقه وتعليمه ما لم يكن يعلم ثم يكفر به!
ثم بين كفره من أين أتاه، فقال: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
أي: إن الإنسان إذا أحس بالغنى طغى واستكبر وكفر. فيوقف على "كلا" [على] هذا التأويل.
قال ابن مسعود: منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا.
فأما طالب العلم فيزداد خيفة. قال الله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وأما طالب الدنيا فيزداد طغيانا. قال الله: ﴿كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ﴾.
ويجوز أن [يكون] "كلا" بمعنى: "ألا"، فيبتدأ بها لأن المعنى الذي يكون رداً له لم يظهر لفظه في الآية، [فيبعد] أن [تكون] ردا لما (لم) ينص قبلها.
["ورأى"] هاهنا من رؤية القلب، دل على ذلك [تعدي] [الضمير] إلى المضمر، ولو كان من رؤية العين لم يجز "رآه"، والفاعل هو المفعول.
وإنما كان يقال: "رأى نفسه"، "كضرب نفسه". والمفعول الثاني ["لرأى"]: "استغنى".
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ﴾.
أي: إن إلى ربك - يا محمد - مرجع هذا الإنسان، فذائق من أليم عقابه ما لا طاقة لا به.
* *
ثم قال: ﴿أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ﴾.
روي أن هذه الآية نزلت في أبي جهل بن هشام، وذلك أنه قال: لئن رأيت [محمداً] يصلي عند المقام لأَطَأَنَّ رقبته. وكان ينهى رسول الله ﷺ أن يطي.
فالمعنى: أرأيت يا محمد أبا جهل الذي ينهاك عن الصلاة؟! يعجب نبيه من جهل أبي جهل وجرأته. هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد وقتادة.
قال قتادة: كان يقال: لكل أمة فرعون وفرعون هذه الأمة أبو جهل.
والجواب محذوف (لعلم [السامع]. فالمعنى والتقدير: أرأيت، يا محمد، الذي ينهى عبدا إذا صلى، أمصيب هو، أم هو آمن من العقوبة؟!
والمعنى عند سيبويه: أخبروني عن هذا.
* *
وقوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَىٰ ٱلْهُدَىٰ * أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ﴾.
أي: أرأيت إن كان محمد على الهدى والرشاد في صلاته لربه، أليس الناهي هالكاً ملعوناً؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ﴾.
أي: أو أمر محمد هذا الذي ينهاه عن الصلاة [بالتقوى] فلم يقبل منه، أليس هو مالكاً ملعوناً؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾.
أي: إن كذب أبو جهل بما جاء به محمد ﷺ وأعرض عنه وأدبر فلم يصدقه.
* *
﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ﴾.
[أي: ألم يعلم] أبو جهل بأن الله يراه فيما صنع من نهيه عن الصلاة وتكذيبه وإعراضه عما جاء به محمد ﷺ فيخاف أن تنزل به عقوبة من الله؟!
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ﴾.
قيل: "كلا" رد وردع، والمعنى: لا يتهيأ لأبي جهل أن يتم له نهي النبي ﷺ عن صلاته وعبادته ربه.
وقال الطبري: المعنى: ليس الأمر كما يقول إنه يطأ عنق النبي ﷺ، أي: لا يقدر على ذلك ولا يصل إليه، فيوقف على "كلا" على تقدير التقديرين.
ويجوز أن تكون "كلا" بمعنى "حقاً". وبمعنى "ألا"، فيبتدأ بها، إذ ليس قبلها لفظ ظاهر تكون رداً له، وإنما يحسن الوقوف عليها إذا كان قبلها لفظ منصوص يحسن أن يكون رداً له. والوقف عند القتبي على "كلا"، وعند أبي حاتم: "يرى"، وهو الوجه الظاهر.
* *
وقوله: ﴿لَئِن لَّمْ يَنتَهِ﴾ تهدد ووعيد، أي: لئن لم ينته أبو جهل عن أذى محمد ﴿لَنَسْفَعاً بِٱلنَّاصِيَةِ﴾ أي: [لنأخذن] بمقدم رأسه فلنقهرنه (ولنذلنه).
يقال: سفعت بيده، إذا أخذت بها.
وقيل: معناه: لنسودن وجهه، فاكتفى بذكر الناصية من الوجه، إذا كانت الناصية في مقدم الوجه.
وقيل: معناه: لنأخذن بناصيته إلى النار، كما قال تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِي وَٱلأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: ٤١].
[واللام] في "لئن": لام توطئة للقسم، وهي من [لامات] التأكيد.
[واللام] في "لنسفعاً": لام قسم.
ومعنى "توطئة" أنها تؤذن بإتيان القسم بعدها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ أي: كاذب صاحبها خاطئ، وهي بدل من الأول.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾.
أي: فليدع أبو جهل أهل مجلسه وأنصاره وعشيرته لنصرته.
روي أن النبي ﷺ [انتهر أبا] جهل لما نهاه) عن الصلاة، فقال أبو جهل: علام يتوعدني محمد وأنا أكثر أهل الوادي نادياً؟! فأنزل الله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، أي: أهل ناديه، فإن دعاهم ﴿سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ﴾ (لهم). قال ابن عباس: لو دعا ناديه لأخذته زبانية العذاب من ساعته.
قال أبو هريرة: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟
فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى، لئن رأيته يصلي كذلك لأطأن على رقبته. قال: فما [فجئهم] منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه.
قال: [فقيل له: ما لك]؟! قال: إن بيني وبينه خندقاً من نار [وهؤلاء]. قال: فقال رسول الله ﷺ: لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا.
قال ابن عباس: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، أي: "ناصره".
وقال قتادة: عشيرته.
والنادي والندي: المجلس.
والزبانية: ملائكة، وهم عند العرب الشرط، وهو مشتق من "زبنه" إذا دفعه، كأنهم يدفعون الكفار إلى النار. وواحد الزبانية عند أبي عبيدة: زبنية.
وقال عيسى بن عمر واحدهم: زابن.
وقال الأخفش: واحدهم: زباني.
وقال الكسائي: واحدهم: زبني.
قال عبد الله بن أبي الهذيل: "الزبانية: أرجلهم في الأرض ورؤوسهم في السماء".
* *
ثم قال: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ﴾.
أي: ليس الأمر على ما يقول أبو جهل في نهيه إياك يا محمد عن الصلاة وطاعة ربك، لا تطعه فيما أمرك به واسجد لربك واقترب منه بالدعاء والعمل الصالح في السجود.
وفي الحديث: "أقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجداً، (فأكثروا من الدعاء في السجود، فقمن أن يستجاب لكم
قال مجاهد: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، ألم تسمعوا إلى قوله: ﴿وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب﴾.
ويجوز أن تكون "كلا" بمعنى: "حقا"، وبمعنى: "ألا" فيبتدأ بها. وروى ابن وهب عن رجاله أن أبا جهل كان يقول: لئن رأيت محمداً يصلي لأطأن على رقبته، فأمر الله نبيه بالسجود، فقال: ﴿وَٱسْجُدْ﴾، وقال لأبي جهل: "واقترب"، على طريق التهدد، أي: اقترب من محمد إن كنت صادقا في قولك: فقيل لأبي جهل: هذا محمد يسجد، فاقترب منه! فقال: ما أستطيعه، إن بيني وبينه كالفحل، لو اقترتب منه لأهلكني.
هذه رواية ابن وهب، وفيها زيادة تفسير لما روي، وفيها بعض اختصار.
القدر 97:1
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ﴾ إلى آخرها.
أي: إنا أنزلنا القرآن إلى السماء الدنيا جملة [واحدة] في ليلة القدر. فهذا إضمار لم يتقدم له ذكر في السورة، لأنه قد (عرف)، وقيل: إنما جاز ذلك، لأن القرآن كله كالسورة الواحدة.
وقيل: الهاء تعود على المنزل، ودل "أنزلنا" على المنزل، والمنزل هو القرآن.
وليلة القدر [ليلة] الحكم التي يقضي الله جل وعز فيها قضاء (السنة)، والقدر: مصدر [قدر] الله خيرا فهو يقدره قدراً.
يقال: ليلة القدر والقدر، والتقى القوم على قدر وعلى قدر، وهذا قدر الله وقدَره.
وسميت ليلة القدر لتقدير الله فيها ما شاء من أمره.
قال ابن عباس: نزل القرآن كله جملة واحدة في ليلة القدر في رمضان على السماء الدنيا، فكان الله - جل وعز - إذا أراد أن يحدث في الأرض شيئاً أنزل منه حتى جمعه، وقال الشعبي وابن جبير.
(قال مجاهد: ﴿لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ﴾: ليلة الحكم".
قال ابن جبير: "يؤذن للحاج في ليلة القدر، فيكتبون بأسمائهم وأسماء آبائهم، فلا يغادر منهم أحد ولا يزاد فيهم ولا ينقص منهم".
قال رجل للحسن: أرأيت ليلة القدر، أفي كل رمضان؟ فقال: نعم، والذي لا إله إلا هو، إنها لفي كل رمضان، وإنها لليلة يفرق فيها كل أمر حكيم، فيها يقتضي الله عز وجل كل أجل وكل عمل ورزق وخلق إلى مثلها.
وقيل: إنما سميت "ليلة القدر" على معنى ليلة الجلالة والتعظيم، من قولهم: لفلان قدر.
وقد [تواترت] الأخبار أنها في العشر الأواخر من رمضان، أخفاها الله عز وجل في العشر [ولم يعينها النبي ﷺ] لئلا يفرط الناس في العمل في غيرها والاجتهاد ويتكلوا على فضل العمل فيها. فهي أبداً في ليلة من العشر الأواخر من رمضان. وهي تختلف، فتكون مرة في [ليلة] سبع، ومرة في ليلة غيرها.
روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: رأيت ليلة القدر، ثم أيقظني بعض أهلي فنسيتها، فالتمسوها في العشر الأواخر
(وعنه ﷺ: "فالتمسوها في العشر الأواخر)، وفي الوتر منها، أو في السبع البواقي" شك الراوي.
وروى ابن عباس عنه ﷺ أنه قال: "إلتَمِسُوها فِي العَشْرِ الأَوَاخِِرِ مِنْ رَمَضَانَ، في تَاسِعَةٍ تَبْقَى، أَوْ سَابِعَةٍ تَبْقَى، أَو خَامِسَةٍ تَبْقَى
وقال عبادة بن الصامت: خرج علينا رسول الله ﷺ وهو يريد أن يخبرنا بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال رسول الله: "إني خرجت إليكم وأنا أريد أن أخبركم [بليلة] القدر، فكان بين فلان وفلان لحاء فرفعت، وعسى أن يكون خيرا، فالتمسوها في العشر الأواخر في الخامسة والسابعة والتاسعة"
وقال أبو سعيد الخدري: كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الوسط من رمضان، فاعتكف عاماً حتى إذا كانت ليلة إحدى وعشرين، وهي التي يخرج فيها من اعتكافه، قال: من اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر، فقد رأيت هذه الليلة ثم أنسيتها. وقد [رأيتني] أسجد من صبيحتها في ماء وطين، فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر. قال أبو سعيد: فمطرت السماء من تلك الليلة وكان المسجد على عريش فوكف. قال أبو سعيد: فأبصرت عيناي رسول الله ﷺ وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين من صبيحة إحدى وعشرين". وقد أمر رسول الله ﷺ أنيساً أن يتوخاها ليلة ثلاث وعشرين
وروى عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: من كان متحريها [فليتحرها] في ليلة سبع وعشرين
وعن ابن عباس أنه استدل على أنها ليلة سبع وعشرين بقوله: ﴿سَلاَمٌ هِيَ﴾ فهي الكلمة السابعة والعشرون من أول السورة، فكذلك ليلة القدر ليلة سبع وعشرين من الشهر، وهذا استدلال فيه نظر إن صح عنه.
وقال كعب: والذي أنزل الكتاب على محمد ﷺ أنها ليلة سبع وعشرين، وذكر أن النبي ﷺ (أخبر) [لها] بآية فقال: إن الشمس تطلع غداً تئذ كأنها طست ليس لها شعاع
وأمر النبي ﷺ عائشة [أن] تدعوا إذا وافقت ليلة القدر فتقول: "اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني"
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ﴾ أي: وما أشعرك يا محمد أي شيء ليلة القدر، على التعظيم لها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾.
أي: العمل فيها أفضل من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر قاله مجاهد وغيره. وهو قول قتادة. وهو اختيار الطبري.
وقال مجاهد: كان في بني إسرائيل رجل يقوم الليل حتى يصبح، ثم يجاهد العدو بالنهار حتى يمسي. يفعل ذلك ألف شهر، فأنزل الله في هذه الأمة ليلة القدر خير من ألف شهر، أي: قيام تلك الليلة خير من عمل ذلك الرجل.
وقال الحسن بن علي بن أبي طالب: هي ألف شهر، وليت فيها بنو أمية، وكان النبي ﷺ قد أريهم على المنابر [فهاله] ذلك، فأحصيت ولا يتهم بعد ذلك فكانت كذلك.
وقال بعض العلماء: معناه: خير من ألف شهر رمضان بصومه.
وقال: [قم] ليالي رمضان رجاء إصابة ليلة القدر، فإنها خير من ألف شهر رمضان تصومها.
* *
ثم قال: ﴿تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم﴾.
(الروح: جبرائيل عليه السلام، أي تتنزل الملائكة وجبرائيل معهم فيها بأمر ربهم) من كل أمر، فيه الآجال [والأرزاق] والأعمال إلى السماء الدنيا. وهذا هو التمام عند كثير من النحويين. [ وهو] قول الفراء. وقاله نافع.
وقال قتادة: ﴿مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾، قال: يقضي فيها ما يكون في السنة إلى مثلها. فعلى هذا المعنى، يكون التمام: "من كل أمر".
وقال ابن عباس: معنى [ذلك]: تنزل الملائكة وجبرائيل معهم في ليلة القدر بإذن ربهم، أي: [نزولهم] بإذن ربهم.
قال ابن عباس: لا يلقون مؤمناً ولا مؤمنة إلا سلموا عليه.
وكان ابن عباس: (يقرأ" من) كل امرئ" فيكون معناه: إنهم يتنزلون في ليلة القدر بإذن ربهم من كل ملك لتسلم على المؤمنين والمؤمنات.
(وقال الشعبي: من كل امرئ من الملائكة سلام على المؤمنين والمؤمنات)، على قراءة ابن عباس.
وقيل: "من" بمعنى الباء، أي: تنزل الملائكة والروح فيها بكل أمر بإذن ربهم.
ومعنى: ﴿سَلاَمٌ هِيَ﴾ - على قراءة الجماعة - سلام من الشر كله ليلة القدر إلى طلوع الشمس.
وقال قتادة: ﴿سَلاَمٌ هِيَ﴾ أي خير هي حتى مطلع الفجر.
قال ابن زيد: "ليس: فيها شر، هي خير كلها] حتى مطلع الفجر. وسلام - على قراءة الجماعة -: خير. هي، على معنى: هي ذات سلامة.
و "سلام" على قراءة ابن عباس مرفوع بالابتداء، وما قبله الخبر.
و "المطلع" بالفتح: المصدر، أي إلى طلوع الفجر.
وحكى الفراء كسر اللام عن العرب وهم يريدون المصدر، كما قالوا "أكرمتك كرامة" يريدون إكراماً، و "أعطيتك عطاء" يريدون إعطاء. ومثله "المشرق" بالكسر يريدون به المصدر، والعرب تقول: شرقت الشمس مشرقاً - بالكسر -، يريدون شروقاً، والأصل فيه الفتح، ومثله المغرب والمفرق والمنبت [والمجزر] والمسكن والمنسك والمعشر والمسقط.
هذه الأحد عشر [تقال] بالفتح والكسر في المصدر، والفتح الأصل، [لأن ما] كان (على) "فعل يفعل" بالضم، فالمصدر منه واسم المكان "مفعل" (بالفتح).
وقد كان يجب أن يكون اسم المكان بالضم، إلا أنه ليس في الكلام "مفعل" بالضم، فرد إلى الفتح، لأنه أخف من الكسر، فاستوى المصدر واسم المكان.
والدليل على أن أصل اسم المكان عنه الضم: أن اسم المكان من فعل يفعل بكسر العين مفعل بالكسر، نحو المجلس، إلا أن العرب قد قالت: "مطلع" بالكسر للمكان الذي تطلع فيه الشمس، سماعاً بغير قياس.
وقال بعضهم: "مطلع" أيضاً في المصدر بالكسر، والأصل الفتح في ذلك.
القدر 97:2
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ﴾ إلى آخرها.
أي: إنا أنزلنا القرآن إلى السماء الدنيا جملة [واحدة] في ليلة القدر. فهذا إضمار لم يتقدم له ذكر في السورة، لأنه قد (عرف)، وقيل: إنما جاز ذلك، لأن القرآن كله كالسورة الواحدة.
وقيل: الهاء تعود على المنزل، ودل "أنزلنا" على المنزل، والمنزل هو القرآن.
وليلة القدر [ليلة] الحكم التي يقضي الله جل وعز فيها قضاء (السنة)، والقدر: مصدر [قدر] الله خيرا فهو يقدره قدراً.
يقال: ليلة القدر والقدر، والتقى القوم على قدر وعلى قدر، وهذا قدر الله وقدَره.
وسميت ليلة القدر لتقدير الله فيها ما شاء من أمره.
قال ابن عباس: نزل القرآن كله جملة واحدة في ليلة القدر في رمضان على السماء الدنيا، فكان الله - جل وعز - إذا أراد أن يحدث في الأرض شيئاً أنزل منه حتى جمعه، وقال الشعبي وابن جبير.
(قال مجاهد: ﴿لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ﴾: ليلة الحكم".
قال ابن جبير: "يؤذن للحاج في ليلة القدر، فيكتبون بأسمائهم وأسماء آبائهم، فلا يغادر منهم أحد ولا يزاد فيهم ولا ينقص منهم".
قال رجل للحسن: أرأيت ليلة القدر، أفي كل رمضان؟ فقال: نعم، والذي لا إله إلا هو، إنها لفي كل رمضان، وإنها لليلة يفرق فيها كل أمر حكيم، فيها يقتضي الله عز وجل كل أجل وكل عمل ورزق وخلق إلى مثلها.
وقيل: إنما سميت "ليلة القدر" على معنى ليلة الجلالة والتعظيم، من قولهم: لفلان قدر.
وقد [تواترت] الأخبار أنها في العشر الأواخر من رمضان، أخفاها الله عز وجل في العشر [ولم يعينها النبي ﷺ] لئلا يفرط الناس في العمل في غيرها والاجتهاد ويتكلوا على فضل العمل فيها. فهي أبداً في ليلة من العشر الأواخر من رمضان. وهي تختلف، فتكون مرة في [ليلة] سبع، ومرة في ليلة غيرها.
روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: رأيت ليلة القدر، ثم أيقظني بعض أهلي فنسيتها، فالتمسوها في العشر الأواخر
(وعنه ﷺ: "فالتمسوها في العشر الأواخر)، وفي الوتر منها، أو في السبع البواقي" شك الراوي.
وروى ابن عباس عنه ﷺ أنه قال: "إلتَمِسُوها فِي العَشْرِ الأَوَاخِِرِ مِنْ رَمَضَانَ، في تَاسِعَةٍ تَبْقَى، أَوْ سَابِعَةٍ تَبْقَى، أَو خَامِسَةٍ تَبْقَى
وقال عبادة بن الصامت: خرج علينا رسول الله ﷺ وهو يريد أن يخبرنا بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال رسول الله: "إني خرجت إليكم وأنا أريد أن أخبركم [بليلة] القدر، فكان بين فلان وفلان لحاء فرفعت، وعسى أن يكون خيرا، فالتمسوها في العشر الأواخر في الخامسة والسابعة والتاسعة"
وقال أبو سعيد الخدري: كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الوسط من رمضان، فاعتكف عاماً حتى إذا كانت ليلة إحدى وعشرين، وهي التي يخرج فيها من اعتكافه، قال: من اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر، فقد رأيت هذه الليلة ثم أنسيتها. وقد [رأيتني] أسجد من صبيحتها في ماء وطين، فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر. قال أبو سعيد: فمطرت السماء من تلك الليلة وكان المسجد على عريش فوكف. قال أبو سعيد: فأبصرت عيناي رسول الله ﷺ وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين من صبيحة إحدى وعشرين". وقد أمر رسول الله ﷺ أنيساً أن يتوخاها ليلة ثلاث وعشرين
وروى عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: من كان متحريها [فليتحرها] في ليلة سبع وعشرين
وعن ابن عباس أنه استدل على أنها ليلة سبع وعشرين بقوله: ﴿سَلاَمٌ هِيَ﴾ فهي الكلمة السابعة والعشرون من أول السورة، فكذلك ليلة القدر ليلة سبع وعشرين من الشهر، وهذا استدلال فيه نظر إن صح عنه.
وقال كعب: والذي أنزل الكتاب على محمد ﷺ أنها ليلة سبع وعشرين، وذكر أن النبي ﷺ (أخبر) [لها] بآية فقال: إن الشمس تطلع غداً تئذ كأنها طست ليس لها شعاع
وأمر النبي ﷺ عائشة [أن] تدعوا إذا وافقت ليلة القدر فتقول: "اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني"
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ﴾ أي: وما أشعرك يا محمد أي شيء ليلة القدر، على التعظيم لها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾.
أي: العمل فيها أفضل من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر قاله مجاهد وغيره. وهو قول قتادة. وهو اختيار الطبري.
وقال مجاهد: كان في بني إسرائيل رجل يقوم الليل حتى يصبح، ثم يجاهد العدو بالنهار حتى يمسي. يفعل ذلك ألف شهر، فأنزل الله في هذه الأمة ليلة القدر خير من ألف شهر، أي: قيام تلك الليلة خير من عمل ذلك الرجل.
وقال الحسن بن علي بن أبي طالب: هي ألف شهر، وليت فيها بنو أمية، وكان النبي ﷺ قد أريهم على المنابر [فهاله] ذلك، فأحصيت ولا يتهم بعد ذلك فكانت كذلك.
وقال بعض العلماء: معناه: خير من ألف شهر رمضان بصومه.
وقال: [قم] ليالي رمضان رجاء إصابة ليلة القدر، فإنها خير من ألف شهر رمضان تصومها.
* *
ثم قال: ﴿تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم﴾.
(الروح: جبرائيل عليه السلام، أي تتنزل الملائكة وجبرائيل معهم فيها بأمر ربهم) من كل أمر، فيه الآجال [والأرزاق] والأعمال إلى السماء الدنيا. وهذا هو التمام عند كثير من النحويين. [ وهو] قول الفراء. وقاله نافع.
وقال قتادة: ﴿مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾، قال: يقضي فيها ما يكون في السنة إلى مثلها. فعلى هذا المعنى، يكون التمام: "من كل أمر".
وقال ابن عباس: معنى [ذلك]: تنزل الملائكة وجبرائيل معهم في ليلة القدر بإذن ربهم، أي: [نزولهم] بإذن ربهم.
قال ابن عباس: لا يلقون مؤمناً ولا مؤمنة إلا سلموا عليه.
وكان ابن عباس: (يقرأ" من) كل امرئ" فيكون معناه: إنهم يتنزلون في ليلة القدر بإذن ربهم من كل ملك لتسلم على المؤمنين والمؤمنات.
(وقال الشعبي: من كل امرئ من الملائكة سلام على المؤمنين والمؤمنات)، على قراءة ابن عباس.
وقيل: "من" بمعنى الباء، أي: تنزل الملائكة والروح فيها بكل أمر بإذن ربهم.
ومعنى: ﴿سَلاَمٌ هِيَ﴾ - على قراءة الجماعة - سلام من الشر كله ليلة القدر إلى طلوع الشمس.
وقال قتادة: ﴿سَلاَمٌ هِيَ﴾ أي خير هي حتى مطلع الفجر.
قال ابن زيد: "ليس: فيها شر، هي خير كلها] حتى مطلع الفجر. وسلام - على قراءة الجماعة -: خير. هي، على معنى: هي ذات سلامة.
و "سلام" على قراءة ابن عباس مرفوع بالابتداء، وما قبله الخبر.
و "المطلع" بالفتح: المصدر، أي إلى طلوع الفجر.
وحكى الفراء كسر اللام عن العرب وهم يريدون المصدر، كما قالوا "أكرمتك كرامة" يريدون إكراماً، و "أعطيتك عطاء" يريدون إعطاء. ومثله "المشرق" بالكسر يريدون به المصدر، والعرب تقول: شرقت الشمس مشرقاً - بالكسر -، يريدون شروقاً، والأصل فيه الفتح، ومثله المغرب والمفرق والمنبت [والمجزر] والمسكن والمنسك والمعشر والمسقط.
هذه الأحد عشر [تقال] بالفتح والكسر في المصدر، والفتح الأصل، [لأن ما] كان (على) "فعل يفعل" بالضم، فالمصدر منه واسم المكان "مفعل" (بالفتح).
وقد كان يجب أن يكون اسم المكان بالضم، إلا أنه ليس في الكلام "مفعل" بالضم، فرد إلى الفتح، لأنه أخف من الكسر، فاستوى المصدر واسم المكان.
والدليل على أن أصل اسم المكان عنه الضم: أن اسم المكان من فعل يفعل بكسر العين مفعل بالكسر، نحو المجلس، إلا أن العرب قد قالت: "مطلع" بالكسر للمكان الذي تطلع فيه الشمس، سماعاً بغير قياس.
وقال بعضهم: "مطلع" أيضاً في المصدر بالكسر، والأصل الفتح في ذلك.
القدر 97:3
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ﴾ إلى آخرها.
أي: إنا أنزلنا القرآن إلى السماء الدنيا جملة [واحدة] في ليلة القدر. فهذا إضمار لم يتقدم له ذكر في السورة، لأنه قد (عرف)، وقيل: إنما جاز ذلك، لأن القرآن كله كالسورة الواحدة.
وقيل: الهاء تعود على المنزل، ودل "أنزلنا" على المنزل، والمنزل هو القرآن.
وليلة القدر [ليلة] الحكم التي يقضي الله جل وعز فيها قضاء (السنة)، والقدر: مصدر [قدر] الله خيرا فهو يقدره قدراً.
يقال: ليلة القدر والقدر، والتقى القوم على قدر وعلى قدر، وهذا قدر الله وقدَره.
وسميت ليلة القدر لتقدير الله فيها ما شاء من أمره.
قال ابن عباس: نزل القرآن كله جملة واحدة في ليلة القدر في رمضان على السماء الدنيا، فكان الله - جل وعز - إذا أراد أن يحدث في الأرض شيئاً أنزل منه حتى جمعه، وقال الشعبي وابن جبير.
(قال مجاهد: ﴿لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ﴾: ليلة الحكم".
قال ابن جبير: "يؤذن للحاج في ليلة القدر، فيكتبون بأسمائهم وأسماء آبائهم، فلا يغادر منهم أحد ولا يزاد فيهم ولا ينقص منهم".
قال رجل للحسن: أرأيت ليلة القدر، أفي كل رمضان؟ فقال: نعم، والذي لا إله إلا هو، إنها لفي كل رمضان، وإنها لليلة يفرق فيها كل أمر حكيم، فيها يقتضي الله عز وجل كل أجل وكل عمل ورزق وخلق إلى مثلها.
وقيل: إنما سميت "ليلة القدر" على معنى ليلة الجلالة والتعظيم، من قولهم: لفلان قدر.
وقد [تواترت] الأخبار أنها في العشر الأواخر من رمضان، أخفاها الله عز وجل في العشر [ولم يعينها النبي ﷺ] لئلا يفرط الناس في العمل في غيرها والاجتهاد ويتكلوا على فضل العمل فيها. فهي أبداً في ليلة من العشر الأواخر من رمضان. وهي تختلف، فتكون مرة في [ليلة] سبع، ومرة في ليلة غيرها.
روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: رأيت ليلة القدر، ثم أيقظني بعض أهلي فنسيتها، فالتمسوها في العشر الأواخر
(وعنه ﷺ: "فالتمسوها في العشر الأواخر)، وفي الوتر منها، أو في السبع البواقي" شك الراوي.
وروى ابن عباس عنه ﷺ أنه قال: "إلتَمِسُوها فِي العَشْرِ الأَوَاخِِرِ مِنْ رَمَضَانَ، في تَاسِعَةٍ تَبْقَى، أَوْ سَابِعَةٍ تَبْقَى، أَو خَامِسَةٍ تَبْقَى
وقال عبادة بن الصامت: خرج علينا رسول الله ﷺ وهو يريد أن يخبرنا بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال رسول الله: "إني خرجت إليكم وأنا أريد أن أخبركم [بليلة] القدر، فكان بين فلان وفلان لحاء فرفعت، وعسى أن يكون خيرا، فالتمسوها في العشر الأواخر في الخامسة والسابعة والتاسعة"
وقال أبو سعيد الخدري: كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الوسط من رمضان، فاعتكف عاماً حتى إذا كانت ليلة إحدى وعشرين، وهي التي يخرج فيها من اعتكافه، قال: من اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر، فقد رأيت هذه الليلة ثم أنسيتها. وقد [رأيتني] أسجد من صبيحتها في ماء وطين، فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر. قال أبو سعيد: فمطرت السماء من تلك الليلة وكان المسجد على عريش فوكف. قال أبو سعيد: فأبصرت عيناي رسول الله ﷺ وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين من صبيحة إحدى وعشرين". وقد أمر رسول الله ﷺ أنيساً أن يتوخاها ليلة ثلاث وعشرين
وروى عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: من كان متحريها [فليتحرها] في ليلة سبع وعشرين
وعن ابن عباس أنه استدل على أنها ليلة سبع وعشرين بقوله: ﴿سَلاَمٌ هِيَ﴾ فهي الكلمة السابعة والعشرون من أول السورة، فكذلك ليلة القدر ليلة سبع وعشرين من الشهر، وهذا استدلال فيه نظر إن صح عنه.
وقال كعب: والذي أنزل الكتاب على محمد ﷺ أنها ليلة سبع وعشرين، وذكر أن النبي ﷺ (أخبر) [لها] بآية فقال: إن الشمس تطلع غداً تئذ كأنها طست ليس لها شعاع
وأمر النبي ﷺ عائشة [أن] تدعوا إذا وافقت ليلة القدر فتقول: "اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني"
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ﴾ أي: وما أشعرك يا محمد أي شيء ليلة القدر، على التعظيم لها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾.
أي: العمل فيها أفضل من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر قاله مجاهد وغيره. وهو قول قتادة. وهو اختيار الطبري.
وقال مجاهد: كان في بني إسرائيل رجل يقوم الليل حتى يصبح، ثم يجاهد العدو بالنهار حتى يمسي. يفعل ذلك ألف شهر، فأنزل الله في هذه الأمة ليلة القدر خير من ألف شهر، أي: قيام تلك الليلة خير من عمل ذلك الرجل.
وقال الحسن بن علي بن أبي طالب: هي ألف شهر، وليت فيها بنو أمية، وكان النبي ﷺ قد أريهم على المنابر [فهاله] ذلك، فأحصيت ولا يتهم بعد ذلك فكانت كذلك.
وقال بعض العلماء: معناه: خير من ألف شهر رمضان بصومه.
وقال: [قم] ليالي رمضان رجاء إصابة ليلة القدر، فإنها خير من ألف شهر رمضان تصومها.
* *
ثم قال: ﴿تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم﴾.
(الروح: جبرائيل عليه السلام، أي تتنزل الملائكة وجبرائيل معهم فيها بأمر ربهم) من كل أمر، فيه الآجال [والأرزاق] والأعمال إلى السماء الدنيا. وهذا هو التمام عند كثير من النحويين. [ وهو] قول الفراء. وقاله نافع.
وقال قتادة: ﴿مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾، قال: يقضي فيها ما يكون في السنة إلى مثلها. فعلى هذا المعنى، يكون التمام: "من كل أمر".
وقال ابن عباس: معنى [ذلك]: تنزل الملائكة وجبرائيل معهم في ليلة القدر بإذن ربهم، أي: [نزولهم] بإذن ربهم.
قال ابن عباس: لا يلقون مؤمناً ولا مؤمنة إلا سلموا عليه.
وكان ابن عباس: (يقرأ" من) كل امرئ" فيكون معناه: إنهم يتنزلون في ليلة القدر بإذن ربهم من كل ملك لتسلم على المؤمنين والمؤمنات.
(وقال الشعبي: من كل امرئ من الملائكة سلام على المؤمنين والمؤمنات)، على قراءة ابن عباس.
وقيل: "من" بمعنى الباء، أي: تنزل الملائكة والروح فيها بكل أمر بإذن ربهم.
ومعنى: ﴿سَلاَمٌ هِيَ﴾ - على قراءة الجماعة - سلام من الشر كله ليلة القدر إلى طلوع الشمس.
وقال قتادة: ﴿سَلاَمٌ هِيَ﴾ أي خير هي حتى مطلع الفجر.
قال ابن زيد: "ليس: فيها شر، هي خير كلها] حتى مطلع الفجر. وسلام - على قراءة الجماعة -: خير. هي، على معنى: هي ذات سلامة.
و "سلام" على قراءة ابن عباس مرفوع بالابتداء، وما قبله الخبر.
و "المطلع" بالفتح: المصدر، أي إلى طلوع الفجر.
وحكى الفراء كسر اللام عن العرب وهم يريدون المصدر، كما قالوا "أكرمتك كرامة" يريدون إكراماً، و "أعطيتك عطاء" يريدون إعطاء. ومثله "المشرق" بالكسر يريدون به المصدر، والعرب تقول: شرقت الشمس مشرقاً - بالكسر -، يريدون شروقاً، والأصل فيه الفتح، ومثله المغرب والمفرق والمنبت [والمجزر] والمسكن والمنسك والمعشر والمسقط.
هذه الأحد عشر [تقال] بالفتح والكسر في المصدر، والفتح الأصل، [لأن ما] كان (على) "فعل يفعل" بالضم، فالمصدر منه واسم المكان "مفعل" (بالفتح).
وقد كان يجب أن يكون اسم المكان بالضم، إلا أنه ليس في الكلام "مفعل" بالضم، فرد إلى الفتح، لأنه أخف من الكسر، فاستوى المصدر واسم المكان.
والدليل على أن أصل اسم المكان عنه الضم: أن اسم المكان من فعل يفعل بكسر العين مفعل بالكسر، نحو المجلس، إلا أن العرب قد قالت: "مطلع" بالكسر للمكان الذي تطلع فيه الشمس، سماعاً بغير قياس.
وقال بعضهم: "مطلع" أيضاً في المصدر بالكسر، والأصل الفتح في ذلك.
القدر 97:4
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ﴾ إلى آخرها.
أي: إنا أنزلنا القرآن إلى السماء الدنيا جملة [واحدة] في ليلة القدر. فهذا إضمار لم يتقدم له ذكر في السورة، لأنه قد (عرف)، وقيل: إنما جاز ذلك، لأن القرآن كله كالسورة الواحدة.
وقيل: الهاء تعود على المنزل، ودل "أنزلنا" على المنزل، والمنزل هو القرآن.
وليلة القدر [ليلة] الحكم التي يقضي الله جل وعز فيها قضاء (السنة)، والقدر: مصدر [قدر] الله خيرا فهو يقدره قدراً.
يقال: ليلة القدر والقدر، والتقى القوم على قدر وعلى قدر، وهذا قدر الله وقدَره.
وسميت ليلة القدر لتقدير الله فيها ما شاء من أمره.
قال ابن عباس: نزل القرآن كله جملة واحدة في ليلة القدر في رمضان على السماء الدنيا، فكان الله - جل وعز - إذا أراد أن يحدث في الأرض شيئاً أنزل منه حتى جمعه، وقال الشعبي وابن جبير.
(قال مجاهد: ﴿لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ﴾: ليلة الحكم".
قال ابن جبير: "يؤذن للحاج في ليلة القدر، فيكتبون بأسمائهم وأسماء آبائهم، فلا يغادر منهم أحد ولا يزاد فيهم ولا ينقص منهم".
قال رجل للحسن: أرأيت ليلة القدر، أفي كل رمضان؟ فقال: نعم، والذي لا إله إلا هو، إنها لفي كل رمضان، وإنها لليلة يفرق فيها كل أمر حكيم، فيها يقتضي الله عز وجل كل أجل وكل عمل ورزق وخلق إلى مثلها.
وقيل: إنما سميت "ليلة القدر" على معنى ليلة الجلالة والتعظيم، من قولهم: لفلان قدر.
وقد [تواترت] الأخبار أنها في العشر الأواخر من رمضان، أخفاها الله عز وجل في العشر [ولم يعينها النبي ﷺ] لئلا يفرط الناس في العمل في غيرها والاجتهاد ويتكلوا على فضل العمل فيها. فهي أبداً في ليلة من العشر الأواخر من رمضان. وهي تختلف، فتكون مرة في [ليلة] سبع، ومرة في ليلة غيرها.
روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: رأيت ليلة القدر، ثم أيقظني بعض أهلي فنسيتها، فالتمسوها في العشر الأواخر
(وعنه ﷺ: "فالتمسوها في العشر الأواخر)، وفي الوتر منها، أو في السبع البواقي" شك الراوي.
وروى ابن عباس عنه ﷺ أنه قال: "إلتَمِسُوها فِي العَشْرِ الأَوَاخِِرِ مِنْ رَمَضَانَ، في تَاسِعَةٍ تَبْقَى، أَوْ سَابِعَةٍ تَبْقَى، أَو خَامِسَةٍ تَبْقَى
وقال عبادة بن الصامت: خرج علينا رسول الله ﷺ وهو يريد أن يخبرنا بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال رسول الله: "إني خرجت إليكم وأنا أريد أن أخبركم [بليلة] القدر، فكان بين فلان وفلان لحاء فرفعت، وعسى أن يكون خيرا، فالتمسوها في العشر الأواخر في الخامسة والسابعة والتاسعة"
وقال أبو سعيد الخدري: كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الوسط من رمضان، فاعتكف عاماً حتى إذا كانت ليلة إحدى وعشرين، وهي التي يخرج فيها من اعتكافه، قال: من اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر، فقد رأيت هذه الليلة ثم أنسيتها. وقد [رأيتني] أسجد من صبيحتها في ماء وطين، فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر. قال أبو سعيد: فمطرت السماء من تلك الليلة وكان المسجد على عريش فوكف. قال أبو سعيد: فأبصرت عيناي رسول الله ﷺ وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين من صبيحة إحدى وعشرين". وقد أمر رسول الله ﷺ أنيساً أن يتوخاها ليلة ثلاث وعشرين
وروى عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: من كان متحريها [فليتحرها] في ليلة سبع وعشرين
وعن ابن عباس أنه استدل على أنها ليلة سبع وعشرين بقوله: ﴿سَلاَمٌ هِيَ﴾ فهي الكلمة السابعة والعشرون من أول السورة، فكذلك ليلة القدر ليلة سبع وعشرين من الشهر، وهذا استدلال فيه نظر إن صح عنه.
وقال كعب: والذي أنزل الكتاب على محمد ﷺ أنها ليلة سبع وعشرين، وذكر أن النبي ﷺ (أخبر) [لها] بآية فقال: إن الشمس تطلع غداً تئذ كأنها طست ليس لها شعاع
وأمر النبي ﷺ عائشة [أن] تدعوا إذا وافقت ليلة القدر فتقول: "اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني"
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ﴾ أي: وما أشعرك يا محمد أي شيء ليلة القدر، على التعظيم لها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾.
أي: العمل فيها أفضل من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر قاله مجاهد وغيره. وهو قول قتادة. وهو اختيار الطبري.
وقال مجاهد: كان في بني إسرائيل رجل يقوم الليل حتى يصبح، ثم يجاهد العدو بالنهار حتى يمسي. يفعل ذلك ألف شهر، فأنزل الله في هذه الأمة ليلة القدر خير من ألف شهر، أي: قيام تلك الليلة خير من عمل ذلك الرجل.
وقال الحسن بن علي بن أبي طالب: هي ألف شهر، وليت فيها بنو أمية، وكان النبي ﷺ قد أريهم على المنابر [فهاله] ذلك، فأحصيت ولا يتهم بعد ذلك فكانت كذلك.
وقال بعض العلماء: معناه: خير من ألف شهر رمضان بصومه.
وقال: [قم] ليالي رمضان رجاء إصابة ليلة القدر، فإنها خير من ألف شهر رمضان تصومها.
* *
ثم قال: ﴿تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم﴾.
(الروح: جبرائيل عليه السلام، أي تتنزل الملائكة وجبرائيل معهم فيها بأمر ربهم) من كل أمر، فيه الآجال [والأرزاق] والأعمال إلى السماء الدنيا. وهذا هو التمام عند كثير من النحويين. [ وهو] قول الفراء. وقاله نافع.
وقال قتادة: ﴿مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾، قال: يقضي فيها ما يكون في السنة إلى مثلها. فعلى هذا المعنى، يكون التمام: "من كل أمر".
وقال ابن عباس: معنى [ذلك]: تنزل الملائكة وجبرائيل معهم في ليلة القدر بإذن ربهم، أي: [نزولهم] بإذن ربهم.
قال ابن عباس: لا يلقون مؤمناً ولا مؤمنة إلا سلموا عليه.
وكان ابن عباس: (يقرأ" من) كل امرئ" فيكون معناه: إنهم يتنزلون في ليلة القدر بإذن ربهم من كل ملك لتسلم على المؤمنين والمؤمنات.
(وقال الشعبي: من كل امرئ من الملائكة سلام على المؤمنين والمؤمنات)، على قراءة ابن عباس.
وقيل: "من" بمعنى الباء، أي: تنزل الملائكة والروح فيها بكل أمر بإذن ربهم.
ومعنى: ﴿سَلاَمٌ هِيَ﴾ - على قراءة الجماعة - سلام من الشر كله ليلة القدر إلى طلوع الشمس.
وقال قتادة: ﴿سَلاَمٌ هِيَ﴾ أي خير هي حتى مطلع الفجر.
قال ابن زيد: "ليس: فيها شر، هي خير كلها] حتى مطلع الفجر. وسلام - على قراءة الجماعة -: خير. هي، على معنى: هي ذات سلامة.
و "سلام" على قراءة ابن عباس مرفوع بالابتداء، وما قبله الخبر.
و "المطلع" بالفتح: المصدر، أي إلى طلوع الفجر.
وحكى الفراء كسر اللام عن العرب وهم يريدون المصدر، كما قالوا "أكرمتك كرامة" يريدون إكراماً، و "أعطيتك عطاء" يريدون إعطاء. ومثله "المشرق" بالكسر يريدون به المصدر، والعرب تقول: شرقت الشمس مشرقاً - بالكسر -، يريدون شروقاً، والأصل فيه الفتح، ومثله المغرب والمفرق والمنبت [والمجزر] والمسكن والمنسك والمعشر والمسقط.
هذه الأحد عشر [تقال] بالفتح والكسر في المصدر، والفتح الأصل، [لأن ما] كان (على) "فعل يفعل" بالضم، فالمصدر منه واسم المكان "مفعل" (بالفتح).
وقد كان يجب أن يكون اسم المكان بالضم، إلا أنه ليس في الكلام "مفعل" بالضم، فرد إلى الفتح، لأنه أخف من الكسر، فاستوى المصدر واسم المكان.
والدليل على أن أصل اسم المكان عنه الضم: أن اسم المكان من فعل يفعل بكسر العين مفعل بالكسر، نحو المجلس، إلا أن العرب قد قالت: "مطلع" بالكسر للمكان الذي تطلع فيه الشمس، سماعاً بغير قياس.
وقال بعضهم: "مطلع" أيضاً في المصدر بالكسر، والأصل الفتح في ذلك.
القدر 97:5
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ﴾ إلى آخرها.
أي: إنا أنزلنا القرآن إلى السماء الدنيا جملة [واحدة] في ليلة القدر. فهذا إضمار لم يتقدم له ذكر في السورة، لأنه قد (عرف)، وقيل: إنما جاز ذلك، لأن القرآن كله كالسورة الواحدة.
وقيل: الهاء تعود على المنزل، ودل "أنزلنا" على المنزل، والمنزل هو القرآن.
وليلة القدر [ليلة] الحكم التي يقضي الله جل وعز فيها قضاء (السنة)، والقدر: مصدر [قدر] الله خيرا فهو يقدره قدراً.
يقال: ليلة القدر والقدر، والتقى القوم على قدر وعلى قدر، وهذا قدر الله وقدَره.
وسميت ليلة القدر لتقدير الله فيها ما شاء من أمره.
قال ابن عباس: نزل القرآن كله جملة واحدة في ليلة القدر في رمضان على السماء الدنيا، فكان الله - جل وعز - إذا أراد أن يحدث في الأرض شيئاً أنزل منه حتى جمعه، وقال الشعبي وابن جبير.
(قال مجاهد: ﴿لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ﴾: ليلة الحكم".
قال ابن جبير: "يؤذن للحاج في ليلة القدر، فيكتبون بأسمائهم وأسماء آبائهم، فلا يغادر منهم أحد ولا يزاد فيهم ولا ينقص منهم".
قال رجل للحسن: أرأيت ليلة القدر، أفي كل رمضان؟ فقال: نعم، والذي لا إله إلا هو، إنها لفي كل رمضان، وإنها لليلة يفرق فيها كل أمر حكيم، فيها يقتضي الله عز وجل كل أجل وكل عمل ورزق وخلق إلى مثلها.
وقيل: إنما سميت "ليلة القدر" على معنى ليلة الجلالة والتعظيم، من قولهم: لفلان قدر.
وقد [تواترت] الأخبار أنها في العشر الأواخر من رمضان، أخفاها الله عز وجل في العشر [ولم يعينها النبي ﷺ] لئلا يفرط الناس في العمل في غيرها والاجتهاد ويتكلوا على فضل العمل فيها. فهي أبداً في ليلة من العشر الأواخر من رمضان. وهي تختلف، فتكون مرة في [ليلة] سبع، ومرة في ليلة غيرها.
روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: رأيت ليلة القدر، ثم أيقظني بعض أهلي فنسيتها، فالتمسوها في العشر الأواخر
(وعنه ﷺ: "فالتمسوها في العشر الأواخر)، وفي الوتر منها، أو في السبع البواقي" شك الراوي.
وروى ابن عباس عنه ﷺ أنه قال: "إلتَمِسُوها فِي العَشْرِ الأَوَاخِِرِ مِنْ رَمَضَانَ، في تَاسِعَةٍ تَبْقَى، أَوْ سَابِعَةٍ تَبْقَى، أَو خَامِسَةٍ تَبْقَى
وقال عبادة بن الصامت: خرج علينا رسول الله ﷺ وهو يريد أن يخبرنا بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال رسول الله: "إني خرجت إليكم وأنا أريد أن أخبركم [بليلة] القدر، فكان بين فلان وفلان لحاء فرفعت، وعسى أن يكون خيرا، فالتمسوها في العشر الأواخر في الخامسة والسابعة والتاسعة"
وقال أبو سعيد الخدري: كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الوسط من رمضان، فاعتكف عاماً حتى إذا كانت ليلة إحدى وعشرين، وهي التي يخرج فيها من اعتكافه، قال: من اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر، فقد رأيت هذه الليلة ثم أنسيتها. وقد [رأيتني] أسجد من صبيحتها في ماء وطين، فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر. قال أبو سعيد: فمطرت السماء من تلك الليلة وكان المسجد على عريش فوكف. قال أبو سعيد: فأبصرت عيناي رسول الله ﷺ وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين من صبيحة إحدى وعشرين". وقد أمر رسول الله ﷺ أنيساً أن يتوخاها ليلة ثلاث وعشرين
وروى عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: من كان متحريها [فليتحرها] في ليلة سبع وعشرين
وعن ابن عباس أنه استدل على أنها ليلة سبع وعشرين بقوله: ﴿سَلاَمٌ هِيَ﴾ فهي الكلمة السابعة والعشرون من أول السورة، فكذلك ليلة القدر ليلة سبع وعشرين من الشهر، وهذا استدلال فيه نظر إن صح عنه.
وقال كعب: والذي أنزل الكتاب على محمد ﷺ أنها ليلة سبع وعشرين، وذكر أن النبي ﷺ (أخبر) [لها] بآية فقال: إن الشمس تطلع غداً تئذ كأنها طست ليس لها شعاع
وأمر النبي ﷺ عائشة [أن] تدعوا إذا وافقت ليلة القدر فتقول: "اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني"
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ﴾ أي: وما أشعرك يا محمد أي شيء ليلة القدر، على التعظيم لها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾.
أي: العمل فيها أفضل من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر قاله مجاهد وغيره. وهو قول قتادة. وهو اختيار الطبري.
وقال مجاهد: كان في بني إسرائيل رجل يقوم الليل حتى يصبح، ثم يجاهد العدو بالنهار حتى يمسي. يفعل ذلك ألف شهر، فأنزل الله في هذه الأمة ليلة القدر خير من ألف شهر، أي: قيام تلك الليلة خير من عمل ذلك الرجل.
وقال الحسن بن علي بن أبي طالب: هي ألف شهر، وليت فيها بنو أمية، وكان النبي ﷺ قد أريهم على المنابر [فهاله] ذلك، فأحصيت ولا يتهم بعد ذلك فكانت كذلك.
وقال بعض العلماء: معناه: خير من ألف شهر رمضان بصومه.
وقال: [قم] ليالي رمضان رجاء إصابة ليلة القدر، فإنها خير من ألف شهر رمضان تصومها.
* *
ثم قال: ﴿تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم﴾.
(الروح: جبرائيل عليه السلام، أي تتنزل الملائكة وجبرائيل معهم فيها بأمر ربهم) من كل أمر، فيه الآجال [والأرزاق] والأعمال إلى السماء الدنيا. وهذا هو التمام عند كثير من النحويين. [ وهو] قول الفراء. وقاله نافع.
وقال قتادة: ﴿مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾، قال: يقضي فيها ما يكون في السنة إلى مثلها. فعلى هذا المعنى، يكون التمام: "من كل أمر".
وقال ابن عباس: معنى [ذلك]: تنزل الملائكة وجبرائيل معهم في ليلة القدر بإذن ربهم، أي: [نزولهم] بإذن ربهم.
قال ابن عباس: لا يلقون مؤمناً ولا مؤمنة إلا سلموا عليه.
وكان ابن عباس: (يقرأ" من) كل امرئ" فيكون معناه: إنهم يتنزلون في ليلة القدر بإذن ربهم من كل ملك لتسلم على المؤمنين والمؤمنات.
(وقال الشعبي: من كل امرئ من الملائكة سلام على المؤمنين والمؤمنات)، على قراءة ابن عباس.
وقيل: "من" بمعنى الباء، أي: تنزل الملائكة والروح فيها بكل أمر بإذن ربهم.
ومعنى: ﴿سَلاَمٌ هِيَ﴾ - على قراءة الجماعة - سلام من الشر كله ليلة القدر إلى طلوع الشمس.
وقال قتادة: ﴿سَلاَمٌ هِيَ﴾ أي خير هي حتى مطلع الفجر.
قال ابن زيد: "ليس: فيها شر، هي خير كلها] حتى مطلع الفجر. وسلام - على قراءة الجماعة -: خير. هي، على معنى: هي ذات سلامة.
و "سلام" على قراءة ابن عباس مرفوع بالابتداء، وما قبله الخبر.
و "المطلع" بالفتح: المصدر، أي إلى طلوع الفجر.
وحكى الفراء كسر اللام عن العرب وهم يريدون المصدر، كما قالوا "أكرمتك كرامة" يريدون إكراماً، و "أعطيتك عطاء" يريدون إعطاء. ومثله "المشرق" بالكسر يريدون به المصدر، والعرب تقول: شرقت الشمس مشرقاً - بالكسر -، يريدون شروقاً، والأصل فيه الفتح، ومثله المغرب والمفرق والمنبت [والمجزر] والمسكن والمنسك والمعشر والمسقط.
هذه الأحد عشر [تقال] بالفتح والكسر في المصدر، والفتح الأصل، [لأن ما] كان (على) "فعل يفعل" بالضم، فالمصدر منه واسم المكان "مفعل" (بالفتح).
وقد كان يجب أن يكون اسم المكان بالضم، إلا أنه ليس في الكلام "مفعل" بالضم، فرد إلى الفتح، لأنه أخف من الكسر، فاستوى المصدر واسم المكان.
والدليل على أن أصل اسم المكان عنه الضم: أن اسم المكان من فعل يفعل بكسر العين مفعل بالكسر، نحو المجلس، إلا أن العرب قد قالت: "مطلع" بالكسر للمكان الذي تطلع فيه الشمس، سماعاً بغير قياس.
وقال بعضهم: "مطلع" أيضاً في المصدر بالكسر، والأصل الفتح في ذلك.
البينة 98:1
قوله: ﴿لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ إلى آخرها.
معناه: لم يكن الكفار من أهل الكتاب وغيرهم من عبدة الأوثان منتهين عن كفرهم حتى يأتيهم القرآن.
قال مجاهد: معناه: لم يكونوا لينتهوا حتى يتبين لهم الحق.
وقيل: معناه: لم يكونوا تاركين ما عندهم من ذكر محمد ﷺ حتى يظهر، فلما ظهر تفرقوا واختلفوا.
وقال عطاء: لم يكونوا زائلين عما هم عليه حتى [يجيئهم] الرسول (فيبين لهم ضلالهم.
وقيل: معناه: لم يكونوا متفرقين إلا إذا جاءهم الرسول، لأنهم فارقوا ما كان عندهم من صفة الرسول) وكفروا بعد البيان، فيكون ﴿مُنفَكِّينَ﴾ على هذا من: انفك الشيء [من الشيء]، إذا فارقه، فلا [يحتاج] إلى خبر، وعلى القول الأول - وهو بمعنى زائلين - [فيحتاج] إلى خبر. وإنما عطف "المشركين" على "أهل" ولم يعطفوا على "الذين كفروا" فيرفعوا، لأن المعنى يتغير، فيصير الصنفان كلاهما من أهل الكتاب الذين كفروا والمشركين، وليس كذلك هما، إنما هما صنفان: كفار من أهل الكتاب ومشركون من عبدة الأوثان، فلا بد من العطف على "أهل"، فبذلك يتم المعنى، ويكون الذين كفروا (من أهل الكتاب) غير المشركين من عبدة الأوثان. ولو رفعت "المشركين" لصار الجميع كلهم من أهل الكتاب، وليس المعنى على ذلك.
* *
وقوله: ﴿حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ﴾ أي: حتى يأتيهم محمد صلوات الله عليه. وقد بين البينة ما هي، فقال: ﴿رَسُولٌ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ "فرسول" بدل من "البينة". وفي حرف أُبي: "رسول" بالنصب على الحال.
* *
وقوله: ﴿يَتْلُواْ صُحُفاً مُّطَهَّرَةً﴾ هو من نعت "رسول"، أي: يقرأ صحفاً مطهرة من الباطل، [وهي] القرآن.
* *
ثم قال: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ أي: في الصحف كتب من الله عادلة مستقيمة لا خطأ فيها.
* *
ثم قال: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ﴾.
أمر محمد أنه نبي مرسل إلى [الخلق]، فلما بعثه الله نبياً تفرقوا فيه، فآمن به بعضهم وكفر به بعضهم، وقد كانوا قبل أن يبعث غير متفرقين في أمره أنه نبي ﷺ.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ﴾.
أي: وما أمر أهل الكتاب إلا ليعبدوا الله وحده مفردين له بالطاعة لا يخلطونها بشرك، فأشركت اليهود بربها فقالت: ﴿عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، وأشركت النصارى [فقالت: ﴿ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠].
وجحد جميعهم نبوة محمد ﷺ.
ومعنى "حنفاء": مائلين عن كل دين إلى دين الإسلام. أي: وما تفرق اليهود والنصارى في أمر محمد فكذبوا به إلا من بعدما جاءهم ببيان.
قال ابن عباس: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ﴾، يقول: حجاجا مسلمين، (يقول): ليحجوا ويقيموا الصلاة [ويؤتوا] الزكاة.
قال قتادة: "[الحنيفية] الختان، وتحريم الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات، والمناسك".
وقال الضحاك: هو الحج.
وأصل الحنف في اللغة: الميل، فقيل للمائل عن الأديان إلى دين الإسلام ميلاً لا خلل فيه: "حنيف" وقد تقدم ذكره.
وقال الفراء: اللام في "ليعبدوا" لام "أن"، وهي لام "كي" عند البصريين، أي: أمروا بهذا كي يعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء.
و "مخلصين" و "حنفاء" نصب على الحال.
* *
ثم قال: ﴿وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُواْ ٱلزَّكَاةَ﴾.
أي: وأمروا بإقامة الصلاة المفروضة وإيتاء الزكاة المفروضة، يخلصون فعل ذلك لله لا يريدون به غير الله.
روى ابن وهب - (يرفعه) إلى أبي تمامة - قال: [قال] الحواريون لعيسى: أخبرنا من المخلص لله. قال: الذي يعمل (لله)، لا يحب أن يحمده الناس عليه، قالوا: فمن الناصح لله؟ قال: الذي يبدأ بحق الله قبل حق الناس، ويؤثر حق الله على حق الناس، وإذا عرض له (أمران) أمر الدنيا وأمر الآخرة بدأ بأمر الآخرة، ثم تفرغ لأمر الدنيا.
* *
ثم قال: ﴿وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيِّمَةِ﴾.
أي: وهذا الذي أمروا به هو دين المهلة المستقيمة ودين الجماعة المستقيمة لا يتم دين الإسلام إلا بذلك.
وهذا نص واضح على أن الإيمان قول وعمل بخلاف ما قاله المرجئة أن الإيمان قول لا غير، وقد قال تعالى: "﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ﴾ [آل عمران: ١٩]"، وبين هاهنا أن أقام الصلاة وإيتاء الزكاة وإخلاص العمل لله هو الدين المستقيم العادل.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾.
أي: إن الذين جحدوا نبوة محمد ﷺ من اليهود والنصارى ومن عبدة الأوثان كلهم في نار جهنم خالدين فيها أبداً لا يخرجون ولا يموتون.
* *
﴿أَوْلَـٰئِكَ هُمْ شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ﴾.
أي: هم شر من خلق الله.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾.
[أي]: آمنوا بالله ورسوله من أهل الكتاب وغيرهم وعملوا (الأعمال) الصالحات مخلصين لله حنفاء، أولئك خير من خلق الله.
قال أنس: سمعت رجلا قال للنبي ﷺ: يا خير البرية، فقال النبي ﷺ: ذلك إبراهيم ﷺ. وقد تعلق من فضل بني آدم على الملائكة ﴿خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ﴾، وغلط في ذلك، إنما معناه: خير البرية ممن برأ الله في الأرض من الجن والإنس، فالملائكة غير داخلين في ذلك، دليله قوله تعالى حكاية عن إبليس إذا قال لآدم وحواء: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ﴾ [الأعراف: ٢٠]: أتراه قال لهما: أن تكونا [دون] من حالكما؟! فلو كان ذلك ما رغبا في الأكل منها، وإنما أكلاها طمعاً أن يكونا أشرف من حالهما فيكونا ملكين.
وقد قال الله تعالى لنبيه محمد: ﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٥٠].
أتراه أمره أن ينفي عن نفسه منزلة جليلة، أو منزلة دون منزلته؟! بل ما [نفى] عن نفسه إلا منزلة رفيعة.
وكذلك قال نوح لقومه: ﴿وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٥٠]، وهو كثير في القرآن ظاهر في فضل الملائكة على بني آدم.
وقد قال (في قصة عيسى: ﴿وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢]، فإنما ذكر الله أنه لا يستنكف عنه) أن يكون عبداً له المسيح ولا من هو أشرف منزلة منه وهم الملائكة المقربون.
وأيضاً فإن الملائكة صنف من خلق الله، وبنو آدم صنف، فلا يقع التفاضل بين صنفين مختلفين، وإنما يقع التفاضل بين بعض الصنف وبعض.
[ولعمري]، إن هذه المسألة من المسائل التي يكره للعلماء الكلام (فيها)، ولولا ما كثير الكلام فيها ما ذكرتها، ولكان السكوت عنها أحسن من الكلام، لأن الله لم يتعبدنا بذلك، أسأل الله التوفيق والعفو عن [الزلل] بمنه وفضله.
* *
ثم قال: ﴿جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾.
أي: ثواب هؤلاء الذين آمنوا وعملوا [الصالحات] عند ربهم يوم القيامة بساتين إقامة لا زوال منها ولا انتقال، تجري من تحت أشجارها الأنهار خالدين فيها أبداً، لا يخرجون عنها ولا يموتون، ﴿رِّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [بطاعتهم له]، ﴿وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ بما أعطاهم من النعيم وبما نجاهم منه من العذاب.
* *
ثم قال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾.
أي: هذا الجزاء الذي ذكر ووصف هو لمن خاف الله في الدنيا سراً وعلانية، واتقاه بأداء فرائضه واجتنابه محارمه.
البينة 98:2
قوله: ﴿لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ إلى آخرها.
معناه: لم يكن الكفار من أهل الكتاب وغيرهم من عبدة الأوثان منتهين عن كفرهم حتى يأتيهم القرآن.
قال مجاهد: معناه: لم يكونوا لينتهوا حتى يتبين لهم الحق.
وقيل: معناه: لم يكونوا تاركين ما عندهم من ذكر محمد ﷺ حتى يظهر، فلما ظهر تفرقوا واختلفوا.
وقال عطاء: لم يكونوا زائلين عما هم عليه حتى [يجيئهم] الرسول (فيبين لهم ضلالهم.
وقيل: معناه: لم يكونوا متفرقين إلا إذا جاءهم الرسول، لأنهم فارقوا ما كان عندهم من صفة الرسول) وكفروا بعد البيان، فيكون ﴿مُنفَكِّينَ﴾ على هذا من: انفك الشيء [من الشيء]، إذا فارقه، فلا [يحتاج] إلى خبر، وعلى القول الأول - وهو بمعنى زائلين - [فيحتاج] إلى خبر. وإنما عطف "المشركين" على "أهل" ولم يعطفوا على "الذين كفروا" فيرفعوا، لأن المعنى يتغير، فيصير الصنفان كلاهما من أهل الكتاب الذين كفروا والمشركين، وليس كذلك هما، إنما هما صنفان: كفار من أهل الكتاب ومشركون من عبدة الأوثان، فلا بد من العطف على "أهل"، فبذلك يتم المعنى، ويكون الذين كفروا (من أهل الكتاب) غير المشركين من عبدة الأوثان. ولو رفعت "المشركين" لصار الجميع كلهم من أهل الكتاب، وليس المعنى على ذلك.
* *
وقوله: ﴿حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ﴾ أي: حتى يأتيهم محمد صلوات الله عليه. وقد بين البينة ما هي، فقال: ﴿رَسُولٌ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ "فرسول" بدل من "البينة". وفي حرف أُبي: "رسول" بالنصب على الحال.
* *
وقوله: ﴿يَتْلُواْ صُحُفاً مُّطَهَّرَةً﴾ هو من نعت "رسول"، أي: يقرأ صحفاً مطهرة من الباطل، [وهي] القرآن.
* *
ثم قال: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ أي: في الصحف كتب من الله عادلة مستقيمة لا خطأ فيها.
* *
ثم قال: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ﴾.
أمر محمد أنه نبي مرسل إلى [الخلق]، فلما بعثه الله نبياً تفرقوا فيه، فآمن به بعضهم وكفر به بعضهم، وقد كانوا قبل أن يبعث غير متفرقين في أمره أنه نبي ﷺ.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ﴾.
أي: وما أمر أهل الكتاب إلا ليعبدوا الله وحده مفردين له بالطاعة لا يخلطونها بشرك، فأشركت اليهود بربها فقالت: ﴿عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، وأشركت النصارى [فقالت: ﴿ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠].
وجحد جميعهم نبوة محمد ﷺ.
ومعنى "حنفاء": مائلين عن كل دين إلى دين الإسلام. أي: وما تفرق اليهود والنصارى في أمر محمد فكذبوا به إلا من بعدما جاءهم ببيان.
قال ابن عباس: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ﴾، يقول: حجاجا مسلمين، (يقول): ليحجوا ويقيموا الصلاة [ويؤتوا] الزكاة.
قال قتادة: "[الحنيفية] الختان، وتحريم الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات، والمناسك".
وقال الضحاك: هو الحج.
وأصل الحنف في اللغة: الميل، فقيل للمائل عن الأديان إلى دين الإسلام ميلاً لا خلل فيه: "حنيف" وقد تقدم ذكره.
وقال الفراء: اللام في "ليعبدوا" لام "أن"، وهي لام "كي" عند البصريين، أي: أمروا بهذا كي يعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء.
و "مخلصين" و "حنفاء" نصب على الحال.
* *
ثم قال: ﴿وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُواْ ٱلزَّكَاةَ﴾.
أي: وأمروا بإقامة الصلاة المفروضة وإيتاء الزكاة المفروضة، يخلصون فعل ذلك لله لا يريدون به غير الله.
روى ابن وهب - (يرفعه) إلى أبي تمامة - قال: [قال] الحواريون لعيسى: أخبرنا من المخلص لله. قال: الذي يعمل (لله)، لا يحب أن يحمده الناس عليه، قالوا: فمن الناصح لله؟ قال: الذي يبدأ بحق الله قبل حق الناس، ويؤثر حق الله على حق الناس، وإذا عرض له (أمران) أمر الدنيا وأمر الآخرة بدأ بأمر الآخرة، ثم تفرغ لأمر الدنيا.
* *
ثم قال: ﴿وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيِّمَةِ﴾.
أي: وهذا الذي أمروا به هو دين المهلة المستقيمة ودين الجماعة المستقيمة لا يتم دين الإسلام إلا بذلك.
وهذا نص واضح على أن الإيمان قول وعمل بخلاف ما قاله المرجئة أن الإيمان قول لا غير، وقد قال تعالى: "﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ﴾ [آل عمران: ١٩]"، وبين هاهنا أن أقام الصلاة وإيتاء الزكاة وإخلاص العمل لله هو الدين المستقيم العادل.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾.
أي: إن الذين جحدوا نبوة محمد ﷺ من اليهود والنصارى ومن عبدة الأوثان كلهم في نار جهنم خالدين فيها أبداً لا يخرجون ولا يموتون.
* *
﴿أَوْلَـٰئِكَ هُمْ شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ﴾.
أي: هم شر من خلق الله.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾.
[أي]: آمنوا بالله ورسوله من أهل الكتاب وغيرهم وعملوا (الأعمال) الصالحات مخلصين لله حنفاء، أولئك خير من خلق الله.
قال أنس: سمعت رجلا قال للنبي ﷺ: يا خير البرية، فقال النبي ﷺ: ذلك إبراهيم ﷺ. وقد تعلق من فضل بني آدم على الملائكة ﴿خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ﴾، وغلط في ذلك، إنما معناه: خير البرية ممن برأ الله في الأرض من الجن والإنس، فالملائكة غير داخلين في ذلك، دليله قوله تعالى حكاية عن إبليس إذا قال لآدم وحواء: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ﴾ [الأعراف: ٢٠]: أتراه قال لهما: أن تكونا [دون] من حالكما؟! فلو كان ذلك ما رغبا في الأكل منها، وإنما أكلاها طمعاً أن يكونا أشرف من حالهما فيكونا ملكين.
وقد قال الله تعالى لنبيه محمد: ﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٥٠].
أتراه أمره أن ينفي عن نفسه منزلة جليلة، أو منزلة دون منزلته؟! بل ما [نفى] عن نفسه إلا منزلة رفيعة.
وكذلك قال نوح لقومه: ﴿وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٥٠]، وهو كثير في القرآن ظاهر في فضل الملائكة على بني آدم.
وقد قال (في قصة عيسى: ﴿وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢]، فإنما ذكر الله أنه لا يستنكف عنه) أن يكون عبداً له المسيح ولا من هو أشرف منزلة منه وهم الملائكة المقربون.
وأيضاً فإن الملائكة صنف من خلق الله، وبنو آدم صنف، فلا يقع التفاضل بين صنفين مختلفين، وإنما يقع التفاضل بين بعض الصنف وبعض.
[ولعمري]، إن هذه المسألة من المسائل التي يكره للعلماء الكلام (فيها)، ولولا ما كثير الكلام فيها ما ذكرتها، ولكان السكوت عنها أحسن من الكلام، لأن الله لم يتعبدنا بذلك، أسأل الله التوفيق والعفو عن [الزلل] بمنه وفضله.
* *
ثم قال: ﴿جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾.
أي: ثواب هؤلاء الذين آمنوا وعملوا [الصالحات] عند ربهم يوم القيامة بساتين إقامة لا زوال منها ولا انتقال، تجري من تحت أشجارها الأنهار خالدين فيها أبداً، لا يخرجون عنها ولا يموتون، ﴿رِّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [بطاعتهم له]، ﴿وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ بما أعطاهم من النعيم وبما نجاهم منه من العذاب.
* *
ثم قال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾.
أي: هذا الجزاء الذي ذكر ووصف هو لمن خاف الله في الدنيا سراً وعلانية، واتقاه بأداء فرائضه واجتنابه محارمه.
البينة 98:3
قوله: ﴿لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ إلى آخرها.
معناه: لم يكن الكفار من أهل الكتاب وغيرهم من عبدة الأوثان منتهين عن كفرهم حتى يأتيهم القرآن.
قال مجاهد: معناه: لم يكونوا لينتهوا حتى يتبين لهم الحق.
وقيل: معناه: لم يكونوا تاركين ما عندهم من ذكر محمد ﷺ حتى يظهر، فلما ظهر تفرقوا واختلفوا.
وقال عطاء: لم يكونوا زائلين عما هم عليه حتى [يجيئهم] الرسول (فيبين لهم ضلالهم.
وقيل: معناه: لم يكونوا متفرقين إلا إذا جاءهم الرسول، لأنهم فارقوا ما كان عندهم من صفة الرسول) وكفروا بعد البيان، فيكون ﴿مُنفَكِّينَ﴾ على هذا من: انفك الشيء [من الشيء]، إذا فارقه، فلا [يحتاج] إلى خبر، وعلى القول الأول - وهو بمعنى زائلين - [فيحتاج] إلى خبر. وإنما عطف "المشركين" على "أهل" ولم يعطفوا على "الذين كفروا" فيرفعوا، لأن المعنى يتغير، فيصير الصنفان كلاهما من أهل الكتاب الذين كفروا والمشركين، وليس كذلك هما، إنما هما صنفان: كفار من أهل الكتاب ومشركون من عبدة الأوثان، فلا بد من العطف على "أهل"، فبذلك يتم المعنى، ويكون الذين كفروا (من أهل الكتاب) غير المشركين من عبدة الأوثان. ولو رفعت "المشركين" لصار الجميع كلهم من أهل الكتاب، وليس المعنى على ذلك.
* *
وقوله: ﴿حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ﴾ أي: حتى يأتيهم محمد صلوات الله عليه. وقد بين البينة ما هي، فقال: ﴿رَسُولٌ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ "فرسول" بدل من "البينة". وفي حرف أُبي: "رسول" بالنصب على الحال.
* *
وقوله: ﴿يَتْلُواْ صُحُفاً مُّطَهَّرَةً﴾ هو من نعت "رسول"، أي: يقرأ صحفاً مطهرة من الباطل، [وهي] القرآن.
* *
ثم قال: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ أي: في الصحف كتب من الله عادلة مستقيمة لا خطأ فيها.
* *
ثم قال: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ﴾.
أمر محمد أنه نبي مرسل إلى [الخلق]، فلما بعثه الله نبياً تفرقوا فيه، فآمن به بعضهم وكفر به بعضهم، وقد كانوا قبل أن يبعث غير متفرقين في أمره أنه نبي ﷺ.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ﴾.
أي: وما أمر أهل الكتاب إلا ليعبدوا الله وحده مفردين له بالطاعة لا يخلطونها بشرك، فأشركت اليهود بربها فقالت: ﴿عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، وأشركت النصارى [فقالت: ﴿ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠].
وجحد جميعهم نبوة محمد ﷺ.
ومعنى "حنفاء": مائلين عن كل دين إلى دين الإسلام. أي: وما تفرق اليهود والنصارى في أمر محمد فكذبوا به إلا من بعدما جاءهم ببيان.
قال ابن عباس: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ﴾، يقول: حجاجا مسلمين، (يقول): ليحجوا ويقيموا الصلاة [ويؤتوا] الزكاة.
قال قتادة: "[الحنيفية] الختان، وتحريم الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات، والمناسك".
وقال الضحاك: هو الحج.
وأصل الحنف في اللغة: الميل، فقيل للمائل عن الأديان إلى دين الإسلام ميلاً لا خلل فيه: "حنيف" وقد تقدم ذكره.
وقال الفراء: اللام في "ليعبدوا" لام "أن"، وهي لام "كي" عند البصريين، أي: أمروا بهذا كي يعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء.
و "مخلصين" و "حنفاء" نصب على الحال.
* *
ثم قال: ﴿وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُواْ ٱلزَّكَاةَ﴾.
أي: وأمروا بإقامة الصلاة المفروضة وإيتاء الزكاة المفروضة، يخلصون فعل ذلك لله لا يريدون به غير الله.
روى ابن وهب - (يرفعه) إلى أبي تمامة - قال: [قال] الحواريون لعيسى: أخبرنا من المخلص لله. قال: الذي يعمل (لله)، لا يحب أن يحمده الناس عليه، قالوا: فمن الناصح لله؟ قال: الذي يبدأ بحق الله قبل حق الناس، ويؤثر حق الله على حق الناس، وإذا عرض له (أمران) أمر الدنيا وأمر الآخرة بدأ بأمر الآخرة، ثم تفرغ لأمر الدنيا.
* *
ثم قال: ﴿وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيِّمَةِ﴾.
أي: وهذا الذي أمروا به هو دين المهلة المستقيمة ودين الجماعة المستقيمة لا يتم دين الإسلام إلا بذلك.
وهذا نص واضح على أن الإيمان قول وعمل بخلاف ما قاله المرجئة أن الإيمان قول لا غير، وقد قال تعالى: "﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ﴾ [آل عمران: ١٩]"، وبين هاهنا أن أقام الصلاة وإيتاء الزكاة وإخلاص العمل لله هو الدين المستقيم العادل.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾.
أي: إن الذين جحدوا نبوة محمد ﷺ من اليهود والنصارى ومن عبدة الأوثان كلهم في نار جهنم خالدين فيها أبداً لا يخرجون ولا يموتون.
* *
﴿أَوْلَـٰئِكَ هُمْ شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ﴾.
أي: هم شر من خلق الله.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾.
[أي]: آمنوا بالله ورسوله من أهل الكتاب وغيرهم وعملوا (الأعمال) الصالحات مخلصين لله حنفاء، أولئك خير من خلق الله.
قال أنس: سمعت رجلا قال للنبي ﷺ: يا خير البرية، فقال النبي ﷺ: ذلك إبراهيم ﷺ. وقد تعلق من فضل بني آدم على الملائكة ﴿خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ﴾، وغلط في ذلك، إنما معناه: خير البرية ممن برأ الله في الأرض من الجن والإنس، فالملائكة غير داخلين في ذلك، دليله قوله تعالى حكاية عن إبليس إذا قال لآدم وحواء: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ﴾ [الأعراف: ٢٠]: أتراه قال لهما: أن تكونا [دون] من حالكما؟! فلو كان ذلك ما رغبا في الأكل منها، وإنما أكلاها طمعاً أن يكونا أشرف من حالهما فيكونا ملكين.
وقد قال الله تعالى لنبيه محمد: ﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٥٠].
أتراه أمره أن ينفي عن نفسه منزلة جليلة، أو منزلة دون منزلته؟! بل ما [نفى] عن نفسه إلا منزلة رفيعة.
وكذلك قال نوح لقومه: ﴿وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٥٠]، وهو كثير في القرآن ظاهر في فضل الملائكة على بني آدم.
وقد قال (في قصة عيسى: ﴿وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢]، فإنما ذكر الله أنه لا يستنكف عنه) أن يكون عبداً له المسيح ولا من هو أشرف منزلة منه وهم الملائكة المقربون.
وأيضاً فإن الملائكة صنف من خلق الله، وبنو آدم صنف، فلا يقع التفاضل بين صنفين مختلفين، وإنما يقع التفاضل بين بعض الصنف وبعض.
[ولعمري]، إن هذه المسألة من المسائل التي يكره للعلماء الكلام (فيها)، ولولا ما كثير الكلام فيها ما ذكرتها، ولكان السكوت عنها أحسن من الكلام، لأن الله لم يتعبدنا بذلك، أسأل الله التوفيق والعفو عن [الزلل] بمنه وفضله.
* *
ثم قال: ﴿جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾.
أي: ثواب هؤلاء الذين آمنوا وعملوا [الصالحات] عند ربهم يوم القيامة بساتين إقامة لا زوال منها ولا انتقال، تجري من تحت أشجارها الأنهار خالدين فيها أبداً، لا يخرجون عنها ولا يموتون، ﴿رِّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [بطاعتهم له]، ﴿وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ بما أعطاهم من النعيم وبما نجاهم منه من العذاب.
* *
ثم قال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾.
أي: هذا الجزاء الذي ذكر ووصف هو لمن خاف الله في الدنيا سراً وعلانية، واتقاه بأداء فرائضه واجتنابه محارمه.
البينة 98:4
قوله: ﴿لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ إلى آخرها.
معناه: لم يكن الكفار من أهل الكتاب وغيرهم من عبدة الأوثان منتهين عن كفرهم حتى يأتيهم القرآن.
قال مجاهد: معناه: لم يكونوا لينتهوا حتى يتبين لهم الحق.
وقيل: معناه: لم يكونوا تاركين ما عندهم من ذكر محمد ﷺ حتى يظهر، فلما ظهر تفرقوا واختلفوا.
وقال عطاء: لم يكونوا زائلين عما هم عليه حتى [يجيئهم] الرسول (فيبين لهم ضلالهم.
وقيل: معناه: لم يكونوا متفرقين إلا إذا جاءهم الرسول، لأنهم فارقوا ما كان عندهم من صفة الرسول) وكفروا بعد البيان، فيكون ﴿مُنفَكِّينَ﴾ على هذا من: انفك الشيء [من الشيء]، إذا فارقه، فلا [يحتاج] إلى خبر، وعلى القول الأول - وهو بمعنى زائلين - [فيحتاج] إلى خبر. وإنما عطف "المشركين" على "أهل" ولم يعطفوا على "الذين كفروا" فيرفعوا، لأن المعنى يتغير، فيصير الصنفان كلاهما من أهل الكتاب الذين كفروا والمشركين، وليس كذلك هما، إنما هما صنفان: كفار من أهل الكتاب ومشركون من عبدة الأوثان، فلا بد من العطف على "أهل"، فبذلك يتم المعنى، ويكون الذين كفروا (من أهل الكتاب) غير المشركين من عبدة الأوثان. ولو رفعت "المشركين" لصار الجميع كلهم من أهل الكتاب، وليس المعنى على ذلك.
* *
وقوله: ﴿حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ﴾ أي: حتى يأتيهم محمد صلوات الله عليه. وقد بين البينة ما هي، فقال: ﴿رَسُولٌ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ "فرسول" بدل من "البينة". وفي حرف أُبي: "رسول" بالنصب على الحال.
* *
وقوله: ﴿يَتْلُواْ صُحُفاً مُّطَهَّرَةً﴾ هو من نعت "رسول"، أي: يقرأ صحفاً مطهرة من الباطل، [وهي] القرآن.
* *
ثم قال: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ أي: في الصحف كتب من الله عادلة مستقيمة لا خطأ فيها.
* *
ثم قال: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ﴾.
أمر محمد أنه نبي مرسل إلى [الخلق]، فلما بعثه الله نبياً تفرقوا فيه، فآمن به بعضهم وكفر به بعضهم، وقد كانوا قبل أن يبعث غير متفرقين في أمره أنه نبي ﷺ.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ﴾.
أي: وما أمر أهل الكتاب إلا ليعبدوا الله وحده مفردين له بالطاعة لا يخلطونها بشرك، فأشركت اليهود بربها فقالت: ﴿عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، وأشركت النصارى [فقالت: ﴿ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠].
وجحد جميعهم نبوة محمد ﷺ.
ومعنى "حنفاء": مائلين عن كل دين إلى دين الإسلام. أي: وما تفرق اليهود والنصارى في أمر محمد فكذبوا به إلا من بعدما جاءهم ببيان.
قال ابن عباس: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ﴾، يقول: حجاجا مسلمين، (يقول): ليحجوا ويقيموا الصلاة [ويؤتوا] الزكاة.
قال قتادة: "[الحنيفية] الختان، وتحريم الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات، والمناسك".
وقال الضحاك: هو الحج.
وأصل الحنف في اللغة: الميل، فقيل للمائل عن الأديان إلى دين الإسلام ميلاً لا خلل فيه: "حنيف" وقد تقدم ذكره.
وقال الفراء: اللام في "ليعبدوا" لام "أن"، وهي لام "كي" عند البصريين، أي: أمروا بهذا كي يعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء.
و "مخلصين" و "حنفاء" نصب على الحال.
* *
ثم قال: ﴿وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُواْ ٱلزَّكَاةَ﴾.
أي: وأمروا بإقامة الصلاة المفروضة وإيتاء الزكاة المفروضة، يخلصون فعل ذلك لله لا يريدون به غير الله.
روى ابن وهب - (يرفعه) إلى أبي تمامة - قال: [قال] الحواريون لعيسى: أخبرنا من المخلص لله. قال: الذي يعمل (لله)، لا يحب أن يحمده الناس عليه، قالوا: فمن الناصح لله؟ قال: الذي يبدأ بحق الله قبل حق الناس، ويؤثر حق الله على حق الناس، وإذا عرض له (أمران) أمر الدنيا وأمر الآخرة بدأ بأمر الآخرة، ثم تفرغ لأمر الدنيا.
* *
ثم قال: ﴿وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيِّمَةِ﴾.
أي: وهذا الذي أمروا به هو دين المهلة المستقيمة ودين الجماعة المستقيمة لا يتم دين الإسلام إلا بذلك.
وهذا نص واضح على أن الإيمان قول وعمل بخلاف ما قاله المرجئة أن الإيمان قول لا غير، وقد قال تعالى: "﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ﴾ [آل عمران: ١٩]"، وبين هاهنا أن أقام الصلاة وإيتاء الزكاة وإخلاص العمل لله هو الدين المستقيم العادل.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾.
أي: إن الذين جحدوا نبوة محمد ﷺ من اليهود والنصارى ومن عبدة الأوثان كلهم في نار جهنم خالدين فيها أبداً لا يخرجون ولا يموتون.
* *
﴿أَوْلَـٰئِكَ هُمْ شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ﴾.
أي: هم شر من خلق الله.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾.
[أي]: آمنوا بالله ورسوله من أهل الكتاب وغيرهم وعملوا (الأعمال) الصالحات مخلصين لله حنفاء، أولئك خير من خلق الله.
قال أنس: سمعت رجلا قال للنبي ﷺ: يا خير البرية، فقال النبي ﷺ: ذلك إبراهيم ﷺ. وقد تعلق من فضل بني آدم على الملائكة ﴿خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ﴾، وغلط في ذلك، إنما معناه: خير البرية ممن برأ الله في الأرض من الجن والإنس، فالملائكة غير داخلين في ذلك، دليله قوله تعالى حكاية عن إبليس إذا قال لآدم وحواء: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ﴾ [الأعراف: ٢٠]: أتراه قال لهما: أن تكونا [دون] من حالكما؟! فلو كان ذلك ما رغبا في الأكل منها، وإنما أكلاها طمعاً أن يكونا أشرف من حالهما فيكونا ملكين.
وقد قال الله تعالى لنبيه محمد: ﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٥٠].
أتراه أمره أن ينفي عن نفسه منزلة جليلة، أو منزلة دون منزلته؟! بل ما [نفى] عن نفسه إلا منزلة رفيعة.
وكذلك قال نوح لقومه: ﴿وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٥٠]، وهو كثير في القرآن ظاهر في فضل الملائكة على بني آدم.
وقد قال (في قصة عيسى: ﴿وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢]، فإنما ذكر الله أنه لا يستنكف عنه) أن يكون عبداً له المسيح ولا من هو أشرف منزلة منه وهم الملائكة المقربون.
وأيضاً فإن الملائكة صنف من خلق الله، وبنو آدم صنف، فلا يقع التفاضل بين صنفين مختلفين، وإنما يقع التفاضل بين بعض الصنف وبعض.
[ولعمري]، إن هذه المسألة من المسائل التي يكره للعلماء الكلام (فيها)، ولولا ما كثير الكلام فيها ما ذكرتها، ولكان السكوت عنها أحسن من الكلام، لأن الله لم يتعبدنا بذلك، أسأل الله التوفيق والعفو عن [الزلل] بمنه وفضله.
* *
ثم قال: ﴿جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾.
أي: ثواب هؤلاء الذين آمنوا وعملوا [الصالحات] عند ربهم يوم القيامة بساتين إقامة لا زوال منها ولا انتقال، تجري من تحت أشجارها الأنهار خالدين فيها أبداً، لا يخرجون عنها ولا يموتون، ﴿رِّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [بطاعتهم له]، ﴿وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ بما أعطاهم من النعيم وبما نجاهم منه من العذاب.
* *
ثم قال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾.
أي: هذا الجزاء الذي ذكر ووصف هو لمن خاف الله في الدنيا سراً وعلانية، واتقاه بأداء فرائضه واجتنابه محارمه.
البينة 98:5
قوله: ﴿لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ إلى آخرها.
معناه: لم يكن الكفار من أهل الكتاب وغيرهم من عبدة الأوثان منتهين عن كفرهم حتى يأتيهم القرآن.
قال مجاهد: معناه: لم يكونوا لينتهوا حتى يتبين لهم الحق.
وقيل: معناه: لم يكونوا تاركين ما عندهم من ذكر محمد ﷺ حتى يظهر، فلما ظهر تفرقوا واختلفوا.
وقال عطاء: لم يكونوا زائلين عما هم عليه حتى [يجيئهم] الرسول (فيبين لهم ضلالهم.
وقيل: معناه: لم يكونوا متفرقين إلا إذا جاءهم الرسول، لأنهم فارقوا ما كان عندهم من صفة الرسول) وكفروا بعد البيان، فيكون ﴿مُنفَكِّينَ﴾ على هذا من: انفك الشيء [من الشيء]، إذا فارقه، فلا [يحتاج] إلى خبر، وعلى القول الأول - وهو بمعنى زائلين - [فيحتاج] إلى خبر. وإنما عطف "المشركين" على "أهل" ولم يعطفوا على "الذين كفروا" فيرفعوا، لأن المعنى يتغير، فيصير الصنفان كلاهما من أهل الكتاب الذين كفروا والمشركين، وليس كذلك هما، إنما هما صنفان: كفار من أهل الكتاب ومشركون من عبدة الأوثان، فلا بد من العطف على "أهل"، فبذلك يتم المعنى، ويكون الذين كفروا (من أهل الكتاب) غير المشركين من عبدة الأوثان. ولو رفعت "المشركين" لصار الجميع كلهم من أهل الكتاب، وليس المعنى على ذلك.
* *
وقوله: ﴿حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ﴾ أي: حتى يأتيهم محمد صلوات الله عليه. وقد بين البينة ما هي، فقال: ﴿رَسُولٌ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ "فرسول" بدل من "البينة". وفي حرف أُبي: "رسول" بالنصب على الحال.
* *
وقوله: ﴿يَتْلُواْ صُحُفاً مُّطَهَّرَةً﴾ هو من نعت "رسول"، أي: يقرأ صحفاً مطهرة من الباطل، [وهي] القرآن.
* *
ثم قال: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ أي: في الصحف كتب من الله عادلة مستقيمة لا خطأ فيها.
* *
ثم قال: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ﴾.
أمر محمد أنه نبي مرسل إلى [الخلق]، فلما بعثه الله نبياً تفرقوا فيه، فآمن به بعضهم وكفر به بعضهم، وقد كانوا قبل أن يبعث غير متفرقين في أمره أنه نبي ﷺ.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ﴾.
أي: وما أمر أهل الكتاب إلا ليعبدوا الله وحده مفردين له بالطاعة لا يخلطونها بشرك، فأشركت اليهود بربها فقالت: ﴿عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، وأشركت النصارى [فقالت: ﴿ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠].
وجحد جميعهم نبوة محمد ﷺ.
ومعنى "حنفاء": مائلين عن كل دين إلى دين الإسلام. أي: وما تفرق اليهود والنصارى في أمر محمد فكذبوا به إلا من بعدما جاءهم ببيان.
قال ابن عباس: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ﴾، يقول: حجاجا مسلمين، (يقول): ليحجوا ويقيموا الصلاة [ويؤتوا] الزكاة.
قال قتادة: "[الحنيفية] الختان، وتحريم الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات، والمناسك".
وقال الضحاك: هو الحج.
وأصل الحنف في اللغة: الميل، فقيل للمائل عن الأديان إلى دين الإسلام ميلاً لا خلل فيه: "حنيف" وقد تقدم ذكره.
وقال الفراء: اللام في "ليعبدوا" لام "أن"، وهي لام "كي" عند البصريين، أي: أمروا بهذا كي يعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء.
و "مخلصين" و "حنفاء" نصب على الحال.
* *
ثم قال: ﴿وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُواْ ٱلزَّكَاةَ﴾.
أي: وأمروا بإقامة الصلاة المفروضة وإيتاء الزكاة المفروضة، يخلصون فعل ذلك لله لا يريدون به غير الله.
روى ابن وهب - (يرفعه) إلى أبي تمامة - قال: [قال] الحواريون لعيسى: أخبرنا من المخلص لله. قال: الذي يعمل (لله)، لا يحب أن يحمده الناس عليه، قالوا: فمن الناصح لله؟ قال: الذي يبدأ بحق الله قبل حق الناس، ويؤثر حق الله على حق الناس، وإذا عرض له (أمران) أمر الدنيا وأمر الآخرة بدأ بأمر الآخرة، ثم تفرغ لأمر الدنيا.
* *
ثم قال: ﴿وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيِّمَةِ﴾.
أي: وهذا الذي أمروا به هو دين المهلة المستقيمة ودين الجماعة المستقيمة لا يتم دين الإسلام إلا بذلك.
وهذا نص واضح على أن الإيمان قول وعمل بخلاف ما قاله المرجئة أن الإيمان قول لا غير، وقد قال تعالى: "﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ﴾ [آل عمران: ١٩]"، وبين هاهنا أن أقام الصلاة وإيتاء الزكاة وإخلاص العمل لله هو الدين المستقيم العادل.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾.
أي: إن الذين جحدوا نبوة محمد ﷺ من اليهود والنصارى ومن عبدة الأوثان كلهم في نار جهنم خالدين فيها أبداً لا يخرجون ولا يموتون.
* *
﴿أَوْلَـٰئِكَ هُمْ شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ﴾.
أي: هم شر من خلق الله.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾.
[أي]: آمنوا بالله ورسوله من أهل الكتاب وغيرهم وعملوا (الأعمال) الصالحات مخلصين لله حنفاء، أولئك خير من خلق الله.
قال أنس: سمعت رجلا قال للنبي ﷺ: يا خير البرية، فقال النبي ﷺ: ذلك إبراهيم ﷺ. وقد تعلق من فضل بني آدم على الملائكة ﴿خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ﴾، وغلط في ذلك، إنما معناه: خير البرية ممن برأ الله في الأرض من الجن والإنس، فالملائكة غير داخلين في ذلك، دليله قوله تعالى حكاية عن إبليس إذا قال لآدم وحواء: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ﴾ [الأعراف: ٢٠]: أتراه قال لهما: أن تكونا [دون] من حالكما؟! فلو كان ذلك ما رغبا في الأكل منها، وإنما أكلاها طمعاً أن يكونا أشرف من حالهما فيكونا ملكين.
وقد قال الله تعالى لنبيه محمد: ﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٥٠].
أتراه أمره أن ينفي عن نفسه منزلة جليلة، أو منزلة دون منزلته؟! بل ما [نفى] عن نفسه إلا منزلة رفيعة.
وكذلك قال نوح لقومه: ﴿وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٥٠]، وهو كثير في القرآن ظاهر في فضل الملائكة على بني آدم.
وقد قال (في قصة عيسى: ﴿وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢]، فإنما ذكر الله أنه لا يستنكف عنه) أن يكون عبداً له المسيح ولا من هو أشرف منزلة منه وهم الملائكة المقربون.
وأيضاً فإن الملائكة صنف من خلق الله، وبنو آدم صنف، فلا يقع التفاضل بين صنفين مختلفين، وإنما يقع التفاضل بين بعض الصنف وبعض.
[ولعمري]، إن هذه المسألة من المسائل التي يكره للعلماء الكلام (فيها)، ولولا ما كثير الكلام فيها ما ذكرتها، ولكان السكوت عنها أحسن من الكلام، لأن الله لم يتعبدنا بذلك، أسأل الله التوفيق والعفو عن [الزلل] بمنه وفضله.
* *
ثم قال: ﴿جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾.
أي: ثواب هؤلاء الذين آمنوا وعملوا [الصالحات] عند ربهم يوم القيامة بساتين إقامة لا زوال منها ولا انتقال، تجري من تحت أشجارها الأنهار خالدين فيها أبداً، لا يخرجون عنها ولا يموتون، ﴿رِّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [بطاعتهم له]، ﴿وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ بما أعطاهم من النعيم وبما نجاهم منه من العذاب.
* *
ثم قال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾.
أي: هذا الجزاء الذي ذكر ووصف هو لمن خاف الله في الدنيا سراً وعلانية، واتقاه بأداء فرائضه واجتنابه محارمه.
البينة 98:6
قوله: ﴿لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ إلى آخرها.
معناه: لم يكن الكفار من أهل الكتاب وغيرهم من عبدة الأوثان منتهين عن كفرهم حتى يأتيهم القرآن.
قال مجاهد: معناه: لم يكونوا لينتهوا حتى يتبين لهم الحق.
وقيل: معناه: لم يكونوا تاركين ما عندهم من ذكر محمد ﷺ حتى يظهر، فلما ظهر تفرقوا واختلفوا.
وقال عطاء: لم يكونوا زائلين عما هم عليه حتى [يجيئهم] الرسول (فيبين لهم ضلالهم.
وقيل: معناه: لم يكونوا متفرقين إلا إذا جاءهم الرسول، لأنهم فارقوا ما كان عندهم من صفة الرسول) وكفروا بعد البيان، فيكون ﴿مُنفَكِّينَ﴾ على هذا من: انفك الشيء [من الشيء]، إذا فارقه، فلا [يحتاج] إلى خبر، وعلى القول الأول - وهو بمعنى زائلين - [فيحتاج] إلى خبر. وإنما عطف "المشركين" على "أهل" ولم يعطفوا على "الذين كفروا" فيرفعوا، لأن المعنى يتغير، فيصير الصنفان كلاهما من أهل الكتاب الذين كفروا والمشركين، وليس كذلك هما، إنما هما صنفان: كفار من أهل الكتاب ومشركون من عبدة الأوثان، فلا بد من العطف على "أهل"، فبذلك يتم المعنى، ويكون الذين كفروا (من أهل الكتاب) غير المشركين من عبدة الأوثان. ولو رفعت "المشركين" لصار الجميع كلهم من أهل الكتاب، وليس المعنى على ذلك.
* *
وقوله: ﴿حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ﴾ أي: حتى يأتيهم محمد صلوات الله عليه. وقد بين البينة ما هي، فقال: ﴿رَسُولٌ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ "فرسول" بدل من "البينة". وفي حرف أُبي: "رسول" بالنصب على الحال.
* *
وقوله: ﴿يَتْلُواْ صُحُفاً مُّطَهَّرَةً﴾ هو من نعت "رسول"، أي: يقرأ صحفاً مطهرة من الباطل، [وهي] القرآن.
* *
ثم قال: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ أي: في الصحف كتب من الله عادلة مستقيمة لا خطأ فيها.
* *
ثم قال: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ﴾.
أمر محمد أنه نبي مرسل إلى [الخلق]، فلما بعثه الله نبياً تفرقوا فيه، فآمن به بعضهم وكفر به بعضهم، وقد كانوا قبل أن يبعث غير متفرقين في أمره أنه نبي ﷺ.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ﴾.
أي: وما أمر أهل الكتاب إلا ليعبدوا الله وحده مفردين له بالطاعة لا يخلطونها بشرك، فأشركت اليهود بربها فقالت: ﴿عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، وأشركت النصارى [فقالت: ﴿ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠].
وجحد جميعهم نبوة محمد ﷺ.
ومعنى "حنفاء": مائلين عن كل دين إلى دين الإسلام. أي: وما تفرق اليهود والنصارى في أمر محمد فكذبوا به إلا من بعدما جاءهم ببيان.
قال ابن عباس: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ﴾، يقول: حجاجا مسلمين، (يقول): ليحجوا ويقيموا الصلاة [ويؤتوا] الزكاة.
قال قتادة: "[الحنيفية] الختان، وتحريم الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات، والمناسك".
وقال الضحاك: هو الحج.
وأصل الحنف في اللغة: الميل، فقيل للمائل عن الأديان إلى دين الإسلام ميلاً لا خلل فيه: "حنيف" وقد تقدم ذكره.
وقال الفراء: اللام في "ليعبدوا" لام "أن"، وهي لام "كي" عند البصريين، أي: أمروا بهذا كي يعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء.
و "مخلصين" و "حنفاء" نصب على الحال.
* *
ثم قال: ﴿وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُواْ ٱلزَّكَاةَ﴾.
أي: وأمروا بإقامة الصلاة المفروضة وإيتاء الزكاة المفروضة، يخلصون فعل ذلك لله لا يريدون به غير الله.
روى ابن وهب - (يرفعه) إلى أبي تمامة - قال: [قال] الحواريون لعيسى: أخبرنا من المخلص لله. قال: الذي يعمل (لله)، لا يحب أن يحمده الناس عليه، قالوا: فمن الناصح لله؟ قال: الذي يبدأ بحق الله قبل حق الناس، ويؤثر حق الله على حق الناس، وإذا عرض له (أمران) أمر الدنيا وأمر الآخرة بدأ بأمر الآخرة، ثم تفرغ لأمر الدنيا.
* *
ثم قال: ﴿وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيِّمَةِ﴾.
أي: وهذا الذي أمروا به هو دين المهلة المستقيمة ودين الجماعة المستقيمة لا يتم دين الإسلام إلا بذلك.
وهذا نص واضح على أن الإيمان قول وعمل بخلاف ما قاله المرجئة أن الإيمان قول لا غير، وقد قال تعالى: "﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ﴾ [آل عمران: ١٩]"، وبين هاهنا أن أقام الصلاة وإيتاء الزكاة وإخلاص العمل لله هو الدين المستقيم العادل.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾.
أي: إن الذين جحدوا نبوة محمد ﷺ من اليهود والنصارى ومن عبدة الأوثان كلهم في نار جهنم خالدين فيها أبداً لا يخرجون ولا يموتون.
* *
﴿أَوْلَـٰئِكَ هُمْ شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ﴾.
أي: هم شر من خلق الله.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾.
[أي]: آمنوا بالله ورسوله من أهل الكتاب وغيرهم وعملوا (الأعمال) الصالحات مخلصين لله حنفاء، أولئك خير من خلق الله.
قال أنس: سمعت رجلا قال للنبي ﷺ: يا خير البرية، فقال النبي ﷺ: ذلك إبراهيم ﷺ. وقد تعلق من فضل بني آدم على الملائكة ﴿خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ﴾، وغلط في ذلك، إنما معناه: خير البرية ممن برأ الله في الأرض من الجن والإنس، فالملائكة غير داخلين في ذلك، دليله قوله تعالى حكاية عن إبليس إذا قال لآدم وحواء: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ﴾ [الأعراف: ٢٠]: أتراه قال لهما: أن تكونا [دون] من حالكما؟! فلو كان ذلك ما رغبا في الأكل منها، وإنما أكلاها طمعاً أن يكونا أشرف من حالهما فيكونا ملكين.
وقد قال الله تعالى لنبيه محمد: ﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٥٠].
أتراه أمره أن ينفي عن نفسه منزلة جليلة، أو منزلة دون منزلته؟! بل ما [نفى] عن نفسه إلا منزلة رفيعة.
وكذلك قال نوح لقومه: ﴿وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٥٠]، وهو كثير في القرآن ظاهر في فضل الملائكة على بني آدم.
وقد قال (في قصة عيسى: ﴿وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢]، فإنما ذكر الله أنه لا يستنكف عنه) أن يكون عبداً له المسيح ولا من هو أشرف منزلة منه وهم الملائكة المقربون.
وأيضاً فإن الملائكة صنف من خلق الله، وبنو آدم صنف، فلا يقع التفاضل بين صنفين مختلفين، وإنما يقع التفاضل بين بعض الصنف وبعض.
[ولعمري]، إن هذه المسألة من المسائل التي يكره للعلماء الكلام (فيها)، ولولا ما كثير الكلام فيها ما ذكرتها، ولكان السكوت عنها أحسن من الكلام، لأن الله لم يتعبدنا بذلك، أسأل الله التوفيق والعفو عن [الزلل] بمنه وفضله.
* *
ثم قال: ﴿جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾.
أي: ثواب هؤلاء الذين آمنوا وعملوا [الصالحات] عند ربهم يوم القيامة بساتين إقامة لا زوال منها ولا انتقال، تجري من تحت أشجارها الأنهار خالدين فيها أبداً، لا يخرجون عنها ولا يموتون، ﴿رِّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [بطاعتهم له]، ﴿وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ بما أعطاهم من النعيم وبما نجاهم منه من العذاب.
* *
ثم قال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾.
أي: هذا الجزاء الذي ذكر ووصف هو لمن خاف الله في الدنيا سراً وعلانية، واتقاه بأداء فرائضه واجتنابه محارمه.
البينة 98:7
قوله: ﴿لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ إلى آخرها.
معناه: لم يكن الكفار من أهل الكتاب وغيرهم من عبدة الأوثان منتهين عن كفرهم حتى يأتيهم القرآن.
قال مجاهد: معناه: لم يكونوا لينتهوا حتى يتبين لهم الحق.
وقيل: معناه: لم يكونوا تاركين ما عندهم من ذكر محمد ﷺ حتى يظهر، فلما ظهر تفرقوا واختلفوا.
وقال عطاء: لم يكونوا زائلين عما هم عليه حتى [يجيئهم] الرسول (فيبين لهم ضلالهم.
وقيل: معناه: لم يكونوا متفرقين إلا إذا جاءهم الرسول، لأنهم فارقوا ما كان عندهم من صفة الرسول) وكفروا بعد البيان، فيكون ﴿مُنفَكِّينَ﴾ على هذا من: انفك الشيء [من الشيء]، إذا فارقه، فلا [يحتاج] إلى خبر، وعلى القول الأول - وهو بمعنى زائلين - [فيحتاج] إلى خبر. وإنما عطف "المشركين" على "أهل" ولم يعطفوا على "الذين كفروا" فيرفعوا، لأن المعنى يتغير، فيصير الصنفان كلاهما من أهل الكتاب الذين كفروا والمشركين، وليس كذلك هما، إنما هما صنفان: كفار من أهل الكتاب ومشركون من عبدة الأوثان، فلا بد من العطف على "أهل"، فبذلك يتم المعنى، ويكون الذين كفروا (من أهل الكتاب) غير المشركين من عبدة الأوثان. ولو رفعت "المشركين" لصار الجميع كلهم من أهل الكتاب، وليس المعنى على ذلك.
* *
وقوله: ﴿حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ﴾ أي: حتى يأتيهم محمد صلوات الله عليه. وقد بين البينة ما هي، فقال: ﴿رَسُولٌ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ "فرسول" بدل من "البينة". وفي حرف أُبي: "رسول" بالنصب على الحال.
* *
وقوله: ﴿يَتْلُواْ صُحُفاً مُّطَهَّرَةً﴾ هو من نعت "رسول"، أي: يقرأ صحفاً مطهرة من الباطل، [وهي] القرآن.
* *
ثم قال: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ أي: في الصحف كتب من الله عادلة مستقيمة لا خطأ فيها.
* *
ثم قال: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ﴾.
أمر محمد أنه نبي مرسل إلى [الخلق]، فلما بعثه الله نبياً تفرقوا فيه، فآمن به بعضهم وكفر به بعضهم، وقد كانوا قبل أن يبعث غير متفرقين في أمره أنه نبي ﷺ.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ﴾.
أي: وما أمر أهل الكتاب إلا ليعبدوا الله وحده مفردين له بالطاعة لا يخلطونها بشرك، فأشركت اليهود بربها فقالت: ﴿عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، وأشركت النصارى [فقالت: ﴿ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠].
وجحد جميعهم نبوة محمد ﷺ.
ومعنى "حنفاء": مائلين عن كل دين إلى دين الإسلام. أي: وما تفرق اليهود والنصارى في أمر محمد فكذبوا به إلا من بعدما جاءهم ببيان.
قال ابن عباس: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ﴾، يقول: حجاجا مسلمين، (يقول): ليحجوا ويقيموا الصلاة [ويؤتوا] الزكاة.
قال قتادة: "[الحنيفية] الختان، وتحريم الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات، والمناسك".
وقال الضحاك: هو الحج.
وأصل الحنف في اللغة: الميل، فقيل للمائل عن الأديان إلى دين الإسلام ميلاً لا خلل فيه: "حنيف" وقد تقدم ذكره.
وقال الفراء: اللام في "ليعبدوا" لام "أن"، وهي لام "كي" عند البصريين، أي: أمروا بهذا كي يعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء.
و "مخلصين" و "حنفاء" نصب على الحال.
* *
ثم قال: ﴿وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُواْ ٱلزَّكَاةَ﴾.
أي: وأمروا بإقامة الصلاة المفروضة وإيتاء الزكاة المفروضة، يخلصون فعل ذلك لله لا يريدون به غير الله.
روى ابن وهب - (يرفعه) إلى أبي تمامة - قال: [قال] الحواريون لعيسى: أخبرنا من المخلص لله. قال: الذي يعمل (لله)، لا يحب أن يحمده الناس عليه، قالوا: فمن الناصح لله؟ قال: الذي يبدأ بحق الله قبل حق الناس، ويؤثر حق الله على حق الناس، وإذا عرض له (أمران) أمر الدنيا وأمر الآخرة بدأ بأمر الآخرة، ثم تفرغ لأمر الدنيا.
* *
ثم قال: ﴿وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيِّمَةِ﴾.
أي: وهذا الذي أمروا به هو دين المهلة المستقيمة ودين الجماعة المستقيمة لا يتم دين الإسلام إلا بذلك.
وهذا نص واضح على أن الإيمان قول وعمل بخلاف ما قاله المرجئة أن الإيمان قول لا غير، وقد قال تعالى: "﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ﴾ [آل عمران: ١٩]"، وبين هاهنا أن أقام الصلاة وإيتاء الزكاة وإخلاص العمل لله هو الدين المستقيم العادل.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾.
أي: إن الذين جحدوا نبوة محمد ﷺ من اليهود والنصارى ومن عبدة الأوثان كلهم في نار جهنم خالدين فيها أبداً لا يخرجون ولا يموتون.
* *
﴿أَوْلَـٰئِكَ هُمْ شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ﴾.
أي: هم شر من خلق الله.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾.
[أي]: آمنوا بالله ورسوله من أهل الكتاب وغيرهم وعملوا (الأعمال) الصالحات مخلصين لله حنفاء، أولئك خير من خلق الله.
قال أنس: سمعت رجلا قال للنبي ﷺ: يا خير البرية، فقال النبي ﷺ: ذلك إبراهيم ﷺ. وقد تعلق من فضل بني آدم على الملائكة ﴿خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ﴾، وغلط في ذلك، إنما معناه: خير البرية ممن برأ الله في الأرض من الجن والإنس، فالملائكة غير داخلين في ذلك، دليله قوله تعالى حكاية عن إبليس إذا قال لآدم وحواء: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ﴾ [الأعراف: ٢٠]: أتراه قال لهما: أن تكونا [دون] من حالكما؟! فلو كان ذلك ما رغبا في الأكل منها، وإنما أكلاها طمعاً أن يكونا أشرف من حالهما فيكونا ملكين.
وقد قال الله تعالى لنبيه محمد: ﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٥٠].
أتراه أمره أن ينفي عن نفسه منزلة جليلة، أو منزلة دون منزلته؟! بل ما [نفى] عن نفسه إلا منزلة رفيعة.
وكذلك قال نوح لقومه: ﴿وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٥٠]، وهو كثير في القرآن ظاهر في فضل الملائكة على بني آدم.
وقد قال (في قصة عيسى: ﴿وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢]، فإنما ذكر الله أنه لا يستنكف عنه) أن يكون عبداً له المسيح ولا من هو أشرف منزلة منه وهم الملائكة المقربون.
وأيضاً فإن الملائكة صنف من خلق الله، وبنو آدم صنف، فلا يقع التفاضل بين صنفين مختلفين، وإنما يقع التفاضل بين بعض الصنف وبعض.
[ولعمري]، إن هذه المسألة من المسائل التي يكره للعلماء الكلام (فيها)، ولولا ما كثير الكلام فيها ما ذكرتها، ولكان السكوت عنها أحسن من الكلام، لأن الله لم يتعبدنا بذلك، أسأل الله التوفيق والعفو عن [الزلل] بمنه وفضله.
* *
ثم قال: ﴿جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾.
أي: ثواب هؤلاء الذين آمنوا وعملوا [الصالحات] عند ربهم يوم القيامة بساتين إقامة لا زوال منها ولا انتقال، تجري من تحت أشجارها الأنهار خالدين فيها أبداً، لا يخرجون عنها ولا يموتون، ﴿رِّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [بطاعتهم له]، ﴿وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ بما أعطاهم من النعيم وبما نجاهم منه من العذاب.
* *
ثم قال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾.
أي: هذا الجزاء الذي ذكر ووصف هو لمن خاف الله في الدنيا سراً وعلانية، واتقاه بأداء فرائضه واجتنابه محارمه.
البينة 98:8
قوله: ﴿لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ إلى آخرها.
معناه: لم يكن الكفار من أهل الكتاب وغيرهم من عبدة الأوثان منتهين عن كفرهم حتى يأتيهم القرآن.
قال مجاهد: معناه: لم يكونوا لينتهوا حتى يتبين لهم الحق.
وقيل: معناه: لم يكونوا تاركين ما عندهم من ذكر محمد ﷺ حتى يظهر، فلما ظهر تفرقوا واختلفوا.
وقال عطاء: لم يكونوا زائلين عما هم عليه حتى [يجيئهم] الرسول (فيبين لهم ضلالهم.
وقيل: معناه: لم يكونوا متفرقين إلا إذا جاءهم الرسول، لأنهم فارقوا ما كان عندهم من صفة الرسول) وكفروا بعد البيان، فيكون ﴿مُنفَكِّينَ﴾ على هذا من: انفك الشيء [من الشيء]، إذا فارقه، فلا [يحتاج] إلى خبر، وعلى القول الأول - وهو بمعنى زائلين - [فيحتاج] إلى خبر. وإنما عطف "المشركين" على "أهل" ولم يعطفوا على "الذين كفروا" فيرفعوا، لأن المعنى يتغير، فيصير الصنفان كلاهما من أهل الكتاب الذين كفروا والمشركين، وليس كذلك هما، إنما هما صنفان: كفار من أهل الكتاب ومشركون من عبدة الأوثان، فلا بد من العطف على "أهل"، فبذلك يتم المعنى، ويكون الذين كفروا (من أهل الكتاب) غير المشركين من عبدة الأوثان. ولو رفعت "المشركين" لصار الجميع كلهم من أهل الكتاب، وليس المعنى على ذلك.
* *
وقوله: ﴿حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ﴾ أي: حتى يأتيهم محمد صلوات الله عليه. وقد بين البينة ما هي، فقال: ﴿رَسُولٌ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ "فرسول" بدل من "البينة". وفي حرف أُبي: "رسول" بالنصب على الحال.
* *
وقوله: ﴿يَتْلُواْ صُحُفاً مُّطَهَّرَةً﴾ هو من نعت "رسول"، أي: يقرأ صحفاً مطهرة من الباطل، [وهي] القرآن.
* *
ثم قال: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ أي: في الصحف كتب من الله عادلة مستقيمة لا خطأ فيها.
* *
ثم قال: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ﴾.
أمر محمد أنه نبي مرسل إلى [الخلق]، فلما بعثه الله نبياً تفرقوا فيه، فآمن به بعضهم وكفر به بعضهم، وقد كانوا قبل أن يبعث غير متفرقين في أمره أنه نبي ﷺ.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ﴾.
أي: وما أمر أهل الكتاب إلا ليعبدوا الله وحده مفردين له بالطاعة لا يخلطونها بشرك، فأشركت اليهود بربها فقالت: ﴿عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، وأشركت النصارى [فقالت: ﴿ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠].
وجحد جميعهم نبوة محمد ﷺ.
ومعنى "حنفاء": مائلين عن كل دين إلى دين الإسلام. أي: وما تفرق اليهود والنصارى في أمر محمد فكذبوا به إلا من بعدما جاءهم ببيان.
قال ابن عباس: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ﴾، يقول: حجاجا مسلمين، (يقول): ليحجوا ويقيموا الصلاة [ويؤتوا] الزكاة.
قال قتادة: "[الحنيفية] الختان، وتحريم الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات، والمناسك".
وقال الضحاك: هو الحج.
وأصل الحنف في اللغة: الميل، فقيل للمائل عن الأديان إلى دين الإسلام ميلاً لا خلل فيه: "حنيف" وقد تقدم ذكره.
وقال الفراء: اللام في "ليعبدوا" لام "أن"، وهي لام "كي" عند البصريين، أي: أمروا بهذا كي يعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء.
و "مخلصين" و "حنفاء" نصب على الحال.
* *
ثم قال: ﴿وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُواْ ٱلزَّكَاةَ﴾.
أي: وأمروا بإقامة الصلاة المفروضة وإيتاء الزكاة المفروضة، يخلصون فعل ذلك لله لا يريدون به غير الله.
روى ابن وهب - (يرفعه) إلى أبي تمامة - قال: [قال] الحواريون لعيسى: أخبرنا من المخلص لله. قال: الذي يعمل (لله)، لا يحب أن يحمده الناس عليه، قالوا: فمن الناصح لله؟ قال: الذي يبدأ بحق الله قبل حق الناس، ويؤثر حق الله على حق الناس، وإذا عرض له (أمران) أمر الدنيا وأمر الآخرة بدأ بأمر الآخرة، ثم تفرغ لأمر الدنيا.
* *
ثم قال: ﴿وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيِّمَةِ﴾.
أي: وهذا الذي أمروا به هو دين المهلة المستقيمة ودين الجماعة المستقيمة لا يتم دين الإسلام إلا بذلك.
وهذا نص واضح على أن الإيمان قول وعمل بخلاف ما قاله المرجئة أن الإيمان قول لا غير، وقد قال تعالى: "﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ﴾ [آل عمران: ١٩]"، وبين هاهنا أن أقام الصلاة وإيتاء الزكاة وإخلاص العمل لله هو الدين المستقيم العادل.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾.
أي: إن الذين جحدوا نبوة محمد ﷺ من اليهود والنصارى ومن عبدة الأوثان كلهم في نار جهنم خالدين فيها أبداً لا يخرجون ولا يموتون.
* *
﴿أَوْلَـٰئِكَ هُمْ شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ﴾.
أي: هم شر من خلق الله.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾.
[أي]: آمنوا بالله ورسوله من أهل الكتاب وغيرهم وعملوا (الأعمال) الصالحات مخلصين لله حنفاء، أولئك خير من خلق الله.
قال أنس: سمعت رجلا قال للنبي ﷺ: يا خير البرية، فقال النبي ﷺ: ذلك إبراهيم ﷺ. وقد تعلق من فضل بني آدم على الملائكة ﴿خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ﴾، وغلط في ذلك، إنما معناه: خير البرية ممن برأ الله في الأرض من الجن والإنس، فالملائكة غير داخلين في ذلك، دليله قوله تعالى حكاية عن إبليس إذا قال لآدم وحواء: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ﴾ [الأعراف: ٢٠]: أتراه قال لهما: أن تكونا [دون] من حالكما؟! فلو كان ذلك ما رغبا في الأكل منها، وإنما أكلاها طمعاً أن يكونا أشرف من حالهما فيكونا ملكين.
وقد قال الله تعالى لنبيه محمد: ﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٥٠].
أتراه أمره أن ينفي عن نفسه منزلة جليلة، أو منزلة دون منزلته؟! بل ما [نفى] عن نفسه إلا منزلة رفيعة.
وكذلك قال نوح لقومه: ﴿وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٥٠]، وهو كثير في القرآن ظاهر في فضل الملائكة على بني آدم.
وقد قال (في قصة عيسى: ﴿وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢]، فإنما ذكر الله أنه لا يستنكف عنه) أن يكون عبداً له المسيح ولا من هو أشرف منزلة منه وهم الملائكة المقربون.
وأيضاً فإن الملائكة صنف من خلق الله، وبنو آدم صنف، فلا يقع التفاضل بين صنفين مختلفين، وإنما يقع التفاضل بين بعض الصنف وبعض.
[ولعمري]، إن هذه المسألة من المسائل التي يكره للعلماء الكلام (فيها)، ولولا ما كثير الكلام فيها ما ذكرتها، ولكان السكوت عنها أحسن من الكلام، لأن الله لم يتعبدنا بذلك، أسأل الله التوفيق والعفو عن [الزلل] بمنه وفضله.
* *
ثم قال: ﴿جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾.
أي: ثواب هؤلاء الذين آمنوا وعملوا [الصالحات] عند ربهم يوم القيامة بساتين إقامة لا زوال منها ولا انتقال، تجري من تحت أشجارها الأنهار خالدين فيها أبداً، لا يخرجون عنها ولا يموتون، ﴿رِّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [بطاعتهم له]، ﴿وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ بما أعطاهم من النعيم وبما نجاهم منه من العذاب.
* *
ثم قال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾.
أي: هذا الجزاء الذي ذكر ووصف هو لمن خاف الله في الدنيا سراً وعلانية، واتقاه بأداء فرائضه واجتنابه محارمه.
الزلزلة 99:1
قوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ إلى آخرها.
العامل في "إذا" قوله (زلزلت)، وهي للشرط، فلذلك عمل فيها ما بعدها. ولو لم تكن للشرط لكانت مضافة إلى الجملة التي بعدها، فلا يجوز حينئذ أن يعمل فيها ما أضيفت إليه، إذ لا يعمل المضاف في المضاف إليه، كما (لا) يعمل بعض الشيء في بعضه، وحسن كونها للجزاء، لأن بعدها فعلاً غير معرب، فصار الجزاء في المعنى دون العمل في اللفظ.
* *
وقوله: ﴿زِلْزَالَهَا﴾ مصدر، (كما) تقول: "أكرمتك كرامتك"، وأضيف [المصدر] إلى ضمير الأرض لتتفق رؤوس الآي.
والكسائي والفراء يذهبان إلى أن الزلزال مصدر بالكسر، والزلزال بالفتح اسم.
وقد قرأ الجحدري ﴿زِلْزَالَهَا﴾ بالفتح، وكذلك: ﴿وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ [الأحزاب: ١١].
والمعنى: إذا زلزلت الأرض، أي: حركت ورجت لقيام الساعة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾.
أي: ما في بطنها من الموتى فألقتهم أحياء على ظهرها. قال ذلك ابن عباس ومجاهد وابن جبير وغيرهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلإِنسَانُ مَا لَهَا﴾ أي: وقال الكافر: ما بالها؟ ما قصتها؟
وقال الطبري "الإنسان" هنا يراد به الناس، يقولون: ما قصتها إذا زلزلت؟
* *
ثم قال: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [أي]: يقول الله جل ذكره لها: قولي: فتقول: إن الله أمرني بهذا وأوحى إلي [ربي] فأخرجت ما في بطني من بني آدم. هذا معنى قول ابن مسعود أنها تتكلم فتقول ذلك.
وكان ابن جبير يقرأ: "يومئذ تبين أخبارها" [على معنى: تبين ما في بطنها فتجعله على ظهرها.
وكان الطبري يختار في معناها: يومئذ تبين أخباره] بالزلزلة والرجة وإخراج الموتى من بطنها إلى ظهرها [بوحي] الله إليها وإذنه لها في ذلك. وهو معنى قوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا﴾.
وقيل: معناه: يومئذ تكون الزلزلة وإخراج الأرض أثقالها [تحدث] الأرض أخبار من كان عليها من أهل الطاعة وأهل المعصية وما عملوا على ظهرها في الدنيا من خير أو شر.
قال سفيان ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ "هو ما عمل عليها من خير أو شر".
قال سفيان: "بأن [ربك] أوحى لها"، أي: أعلمها بذلك.
قال ابن زيد: ﴿أَوْحَىٰ﴾، أي: أوحى إليها.
قال ابن زيد: "تحدث أخبارها" هو "ما كان فيها وعلى ظهرها من أعمال العباد".
وقال مجاهد: "تخبر الناس بما عملوا عليها".
ومعنى: ﴿أَوْحَىٰ لَهَا﴾: أفهمها وألهمها.
(ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتاً لِّيُرَوْاْ أَعْمَالَهُمْ﴾.
(أي): إن ربك) أوحى (لها) ليروا أعمالهم، يرى المحسن جزاء حسناته، والمسيء عقاب سيآته. يومئذ يصدر الناس من موقف الحساب متفرقين، فآخذ ذات اليمين إلى الجنة، وآخذ ذات الشمال إلى النار.
فمعنى: ﴿يَصْدُرُ﴾: يرجع. والعامل في "يومئذ" "يصدر"، واللام في "ليروا" متعلقة "بأوحى" على هذا التقدير.
وقال عباد بن كثير: بلغني أن النبي ﷺ قرأ: "ليروا" [بفتح] الياء، (أي) [ليرى] الناس جزاء أعمالهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾.
[خيراً] منصوب على البيان أو على البدل من "مثقال ذرة".
أي: فمن يعمل في الدنيا وزن ذرة من خير يرى ثوابه في الآخرة.
ومن يعمل في الدنيا وزن ذرة من شر يرى جزاءه في الآخرة.
قال ابن عباس: ليس مؤمن ولا كافر يعمل خيراً ولا شراً في الدنيا إلا أراه الله إياه. فأما المؤمن فيريه حسناته وسيئاته، فيغفر الله له سيئاته ويثيبه على حسناته. وأما الكافر فيرد حسناته ويعذبه على سيئاته.
وقال محمد بن كعب القرظي: من يعمل مثقال ذرة من خير يره، هذا في الدنيا. يعني أن كل كافر يرى ثواب عمله الحسن في الدنيا في نفسه وماله وأهله وولده حتى يخرج من الدنيا وليس له (عند الله خير، ﴿وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾، هذا في الدنيا، يعني أن كل مؤمن يرى عقوبة سيئاته في الدنيا في نفسه وأهله وماله وولده حتى يخرج من الدنيا وليس عليه) شيء.
وقال أيوب: قرأت في كتاب أبي قلابة قال: نزلت ﴿وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ وأبو بكر رضي الله عنه يأكل، فأمسك وقال: يا رسول الله، إني [لراء] ما عملت من خير وشر؟ فقال: أرأيت ما رأيت مما تكره؟ فهو من مثاقيل ذرة (الشر، ويدخر مثاقيل ذرة) الخير حتى تعطوه يوم القيامة. وتصديق (ذلك) في كتاب الله: "وما أصابكم من مصيبة [بها] كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير".
وقال الشعبي: قالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، إن عبد الله بن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، ويفعل ... فهل ذلك نافعة؟ قال: لا ينفعه، إنه لم يقل قط رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين
وروى قتادة عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: إن الله عز وجل لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجازى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بها في الدنيا، [فإذا كان] يوم القيامة لم تكن له حسنة
وروى [سلمان] الفارسي أن رسول الله ﷺ (قال): "دخل رجل النار في ذباب، ودخل آخر الجنة في ذباب. قال: مر رجل بقوم ولهم آلهة: فقالوا: أقرب لألهتنا شيئاً. قرب ولو ذباباً، فقرب [ذباباً]، فدخل النار. ومر رجل آخر فقالوا: [ألا تقرب] لآلهتنا شيئا؟ ولو ذباباً؟! فقال: لا، فقتلوه فدخل الجنة
وروى نصير عن الكسائي: أنه كان يقرأ (خيراً يره وشراً يره) بضم.
وإنما قال تعالى ذكره: ﴿فَمَن يَعْمَلْ﴾ وهو خبر عما في الآخرة، لأن السامع قد فهم المعنى، ومعناه: فمن عمل. ودل على أن ذلك إنما هو في الآخرة قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتاً لِّيُرَوْاْ أَعْمَالَهُمْ﴾.
وقيل: إنما جاء "يعمل" بلفظ المستقبل للحث لأهل الدنيا على العمل بطاعة الله [والزجر] عن معصيته.
وروي أن [سلمان] قال: قال النبي ﷺ: كيف ينفلت ابن آدم ممن وزن الجبال، وكال المياه، وعد التراب؟!
وقال طاوس: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ من أهل الأديان غير الإسلام، ما عمل منهم أحد مثقال ذرة من خير إلا كوفئ بها في الدنيا في بدنه وماله وأهله حتى يموت وما بقي له مثقال ذرة من خير، ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ قال: من المؤمنين [قوم] يكافأون في الدنيا بالمصيبة في أبدانهم وأموالهم وأهليهم حتى يموت أحدهم ما بقي عليه مثقال ذرة من شر، فهذا يجعل الآيتين في المجازاة في الدنيا.
الزلزلة 99:2
قوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ إلى آخرها.
العامل في "إذا" قوله (زلزلت)، وهي للشرط، فلذلك عمل فيها ما بعدها. ولو لم تكن للشرط لكانت مضافة إلى الجملة التي بعدها، فلا يجوز حينئذ أن يعمل فيها ما أضيفت إليه، إذ لا يعمل المضاف في المضاف إليه، كما (لا) يعمل بعض الشيء في بعضه، وحسن كونها للجزاء، لأن بعدها فعلاً غير معرب، فصار الجزاء في المعنى دون العمل في اللفظ.
* *
وقوله: ﴿زِلْزَالَهَا﴾ مصدر، (كما) تقول: "أكرمتك كرامتك"، وأضيف [المصدر] إلى ضمير الأرض لتتفق رؤوس الآي.
والكسائي والفراء يذهبان إلى أن الزلزال مصدر بالكسر، والزلزال بالفتح اسم.
وقد قرأ الجحدري ﴿زِلْزَالَهَا﴾ بالفتح، وكذلك: ﴿وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ [الأحزاب: ١١].
والمعنى: إذا زلزلت الأرض، أي: حركت ورجت لقيام الساعة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾.
أي: ما في بطنها من الموتى فألقتهم أحياء على ظهرها. قال ذلك ابن عباس ومجاهد وابن جبير وغيرهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلإِنسَانُ مَا لَهَا﴾ أي: وقال الكافر: ما بالها؟ ما قصتها؟
وقال الطبري "الإنسان" هنا يراد به الناس، يقولون: ما قصتها إذا زلزلت؟
* *
ثم قال: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [أي]: يقول الله جل ذكره لها: قولي: فتقول: إن الله أمرني بهذا وأوحى إلي [ربي] فأخرجت ما في بطني من بني آدم. هذا معنى قول ابن مسعود أنها تتكلم فتقول ذلك.
وكان ابن جبير يقرأ: "يومئذ تبين أخبارها" [على معنى: تبين ما في بطنها فتجعله على ظهرها.
وكان الطبري يختار في معناها: يومئذ تبين أخباره] بالزلزلة والرجة وإخراج الموتى من بطنها إلى ظهرها [بوحي] الله إليها وإذنه لها في ذلك. وهو معنى قوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا﴾.
وقيل: معناه: يومئذ تكون الزلزلة وإخراج الأرض أثقالها [تحدث] الأرض أخبار من كان عليها من أهل الطاعة وأهل المعصية وما عملوا على ظهرها في الدنيا من خير أو شر.
قال سفيان ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ "هو ما عمل عليها من خير أو شر".
قال سفيان: "بأن [ربك] أوحى لها"، أي: أعلمها بذلك.
قال ابن زيد: ﴿أَوْحَىٰ﴾، أي: أوحى إليها.
قال ابن زيد: "تحدث أخبارها" هو "ما كان فيها وعلى ظهرها من أعمال العباد".
وقال مجاهد: "تخبر الناس بما عملوا عليها".
ومعنى: ﴿أَوْحَىٰ لَهَا﴾: أفهمها وألهمها.
(ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتاً لِّيُرَوْاْ أَعْمَالَهُمْ﴾.
(أي): إن ربك) أوحى (لها) ليروا أعمالهم، يرى المحسن جزاء حسناته، والمسيء عقاب سيآته. يومئذ يصدر الناس من موقف الحساب متفرقين، فآخذ ذات اليمين إلى الجنة، وآخذ ذات الشمال إلى النار.
فمعنى: ﴿يَصْدُرُ﴾: يرجع. والعامل في "يومئذ" "يصدر"، واللام في "ليروا" متعلقة "بأوحى" على هذا التقدير.
وقال عباد بن كثير: بلغني أن النبي ﷺ قرأ: "ليروا" [بفتح] الياء، (أي) [ليرى] الناس جزاء أعمالهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾.
[خيراً] منصوب على البيان أو على البدل من "مثقال ذرة".
أي: فمن يعمل في الدنيا وزن ذرة من خير يرى ثوابه في الآخرة.
ومن يعمل في الدنيا وزن ذرة من شر يرى جزاءه في الآخرة.
قال ابن عباس: ليس مؤمن ولا كافر يعمل خيراً ولا شراً في الدنيا إلا أراه الله إياه. فأما المؤمن فيريه حسناته وسيئاته، فيغفر الله له سيئاته ويثيبه على حسناته. وأما الكافر فيرد حسناته ويعذبه على سيئاته.
وقال محمد بن كعب القرظي: من يعمل مثقال ذرة من خير يره، هذا في الدنيا. يعني أن كل كافر يرى ثواب عمله الحسن في الدنيا في نفسه وماله وأهله وولده حتى يخرج من الدنيا وليس له (عند الله خير، ﴿وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾، هذا في الدنيا، يعني أن كل مؤمن يرى عقوبة سيئاته في الدنيا في نفسه وأهله وماله وولده حتى يخرج من الدنيا وليس عليه) شيء.
وقال أيوب: قرأت في كتاب أبي قلابة قال: نزلت ﴿وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ وأبو بكر رضي الله عنه يأكل، فأمسك وقال: يا رسول الله، إني [لراء] ما عملت من خير وشر؟ فقال: أرأيت ما رأيت مما تكره؟ فهو من مثاقيل ذرة (الشر، ويدخر مثاقيل ذرة) الخير حتى تعطوه يوم القيامة. وتصديق (ذلك) في كتاب الله: "وما أصابكم من مصيبة [بها] كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير".
وقال الشعبي: قالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، إن عبد الله بن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، ويفعل ... فهل ذلك نافعة؟ قال: لا ينفعه، إنه لم يقل قط رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين
وروى قتادة عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: إن الله عز وجل لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجازى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بها في الدنيا، [فإذا كان] يوم القيامة لم تكن له حسنة
وروى [سلمان] الفارسي أن رسول الله ﷺ (قال): "دخل رجل النار في ذباب، ودخل آخر الجنة في ذباب. قال: مر رجل بقوم ولهم آلهة: فقالوا: أقرب لألهتنا شيئاً. قرب ولو ذباباً، فقرب [ذباباً]، فدخل النار. ومر رجل آخر فقالوا: [ألا تقرب] لآلهتنا شيئا؟ ولو ذباباً؟! فقال: لا، فقتلوه فدخل الجنة
وروى نصير عن الكسائي: أنه كان يقرأ (خيراً يره وشراً يره) بضم.
وإنما قال تعالى ذكره: ﴿فَمَن يَعْمَلْ﴾ وهو خبر عما في الآخرة، لأن السامع قد فهم المعنى، ومعناه: فمن عمل. ودل على أن ذلك إنما هو في الآخرة قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتاً لِّيُرَوْاْ أَعْمَالَهُمْ﴾.
وقيل: إنما جاء "يعمل" بلفظ المستقبل للحث لأهل الدنيا على العمل بطاعة الله [والزجر] عن معصيته.
وروي أن [سلمان] قال: قال النبي ﷺ: كيف ينفلت ابن آدم ممن وزن الجبال، وكال المياه، وعد التراب؟!
وقال طاوس: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ من أهل الأديان غير الإسلام، ما عمل منهم أحد مثقال ذرة من خير إلا كوفئ بها في الدنيا في بدنه وماله وأهله حتى يموت وما بقي له مثقال ذرة من خير، ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ قال: من المؤمنين [قوم] يكافأون في الدنيا بالمصيبة في أبدانهم وأموالهم وأهليهم حتى يموت أحدهم ما بقي عليه مثقال ذرة من شر، فهذا يجعل الآيتين في المجازاة في الدنيا.
الزلزلة 99:3
قوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ إلى آخرها.
العامل في "إذا" قوله (زلزلت)، وهي للشرط، فلذلك عمل فيها ما بعدها. ولو لم تكن للشرط لكانت مضافة إلى الجملة التي بعدها، فلا يجوز حينئذ أن يعمل فيها ما أضيفت إليه، إذ لا يعمل المضاف في المضاف إليه، كما (لا) يعمل بعض الشيء في بعضه، وحسن كونها للجزاء، لأن بعدها فعلاً غير معرب، فصار الجزاء في المعنى دون العمل في اللفظ.
* *
وقوله: ﴿زِلْزَالَهَا﴾ مصدر، (كما) تقول: "أكرمتك كرامتك"، وأضيف [المصدر] إلى ضمير الأرض لتتفق رؤوس الآي.
والكسائي والفراء يذهبان إلى أن الزلزال مصدر بالكسر، والزلزال بالفتح اسم.
وقد قرأ الجحدري ﴿زِلْزَالَهَا﴾ بالفتح، وكذلك: ﴿وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ [الأحزاب: ١١].
والمعنى: إذا زلزلت الأرض، أي: حركت ورجت لقيام الساعة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾.
أي: ما في بطنها من الموتى فألقتهم أحياء على ظهرها. قال ذلك ابن عباس ومجاهد وابن جبير وغيرهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلإِنسَانُ مَا لَهَا﴾ أي: وقال الكافر: ما بالها؟ ما قصتها؟
وقال الطبري "الإنسان" هنا يراد به الناس، يقولون: ما قصتها إذا زلزلت؟
* *
ثم قال: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [أي]: يقول الله جل ذكره لها: قولي: فتقول: إن الله أمرني بهذا وأوحى إلي [ربي] فأخرجت ما في بطني من بني آدم. هذا معنى قول ابن مسعود أنها تتكلم فتقول ذلك.
وكان ابن جبير يقرأ: "يومئذ تبين أخبارها" [على معنى: تبين ما في بطنها فتجعله على ظهرها.
وكان الطبري يختار في معناها: يومئذ تبين أخباره] بالزلزلة والرجة وإخراج الموتى من بطنها إلى ظهرها [بوحي] الله إليها وإذنه لها في ذلك. وهو معنى قوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا﴾.
وقيل: معناه: يومئذ تكون الزلزلة وإخراج الأرض أثقالها [تحدث] الأرض أخبار من كان عليها من أهل الطاعة وأهل المعصية وما عملوا على ظهرها في الدنيا من خير أو شر.
قال سفيان ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ "هو ما عمل عليها من خير أو شر".
قال سفيان: "بأن [ربك] أوحى لها"، أي: أعلمها بذلك.
قال ابن زيد: ﴿أَوْحَىٰ﴾، أي: أوحى إليها.
قال ابن زيد: "تحدث أخبارها" هو "ما كان فيها وعلى ظهرها من أعمال العباد".
وقال مجاهد: "تخبر الناس بما عملوا عليها".
ومعنى: ﴿أَوْحَىٰ لَهَا﴾: أفهمها وألهمها.
(ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتاً لِّيُرَوْاْ أَعْمَالَهُمْ﴾.
(أي): إن ربك) أوحى (لها) ليروا أعمالهم، يرى المحسن جزاء حسناته، والمسيء عقاب سيآته. يومئذ يصدر الناس من موقف الحساب متفرقين، فآخذ ذات اليمين إلى الجنة، وآخذ ذات الشمال إلى النار.
فمعنى: ﴿يَصْدُرُ﴾: يرجع. والعامل في "يومئذ" "يصدر"، واللام في "ليروا" متعلقة "بأوحى" على هذا التقدير.
وقال عباد بن كثير: بلغني أن النبي ﷺ قرأ: "ليروا" [بفتح] الياء، (أي) [ليرى] الناس جزاء أعمالهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾.
[خيراً] منصوب على البيان أو على البدل من "مثقال ذرة".
أي: فمن يعمل في الدنيا وزن ذرة من خير يرى ثوابه في الآخرة.
ومن يعمل في الدنيا وزن ذرة من شر يرى جزاءه في الآخرة.
قال ابن عباس: ليس مؤمن ولا كافر يعمل خيراً ولا شراً في الدنيا إلا أراه الله إياه. فأما المؤمن فيريه حسناته وسيئاته، فيغفر الله له سيئاته ويثيبه على حسناته. وأما الكافر فيرد حسناته ويعذبه على سيئاته.
وقال محمد بن كعب القرظي: من يعمل مثقال ذرة من خير يره، هذا في الدنيا. يعني أن كل كافر يرى ثواب عمله الحسن في الدنيا في نفسه وماله وأهله وولده حتى يخرج من الدنيا وليس له (عند الله خير، ﴿وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾، هذا في الدنيا، يعني أن كل مؤمن يرى عقوبة سيئاته في الدنيا في نفسه وأهله وماله وولده حتى يخرج من الدنيا وليس عليه) شيء.
وقال أيوب: قرأت في كتاب أبي قلابة قال: نزلت ﴿وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ وأبو بكر رضي الله عنه يأكل، فأمسك وقال: يا رسول الله، إني [لراء] ما عملت من خير وشر؟ فقال: أرأيت ما رأيت مما تكره؟ فهو من مثاقيل ذرة (الشر، ويدخر مثاقيل ذرة) الخير حتى تعطوه يوم القيامة. وتصديق (ذلك) في كتاب الله: "وما أصابكم من مصيبة [بها] كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير".
وقال الشعبي: قالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، إن عبد الله بن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، ويفعل ... فهل ذلك نافعة؟ قال: لا ينفعه، إنه لم يقل قط رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين
وروى قتادة عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: إن الله عز وجل لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجازى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بها في الدنيا، [فإذا كان] يوم القيامة لم تكن له حسنة
وروى [سلمان] الفارسي أن رسول الله ﷺ (قال): "دخل رجل النار في ذباب، ودخل آخر الجنة في ذباب. قال: مر رجل بقوم ولهم آلهة: فقالوا: أقرب لألهتنا شيئاً. قرب ولو ذباباً، فقرب [ذباباً]، فدخل النار. ومر رجل آخر فقالوا: [ألا تقرب] لآلهتنا شيئا؟ ولو ذباباً؟! فقال: لا، فقتلوه فدخل الجنة
وروى نصير عن الكسائي: أنه كان يقرأ (خيراً يره وشراً يره) بضم.
وإنما قال تعالى ذكره: ﴿فَمَن يَعْمَلْ﴾ وهو خبر عما في الآخرة، لأن السامع قد فهم المعنى، ومعناه: فمن عمل. ودل على أن ذلك إنما هو في الآخرة قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتاً لِّيُرَوْاْ أَعْمَالَهُمْ﴾.
وقيل: إنما جاء "يعمل" بلفظ المستقبل للحث لأهل الدنيا على العمل بطاعة الله [والزجر] عن معصيته.
وروي أن [سلمان] قال: قال النبي ﷺ: كيف ينفلت ابن آدم ممن وزن الجبال، وكال المياه، وعد التراب؟!
وقال طاوس: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ من أهل الأديان غير الإسلام، ما عمل منهم أحد مثقال ذرة من خير إلا كوفئ بها في الدنيا في بدنه وماله وأهله حتى يموت وما بقي له مثقال ذرة من خير، ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ قال: من المؤمنين [قوم] يكافأون في الدنيا بالمصيبة في أبدانهم وأموالهم وأهليهم حتى يموت أحدهم ما بقي عليه مثقال ذرة من شر، فهذا يجعل الآيتين في المجازاة في الدنيا.
الزلزلة 99:4
قوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ إلى آخرها.
العامل في "إذا" قوله (زلزلت)، وهي للشرط، فلذلك عمل فيها ما بعدها. ولو لم تكن للشرط لكانت مضافة إلى الجملة التي بعدها، فلا يجوز حينئذ أن يعمل فيها ما أضيفت إليه، إذ لا يعمل المضاف في المضاف إليه، كما (لا) يعمل بعض الشيء في بعضه، وحسن كونها للجزاء، لأن بعدها فعلاً غير معرب، فصار الجزاء في المعنى دون العمل في اللفظ.
* *
وقوله: ﴿زِلْزَالَهَا﴾ مصدر، (كما) تقول: "أكرمتك كرامتك"، وأضيف [المصدر] إلى ضمير الأرض لتتفق رؤوس الآي.
والكسائي والفراء يذهبان إلى أن الزلزال مصدر بالكسر، والزلزال بالفتح اسم.
وقد قرأ الجحدري ﴿زِلْزَالَهَا﴾ بالفتح، وكذلك: ﴿وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ [الأحزاب: ١١].
والمعنى: إذا زلزلت الأرض، أي: حركت ورجت لقيام الساعة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾.
أي: ما في بطنها من الموتى فألقتهم أحياء على ظهرها. قال ذلك ابن عباس ومجاهد وابن جبير وغيرهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلإِنسَانُ مَا لَهَا﴾ أي: وقال الكافر: ما بالها؟ ما قصتها؟
وقال الطبري "الإنسان" هنا يراد به الناس، يقولون: ما قصتها إذا زلزلت؟
* *
ثم قال: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [أي]: يقول الله جل ذكره لها: قولي: فتقول: إن الله أمرني بهذا وأوحى إلي [ربي] فأخرجت ما في بطني من بني آدم. هذا معنى قول ابن مسعود أنها تتكلم فتقول ذلك.
وكان ابن جبير يقرأ: "يومئذ تبين أخبارها" [على معنى: تبين ما في بطنها فتجعله على ظهرها.
وكان الطبري يختار في معناها: يومئذ تبين أخباره] بالزلزلة والرجة وإخراج الموتى من بطنها إلى ظهرها [بوحي] الله إليها وإذنه لها في ذلك. وهو معنى قوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا﴾.
وقيل: معناه: يومئذ تكون الزلزلة وإخراج الأرض أثقالها [تحدث] الأرض أخبار من كان عليها من أهل الطاعة وأهل المعصية وما عملوا على ظهرها في الدنيا من خير أو شر.
قال سفيان ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ "هو ما عمل عليها من خير أو شر".
قال سفيان: "بأن [ربك] أوحى لها"، أي: أعلمها بذلك.
قال ابن زيد: ﴿أَوْحَىٰ﴾، أي: أوحى إليها.
قال ابن زيد: "تحدث أخبارها" هو "ما كان فيها وعلى ظهرها من أعمال العباد".
وقال مجاهد: "تخبر الناس بما عملوا عليها".
ومعنى: ﴿أَوْحَىٰ لَهَا﴾: أفهمها وألهمها.
(ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتاً لِّيُرَوْاْ أَعْمَالَهُمْ﴾.
(أي): إن ربك) أوحى (لها) ليروا أعمالهم، يرى المحسن جزاء حسناته، والمسيء عقاب سيآته. يومئذ يصدر الناس من موقف الحساب متفرقين، فآخذ ذات اليمين إلى الجنة، وآخذ ذات الشمال إلى النار.
فمعنى: ﴿يَصْدُرُ﴾: يرجع. والعامل في "يومئذ" "يصدر"، واللام في "ليروا" متعلقة "بأوحى" على هذا التقدير.
وقال عباد بن كثير: بلغني أن النبي ﷺ قرأ: "ليروا" [بفتح] الياء، (أي) [ليرى] الناس جزاء أعمالهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾.
[خيراً] منصوب على البيان أو على البدل من "مثقال ذرة".
أي: فمن يعمل في الدنيا وزن ذرة من خير يرى ثوابه في الآخرة.
ومن يعمل في الدنيا وزن ذرة من شر يرى جزاءه في الآخرة.
قال ابن عباس: ليس مؤمن ولا كافر يعمل خيراً ولا شراً في الدنيا إلا أراه الله إياه. فأما المؤمن فيريه حسناته وسيئاته، فيغفر الله له سيئاته ويثيبه على حسناته. وأما الكافر فيرد حسناته ويعذبه على سيئاته.
وقال محمد بن كعب القرظي: من يعمل مثقال ذرة من خير يره، هذا في الدنيا. يعني أن كل كافر يرى ثواب عمله الحسن في الدنيا في نفسه وماله وأهله وولده حتى يخرج من الدنيا وليس له (عند الله خير، ﴿وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾، هذا في الدنيا، يعني أن كل مؤمن يرى عقوبة سيئاته في الدنيا في نفسه وأهله وماله وولده حتى يخرج من الدنيا وليس عليه) شيء.
وقال أيوب: قرأت في كتاب أبي قلابة قال: نزلت ﴿وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ وأبو بكر رضي الله عنه يأكل، فأمسك وقال: يا رسول الله، إني [لراء] ما عملت من خير وشر؟ فقال: أرأيت ما رأيت مما تكره؟ فهو من مثاقيل ذرة (الشر، ويدخر مثاقيل ذرة) الخير حتى تعطوه يوم القيامة. وتصديق (ذلك) في كتاب الله: "وما أصابكم من مصيبة [بها] كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير".
وقال الشعبي: قالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، إن عبد الله بن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، ويفعل ... فهل ذلك نافعة؟ قال: لا ينفعه، إنه لم يقل قط رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين
وروى قتادة عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: إن الله عز وجل لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجازى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بها في الدنيا، [فإذا كان] يوم القيامة لم تكن له حسنة
وروى [سلمان] الفارسي أن رسول الله ﷺ (قال): "دخل رجل النار في ذباب، ودخل آخر الجنة في ذباب. قال: مر رجل بقوم ولهم آلهة: فقالوا: أقرب لألهتنا شيئاً. قرب ولو ذباباً، فقرب [ذباباً]، فدخل النار. ومر رجل آخر فقالوا: [ألا تقرب] لآلهتنا شيئا؟ ولو ذباباً؟! فقال: لا، فقتلوه فدخل الجنة
وروى نصير عن الكسائي: أنه كان يقرأ (خيراً يره وشراً يره) بضم.
وإنما قال تعالى ذكره: ﴿فَمَن يَعْمَلْ﴾ وهو خبر عما في الآخرة، لأن السامع قد فهم المعنى، ومعناه: فمن عمل. ودل على أن ذلك إنما هو في الآخرة قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتاً لِّيُرَوْاْ أَعْمَالَهُمْ﴾.
وقيل: إنما جاء "يعمل" بلفظ المستقبل للحث لأهل الدنيا على العمل بطاعة الله [والزجر] عن معصيته.
وروي أن [سلمان] قال: قال النبي ﷺ: كيف ينفلت ابن آدم ممن وزن الجبال، وكال المياه، وعد التراب؟!
وقال طاوس: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ من أهل الأديان غير الإسلام، ما عمل منهم أحد مثقال ذرة من خير إلا كوفئ بها في الدنيا في بدنه وماله وأهله حتى يموت وما بقي له مثقال ذرة من خير، ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ قال: من المؤمنين [قوم] يكافأون في الدنيا بالمصيبة في أبدانهم وأموالهم وأهليهم حتى يموت أحدهم ما بقي عليه مثقال ذرة من شر، فهذا يجعل الآيتين في المجازاة في الدنيا.
الزلزلة 99:5
قوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ إلى آخرها.
العامل في "إذا" قوله (زلزلت)، وهي للشرط، فلذلك عمل فيها ما بعدها. ولو لم تكن للشرط لكانت مضافة إلى الجملة التي بعدها، فلا يجوز حينئذ أن يعمل فيها ما أضيفت إليه، إذ لا يعمل المضاف في المضاف إليه، كما (لا) يعمل بعض الشيء في بعضه، وحسن كونها للجزاء، لأن بعدها فعلاً غير معرب، فصار الجزاء في المعنى دون العمل في اللفظ.
* *
وقوله: ﴿زِلْزَالَهَا﴾ مصدر، (كما) تقول: "أكرمتك كرامتك"، وأضيف [المصدر] إلى ضمير الأرض لتتفق رؤوس الآي.
والكسائي والفراء يذهبان إلى أن الزلزال مصدر بالكسر، والزلزال بالفتح اسم.
وقد قرأ الجحدري ﴿زِلْزَالَهَا﴾ بالفتح، وكذلك: ﴿وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ [الأحزاب: ١١].
والمعنى: إذا زلزلت الأرض، أي: حركت ورجت لقيام الساعة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾.
أي: ما في بطنها من الموتى فألقتهم أحياء على ظهرها. قال ذلك ابن عباس ومجاهد وابن جبير وغيرهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلإِنسَانُ مَا لَهَا﴾ أي: وقال الكافر: ما بالها؟ ما قصتها؟
وقال الطبري "الإنسان" هنا يراد به الناس، يقولون: ما قصتها إذا زلزلت؟
* *
ثم قال: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [أي]: يقول الله جل ذكره لها: قولي: فتقول: إن الله أمرني بهذا وأوحى إلي [ربي] فأخرجت ما في بطني من بني آدم. هذا معنى قول ابن مسعود أنها تتكلم فتقول ذلك.
وكان ابن جبير يقرأ: "يومئذ تبين أخبارها" [على معنى: تبين ما في بطنها فتجعله على ظهرها.
وكان الطبري يختار في معناها: يومئذ تبين أخباره] بالزلزلة والرجة وإخراج الموتى من بطنها إلى ظهرها [بوحي] الله إليها وإذنه لها في ذلك. وهو معنى قوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا﴾.
وقيل: معناه: يومئذ تكون الزلزلة وإخراج الأرض أثقالها [تحدث] الأرض أخبار من كان عليها من أهل الطاعة وأهل المعصية وما عملوا على ظهرها في الدنيا من خير أو شر.
قال سفيان ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ "هو ما عمل عليها من خير أو شر".
قال سفيان: "بأن [ربك] أوحى لها"، أي: أعلمها بذلك.
قال ابن زيد: ﴿أَوْحَىٰ﴾، أي: أوحى إليها.
قال ابن زيد: "تحدث أخبارها" هو "ما كان فيها وعلى ظهرها من أعمال العباد".
وقال مجاهد: "تخبر الناس بما عملوا عليها".
ومعنى: ﴿أَوْحَىٰ لَهَا﴾: أفهمها وألهمها.
(ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتاً لِّيُرَوْاْ أَعْمَالَهُمْ﴾.
(أي): إن ربك) أوحى (لها) ليروا أعمالهم، يرى المحسن جزاء حسناته، والمسيء عقاب سيآته. يومئذ يصدر الناس من موقف الحساب متفرقين، فآخذ ذات اليمين إلى الجنة، وآخذ ذات الشمال إلى النار.
فمعنى: ﴿يَصْدُرُ﴾: يرجع. والعامل في "يومئذ" "يصدر"، واللام في "ليروا" متعلقة "بأوحى" على هذا التقدير.
وقال عباد بن كثير: بلغني أن النبي ﷺ قرأ: "ليروا" [بفتح] الياء، (أي) [ليرى] الناس جزاء أعمالهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾.
[خيراً] منصوب على البيان أو على البدل من "مثقال ذرة".
أي: فمن يعمل في الدنيا وزن ذرة من خير يرى ثوابه في الآخرة.
ومن يعمل في الدنيا وزن ذرة من شر يرى جزاءه في الآخرة.
قال ابن عباس: ليس مؤمن ولا كافر يعمل خيراً ولا شراً في الدنيا إلا أراه الله إياه. فأما المؤمن فيريه حسناته وسيئاته، فيغفر الله له سيئاته ويثيبه على حسناته. وأما الكافر فيرد حسناته ويعذبه على سيئاته.
وقال محمد بن كعب القرظي: من يعمل مثقال ذرة من خير يره، هذا في الدنيا. يعني أن كل كافر يرى ثواب عمله الحسن في الدنيا في نفسه وماله وأهله وولده حتى يخرج من الدنيا وليس له (عند الله خير، ﴿وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾، هذا في الدنيا، يعني أن كل مؤمن يرى عقوبة سيئاته في الدنيا في نفسه وأهله وماله وولده حتى يخرج من الدنيا وليس عليه) شيء.
وقال أيوب: قرأت في كتاب أبي قلابة قال: نزلت ﴿وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ وأبو بكر رضي الله عنه يأكل، فأمسك وقال: يا رسول الله، إني [لراء] ما عملت من خير وشر؟ فقال: أرأيت ما رأيت مما تكره؟ فهو من مثاقيل ذرة (الشر، ويدخر مثاقيل ذرة) الخير حتى تعطوه يوم القيامة. وتصديق (ذلك) في كتاب الله: "وما أصابكم من مصيبة [بها] كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير".
وقال الشعبي: قالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، إن عبد الله بن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، ويفعل ... فهل ذلك نافعة؟ قال: لا ينفعه، إنه لم يقل قط رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين
وروى قتادة عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: إن الله عز وجل لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجازى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بها في الدنيا، [فإذا كان] يوم القيامة لم تكن له حسنة
وروى [سلمان] الفارسي أن رسول الله ﷺ (قال): "دخل رجل النار في ذباب، ودخل آخر الجنة في ذباب. قال: مر رجل بقوم ولهم آلهة: فقالوا: أقرب لألهتنا شيئاً. قرب ولو ذباباً، فقرب [ذباباً]، فدخل النار. ومر رجل آخر فقالوا: [ألا تقرب] لآلهتنا شيئا؟ ولو ذباباً؟! فقال: لا، فقتلوه فدخل الجنة
وروى نصير عن الكسائي: أنه كان يقرأ (خيراً يره وشراً يره) بضم.
وإنما قال تعالى ذكره: ﴿فَمَن يَعْمَلْ﴾ وهو خبر عما في الآخرة، لأن السامع قد فهم المعنى، ومعناه: فمن عمل. ودل على أن ذلك إنما هو في الآخرة قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتاً لِّيُرَوْاْ أَعْمَالَهُمْ﴾.
وقيل: إنما جاء "يعمل" بلفظ المستقبل للحث لأهل الدنيا على العمل بطاعة الله [والزجر] عن معصيته.
وروي أن [سلمان] قال: قال النبي ﷺ: كيف ينفلت ابن آدم ممن وزن الجبال، وكال المياه، وعد التراب؟!
وقال طاوس: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ من أهل الأديان غير الإسلام، ما عمل منهم أحد مثقال ذرة من خير إلا كوفئ بها في الدنيا في بدنه وماله وأهله حتى يموت وما بقي له مثقال ذرة من خير، ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ قال: من المؤمنين [قوم] يكافأون في الدنيا بالمصيبة في أبدانهم وأموالهم وأهليهم حتى يموت أحدهم ما بقي عليه مثقال ذرة من شر، فهذا يجعل الآيتين في المجازاة في الدنيا.
الزلزلة 99:6
قوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ إلى آخرها.
العامل في "إذا" قوله (زلزلت)، وهي للشرط، فلذلك عمل فيها ما بعدها. ولو لم تكن للشرط لكانت مضافة إلى الجملة التي بعدها، فلا يجوز حينئذ أن يعمل فيها ما أضيفت إليه، إذ لا يعمل المضاف في المضاف إليه، كما (لا) يعمل بعض الشيء في بعضه، وحسن كونها للجزاء، لأن بعدها فعلاً غير معرب، فصار الجزاء في المعنى دون العمل في اللفظ.
* *
وقوله: ﴿زِلْزَالَهَا﴾ مصدر، (كما) تقول: "أكرمتك كرامتك"، وأضيف [المصدر] إلى ضمير الأرض لتتفق رؤوس الآي.
والكسائي والفراء يذهبان إلى أن الزلزال مصدر بالكسر، والزلزال بالفتح اسم.
وقد قرأ الجحدري ﴿زِلْزَالَهَا﴾ بالفتح، وكذلك: ﴿وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ [الأحزاب: ١١].
والمعنى: إذا زلزلت الأرض، أي: حركت ورجت لقيام الساعة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾.
أي: ما في بطنها من الموتى فألقتهم أحياء على ظهرها. قال ذلك ابن عباس ومجاهد وابن جبير وغيرهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلإِنسَانُ مَا لَهَا﴾ أي: وقال الكافر: ما بالها؟ ما قصتها؟
وقال الطبري "الإنسان" هنا يراد به الناس، يقولون: ما قصتها إذا زلزلت؟
* *
ثم قال: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [أي]: يقول الله جل ذكره لها: قولي: فتقول: إن الله أمرني بهذا وأوحى إلي [ربي] فأخرجت ما في بطني من بني آدم. هذا معنى قول ابن مسعود أنها تتكلم فتقول ذلك.
وكان ابن جبير يقرأ: "يومئذ تبين أخبارها" [على معنى: تبين ما في بطنها فتجعله على ظهرها.
وكان الطبري يختار في معناها: يومئذ تبين أخباره] بالزلزلة والرجة وإخراج الموتى من بطنها إلى ظهرها [بوحي] الله إليها وإذنه لها في ذلك. وهو معنى قوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا﴾.
وقيل: معناه: يومئذ تكون الزلزلة وإخراج الأرض أثقالها [تحدث] الأرض أخبار من كان عليها من أهل الطاعة وأهل المعصية وما عملوا على ظهرها في الدنيا من خير أو شر.
قال سفيان ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ "هو ما عمل عليها من خير أو شر".
قال سفيان: "بأن [ربك] أوحى لها"، أي: أعلمها بذلك.
قال ابن زيد: ﴿أَوْحَىٰ﴾، أي: أوحى إليها.
قال ابن زيد: "تحدث أخبارها" هو "ما كان فيها وعلى ظهرها من أعمال العباد".
وقال مجاهد: "تخبر الناس بما عملوا عليها".
ومعنى: ﴿أَوْحَىٰ لَهَا﴾: أفهمها وألهمها.
(ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتاً لِّيُرَوْاْ أَعْمَالَهُمْ﴾.
(أي): إن ربك) أوحى (لها) ليروا أعمالهم، يرى المحسن جزاء حسناته، والمسيء عقاب سيآته. يومئذ يصدر الناس من موقف الحساب متفرقين، فآخذ ذات اليمين إلى الجنة، وآخذ ذات الشمال إلى النار.
فمعنى: ﴿يَصْدُرُ﴾: يرجع. والعامل في "يومئذ" "يصدر"، واللام في "ليروا" متعلقة "بأوحى" على هذا التقدير.
وقال عباد بن كثير: بلغني أن النبي ﷺ قرأ: "ليروا" [بفتح] الياء، (أي) [ليرى] الناس جزاء أعمالهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾.
[خيراً] منصوب على البيان أو على البدل من "مثقال ذرة".
أي: فمن يعمل في الدنيا وزن ذرة من خير يرى ثوابه في الآخرة.
ومن يعمل في الدنيا وزن ذرة من شر يرى جزاءه في الآخرة.
قال ابن عباس: ليس مؤمن ولا كافر يعمل خيراً ولا شراً في الدنيا إلا أراه الله إياه. فأما المؤمن فيريه حسناته وسيئاته، فيغفر الله له سيئاته ويثيبه على حسناته. وأما الكافر فيرد حسناته ويعذبه على سيئاته.
وقال محمد بن كعب القرظي: من يعمل مثقال ذرة من خير يره، هذا في الدنيا. يعني أن كل كافر يرى ثواب عمله الحسن في الدنيا في نفسه وماله وأهله وولده حتى يخرج من الدنيا وليس له (عند الله خير، ﴿وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾، هذا في الدنيا، يعني أن كل مؤمن يرى عقوبة سيئاته في الدنيا في نفسه وأهله وماله وولده حتى يخرج من الدنيا وليس عليه) شيء.
وقال أيوب: قرأت في كتاب أبي قلابة قال: نزلت ﴿وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ وأبو بكر رضي الله عنه يأكل، فأمسك وقال: يا رسول الله، إني [لراء] ما عملت من خير وشر؟ فقال: أرأيت ما رأيت مما تكره؟ فهو من مثاقيل ذرة (الشر، ويدخر مثاقيل ذرة) الخير حتى تعطوه يوم القيامة. وتصديق (ذلك) في كتاب الله: "وما أصابكم من مصيبة [بها] كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير".
وقال الشعبي: قالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، إن عبد الله بن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، ويفعل ... فهل ذلك نافعة؟ قال: لا ينفعه، إنه لم يقل قط رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين
وروى قتادة عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: إن الله عز وجل لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجازى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بها في الدنيا، [فإذا كان] يوم القيامة لم تكن له حسنة
وروى [سلمان] الفارسي أن رسول الله ﷺ (قال): "دخل رجل النار في ذباب، ودخل آخر الجنة في ذباب. قال: مر رجل بقوم ولهم آلهة: فقالوا: أقرب لألهتنا شيئاً. قرب ولو ذباباً، فقرب [ذباباً]، فدخل النار. ومر رجل آخر فقالوا: [ألا تقرب] لآلهتنا شيئا؟ ولو ذباباً؟! فقال: لا، فقتلوه فدخل الجنة
وروى نصير عن الكسائي: أنه كان يقرأ (خيراً يره وشراً يره) بضم.
وإنما قال تعالى ذكره: ﴿فَمَن يَعْمَلْ﴾ وهو خبر عما في الآخرة، لأن السامع قد فهم المعنى، ومعناه: فمن عمل. ودل على أن ذلك إنما هو في الآخرة قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتاً لِّيُرَوْاْ أَعْمَالَهُمْ﴾.
وقيل: إنما جاء "يعمل" بلفظ المستقبل للحث لأهل الدنيا على العمل بطاعة الله [والزجر] عن معصيته.
وروي أن [سلمان] قال: قال النبي ﷺ: كيف ينفلت ابن آدم ممن وزن الجبال، وكال المياه، وعد التراب؟!
وقال طاوس: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ من أهل الأديان غير الإسلام، ما عمل منهم أحد مثقال ذرة من خير إلا كوفئ بها في الدنيا في بدنه وماله وأهله حتى يموت وما بقي له مثقال ذرة من خير، ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ قال: من المؤمنين [قوم] يكافأون في الدنيا بالمصيبة في أبدانهم وأموالهم وأهليهم حتى يموت أحدهم ما بقي عليه مثقال ذرة من شر، فهذا يجعل الآيتين في المجازاة في الدنيا.
الزلزلة 99:7
قوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ إلى آخرها.
العامل في "إذا" قوله (زلزلت)، وهي للشرط، فلذلك عمل فيها ما بعدها. ولو لم تكن للشرط لكانت مضافة إلى الجملة التي بعدها، فلا يجوز حينئذ أن يعمل فيها ما أضيفت إليه، إذ لا يعمل المضاف في المضاف إليه، كما (لا) يعمل بعض الشيء في بعضه، وحسن كونها للجزاء، لأن بعدها فعلاً غير معرب، فصار الجزاء في المعنى دون العمل في اللفظ.
* *
وقوله: ﴿زِلْزَالَهَا﴾ مصدر، (كما) تقول: "أكرمتك كرامتك"، وأضيف [المصدر] إلى ضمير الأرض لتتفق رؤوس الآي.
والكسائي والفراء يذهبان إلى أن الزلزال مصدر بالكسر، والزلزال بالفتح اسم.
وقد قرأ الجحدري ﴿زِلْزَالَهَا﴾ بالفتح، وكذلك: ﴿وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ [الأحزاب: ١١].
والمعنى: إذا زلزلت الأرض، أي: حركت ورجت لقيام الساعة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾.
أي: ما في بطنها من الموتى فألقتهم أحياء على ظهرها. قال ذلك ابن عباس ومجاهد وابن جبير وغيرهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلإِنسَانُ مَا لَهَا﴾ أي: وقال الكافر: ما بالها؟ ما قصتها؟
وقال الطبري "الإنسان" هنا يراد به الناس، يقولون: ما قصتها إذا زلزلت؟
* *
ثم قال: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [أي]: يقول الله جل ذكره لها: قولي: فتقول: إن الله أمرني بهذا وأوحى إلي [ربي] فأخرجت ما في بطني من بني آدم. هذا معنى قول ابن مسعود أنها تتكلم فتقول ذلك.
وكان ابن جبير يقرأ: "يومئذ تبين أخبارها" [على معنى: تبين ما في بطنها فتجعله على ظهرها.
وكان الطبري يختار في معناها: يومئذ تبين أخباره] بالزلزلة والرجة وإخراج الموتى من بطنها إلى ظهرها [بوحي] الله إليها وإذنه لها في ذلك. وهو معنى قوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا﴾.
وقيل: معناه: يومئذ تكون الزلزلة وإخراج الأرض أثقالها [تحدث] الأرض أخبار من كان عليها من أهل الطاعة وأهل المعصية وما عملوا على ظهرها في الدنيا من خير أو شر.
قال سفيان ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ "هو ما عمل عليها من خير أو شر".
قال سفيان: "بأن [ربك] أوحى لها"، أي: أعلمها بذلك.
قال ابن زيد: ﴿أَوْحَىٰ﴾، أي: أوحى إليها.
قال ابن زيد: "تحدث أخبارها" هو "ما كان فيها وعلى ظهرها من أعمال العباد".
وقال مجاهد: "تخبر الناس بما عملوا عليها".
ومعنى: ﴿أَوْحَىٰ لَهَا﴾: أفهمها وألهمها.
(ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتاً لِّيُرَوْاْ أَعْمَالَهُمْ﴾.
(أي): إن ربك) أوحى (لها) ليروا أعمالهم، يرى المحسن جزاء حسناته، والمسيء عقاب سيآته. يومئذ يصدر الناس من موقف الحساب متفرقين، فآخذ ذات اليمين إلى الجنة، وآخذ ذات الشمال إلى النار.
فمعنى: ﴿يَصْدُرُ﴾: يرجع. والعامل في "يومئذ" "يصدر"، واللام في "ليروا" متعلقة "بأوحى" على هذا التقدير.
وقال عباد بن كثير: بلغني أن النبي ﷺ قرأ: "ليروا" [بفتح] الياء، (أي) [ليرى] الناس جزاء أعمالهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾.
[خيراً] منصوب على البيان أو على البدل من "مثقال ذرة".
أي: فمن يعمل في الدنيا وزن ذرة من خير يرى ثوابه في الآخرة.
ومن يعمل في الدنيا وزن ذرة من شر يرى جزاءه في الآخرة.
قال ابن عباس: ليس مؤمن ولا كافر يعمل خيراً ولا شراً في الدنيا إلا أراه الله إياه. فأما المؤمن فيريه حسناته وسيئاته، فيغفر الله له سيئاته ويثيبه على حسناته. وأما الكافر فيرد حسناته ويعذبه على سيئاته.
وقال محمد بن كعب القرظي: من يعمل مثقال ذرة من خير يره، هذا في الدنيا. يعني أن كل كافر يرى ثواب عمله الحسن في الدنيا في نفسه وماله وأهله وولده حتى يخرج من الدنيا وليس له (عند الله خير، ﴿وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾، هذا في الدنيا، يعني أن كل مؤمن يرى عقوبة سيئاته في الدنيا في نفسه وأهله وماله وولده حتى يخرج من الدنيا وليس عليه) شيء.
وقال أيوب: قرأت في كتاب أبي قلابة قال: نزلت ﴿وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ وأبو بكر رضي الله عنه يأكل، فأمسك وقال: يا رسول الله، إني [لراء] ما عملت من خير وشر؟ فقال: أرأيت ما رأيت مما تكره؟ فهو من مثاقيل ذرة (الشر، ويدخر مثاقيل ذرة) الخير حتى تعطوه يوم القيامة. وتصديق (ذلك) في كتاب الله: "وما أصابكم من مصيبة [بها] كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير".
وقال الشعبي: قالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، إن عبد الله بن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، ويفعل ... فهل ذلك نافعة؟ قال: لا ينفعه، إنه لم يقل قط رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين
وروى قتادة عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: إن الله عز وجل لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجازى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بها في الدنيا، [فإذا كان] يوم القيامة لم تكن له حسنة
وروى [سلمان] الفارسي أن رسول الله ﷺ (قال): "دخل رجل النار في ذباب، ودخل آخر الجنة في ذباب. قال: مر رجل بقوم ولهم آلهة: فقالوا: أقرب لألهتنا شيئاً. قرب ولو ذباباً، فقرب [ذباباً]، فدخل النار. ومر رجل آخر فقالوا: [ألا تقرب] لآلهتنا شيئا؟ ولو ذباباً؟! فقال: لا، فقتلوه فدخل الجنة
وروى نصير عن الكسائي: أنه كان يقرأ (خيراً يره وشراً يره) بضم.
وإنما قال تعالى ذكره: ﴿فَمَن يَعْمَلْ﴾ وهو خبر عما في الآخرة، لأن السامع قد فهم المعنى، ومعناه: فمن عمل. ودل على أن ذلك إنما هو في الآخرة قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتاً لِّيُرَوْاْ أَعْمَالَهُمْ﴾.
وقيل: إنما جاء "يعمل" بلفظ المستقبل للحث لأهل الدنيا على العمل بطاعة الله [والزجر] عن معصيته.
وروي أن [سلمان] قال: قال النبي ﷺ: كيف ينفلت ابن آدم ممن وزن الجبال، وكال المياه، وعد التراب؟!
وقال طاوس: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ من أهل الأديان غير الإسلام، ما عمل منهم أحد مثقال ذرة من خير إلا كوفئ بها في الدنيا في بدنه وماله وأهله حتى يموت وما بقي له مثقال ذرة من خير، ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ قال: من المؤمنين [قوم] يكافأون في الدنيا بالمصيبة في أبدانهم وأموالهم وأهليهم حتى يموت أحدهم ما بقي عليه مثقال ذرة من شر، فهذا يجعل الآيتين في المجازاة في الدنيا.
الزلزلة 99:8
قوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ إلى آخرها.
العامل في "إذا" قوله (زلزلت)، وهي للشرط، فلذلك عمل فيها ما بعدها. ولو لم تكن للشرط لكانت مضافة إلى الجملة التي بعدها، فلا يجوز حينئذ أن يعمل فيها ما أضيفت إليه، إذ لا يعمل المضاف في المضاف إليه، كما (لا) يعمل بعض الشيء في بعضه، وحسن كونها للجزاء، لأن بعدها فعلاً غير معرب، فصار الجزاء في المعنى دون العمل في اللفظ.
* *
وقوله: ﴿زِلْزَالَهَا﴾ مصدر، (كما) تقول: "أكرمتك كرامتك"، وأضيف [المصدر] إلى ضمير الأرض لتتفق رؤوس الآي.
والكسائي والفراء يذهبان إلى أن الزلزال مصدر بالكسر، والزلزال بالفتح اسم.
وقد قرأ الجحدري ﴿زِلْزَالَهَا﴾ بالفتح، وكذلك: ﴿وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ [الأحزاب: ١١].
والمعنى: إذا زلزلت الأرض، أي: حركت ورجت لقيام الساعة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾.
أي: ما في بطنها من الموتى فألقتهم أحياء على ظهرها. قال ذلك ابن عباس ومجاهد وابن جبير وغيرهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلإِنسَانُ مَا لَهَا﴾ أي: وقال الكافر: ما بالها؟ ما قصتها؟
وقال الطبري "الإنسان" هنا يراد به الناس، يقولون: ما قصتها إذا زلزلت؟
* *
ثم قال: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [أي]: يقول الله جل ذكره لها: قولي: فتقول: إن الله أمرني بهذا وأوحى إلي [ربي] فأخرجت ما في بطني من بني آدم. هذا معنى قول ابن مسعود أنها تتكلم فتقول ذلك.
وكان ابن جبير يقرأ: "يومئذ تبين أخبارها" [على معنى: تبين ما في بطنها فتجعله على ظهرها.
وكان الطبري يختار في معناها: يومئذ تبين أخباره] بالزلزلة والرجة وإخراج الموتى من بطنها إلى ظهرها [بوحي] الله إليها وإذنه لها في ذلك. وهو معنى قوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا﴾.
وقيل: معناه: يومئذ تكون الزلزلة وإخراج الأرض أثقالها [تحدث] الأرض أخبار من كان عليها من أهل الطاعة وأهل المعصية وما عملوا على ظهرها في الدنيا من خير أو شر.
قال سفيان ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ "هو ما عمل عليها من خير أو شر".
قال سفيان: "بأن [ربك] أوحى لها"، أي: أعلمها بذلك.
قال ابن زيد: ﴿أَوْحَىٰ﴾، أي: أوحى إليها.
قال ابن زيد: "تحدث أخبارها" هو "ما كان فيها وعلى ظهرها من أعمال العباد".
وقال مجاهد: "تخبر الناس بما عملوا عليها".
ومعنى: ﴿أَوْحَىٰ لَهَا﴾: أفهمها وألهمها.
(ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتاً لِّيُرَوْاْ أَعْمَالَهُمْ﴾.
(أي): إن ربك) أوحى (لها) ليروا أعمالهم، يرى المحسن جزاء حسناته، والمسيء عقاب سيآته. يومئذ يصدر الناس من موقف الحساب متفرقين، فآخذ ذات اليمين إلى الجنة، وآخذ ذات الشمال إلى النار.
فمعنى: ﴿يَصْدُرُ﴾: يرجع. والعامل في "يومئذ" "يصدر"، واللام في "ليروا" متعلقة "بأوحى" على هذا التقدير.
وقال عباد بن كثير: بلغني أن النبي ﷺ قرأ: "ليروا" [بفتح] الياء، (أي) [ليرى] الناس جزاء أعمالهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾.
[خيراً] منصوب على البيان أو على البدل من "مثقال ذرة".
أي: فمن يعمل في الدنيا وزن ذرة من خير يرى ثوابه في الآخرة.
ومن يعمل في الدنيا وزن ذرة من شر يرى جزاءه في الآخرة.
قال ابن عباس: ليس مؤمن ولا كافر يعمل خيراً ولا شراً في الدنيا إلا أراه الله إياه. فأما المؤمن فيريه حسناته وسيئاته، فيغفر الله له سيئاته ويثيبه على حسناته. وأما الكافر فيرد حسناته ويعذبه على سيئاته.
وقال محمد بن كعب القرظي: من يعمل مثقال ذرة من خير يره، هذا في الدنيا. يعني أن كل كافر يرى ثواب عمله الحسن في الدنيا في نفسه وماله وأهله وولده حتى يخرج من الدنيا وليس له (عند الله خير، ﴿وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾، هذا في الدنيا، يعني أن كل مؤمن يرى عقوبة سيئاته في الدنيا في نفسه وأهله وماله وولده حتى يخرج من الدنيا وليس عليه) شيء.
وقال أيوب: قرأت في كتاب أبي قلابة قال: نزلت ﴿وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ وأبو بكر رضي الله عنه يأكل، فأمسك وقال: يا رسول الله، إني [لراء] ما عملت من خير وشر؟ فقال: أرأيت ما رأيت مما تكره؟ فهو من مثاقيل ذرة (الشر، ويدخر مثاقيل ذرة) الخير حتى تعطوه يوم القيامة. وتصديق (ذلك) في كتاب الله: "وما أصابكم من مصيبة [بها] كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير".
وقال الشعبي: قالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، إن عبد الله بن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، ويفعل ... فهل ذلك نافعة؟ قال: لا ينفعه، إنه لم يقل قط رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين
وروى قتادة عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: إن الله عز وجل لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجازى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بها في الدنيا، [فإذا كان] يوم القيامة لم تكن له حسنة
وروى [سلمان] الفارسي أن رسول الله ﷺ (قال): "دخل رجل النار في ذباب، ودخل آخر الجنة في ذباب. قال: مر رجل بقوم ولهم آلهة: فقالوا: أقرب لألهتنا شيئاً. قرب ولو ذباباً، فقرب [ذباباً]، فدخل النار. ومر رجل آخر فقالوا: [ألا تقرب] لآلهتنا شيئا؟ ولو ذباباً؟! فقال: لا، فقتلوه فدخل الجنة
وروى نصير عن الكسائي: أنه كان يقرأ (خيراً يره وشراً يره) بضم.
وإنما قال تعالى ذكره: ﴿فَمَن يَعْمَلْ﴾ وهو خبر عما في الآخرة، لأن السامع قد فهم المعنى، ومعناه: فمن عمل. ودل على أن ذلك إنما هو في الآخرة قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتاً لِّيُرَوْاْ أَعْمَالَهُمْ﴾.
وقيل: إنما جاء "يعمل" بلفظ المستقبل للحث لأهل الدنيا على العمل بطاعة الله [والزجر] عن معصيته.
وروي أن [سلمان] قال: قال النبي ﷺ: كيف ينفلت ابن آدم ممن وزن الجبال، وكال المياه، وعد التراب؟!
وقال طاوس: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ من أهل الأديان غير الإسلام، ما عمل منهم أحد مثقال ذرة من خير إلا كوفئ بها في الدنيا في بدنه وماله وأهله حتى يموت وما بقي له مثقال ذرة من خير، ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ قال: من المؤمنين [قوم] يكافأون في الدنيا بالمصيبة في أبدانهم وأموالهم وأهليهم حتى يموت أحدهم ما بقي عليه مثقال ذرة من شر، فهذا يجعل الآيتين في المجازاة في الدنيا.